← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وفي الحديثين بيان الأسباب، والمحل إما محل الحكم، والظاهر بالدنيا فقط، وأما الآخرة، فمدار الحقائق كما يشعر به قوله: "وحسابهم على اللَّه". وأما الأسباب فمنها: الاستصحاب كما في قوله: "أُمرت أن أقاتل" أي لأن الأصل عدم إيمانهم. ومنها: إخبار العالم كما في ضميره الذي لا يعلم ما فيه إلا من جهته كما في قوله: "حتى يقولوا أو يشهدوا". ومنها: اعتناء من أُمر بأعمال هي زاده ليوم مَعَاده بحيث يشق تضييع مثلها، فالتهاون في شرط أو فرض منها، كما في قوله: "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". وروينا في الصحيحين من حديث أبي معبد مقداد بن الأسود (١) قال: قلت لرسول اللَّه ﷺ : أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت للَّه، أأقتله يا رسول اللَّه بعد أن قالها؟ فقال: "لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (٢). معناه أنه معصوم الدم، محكوم بإسلامه، وأنت مباح الدم بالقصاص لورثته، لا أنه بمنزلته في الكفر. وفيه ذكر بعض ما يصرف الناس عن الحكم بالظاهر وهو شهوة الانتقام المشعر به قوله: قطع إحدى يديه، ثم قال ذلك بعد ما قطعها. وقوله: "وإنك بمنزلته قبل أن يقولها" (٣) أبلغ منقد وزاجر عن إلغاء قوله

стр. 247

الذي هو مظنة إيمانه. وروينا فيهما من حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: "بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى الحُرقة من جهينة، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللَّه، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لي: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه" قلت: يا رسول اللَّه إنما كان متعوذًا، قال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه" فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" (١). وفي رواية: فقال رسول اللَّه ﷺ : "أقال لا إله إلا اللَّه وقتلته؟ " قلت: يا رسول اللَّه إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ (٢)، ومعنى مُتعوِّذًا: معتصمًا بها من القتل، لا معتقدًا لها. وفيه ذكر ما يصرف عنه وهي أنه قالها متعوذًا خوفًا من السلاح، وبيان حكمة الحكم بالظاهر، وهي سلامة مهجة الصادق كما يشير إليه قوله: "حتى تعلم أقالها خوفًا من السلاح أم لا". وفيه أيضًا بيان سبب مشروعية الحكم بالظاهر، وهو قصور السر عن الاطلاع

стр. 248

على حقائق الأمور كما يشعر به قوله: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم". وروينا في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد اللَّه (١) ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ بعث بعثًا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وأنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلًا من المسلمين قصد غفلته -قال: وكنا نحدِّث أنه أسامة بن زيد- فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا اللَّه، فقتله، فجاء البشير إلى النبي ﷺ فسأله، فأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله فقال: "لم قتلته؟ " قال: يا رسول اللَّه أوجع في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا -وسمى له نفرًا- وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا اللَّه، قال رسول اللَّه ﷺ : "أقتلته؟ " قال: نعم، قال: "فكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: يا رسول اللَّه استغفر لي (٢)، قال: "وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: "كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ " (٣). وفيه ذكر ما يصرف عنه من غيره الإسلام، وحدَّة حميَّته لأهل دينه، كما يشعر قوله: "أوجع وقتل من المسلمين" كما يشعر به قوله: وإني حملت عليه، والتهمة المشعرة بها قوله: فلما رأى السيف قال: لا إله إلا اللَّه (٤).

стр. 249

وفيه وجه بليغ من وجوه: أحدها: قوله: "كيف تصنع بها"، وثانيها: قوله: "إذا جاءت يوم القيامة، ثالثها: الإعراض عن الاستغفار له، ورابعها: تكرير ذلك والتأوه منه. وروينا في صحيح البخاري من حديث عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم (١)، فمن أظهر لنا خيرًا أَمنَّاهُ وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، اللَّه يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة". وفيه أن المانع من الحكم بالظاهر إنما هو يقين الوحي، ونحوه كلام عيسى وصاحب جريج وشاهد يوسف (٢) وأن مجرد الاحتمالات لا تصلح مانعًا، كما يشعر به قول الفاروق: "وليس لنا من سريرته شيء" وفيه أن الأعمال البشرية إذا تعارضت مع دعوى الخيرية قدمنا الأعمال كما هو جلي من قوله لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة. وحاصل الأحاديث إيجاب الحكم بالظاهر مرتبًا على سببه وملازمه، وبيان الأسباب ومحل الحكم بالظاهر، وبيان ما يصرف الناس عن الحكم بالظاهر، وحكمة الحكم بالظاهر، وفائدته وما يزجر عن تركه، وسبب مشروعيته، وما يمنع منه، وما لا يصلح مانعًا، وترجح أحد المتعارضين وسنته ذلك قتال الناس حكمًا بان لا أمان لهم بأنه الظاهر على فترة من الرسل، ومثله الإغارة على من لا أذان (٣) فيهم حكمًا

