← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مجلس في قضاء حوائج المسلمين قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). أمر اللَّه -تعالى- بذلك، والخير يُفسر بصلة الرحم ومكارم الأخلاق. وقد روينا في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "المسلم أخو المسلم" (٢) إلى آخره، سلف قريبًا في تعظيم حرمات المسلمين. وروينا في صحيح مسلم (٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل اللَّه له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة (٤) وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بطا به عمله لم يسرع به نسبه" (٥).

стр. 282

ومدار الحديثين على مهمين: الترغيب بمضمون تحريهم وصفهم في دفع المكاره عن الإخوان، وجلب المسار إليهم، وذكر أنواع ذلك وأهله ومحله، ففي الحديث الأول التهييج وإثارة الرحمة، وبيان الأهل والمحل بقوله: "المسلم أخو المسلم" (١). وفيه الترغيب بان يدان المسلم كما دان، وبيان أنواع من الخير كالسعي في حوائج الإخوان، وبعد تفريج الكرب وستر المسلم، ففي التدريج رفع الألام والستر، ودفع الفضائح وإبقاء الرجاء للممات. وفي الثاني تقديم التنفيس لأنه أهم في بعض الأشخاص أو بعض الأحوال إذ ضيق الحال لا قرار معه، وأردفه بالتيسير على المعسر؛ لأن الإعسار كربة، ثم أردفه بالستر والمعاونة، وهي السعي في الحاجات، ثم ختم ذلك بطلب العلم والاجتماع على التلاوة والتدارس، وهو أهم الحاجات.

стр. 283

مجلس في الشفاعة قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ (١). وهي التي روعي فيها حق المسلم، ورفع عنه بها شر أو جلب إليه بها خيرًا، وابتغى بها وجه اللَّه، ولم يؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود اللَّه، ولا في حق من الحقوق، والسُّنَّة ما كان بخلاف ذلك. وقيل الشفاعة الحسنة (٢): الدعوة للمسلم، والنصيب قول الملك: ولك بمثل، والسيئة الدعاء عليه، واللبيب متيقظ لحكم القرآن فيقدم على ما يسوغ ويحجم عن ضره غير غرّ ولا متغافل، وذكر النصيب في الخير والكفل في الشر من باب اليقين في البلاغة، ولا يصح أن يقال إن الكفل في الشر، فقد قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٣). وروينا في الصحيحين (٤) من حديث أبي موسى الأشعري قال: "كان رسول

стр. 284

اللَّه ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي اللَّه على لسان نبيه ما أحب" وفي لفظ "ما شاء". وروينا في صحيح البخاري من حديث ابن عباس في قصة بريرة وزوجها قال: قال لها رسول اللَّه ﷺ : "لو راجعتيه" قالت: يا رسول اللَّه تأمرني؟ قال: "إنما أشفع" قالت: لا حاجة لي فيه. (١) ومدار هذين الحديثين على الترغيب في الشفاعة (٢) بالقول والفعل، وعلى بيان أنواعها بطلب الشافع، وطلب كل أحد لها، وفي كل محل وعند كل أحد وإيضاح العذر عند المنع، ثم المطلوب منه شفاعة تقبل لا مطلق الشفاعة وعلى أن المشفوع عنده بالخيار إن شاء قبل، وإن شاء رد. وعلى أن الرد لا ينقص من الشافع ولا من أجره، فعفى اللَّه عن بريرة كيف حمل قلبها رد شفاعة سيد الأولين والآخرين، لا (امترى) (*) لو قبلت ذلك لقلب اللَّه قلبها (راجسة) (*) وبورك لها فيه، واغتبطت به، لكن اللَّه جعل ذلك ليسهل بعده على كل شافع رد من رده، ففيمن شفع عندها أُسوة حسنة وعذرها متلمح من قولها: أتأمرني؟ فلم يقل: نعم.

