← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

﵏ ونفعنا بهم. فصل عن بعض أهل العلم قال: كان عندنا ببغداد رجل من التجار يقع في الصوفية كثيرا، ثم إنه بعد ذلك صحبهم وأنفق جميع ماله عليهم، فقلت له في ذلك فقال: ليس الأمر على ما كنت أتوهم. فقلت له: كيف؟ قال: صليت الجمعة يوما من الأيام وخرجت فرأيت بشرًا الحافي (١) خارجا من المسجد مسرعا، فقلت في نفسي: انظر هذا الرجل الموصوف بالزهد ليس يستقر في المسجد، فتركت حاجتي وقلت: أنظر أين يذهب، فتبعته. فرأيته تقدم إلى الجنازة واشترى بدرهم خبز الماء. . . إلى آخر الحكاية، وقد سقتها في ترجمته في الطبقات. فصل عن بعض الروم أنه قال: كان سبب إسلامي أنه غزانا المسلمون، فكنت أساير جيشهم، فوجدت غرة (٢) في الساقة (٣) فأسرت نحو عشرة أنفس وحملتهم على البغال بعد أن قيدتهم، وجعلت مع كل واحد منهم رجلا موكلا به، فرأيت في بعض الأيام رجلا من الأسارى يصلي، فقلت للموكل به في ذلك، فقال لي: إنه في كل وقت صلاة يدفع إليَّ دينارا، فقلت: وهل معه شيء؟ قال: لا، ولكنه إذا فرغ من صلاته ضرب بيد الأرض ودفع إليَّ ذلك. قال: فلما كان من الغد لبست ثيابا خلقانا (٤) وركبت فرسا وسرت مع الموكل به

стр. 1157

لأعرف صحة ذلك، فلما دنا وقت صلاة الظهر أومأ إليَّ أنه يدفع لي دينارا متى تركته يصلي، فأشرت إليه بأصبعي إني لا آخذ إلا دينارين، فأومأ برأسه: نعم. فلما فرغ من صلاته رأيته ضرب الأرض بيده فدفع إليَّ دينارين (١). فلما كان وقت العصر أشار كالمرة الأولى، فأشرت إليه: لا آحذ إلا خمسة دنانير، فلما كان وقت المغرب أشار كذلك فقلت: لا آخذ إلا عشرة، فلما نزلنا وأصبحنا دعوت به وسألته عن خبره وخيرته في رجوعه إلى بلاد الإسلام، فاختار الرجوع، فأركبته بغلا، ودفعت إليه زادا، وحملته بنفسي على البغل. فقال لي: أماتك اللَّه على أحب الأديان إليه (٢) فوقع لي من ذلك الوقت الإسلام، وأرسلت معه جماعة من وجوه أصحابي وأوصيتهم بإيصاله إلى أول بلد المسلمين، ودفعت إليه دواة وبياضا، وجعلت بيني وبينه علامة يكتب بها إليَّ إذا وصل مأمنه، وكان بيننا وبين ذلك الموضع مسيرة أربعة أيام، فلما كان اليوم الخامس رجعوا إليَّ أصحابي، فخشيت أن يكونوا قتلوه، فسألتهم عنه فقالوا: لما فارقناك وصلنا معه في ساعة، وأقمنا في رجوعنا أربعة أيام. فصل روي أن امرأة جاءت إلى بعض المشايخ وقالت: إن ابني قد أسره الروم، ولا أقدر على مال أكثر من دوبرة، ولا أقدر على بيعها، فلو أشرت إلى من يفديه بشيء، فإنه ليس لي ليل ولا نهار ولا نوم ولا قرار (٣). فقال: نعم، انصرفي حتى أنظر في أمره إن شاء اللَّه. وأطرق الشيخ وحرك شفتيه، ثم جاءت المرأة بعد مدة ومعها ابنها وأخذت تدعو للشيخ وتقول: قد رجع

стр. 1158

ولدي سالما، وله حديث يحدثك به (١). فقال الشاب: كنت بين يدي بعض ملوك الروم مع جماعة من الأسرى، وكان له إنسان يستخدمنا كل يوم، يخرجنا إلى الصحراء للخدمة ثم يردنا وعلينا قيودنا، فبينما نحن راجعون من العمل بعد المغرب مع صاحبه الذي كان يحفظنا، انفتح القيد من رجلي ووقع على الأرض، ووصف اليوم والساعة، فوافقا الوقت الذي جاءت فيه المرأة إلى الشيخ ودعا فيه لها. قال فنهض الذي كان يحفظنا وصاح عليَّ وقال: كسرت القيد؟ فقلت لا بل سقط من رجلي، فتحير وأخبر صاحبه وأحضر الحداد، وقيدوني، فلما مشيت خطوات سقط القيد من رجلي ثانيا، فتحيروا في أمري، فدعوا رهبانهم، فقالوا لي: ألك والدة؟ قلت نعم، فقالوا: وافق دعاؤها الإجابة، وقالوا: أطلقوه فلا يمكننا نقيدك، فزودوني وأصحبوني إلى ناحية المسلمين. فصل حكي عن بعض التجار أنه قال: سافرت مرة ومعي دابة عليها قماش، فلما دخلت مصر واختلطت بالناس نظرت الدابة فلم أجدها (٢)، ففتشت عليها وسألت عنها، فلم أعلم لها خبرا، فقال لي بعض أصحابي: ائت الشيخ أبا العباس الدمنهوري لعله يدعو لك، وكنت أعرفه قبل ذلك. فجئت إليه وسلمت عليه، وحكيت له قصتي، فما أصغى إلى كلامي ولا فرَّحني بحاجتي، ولكن قال: عندنا ضيفان نطلب لهم كيت وكيت من الدقيق واللحم والحوائج وغير ذلك، فخرجت من عنده وأنا أقول: واللَّه لا رجعت إلى هؤلاء الفقراء؛ ما يعرفون إلا حوائجهم، أتيت إليه وأنا مضرور فما سمع شكوى ولا دعا لي (٣)، بل طلب قضاء حاجته.

