← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وروينا فيهما عنه مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت" (١). وفيه كف كل إيذاء عنه وعن أهله وعن أطفاله. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي شريح الخزاعي مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت" (٢)، وروى البخاري (٣) بعضه، وفيه الترغيب في الإحسان إليه. وروينا في صحيح البخاري من حديث عائشة: "قلت: يا رسول اللَّه إن لي جارين فإلى أيهما أُهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا" (٤) أي لأنه أقرب جوارًا كما جاء في رواية أخرى. وروينا في جامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: "خير الأصحاب عند اللَّه خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند اللَّه خيرهم لجاره" (٥).

стр. 317

قلت: فاحرص أن تكون خيرهم عند اللَّه، واستعن باللَّه ولا تعجز. والحاصل من هذه الأحاديث بيان تأكيد حق الجار، وأنواع ما ينبغي معه، وأولى الجيران عند التزاحم وتفاوت درجات الإحسان لتحرص، ويتنافس في أعلاها المتنافسون.

стр. 318

مجلس في تحريم العقوق وقطيعة الرحم قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ (١) فالقاطع لُعِنَ وصُمَّ وَعُمِيَ. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] (٢) ذكر ذلك بلام الاستحقاق. وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] (٣) الآية، وأُف والنَّهْرُ نوعان نبه بهما على الأعلى بالأدنى. وروينا في الصحيحين من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "الإشراك باللَّه وعقوق الوالدين" وكان متكئًا فجلس وقال: "ألا وقول الزور وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت" (٤) فقرن عقوق الوالدين بالشرك باللَّه، وحكم بأنه أكبر الكبائر،

стр. 319

ولا مرتبة أعلا من هذا. وروينا في صحيح البخاري من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "الكبائر الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس" (١). واليمين الغموس التي يحلفها كاذبًا عامدًا، سميت غموسًا لأنها تغمس الحالف في الإثم، فجعل العقوق بين الشرك وقتل النفس، وهي مرتبة عظمى. وروينا في الصحيحين عنه مرفوعًا: "من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا: يا رسول اللَّه، وهل يشتم الرجل والديه؟!! قال: "نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" (٢). وفي رواية: "من الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قيل: يا رسول اللَّه كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسبُّ الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه" (٣). وهذا النوع من العقوق وهو السب بشتم الناس وبلعنهم إلى أن يسُبَّ الأب والأم (٤). وروينا فيهما من حديث أبي محمد جبير بن مطعم ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يدخل الجنة قاطع" (٥) قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم، قلت: وهذا غاية في التنفير.

стр. 320

وروينا فيهما من حديث أبي عيسى المغيرة بن شعبة ﵄ مرفوعًا: "إن اللَّه حرَّم عليكم عقوق الأمهات، ومنع وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (١). قوله: منع معناه: منع ما وجب عليه، وهات: طلب ما ليس له، ووأد البنات: دفنهن في حال الحياة، وقيل وقال: معناه الحديث بكل ما سمعه، فيقول: قيل كذا، وقال فلان كذا مما لم يعلم صحته ولا يظنها "وكفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع" (٢) وإضاعة المال: تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا، وترك حفظه مع إمكان الحفظ، وكثرة السؤال: الإلحاح فيما لا حاجة إليه. وفي الباب أحاديث مذكورة في باب بر الوالدين كحديث: "واقطع من قطعك" (٣)، وحديث: "من قطعني قطعه اللَّه" (٤) فخاصة القطيعة قطع اللَّه لصاحبها ونتائج ذلك من الشفا لا تنحصر. وحاصل هذه الأحاديث بيان مرتبة العقوق، وأنواع منه ونتائجه وحكمه ومنفرداته وزواجره.

стр. 321

مجلس في فضل بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه. روينا في صحيح مسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا: "أبر البر أن يصل الرجل ودَّ أبيه" (١)، وفي رواية له: أن ابن عمر أعطى أعرابيًا دابة وعمامة لأنه كان ودَّ أبيه. (٢) قلت: وهذا التعبير أعني أنه أبر البر، أعلا المراتب، ولقد كان ابن عمر شديد الاتباع، فبرَّ هذا الأعرابي صديق والده بما قدر عليه. (٣) وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما نحن جلوس عند رسول اللَّه ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول اللَّه هل بقي من بر أبويّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم؛ الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما" (٤). وروينا في الصحيحين من حديث عائشة قالت: "ما غِرْتُ على أحد من نساء رسول اللَّه ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة؟ فيقول: "إنها كانت وكانت، وكان لي