стр. 285

مجلس في الإصلاح بين الناس قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١). ففيه أن الأمر بالإصلاح فيه خير، وإن من عمله ابتغاء مرضات اللَّه سوف يؤتيه أجرًا عظيمًا. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢). ففيها الأمر بإصلاح (٣) الأحوال التي هي ذات البين حتى تكون أحوال أُلفة ومحبة واتفاق واتحاد وتواخ في اللَّه، وتواس فيما رزق اللَّه. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٤). فالإيمان عقد بين أهله من النسب والسبب ما لا ينقص عن عقد الأخوة، ثم العادة السعي البليغ في الإصلاح بين أخوة الولادة، فالأخوة في الدين أولى بذلك، وأشد منه. فالآية الأولى أمره بالصلاح، وفي الثانية وقوعه، والثالثة والرابعة الأمر بإصلاح ذات البين وبالإصلاح بين الأخوين. وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "كل سُلَامَي (٥) من الناس

стр. 286

عليهم صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، وترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة حتى تعدل بينهما تصلح بينهما يصلح بينهما بالعدل" (١). وروينا فيهما عن أم كثوم بنت عقبة بن أبي معيط مرفوعًا: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرًا أو يقول خيرًا" (٢). ولمسلم زيادة: "ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها". وروينا فيهما من حديث عائشة قالت: "سمع رسول اللَّه ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه (٣) في شيء وهو يقول: واللَّه لا أفعل، فخرج رسول اللَّه ﷺ عليهما فقال: "أين المتألي على اللَّه لا يفعل المعروف؟ " قال: أنا يا رسول اللَّه، فله أيَّ ذلك أحب" (٤). معنى يستوضعه: يسأله أن يضع عنه بعض دينه. ويسترفقه: يسأله الرفق. والمتألي: الحالف.

стр. 287

وروينا فيهما من حديث سهل بن سعد الساعدي: "أن رسول اللَّه ﷺ بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج (١) رسول اللَّه ﷺ يصلح بينهم في أناس معه، فجلس رسول اللَّه ﷺ وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، إن رسول اللَّه قد حبس وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال وتقدم أبو بكر فكبر وكبر الناس، وجاء رسول اللَّه ﷺ يمشي في الصفوف حتى وقف في الصلاة، وأخذ الناس في التصفيق، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول اللَّه ﷺ ، فأشار إليه رسول اللَّه، فرفع أبو بكر يده فحمد اللَّه ورجع القهقرى وراءه (٢) حتى قام في الصف، فتقدم رسول اللَّه فصلى بالناس، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: "أيها الناس ما لكم حين نابكم في الصلاة أخذتم بالتصفيح (٣) إنما التصفيح للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان اللَّه" ثم التفت إلى أبي بكر ﵁ فقال: "يا أبا بكر ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت عليك؟ " قال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول اللَّه ﷺ (٤).

стр. 288

ومعنى حُبِسَ: أمسكوه ليضيفوه، ومدار هذه الأحاديث على بيان أُجرة المُرغِّب فيه وأهله ومحله وشرطه وتوسع الطريق الموصل إليه، وأن الآلية لا تمنع منه، وأن المصالح عليه أنواع، وحسن الانقياد إليه وأنه من لسان الشارع حتى يمضي إليه وإن بَعُدَ عن أهله وجماعة مسجده. وفي الحديث الأول أن أهله كل ذي سلامى ولا يعمهم مثله، وأن محله كل اثنين فأكثر، وإن شرطه أن يكون بالقول، فلا يحل حرامًا، ولا يُحَرِّم حلالًا، فإنه صدقة يرغب فيها طالب فكاكه من النار. وفي الثاني أنها محبوبة للشرع حتى أباح من أهله ما هو حرام في غيره من أقوال خير لم تكن مطابقة ونفى شرعًا أن يكون قائلها كذابًا. وفي الثالث قوله: "أين المتألي على اللَّه لا يفعل المعروف" وإن صاحب الحق قادر لإجابة خصمه، وأن المطلوب كان وضع بعض الدين إبراء، والإمهال والتيسير ترفقًا. وفي الرابع خروجه ﷺ مع ناس للإصلاح، واحتباسه عندهم حتى حانت الصلاة ودخل فيها الناس.

стр. 289

مجلس في اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين والإجابة إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم. قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (٢) وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨] (٣). ففيها الأمر بخفض الجناح وصبر النفس معهم، ومثل ذلك كل وداد وتأنيس (٤). وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ (٥). قلت: ويلتحق بهما كل إيذاء وتضييق. وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾ [الماعون: ١] إلى قوله: ﴿الْمِسْكِينِ﴾ (٦).