стр. 250

بكفرهم لأنه ظاهر الإخلال بشعار الدين بعد أن ضرب الإيمان بجرابه، وفيها غير ذلك مما لا يخفى على متأمل ومستوضح ومتمهل. فصل في النهي عن البدع ومحدثات الأمور والمراد بها ما خالف الحق أو تردد في الصدر أو أنكره القلب أو ردَّته الشريعة. وهي في اللغة ما ليس له مثال سابق، ومن هذا السنَّة الحسنة (١) وغيرها. واللغوية هي التي انقسمت إلى الأحكام الخمسة، وكل بدعة ليست شرعية فضلالة. قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٢) فلا واسطة بينهما، فمن أخطأ الحق وقع في الضلال. وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) فكل شيء فيه خير ما، فالكتاب المجيد مشتمل عليه لم يفعل ولم يترك بناء على أن الكتاب القرآن، وهو مذهب الجمهور، لا الأجل ولا اللوح المحفوظ. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤) أي الكتاب والسُّنَّة، فيجب الرد إليهما إذ ذلك.

стр. 251

وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية، فاتباع السبيل مفوق عن الإسلام الذي هو صراط أهل الأيمان الموصل إلى أعالي الجنان. وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١)، فمن أحب اللَّه اتبع رسوله، ومن اتبعه أحبه اللَّه، فأقبح بالبدعة الصادة عن الحق، ولا خير فيها ولا مرجع إلى اللَّه ورسوله، ولا اتباع بها لصراط اللَّه بل لسبيل يفرق عن سبيل اللَّه، ويبعد عن محبة اللَّه، أعاذنا اللَّه منها بمنه. والآيات في الباب كثيرة معروفة. وأما الأحاديث فكثيرة جدًا مشهورة منها: حديث العرباض السالف في المحافظة على السنَّة، فهو خامة مرتعها قاتل لا يستردف (٢) سُم، ولا أرجى منه ولا أهلك. ومنها حديث عائشة مرفوعًا: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٣) أخرجاه. ولمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤) أي فهو زيف مردود لا يتوصل به إلى خير دنيا ولا أخرى. ومنها حديث جابر ﵄ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول: "بُعثت والساعة كهاتين" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: "أما بعد، فإن

стр. 252

خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (١) ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا لأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ" (٢) أخرجه مسلم. فالمحدث شرّ الأمور المؤذي للدين والقلب، إذ كله ظلم وغل. فصل فيمن سنَّ سُنَّة حسنة أو سيئة قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٣) وهو ظاهر في مدح سؤالها في الدين، إذ هو المتبع المقتدى به، والمراد الحسن. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٤) فأكرم بهذا الإنعام، وبدأنا بالآية الأولى لاقتضائها الوقوع، وبه يتحقق الإمكان. وروينا في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵄ مرفوعًا (٥): "من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص

стр. 253

من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سُنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (١) وإنما جعل الفعل سببًا من حيث إنه موقظ وموضح ومسهل. وروينا في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵄ مرفوعًا: "ليس من نفس تُقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سنَّ القتل" (٢).

стр. 254

مجلس في الدلالة على الخير والدعاء إلى الهدى أو الضلالة قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ (١). وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٢) فالآية الأولى آمرة بالدعاء، وهذه مما يدعى به. وهذه باعتبار مراتب المدعو في النباهة التامة وسلامة الصدور. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٣). وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ (٤) فالآية الأولى معمِّمة لوجوه البِّر، والثانية مبينة بأنه فرض كفاية. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي مسعود البدري ﵄ مرفوعًا: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (٥) أخرجه مسلم، وهو حاث على الترغيب بالدلالة. وروينا فيه أيضًا من حديث أبي هريرة ﵄ مرفوعًا: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" (٦).

