← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كريم، (ومجناها) لذيذ، ثم ولت وأنشأت تقول: وذي قلق لا يعرف الصبر والصبرا … له مقلة غبراء أضر بها البكا وجسم نحيل من شجى لاعج الهوى … بماذا يداوى المستهان من الضنى ولاسيما والحب صعب مرامه … إذا عطفت منه العواطف بالفتى الثالثة عشرة: عن محمد بن الحسين البغدادي قال: حججت مرة، فبينا أنا أدور في شوارع مكة، وإذا أنا بشيخ قابض على يد جارية مُتغِّير لونها، نحل جسمها، وعلى وجهها نور ساطع وضياء لامع، وهو ينادي: هل من طالب؟ هل من راغب؟ هل من زايد على عشرين دينارًا؟ وأنا بريء من كل عيب، قال: فدنوت منه، قلت: وما هو؟ قال: اعلم أنها جارية مهمومة؛ قائمة ليلها صائمة نهارها، لا تأكل طعامًا ولا تشرب (مُدَامًا) قد ألفت الانفراد والوحدة في كل أرض وبلدة، فلما سمعت كلامه أحببتها فاشتريتها ورحت بها إلى منزلي فرأيتها مطرقة إلى الأرض، ثم رفعت رأسها إليَّ وقالت: يا مولاي الصغير من أين أنت يرحمك اللَّه؟ قلت: من العراق، قالت: من البصرة أو من الكوفة؟ فقلت: ولا من واحدة منهن، فقالت: لعلك من مدينة السلام ببغداد؟ قلت: نعم، قالت: بخ بخ؛ مدينة الزهاد والعبَّاد، قال: فعجبت وقلت: يا جارية من حجرة إلى حجرة، ينادى عليها من أين لها معرفة بالزهاد والعبَّاد، ثم أقبلت عليها شبه الملاعب لها، وقلت لها: من تعرفي منهم؟ قالت: أعرف مالك بن دينار، وبشر الحافي (١)، وصالح المزي، وأبا حاتم السجستاني، ومعروفًا الكرخي (٢)، ومحمد بن الحسين البغدادي، ورابعة العدوية (٣)، وشعوانة،

стр. 212

وميمونة، فأقبلت عليها وقلت لها: من أين لك معرفة هؤلاء؟ قالت: يا فتى كيف لا أعرفهم وهم واللَّه أطباء القلوب ومنّ المحب على المحبوب. فقلت لها: يا جارية أنا محمد بن الحسين، فقالت: لقد سألت اللَّه أن يجمع بيني وبينك يا أبا عبد اللَّه، ما فعل حسن صوتك الذي يحيى به قلوب المريدين وتبكي به عيون السامعين؟ فقلت: باق على حاله، قالت: فباللَّه عليك أسمعني شيئًا من القرآن، فقرأت "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" فصرخت صرخة عظيمة، وغشي عليها. فرششت على وجهها الماء فأفاقت فقالت: يا أبا عبد اللَّه، هذا اسمه فكيف لو عرفته حق معرفته، وفي الجنان رأيته؟ اقرأ يرحمك اللَّه، فقرأت: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (١) الآية قالت: يا أبا عبد اللَّه، ما عبدنا وثنًا ولا قبلنا صنمًا، اقرأ رحمك اللَّه، فقرأت: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] الآية، فقالت: يا أبا عبد اللَّه، لقد ألزمت نفسك القنوط، روح قلبي بين الرجاء والخوف، اقرأ، فقرأت: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٢) قالت: واشوقاه إلى لقائه؛

стр. 213

يوم يتجلى لأوليائه، اقرأ، فقرأت: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ (١) الآيات، قالت: يا أبا عبد اللَّه أراك قد خطبت الحور العين، فهل بذلت من مهورهن شيئًا؟ قلت: يا جارية، دليني فإني مفلس، فقالت: عليك بقيام الليل وصيام النهار، وحب الفقراء والمساكين، ثم أنشأت تقول: يا خاطب الحوراء في خدرها … وطالب ذاك على قدرها انهض بجد لا تكن وانيًا (٢) … وجاهد النفس على صبرها وقم إذا الليل بدا شطره … وصم نهارًا فهو من مهرها فلو رأت عيناك إقبالها … وقد بدت رمانتا صدرها وهي تمشي بين أربابها … وعقدها يشرف في نحرها لهان في عينيك هذا الذي … تراه في دنياك من زهرها قال: ثم غشي عليها، فرششت على وجهها الماء، فأفاقت، ثم أنشأت تقول: إلهي لا تعذبني فإني … مقرٌّ بالذي قد كان مني فكم من زلة لي في الخطايا … عفوت وأنت ذو فضل ومَنِّي يظن الناس بي خيرًا وإني … لشرُّ الناس إن لم تعف عني وما لي حيلة إلا رجائي … لعفوك إن عفوت وحسن ظني قال: ثم غُشي عليها، فدنوت منها، فإذا هي قد ماتت -رحمة اللَّه عليها- فاغتممت لذلك غمًا شديدًا، وخرجت إلى السوق لآخذ في جهازها، فلما رجعت إذا هي قد كُفنت وحُنطت وعليها خضراوتان من حلل الجنة، مكتوب على الكفن سطران: الأول: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، والسطر الثاني: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (٣).