стр. 290

قلت: ويلتحق بالحض على طعام المسكين كل إحسان ومعروف. ولنذكر أحاديث مشتملة على حفظ قلوب الضعفة، والقيام بمصالحهم قدر الإمكان، وترك المشقة عليهم ورعاية فضلهم وبركتهم مع بيان مجاري ذلك، وما يغري به أو يحذر من تركه وما يترجح عند التعارض، وما يخشى أن يكون منافيًا، وما يستدرك به المنافي ونحو ذلك. روينا في صحيح مسلم (١) من حديث سعد بن أبي وقاص قال: "كنا مع رسول اللَّه ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول اللَّه ﷺ ما شاء أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. (٢) ففيه حقظ قلوب الضعفة بترك طردهم، وروينا فيه أيضًا من حديث أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني، وهو من أهل بيعة الرضوان: "أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: واللَّه ما أخذت سيوف اللَّه من عنق عدو اللَّه مأخذها (٣)، قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؛ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك" فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه، أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر اللَّه لك يا أخي. (٤)

стр. 291

معنى قوله مأخذها: أي لم تستوف حقها منه، وفيه حفظ قلوب الضعفة بترك إغضابهم. وروينا في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وأشار بالسبابة والوسطى، فرج بينهما شيئًا (١). وكافل اليتيم القائم بأموره، ففيه القيام بمصالح الأيتام وأمرهم. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة" وأشار الراوي وهو مالك بن أنس بالسبابة والوسطى. (٢) وقوله: "اليتيم له أو لغيره" معناه قريبه أو الأجنبي منه، فالقريب مثل أن يكون تكفُلُه أمه أو جده أو أخوه أو غيرهم من أقربائه. وروينا في صحيح البخاري من حديثه مرفوعًا أيضًا: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة ولا اللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف" (٣)، وفي رواية لهما: "لكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطَنُ به فيُتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" (٤).

стр. 292

قلت: فمثل هذا يبادر إلى القيام بمصلحته. وروينا فيهما عنه مرفوعًا: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللَّه" أحسبه قال: "وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر" (١). قلت: فالقيام والسعي عليها أشرف العبادات وأدومها. وروينا في صحيح مسلم عنه مرفوعًا: "شر الطعام طعام الوليمة؛ يُمْنَعُها من يأتيها، ويُدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى اللَّه ورسوله" (٢) وفي رواية له وللبخاري من قوله: "بئس الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء" (٣). وفيه أن القيام في الضيافات بالفقراء أهم من الأغنياء أو مثله. وروينا في صحيح مسلم من حديث أنس مرفوعًا: "من عال جاريتين حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو" وضم أصابعه. (٤) والمراد جاريتين أي بنتين، وفيه القيام بهما حتى يبلغا. وروينا في الصحيحين من حديث عائشة قالت: "دخلت عليَّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ فحدثته فقال: "من ابتلي من هذه البنات بشيء (٥)

стр. 293

فأحسن إليهن كنَّ له سترًا من النار"". (١) وفيه الإحسان إلى البنات على الإطلاق، ولو بتمرة أو بشق تمرة. وروينا في صحيح مسلم من حديثها أيضًا قالت: "جاءتني جارية تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول اللَّه ﷺ فقال: "إن اللَّه قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار" (٢) وفيه إيثار البنات على البنين. وروينا فى النسائي بإسناد جيد من حديث أبي شريح خويلد بن عمر الخزاعي (٣) مرفوعًا: "اللهم إني أُحرِّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة" (٤). معنى أُحرِّج: الحرج وهو الإثم لمن ضيَّع حقهما وأحذر من ذلك تحذيرًا بالغًا، وأزجر عنه زجرًا أكيدًا، فإنه ليس من الشفقة والرحمة تضييع حق لأحد منهما، وخصم من يفعل ذلك هو اللَّه. وروينا في صحيح اليخاري من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: "رأى سعد أن له فضلًا على من دونه فقال النبي ﷺ : "هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟ "" (٥) كذا رواه البخاري مرسلا، فإن مصعب بن سعد تابعي، ورواه

стр. 294

البرقاني متصلا عن مصعب عن أبيه. وروينا في سنن أبي داود بإسناد جيد عن حديث أبي الدوداء عويمر مرفوعًا: "ابغوني الضعفاء فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم" (١). ففيه تعريف من يجهل أمر الضعفة بركتهم على الموجود وفضلهم على كل موجود بفضل وعاية اللَّه العظيم لهم، ونظره إليهم ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ (٢) وغير خاف من هذه الأحاديث من بيان مجاري اللطف والإحسان وصفته، وبيان المرغِّبات في ذلك، وأكد زجر من تركه، ودفع الصوارف عنه بسؤال الصناديد طرد الفقراء، وسهل مناولة ذلك، ومزيل نقيضه، والدوام عليه، وأرجحيته على نحو الصيام والقيام، وما يخشى أن يكون منافيًا، وما يستدرك به وأشباه ذلك.

