← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والآيات في الباب كثيرة معلومة ومنها: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). ومنها: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٢). ومنها: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ (٣). وقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٤) أي فيحصي ولا يهمل وينسى. وأما الأحاديث فنذكر منها سبعة عشر حديثًا مشتملة على بيان خواص المجاهدة من أنواع الجزاء وتأهل كل عبد لها، وتنوع حكمها وعموم إفادتها واحتياج كل أحد إليها، وأنها محملة للأشخاص والأوقات، فلا رونق إلا بها، ولها من الأوقات ما هو أهم، وما يسهل ملابسها تشجيعًا وتشويقًا وإلذاذًا وموافقة وقرب أمد. وأنواعها أنها زبدة العمر، وفائدة لتحسين عمل أو صدق عهد أو غير ذلك، وما يربح عذر كل أحد ويدفع الضواري عن إقامتها. الحديث الأول: عن أبي هريرة مرفوعا: "أن اللَّه -تعالى (٥) - قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" (٦) رواه البخاري.

стр. 177

وهو دال على أن خاصة التقرب بالعبادات تنويعًا وتكثيرًا وإدامة وإحرازًا، المحبة الكاملة المستيقنة لأحكامها الشريفة، نحو كنت كنت، وإن وإن، وكفى بذلك شرفًا. كفى شرفًا أني مضاف إليكم … وأني بكم أجي وأرعى وأعرف. الثاني: عن أنس مرفوعًا يرويه من ربه -تعالى- قال: "إذا تقرب العبد إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (١) رواه البخاري أيضا. وهو أيضا من خواص التقريب. الثالث: فيه أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (٢) وهو أيضًا من الخواص، دفع الغير واحتراز هاتين النعمتين. الرابع: عن عائشة "أنه كان ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، قلت: لم تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا" متفق عليه (٣) واللفظ للبخاري، ونحوه في الصحيحين من حديث المغيرة (٤).

стр. 178

وفيه أن حكمة المجاهدة متنوعة، فهي بسبب ذلك مفيدة لكل أحد ويحتاج إليها ولو كان كاملا، فقيام المغفور له تحقق العبودية وبالشكر يحصل المقام المحمود، وغيره من الشيم المرضية، فقيام الليل مظنة النيل، ولهذا حافظ عليها أكابر المقربين، وتفطَّرت فيها قدما سيد الأولين والآخرين. الخامس: منها أيضًا: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر" (١) متفق عليه. والمراد العشر الأواخر من رمضان (٢). والمئزر الإزار، وهو كناية عن اعتزال النساء، والتشمير للعبادة، وإنما فعل ذلك لأنه محل التعرض لنفحات الرحمة، فالمجاهدة اسم من غيره فيها إحسانه وجماله وتعظيمه. السادس: عن أبي هريرة مرفوعًا: "المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن باللَّه ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر اللَّه وما شاء فعل (٣)

стр. 179

فإن لو تفتح عمل الشيطان" (١). أخرجه مسلم. وفيه الإشارة إلى تحصيل كل مصلحة مجاهدة أو غيرها بأيسر طريق وأسهله، وهى الحرص والاستعانة وترك العجز؛ فقوة الهمم الإيمانية ترفع أربابها إلى المعالي الأخروية. السابع: عنه مرفوعًا: "حُجِبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره". وفي رواية مسلم (٢) "حُفَّت" بدل "حُجِبت" وهو بمعناه، أي بينه وبينها هذا الحجاب، فإذا فعله دخلها، وهو دال على أن احتمال المكاره والمشاق بأمر وراءه الجنة سهل يسير. ما ضرَّ من كانت الفردوس جنته … ماذا تحمل من بؤس وأقتار وفي حديث علي رفعه: "من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن أشفق من النار نهى عن الشهوات، ومن ترقب الموت ترك اللذات، ومن زهد الدنيا هانت عليه المصيبات" (٣). الثامن: عن حذيفة بن اليمان قال: "صليت مع رسول اللَّه ﷺ ذات ليلة فافتتح بالبقرة، فقلت: يركع بعد المائة، ثم مضى (٤) مُترسِّلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، وكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان

стр. 180

سجوده قريبًا من قيامة" (١) رواه مسلم. وفيه تسهيل احتمال المجاهدة وصرف مضضها بتخليل المناجاة والمسامرة والدعاء والثناء، ونحو ذلك في أثنائها مع الترفق والتذلل وإطالة نحو السجود والركوع، وشهود نحو العظمة والكبرياء، فمانع ذوق الحلامة من جلاله. التاسع: عن أبي مسعود قال: "صليت مع رسول اللَّه ﷺ ليلة فأطال حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه" (٢) أخرجاه. وفيه تسهيل المجاهدة بمخالطة أهل الجد والاجتهاد، والاقتداء بهم وبموافقتهم؛ فبتركه ذلك جعل ما همَّ به من أمر سوء عنده، ولم يتجاوز عن الهم إلى الفعل. العاشر: عن أنس مرفوعًا: "يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله" (٣) أخرجاه، وفيه تسهيل المجاهدة والترغيب البليغ فيها؛ فإنها الرفيق الدائم الذي لا يرجع إذا رجع غيره، وبها تمام النفع والأنس والراحة عند الشدائد. الحادي عشر: عن ابن مسعود مرفوعًا: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك

стр. 181

نعله، والنار مثل ذلك" (١) أخرجه البخاري. وفيه التسهيل بقصر الأمل وذكر العاقبة. الثاني عشر: عن ربيعة بن كعب الصفي قال: كنت أبيت مع رسول اللَّه ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال: "سلني" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: "أو غير ذلك" قلت: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (٢) رواه مسلم. الثالث عشر: عن ثوبان مرفوعًا: "عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد للَّه سجدة إلا رفعك اللَّه بها درجة، وحط عنك بها خطيئة" (٣) أخرجه مسلم. الرابع عشر: عن عبد اللَّه بن بسر الأسلمي -بالسين المهملة- مرفوعًا: "خير الناس من طال عمره وحسن عمله" (٤) رواه الترمذي وحسنه. الخامس عشر: عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول اللَّه، غبت أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليرين اللَّه ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني الصحابة- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فاستقبل سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد (٥).

стр. 182

قال سعد: فما استطعت يا رسول اللَّه ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، ومثَّل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: فكنا نرى ونظن أن هذه الآية نزلت فيه وأشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١) أخرجاه (٢)، وفيه الاستدراك عما فات من الخيرات والبذل بالمهج، فيا حسرة من أضاع عمره وأساء عمله. على نفسه فليبك من ضاع عمره … وليس له فيها نصيب ولا سهم وفيه الثناء عليهم بصدق المعاهدة إبهاج لا يتمالك في الطرب به أهله. السادس عشر: عن عقبة بن عمرو (٣) وقال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مُرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن اللَّه لغني عن صالح هذا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٧٩] الآية، أخرجاه (٤). ومعنى نحامل: يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة، ونتصدق بها، وفيه أن ذا الفاقة يوسع الهمة والجبلة، ويتسبب ويدخل كل مدخل، ويأخذ بالحظ الوافر من أنواع

стр. 183

المجاهدة، ويتأسى بالإخوان ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾. السابع عشر: عن أبي إدريس (١)، عن جندب (٢)، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا مزو هديته فاستهدوني أهدكم (٣)، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، با عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، إنكم لن تبلغوا ضُري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه" (٤) أخرجه

стр. 184

مسلم من حديث سعيد بن عبد العزيز عن أبي إدريس الخولاني، عن جندب، قال سعيد، وكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبته، وقال أحمد: ليس لأهل الشام حديث أشرف منه، وفيه (ما يريح) (١) عمله عن الأعذار الصارفة لكثير ممن حُرِم عن المجاهدة. منها ترك الظلم لما ثارت عليه حميَّة نفسه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ (٢). ومنها الاستهداء: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾ (٣). ومنها الاستطعام والاستكساء لمن يتعلل بمعاشه. ومنها الاستغفار لمن يتوهم عدم قبول عمله من كثرة ذنوبه وإساءته. ومنها نفي أن توهم عمله كتاب الموجود كرعايا الملوك، وأن عطاياه لا تنفذ، وقد عمل العاملون ما لا يكثر وصفه. ومنها: إنما هي أعمالكم لمن يتعلل بالأماني البارعة: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ (٤). وأما الحكايات: فالأولى: بعد إيراد حديث زيد بن أرقم (٥) ﵄ قال: كان