стр. 255

وروينا في الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁: "أنه ﷺ قال لعلي ﵁ يوم خيبر: "فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمُر النعم" (١). وأي ترغيب أعظم من هذا في الهداية والتعليم، فإن حُمُر النعم فيها من النفع والجمال لأربابها أنفس شيء وأعزه، فكيف أجرها بالصدقة ونحوها وفي الذي قبله ترغيب في الدعاء إلى الهدى، والتحذير من الدعاء إلى الضلالة بمثل أجر فاعل ذلك. وروينا في صحيح مسلم من حديث أنس ﵄: "أن فتى من أسلم قال: يا رسول اللَّه إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به، فقال: "ائت فلانًا فإنه قد كان تجهز فمرض" فأتاه فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يُقرئك السلام ويقول: أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به ولا تحبسي عنه شيئًا، فواللَّه لا تحبسي منه شيئًا فيبارك لك فيه" (٢) وهو ظاهر في الدلالة على الخيرات كالعالم والعابد والواعظ والمتصدق وغير ذلك من العقائد والنصائح. ومدار هذه الأحاديث على الترغيب في الدلالة والدعاء والهداية بالقول البين بجزيل الأجر وبالفعل الجاذب إلى الاقتداء.

стр. 256

مجلس في التعاون على البر والتقوى (١) كل منهما يشمل الآخر إذ أفرد، ويتميزان عند الاجتماع، فإن الأول فعل الخيرات، والثاني ترك المنكرات. وفي الكتاب العزيز كثير من ذلك، منه قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ (٣) الى آخرها. قال الشافعي: كلامًا معناه أن الناس أو أكثرهم في غفلة عن تدبر هذه السورة، وهو كما قال، فيحتمل أملًا، فأقسم اللَّه بالعصر، وهي الوسطى، والمراد بالإنسان جميعهم، والخسر: النقص، وذهاب رأس المال، فالكافر في ضلال حتى يموت ويدخل النار فيهلك نفسه وعمره أكثر رأس ماله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: ٣] بالقرآن المجيد، ﴿بِالصَّبْرِ﴾ عن المعاصي. وروى أبو أمامة (٤) عن أُبي بن كعب قال: قرأت على رسول اللَّه ﷺ

стр. 257

﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١] فقلت: بأبي وأمي يا رسول اللَّه ما تفسيرها؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ قسم من اللَّه، أقسم ربكم بآخر النهار، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أبو جهل بن هشام ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الصديق، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الفاروق، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: ٣] عثمان، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عليّ. وروينا في الصحيحين (١) من حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: "من جهز غازيًا في سبيل اللَّه فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا". وفيه المعاونة للغازي بالمال، والقيام على العيال بالخدمة البدنية ونحوها، والترغيب في كل منهما بأنه غزو (٢). وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: "أن رسول اللَّه ﷺ بعث بعثًا إلى بني لحيان من هذيل فقال: "لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما" (٣). وروينا فيه أيضًا من حديث ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ لقى ركبًا بالروحاء فقال: "من القوم؟ " قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: "رسول اللَّه"، فرفعت

стр. 258

إليه امرأة صبيًا (١) فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" (٢) فيه معاونة الحاج بالمال والبدن، ونية الإحرام. وروينا في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "إن الخازن المسلم الأمين الذي يُنفِذُ"، وفي لفظ: "يعطي ما أُمِره به، فيعطيه كاملًا مُوَفَّرًا طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذي أُمِر له به أحد المتصدقين" (٣) فليحرص على الدفع كما أُمر له به من غير مطل بطيب نفس وبشاشة، ومدار هذه الأحاديث على الترغيب في المعاونة، وبيان مجاريها وصفتها، وقس بالأول والثاني إعانة كل دافع للشر، وبالثالث إعانة كل معظم لأمر اللَّه، (وبالرابع من) (*) مشفق على خلق اللَّه، وفي الرابع: الإعانة بمنفعة الوكالة، وفيما قبله بالمال والبدن (حرامته) (*) وخدمة وغير ذلك.

стр. 259

فصل فى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمعروف كل مناسب أن يتقرب به شرعًا والمنكر غيره. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١). وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢) الآية. وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (٣) الآية. وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) الآية. وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ (٥) الآية. وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (٧).

стр. 260

وقال تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ (١) الآية، والآيات في الباب كثيرة معلومة. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٢). وروينا فيه أيضًا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "ما من نبي بعثه اللَّه في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون (٣) فمن جاهدهم بيده فهر مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (٤). وروينا في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ﵄ قال: "بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللَّه -تعالى- فيه

стр. 261

برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في اللَّه لومة لائم" (١). المَنْشَط والمَكْرَه بفتح ميميهما: أي السهل والصعب. والأثرة: الاختصاص بالمشترك، وبَوَاحًا: ظاهرًا لا يحتمل تأويلًا، فشرط الإنكار كون المنكر كُفرًا بواحًا (٢) أن يكون فيه برهان من اللَّه، أي دليل جلي لا يقبل الاجتهاد، وأن رعاية القلوب ليست عذرًا. فالمؤمن لا يخاف في اللَّه لومة لائم، بل يقول الحق ولو كره المشركون. وروينا في صحيح البخاري (٣) من حديث النعمان بن بشير ﵁ مرفوعًا: "مثل القائم في حدود اللَّه -تعالى- والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان الذين في إسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" (٤). معنى القائم في حدود اللَّه: المنكر لها في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود ما