стр. 1159

فمضيت على هذه النية، فوجدت بعض من كان لي عليه دين (١) فأمسكته وقلت له: ما أفارقك حتى تخلصني، فدفع إليَّ ستين درهما، أو نحو ذلك، فلما حصل لي ذلك قلت في نفسي: واللَّه لأخطون معه بهذه، فإما يحصل لي الجميع وإلا ذهبت مع ما ذهب في سبيل اللَّه تعالى، فاشتريت جميع ما ذكر لي الشيخ وفضل معي فضلة، فاشتريت به علبة حلوى، وحملت الجميع على حمَّال وأتيت الشيخ، فلما وصلت قريب الزاوية إذا أنا بدابتي واقفة على باب الزاوية، فقلت في نفسي: هذه دابتي. ثم قلت: وأين دابتي؟ لعلها تشبهها، فلما دنوت منها وجدتها دابتي بعينها وعليها القماش بعينه كما هو، فتعجبت من ذلك ثم قلت: أخلي من يحفظها أو أدخل بها الزاوية لئلا تذهب؟ ثم قلت: الذي سلمها وحفظها عليَّ هو يحفظها، ثم دخلت على الشيخ فوضعت الحوائج بين يديه فاستعرضها حاجة حاجة حتى انتهى إلى علبة الحلاوة فقال: إيش هذه؟ قلت: يا سيدي فضلت معي فضلة فاشتريت بها هذه. فقال: هذه لم تكن داخلة في الشرط ولكن أزيدك بها زيادة؛ اذهب إلى القيسارية وبع قماشك ولا تعجل عليه، وكلما بعت شيئا اقبض ثمنه ولا تخف أن يرد عليك أحد من التجار، فالبحر في يميني والبر في شمالي (٢). قال فمشيت إلى القيسارية فوجدت جميع ما كان معي من القماش مطلوبا، فبعته بزيادة كثيرة عن العادة جدًا، وكلما بعت شيئا قبضت ثمنه، فلما فرغت من ذلك أقبل التجار من البر والبحر كأنهم قد أُطْلِقُوا.

стр. 1160

فصل قال بعض السلف - رحمة اللَّه عليه: كان لرجل على رجل مائة دينار بوثيقة إلى أجل. فلما جاء الأجل طلب الوثيقة فلم يجدها، فجاء إلى بنان الجمال (١) فسأله الدعاء، فقال له: أنا قد كبرت وأنا أحب الحلوى، اذهب فاشتر لي رطل معقود وجئني به حتى أدعو لك. فذهب فاشترى له ما قال ثم جاءه، فقال له بنان: افتح القرطاس، ففتحه فإذا بالوثيقة فيه. فقال له بنان: خذ وثيقتك وخذ المعقود وأطعمه صبيانك، فأخذهما ومضى، ولم يأخذ منه شيئا، ﵀ ونفعنا به. فصل روي أنه لما وصل أبو عبد اللَّه القرشي (٢) ﵀ إلى القدس كان معه الفقيه أبو طاهر المحلي، فمر الفقيه أبو طاهر المذكور على مدرسة بالقدس والفقهاء جالسون على بابها بأعظم هيئة ولباس، وزي أكثرهم أعاجم، فاستحيا أن يمر عليهم لحقارته في نفسه، وهو شاب أسود فقير رث الحال. فلما رجع إلى الشيخ وبات معه إلى الصبح قال له الشيخ: امض إلى المدرسة التي مررت عليها، كن بها معيدًا، قال: فتعجبت وعظم ذلك عليَّ واستحلت وقوعه، ولم يمكني إلا الامتثال، فجئت إليها وأنا أتوهم أن البواب يمنعني من الدخول فلم يمنعني، فدخلت فوجدت المدرس جالسا، وحلقة كبيرة دائرة عليه، فأردت أن أدخل في الحلقة، فلم يفسح لي (٣) أحد منهم احتقارًا وامتهانه بي.

стр. 1161

فجلست خلف اثنين منهم، وإذا برجل قد دخل من باب المدرسة، فلما رآه المدرس عبس وجهه وقام إليه يتلقاه، وانقبض الجماعة بأسرهم، فقلت للذي أنا وراء ظهره: يا أخي ما للجماعة؟ قال: هذا الذي دخل جدلي خلافي لا يطاق، إذا جاء لا يبقى للشيخ معه كلام، لا يلاطفه ولا يستطيع أحد مجاراته. فلما تلقاه الشيخ أجلسه في مكانه. فلما قعد استفتح وألقى مسألة خلافية عقدة، فلما استكمل إيرادها فُتِحَ عليَّ بحفظ سؤاله والجواب عنه، فزاحمت ودخلت بين اثنين وانطلق لساني ونصبت سؤاله وما غيرت منه شيئا. وهذا ترتيب المناظرين إعادة السؤال، ثم أجبته بما فتح اللَّه عليَّ، ولم أكن قرأت علم الخلاف ولا ناظرت، فتعجب المدرس مني، وبهت الجماعة من أمري، واستعظموا ذلك، فقال المناظر للمدرس: هذا الفقيه (١) من أين لكم؟ قال: ما رأيناه إلا في هذه الساعة! قال: لمثل هذا بُنيت المدارس، ففرح المدرس الذي كان في حلقته من إجابة هذا المناظر، ثم قال المدرس لي: ما اسمك؟ فذكرت له اسمي، ففال: قد ولَّيْتكُ الإعادة، ثم قام فقمت معه، وقامت الجماعة. فقال: يا فقيه عادتنا إذا استقدمنا معيدا نوصله حال توليته إلى منزله. فلما خرجنا من المدرسة قصد أن يمشي هو والجماعة معي، فسألته أن يخلي عن ذلك، فقبل ورجع، فلما جئت إلى الشيخ قال: يا فضولي، لأي شيء منعته أن يفعل عادته ويوصلك إلى منزلك؟ قلت: يا سيدي حملا عن خاطرك، وبقيت معيدا بالمدرسة إلى أن توفي الشيخ فدفن بظاهر بيت المقدس = ﵀.