стр. 214

قال: فحملتها أنا وأصحابي وصلينا عليها ودفناها وقرأت عند رأسها سورة يس، ورجعت إلى محرابي باكي العين حزين القلب على فراقها، وصليت ركعتين ونمت، فرأيت الجارية في الجنة وعليها الحلل، وهي في مرج من زعفران أفيح، عليها حلل السندس والاستبرق، وعلى رأسها إكليل مرصع بالدرّ والجوهر، وفي رجليها نعلان من، الياقوت الأحمر يفوح منها ريح المسك والعنبر، ووجهها أضوأ من الشمس والقمر، فقلت: مهلًا يا جارية، ما الذي بلغك هذه المنزلة؟ قالت: حُب الفقراء والمساكين، وكثرة الاستغفار، ونقل الأذى عن طريق المسلمين، ثم أنشأت تقول: طوبى لمن سهرت في الليل عيناه … وبات ذا قلق من حب ولاه وراح يومًا على تفريطه وبكى … خوفًا لما قد جناه من خطاياه

стр. 215

مجلس في الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد والحذر من الخيانة قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (١). وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (٣). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ (٤). وفي هذه الآيات الأمر بالوفاء وإنكار الخَلْف على ذي إيمان، وتشديد الذم له، وتهديد من نكبه بالمقت عند اللَّه، والمقت أشد البغض، وعند اللَّه أبلغ، وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٥)، وقال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (٦). وقال: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٧). وقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ (٨). وقال: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ (٩). وقال: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (١٠).

стр. 216

وقال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (١). وقال: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ (٢). وقال: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (٣). وقال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾ (٤). وقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (٥). وقال: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٦). وقال: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (٧). وقال: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (٨). وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٩). وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ (١٠). وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١١). وقال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (١٢). وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (١٣). وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ (١٤) الآية. وقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ (١٥) الآية. وقال: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (١٦). وقال: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (١٧).

стр. 217

وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (١). وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٢). وقال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ (٣) الآية. وقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾ (٤). وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. (٥) وقال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ (٦). وأما الأحاديث فكثيرة نذكر منها ستة أحاديث: مشتملة على التحذير من إخلافه وغدر العهد، وعلى بيان أهل الوفاء من النبيين والصديقين الذين يرغب أن ينتظم في سلكهم كل لبيب. أولها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "آية المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (٧) متفق عليه، زاد مسلم: "وإن صام وصلى وزعم أنه

стр. 218

مسلم" (١). ولا تحذير أبلغ من ذلك، فمن يختار أن يكون في رتبة المنافقين التي هي أسفل الدرجات. ثانيها: حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: "أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (٢) متفق عليه أيضًا. ثالثها: حديث جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو قد جاء مال البحرين لأعطينَّك هكذا وهكذا". فلم يجئ حتى قُبض رسول اللَّه ﷺ فلما جاء، أمر الصديق من كان له عند رسول اللَّه ﷺ عِدَةٌ أو دين فليأتينا، فأتيته وقلت: إن رسول اللَّه ﷺ قال لي كذا وكذا، فحثى لي حثية فعددتها، فإذا هي خمسمائة، فقال: خذ مثلها (٣) متفق عليه أيضًا.

стр. 219

فالصديق وفَّى موعوده، فإنها تُعادل الدين بالنسبة إلى مقامه الغالي. رابعها: حديث حذيفة قال: "حدثنا رسول اللَّه ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: "أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال (١)، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة" ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: "ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، تراه منتبرًا، وليس فيه شيء (٢) -ثم أخذ حصى فدحرجه على رجليه- فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل، ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان". ولقد أتى عليَّ زمان وما أبالي أيَّكُمْ بايعت، لئن كان مسلما ليَرُدَّنَّهُ عليَّ دينه، ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليرُدَّنَّهُ علي ساعيه، وأما اليوم فما كنت لأبايع (٣) منكم إلا فلانًا وفلانا" (٤) متفق عليه.

стр. 220

خامسها: حديث حذيفة أيضًا وأبي هريرة "في إتيان الناس يوم القيامة إلى آدم وغيره، إلى أن يأتوا إلى نبينا -صلوات اللَّه وسلامه عليه- فيُؤذن له، وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق" الحديث (١) رواه مسلم. سادسها: حديث عبد اللَّه بن الزيير الطويل في صحيح البخاري، وأن والده كان يستودع المال فيقول: لا ولكن هو سلف فإني أخشى عليه الضيعة، فمات وعليه من الدين ألفا ألف، فوافى وقسم الباقي، ورفع الثلث، وكان للزبير أربع نسوة، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف (٢). ونذكر من الحكايات أيضًا ستة: الأولى: قال بعضهم: كنت بمكة فجاءني رجل من أهل اليمن فقال: جئتك بهدية، ثم قال لرجل كان معه: حدِّث ما كان منك، قال: خرجت من صنعاء حاجًا فشيعني جماعة وقال لي رجل منهم: إذا زرت رسول اللَّه ﷺ فأقرئه مني السلام وعلى سائر الصحابة، قال: فدخلت المدينة ونسيت ذلك، فخرجنا إلى ذي الحليفة لنُحرم، فتذكرت الأمانة، فرجعت إلى المدينة وفعلت ما استودعني، فأدركني الليل ورحلت القافلة فنمت في المسجد، فرأيت رسول اللَّه ﷺ فقال: هذا أبو الوفا وأخذ بيدي فوُضعت بمكة، فأقمت زمانًا حتى وردت رفقتي. الثانية: عن إبراهيم بن أدهم أنه حج، فبينما هو في الطواف، وإذا بشاب حسن قد أعجب الناس حسنه وجماله، فجعل إبراهيم ينظر إليه ويبكي، فقال بعض