стр. 262

نهى اللَّه عنه، واستهموا: اقترعوا، فالأخذ على يد العاصي أهم مهم؛ لأنه كمنع خارق السفينة من خرقها المهلك لجميع من فيها عن عال أو سافل. وروينا في صحيح مسلم من حديث أم سلمة مرفوعًا: "يستعمل عليكم أمراء فتعرفون منهم وتنكرون، فمن كره فقد برئ (١)، ومن أنكر فقد سلم" ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول اللَّه ألا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا" (٢) وفي رواية: قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة (٣) ". ومعناه من كره بقلبه، ولم يستطع إنكارًا بيده ولا لسانه فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضى بفعلهم وتابعهم عليه فهو عاص، فالعجز مع الأمراء ونحوهم عذر سقط غير إنكار القلب، وأن العجز عبارة عن توقف التغير عليه مقابلة ونحوها لم يأذن فيها أرباب الشوكة المطاعة. وروينا في الصحيحين (٤) من حديث زينب بنت جحش أم المؤمنين: أن رسول اللَّه ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: "لا إله إلا اللَّه، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب؛ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، أنهلك وفينا الصالحون؟ (٥) قال: "نعم، إذا كثر الخبث".

стр. 263

قلت: وهو متأيد بمثال خرق السفينة السابق. وروينا فيهما من حديث أبي سعيد الخدري السابق مرفوعًا (١): "إياكم والجلوس في الطرقات" فقالوا: يا رسول اللَّه ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول اللَّه ﷺ : "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه" قالوا: وما حقه؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٢). والمراد بكف الأذى من منكرات العين واليد واللسان وظن السوء. وروينا في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فطرحه وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في أصبعه" فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول اللَّه ﷺ : خذ خاتمك انتفع به، قال: لا واللَّه لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول اللَّه ﷺ (٣). قلت: وهذا بيان صفة تغيير اليد.

стр. 264

وروينا فيه أيضًا من حديث الحسن البصري: "أن عائذ بن عمرو دخل على عبيد اللَّه بن زياد فقال: أي بني إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "شرُّ الرِّعاء الحطمة" (١)، فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس فإنما أنت من نُخالة أصحاب محمد ﷺ ، فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما النخالة بعدهم وفي غيرهم" (٢). ففيه بيان تغيير اللسان، ولم يقل فيه: أنت منهم، وإنما حذَّره، ثم أنكر بلسانه ثانيًا. وروينا في جامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث حذيفة مرفوعًا: "والذي نفسي بيده لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ اللَّه أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" (٣). ففيه التهديد البليغ ليُسمع، وفي أدنى من ذلك ما يزجر اللبيب. وروينا في سنن أبي داود، وجامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" (٤).

стр. 265

ورواه النسائي بإسناد صحيح من حديث طارق بن شهاب البجلي (١) مرفوعًا: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول ما هذا، اتق اللَّه ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله ولا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض" ثم قال: " ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ [المائدة: ٧٨] إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾ " ثم قال: "كلا واللَّه، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو لتقصرنَّه على الحق قصرًا، أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم بعضًا، ثم ليلعننكم كما لعنهم" (٢) رواه الترمذي وحسنه بلفظ: "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم، فضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون". قال: فجلس رسول اللَّه ﷺ وكان متكئًا فقال: "لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم (٣) على الحق أطرًا" (٤). معنى تأطروهم تعطفونهم، ولتقصرنَّه: أي لتحبسنه. ففيه وجوب تكرير الإنكار، ولا يسقط بمرة، وكيف يسقط وقد رأى المعصية تأتي كل يوم؟ ثم المواكلة والمجالسة تأنيس لا يناسب مُلابِسَ العصيان المصرّ عليه.