стр. 185

لأبي بكر الصديق مملوك يغل عليه، فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة، فقال له المملوك: ما لك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة؟ قال: حملني على ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ قال: مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم (١) فوعدوني، فلما كان اليوم مررت بهم فإذا عُرس لهم، فأعطوني، فقال: لا أب لك، كدت تهلكني، فأدخل يده في حلقه وجعل يتقيأ، فجعلت لا تخرج، فقيل له: أن هذا لا يخرج إلا بالماء، فدعا بعس من ماء، فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها. فقيل له: رحمك اللَّه، كل هذا من أجل هذه اللقمة؟! فقال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها؛ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به" (٢) فخشيت أن ينبت شئ من جسدي من هذه اللقمة. وعن أُبي بن كعب ﵄ قال: ما من عبد ترك شيئًا للَّه إلا أبدله اللَّه به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، وما تهاون به عبد وأخذ من حيث لا يصلح إلا أتاه اللَّه بما هو أشد عليه من حيث لا يحتسب. وقال عبد الواحد بن زيد: قال عبد اللَّه بن مسعود ﵄: الحق ثقيل مريّ، والباطل خفيف وبّي، ورُبَّ شهوة أورثت حزنًا طويلًا. وقال عبد الواحد بن زيد (٣): مررت براهب في صومعة فقلت لأصحابي: قفوا،

стр. 186

وكلمته وقلت له: يا راهب، فكشف سترًا على باب صومعته فقلت له: ما علم اليقين؟ فقال: يا عبد الواحد إن أحببت أن تعلم علم اليقين، فاجعل بينك وبين شهوات الدنيا حائطًا من حديد ثم أرخى الستر. الثانية: قال أحمد بن الفتح: رأيت بشر بن الحارث في منامي وهو قاعد في بستان وبين يديه مائدة يأكل منها، فقلت له: يا أبا نصر ما فعل اللَّه بك؟ قال: رحمني وغفر لي وأباحني الجنة بأسرها، وقال لي: كل من جميع ثمارها، واشرب من أنهارها وتمتع بجميع ما فيها كما كنت تمنع نفسك الشهوات في الدنيا. الثالثة: حكي أنه لما حضرت أبا موسى الوفاة قال: يا بَنِيّ اذكروا صاحب الرغيف، قالوا: وما صاحب الرغيف؟ قال: كان رجل يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة لا ينزل إلا في يوم واحد، قال: فتنه (أوشب) (١) الشيطان في عينيه بامرأة، قال: فكان معها سبعة أيام أو سبع ليال، قال: ثم كشف عن الرجل غطاؤه فخرج تائبًا (٢) فكان كلما خطا خطوة صلى وسجد، فأواه الليل إلى مكان عليه اثنا عشر مسكينًا، فأدركه الإعياء، فرمى بنفسه بين رجلين منهم. وكان ثمَّ راهب يبعث إليهيم كل ليلة بأرغفة مع رجل فيعطي كل إنسان رغيفًا، ومر على ذلك الرجل الذي خرج تائبًا ظن أنه مسكين، فأعطاه رغيفًا، فقال المتروك لصاحب الأرغفة: ما لك لم تعطني رغيفي؟ قال: تراني أمسكته عنك، هل أعطيت أحدًا منكم رغيفين؟ قالوا: لا، قال: تراني أمسكته عنك، واللَّه لا أعطيك الليلة شيئًا، فعمد التائب إلى الرغيف الذي دفعه إليه، فدفعه إلى الرجل الذي تُرِكَ، فأصبح التائب ميتًا، فوزنت السبعون سنة بالسبع ليالي، فرجحت الليالي، فوزن الرغيف بالسبع ليالي فرجح الرغيف، فقال أبو موسى: يا بَنِيَّ اذكروا صاحب الرغيف. فائدة: قال سعيد بن المسيب (٣) - رحمه اللَّه تعالى: ما أكرمت العباد أنفسها

стр. 187

بمثل طاعة اللَّه، ولا أماتت أنفسها بمثل معصية اللَّه تعالى. الرابعة: عن وهيب بن الورد (١) ﵀ قال: يقول اللَّه : وعزتي وجلالي وعظمتي، ما من عبد آثر هواي على هواه إلا أقللت همومه، وجمعت عليه ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، وتجرت له من وراء كل تاجر. وعزتي وجلالي وعظمتي، ما من عبد آثر هواه على هواي إلا أكثرت همومه، وفرقت عليه ضيعته، ونزعت الغنى من قلبه، وجعلت الفقر بين عينيه، ثم لا أبالي في أي أوديتها هلك. فائدة: قال علي بن أبي طالب ﵄: إن أخوف ما أخاف اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فَيُنْسي الآخرة. نادرة: قال أبو محمد الحريري: من استولت عليه النفس صار أسيرًا في حكم الشهوات محصورًا في سجن الهوى، فحرم اللَّه على قلبه الفوائد، فلا يستلذ بكلامه ولا يستحليه وإن كثر ترداده على لسانه. الخامسة: عن بعضهم قال: انكسرت بنا السفينة وبقيت أنا وامرأتي على لوح، وقد ولدت في تلك الحال صبية فصاحت بي وقالت: قتلني العطش، فقلت: هو ذا يرى حالنا (٢) فرفعت رأسي، فإذا رجل في الهواء جالس وفي يده سلسلة من ذهب فيها كوز من ياقوت أحمر وقال: هاك اشربا، فأخذنا الكوز وشربنا منه، فإذا هو أطيب من المسك وأبرد من الثلج وأحلى من العسل، فقلت له: من أنت يرحمك اللَّه؟ فقال: عبد لمولاك، فقلت: بما وصلت إلى هذا؟ فقال: تركت الهوى لمرضاته فأجلسني على الهواء، ثم غاب عني فلم أره.

стр. 188

وأنشدوا: بحق الهوى يا أهل وُدِّي تفهموا … لسان جواد (١) بالوجود غريب حرام على قلب تعرض للهوى … يكون لغير الحق فيه نصيب السادسة: عن إبراهيم الخواص ﵀ قال: كنت في جبل لكام فرأيت رمَّانًا فاشتهيته، فدنوت وأخذت منه واحدًا، فشققته فوجدته حامضًا، فمضيت وتركته. فرأيت رجلا مطروحًا وقد اجتمعت عليه الزنابير (٢) فقلت: السلام عليك، فقال لي: وعليكم السلام يا إبراهيم، فقلت له: أراك حالًّا مع اللَّه -تعالى- فلو سألته أن يحميك ويقيك من هذه الزنابير، قال: وإذا لك حالا مع اللَّه -تعالى- فالوسيلة أن يقيك شهوة الرمان، فإن لدغ الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة، ولدغ الزنابير لا يجد ألمه إلا في الدنيا، فتركته ومشيت. السابعة: حكي أن سبب قطع يد أبي الخير أنه كان في جبال أنطاكية وحواليها يطلب المباح وينام بين الجبال، وأنه عاهد اللَّه ﵎ أن لا يأكل من ثمار الجبال شيئًا إلا ما طرحته الريح، فبقي أيامًا لم تطرح الريح شيئًا، فرأى يومًا شجرة كمثرى فاشتهى منها، فلم يفعل، فأمالتها الريح إليه، فأخذ واحدة، واتفق أن لصوصًا قطعوا هناك الطريق وجلسوا يقتسمون، فوقع عليهم السلطان، فأخذهم فقطع أيديهم وقطعت يده في جملتهم، فلما هم بقطع رجله عرفه رجل فقال للأمير: أهلكت نفسك؛ هذا أبو الخير، فبكى الأمير وسأله أن يجعله في حل ففعل، وقال: أنا أعرف ذنبي، فلذلك سمي الأقطع، وأنشدوا: نون الهوان من الهوى مسروقة … فأسير كل هوى أسير هوان الثامنة: عن شيبان بن إبراهيم ﵀ قال: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة -شرَّفها اللَّه تعالى- في سوق الليل عند مولد النبي ﷺ وهو يبكي ناحية من الطريق، فسلمت عليه وصليت عنده وقلت له: يا أبا إسحاق ما هذا البكاء؟ قال: خير، فعاودته مرة ثانية وثالثة، فلما أطلت عليه السؤال قال لي: يا شيبان إن أنا أخبرتك تبح به أو تستر عليَّ؟ فقلت له: يا أخي قل ما شئت. فقال: اشتهت نفسي سكباجًا منذ ثلاثين سنة، وأنا أمنعها جهدي، فلما كان البارحة غلبني النوم، وإذا أنا بإنسان من أحسن الناس وجهًا وبيده قدح أخضر يعلو