стр. 322

منها ولد" (١)، وفي رواية: "إن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهنَّ" (٢)، وفي رواية: "كان إذا ذبح الشاة يقول: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة" (٣)، وفي رواية قالت: "استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول اللَّه ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك فقال: "اللهم هالة بنت خويلد" (٤). قولها: فارتاح هو بالحاء المهملة، وفي جمع الحميدي فارتاع بالعين ومعناه: اهتم به. وروينا في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: "خرجت مع جرير بن عبد اللَّه البجلي في سفر فكان يخدمني، فقلت له: لا تفعل، فقال: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول اللَّه ﷺ شيئًا، آليت أن لا أصحب أحدًا منهم إلا خدمته" (٥). وحاصل هذه الأحاديث بيان مرتبة بر أصدقاء الأب، وأنه من حقوقه وبيان أنواع منه، ومحله وبيان أنه شأن الأكابر وأهل الوفاء، والترغيب فيه قولًا وفعلًا.

стр. 323

مجلس في إكرام بيت رسول اللَّه ﷺ وبيان فضلهم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (١). وقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] (٢) وروينا في صحيح مسلم (٣) من حديث زيد بن أرقم ﵄ قال: "قام رسول اللَّه ﷺ فينا يومًا خطيبًا بماء يُدعى خُمًّا بين مكة والمدينة (٤) فحمد اللَّه وأثنى عليه ووعظ وذَكَّر، ثم قال: "أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسولُ ربي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللَّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللَّه واستمسكوا به" فحث على كتاب اللَّه ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي" فقال له الحصين: ومَنْ أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة (٥) بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي،

стр. 324

وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حُرِمَ الصدقة؟ قال: نعم. وفي رواية له: "ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب اللَّه، وهو حبل اللَّه (١) من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة" (٢). وروينا في صحيح البخاري من حديث ابن عمر عن أبي بكر الصديق موقوفًا عليه أنه قال: "اُرقبوا محمدًا ﷺ في أهل بيته". (٣) ومعنى ارقبوا: راعوه واحترموه وأكرموه.

стр. 325

مجلس في فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر وهو فيما قال الجنيد: (١) استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب. وقال أبو سليمان الداراني: ترك ما هو أشغل عن اللَّه. وقال الشبلي: هو غروب النفس عما سوى اللَّه، وثمرته أن لا تفرح بموجود من ذلك، ولا تأسي على مفقود منه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤] إلى قوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). فأخبر اللَّه أن سرعة الدنيا وإقبالها وسرعة زوالها كالزرع، ثم ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٥).

стр. 326

وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠] إلى قوله: ﴿الْغُرُورِ﴾ (١). فالدنيا ليست إلا من محقرات الأمور، فأي جدوى لها. وقوله: كفيت، كناية عن سرعة زوالها، وفي الآخرة الأمور العظام الذي يعتنى بمثلها أُولوا النهى. وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] (٢) إلى قوله: ﴿الْمَآبِ﴾، ففيها بيان الوسائل الموصلة إلى ذلك من نساء وحرث وغير ذلك. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ (٣)، وفيها النهي عن الافترار والانخداع إما بالدنيا حتى يذهب التمتع بها، والتلذذ بمتاعها عن العمل للآخرة، وطلب ما عند اللَّه. وإما ما يوسوس به الغَرور من أنه لا يغتر من يموت، ولئن بعثت ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ (٤)، وأشباه ذلك ما قعد عن سبيل اللَّه، والتزود للقيامة. وقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (٥) الآية، فعاقبة الإلهاء ومنشؤه الجهل المحض.

стр. 327

وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ (١) الآية، وفيها ازدراء الدنيا وتصغير أمرها كما يفهمه قوله: هذه، وكيف لا وهي لا تزن عند اللَّه جناح بعوضة (٢). والمعنى وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها غير منتفعين بها بطائل إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون، وأن الآخرة ليس فيها إلا حياة مستمرة (٣) دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة. والحيوان مصدر حي، وأصله حييان، وفي بناء حيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي ما في فعلان من معنى الحركة والاضطراب. والحياة حركة كما أن الموت سكون، فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة مبالغة في معناه. وحاصل هذه الآيات البدأة بذكر ما فيه الزائل الفاسد، ثم بما فيه الباقيات الصالحات (٤)، ثم بما يوضح مقاصد الزائل ووسائله الحقيرة، ثم ما ينهي عن الاغترار به، ثم بيان وبال عاقبة ذلك وهو الاغترار. والآيات في الباب كثيرة مشهورة، ولنختم بالأحاديث، ومدارها على التحذير من الدنيا، وذكر سبب الانحدار بها، وما يسلي عنها وما ينفر عنها، وتحقير أمرها