стр. 266

وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة من حديث أبي بكر الصديق قال: "يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهُم اللَّه بعقاب منه"" (١). وفي موضع هذه الآية وجهان: أحدهما: وهو مذهب الصدّيق: أنها فيمن يخاف من كفر أو وقوع عصيان في الوجود، وثانيهما: وهو مذهب ابن مسعود: أنها فيمن سقط الإنكار عنهم، وفيه وجه ثالث: أنها لرفع فرض الإنكار في آخر الزمان، ولا شك أن الإنكار لا يسقط فرضه عند اجتماع شرائطه (٢) وإذا سقط لانتفاء شرطه لم يضُر الضار إلا نفسه. فصل في تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف فعلُهُ قوله قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ (٣) فنسيان النفس مع نصح الناس مخالفة لبداهة العقول. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ

стр. 267

اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ (١) فلا مقت أكبر منه. وقال تعالى إخبارًا عن شعيب ﵊: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. فالمخالفة إلى النهي لوم وسقوط مروءة، فالمخالف مخالف للعقل والشرع ولؤم الطبع. وروينا في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا: "يؤتى بالرجل فيلقى في النار، فيندلق أقتاب بطنه (٢) فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؛ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى؛ قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه" (٣). ويندلق بالدال المهملة معناه يخرج، والأقتاب الأمعاء، واحدها قتب، وشبهه بالحمار من حيث أنه حمل أسفار العلم ولم يعمل لها، واندلاق أقتابه إما لأن المخالفة كانت للشهوات، وإما لأن جنايته الحسية والمعنوية كانت مكتوبة، وظهر حسنها لما ظهر معناها، فافتضح حسًّا ومعنى. فصل في الأمر بأداء الأمانة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] (٤).

стр. 268

وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] (١). وهو دال على تعظيم أمر الأمانة، وتفخيم شأنها. والمراد بالأمانة الطاعة والأحكام؛ لأنها لازمة كما أن الأمانة لازمة الأداء، ومنهم من فسّرها بالتوحيد أو أدلته، ومباني الإسلام، أو أن لا يغتاب مسلمًا، أو حفظ الفرج، أو غسل الجنابة، وكله واضح، وعرض ذلك على الجمادات إما لعقل خلق لها حينئذ، وإما على سبيل العرض والتمثيل، أو المراد أهلها، وإباؤها من حيث أنه عرض لا إلزام بدليل: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] في الإلزام. وحمل الإنسان لها إن كان منع أدائها فالظلم والجهل له لائح، وإن كان لحمله والتزامه فهو ظلوم لنفسه الضعيفة، جهول بما في الأمانة من الشدة، وما لها من خطر العاقبة. وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا (٢): "آية المنافق ثلاث" منها "وإذا ائتمن خان"، وقد سلف في الكلام على الوفاء بالعهد. وروينا فيهما من حديث حذيفة وقد سلف هناك بطوله، وأن محل الأمانة جذر (٣) قلوب الرجال، وأنها ترفع، وتارة تبقى لها أثر، حينئذ (تأولو) (٤) كنت، وتارة لا تبقى بل كأثر المجل.

стр. 269

وقوله حتى يقال للرجل ما أجمله! ما أظرفه! وليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، إشعار بانتفاء الإيمان، إذ لا إيمان لمن لا أمانة له. وفيه أن رفع الأمانة وقع في زمن حذيفة، وسلف فيه حديث حذيفة وأبي هريرة، وأن الأمانة والرحمة يقومان مقام جنبتي الصراط، وليس إلا لإنجائهما من قام بحقها وإخلائهما من ضيعهما، وأي ترغيب وترهيب مثل هذا، وسلف في حديث عبد اللَّه بن الزبير الطويل، وفيه: أن الاستعانة بالمولى -سبحانه- تزيل كربة معسرها (١) وأن حرص الزبير ووصيته المبادرة بقضاء دينه، وحرص وصيته على ذلك أعقب ما لم يكن يحتسب من بركة لا توصف، ثم حساب الدين وضبطه والنداء في الموسم سنين، وهذه أفعال المؤمن الناصح الصادق.

стр. 270

مجلس في تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (١) والحُرُمات جمع حرمة، وهو ما يجب القيام به، ويحرم انتهاكه، والتفريط فيه من الأوامر والنواهي والحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن، وكل ما يجب احترامه. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢) والشعائر جمع شعيرة، أي ما أشعِرَ وجعل شِعَارًا وعَلَمًا في دين اللَّه من أعمال البر ومواطنها وعلمائها والدعاة إليها والعمال بها، ونحو ذلك من المعالم الشاملة للحج وغيره، وتعظيم الحرمات والشعائر بأنها واجبة المراعاة والحفظ، ثم القيام بمن أعانه وتوفيته حقوقها. وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) أي النزول بهم والتواضع لهم، ولين الجانب معهم، والجلوس بينهم، ونحو ذلك. وقال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٤).