стр. 221

أصحابه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، غفلة دخلت على الشيخ بلا شك، ثم قال: يا سيدي ما هذا النظر الذي يخالطه البكاء؟ فقال له إبراهيم إني عقدت مع اللَّه عهدًا لا أفسخه، هذا الفتى ولدي تركته صغيرًا فارًّا إلى اللَّه، وإني لأستحي أن أعود إلى شيء خرجت عنه، وأنشدوا: ولا عرضت لى نظرة مذ عرفته … مدى الدهر إلا كان لي حيث أنظر أغار على طرفي له فكأنني … إذا رام طرفي غيره لست أبصر أيا منتهى سؤلي وذخري (١) وعدتي … ودادك في قلبي إلى يوم أُحشر ثم قال لي: امض وسلم عليه لعلي أتسلى بسلامك عليه، وأبرد نارًا على كبدي، فأتيته وقلت: بارك اللَّه فيك لأبيك، قال: يا عم وأين أبي؟ إنه خرج فارًا إلى اللَّه، ليتني أراه ولو مرة واحدة، وتخرج نفسي عند ذلك، هيهات، وخنقته العبرة، وقال: واللَّه أود لو أني رأيته وأموت في مكاني، ثم بكى وأنشد: لقد حكم الزمان عليَّ حتى … يراني في هواك كما تراني حبيبي إن بعدت فإن قلبي … على مرّ الزمان إليك دابي وإن بعدت ديارك عن دياري … فشخصك ليس يبرح عن عياني لقد أسكنت حبك في فؤادي … مكانا ليس يعرفه جناني كأنك قد ختمت على ضميري … فغيرك لا يمر على لساني ثم رجعت إلى إبراهيم وهو ساجد وقد بل الحصى بدموعه وهو يتضرع للَّه ويقول: هجرت الخلق طرًا (٢) في رضاكا … وأيتمت العيال لكي أراكا فلو قطعتني في الحب إربًا … لما سكن الفؤاد إلى سواكا قال: فقلت: ادع اللَّه له، فقال: حجبه اللَّه عن معاصيه وأعانه على ما يرضيه. الثالثة: عن يوسف بن الحسين قال: بلغني أن ذا النون يعلم اسم اللَّه الأعظم (٣) فخرجت من مكة قاصدًا إليه حتى وافيته في جزيرة مصر، فأول ما بصرني

стр. 222

رآني طويل اللحية، وفي يدي ركوة كبيرة متزرًا بمئزر، وعلى كتفي مئزر، وفي رجلي (تاسوتة) (١)، فاستشنع منظري، فلما سلمت عليه كأنه ازدراني، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة ناظره شخص، فاستظهر عليه، فقمت وقطعته، ثم دققت حتى لم يفهم كلامي، فعجب مني وأكرمني، فصحبته سنة، فطلبت منه تعليمي الاسم الأعظم فلم يجبني، وأوهم أنه ربما علمني، فلما كان بعد ستة أشهر بعث معي حاجة الى شخص في طبق عليه (مكبة) (٢) مشدود بمنديل، فاستخففته، فكشفته، فإذا فيه فأرة هربت، فغضبت ثم رجعت، فلما رآني تبسم وقال: يا مجنون؛ ائتمنتك على فأرة فخنتني، فكيف أأتمنك على اسمه الأعظم؟ اذهب عني. الرابعة: عن بعضهم قال: دخلت الخلوة أيام بدايتي، وعاهدت اللَّه أن لا آكل شيئًا إلا بعد أربعين يومًا، فمكثت نيفًا وعشرين، واشتدت بي الفاقة، فخرجت ولم أشعر بنفسي إلا وأنا في السوق، وإذا بفقير يتمنى رغيف حواري (٣) -أي أبيض- ورطل شوي، ورطل حلوى، فاستثقلته، فحصل ذلك له فأعطانيه، وأمسك بأذني وقال: من هو الثقيل؟ الذي نقض العهد وخرج من الخلوة لأجل الشهوة، أو الذي يطلب من الطيبات المعاش ما يرد عليه القوة والحواس، ثم قال: إن الذي يريد طي الأربعين يطويها على التدريج وإلا ثار عليه كَلِبَ الجوع وهاج، ثم لا يعود إلى هذا المذهب، وتركني وذهب. الخامسة: عن بعضهم أنه عقد مع اللَّه عقدًا أن لا ينظر إلى مستحسنات الدنيا، فمر يومًا بسوق الصرف، فنظر إلى منطقة (٤) معلقة وأطال النظر فرآه صاحبها، ثم التفت فلم يرها، فأمسكه وقال: أنت سرقتها، وأنت صوفي، فحلفت أني لم آخذ شيئًا، فحمل إلى الأمير وقال: هذا فعال الصالحين؟ فحلفت ثانيًا، فقال رجل من الحاضرين: جردوه، فإذا هي في وسطه، فصرخ الأمير وغشي عليه، فلما أفاق أخبره الخبر، ثم ولى وهو يقول: يا عدتي في شدتي … إن لم تكن أنت فمن

стр. 223

ينقذني من الردى (١) … يا صاحب الفعل الحسن طوبى (٢) لمن بات بكم … مشرَّدًا بلا وطن السادسة: عن بعضهم قال: كنت بالمصِّيصة، فإذا رجلان يتكلمان في الخلوة مع اللَّه تعالى، فلما أرادا أن ينصرفا قال أحدهما للآخر: تعال نجعل لهذا العلم ثمرة، ولا يكون حجة علينا، فقال: اعزم ما شئت، قال: عزمت على أن لا آكل ما لمخلوق مال فيه صنع، قال: فتبعتهما وقلت: أنا معكما، فقالا: على الشرط؟ قلت: نعم، فصعدا جبل لكام ودلاني على كهف وقالا لي: تعبد فيه، فدخلت فيه وجعل كل واحد يأتي بما قسم اللَّه، وبقيت مدة فقلت: إلى متى أقيم هنا؟ أنا أسير إلى طرسوس وآكل من حلال، وأعلم الناس العلم وأقرأ القرآن، فخرجت ودخلتها، وأقمت بها سنة، فإذا برجل منهما واقف علي يقول: يا فلان خُنت في عهده، ونقضت الميثاق، أما إنك لو صبرت كما صبرنا لوهب لك كما وهب لنا، قلت: ما هو؟ قال: ثلاثة أشياء: طي الأرض من المشرق إلى المغرب بقدم واحد، والمشي على الماء، والحجبة إذا (سا) (٣) ثم احتجب عني فقلت: بالذي وهب لك هذا الحال إلا ما ظهرت لي فقد شوقت قلبي، فظهر وقال: سل، فقلت: هل لي إلى ذلك الحال عودة، فقال: هيهات، لا يؤتمن الخائن، ثم أنشأ يقول: من سارروه فأبدى السر مشتهرًا … لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وأبعدوه ولم يسعد بقربهم … وأبدلوه ما كان الأسر إحياشا ومن أتاهم فهم لا يحجبوه به … حاشا ودادهم حاشاهم حاشا لكن لهم وبهم في كل نابية … إليهم ما بقيت الدهر هشاشا