стр. 1162

فصل حكي عن بعض الشيوخ الأكابر ﵀ أنه دخل على بعض التجار بثغر الإسكندرية، فرحب به التاجر وفرح به، فرأى الشيخ في إيوان بيت التاجر بساطين مثمنين مستعملين من بلاد الروم على قدر ذلك الإيوان، فطلبهما الشيخ من التاجر، فصعب عليه ذلك وقال له: يا سيدي أعطيك ثمنهما، فامتنع الشيخ، فقال له: ما أطلب إلا البساطين بعينهما، فقال التاجر: إذ كان ولا بد من الأخذ فخذ أحدهما. فأخذ الشيخ أحد البساطين وخرج به، وكان حينئذٍ للتاجر ابنان مسافران في بلاد الهند، كل واحد منهما في مركب، فبعد مدة سمع أبوهما أن أحدهما غرق هو ومركبه وجميع ما كان فيه، ووصل الابن الآخر إلى عدن سالما. فلما كان بعد مدة وصل إلى قريب الإسكندرية، فخرج أبوه إلى لقائه ظاهر البلد، فرأى البساط الذي كان الشيخ أخذه منه بعينه محملا على بعض الجمال، فسأل ابنه عن قصة البساط ومن أين هو، فقال: يا أبت لهذا البساط قصة عجيبة وآية عظيمة، فقال له أبوه: أخبرني يا بني بذلك. فقال: سافرت أنا وأخي برج طيبة من بلاد الهند كل منا في مركب، فلما توسطنا البحر عصفت علينا الريح واشتد علينا الأمر، وانفتح المركبان، واشتغل أهل كل مركب بمركبهم، وسلم كل منا أمره إلى اللَّه، وإذا بشيخ قد ظهر لنا وفي يده هذا البساط فسد به مركبنا، وسرنا بالسلامة أياما والمركب مسدود بهذا البساط إلى أن وصلنا إلى بعض المراسي، فقمنا إلى ما كان في المركب وأصلحناه وسافرنا فيه. وأما مركب أخي فغرق جميع من كان فيه ولم يسلم منه أحد، قال التاجر: فقلت له: يا بني أتعرف الشيخ إذا رأيته؟ فقال: نعم. فذهب به إلى الشيخ، فلما رآه صرخ وصاح صيحا عظيمًا وقال: هو ذا واللَّه يا أبت، فجعل الشيخ يده عليه حتى أفاق وسكن ما به، فقال التاجر: يا سيدي لم لا عرفتني بحقيقة الأمر حتى أدفع لك البساطين كليهما؟ فقال الشيخ: هكذا أراد اللَّه تعالى. فصل عن جعفر بن سليمان قال: مررت أنا ومالك بن دينار (١) بالبصرة فبينما نحن

стр. 1163

ندور فيها مررنا بقصر يعمَّر، وإذا شاب جالس ما رأيت أحسن وجها منه، فإذا هو يأمر ببناء القصر ويقول افعلوا واصنعوا، فقال لي مالك: ما ترى إلى هذا الشاب وحسن وجهه وحرصه على هذا البناء؟ ما أحوجني أن أسأل اللَّه ربي أن يُخَلِّصَه ولعله يجعله من شباب الجنة، يا جعفر ادخل بنا إليه، قال جعفر فدخلنا وسلمنا عليه فرد السلام ولم يعرف مالكا، فلما عرفه قام إليه فقال: ألك حاجة يا مالك: فقال: كم تريد أن تنفق على هذا القصر؟ قال: مائة ألف درهم. قال: ألا تعطيني هذا المال فأضعه في حقه وأضمن لك على اللَّه تعالى قصرا خيرا من هذا القصر بولدانه وخدمه وحشمه (١) من ياقوتة حمراء مرصع بالجوهر، ترابه الزعفران، وبلاطه المسك الأذفر، أفسح من قصرك هذا، لم تمسه يد ولم يبنه بان؟ قال له الجليل كن فكان؟ قال له: يا مالك فأجلني الليلة وبكر عليَّ غدا، فقال: نعم. قال جعفر: فبات مالك وهو يفكر في أمر الشاب، فلما كان وقت السحر دعا فأكثر من الدعاء. فلما أصبحنا غدونا، وإذا بالشاب جالس، فلما عاين مالك هش إليه ثم قال له: ما تقول فيما قلت بالأمس؟ قال: تفعل؟ قلت: نعم، فدعا بدواة وقرطاس ثم كتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان ابن فلان: أني ضمنت لك على اللَّه تعالى قصرا بدل قصرك بصفته كما وصفت والزيادة على اللَّه تعالى، واشتريت بهذا المال قصرا في الجنة أفسح من قصرك في ظل ظليل، بقرب العزيز الجليل. ثم طوى الكتاب فدفعه إلى الشاب، وحمل المال، فما أمسى مالك حتى ما بقي قرى ليله، وما أتى على الشاب أربعون يوما حتى وجد مالك كتابا موضوعا في المحراب عندما انفتل من صلاة الغداة، فأخذه وأبصره، فإذا في ظهره مكتوب بلا مداد: هذه براءة من اللَّه العزيز الحكيم لمالك بن دينار، وفَّيْنا للشاب القصر الذي ضمنت له وزيادة سبعين ضعفا. قال: فبقي مالك متعجبا، وأخذ الكتاب، فقمنا فذهبنا إلى منزل الشاب، فإذا اللباس مسود والبكاء في الدار، فقلنا ما فعل الشاب، فقالوا مات بالأمس، وأحضرنا الغاسل، فقلنا: أنت غسلته؟ قال: نعم، قال مالك: فحدثنا كيف صنعت؟ قال: قال لي قبل الموت: إذا أنا مت وكفنتني اجعل هذا الكتاب بين كفني وبدني. فجعلته

стр. 1164

بين كفنه وبدنه ودفنته معه. فأخرج مالك الكتاب، فقال الغاسل: هذا الكتاب بعينه، والذي قبضه لقد جعلته بين كفنه وبدنه. قال فكثر البكاء، فقام شاب فقال: يا مالك خذ مني مائتي ألف درهم واضمن لي مثل هذا، فقال: هيهات، كان ما كان وفات ما فات، واللَّه يحكم ما يريد. قال: فكان مالك كلما ذكر الشاب بكى ودعا له. فصل عن زيتونة خادمة الشيخ أبي الحسن النوري (١) وخادمة الجنيد وأبي حمزة ﵏ قالت: كان يوم بارد فقلت للنوري: أعمل إليك شيئا؟ قال: نعم. فقلت: إيش تريد؟ فقال: خبز ولبن، فحملته إليه، وكان بين يديه فحم يقلبها بيديه، وقد اشتعلت -يعني النار- فأخذ يأكل الخبز واللبن يسيل على يديه وعليها سواد الفحم، فقلت في نفسي ما أقذر أولياءك يا رب! ما فيهم أحد نظيف، قالت: فخرجت من عنده فتعلقت بي امرأة وقالت: سُرِقَت لي رزمة ثياب وجروني إلى الشرطي، فأخبر النوري بذلك، فخرج وقال للشرطي: لا تتعرض لها، فإنها ولية من أولياء اللَّه تعالى، فقال الشرطي: كيف أصنع والمرأة تدعي أنها التي أخذت الرزمة؟ قالت: فجازت جارية ومعها الرزمة المطلوبة، فاسترد النوري المرأة، فقال لها أتقولين بعد ذلك: ما أقذر أولياءك يا رب؟ قالت: فقلت: تبت إلى اللَّه تعالى. فصل قال بعضهم: دخل الشيخ أبو الحسن النوري (٢) المذكور ﵀ مرة إلى الماء