стр. 271

ففيها تنزيل النفس الواحدة منزلة الناس جميعًا في إساءة أو إحسان؛ لأن كل إنسان يُدلي مما يدلي به الآخر من الكرامات على اللَّه وثبوت الحرمة، فإذا قتل بغير حق فقد أهان ما كرَّم اللَّه وهتك حرمته، فإذا قتل بحق فقد عكس فالواحد والجمع إذن واحد، فالآية الأولى مرغِّبة في التعظيم من حيث إنه حرَّمه من حيث إنه شعار، والثالثة تعظيم خفض الجناح، والرابعة: تفخيم ما نوى من إحسان أو إساءة، فخفض الجناح (١) ذكر بين سبب ومرتبة، والسبب سابق وهي تابعة الموجود، وفي كل آية مُرغِّب يخصها. ولنذكر أحاديث مدارها على بيان خاصة المؤمنين، وأصول معاملات الناس، وآثار الرحمة وأنواع الإثارة والتحذير من أذية أحد منهم، وأنواع من الأذى المجتنب والحقوق المؤداة ونوعهما اللذان هما نصرة تدفع المضرَّة، وكرامة تجلب بها المسرَّة. فروينا في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (٢). قلت: فذلك نعمة تُشكر، ومصلحة تُنشر وتُحمد، وبذلك تنشط النفوس لتعظيم حرماتهم إذ هم عين الإنسان وعضده وقوة ضعفه وأنصاره في مهماته، ونحو ذلك. وروينا فيها من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من مرَّ في شئ من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين منها شيء" (٣).

стр. 272

ففيه الحذر البليغ من إيذاء أحد منهم ودفع ما يتوقع من أدنى أذية لهم، وقمع كل مؤذ عنهم، وقد نبه على ذلك بما ذكر من القبض. وروينا فيهما من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" (١). ففيه التوجع والتسلية والانقباض والقلق مما يقع بأحدهم مما الإنسان عاجز عن منعه ورفعه كما مثل بالجسد. وروينا فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قبَّل النبي ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس (٢)، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول اللَّه ﷺ وقال: "لا يُرحم من لا يَرحم" (٣). وفيه التحنن والتلطف والتأنيث لأطفالهم بالقبلة وغيرها. وروينا فيهما أيضًا من حديث عائشة قالت: "قَدِمَ ناس من الأعراب على رسول اللَّه ﷺ فقالوا: تُقبلون صبيانكم؟ قال: "نعم" قالوا: كلنا واللَّه ما نُقَبِّل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "وأملك إن كان اللَّه نزع منكم الرحمة"" (٤). وفيه رقَّة القلب ورحمته وتأثره لضعفهم بحيث يكون الباطن أشد من الظاهر.

стр. 273

وروينا فيهما من حديث جرير بن عبد اللَّه مرفوعًا: "من لا يرحم الناس لا يرحمه اللَّه" (١)، وفيه الرحمة الباعثة على المصالح، ولا أبلغ من هذا الترغيب والتهديد، فمن علم أن من لا يرحم لا يُرحم، احتاج إلى أن يرحمهم لاضطراره إلى ربه في كل نَفَسٍ، وعلى كل حال. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا صلَّى أحدكم بالناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير" وفي لفظ "وذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" (٢). وفيه نوع من آثار الرحمة وهو تخفيف ما كلفوه، وتسهيل ما تقيدوا به من اقتداء في حال صلاة أو غيرها، فإن فيهم المعذور كما ذكر. وروينا فيهما أيضًا من حديث عائشة قالت "إن رسول اللَّه ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم" (٣). وفيه الانفكاك عما يتوقع منه مشقة على أحد، كترك فعل يخشى أن يفرض على الناس لو لم يترك. وروينا فيهما أيضًا من حديث عائشة قالث: "نهاهم النبي ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: "إني لست كهيئتكم؛ إني يطعمني ربي ويسقيني"" (٤)

стр. 274

أي يجعل فيَّ قوة من غير أكل وشرب، وفيه إخراج من التزم ما يشق عليه التزامه كالوصال ونحوه. وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي قتادة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني لأقوم في الصلاة وأريد أن أُطول فيها، فأسمع بكاء الصبي أتجوِّزُ في صلاتي كراهية أن أشق على أمه" (١). وفيه رعاية القلوب، وإن أدى إلى ترك مصالح جليلة، فَيُجَوِّز مريد التطويل كما ذكر. وروينا في صحيح مسلم (٢) من حديث جندب بن عبد اللَّه مرفوعًا: "من صلَّى صلاة الصبح فهو في ذمة اللَّه، فلا يطلبنكم اللَّه من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يَكُبُّه على وجهه في نار جهنم". وفيه التهديد الأبلغ والتحذير الأشد من الإقدام على ترك الذمة والجوار والإقدام على الجراءة على إخفار ذمة الجليل مالك الملك خطير لا يرجى معه حلم. وروينا في الصحيحين (٣) من حديث ابن عمرو مرفوعًا: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلِمه، من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فَرَّج عن