стр. 224

مجلس في الاقتصاد في العبادة ومعناه الشيء يقصد وهو الوسط بين الإفراط والتفريط، والحسنة بين السيئتين، ومنه ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ (١). والقصد: العدل، والاقتصاد: الاعتدال فلا غُلُوّ مسطع، ولا تقصير متساهل. وقد قال ﷺ : "القصد القصد" (٢). قال تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ (٣). فنفى كون الشقاء والكد في العبادة مفعولًا من أجله أنزل القرآن الداعي إلى اللَّه وعبادته، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤) أي يريد اللَّه بكم اليسر والتخفيف بملة حنيفية سهلة لا إصر (٥) ولا أغلال فيها، ولا يريد بكم العسر والمشقة والتعب والشقاء. أما الأحاديث فنذكر منها اثنا عشر حديثًا: ومدارها الزجر والتحذير البليغ عن غلو الخوارج المارقين، والترغيب في الاقتصاد المعتدل المُرضي للَّه، الموصل إلى اللَّه، المسئول في أم القرى ضمن كل صلاة ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ (٦). الحديث الأول: عن عائشة أنه ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، قال: "من هذه؟ "

стр. 225

قالت: هذه فلانة؛ تذكر من صلاتها، قال: "مه، عليكم بما تطيقون، فواللَّه لا يملُّ اللَّه حتى تملُّوا (١)، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه" (٢) متفق عليه. ومه: كلمة زجر ونهي، ومعنى لا يملُّ اللَّه: أي لا يقطع ثوابه عنكم، وجزاء أعمالكم ويعاملكم معاملة المال حتى تملوا فتتركوا، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم، فمفاسد (الناو) (٣) والملل والعجز عن الدوام ونقص الخيرات. ثانيها: عن أنس ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخْبِرُوا كأنهم تقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (٤)، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال

стр. 226

الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول اللَّه ﷺ إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي (١) فليس مني" (٢) " متفق عليه. وفيه أن مفاسده المروق من الدين، "فمن رغب عن سنتي" وحقَّر أهلها وصيامهم وصلاتهم وعبادتهم مع عبادته فليس مني. ثالثها: عن ابن مسعود مرفوعًا: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا أخرجه مسلم (٣) وهم المتعمقون المتشددون في غير موضع التشديد، فهو مهلك. رابعها: عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الدين يسر ولن يُشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرَّوحة وشيء من الدجلة" (٤) رواه البخاري. وفي رواية له: "سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا وشيء من الدجلة، القصد القصد تبلغوا" (٥).

стр. 227

قوله: الدين: هو مرفوع على ما لم يسم فاعله، وروي منصوبًا، وروي: لن يشاد أحد الدين. قوله ﷺ : "إلا غلبه" أي غلبه الدين، وعجز ذلك الشاذ عن مقاومة الدين بكثرة، والغدوة: سير أول النهار، والروحة: آخر النهار، والدجلة: آخر الليل. وهذا استعارة وتمثيل، ومعناه: استعينوا على طاعة اللَّه -تعالى- بالأعمال في وقت نشاطكم، وفراغ قلوبكم، بحيث تستلذون العبادة، ولا تسأمون فتبلغون مقصودكم، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات، ويستريح هو ودابته في غيرها، فيصل المقصود بغير تعب، واللَّه أعلم. فمن شاء فهو مغلوب عاجز عن مقاومته، منقطع عن مرامه، والمقتصد الواصل. (١) خامسها: عن أنس ﵁ قال: "دخل رسول اللَّه ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ " قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال ﷺ : "حُلُّوه، ليصل أحدُكُم نشاطه، فإذا فتر فليقعد"" (٢) أخرجاه. والفتور: منفر من القيام ينقص فيه، وعادة أهله الرقاد، وغيره ليس بمشروع لهم، فما لهم وله. سادسها: عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي

стр. 228

فليرقد حتى يذهب عنه النوم (١)؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه" (٢) أخرجاه. فالناعس فاقد التمييز، فأنى له العبادة، فالسنة زاجرة عن الإفراط. سابعها: عن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلي مع رسول اللَّه ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا" أخرجه مسلم (٣) أي بين الطول والقصر، فالاقتصاد محمود لأنه الهدي المحمدي المحمود، وكفى بذلك مرغبًا. ثامنها: عن أبي جحيفة: "أنه ﷺ آخا بين سلمان وأبي الدرداء، فزاره سلمان فرأى زوجته مبتذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا" الحديث. وفيه فقال سلمان: "إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى رسول اللَّه ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "صدق سلمان" (٤) أخرجه البخاري. فالقصد هو من أعطى كل ذي حق حقه، وغيره معتد ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].

стр. 229

تاسعها: عن عبد اللَّه بن عمرو في قصة صلاته وصومه وقراءته وقوله بعد ما كبر: "يا ليتني قبلت رخصة رسول اللَّه ﷺ " أخرجاه (١) بطوله. فالاقتصاد سنة الأكابر المسددين، ومن شدد شُدِّد عليه (٢). عاشرها: عن حنظلة بن ربيع أحد كتَّاب الوحي قال: "لقيني الصدِّيق فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان اللَّه ما تقول؟! قال: نكون عند رسول اللَّه ﷺ فيُذكِّرنا بالجنة والنار كأنَّا رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا (٣) قال الصديق: فواللَّه إنا لنلقى مثل هذا، وأخبر رسول اللَّه ﷺ بذلك فقال: "والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وطرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ثلاث مرات. أخرجه مسلم (٤).