стр. 1165

ليغتسل، فجاء لص فأخذ ثيابه ومشى، فبعد ساعة رجع اللص بالثياب وقد جفت يده، فلبس النوري ثيابه وقال: إلهي وسيدي، رددت علي ثيابي فاردد عليه يده. قال: فعوفي ومشى في سبيله. فصل قيل: قصد جماعة من الفقهاء زيارة بعض الشيوخ، فلما أتوه صلوا خلفه، فسمعوه يلحن في قراءته، فتغير اعتقادهم فيه، فلما ناموا أجنبوا تلك الليلة كلهم، فخرجوا في السحر يغتسلون، ووضعوا ثيابهم عند بركة ماء هناك ونزلوا في الماء، فجاء الأسد فجلس على ثيابهم ولاقوا شدة من شدة البرد. فجاء الشيخ وأخذ بأذن الأسد وقال: ما قلت لك لا تتعرض لضيفاني؟ ثم قال لهم: أنتم اشتغلتم بإصلاح الظاهر فخفتم الأسد، ونحن اشتغلنا بإصلاح الباطن فخاف منا الأسد. فصل قال سفيان الثوري: خرجت حاجًا أنا وشيبان الراعي، فلما سرنا ببعض الطريق فإذا نحن بأسد قد عارضنا، فقلت لشيبان: أما ترى هذا الكلب قد عرض لنا؟ فقال: لا تخف يا سفيان، فما هو إلا أن سمع الأسد كلامه بصبص وحرك ذنبه مثل الكلب، والتفت إليه شيبان وعرك أذنه، فقلت له: ما هذه الشهرة (١)؟ فقال أي شهرة هذه يا ثوري ولا كرامة؟! الشهرة ما حملت مزاري إلى مكة إلا على ظهره. فصل حكي عن بعضهم أنه كان في بعض الجبال، وكان إذا أصابه المطر والبرد يأتيه بعض الأسود ويركن عليه ويدفيه. فصل عن محمد بن المنكدر (٢) قال: قال لي سفينة مولى رسول اللَّه ﷺ : ركبت سفينة فانكسرت وتعلقت بشيء منها حتى خرجت إلى جزيرة: فإذا فيها أسد، فقلت: أبا

стр. 1166

الحارث أنا سفينة (١) مولى رسول اللَّه ﷺ ، فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه فيدلني على الطريق، فلما خرجت إلى الطريق همهم، فظننت أنه يودعني. فصل قال إبراهيم الخواص: كنت بالبادية مرة فسرت في وسط النهار فوصلت إلى شجرة فنزلت، فإذا بسبع عظيم قد أقبل، فاستسلمت، فلما قرب مني إذا هو يعرج، فهمهم وبرك بين يدي، ووضع يده في حجري، فنظرت فإذا يده منتفخة فيها قيح ودم، فأخذت خشبة فشققت الموضع الذي فيه القيح (٢) وشددت على يده خرقة ومضى. فإذا أنا به بعد ساعة ومعه شبلان (٣) يبصبصان فحملا إليَّ رغيفين. فصل وعن بعض الإخوان أنه سأل كيف حالك مع الأسود؟ قال: ألبست هيبة فكنت أسد الأسود، وكانت إذا رأتني هربت مني. آخر المجلس وقد اشتمل على عدة آيات، ومن الأحاديث على نحو عشرين حديثا، ومن الحكايات زيادة على مائة.

стр. 1167

مجلس في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) الآيات سببها أن المسلمين قالوا يا رسول اللَّه، بنو إسرائيل كانوا أكرم على اللَّه منا؛ كانوا إذا أذنبوا أصبحت كفارة ذنوبهم في عتبة بابهم: افعل كذا، فسكت ﷺ فأنزل اللَّه: ﴿وَسَارِعُوا. . . .﴾ أي سابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة، وتشمل الصلاة والزكاة والجهاد والتوبة وغيرها، حتى قال أنس: المراد التكبيرة الأولى، ﴿وَجَنَّةٍ﴾ أي وإلى جنة عرضها؛ أي كعرض، كقوله: ﴿إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أي كبعث نفس واحدة. وقد قال في سورة الحديد: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢)؛ لو بسطت ووصل بعضها إلى بعض، وإنما خص العرض على المبالغة؛ لأن طول كل شيء في الأغلب أكبر من عرضه. يقول هذه صفة عرضها فكيف طولها؟ (٣) ولهذا قال الزهري: إنما وصف عرضها، وأما طولها فلا يعلمه إلا اللَّه، وهكذا قوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] فإذا كان هذا وصف البطانة فما ظنك؟ وقال أكثر أهل المعاني: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد سعتها وعظمها؛ أي كعرض السموات السبع والأرضين السبع (٤) عند ظنكم، كقوله:

стр. 1168

﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (١) يعني عند ظنكم أنهما زائلتان. فإن قلت: فأين النار إذا كان عرضها ذلك؟ قلت: فأين النهار إذا جاء الليل، وعكسه؟ ويعلمها فوق السموات السبع كما أن النار تحت الأرضين السبع. ووصف المتقين فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (٢) يعني في العسر واليسر والشدة والرخاء، فإذا خلق من أخلاقهم الموجهة لهم الجنة (السخاوة) (٣). وورد من حديث عائشة مرفوعا: "الجنة دار الأسخياء" (٤). ومن حديث أبي هريرة مرفوعا: "السخي قريب من اللَّه قريب من الجنة قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من اللَّه بعيد من الجنة بعيد من الناس، قريب من النار. ولجاهل سخي أحب إلى اللَّه من العالم البخيل" (٥). ومن حديث أنس مرفوعا: "السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى النار" (٦). ﴿وَالْكَاظِمِينَ