стр. 189

منه البخاري ورائحة السكباج (١)، فأجمعت همتي عنه، فقربه مني وقال: يا إبراهيم كل، قلت: ما آكل شيئًا تركته للَّه فقال: ولا إن أطعمك اللَّه؟ قال: فما كان لي جواب إلا البكاء، فقال لي: كل يرحمك اللَّه، فقلت: قد أمرنا أن لا نطرح في وعائنا إلا ما نعلم، فقال لي: كل عافاك اللَّه، فإنما ناولني هذا رضوان وقال لي: يا خضر (٢) اذهب بهذا الطعام فأطعمه للقس إبراهيم بن أدهم، فقد رحمها اللَّه على طول صبرها على ما يحملها من منعها شهوتها، ثم قال: فاللَّه يطعمها وأنت تمنعها يا إبراهيم، إني سمعت الملائكة يقولون: من أعطي ولم يأخذ طلب ولم يعط، فقلت: إن كان كذلك فها أنا بين يديك لم آخذ بالعهد مع اللَّه وإذا بفتى آخر قد ناوله شيئًا وقال: يا خضر لَقِّمْه، فلم يزل يطعمني بيده فانتبهت وحلاوة ذلك في فمي، ولون الزعفران في شفتي، فدخلت زمزم فغسلت فمي، فلا الرائحة ذهبت، ولا أثر الزعفران، قال شيبان: فقلت له: أرني، فإذا أثره لم يذهب، فقلت: يا من يُطعِم مناع الشهوات إذا صححوا المنع لأنفسهم، يا من ألزم قلوب أوليائه التصحيح، يا من سقى قلوبهم من شراب محبته، أترى لشيبان ذلك عندك، قال: ثم أخذت يد إبراهيم ورفعتها إلى السماء وقلت: اللهم بقدر هذه الكف وقدر صاحبها وحرمته عندك وبالجود الذي وجده منك يا اللَّه جُد على عبدك الفقير إلى فضلك وإحسانك برحمتك يا أرحم الراحمين، وإن لم يستحق ذلك منك يا رب العالمين. التاسعة: عن بعضهم قال: لقيت رجلًا بالبصرة يعرف بالمسكى، وذلك من شدة ما كان يوجد منه من ريح المسك، حتى إنه إذا دخل المسجد الجامع يعرف أنه قد جاء من شدة الرائحة، وإذا مرَّ في الأسواق كذلك، فقصدته وبت عنده وقلت له: ما أشك أنك محتاج إلى مال كثير في ثمن الطيب، فقال: ما اشتريت طيبًا قط ولا تطيبت بطيب قط، وأنا أحدثك بحديثي لعلك إذا متُّ تترحم عليَّ إذا ذكرتني، كان مولدي ببغداد، وكان أبي موسرًا يعلمني كل ما يعلم الناس أولادهم، وكنت من أحسن الناس وجهًا، وكان فيَّ حياء، فقيل لأبي: لو أجلست ابنك في السوق لينشط، فأجلسني في دكان بزاز، وكنت أجلس عنده طرفي النهار، فلما كان في بعض الأيام

стр. 190

جاءت عجوز فطلبت منه متاعًا مرتفعًا فأخرج لها ما طلبت، فقالت له: تُوَجهُ معي إنسانًا حتى يأخذ ما نحتاج إليه وندفع له الثمن ونرد الباقي معه، فقال لي: تنشط أن تمضي معها، فقلت: نعم، فمضيت معها حتى أدخلتني إلى قصر عظيم فيه قُبَّة، وعلى بابه خُدَّام وحُجَّاب، فلما وصل إلى صحن الدار إذا أنا ببنيان عظيم؛ قبة عليها شارة، فقالت ادخل القبة واجلس فيها، فدخلت فإذا أنا بجارية على سرير عليه فُرش كلها ذهب لم أر أحسن منها وعليها من كل الحلبي، فنزلت عنه وضربت بيدها فيَّ وأخذتني إليها، فقلت لها: اللَّه اللَّه، فقالت: لا بأس عليك، لك عندى ما تحب، فقلت لها: إني حاقب (١) فصاحت بالجواري، فإذا بهن أقبلن، فقالت لهن: قدام مولاكن إلى الخلاء، فلما دخلت الخلاء لم أجد لي فيه مسلكا أفر منه، فحللت سراويلي وتغوطت في كفي ومسحت به وجهي وبدني وقلبت عيناي، فدخلت جارية بيدها ماء ومنديل، فصحت في وجهها كالمجنون، فولت هاربة مني وقالت: مجنون، فجاء الجواري ومعهن بساط فأدرجتني وجملتني فطرحتني في بستان، فلما علمت أنهن مضين قمت فغسلت ثيابي ووجهي وسائر بدني، ومضيت إلى منزلي ولم أُحَدِّث به أحدًا، فرأيت تلك الليلة في منامي رجلًا فقال لي: ابن يوسف بن يعقوب (٢) بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللَّه هل تعرفني؟ قلت: لا، فقال: أنا جبريل، فمسح بيده على وجهي وبدني، فمن ذلك الوقت صار لبدني رائحة المسك يفوح على ثيابي، فهذه الرائحة من يد جبريل ﷺ ، وأنشدوا: إذا خايلتك النفس يومًا بشهوة … وكان عليها للخلاف طريق فخالف هواها ما استطعت فإنما … هواها عدو والخلاف صديق العاشرة: روي أنه كان شاب في بني إسرائيل لم يُرَ في زمانه أحسن منه، وكان يبيع القِفَاف، فبينما هو ذات يوم يطوف بقفافه إذ خرجت امرأة من دار ملك من ملوك