стр. 230

(. . . . . . . .) (١) للبر والذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون الملائكة الكرام، لكن نومتنا محسوبة كومتنا، فزدنا عليهم هذا التنويع من الخير بإذن السميع العليم. الحادي عشر: عن ابن عباس ﵄ قال: "بينما النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل؛ نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ : "مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" (٢) أخرجه البخاري. فالاستدراك إنما هو في المشروع، وغيره مردود ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.

стр. 231

مجلس في المحافظة على الأعمال ومعناه الحفظ والمراقبة من غير تضيع ولا تعريض له، ولا تغافل عن مضيع ولا تهاون في استرداد ما ضاع. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) الآية (٢). وقال: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (٣). وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (٤). وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (٥). في الآية الأولى النهي عن التشبه بأهل القلوب القاسية، وفي الثانية: بالضلال،

стр. 232

وفي الثالثة بالحمق، وفي الآخرة الختم بالدوام على العبادة حتى الممات، وهو صفة بعد الانتهاء عما سلف من الملامات. ونذكر من الأحاديث أربعة: ومدارها على بيان حكم المحافظة، وإن فاته بعد اجتهاده، وحكم من فوَّت العمل لتهاون أو عذر. أولها: الحديث السالف في الباب، وكان أحب الدين ما داوم عليه صاحبه، فمن قام بالعمل له البشرى بأحب الدين إلى اللَّه ورسوله. ثانيها: عن عمر مرفوعًا: "من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل" (١) أخرجه مسلم. فمن فاته العمل بنوم ونحوه من الأعذار، إذا بادر إليه كتب له كالأداء بفضل الجبار. ثالثها: عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فتركه" (٢) أخرجاه، والتفاوت تهاونًا من النهار، إذ فيه تفويت للأعمال الزكيَّات. رابعها: عن عائشة: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة" (٣) أخرجه مسلم، فَيُتَأَسَى به في ذلك، فإنه النهل العذب لنواله في ذلك.

стр. 233

مجلس في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) أي لأنه ما نطق عن الهوى، فيرد إليه عند التنازع، فإن طاعته من طاعته، فإنه هادٍ بأحكامه وأوامره إلى الصراط الأقوم؛ صراط اللَّه، فليحذر المخالف، وليشكر الموالف. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ (٢). وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣). وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤). وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (٥) الآية. وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٦) الآية، أي إلى الكتاب والسنة.

стр. 234

وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١). وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ (٣) الآية. وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى﴾ (٤) الآية. والآيات فيه كثيرة. ولنذكر من الأحاديث اثنا عشر: ومدارها على الإغرار والتحذير والإرشاد، فيرغب في المحافظة، ويحذر من الإضاعة. فنذكر خواص المحافظة وتركها، وذكر عاقبتها، والتلويح إلى أساس السنة وأهلها، والرمز إلى أصل المتأهل للحفظ، والإضاعة حكمها أجلًا وحقًا، والإشارة إلى ما يستحقه الروافض، والحفاظ من هجره ووداده. الحديث الأول: عن أبي هريرة مرفوعًا: "دعوني ما تركتكم؛ إنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٥) أخرجاه. فالاختلاف على الأنبياء من المهلكات، والوفاق إذًا من المنجيات. ثانيها: عن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول اللَّه ﷺ موعظة وَجِلَتْ

стр. 235

منها القلوب وذرفت منها العيون (١)، فقلنا: يا رسول اللَّه كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: "أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلافاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (٢) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. النواجذ: بالذال المعجمة الأنياب، وقيل: الأضراس، فلزوم السُّنَّة والعض عليها بالنواجذ مُخرِج من الفتنة والظلمة والضلالة، وغيرها من المحدثات والبدع تدخل في الظلمة والجهالة. ثالثها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قيل: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (٣) أخرجه البخاري. فعاقبة المحافظة على طاعة الرسول يورث الجنة، وعاقبة غيره حرمانها، نعوذ باللَّه من المحنة. رابعها: حديث سلمة بن الأكوع: "أن رجلًا أكل عند رسول اللَّه ﷺ بشماله، فقال: "كل بيمينك" قال: لا أستطيع، قال: "لا استطعت" ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه" (٤) أخرجه مسلم. فعاقبة الممتنع منها كبرًا ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ (٥) ذوق وبال أمره، وكان

стр. 236

عاقبة أمره خسرا. خامسها: حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "لتُسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ اللَّه بين وجوهكم" (١) أخرجاه. وفيه عاقبة المتهاون بالسنَّة سوء ذات البين والمخالفة بين الوجوه، ففيه والحديثين قبله بيان العاقبة دنيا وأخرى. سادسها: حديث أبي موسى قال: "احترق بيت على أهله من الليل، فلما حُدِّث رسول اللَّه ﷺ بشأنهم قال: "إن هذه النار عدوكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم" (٢) أخرجاه. فأساس السنة وأصلها أعظم نصيحة وأشد رحمة، وأبلغ بيان لكل عدو مؤذ من نار الدنيا (٣) والأخرى فأنى يصرف عنها اللبيب. سابعها: عنه مرفوعًا: "إن مثل ما بعثني اللَّه من الهدى كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فَقُه في دين اللَّه -تعالى- ونفعه ما بعثني اللَّه به فعلم وعلَّم، ومثل من لم يدفه بذلك رأسًا ولم يقبل هُدَى اللَّه الذي أُرسلت به" (٤) أخرجاه.