стр. 295

مجلس في الوصية بالنساء قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) فأمر بذلك. وقال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآية (٢). ففيها أن ذلك على التشديد والمقاربة، والنهي عن كل ميل. وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا" (٣). وفي رواية لهما: "المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها" (٤). قوله: "على عوج" هو بفتح العين والواو فيه تكرار الوصية التي لا تُرَدّ، وإقامة العذر بأن الاعوجاج ضروري فيهن، وذاتي لهن، والإياس من واحدة منهن مستقيمة، وأن محاولة الإقامة مجرد عناء، ولا تفضي إلا إلى الكسر، وأن الاستمتاع بهنَّ متأت

стр. 296

مع ذلك أحسن التأتي، فليستسهل غيره. وروينا في الصحيحين أيضًا من حديث عبد اللَّه بن زمعة ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يقول وذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول اللَّه ﷺ : " ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ [الشمس: ١٢] انبعث لها عزيز رجل عارم منيع في رهطه" (١)، ثم ذكر النساء فوعظ فيهن فقال: "يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، فعلها يضاجعها من آخر يومه" ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال: "إلام يضحك أحدكم مما يفعل". (٢) ومعنى انبعث: قام بسرعة، والعارم: بالعين المهملة والراء: الشرير المفسد، وفيه التنبيه على منافاة مضاجعتهن وملاطفتهن لمجافاتهن وجلدهن والإغلاظ عليهن. وفيه منع العرامة (٣) والجراءة على إماء اللَّه، والاستهانة بميثاقهنَّ الغليظ، وهو الموقع في الشقاء والتعب. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر" أو قال: "غيره" (٤) معنى يفرك: يبغض، يقال فرِكت المرأة زوجها وفرِكها زوجها بكسر الراء يفرَكها بفتحها: أبغضها، وفيه أن المؤمن لا بد وأن يجد في المؤمنة ما يرضيه، فيخبر به ما يكرهه ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وإذا المحب أتى بذنب واحد … جاءت محاسنه بألف شفيع

стр. 297

وروينا في جامع الترمذي من حديث عمرو بن الأحوص (١) الجشمي: أنه سمع رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد اللَّه وأثنى عليه، وذكر ووعظ ثم قال: "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنَّ عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهم سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم مَنْ تكرهون، ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن". (٢) معنى عوان: أسيرات جمع عانية بالعين المهملة وهي الأسيرة، والعاني الأسير، شبه رسول اللَّه ﷺ المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير، والضرب المبرح هو الشاق الشديد. (٣) ومعنى فلا تبغوا عليهن سبيلًا: لا تطلبوا طريقًا تحتجون به عليهن، وتؤذوهنَّ به، فقد اشتمل على بيان أمور: أحدها: إن الذي يملكه الزوج حبسها على طاعته ويجب حكمه. ثانيها: أنه يؤدب بقدر الحاجة من غير تبريح. ثالثها: أن الإتيان بالفاحشة المبينة، أي التي لا يحتمل التأويل يؤدبن عليه. رابعها: أن طاعتهن إذا وجدت انتفى السبيل عليهن.

стр. 298

خامسها: أن الحق المتوجه إليهن هو العفة والصيانة وحفظ الغيب. وروينا في سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث معاوية بن حيدة (١) قال: "قلت: يا رسول اللَّه، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت "أو اكتسيت" ولا تضرب الوجه ولا تُقبِّح ولا تهجر إلا في البيت" (٢). ومعنى لا تقبح: لا تقول قَبَّحَكَ اللَّه، وفيه بيان ما يجب من حقوقهن، ومجامعه الكفاية وكف الأذى بيد أو لسان أو جفاء، فيواسيها بما يسوغ شرعًا ومروءة. وروينا في جامع الترمذي مصححًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم". (٣) قلت: وهذا بيان منه ﵇ على الدرجات. وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث إياس بن عبد اللَّه بن أبي ذباب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تضربوا إماء اللَّه" فجاء عمر إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول اللَّه ﷺ نساء كثيرون يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ : "لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم". (٤)

стр. 299

معنى ذئرن: اجترأن، وأطاف: أحاط، فالذائرات يحتملن ويسامحن، ولا يؤذيهن خيار الناس وأشرافهم، بل شرارهم وأطرافهم. وروينا في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة". (١) قلت: وهذا حسن بالغ، أعنى الخيرية، وتعميم الدنيا بما فيها، ومدار هذه الأحاديث إلى بيان العناية الربانية بهن مع استحالة استقامتهن واستفتاح إهانتهن، وبيان الغرض المثالي والقدر المستفاد بالزواج وما تدعو الضرورة إليه من التأديب، وبيان العدل الواجب لهن، ومرتبة الفضل معهن وإن ذئرن، وبيان النعمة بهن وأشباه ذلك.