стр. 275

مسلم كربة فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه يوم القيامة". وقد اشتمل على بيان أنواع من الأذى كالظلم والمسلم المتقاعد عن حاجة يسهل قضاؤها وتفريج كربة وستر مسلم. (١) وروينا في جامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، عرضه وماله ودمه، التقوى ههنا، بحسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم". (٢) وهو مشتمل على بيان أنواع أُخر من الأذى. وروينا في صحيح مسلم (٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا". (٤)

стр. 276

ويشير إلى صدره ثلاث مرات "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". وفيه بيان أنوع أُخر كالتحاسد ونحوها. والنجش: أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها ولا رغبة له في شرائها، بل يقصد أن يغر غيره، وهذا حرام. والتدابر: أن يعرض عن إنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء ظهره ودبره. وروينا في الصحيحين من حديث أنس مرفوعًا: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه". (١) وروينا في صحيح البخاري عنه مرفوعًا: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" قال رجل: يا رسول اللَّه أنصره إذا كان مظلومًا، أرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره" (٢). وفيه ذكر أحد نوعي المصالح المحبوبة، وهي النصرة وتقوية اليد والإعانة والإغاثة سواء كان ظالمًا أو مظلومًا. وفي قوله: "انصر أخاك ظالمًا" إشعار بأن الأخذ على يده نصر له، وحينئذ سهل الأمر على الآخذ والظالم، وبسط الصدر لهم وأشباه هذا مما يندب لو عبر عنه بغير ذلك. وروينا في الصحيحين (٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "حق المسلم على

стр. 277

المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس". وفي رواية لمسلم: "حق المسلم على المسلم ست" قيل: ما هن يا رسول اللَّه؟ قال: "إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد اللَّه فشمته (١)، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه" (٢)، وفيه بيان الحقوق الإلزامية السارة تعاطيها. وروينا من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار المقسم (٣) ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم أو تختم الذهب وعن شرب بالفضة وعن المياثر الحُمُر وعن القسي وعن لبس الحرير والاستبرق والديباج" (٤) وفي رواية: "وإنشاد الضالة" في السبع الأول.

стр. 278

المياثر: جمع ميثرة، وهي شيء يتخذ من حرير ويحشى قطنًا أو غيره، ويجعل في السرج وكور البعير، يجلس عليه الراكب. والقَسِّي: بفتح القاف وكسر السين المهملة المشدده، وهي ثياب تنسج من حرير وكتان مختلطين، وإنشاد الضالة: تعريفها.

стр. 279

مجلس في ستر عورة المسلمين والنهي عن إشاعتها قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١). وفيها تهديد بليغ للذين يحبون أن تظهر الفاحشة وتشيع، فما ظنك بمن يشيعها. ومعنى العورة: العيب والتقص وكل ما يسوء ويستحيا منه، وكل ظل متخوف منه. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره اللَّه يوم القيامة" (٢). وفيه الترغيب في الستر (٣) والتنفير من أن يهتك أحد ستر أحد، وما أذن الشرع في هتكه فيستثنى بدليله. وروينا في الصحيحين أيضًا عنه مرفوعًا: "كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة (٤) أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره اللَّه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر اللَّه عليه" (٥)

стр. 280

وهو دال على التنفير من هتك الأستار. وروينا في الصحيحين أيضًا من حديثه مرفوعًا: "إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر" (١) ففيه النهي عن التثريب وهو التوبيخ والتقبح والتعيير البليغ، والاستقصاء في اللوم. وروينا في صحيح البخاري عنه أيضًا قال: "أُتي النبي ﷺ برجل قد شرب قال: "اضربوه" قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك اللَّه، قال: "لا تقولوا هكذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان" (٢). ففيه النهي عن شتم الآثم وإخزائه المعين للشيطان عليه، إذ يجد طريقًا إلى تبغيض المؤمنين له، وتبغيض مجالسهم ومجامعهم إليه، بل أن يروه أو يراهم، وربما جرَّه ذلك إلى صحبة الأشرار الفُجَّار، ويتعذر الفلاح حينئذ. فمدار الأحاديث إذن على إمساك اللسان عن التلمظ بمضغة طال ما لفظها الكرام، وعن التعبير والإخزاء بها.