стр. 237

فالسنة غيث والقلوب أراضيه، فالطيب الأصل يقبل ويثبت، والمقارب يحبط ويمسك، والخبيث الأصل ضد ذلك، فطوبى لمن جبل على الخير، ويسر له وحفظه من الغير. ثامنها: حديث جابر مرفوعًا: "مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها (١) وهو يذُبُّهنَّ عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلَّتون من يدي" (٢) أخرجه مسلم. والجنادب: نحو الجراد والفراش المعروف الذي يقع في النار، والحجز: جمع حجزة، وهى وقعد الإزار والسراويل، والسنَّة مانعة من مواقعة النار بالعقلاء، ومن هو كالفراش ينفلت من يدها، ويحرق نفسه. ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ (٣) فهذا الحديث والذي قبله لبيان الأصل النفيس والخسيس قلبًا وعقلًا، والبعد حينئذ إلى كل أحد فطنة وغفلة على قدر محافظته وتهاونه. تاسعها: حديثه أيضًا: "أمر رسول اللَّه ﷺ بلعق الأصابع والصحفة وقال: "إنكم لا تدرون في أيّه البركة" (٤) أخرجه مسلم.

стр. 238

وفي رواية: "إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى، فليأكلها ولا يدعها للشيطان" (١) فالخلق عقولهم قاصرة عن دراية ما فيه الخير والبركات، وما فيه حظ الشيطان والشر والهلكات، وإذا كانت المصالح والمفاسد بهذه الدقة والخفاء فلا أدري إلا الاعتصام بسنَّة السادة الأنبياء المأخوذة من رب العالمين والسماء ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). العاشرة: حديث ابن عباس: "قام فينا رسول اللَّه ﷺ بموعظة فقال: "أيها الناس تحشرون إلى اللَّه -تعالى- حفاة عراة غرلا (٣) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٤)، وأول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﷺ ، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥). فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" (٦) أخرجاه.

стр. 239

غرلًا: غير مختونين، وفيه أن المسألة قد تخرج وصاحبها لا يدري له فيه حكمها وعدم عصمتها، فهذا الحديث والذي قبله يسوغ حكمها جلاء في الواضحات، وخفاء في كثرتها، فطوبى لمن حافظ على كلها. الحديث الحادي عشر: حديث عبد اللَّه بن مغفل: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن الحذف، وقال: "إنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السِّنَّ" (١) أخرجاه. وفي رواية: "أن قريبًا لابن مغفل حذف، فنهاه وقال: إن رسول اللَّه ﷺ نهى عنه ثم عدت تحذف لا أكلمك". وفيه: استحقاق المتهاون بعد العلم بالسنة وبحكمها لأن يهجر فلا يُكلَّم أبدًا. الحديث الثاني عشر: حديث عابس بن ربيعة قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵄ يقبل الحجر -يعني الأسود- ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ قبلك ما قبلتك" (٢) أخرجاه (٣).

стр. 240

واعلم أن ما ذكرناه من الأحاديث مدارها على المُرضي للَّه، الموصل إلى اللَّه، المسؤول في أم القرى ضمن كل صلاة ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]. على مهيمن: الإغراء والتحذير والبيان والإرشاد وفي المهم الأول: ست تنبيهات: ترغب في المحافظة على السنة، وترهب من إضاعتها، وذكر خواص المحافظة وعاقبتها، والتلويح إلى أساس السنة وأهلها، والرمز إلى أصل المتأهل للحفظ والإضاعة، وحكمتها جلاء وخفاء والإشارة إلى ما تستحقه الروافض، والحافظ من هجر ووداد. وفي المهم الثاني: بيان جملة من السنن المباركة المهمة النافعة، فمنها: مجالسة الكبراء، كما في حديث البيهقي، وذلك بأمور: أحدها: ترك السؤال الصادر عما لعله أهم للسامع، وثانيها: حسن الموافقة في كل قول وفعل وإرادة، وثالثها: مقابلة الأوامر والأخبار بالسمع والطاعة، والإيمان والتصديق لا بالعلم والرأي، وهي واضحة من الحديث الأول. ومنها إفادة الكبير للمريدين بالمواعظ المؤثرة، وبالوصايا النافعة لاسيما إذا طلبت بصدق وبالإشارات المهمة كما في الحديث الثاني. وفيه أيضًا حسن الاستفادة بأربعة أمور: الإقبال بالفهم والقلب كله على الكثير، وسؤال الوصية والعض بالنواجذ (١) على الطريق المرضية، وتجنب ما خالف ذلك، والحذر منه ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٢)، ومنها ثلاثة أمور: التحذير الأبلغ مما يخالف بداية العقول على وجه من التغيير بدفع، والمراجعة فيما لا ينفهم حتى ينفهم، وأخذ الحذر مما حذَّر منه الناصح فلا يُعصى بشيء من أوامره البتة. ومنها: الاحتفال بالأكل باليمين والأمر به لمن يتركه، وقبول النصح والبدار إليه، وترك الكبرياء فإنه مُهلك، وترك النفاق، فلا خير في شئ منه، وتحرِّي الصدق في الاعتذار وغيره ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) وتغيير حذر سطوة