стр. 1169

الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] أي الجارعين له عند امتلاء نفوسهم منه، والمكافين غصتهم عن أعضائه يردون غيظهم في جوفهم. وورد من حديث معاذ بن أنس: "من كظم غيظا وهو قادر أن ينفذه دعاه اللَّه يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخير من أي الحوراء شاء" (١). وإذا غضبت فكن وقورا كاظما … الغيظ تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا بصير ساجد … يرضى عنك الإله وترفع ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] من أساء إليهم؛ قال مقاتل: بُلِّغْتُ أن رسول اللَّه ﷺ قال عند ذلك: "إن هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصمه اللَّه وقد كانوا كثيرًا في الأمم التي مضت" (٢). لن يبلغ المجد أقوام وإن كُرِّمُوا … حتى يذلوا فإن عز (وا لأقوم) (٣) ويشتموا فترى الألوان مشرقة … ولا عفو ذل ولكن عفو أحلام ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٤) أي هذه الأشياء إحسان، من فعل ذلك فهو المحسن إلى من أساء إليه. ويحسن وقت الإمكان. ليس في كل ساعة وأوان … يتهيأ صنائع الإحسان فإذا مكنت فبادر إليها حذرا … من تعذر الإمكان وروي من حديث أنسر مرفوعا: "رأيت قصورا مشرفة على الجنة، فقلت: يا جبريل، لمن هذه؟ قال: للكاظمين الغيظ".

стр. 1170

مجلس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ (١) الآية، أي فعلوا فعلة قبيحة، خارجة عما لدى اللَّه فيه (٢). وقيل المراد الزنا ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] أي (. . . . . .) (٣) أو مقدمات الزنا كالقبلة والنظرة ونحوهما. ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] أي ذكروا العرض الأكبر على اللَّه وسؤالهم. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] طلبوا سترها. ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] أي وهل يغفرها أحد سواه؟ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] أصله الثبات على الشيء، المعنى: ولم يدوموا، ولم يقيموا عليه، ولكنهم تابوا وأنابوا. وفي الحديث: "ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (٤). وفي حديث أبي هريرة مرفوعا: "ليس. . . . . " (٥). اقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه … إن الجحود جحود الذنب ذنبان وفي الحديث: "من أذنب ذنبا وعلم أن له ربا يغفر الذنوب غفر له وإن لم يستغفر" (٦).

стр. 1171

وفي آخر: "يقول اللَّه تعالى: من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي" (١). وفي بعض الكتب المنزلة: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي" (٢). وفي الحديث (٣): "مر رجل ممن كان قبلكم من بني إسرائيل بجمجمة، فنظر إليها فقال: أي رب أنت أنت وأنا أنا، أنت العواد بالمغفرة وأنا العواد بالذنوب، ثم خر ساجدًا، فقيل له ارفع رأسك، وأنا العواد بالمغفرة، وأنت العواد بالذنوب، فغفر له أجر العاملين ثواب المطيعين". يقال: أوحى اللَّه إلى موسى ﷺ : أن يا موسى ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، يا موسى كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي؟ وقال شهر بن حوشب (٤): طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب. وقال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] إلى آخرها.

стр. 1172

مجلس في الاستغفار قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (١). وقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ (٢). وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (٣). وقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ [آل عمران: ١٥] إلى قوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٤). وهو الوقت المشهود لعطايا الجبار. وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ (٥) الآية؛ فعمل السوء يفوت حق الخلق، وظلم النفس يفوت حق الحق. قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٦). وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٧). ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٨). والآيات في الباب كثيرة معلومة، وما ذكرناه كافٍ؛ لأن فيه ذكر المستغفر والمستغفر لهم والمستغفر فيه والمستغفر عنده ومن أجله، وصفة الاستغفار. وأما الأحاديث فكثيرة، نذكر منها أحد عشر حديثا مشتملة على بيان أهمية الاستغفار وفوائده وثمراته (٩) الدينية والدنيوية، وأحسن ألفاظه، وأولى الأوقات به، وما يزيل الوحشة منه. أحدها: عن الأغر المزني مرفوعا: "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر اللَّه

стр. 1173

في اليوم مائة مرة" (١). أخرجه مسلم. وهو دال على أن عموم الحاجة الداعية إليه لإقبال سيد الخلق عليه. ثانيها: عن أبي هريرة مرفوعا: "واللَّه إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" (٢) أخرجه البخاري. وهو دال على الناس في ذلك إذا كان سيد الخلق يكرره كذلك. ثالثها: عنه مرفوعا (٣): والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب اللَّه بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اللَّه فيغفر لهم" رواه مسلم. وهو دال على أهمية الاستغفار؛ إذ حث عليه الجليل الجبار. أنا المذنب الخطَّا والعفو واسع … ولو لم يكن ذنب لما حسن العفو رابعها: عن ابن عمر قال: كنا نعد لرسول اللَّه ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" (٤) رواه أبو داود والترمذي وصححه. وهو دال على أنه ديدن الأكابر وهجيراهم، فلولا أهميته عندهم لما لزموه وكرروه في المجلس مائة وتابعوا به. خامسها: عن ابن عباس مرفوعا: "من لزم الاستغفار جعل اللَّه له من كل ضيق

стр. 1174

مخرجا، ومن كل همٍّ فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب" (١). رواه أبو داود. وهو نعيم عام وتفخيم جالب للمصلحة، دافع للمضار. سادسها: عن ابن مسعود مرفوعا: "من قال: أستغفر اللَّه العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فرَّ من الزحف" (٢) رواه أبو داود والترمذي والحاكم وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. وهو تعميم لرفع كثائف الحجوب وظلمات الذنوب وإيحاشها لعلام الغيوب. سابعها: عن شداد بن أوس مرفوعا (٣): "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" قال: "ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة" رواه البخاري. معنى أبوء: أقر وأعترف؛ فالألسن كالَّة عن وصف ربحه وكمال سعادته. ثامنها: عن ثوبان قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر اللَّه ثلاثا" (٤) رواه مسلم.