стр. 191

بني إسرائيل، فلما رأته رجعت مبادرة فقالت لابنة الملك: إني رأيت شابًا يبيع القفاف لم أر شابًا قط أحسن منه، فقالت لها: أدخليه، فخرجت إليه وقالت: يا فتى ادخل نشتري منك، فدخل، فأغلقت الباب دونه، ثم دخل بابًا آخر فكذلك، حتى أغلقت ثلاثة أبواب، ثم استقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها، فقال: اشتروا حاجتكم، فقالت: إنا لم ندعك لهذا، إنما دعوناك لكذا -يعني تراوده عن نفسه- فقال لها: اتق اللَّه، قالت: إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت عليَّ تكابدني على نفسي، فوعظها، فأبت، فقال: ضعوا لي وضوءًا، فقالت: أعليَّ يتعلل؟! يا جارية ضعي له وضوءًا فوق الجوسق -مكان لا يستطيع أن يفر منه- قال: وكان من فوق الجوسق (١) إلى الأرض أربعون ذراعًا، فلما صار في أعلى الجوسق قال: اللهم إني دعيت إلى معصيتك، وإني أختار أن أرمي بنفسي من الجوسق ولا أرتكب المعصية، ثم قال: بسم اللَّه، وألقى بنفسه من أعلى الجوسق، فأهبط اللَّه إليه ملكًا من الملائكة، فأخذ بضبعيه (٢) فوقع قائمًا على رجليه، فلما صار في الأرض قال: اللهم إن شئت رزقتني رزقًا تقيني به بيع هذه القفاف، فأرسل اللَّه إليه جرادا من ذهب، فأخذ منه حتى ملأ ثوبه، فلما صار في ثوبه قال: اللهم إن كان هذا رزقًا رزقتنيه في الدنيا فبارك لي فيه، فإن كان ينقص مما لي عندك فلا حاجة لي فيه، قال: فنودي أن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءًا من أجرك على إلقائك نفسك من هذا الجوسق، فقال: اللهم لا حاجة لي فيما ينقصني عندك في الآخرة، فرفع ذلك منه، وقيل للسلطان: هلا أغريته بارتكاب الفاحشة؟ فقال: كيف أغوي من بذل نفسه للَّه تعالى. وللَّه در القائل: وسائل عنهم ماذا يقدمهم … فقلت فعل به عن غيرهم بانوا صانوا النفوس عن الفحشاء ولو ابتدا … منهن في سبيل العلياء ما صانوا الحادية عشرة: عن مصعب بن عثمان قال: كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجهًا، فدخلت عليه امرأة فسالته نفسه فامتنع عليها، فقالت: إذن أفضحك، فخرج هاربًا من منزله وتركها فيه، قال سليمان: فرأيت بعد ذلك يوسف ﵇ (٣)

стр. 192

فيما يرى النائم، وكأني أقول له: أنت يوسف البريء، قال: وأنت سليمان البريء. الثانية عشرة: قال وهيب بن الورد ﵀: بلغنا أن إبليس -لعنه اللَّه- تَبَّدى ليحيى بن زكريا (١) ﵉ فقال: إني أريد أن أنصحك، قال: كذبت إنك لم تنصحني، فأوحى اللَّه -تعالى- إليه: يا يحيى سله فإنه يَصْدُقُك، فقال: أخبرني عن بني آدم؟ قال: هم عندنا على ثلاثة أصناف: أما صنف منهم فهم أشد الأصناف؛ يقتل حتى نفسه ثم يفزع إلى التوبة والاستغفار ويفسد كل شيء أدركناه منه، ثم يعود إليه فنعود، فلا نحن نيأس منه ولا ننال حاجتنا، فنحن من ذلك في غنى. وأما الصنف الآخر: فهم بين أيدينا بمنزلة الكرة بين أيدي صبيانكم؛ نلقيهم كيف نشاء، قد كفونا أنفسهم. وأما الصنف الآخر: فهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شيء. فقال يحيى عند ذلك: فهل قدرت مني على شيء؟ قال: لا إلا مرة واحدة، فإنك قدمت طعامًا تأكله فلم أزل أشهيه إليك حتى أكلت أكثر مما تريد فنمت تلك الليلة ولم تقم إلى الصلاة كما كنت تقوم إليها، فقال يحيى ﵇: لا أشبع من طعام أبدًا (٢) قال إبليس: لا جرم، لا أنصح آدميًا بعدك أبدًا، وأنشدوا: وكم من أكلة منعت أخاها … بأكلة ساعة أكلات دهري وكم من طالب يسعى لشيء … وفيه هلاكه لو كان يدري ذكر بعض المصنفين هذين البيتين بعد هذه الحكاية وليس ذلك مناسبًا لحال يحيى ﵇ وإنما يناسب في هذا المعنى: وكم من أكلة حرمت كثيرًا … من الخيرات في طاعة مولى ولذَّاتٍ بخلوات تجلى … بها المولى وقد ناجاه ليلًا

стр. 193

مجلس في الحث على الازدياد في الخير في أواخر العمر قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (١) معناه أولم نعمركم ستين، ويؤيده الحديث الآتي، وقيل ثماني عشرة، وقيل أربعين، وكان أهل المدينة إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة. والنذير: الشارع، وقيل الشيب، والأول: هو التدبير النقلي، والثاني: العقلي والآية توبيخ من الجليل. فيقول للمصطرخين حين ذلك إجابة لقولهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ (٢) والتوبيخ في المتطاول أعظم، وبين ذلك منادي وغايات آخرها الستون. وأما الأحاديث فلنذكر منها خمسة، ومدارها على الترغيب في الازدياد؛ فإنه فائدة الخلق والأمر وهو المرتجى لأولي الرأي الصيِّب والكمال الباهر فلا يدوم إلا صنعه يوم القدوم. أحدها: حديث أبي هريرة مرفوعا: "أعذر اللَّه إلى امرئ أخَّر أجله حتى بَلَّغَهُ ستين سنة" (٣) أخرجه البخاري، أي بلغه الغاية، ففيه الإعذار لمن بلغه والأنذار.

стр. 194

ثانيها: حديث ابن عباس قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه" الحديث إلي أن قال له عمر في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]، قال: "هو أجل رسول اللَّه أعلمه له، أي ذلك علامة أجلك" (١) ووافقه عمر. رواه البخاري (٢)، ففيه الإعلام بعلامة الأجل النبوي وهو حصول ما أقيم فيه وتمامه، ومثله في آجال الناس قول الشاعر: إذا الرجال ولدت أولادها … وبليت من كبر أجسادها وجعلت أمراضها تَعْتَادُهَا … تلك زروع قد دنى حصادها ثالثها: حديث عائشة: "ما صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] إلا يقول فيها: "سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي" (٣) أخرجاه. وفي رواية لهما: "كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن (٤) أي بعد ما أُمر به في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]. وفي رواية لمسلم: "كان يكثر أن يقول قبل أن يموت: "سبحانك وبحمدك،

стр. 195

أستغفرك وأتوب إليك" قالت: يا رسول اللَّه ﷺ ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: "جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها (١) ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] " إلى آخر السورة. وفي رواية له: "كان يكثر من قول: سبحان اللَّه وبحمده استغفره وأتوب إليه"، قلت: يا رسول اللَّه ﷺ أراك تكثر من ذلك، فقال: "أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه وأتوب إليه، فقد رأيتها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] فتح مكة" (٢). وناهيك بأكمل الأمة ارتضى الازدياد ليوم المعاد بأمر رب العباد. الرابع: حديث أنس: "إن اللَّه تابع الوحي على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى يوفى أكثر ما كان الوحي" (٣) أخرجاه، ووجهه حتى يتبعه على أوفر أُنْسٍ وأدوم حضور، وأشد شوق، فليكثر اللبيب من الوداد قبل لقاء الأحباب. الخامس: حديث جابر مرفوعًا: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" أخرجه مسلم (٤) فالعمل بالخاتمة والأمر بالتمام، فطوبى لمن ختم له بالكمال، وحظي من الوصال بأوفر خصال.

стр. 196

مجلس في فضل الحب في اللَّه تعالى والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وماذا يقول إذا أعلمه قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١) إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢). وروينا في الصحيحين من حديث أنس مرفوعًا: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا للَّه، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه كما يكره أن يقذف في النار" (٣). وروينا فيهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سبعة يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله (٤): إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبه معلق بالمساجد،

стр. 197

ورجلان تحابَّا في اللَّه؛ اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف اللَّه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اللَّه خاليًا ففاضت عيناه" (١). وروينا في صحيح مسلم عنه مرفوعًا: "أن اللَّه تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؛ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" (٢). وروينا عنه مرفوعًا: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (٣). وروينا عنه مرفوعًا: "أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد اللَّه له على مدرجته ملكًا" وذكر الحديث إلى قوله: "إن اللَّه قد أحبك كما أحببته فيه" (٤) وقد سلف. وروينا في الصحيحين من حديث البراء مرفوعًا في الأنصار: "لا يحبهم إلا

стр. 198

مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه اللَّه، ومن أبغضهم أبغضه اللَّه" (١). وروينا في الترمذي مصححًا من حديث معاذ مرفوعًا: "قال اللَّه : المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء" (٢). ورواه مالك بلفظ: "قال اللَّه: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ" (٣). وروينا في جامع الترمذي مصححًا، وسنن أبي داود من حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: "إذا أحب الرجل أخاه، فليخبره أنه يحبه" (٤). وروينا في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح من حديث معاذ: "أنه ﷺ أخذ بيده وقال: "يا معاذ واللَّه إني لأُحبك" فقال: "أوصيك يا معاذ لا تدعنَّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (٥). وروينا في سنن أبي داود من حديث أنس: "أن رجلا كان عند النبي ﷺ فمر رجل فقال: يا رسول اللَّه ﷺ إني لأحب هذا، فقال له: "أعلمته؟ " قاله: لا، قال: "أعلمه" فلحقه فقال: إني أحبك في اللَّه، فقال: أحبك الذي أحببتني له" (٦).