стр. 241

الأكابر، وتغيير قلوبهم ودعائهم كما في الحديث الرابع. ومنها: الاهتمام بآداب ثمانية؛ تسوية الصفوف، ولاسيما للإمام، وأمر المتهاونين فيها به، وترك المواجهة بالموعظة، وتحسين القول كقوله: عباد اللَّه، ولم يقل أيُّها المسيئون. والاحتفال بالإرشاد وتكريره حتى يرى أن قد عُقِلَ، وإنذار المتعرض للهلاك بجهله، وإيضاحه له، وأخذ الحذر من الشقاق، وتخالف الوجوه، وترك احتقار شيء من السببين فيجبه من الخير ما لا يوصف كما هو جلي من الحديث الخامس. ومنها: إطفاء النار عند النوم وأن يُؤْخَذَ العبرة مما يتحدث به شأن الناس. ومنها: التنبيه بضرب الأمثال، ولها فوائد جليلة، فليعنى به الألباء ويتيقن الهدى، والعلم غيب يحيي اللَّه به القلوب، فليحرص على التفقه فيه الناصح لنفسه معظمًا لنعمة اللَّه -تعالى- به، وأن التعليم بعد العلم مهم كالمراعي، وأن الرواية خير كثير فليحمل العلم من كل خلف عدوله كالاجادر (١). وليبك على نفسه المحروم من كل دراية ورواية ورعاية فإنه قيعان، ومنها إرغام الشيطان بلعق الأصبع والقصعة (٢) وأكل المتناثر، وإطابة المطاعم حسًّا ومعنى. ومنه إماطة الأذى عن المأكول والمشروب، والتبرك باستعمال أقوال الصالحين، وترك الحذف، وتقبيل الحجر الأسود، ولا يخفى الفهم بعد ذلك ما يستنبط منه أو يُستزاد، ويؤخذ منه، وباللَّه الإعانة والتسديد. فصل في وجوب الانقياد لحكم اللَّه -تعالى- وما يقوله من دعي إلى ذلك وأمر بمعروف أو نهى عن منكر قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (٣) الآية (٤).

стр. 242

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) الآية. ومعنى الحكم التدبير الشامل للكونيات والدينيات التكليفية والجزائية، حسية وخلقية، ولا شك أن الإنسان إن خاصم أولًا فله التحكيم، وإلا فالطواعية. وفيه من الأحاديث حديث أبي هريرة المذكور في أول الفصل قبله، وغيره من الأحاديث. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: "لما نزلت على رسول اللَّه ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فأتوا رسول اللَّه ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا (٢): أي رسول اللَّه، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما فعلوا ذلك نسخها (٣)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: "نعم" ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾

стр. 243

[البقرة: ٢٨٦] قال: "نعم" ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: "نعم" ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية، قال: "نعم" (١). ومدار الحديث على تعظيم أمر اللَّه بنحو ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] شق أو لم يشق، من وسط القلب، والرفق بالنفس بسؤال التخفيف بنحو ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] (٢)، وأن تقرن عندها ما يهون عليه التحمل، لو لم يخفف عنها شيء بنحو ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ [البقرة: ٢٨٥]. فالآية الشريفة اشتدت على المؤمنين، فلولا يقينهم وإيمانهم باللَّه واليوم الآخر، لما ألقوا لذلك بالًا. ولولا مراقبتهم لأنفسهم وعلمهم حالها، وبضعفهم عن مثلها، لما ثبتوا لمشقتها عليهم، ولَمَّا شقت الآية عليهم أتوا رسول اللَّه ﷺ فتلا عليهم ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] (٣)، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) لما سمعوا تيسير ذلك، ولولا حسن ظنهم باللَّه ورسوله لكتموا ما بهم عنها وبركوا على الركب استرحاما للَّه، وذكروا قصتهم، فلولا إخلاص قلوبهم لتظاهروا بغير ما فيها، ولولا مناصحتهم للَّه ولرسوله لَشَكَوْا همَّهم لغيرهما، ولولا إجلالهم للرب ﷻ لانطلقت ألسنتهم بأكثر من مجرد القصد، واستضعاف أهل الطريق منزلة الخوف والرجاء له موضع يخاض فيه، وكان الشارع أعلم بالمؤمنين لسعة ذلك عليهم، ولكن مهمته ببادئ الحال، ولمَّا تعلقوا أغاثهم بترك التوقف لهم، وذكر أنهم معذورون، أو أنه يسأل اللَّه لهم أو نحو ذلك (٥)، وصرفه لهم عن كل وجهة مبينًا أن جميع ما

стр. 244

يحاول، فإنما هو حال أهل الغضب والضلال، ولما علموا أن لا ملجأ من اللَّه إلا إليه أرشدهم لما أرشدهم إليه، فأعظم به رسولًا وهاديًا، فأزال اللَّه -تعالى- انقباضهم ببسط موجه لهم حيث قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآية، وسارع في رضاهم، فأزال ما شق عليهم بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (١) فأبهجهم بإجابة أدعيتهم ناجزًا معقبًا كل واحد بنعم، فليبشر المنقاد لحكم اللَّه، لما يرغب عاجلًا أو آجلًا. جزى اللَّه يوم الروع خيرًا فإنه … أرانا على علاته أم سالم فصل في إجراء الناس على الظاهر وسرائرهم إلى اللَّه تعالى قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢). يأمر بتخلية المعقود له على مرصد، إذا فعل ذلك. وروينا في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه

стр. 245

تعالى" (١). وروينا في صحيح مسلم من حديث طارق بن أشيم (٢) مرفوعًا: "من قال لا إله إلا اللَّه، وكفر بما يُعْبَدُ من دون اللَّه، حُزم ماله ودمه، وحسابه على اللَّه" (٣). وفيه وما قبله عصمة دم ومال من أسلم، وترك قتاله حكمنا ظاهر إيمانه، وما يفعله من مباني الإسلام (٤). وقوله: "وحسابهم على اللَّه" تصريح بأن الغيب للَّه، والظاهر هو الذي يعتمده البشر ليس إلا، ولإيراد هذا الحديث بعد الأول فوائد: أحدها: إيضاح أنه لا فرق بين مقاتل وسالم في ذلك. ثانيها: بيان أن القول هو المراد بالشهادة المذكورة في الأول. ثالثها: إن عصمة الدم والمال على سبيل التحريم المحتم. رابعها: أنه عصمة منه ﵇ ومن كل أحد.