стр. 1175

وهذا الوقت هو أولاها؛ لأنه موطن الإجابة، واستنزال الرحمة، فلذلك طلبت الإنابة. تاسعها: عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يكثر أن يقول قبل موته: "سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه وأتوب إليه" (١) أخرجاه. وهذا الوقت أولى به لأنه الخاتمة. عاشرها: عن أنس مرفوعا (٢): "قال اللَّه تعالى: يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة". رواه الترمذي وحسنه، وهو من المهمات البليغة من الاسترسال في القطيعة. الحادي عشر: عن ابن عمر أنه ﷺ قال (٣): يا معشر النساء تصدَّقْن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول اللَّه أكثر أهل النار؟ قال: "تُكثِرن اللعن وتَكْفُرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُبٍّ منكنَّ" قالت: يا رسول اللَّه وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي" (٤) رواه مسلم. لي ذنوب شغلتني … عن صيامي وصلاتي تركت حبيبي عليلا … مات من قبل مماتي

стр. 1176

ليتني تبت لربي … من جميع السيئات أنا عبد لإلهي … نقضت في الخلوات بحت جهرا بعيوبي … وذنوبي قاتلات قد تعالت سيئاتي … وتلاشت حسناتي

стр. 1177

مجلس في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) إلى آخر السورة قال قتادة: إن آخر القرآن عهدا بالسماء هاتان الآيتان. قال عروة: وآخر سورة كاملة نزلت سورة براءة (٢). وقرأ العامة ضم الفاء من "أنفُسكم" أي من نسبكم؛ تعرفون نسبه وحسبه من بني إسماعيل. قال ابن عباس: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي ﷺ مضرها وربيعها ويمانيها؛ قال الصادق: لم يصبه شيء من ولاد الجاهلية. وقد روينا من حديث ابن عباس مرفوعا: "ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء، ما ولدني إلا بنكاح كنكاح الإسلام" (٣). قال قتادة: جُعِلَ من أنفسهم فلا يحسدونه على ما أعطاه اللَّه من النبوة والكرامة. وقراءة الدميرِي وجماعات بفتح الفاء، أي من أشرفكم وأفضلكم. قال بنان: من أعلاكم نسبا. و"عزيز" (٤) شديد.

стр. 1178

﴿مَاعَنِتُّمْ﴾ حاصله أي عنتكم، وهو دخول المضرة والمشقة عليكم. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي على إيمانكم وهداكم وصلاحكم. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ﴾ رفيق. ﴿رَحِيمٌ﴾ أو رءوف بالمطيعين ﴿رَحِيمٌ﴾ بالمذنبين، أو ﴿رَءُوفٌ﴾ بأقربائه ﴿رَحِيمٌ﴾ بأوليائه، ﴿رَءُوفٌ﴾ بمن رآه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بمن لم يره. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٣٢] أعرضوا عن الإيمان وناصبوك. ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٢٩]: وقال الحسين لم يجمع اللَّه لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا لرسول اللَّه ﷺ فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾. ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] (١) قرأه العامة بخفض الميم على نعت العرش، وقرأ (. . . . .) (٢) بالرفع على نعت الرب تعالى.

стр. 1179

مجلس في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) الآية المراد بهم أبو سفيان وأصحابه، إن ينتهوا عن الشرك وقتال سيد الآولين والآخرين، ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] مما مضى من ذنوبهم قبل الإسلام. ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لقتال محمد ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] في نصرة الأنبياء والأولياء على أهل الكفر والأعداء مثل يوم بدر. قال يحيى بن معاذ الرازي: إني لأرجو أن لا نؤاخذ، ومن يعجز عن هدم ما قبله من كفر (٢) لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. ولأبي سعيد أحمد بن محمد الزبيري: يستوجب العفو الغبي إذا اعترف … ثم انتهى عما أتاه واقترف لقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وفي الحديث الصحيح: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن التوبة تجب ما قبلها؟ " (٣). أي تقطع؛ فالتوبة أول منازل السائرين، ورأس مال السالكين. وقد أسلفناها واضحة في المجلس الثاني فليتأمل.

стр. 1180

مجلس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ (١) أي شاهدا على ما بعثه إليهم وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي مقبولا قولك عند اللَّه لهم وعليهم، ولا يقبل قول الشاهد العدل في الحكم، وإنما وصفه بكونه شاهدا وقت الإرسال، ومحلها عند التحمل والأداء؛ لأنه مُعَدٌّ لذلك، وقال: "بإذنه" وهو مفهوم من الإرسال، داعيا لأجل التعديل والتيسير، ولم يرد حقيقة الإذن، فالأمر صعب لا يستطاع إلا بتسهيل الجليل، وأرسله سراجا ليجلي الظلمات، ويهتدي به أهل العنايات كما في السراج، فأيد اللَّه بنور نبوته نور البصائر، كما يمد بنور السراج نور الأبصار. ووصفه بالإنارة لأن من السرج ما تضيء إلا إذا قل (سليطة) (*) ودق فتيله، وفي كلام بعضهم: ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة لا ينتظر لها من مجيء. وسئل بعضهم عن الموحشين فقال: ظلام ساتر وسراج (فات) (*). هذا أفضل ما يتفضل به عليهم زيادة على الثواب، وإذا ذكر المفضل به وكبره فما ظنك بالثواب، ويحتمل أن يراد به الثواب أو أن يريد أن لهم فضلا كثيرا على سائر الأمم، وذلك الفضل من جهة اللَّه، وأنه آتاهم ما فضلوهم به.

стр. 1181

﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ معناه: الدوام والثبات كما كان عليه، أو التهييج. ﴿أَذَاهُمْ﴾ أي لا تؤذهم بضرر أو قتل، وخذ بظاهرهم، وحسابهم على ربهم في باطنهم، أو دع ما يؤذونك به لا تحاربهم عليه حتى تؤمر. وعن ابن عباس: هي منسوخة بآية السيف. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فإنه كافيك، وكفى به مفوضا إليه. وانظر كيف وصفه بخمسة أوصاف، وقابل كلا منها بخطاب مناسب له؛ قابل الشاهد بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنه يكون شاهدا على أمته وهم يكونون شهداء على سائر الأمم، وهو الفضل الكبير، والمبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين؛ لأنه إذا أعرض عنهم أقبل جميع إقباله على المؤمنين، وهو مناسب البشارة والنذير بـ ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ (١). لأنه إذا ترك في الحاضر والأذى لا بد له من عقاب عاجل أو آجل كانوا منذرين به في المستقبل، والداعي إلى اللَّه بتبشيره بقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٨١]؛ لأن من توكل عليه يسر عليه كل عسير. والسراج المنير بالاكتفاء به وكيلا؛ لأن من أناره اللَّه برهان أعلى جميع خلقه، كان جديرا أن يكتفى به عن جميع خلقه. فائدة: من أسمائه ﷺ (٢): الشاهد كما سلف، وكذا الشهيد، والمبشر أيضا كما سلف، والنذير كما سلف أيضا، والداعي كما سلف، وهو أيضا دعوة إبراهيم وإسماعيل ﵉ قال تعالى: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٢٩] الآية، فاستجاب لهما، والسراج المنير. وصح أنه ﷺ قال: "إن لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي

стр. 1182

يمحو اللَّه بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد" (١).