стр. 300

مجلس في حق الزوج على امرأته قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (١) الآية ففضله عليهن بما قام به من الكمال، وبما يكون منه من النوال، وأنه بذلك يستحق القوامية بالأمر المطاع والتدبير المرجوع إليه، ونحو هذا، كما يقدم الولاة على الرعايا والقنوت (٢) ملازمة الطاعة والتذلل (والغيب) (٣) النفس والمنزل والعيال وذات اليد. والأحاديث في الباب كثيرة منها: حديث عمرو بن الأحوص السالف المجلس قبله. ومنها: حديث أبي هريرة المرفوع: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" (٤) أخرجاه. وفي رواية لهما: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح" (٥)، وفي رواية: "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها" (٦).

стр. 301

قلت: وأي منفِّر أو محذر مثل هذا. ومنها حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: "لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه" (١) أخرجاه، واللفظ للبخاري، ووجهه أن الصوم يمنع الجماع شرعًا، وهذا في التطوعات. ومنها: حديث ابن عمر مرفوعًا: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" (٢) أخرجاه أيضًا، فليحذر من أن يضيع شيئًا من حقه أو تنتهك شيئًا من حرمته. ومنها حديث أبي علي طلق بن علي مرفوعًا: "إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته، وإن كانت على التنور" (٣) أخرجه النسائي والترمذي وحَسَّنَهُ، وأي مبادرة وتأكيد طاعة كهذا. ومنها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" (٤) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وفيه أن الزوج له

стр. 302

من المنزلة أن تسجد له المرأة ولولا أنه ممتنع شرعًا لأمرته، وأي تعظيم لأحد من الناس يداني هذا. ومنها حديث أم سلمة مرفوعًا: "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة" (١) رواه الترمذي وحسنه. وما أكرم هذا الوعد وأيسر هذا الوعد، وأيسر هذا العمل، وأشرف هذه المنزلة. ومنها: حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك اللَّه، فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا" (٢) رواه الترمذي وحسنه. وفيه تحذير المرأة من أن تدعو عليها زوجة زوجها من الحور العين، ويغتم له إذا أوذي، وفي إثارة هذا من الغيرة وخوف استجابة اللَّه -تعالى- ذلك الدعاء أبلغ زجر عن إيذاء المرأة زوجها بأي أمر صغير أو كبير. ومنها: حديث أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما تركت بعدي فتنة أَضَرَّ على الرجال من النساء" (٣) أخرجاه.

стр. 303

ففتنة النساء أضرّ على الرجال من كل فتنة، فلتتق اللَّه امرأة كل زوج ولا تفتنه. فمدار هذه الأحاديث على زجر المرأة أن لا تنتهك حرمة زوجها أو حقه بحسي أو شرعي، وحملها على المبادرة إلى طاعته، وعلى تعظيمه، والحرص على رضا قلبه وتحذيرها من إيذائه وفتنته.

стр. 304

مجلس في النفقة على العيال قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) ففيه توظيفهما به. وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٢) الآية، وهذا تفسير للمعروف. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٣) وفيها تسهيل ذلك على النفوس بوعد اللَّه لا غيره بأنه لا يخلفه ولا بد إما بثواب في الآخرة إما برزق غيره وإما بغير ذلك. وروينا في صحيح مسلم (٤) من حديث أبي هريرة ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ دينار تنفقه في سبيل اللَّه، ودينار أنفقته في سبيل اللَّه، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا (٥) الذي أنفقته على أهلك". وروينا فيه من حديث ثوبان مرفوعًا: "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على

стр. 305

عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل اللَّه، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل اللَّه". (١) وروينا في الصحيحين من حديث أم سلمة قالت: "قلت: يا رسول اللَّه هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم؟ قال: "نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم"". (٢) وفيه أن في الأولاد أجر النفقة إن كان الطبع يهوى ذلك. وروينا فيهما من حديث سعد بن أبي وقاص في حديثه الطويل السالف في أوائل الكتاب في النية: "أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أُجِرْتَ بها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك"". (٣) وروينا فيهما من حديث أبي مسعود البدري مرفوعًا: "إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة". (٤) وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع مَن يقوت". (٥)