стр. 246

وفي الحديثين بيان الأسباب، والمحل إما محل الحكم، والظاهر بالدنيا فقط، وأما الآخرة، فمدار الحقائق كما يشعر به قوله: "وحسابهم على اللَّه". وأما الأسباب فمنها: الاستصحاب كما في قوله: "أُمرت أن أقاتل" أي لأن الأصل عدم إيمانهم. ومنها: إخبار العالم كما في ضميره الذي لا يعلم ما فيه إلا من جهته كما في قوله: "حتى يقولوا أو يشهدوا". ومنها: اعتناء من أُمر بأعمال هي زاده ليوم مَعَاده بحيث يشق تضييع مثلها، فالتهاون في شرط أو فرض منها، كما في قوله: "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". وروينا في الصحيحين من حديث أبي معبد مقداد بن الأسود (١) قال: قلت لرسول اللَّه ﷺ : أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت للَّه، أأقتله يا رسول اللَّه بعد أن قالها؟ فقال: "لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (٢). معناه أنه معصوم الدم، محكوم بإسلامه، وأنت مباح الدم بالقصاص لورثته، لا أنه بمنزلته في الكفر. وفيه ذكر بعض ما يصرف الناس عن الحكم بالظاهر وهو شهوة الانتقام المشعر به قوله: قطع إحدى يديه، ثم قال ذلك بعد ما قطعها. وقوله: "وإنك بمنزلته قبل أن يقولها" (٣) أبلغ منقد وزاجر عن إلغاء قوله

стр. 247

الذي هو مظنة إيمانه. وروينا فيهما من حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: "بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى الحُرقة من جهينة، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللَّه، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لي: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه" قلت: يا رسول اللَّه إنما كان متعوذًا، قال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه" فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" (١). وفي رواية: فقال رسول اللَّه ﷺ : "أقال لا إله إلا اللَّه وقتلته؟ " قلت: يا رسول اللَّه إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ (٢)، ومعنى مُتعوِّذًا: معتصمًا بها من القتل، لا معتقدًا لها. وفيه ذكر ما يصرف عنه وهي أنه قالها متعوذًا خوفًا من السلاح، وبيان حكمة الحكم بالظاهر، وهي سلامة مهجة الصادق كما يشير إليه قوله: "حتى تعلم أقالها خوفًا من السلاح أم لا". وفيه أيضًا بيان سبب مشروعية الحكم بالظاهر، وهو قصور السر عن الاطلاع

стр. 248

على حقائق الأمور كما يشعر به قوله: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم". وروينا في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد اللَّه (١) ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ بعث بعثًا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وأنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلًا من المسلمين قصد غفلته -قال: وكنا نحدِّث أنه أسامة بن زيد- فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا اللَّه، فقتله، فجاء البشير إلى النبي ﷺ فسأله، فأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله فقال: "لم قتلته؟ " قال: يا رسول اللَّه أوجع في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا -وسمى له نفرًا- وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا اللَّه، قال رسول اللَّه ﷺ : "أقتلته؟ " قال: نعم، قال: "فكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: يا رسول اللَّه استغفر لي (٢)، قال: "وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: "كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ " (٣). وفيه ذكر ما يصرف عنه من غيره الإسلام، وحدَّة حميَّته لأهل دينه، كما يشعر قوله: "أوجع وقتل من المسلمين" كما يشعر به قوله: وإني حملت عليه، والتهمة المشعرة بها قوله: فلما رأى السيف قال: لا إله إلا اللَّه (٤).

стр. 249

وفيه وجه بليغ من وجوه: أحدها: قوله: "كيف تصنع بها"، وثانيها: قوله: "إذا جاءت يوم القيامة، ثالثها: الإعراض عن الاستغفار له، ورابعها: تكرير ذلك والتأوه منه. وروينا في صحيح البخاري من حديث عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم (١)، فمن أظهر لنا خيرًا أَمنَّاهُ وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، اللَّه يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة". وفيه أن المانع من الحكم بالظاهر إنما هو يقين الوحي، ونحوه كلام عيسى وصاحب جريج وشاهد يوسف (٢) وأن مجرد الاحتمالات لا تصلح مانعًا، كما يشعر به قول الفاروق: "وليس لنا من سريرته شيء" وفيه أن الأعمال البشرية إذا تعارضت مع دعوى الخيرية قدمنا الأعمال كما هو جلي من قوله لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة. وحاصل الأحاديث إيجاب الحكم بالظاهر مرتبًا على سببه وملازمه، وبيان الأسباب ومحل الحكم بالظاهر، وبيان ما يصرف الناس عن الحكم بالظاهر، وحكمة الحكم بالظاهر، وفائدته وما يزجر عن تركه، وسبب مشروعيته، وما يمنع منه، وما لا يصلح مانعًا، وترجح أحد المتعارضين وسنته ذلك قتال الناس حكمًا بان لا أمان لهم بأنه الظاهر على فترة من الرسل، ومثله الإغارة على من لا أذان (٣) فيهم حكمًا

стр. 250

بكفرهم لأنه ظاهر الإخلال بشعار الدين بعد أن ضرب الإيمان بجرابه، وفيها غير ذلك مما لا يخفى على متأمل ومستوضح ومتمهل. فصل في النهي عن البدع ومحدثات الأمور والمراد بها ما خالف الحق أو تردد في الصدر أو أنكره القلب أو ردَّته الشريعة. وهي في اللغة ما ليس له مثال سابق، ومن هذا السنَّة الحسنة (١) وغيرها. واللغوية هي التي انقسمت إلى الأحكام الخمسة، وكل بدعة ليست شرعية فضلالة. قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٢) فلا واسطة بينهما، فمن أخطأ الحق وقع في الضلال. وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) فكل شيء فيه خير ما، فالكتاب المجيد مشتمل عليه لم يفعل ولم يترك بناء على أن الكتاب القرآن، وهو مذهب الجمهور، لا الأجل ولا اللوح المحفوظ. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤) أي الكتاب والسُّنَّة، فيجب الرد إليهما إذ ذلك.
следующие страницы →