стр. 199

فصل في علامات حب اللَّه للعبد والحث على التخلق بهذا والسعي في تحصيلها قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) الآية. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ (٢) الآية. وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن اللَّه -تعالى- قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وان سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه" (٣). وروينا في الصحيحين من حديثه مرفوعًا: "إذا أحب اللَّه العبد نادى جبريل: إن اللَّه يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن اللَّه يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" (٤) وذكر في البغض مثله. وروينا فيهما من حديث عائشة: إن رسول اللَّه ﷺ بعث رجلًا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم يختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك" فسألوه، فقال: لأنها صفة

стр. 200

الرحمن (١)، فانا أحب أن أقرأ بها، فقال ﵇: "أخبروه أن اللَّه يحبه" (٢). وروينا عن مجاهد قال: "قال لي ابن عمر: أحب في اللَّه وأبغض في اللَّه، وعادِ في اللَّه، فإنك لا تنال ولاية اللَّه إلا بذلك، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك" فقد صارت مواخاة الناس في أمر الدنيا، وإن ذلك لا يجزئ عن أهله شيئًا. وقال أبو موسى: سمعت رجلًا سأل أبا يزيد فقال: دلني على عمل أتقرب به إلى ربي؟ قال: أحبب أولياءه ليحبوك، وإن اللَّه -تعالى- ينظر إلى قلوب أوليائه، فلعله ينظر اسمك في قلب وليه فيغفر لك". ولنذكر حكايات تليق بذلك: فالأولى: قيل: إن رجلًا أتى العلاء بن زياد (٣) فقال له: إن آتيًا أتاني في منامي فقال: إئت العلاء بن زياد وقل له: كم تبكي فقد غفر اللَّه لك، قال: فبكى، ثم قال: حق لي أن أبكي. وما في الأرض أشقى من محب … وإن وجد (المنوي) (٤) حلو المذاق تراه باكيًا في كل حين … مخافة فرقة أو لاشتياقي فبكى إن ناءوا شوقًا إليهم … ويبكي إن دنوا خوف الفراق

стр. 201

الثانية: عن خير النساج قال: كنا في المسجد فجاء الشبلي في سكره -أي في حالِ وَرَدَ عليه- فنظر إلينا ولم يكلمنا، وهجم على الجنيد وهو جالس في بيته وعنده زوجته، فارادت أن تستتر، فقال لها الجنيد (١): لا عليك هو غائب لا علم له بك، فصفق الشبلي على رأس الجنيد وأنشأ يقول: عودوني الوصال والوصل عذب … ورموا بالصدود والصد (٢) صعب زعموا حين عاينوا أن جرمي … فرط (٣) حبي لهم وما ذاك ذنب لا وحق الخضوع عند التلاقي .... ما جزى من يحب إلا بحب فاهتز الجنيد وقال: هو ذاك يا أبا بكر، فخر مغشيًا عليه، ثم بعد ساعة بكى الشبلي، فقال الجنيد لامرأته: استتري عنه فقد أفاق. الثالثة: عن ذي النون المصري (٤) قال: رأيت في جبل لبنان في كهف رجلًا أبيض الرأس واللحية، أشعث أغبر نحيفًا وهو يصلي، فسلمت عليه بعد ما سلم، فرد السلام وقام إلى الصلاة فما زال راكعًا وساجدًا حتى صلى العصر، ثم أسند إلى حجر وجعل يسبح (٥) ولا يكلمني، فقال له: رحمك اللَّه ادع اللَّه لي، فقال: آنسك اللَّه بقربه، فقلت: زدني، فقال: يا بني من آنسه بقربه أعطاه أربع خصال: عزًا

стр. 202

من غير عشيرة، وعلمًا من غير طلب، وغنى من غير مال، وأنسًا من غير جماعة. ثم شهق شهقة، فلم يفق إلا بعد ثلاثة، وأنشدوا: ترى المحبين صرعى في ديارهم … كفتية الكهف (١) لا يدرون كم لبثوا واللَّه لو حلف العشاق أنهم .... قتلى من الحب يوم البين (٢) ما حنثوا ثم قام فتوضأ وسألني كم فاته من صلاته، فأخبرته فقال: إن ذكر الحبيب هيج شوقي .... ثم حب الحبيب أذهل عقلي وقد استوحشت من ملاقاة المخلوقين، وأنست برب العالمين، انصرف عني بسلام، فقلت له: رحمك اللَّه، وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيارة، وبكيت، فقال: أحبب مولاك، ولا ترد بحبه بديلا، فالمحبون للَّه هم (يتحابان) (٣) العبَّاد وعلم الزهاد، وهم أصفياء اللَّه وأحباؤه وعباده وأولياؤه، ثم صرخ صرخة وفارق الدنيا، فما كان إلا هُنَيَّةً وإذا بجماعة من العبَّاد ينحدرون من الجبل، فتولوه حتى واروه التراب، فسأل عن اسمه فقال: شيبان المصاب. وكان فؤادي خاليًا قبل حبكم … وكان يذكر الخلق يلهو ويمرح فلما دعا قلبي هواك أجابه .... فلست أراه عن قلبك يبرح (٤) رميت ببين منك إن كنتُ كاذبًا … وإن كنتُ في الدنيا بغيرك أفرح فإن كان شيء في البلاد بأسرها … إذا غبت عن عيني بعيني تملح (٥) فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل … فلست أرى قلبي بغيرك يصلح الرابعة: عن أبي الجوال المغربي قال: كنت جالسًا مع رجل صالح ببيت المقدس، وإذا شاب قد طلع علينا، والصبيان حوله يقذفونه بالحجارة ويقولون: مجنون.

стр. 203

فدخل المسجد وهو ينادي: اللهم ارحمني من هذه الدار (١) فقلت: هذا كلام حكيم، فمن أين لك هذه الحكمة؟ فقال: من أخلص للَّه الخدمة أورثه طريق الحكمة، وأيده بأسباب المعصية، وليس بي جنون وزلق، بل قلق وفَرَق، ثم جعل يقول: هجرت الورى في حب من جاء بالنعم … وعِفْتُ الكرى (٢) شوقًا إليه فلم أنم ومَوَّهْتُ (٣) دهري بالجنون على الورى … لأكتم ما بي من هواه فما انكتم فلما رأيت الشوق والحب بالحشا … كشفت قناعي ثم قلت نعم نعم فإن قيل مجنون فقد جنني الهوى … وإن قيل سقام فما بي من سقم وحق الهوى والحب والعهد بيننا .... وحرمة روح الأنس في خَدِينِ الظَّلَم لقد لامني الواشون (٤) فيك جهالة … فقلت لطرفي أفصح العذر فاحتشم (٥) فعاتبهم طرفي بغير تكلم .... فأخبرهم أن الهوى يورث السقم فبالحلم ياذا المَنِّ لا تبعد منى … وقرب من أرى منك يا باري (٦) النسم قال: فقلت: أحسنت، لقد غلط من سماك مجنونا، فنظر إليَّ وبكى وقال: أَوَلَا تسألني عن القوم كيف وصلوا فاتصلوا؟ قلت: بلى أخبري، فقال: طَهَّرُوا الأخلاق، ورضوا منه بيسير الأرزاق، وهاموا من محبته في الآفاق، واتزروا بالصدق، وارَتَدَوْا بالإشفاق، وباعوا العاجل الفاني بالآجل الباقي، وركبوا في ميدان السباق، وشمروا تشمير الجهابذة (٧) الحذاق (٨) حتى اتصلوا بالواحد الرزاق، فشردهم في الشواهق (٩)، وغيبهم عن الخلائق، لا يأويهم دار، ولا يقر بهم قرار، فالنظر إليهم