стр. 306

ولمسلم وغيره معناه: "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته" (١)، قلت: ولا تهديد مثله. وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم اعط منفقًا خلفًا، ولقول الآخر: اللهم اعط ممسكًا تلفًا". (٢) فهذا دعاء للأول ودعاء على الثاني، فما أشرف السخاء دنيا وأخرى "ما نقص مال من صدقة". (٣) وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يُعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه". (٤) ومرار هذه الأحاديث على بيان رتبة الإنفاق وأرجحيته عند التعارض، وحصول الأجر في الأولاد والزوجة، وأنه صدقة، وتحذير المرء أن يضيع من يقوت أو يحبس عنه قوته، والأمر بالبدأة بمن يعول، فليعتن به اللبيب جهده.

стр. 307

مجلس في الإنفاق مما يحب ومن الجيد قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (٢) الآية. وروينا في الصحيحين من حديث أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء (٣)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول اللَّه ﷺ يدخلها ويشرب من ما فيها طيب" قال أنس ﵄: "فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إن اللَّه ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة للَّه أرجو برها وذُخرها عند اللَّه، فضعها يا رسول اللَّه حيث أراك اللَّه، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت، وإني أرى أن تجعلهما في الأقربين" (٤).

стр. 308

فقال أبو طلحة (١): أفعل يا رسول اللَّه، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه". روي: رايح، بالمثناة تحت، أي رايح عليك نفعه، وبالباء الموحدة أيضًا، وبيرحاء: حديقة نخل، بفتح الباء وكسرها. وفيه المكافاة والاقتداء بالسادات وما يقابل والإشعار بمحبة الخير، والرغبة فيه والمبادرة إليه، واستشارة الأكابر، وقصد العمل بما فضل والتصدق بالمحبوب في الجهات المحبوبة، ومدح أهل الخير وتبشيرهم بعظيم الأجر ترغيبًا لهم ولأمثالهم، فينبغي مساعدتهم على مقاصدهم الصالحة، وأعمالهم الزاكية الرابحة.

стр. 309

مجلس في وجوب أمره أهله وأولاده الممترين وسائر من في رعيته بطاعة اللَّه تعالى ونهيهم عن المخالفة وتأديبهم ومنعهم من ارتكاب منهي عنه قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١) قلت: ويلحق بها كل عبادة وخير. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٢) قلت: فيلزموا بفعل الخيرات، وترك المنكرات، وتصحيح العقائد والنيات، وتحسين الأخلاق والمعاملات مع تسهيل التأديب وقبوله والترغيب فيه بذكر هول النار ووقودها وغلظة خزنتها، ورجوع أمرها إلى مالك الملك ذي البطش ﷻ . وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵄ قال: "أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال ﷺ : "كخ كخ ارم بها، أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة" (٣) وفي رواية لهما: "لا تحل لنا الصدقة" (٤). وكخ كخ بإسكان الخاء وبكسرها من التنوين كلمة زجر للصبي من المستقذرات، وكان الحسن إذ ذاك صبيًا.

стр. 310

وفيه من أنواع التأديب خمسة: القبيح، ومخاطبة النصوح بما يفهم، كما يوضحها قوله: "كخ كخ" (١)، والأمر الموضح للمطلوب، كما في قوله: "ارم بها"، والتذكير والتعليل، كما في قوله: "أما علمت كذا. . " وهو من أخف المراتب وأولها وقوعًا، ثم اليد وفيه من مجاري التأديب بعظيم حرمات اللَّه في الأموال، وكونها مأكولة بلاغًا، وشدَّة الاعتاء لاسيما بالحرام منه، وبيان مستنده، وأن الإمام والعالم أو كبير المكان أو جد الصبي أو قريبه أهل للتأديب، وكيف باجتماعهما كما في النبي ﷺ مع الحسن. وفيه من أسباب التأديب التساهل كما في أخذ التمرة وجعلها في الفم، ومثله كل تناول يتداعى إلى الفساد، ومن شرطه وضوح عدم الحل وعدم الإقدام بغير عذر وابداؤه للنواظر كما فعل الحسن. وفيه من الحوادث علم حكم الشرع ورحمة القلب، وحفظ الأمانة كما يشعر قوله: "كخ كخ" أي إنه مستقذر شرعًا يصير نارًا في البطن كما يشعر بأنه تضييع لحق الفقراء، والمتصدق في قوله: "لا تحل لنا الصدقة". (٢) وروينا في الصحيحين من حديث أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد ربيب رسول اللَّه ﷺ قال: "كنت غلامًا في حجر رسول اللَّه ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا غلام سم اللَّه وكل بيمينك وكل مما يليك" (٣) فما زالت تلك طِعْمَتِي بعدُ".