стр. 281

مجلس في قضاء حوائج المسلمين قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). أمر اللَّه -تعالى- بذلك، والخير يُفسر بصلة الرحم ومكارم الأخلاق. وقد روينا في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "المسلم أخو المسلم" (٢) إلى آخره، سلف قريبًا في تعظيم حرمات المسلمين. وروينا في صحيح مسلم (٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل اللَّه له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة (٤) وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بطا به عمله لم يسرع به نسبه" (٥).

стр. 282

ومدار الحديثين على مهمين: الترغيب بمضمون تحريهم وصفهم في دفع المكاره عن الإخوان، وجلب المسار إليهم، وذكر أنواع ذلك وأهله ومحله، ففي الحديث الأول التهييج وإثارة الرحمة، وبيان الأهل والمحل بقوله: "المسلم أخو المسلم" (١). وفيه الترغيب بان يدان المسلم كما دان، وبيان أنواع من الخير كالسعي في حوائج الإخوان، وبعد تفريج الكرب وستر المسلم، ففي التدريج رفع الألام والستر، ودفع الفضائح وإبقاء الرجاء للممات. وفي الثاني تقديم التنفيس لأنه أهم في بعض الأشخاص أو بعض الأحوال إذ ضيق الحال لا قرار معه، وأردفه بالتيسير على المعسر؛ لأن الإعسار كربة، ثم أردفه بالستر والمعاونة، وهي السعي في الحاجات، ثم ختم ذلك بطلب العلم والاجتماع على التلاوة والتدارس، وهو أهم الحاجات.

стр. 283

مجلس في الشفاعة قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ (١). وهي التي روعي فيها حق المسلم، ورفع عنه بها شر أو جلب إليه بها خيرًا، وابتغى بها وجه اللَّه، ولم يؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود اللَّه، ولا في حق من الحقوق، والسُّنَّة ما كان بخلاف ذلك. وقيل الشفاعة الحسنة (٢): الدعوة للمسلم، والنصيب قول الملك: ولك بمثل، والسيئة الدعاء عليه، واللبيب متيقظ لحكم القرآن فيقدم على ما يسوغ ويحجم عن ضره غير غرّ ولا متغافل، وذكر النصيب في الخير والكفل في الشر من باب اليقين في البلاغة، ولا يصح أن يقال إن الكفل في الشر، فقد قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٣). وروينا في الصحيحين (٤) من حديث أبي موسى الأشعري قال: "كان رسول

стр. 284

اللَّه ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي اللَّه على لسان نبيه ما أحب" وفي لفظ "ما شاء". وروينا في صحيح البخاري من حديث ابن عباس في قصة بريرة وزوجها قال: قال لها رسول اللَّه ﷺ : "لو راجعتيه" قالت: يا رسول اللَّه تأمرني؟ قال: "إنما أشفع" قالت: لا حاجة لي فيه. (١) ومدار هذين الحديثين على الترغيب في الشفاعة (٢) بالقول والفعل، وعلى بيان أنواعها بطلب الشافع، وطلب كل أحد لها، وفي كل محل وعند كل أحد وإيضاح العذر عند المنع، ثم المطلوب منه شفاعة تقبل لا مطلق الشفاعة وعلى أن المشفوع عنده بالخيار إن شاء قبل، وإن شاء رد. وعلى أن الرد لا ينقص من الشافع ولا من أجره، فعفى اللَّه عن بريرة كيف حمل قلبها رد شفاعة سيد الأولين والآخرين، لا (امترى) (*) لو قبلت ذلك لقلب اللَّه قلبها (راجسة) (*) وبورك لها فيه، واغتبطت به، لكن اللَّه جعل ذلك ليسهل بعده على كل شافع رد من رده، ففيمن شفع عندها أُسوة حسنة وعذرها متلمح من قولها: أتأمرني؟ فلم يقل: نعم.

стр. 285

مجلس في الإصلاح بين الناس قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١). ففيه أن الأمر بالإصلاح فيه خير، وإن من عمله ابتغاء مرضات اللَّه سوف يؤتيه أجرًا عظيمًا. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢). ففيها الأمر بإصلاح (٣) الأحوال التي هي ذات البين حتى تكون أحوال أُلفة ومحبة واتفاق واتحاد وتواخ في اللَّه، وتواس فيما رزق اللَّه. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٤). فالإيمان عقد بين أهله من النسب والسبب ما لا ينقص عن عقد الأخوة، ثم العادة السعي البليغ في الإصلاح بين أخوة الولادة، فالأخوة في الدين أولى بذلك، وأشد منه. فالآية الأولى أمره بالصلاح، وفي الثانية وقوعه، والثالثة والرابعة الأمر بإصلاح ذات البين وبالإصلاح بين الأخوين. وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "كل سُلَامَي (٥) من الناس
следующие страницы →