стр. 204

اعتبار، ومحبتهم افتخار، وهم صفوة الأبرار، ورهبان أحبار، مدحهم الجبار، ووصفهم النبي المختار، إن حضروا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن ماتوا لم يُشْهَدُوا، قال: فأُنسيت الدنيا عند حديثه، ثم ولى هاربًا، وأنا متأسف عليه. الخامسة: عن بعض الصالحين قال: حججت سنة من السنين، وكانت سنة كثيرة الجدب (١) والسَّموم، فلما كان ذات يوم وقد توسطنا أرض الحجاز، انقطَعْتُ عن الحجاج وغفوت قليلًا، فلم أشعر إلا وأنا وحدي في البرية، فلاح لي شخص أمامي مسرعًا، فلحقته وإذا به غلام أمرد لا نبات بعارضيه كأنه القمر المنير والشمس الضاحية، وعليه أثر الدَّلال والترف، فقلت: السلام عليك يا غلام، فقال: وعليكم السلام يا إبراهيم، فتعجبت منه كل العجب، ورابني أمره، فلم أتمالك أن قلت: يا سبحان اللَّه!! من أين تعرفني، ولم ترني قبلها؟!! فقال لي: يا إبراهيم ما جهلت منذ عرفت ولا قطعت منذ وصلت. فقلت: ما الذي أوقفك في هذه البرية في مثل هذه السنة الكثيرة الجدب والقيظ؟ فأجابني: يا إبراهيم ما آنست بسواه، ولا وافقت غيره، وأنا منقطع إليه بالكلية، مُقرٌّ له بالعبودية، فقلت له: من أين المأكول والمشروب؟ فقال: تكفل لي به المحبوب، فقلت: واللَّه إني خائف عليك لأجل ما ذكرت لك، فأجابني ودموعه تنحدر كاللؤلؤ الرطب وأنشأ يقول: من ذا يخوفني بالبر أقطعه … إلى المحب وقد قدمت إيمانًا الحب أقلقني والشوق أزعجني … ولا يخاف محب اللَّه إنسانًا فلو أجوع فذكر اللَّه يشبعني … ولا أكون بحمد اللَّه عطشانًا وإن ضعفت فوجد منه يحملني … من الحجاز إلى أقصى خراسانا فهل لصغري تكون اليوم تحقرني … دع عنك عذلك لي قد كان ما كانا قال: فقلت له: سألتك باللَّه يا غلام إلا أعلمتني حقيقة عمرك؟ قال: فلقد آليت عليَّ بأجلّ الأيمان عندي، عمري اثنا عشر سنة، ثم قال: ما ألجأك إلى ذلك؟ فقلت: أذهلني ما سمعته منك، فقال: الحمد للَّه على ما أولانا من نعمه وفَضَّلَنَا على كثير من عباده المؤمنين، قال: فتعجبت من حسن وجهه وبهاء طلعته وحلاوة منطقه، فقلت: سبحان الخالق المصور (٢) فأطرق الغلام إلى الأرض مليًا، ثم رفع رأسه ينظر

стр. 205

شزرًا وهو يقول: ويحي إذا كان الجحيم جزائي … ماذا يحل ببهجتي وبهائي يُبْلي العذاب محاسني ويشينها … ويطول مني بالجحيم بكائي ويقول لي الجبار ﷻ … أنسيت عهد ثَمَّ يوم لقائي وترى وجوه الطائعين كأنها … بدر بدا في ليلة ظلماء كشفوا الحجاب فعاينوه فأدْهِشُوا … ونسوا نعيمهم وكل رجائي وكساهم حلل المهابة والرضا … وحبا الوجوه بنظرة وبهاءِ ثم قال: يا إبراهيم اعلم أن المنقطع من قطعه الحبيب، والمواصل من أخذ من الطاعة بنصيب، ولكن أنت المنقطع عن الحاج يا إبراهيم، فقلت له: نعم، أنا ذلك، سألتك باللَّه إلا دعوت لي أن ألحق من سبقني من أصحابي، قال: فنظرت الغلام قد لمح بطرفه إلى السماء، وتكلم بكلام حرك بها شفتيه، فعند ذلك لحقتني سِنَةٌ وأُغْمِيَ عليَّ، فلم أفق إلا وأنا في وسط الحاج، وزميلي يقول: يا إبراهيم احذر أن تقع عن الراحلة، ولم أدر أصعد الغلام إلى السماء أم نزل إلى الأرض، فلما وقفنا بعرفة ودخلت الحرم، فإذا أنا به متعلق بأستار الكعبة، وهو يبكي ويقول: تعلقت بالأستار والقبر زرته … وأنت بما في القلب والسر أعلم أتيت إليه ماشيًا غير راكب … لأني على صغري محب متيم (١) هويتك طفلًا حيث لا أعرف المأوى … فلا تعذلوني إنني متعلم وإن كان قد حانت لديك منيتي (٢) … لعلي بوصلك منك أحظى وأغنم قال: ثم أرخى نفسه ووقع ساجدًا وأنا أنظر إليه، فحركته فإذا هو قد مات، فتأسفت عليه كل الأسف، ومضيت إلى راحلتي وأخذت ثوبًا، واستعنت بمن يساعدني عليه حتى أواريه، فأتيت إليه فلم أجده، فسألت عنه الحاجَّ جميعه فلم أر له خبرًا، فعلمت أنه قد ستر عن أعين الخلق وأنه لم يره غيري، فأتيت إلى مكاني وأغفيت قليلًا، فرأيته في المنام في موكب عظيم، وهو في أوائلهم، وعليه من النور والحلل ما لا أحسن وصفه، فقلت له: ألست صاحبي؟ قال: نعم، فقلت له: ألست مت؟ قال: قد كان ذلك، فقلت له: واللَّه لقد طلبتك أُكفنك وأصلي عليك فلم أجدك؟ فقال: يا إبراهيم اعلم أن الذي من بلدي أخرجني، وبحبه شوقني، وعن

стр. 206

أملي غربني، هو كفنني، ما أحوجني، فقلت له: ما فُعل بك بعد ذلك؟ قال: أوقفني بين يديه وقال: ما بُغْيَتُكَ؟ فقلت: أنت، فقال: أنت عبدي حقًا حقًا، ولك عندي أن لا أحجب عنك، فما تريد؟ قلت: أن تشفعني في القرن الذي أنا فيه، قال: قد شفعتك فيه (١)، ثم إنه صافحني، واستيقظت وقضيت بقية مناسكي، ولم يفتر قلبي من ذكره، وصارت يدي لها رائحة من تلك المصافحة، فلم تزل في يده حتى قضى نحبه. السادسة: عن مالك بن دينار قال: خرجت حاجًّا فإذا بشاب يمشي بلا زاد ولا راحلة، فسلمت عليه، فرد السلام، فقلت: أيها الشاب من أين؟ قال: من عنده، قلت: وإلى أين؟ قال: إليه، قلت: وأين الزاد؟ قال: عليه، قلت: إن الطريق لا يقطع إلا بالماء والزاد، فهل معك شيء؟ قال: نعم؛ تزودت عند خروجي بخمسة أحرف، قلت: ما هي؟ قال: كهيعص (٢)، قلت: وما معناها؟ قال: الكاف من الكافي، والهاء من هادي، والياء من مؤوي، والعين من عالم، والصاد من صادق، فمن كانت صحبته ذلك لا يضيع ولا يخشى ولا يحتاج إلى حمل ماء وزاد، قال: فلما سمعت كلامه نزعت قميصي على أن ألبسه إياه، فأبى أن يقبله، وقال: العُرْيُ خير من قميص الفناء، حلالها حساب وحرامها عذاب، وكان إذا جنَّه الليل يرفع رأسه نحو السماء ويقول: يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصي هب لي ما يسرك واغفر لي ما لا يضرك، فلما أحرم الناس ولبوا قلت: لم لا تلبي؟ فقال: يا شيخ أخشى أن أقول لبيك،