стр. 311

ومعنى تطيش (١) تدور في نواحي الصحفة، وفيه من أنواع التأديب كنداء يا غلام، والأمر بضد المنكر، فمن أكل مما يليه لم تطش يده، وفي الطيشان إخجال يمنع المؤاكلة، وإنجاس له ولأمه من حيث أنه يتيم على مائدة متصدق مهان، فليراع المؤدب أمثال هذا، فعلى من هذه مكارمه أفضل صلاة وتسليم. وفيه (٢) من مجازي التأديب ينال التناول، ويلحق به محاولة كل مفعول عادي بما بين الأكابر والعناية الشديدة. وفيه بدئية التسمية والتيامن، وأن الأكل مما يليه أمر تأديب، وفي جميعها الإرشاد لحفظ العرض والوجاهة وتركه الطعام. وفيه أن من أهل التأديب زوج الأم مع ما سلف ومن محله الربيب، ولاسيما كونه في الحجر، والصبي مع المخالط لقبول النصح، ولذلك قال: "لم تزل تلك طِعْمَتِي". وفيه أن من أسباب التأديب الإساءة كما في الطيشان، ويلحق به كل عيب يعافه جليسه، ولا بد من كونه بغير عذر ليخرج الطيشان في الفاكهة. وفيه من الحوادث الحاملة عليه الحنق والرحمة والنصيحة المفهومة من قوله: "يا غلام" فعليه من ربه المنان به على كل صغير وكبير أفضل صلاة وأزكى سلام. وروينا في الصحيحين (٣) أيضًا من حديث ابن عمر مرفوعًا: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٤)؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده

стр. 312

ومسئول عن رعيته" قال: وحسبت أن قد قال: "والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته". وقد سلف قريبًا وهو مبين لأهله ومحله، وأشد مرغِّب في التأديب إذ السؤال من الديان لا بد له من جواب صواب، فليعين برعايته أُولوا الألباب ليحظوا بسعادة القيام به يوم المآب. وروينا في سنن أبي داود (١) بإسناد حسن من حديث عمرو بن شعيب (٢) عن أبيه عن جده مرفوعًا: "مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" (٣)، وفيه من أنواع التأديب والتعليم والأمر به في حال، أو الضرب في آخر. وفيه من مجاري التأديب الصلاة، ويلحق به ما يطيقه الصبي من صيام وتلاوة وأوراد وغير ذلك من العبادات والتعليم، وفيه صيانة الفروج بالتفريق في المضاجع، وفيه أن المؤدب الوالد، ويلحق به ذو الولاية كما في حديث سبرة بن معبد الجهني (٤) مرفوعًا: "علِّموا الصبي الصلاة لسبع، واضربوه عليها ابن عشر سنين". رواه أبو داود والترمذي وحسنه (٥)، ولفظ أبي داود: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين".

стр. 313

وفيه الأمر بالضرب في سن التمييز وهو ابن سبع ونحوها، والضرب في سن إمكان البلوغ وهو عشر ونحوها، وفيه من أسباب التأديب الحاجة إلى تمرين النفس، واعتيادها الخير، وحفظ الفرج بعد التمييز عند مظنة البلوغ. والحاصل من هذه الأحاديث بيان أنواع التأديب ومراتبه ومجاريه وأنواعه وأهله ومحله، وبيان سببه وشرطه، وبيان ما يحدث إليه ويعزي به.

стр. 314

مجلس في حق الجار والوصية به قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. (١) وروينا في الصحيحين (٢) من حديث ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وهو دال على تأكد حقه وإظهار شدة الاعتناء بشأنه وتكرير الوصية به. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي ذر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك" (٣) وفي رواية له عن أبي ذر قال: إن خليلي ﷺ أوصاني: "إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف". (٤) وفيه من أنواع حقه إسداء المعروف إليه وتسهيل فعله والدوام عليه. وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "واللَّه لا يؤمن، واللَّه لا يؤمن" قيل: من يا رسول اللَّه؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه" (٥)، وفي لفظ: "لا