стр. 1183

مجلس في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) الآية سبب نزولها أن رجلا دعا اللَّه (٢) عند رجل في صلاته ودعا الرحمن، فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا؟ فما بال هذا يزعم ربين اثنين؟! فأنزل اللَّه الآية. والحسنى تأنيث الأحسن، وهي: الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام، ونحوها. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة مرفوعا: "إن للَّه تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة" (٣). ومعنى أحصاها: حفظها، وإن لم يعلم معناها. يلحدون: يكذبون؛ فاشتقوا اللات من "اللَّه"، والعزى من "العزيز"، ومناة من "المنان" ويسمونه بما لا ينطق به كتاب ولا سنة. ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] في الآخرة. ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٨١] عصية ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. قال ابن جريج: بلغنا أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فقال: "هذه لأمتي، بالحق يأخذون ويقضون ويعطون، وقد أعطى اليوم بين أيديكم مثلها، ومن موسى أمة يهدون بالحق وبه

стр. 1184

يعدلون" (١). وقال الربيع بن أنس: إنه ﷺ قرأ هذه الآية فقال: "إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم ﷺ " (٢). وروى معاوية مرفوعًا: لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر اللَّه لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر اللَّه وهم ظاهرون على الناس" (٣). وقال مقاتل بن حيان: هم مؤمنو أهل الكتاب. وقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان، وقد سماهم اللَّه تعالى في سورة براءة. وقال الكلبي: من جميع الخلق.

стр. 1185

مجلس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (١). معنى أورثنا: أعطينا، أو أخرنا، والكتاب: القرآن، وفي هذا كرامة لهذه الأمة؛ حيث قال: أورثنا، وقال في غيرهم: ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. ﴿اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾: أي هذه الأمة، ثم قسمهم ثلاث طبقات، ورتبهم على ثلاث درجات؛ فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] فبدأ اللفظ، وعلق الظلم بالنفس، فلذلك ساغ أن يكون من أهل الاصطفاء مع ظلمه، وإنما أخر السابق ليكون أقرب إلى الجنات والثواب، وإنما كان من حقه التقديم؛ فإنه الأفضل، كما قدم الصوامع والبيع في سورة الحج (٢) على المساجد ليكون أقرب إلى الهدم، والمساجد أقرب إلى ذكر اللَّه. وعنه جواب ثان، وهو أن هذا من الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). وقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج: ٦١] (٤)، وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ (٥)، وقوله: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (٦). وجواب ثالث: وهو أنه قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته، وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. ورابع: أنه قدمه لأنه لم يكن له شيء يتكل عليه غير الرحمة، واتكل المقتصد

стр. 1186

على حسن ظنه بربه، والسابق على طاعاته. ثم ثنى بالمقتصد لأنه بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحدهم مكره، وكلهم في الجنة لحرمة كلمة الإخلاص. ورتبهم على هذا النسق لأن العاصي داخل في حيز الظالمين، وإذا تاب فمن المقتصدين، وإذا صحت توبته فمن السابقين. واختلف في معنى هذه الثلاثة (١) على أقوال: أحدها: أن السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا، والظالم يحبس في المقام. فهم الذين قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]. ورد ذلك في حديث مرفوع من طريق أبي الدرداء. ثانيها: قال عثمان: "سابقنا أهل الجهاد، ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا" (٢). ثالثها: قالته عائشة: "السابق من مضى على عهد رسول اللَّه ﷺ ، والمقتصد أصحابه، والظالم لنفسه مثلي ومثلكم" (٣). وروي عنها: "السابق الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد الذي أسلم بعدها، والظالم نحن". رابعها: السابق المؤمن المخلص، والمقتصد هو المرائي، والظالم الكافر نعمة اللَّه عليه، غير الجاحد لها، وقيل غير ذلك. وفي الحديث من طريق ابن عمر (٤): "سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له. و ﴿الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤]: حزن النار.

стр. 1187

وفي الحديث من طريق ابن عمر مرفوعا (١): "ليس على أهل لا إله إلا اللَّه وحشة في قبورهم ولا في محشرهم، ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا اللَّه يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٢) الآية. ﴿لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥]: كلًّا وإعياء (٣).

стр. 1188

مجلس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (١) الآيات. "طيبات": خيار، نظيره: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] أو حلالات. دليله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]، و ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. وفي الحديث (٢): "إن اللَّه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن اللَّه تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب (٣)، لا يكسب عبد مالا من حرام فيتصدق به فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، وإن اللَّه لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن؛ فإن الخبيث لا يمحو الخبيث، ما كسبتم بالتجارة والصناعة". ويروى من حديث ابن عباس مرفوعا: "البركة في التجارة، وصاحبها لا يفتقر، إلا تاجر حلاف مهين". ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]: يعني الحبوب والثمار التي تقتات وتدخر مما يجب فيه الزكاة (٤).

стр. 1189

ومن حديث عائشة: "التمسوا الرزق في خبايا الأرض" (١). وفي التوراة: "طوبى لمن أكل من ثمرة يده". ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي لا تقصدوا الصدقة بالرديء من أموالكم، والحشف من التمر ونحوه. ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي عن بعض حقكم. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي عن صدقاتكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ (٢) أي بالفقر، وهو سوء الحال، فيقول: إن تصدقت افتقرت، فأمسك مالك. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بالبخل ومنع الزكاة، وكل فحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ ويجازيكم. ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ لذنوبكم. ﴿وَفَضْلًا﴾ رزقا وخلفا. ويقال: مكتوب في التوراة: "عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك من فضلي". ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ أي النبوة، أو القرآن، أو الفهم فيه، أو السنة، أو المعرفة، أو العلم اللدني. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ أي الورع في دينه. ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] أي يتعظ. ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، والعقول، فاللب من العقل ما صفي عن دواعي الهوى. ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ (٣) أي فيما فرض اللَّه عليكم.