стр. 207

فيقول: لا لبيك ولا سعديك، لا أسمع كلامك، ولا أنظر إليك، ثم مضى فما رأيته إلا في مِنى وهو يقول: إن الحبيب الذي يرضيه سفك دمي … دمي حلال له في الحل والحرم واللَّه لو علمت روحي بمن علقت … قامت على رأسها فضلًا عن القدم بالآي لا تلمني في هواه فلو … عاينت منه الذي عاينت لم تلُم ويطوف بالبيت قوم لو بخارجه … باللَّه طافوا لأغناهم عن الحرم ضحى الحبيب بنفسه يوم عيدهم … والناس ضحوا بمثل الشاة والنعم للناس حج وفي حج إلى سكني … تهدي الأضاحي وأهدي مهجتي (١) ودمي ثم قال: اللهم إن الناس ذبحوا وتقربوا إليك، وليس لي شيء أتقرب به إليك سوى نفسي، فتقبلها مني، ثم شهق شهقة فخرَّ ميتًا، وإذا بقائل يقول: هذا حبيب اللَّه، هذا قتيل اللَّه، قتل بسيف اللَّه فجهزته وواريته، فرأيته في منامي فقلت: ما فُعل بك؟ قال: كما فُعل بشهداء بدر، قتلوا بسيف الكفار، وأنا قتلت بمحبة الجبار. السابعة: قيل: لما وقف الشبلي بعرفات لم ينطق بشيء حتى غربت الشمس، فلما جاوز العلمين هملت عينه بالدموع، ثم أنشأ يقول: أروح وقد ختمت على فؤادي … بحبك أن يحل به سواكا فلو أني استطعت غمضت طرفي … فلم أنظر به حتى أراكا وفي الأحباب مختص بوجد … وآخر يَدَّعي معه اشتراكا إذا اشتبكت دموع في خدود … تبين من بكى ممن تَباكى وكل يدَّعُون وصال ليلى … وليلى لا تُقرَّ لهم بذاكا الثامنة: عن الجنيد قال: حججت على الوجدة (٢)، وجاورت بمكة، فكنت إذا دخلت الطواف وإذا بجارية تطوف وتقول: يأبى الحب أن يخفى وقد كتمته … واضح عندي قد أباح وطنبا إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره … وإن رمت قربًا من حبيب تقربا ويبدو فأفنى ثم أحيا بذكره … ويسعدني حتى ألذ وأطربا قال: فقلت لها: يا جارية أما تتقين اللَّه؛ في مثل هذا المكان تتكلمين بهذا

стр. 208

الكلام؟!! فالتفتت إليَّ وقالت: لولا التقى لم ترني … أهجر طيب الوسن إن التقى شردني … كما ترى عن وطني أفر من وجدي به … فحبه هيَّمني (١) ثم قالت: يا جنيد تطوف بالبيت أم برب البيت، فقلت: أطوف بالبيت، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت: سبحانك سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار، ثم أنشأت تقول: يطوفون بالأحجار يبغون قربة … إليك وهم أقسى قلوبًا من الصخر وتاهوا فلم يدروا من التيه من هم … وحلوا بجار القرب في باطن الكفر وقد أخلصوا في الود غاية صفاتهم … وقامت صفات الود للحق بالذكر قال الجنيد (٢): فغشي عليَّ من قولها، فلما أفقت لم أرها. وسيكون لنا عودة إلى هذه الحكاية في مجلس الحج -إن شاء اللَّه تعالى- فإنها تليق به. التاسعة: عن ذي النون المصري قال: رأيت امرأة في تيه بني إسرائيل عليها مدرعة من شعر وخمار من صوف، وفي كفها عُكَّز من حديد، فقلت: السلام عليك، فردت ثم قالت: وذا للرجال وخطاب النساء عافاك اللَّه، فقلت: أخوك ذو النون، فقالت: مرحبًا بك، حياك اللَّه بالسلام، قلت: ما تصنعين ههنا؟ قالت: كلما أتيت إلى بلد يعصى فيه الحبيب يضيق عليَّ فانا أطلب بقعة طاهرة أخرّ عليها ساجدة أناجيه بقلب ذاب من شدة الشوق إلى لقائه. قلت: ما سمعت أحدًا يذكر الحبيب أحسن من ذكرك، فأي شيء المحبة؟ فقالت: سبحان اللَّه! أنت الحكيم الواعظ تسألني!! أول المحبة تبعث على الكدّ الدائم، حتى إذا وصلت أرواحهم إلى أعلى الصفاء جرَّعتهم من محبته لذيذ الكؤوس ثم صرخت مغشيًا عليها، فلما أفاقت قالت: (٣)

стр. 209

أحبك حبين؛ حب الهوى … وحب لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى … فذكرٌ شغلت به عن سواكا وأما الذي أنت أهل له … فكشفك لي الحجب حتى أراكا ولا حمد في ذا ولا ذاك لي … ولكن لك الحمد في ذا وذاكا العاشرة: عن ذي النون أيضًا قال: كنت في الطواف فسمعت صوتًا حزينًا، وإذا جارية متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول: أنت تدري يا حبيبي … من حبيبي أنت تدري ونحول الجسم والدمع … يبوحان بسرّي قد كتمت الحب حتى … في الهوى قد ضاق صدري قال ذو النون: فشجاني ما سمعت منها حتى انتحبت وبكيت، ثم قالت: سيدي ومولاي، بحبك لي إلا ما غفرت لي، قال: فتعاظمني ذلك وقلت: يا جارية أما يكفيك أن تقولي بحبي لك، حتى تقولي بحبك لي؟ فقالت: إليك عني يا ذا النون، أما علمت أن للَّه عبادًا أحبهم قبل أن يحبوه؟ أما سمعت اللَّه يقول: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١) فسبقت محبته لهم قبل محبتهم له، فقلت: من أين علمتِ أني ذا النون؟!! فقالت: يا بطّال جالت القلوب في ميدان الأسرار فعرفتك، ثم قالت: انظر من خلفك، فأدرت وجهي فلا أدري؛ السماء اقتلعتها أم الأرض ابتلعتها!! الحادية عشرة: عن سري السقطي (٢) قال: اشتريت جارية للخدمة، فكانت تخدمني دهرًا طويلًا، وتكتم أمرها ولها محراب تصلي فيه. فلما كانت في بعض الليالي وجدتها تصلي تارة، وتناجي أخرى، فسمعتهما