стр. 315

يدخل الجنة من لا يأمن جاره بواثقه" (١)، والبوائق: الغوائل والشرور، وفيه من أنواع حقه معاملات توجب أمن قلبه وطمأنينته بحيث لا يتوقع شيئًا من البوائق. وروينا فيهما عنه مرفوعًا: "يا نساء المسلمات لا تحقرنَّ جارة جارتها، ولو فِرسِنَ شاة" (٢). وفيه من أنواع الحق أن هداياه وإن قلت حتى فرسنًا محقرًا لا يحتقر، وقد يلحق به كل إحسان كبشاشة ودعاء وتأنيس وتودد، ونحو ذلك. وروينا فيهما عنه مرفوعًا: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين، واللَّه لأرمينَّ بها بين أكتافكم" (٣). خشبة: ويروى بالإفراد والجمع، وبالتنوين على الإفراد، وقوله: مالي أراكم عنها معرضين، أي عن هذه السُّنَّة. وفيه أن سؤاله لا يرد، وطلباته وحاجاته تُقضى له.

стр. 316

وروينا فيهما عنه مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت" (١). وفيه كف كل إيذاء عنه وعن أهله وعن أطفاله. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي شريح الخزاعي مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت" (٢)، وروى البخاري (٣) بعضه، وفيه الترغيب في الإحسان إليه. وروينا في صحيح البخاري من حديث عائشة: "قلت: يا رسول اللَّه إن لي جارين فإلى أيهما أُهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا" (٤) أي لأنه أقرب جوارًا كما جاء في رواية أخرى. وروينا في جامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: "خير الأصحاب عند اللَّه خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند اللَّه خيرهم لجاره" (٥).

стр. 317

قلت: فاحرص أن تكون خيرهم عند اللَّه، واستعن باللَّه ولا تعجز. والحاصل من هذه الأحاديث بيان تأكيد حق الجار، وأنواع ما ينبغي معه، وأولى الجيران عند التزاحم وتفاوت درجات الإحسان لتحرص، ويتنافس في أعلاها المتنافسون.

стр. 318

مجلس في تحريم العقوق وقطيعة الرحم قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ (١) فالقاطع لُعِنَ وصُمَّ وَعُمِيَ. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] (٢) ذكر ذلك بلام الاستحقاق. وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] (٣) الآية، وأُف والنَّهْرُ نوعان نبه بهما على الأعلى بالأدنى. وروينا في الصحيحين من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "الإشراك باللَّه وعقوق الوالدين" وكان متكئًا فجلس وقال: "ألا وقول الزور وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت" (٤) فقرن عقوق الوالدين بالشرك باللَّه، وحكم بأنه أكبر الكبائر،

стр. 319

ولا مرتبة أعلا من هذا. وروينا في صحيح البخاري من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "الكبائر الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس" (١). واليمين الغموس التي يحلفها كاذبًا عامدًا، سميت غموسًا لأنها تغمس الحالف في الإثم، فجعل العقوق بين الشرك وقتل النفس، وهي مرتبة عظمى. وروينا في الصحيحين عنه مرفوعًا: "من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا: يا رسول اللَّه، وهل يشتم الرجل والديه؟!! قال: "نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" (٢). وفي رواية: "من الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قيل: يا رسول اللَّه كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسبُّ الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه" (٣). وهذا النوع من العقوق وهو السب بشتم الناس وبلعنهم إلى أن يسُبَّ الأب والأم (٤). وروينا فيهما من حديث أبي محمد جبير بن مطعم ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يدخل الجنة قاطع" (٥) قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم، قلت: وهذا غاية في التنفير.

стр. 320

وروينا فيهما من حديث أبي عيسى المغيرة بن شعبة ﵄ مرفوعًا: "إن اللَّه حرَّم عليكم عقوق الأمهات، ومنع وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (١). قوله: منع معناه: منع ما وجب عليه، وهات: طلب ما ليس له، ووأد البنات: دفنهن في حال الحياة، وقيل وقال: معناه الحديث بكل ما سمعه، فيقول: قيل كذا، وقال فلان كذا مما لم يعلم صحته ولا يظنها "وكفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع" (٢) وإضاعة المال: تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا، وترك حفظه مع إمكان الحفظ، وكثرة السؤال: الإلحاح فيما لا حاجة إليه. وفي الباب أحاديث مذكورة في باب بر الوالدين كحديث: "واقطع من قطعك" (٣)، وحديث: "من قطعني قطعه اللَّه" (٤) فخاصة القطيعة قطع اللَّه لصاحبها ونتائج ذلك من الشفا لا تنحصر. وحاصل هذه الأحاديث بيان مرتبة العقوق، وأنواع منه ونتائجه وحكمه ومنفرداته وزواجره.
следующие страницы →