стр. 1190

﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] أي أوجبتموه على أنفسكم، فوفيتم به. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] يحفظه حتى يجازيكم به. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٠] أي الواضعين المنفقة والنذر في غير موضعها بالرياء والمعصية ونحوها. ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] أعوان يدفعون عذاب اللَّه عنهم. ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] أي تعلنوها فنعمة الخصلة هي. ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ [البقرة: ٢٧١] تُسروَّها. ﴿وَتُؤْتُوهَا﴾ [البقرة: ٢٧١] تعطوها الفقراء في السر. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وأفضل، وكل مقبول إذا صفت النية. وفي الحديث (١): "الصدقة تطفئ غضب الرب، وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتدفع سبعين بابا من البلاء". وفي الصحيح: سبعة يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله" (٢) وَعدَّ منهم: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". وهذه الآية في التطوع؛ لأن الفريضة إعلانها أفضل. وعليه حُمِلَ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١]. قال ابن عباس: جعل اللَّه صدقة التطوع في السر تفضل علانيتها سبعين ضعفا، وكذا سائر الفرائض والنوافل. آخره والحمد للَّه.

стр. 1191

مجلس في شهر شعبان روينا في سنن النسائي من حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: "قلت يا رسول اللَّه لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم في شعبان؟ قال: "ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" (١) أخرجه النسائي. وتعلو به، أعني هذا الشهر فوائد: الأولى: في تسميته، وسمي بذلك لتشعب القبائل فيه، أي تفرقها لقصد الملوك، والتماس العطايا. الثانية: فيه نزل فرض رمضان، وفي النصف منه حُوِّلت القبلة. الثالثة: روينا في الصحيحين من حديث عائشة قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول اللَّه ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان" (٢). وفي رواية للبخاري: "لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله، وكان يقول: "خذوا من العمل ما تطيقون، فإن اللَّه لا يملُّ حتى تملوا" (٣) وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دُووِمَ عليه وإن قلت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها". وحكى ابن دحية عن أبي الفتوح العجلي سماعها أن الشافعي احتج في القديم بهذا

стр. 1192

الحديث، فقال: وأكره أن يتخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان، وكذا من الأيام، قال: وإنما كرهته لئلا يتأسى جاهل فيظن أن ذلك واجب، وإن فعل فحسن. وهذا الحديث يرد قوله، ومعنى صامه كله أي أكثره، فإنه إطلاق ذلك كما يقال قام ليله أجمع، ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره. ومعنى "لا يمل حتى تملوا": لا يترك ثوابكم حتى تملُّوا وتتركوا عبادته. الرابعة: ثبت في صحيح مسلم أنه ﷺ قال لعمران بن حصين. أو قال لرجل وهو يسمع: "يا فلان أصمت سرة هذا الشهر؟ " قال: لا. قال: "فإذا أفطرت فصم يومين" (١). وفي رواية: "يوما أو يومين" شك شعبة. والسرة: الوسط. وفي لفظ سرر، وهل هو وسطه أو آخره أو أوله في آراء. وثانيها: لأبي عبيد (٢) حيث يستر الهلال، وأنكر عليه. وقالوا: لم يأت في صوم آخر الشهر نص، وأمره بالقضاء دالُّ على فضيلة الصوم في هذا الشهر، وعلى قضاء النوافل. الخامسة: صح أنه ﷺ قال: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه" (٣). وفي السنن الأربعة من حديث أبي هريرة مرفوعا: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" (٤) صححه الترمذي وابن حبان. وأخذه بمفهوم الأول البندنيجي وابن الصباغ، وقطع المحققون بالثاني، وهو الأصح.

стр. 1193

وفي وجه ثان يجوز من غير كراهة، وبه قطع المتولي، وضعف. واختار الروياني أنه مكروه كراهة تنزيه. السادسة: صح عن عائشة أنها قالت: "كان عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل برسول اللَّه ﷺ " (١). فإذا أخرته عنه من غير عذر لزمها مع القضاء مد، ويتكرر بتكرر السنين على الأصح. السابعة: الحكمة في صوم شعبان كله أنه يشطر الدهر، فربما فاته منه، فاستوفاه في هذا الشهر، وأحسن من ذلك أنه شهر تُرفع فيه الأعمال كما سلف في حديث أسامة. وأخرجه أحمد أيضا في مسنده (٢). الثامنة: روي في صلاة ليلة النصف من شعبان (٣) أحاديث موضوعة، وواحد مقطوعا في صلاة مائة ركعة، في كل ركعة الحمد مرة، وسورة الإخلاص عشرًا فينصرفون، وربما فاتهم الصبح التي ثبت فيها أن من صلاها في جماعة تعدل الليلة كلها (٤). وثبت أيضا: أن "من صلى الصبح فهو في ذمة اللَّه ، فلا يطلبنكم اللَّه في ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم" (٥). وأما حديث عائشة: "فقدت رسول اللَّه ﷺ فخرجت، فإذا هو بالبقيع، فقال:

стр. 1194

"أكنت تخافين أن يحيف اللَّه عليك ورسوله؟ " قلت: يا رسول اللَّه إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك. فقال: "إن اللَّه ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" (١). رواه الترمذي وضعفه. خاتمة: أبعد بعض المفسرين فقال: إن ليلة النصف من شعبان هي ليلة القدر المباركة في سورة الدخان، ويبعده قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (٣). فأنزل جملة واحدة في رمضان إلى سماء الدنيا. ومعنى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ (٤): يقضي اللَّه فيها الآجال والأعمال والرزق والخلق إلى مثلها، فيكتب الحجاج بأسمائهم وأسماء آبائهم.

стр. 1195

مجلس في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (١) سمي الشهر شهرًا لشهرته، وقيل: من الشهرة، وهي البياض، ورمضان قيل إنه من أسماء اللَّه تعالى، وفيه حديث مرفوع، وفي اشتقاقه أقوال: أحدها: لأنه رمضت فيه الفصال من الحر، أو لأن الحجارة ترمض من الحرارة، والرمضاء (٢) الحجارة المحماة. ثانيها: لأنه يرمض الذنوب، أي يحرقها، أو لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكر كما تأخذ الرمل والحجارة من حرارة الشمس. ثالثها للخليل: أنه مأخوذ من الرمض وهو مطر يأتي في الخريف، فسُمِّي بَذلك لأنه يغسل البدن من الآثام غسلا، ويطهر قلوبهم تطهيرا. ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] كذا ذكر في هذه الآية، وفي القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (٣)، وفي الدخان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٤). وقال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ (٥) الآية.
следующие страницы →