стр. 210

تقول: بحبك لي إلا فعلت كذا وكذا، فناديتها عند ذلك: لا تقولي هكذا، لكن قولي بحبي إياك، فقالت: يا سيدي: لولا حبه إياي ما أقعدك وأقامني، فلما أصبحت دعوتها وقلت: إنك لا تصلحين لخدمتي بل تصلحين لخدمة مولاك الأكبر، اذهبي فأنت حرة لوجه اللَّه، ثم وصلتها بشيء وسرحتها وندمت على مفارقتها. الثانية عشرة: عن أبي الأشهب السايح قال: بينما أنا أطوف إذا بجارية تعلقت بأستار الكعبة وهي تقول: يا وحشتي بعد أنسي … ويا ذلي بعد العز ويا فقري بعد الغنى فقلت لها: مالك، أذهب لك مال؟ أو أُصِبْتِ بمصيبة؟ قالت: لا ولكن كان لي قلب فقدته وأنشدت: كان لي قلب أعيش به … ضاع مني في تقلبه رب فاردُدْ عليَّ فقد … عيل (١) صبري في تَطَلُّبه وأغث ما دام بي رمق (٢) … يا غياث المستغيث به فقلت لها: هذه مصيبتك؟ قالت: وأي مصيبة أعظم من فقد القلوب وانقطاعها عن المحبوب؟ فقلت لها: إن حسن صوتك قد عطّل من سمعه عن الطواف، فقالت: يا شيخ البيت بيتك أم بيته؟ قلت: بيته، قالت: الحرم حرمك أم حرمه؟ قلت: بل حرمه، قالت: فدعنا نتدلل عليه على قدر ما استرارنا إليه، ثم قالت: بحبك لي إلا ما رددت عليَّ قلبي، فقلت لها: من أين تعلمين أنه يحبك؟ فقالت: جيَّش من أجلي الجيوش (٣)، وأنفق الأموال، وأخرجني من دار الشرك وأدخلني دار التوحيد (٤) وعرفني نفسه بعد جهلي إياه، فهل إلا لعناية؟ قلت: فكيف حبّك له؟ قالت: أعظم شيء وأجله، قلت: وتعرفي الحب؟ قالت: فإذا جهلته فأي شيء أعرف به حلو المجتبى ما اقتصر، فإذا أفرط عاد حبلًا قاتلًا، وفسادًا معضلًا، وهي شجرة غرسها

стр. 211

كريم، (ومجناها) لذيذ، ثم ولت وأنشأت تقول: وذي قلق لا يعرف الصبر والصبرا … له مقلة غبراء أضر بها البكا وجسم نحيل من شجى لاعج الهوى … بماذا يداوى المستهان من الضنى ولاسيما والحب صعب مرامه … إذا عطفت منه العواطف بالفتى الثالثة عشرة: عن محمد بن الحسين البغدادي قال: حججت مرة، فبينا أنا أدور في شوارع مكة، وإذا أنا بشيخ قابض على يد جارية مُتغِّير لونها، نحل جسمها، وعلى وجهها نور ساطع وضياء لامع، وهو ينادي: هل من طالب؟ هل من راغب؟ هل من زايد على عشرين دينارًا؟ وأنا بريء من كل عيب، قال: فدنوت منه، قلت: وما هو؟ قال: اعلم أنها جارية مهمومة؛ قائمة ليلها صائمة نهارها، لا تأكل طعامًا ولا تشرب (مُدَامًا) قد ألفت الانفراد والوحدة في كل أرض وبلدة، فلما سمعت كلامه أحببتها فاشتريتها ورحت بها إلى منزلي فرأيتها مطرقة إلى الأرض، ثم رفعت رأسها إليَّ وقالت: يا مولاي الصغير من أين أنت يرحمك اللَّه؟ قلت: من العراق، قالت: من البصرة أو من الكوفة؟ فقلت: ولا من واحدة منهن، فقالت: لعلك من مدينة السلام ببغداد؟ قلت: نعم، قالت: بخ بخ؛ مدينة الزهاد والعبَّاد، قال: فعجبت وقلت: يا جارية من حجرة إلى حجرة، ينادى عليها من أين لها معرفة بالزهاد والعبَّاد، ثم أقبلت عليها شبه الملاعب لها، وقلت لها: من تعرفي منهم؟ قالت: أعرف مالك بن دينار، وبشر الحافي (١)، وصالح المزي، وأبا حاتم السجستاني، ومعروفًا الكرخي (٢)، ومحمد بن الحسين البغدادي، ورابعة العدوية (٣)، وشعوانة،

стр. 212

وميمونة، فأقبلت عليها وقلت لها: من أين لك معرفة هؤلاء؟ قالت: يا فتى كيف لا أعرفهم وهم واللَّه أطباء القلوب ومنّ المحب على المحبوب. فقلت لها: يا جارية أنا محمد بن الحسين، فقالت: لقد سألت اللَّه أن يجمع بيني وبينك يا أبا عبد اللَّه، ما فعل حسن صوتك الذي يحيى به قلوب المريدين وتبكي به عيون السامعين؟ فقلت: باق على حاله، قالت: فباللَّه عليك أسمعني شيئًا من القرآن، فقرأت "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" فصرخت صرخة عظيمة، وغشي عليها. فرششت على وجهها الماء فأفاقت فقالت: يا أبا عبد اللَّه، هذا اسمه فكيف لو عرفته حق معرفته، وفي الجنان رأيته؟ اقرأ يرحمك اللَّه، فقرأت: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (١) الآية قالت: يا أبا عبد اللَّه، ما عبدنا وثنًا ولا قبلنا صنمًا، اقرأ رحمك اللَّه، فقرأت: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] الآية، فقالت: يا أبا عبد اللَّه، لقد ألزمت نفسك القنوط، روح قلبي بين الرجاء والخوف، اقرأ، فقرأت: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٢) قالت: واشوقاه إلى لقائه؛

стр. 213

يوم يتجلى لأوليائه، اقرأ، فقرأت: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ (١) الآيات، قالت: يا أبا عبد اللَّه أراك قد خطبت الحور العين، فهل بذلت من مهورهن شيئًا؟ قلت: يا جارية، دليني فإني مفلس، فقالت: عليك بقيام الليل وصيام النهار، وحب الفقراء والمساكين، ثم أنشأت تقول: يا خاطب الحوراء في خدرها … وطالب ذاك على قدرها انهض بجد لا تكن وانيًا (٢) … وجاهد النفس على صبرها وقم إذا الليل بدا شطره … وصم نهارًا فهو من مهرها فلو رأت عيناك إقبالها … وقد بدت رمانتا صدرها وهي تمشي بين أربابها … وعقدها يشرف في نحرها لهان في عينيك هذا الذي … تراه في دنياك من زهرها قال: ثم غشي عليها، فرششت على وجهها الماء، فأفاقت، ثم أنشأت تقول: إلهي لا تعذبني فإني … مقرٌّ بالذي قد كان مني فكم من زلة لي في الخطايا … عفوت وأنت ذو فضل ومَنِّي يظن الناس بي خيرًا وإني … لشرُّ الناس إن لم تعف عني وما لي حيلة إلا رجائي … لعفوك إن عفوت وحسن ظني قال: ثم غُشي عليها، فدنوت منها، فإذا هي قد ماتت -رحمة اللَّه عليها- فاغتممت لذلك غمًا شديدًا، وخرجت إلى السوق لآخذ في جهازها، فلما رجعت إذا هي قد كُفنت وحُنطت وعليها خضراوتان من حلل الجنة، مكتوب على الكفن سطران: الأول: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، والسطر الثاني: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (٣).

стр. 214

قال: فحملتها أنا وأصحابي وصلينا عليها ودفناها وقرأت عند رأسها سورة يس، ورجعت إلى محرابي باكي العين حزين القلب على فراقها، وصليت ركعتين ونمت، فرأيت الجارية في الجنة وعليها الحلل، وهي في مرج من زعفران أفيح، عليها حلل السندس والاستبرق، وعلى رأسها إكليل مرصع بالدرّ والجوهر، وفي رجليها نعلان من، الياقوت الأحمر يفوح منها ريح المسك والعنبر، ووجهها أضوأ من الشمس والقمر، فقلت: مهلًا يا جارية، ما الذي بلغك هذه المنزلة؟ قالت: حُب الفقراء والمساكين، وكثرة الاستغفار، ونقل الأذى عن طريق المسلمين، ثم أنشأت تقول: طوبى لمن سهرت في الليل عيناه … وبات ذا قلق من حب ولاه وراح يومًا على تفريطه وبكى … خوفًا لما قد جناه من خطاياه

стр. 215

مجلس في الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد والحذر من الخيانة قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (١). وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (٣). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ (٤). وفي هذه الآيات الأمر بالوفاء وإنكار الخَلْف على ذي إيمان، وتشديد الذم له، وتهديد من نكبه بالمقت عند اللَّه، والمقت أشد البغض، وعند اللَّه أبلغ، وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٥)، وقال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (٦). وقال: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٧). وقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ (٨). وقال: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ (٩). وقال: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (١٠).
следующие страницы →