стр. 328

وتسهيل الغروب عنها، وكيف ينبغي أن يكون الإنسان فيها وخاصة الزهد. ومن أهله وما حالهم ومرتبة الدنيا عند اللَّه، وما لولاه لم يخلق وما يسقط الاعتبار منها، وأن الكافي منها قليل، والزائد مذموم مناف لمحبة الشارع، وذم الحرص وطول الأمل، ودلائل منازل الزهد، وذكر فوائده وموجباته ومجاريه. وجماع ذلك أربعة وثلاثون حديثًا، وإن كانت أكثر من أن تحصى، وهذا الطرف ينبه على ما سواه. الحديث الأول: حديث عمرو بن عوف الثابت في الصحيحين (١): "أن رسول اللَّه ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فَوَافَوْا صلاة الفجر مع رسول اللَّه ﷺ ، فلما صلى انصرف، فتعرضوا له، فتبسم حين رآهم ثم قال: "أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ " فقالوا: أجل يا رسول اللَّه، قال: "فأبشروا وأملوا ما يسركم، فواللَّه ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم" (٢) وفيه أن شان الدنيا الإغراء بالتنافس والاتباع في الهلاك الديني والدنيوي بدليل من سلف". الثاني: من حديث أبي سعيد الخدري الثابت في الصحيحين (٣) أيضًا قال: جلس رسول اللَّه ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: "إن مما أخاف عليكم بعدي ما يُفتَحُ عليكم من زهرة الدنيا وزينتها".

стр. 329

وفيه إرشاد إلى أن الدنيا جميع سرور العالم، إذ لا محذور ولا مخوف سواها. الحديث الثالث: حديثه أيضًا الثابت في صحيح مسلم: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الدنيا حلوة خضرة (١)، وإن اللَّه مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". (٢) وفيه تصريح بمقتضى ما قررناه، وفيه وما قبله أبلغ تحذير، وفيه بيان ما ينخدع به أبناء الدنيا، وأن استخلافهم فيها كرامة فيما ظنوه وليس ابتلاء. الحديث الرابع: حديث أنس الثابت في الصحيحين مرفوعًا: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" (٣). وفيه ما يسلي عن الدنيا، ورغد عيشها؛ فإنه ليس بعيش حقيقي، والحقيقي هو الأخروي، وهذه اللفظة قالها ﷺ في أشد حاليه وأشرها تزهيدًا وتصبيرًا. الخامس: حديثه أيضًا في الصحيحين مرفوعًا: "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد؛ يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله" (٤) أخرجاه.

стр. 330

وهذا أول المنفرات، وهو أن الدنيا مودِّع مفارق لا صديق ملازم. أحلام نوم أو كظل زائل … إن اللبيب بمثلها لا ينخدع كيف السرور بإقبال وآخره … إذا ما تأمله مقلوب إقبال السادس: حديثه مرفوعًا: "يؤتى بانعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا واللَّه يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة (١) فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا واللَّه يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط". أخرجه مسلم (٢). وهو ثاني التنفيرات، أي أنها توقع في النار، وحينئذ فكأنها لم تكن ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ (٣). السابع: حديث المستورد بن شداد ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع" (٤) أخرجه مسلم.

стр. 331

وهو ثالث المنفرات، وهو أنها تُفوِّت الآخرة ونسبتها في القلة إليها كبلة إصبع بالنسبة إلى اليم، ليت شعري هل يفهم لها نسبة أو هل يعبر عن قلة وحقارة بأبلغ من ذلك، أو هل يصرف النفس عنها بأحسن من ذلك. الثامن: حديث جابر ﵄: "أن رسول اللَّه ﷺ مر بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! قال: "أتحبون أنه لكم؟ " قالوا: واللَّه لو كان حيًا كان عيبًا فيه، لأنه أسكُّ، فكيف وهو ميت؟ فقال: "فواللَّه للدنيا أهون على اللَّه من هذا عليكم"" (١) أخرجه مسلم. قوله: كنفته: أي عن جانبيه، والأسك الصغير الأذن. وفي هذا البيان المنفر الرابع، وهو أنها أهون عند اللَّه من هوان جدي أسك ميت على من يُعرض عليه بدرهم أو بلا شيء. التاسع: حديث أبي ذر ﵄ قال: كنت أمشي مع رسول اللَّه ﷺ في حرَّة المدينة فاستقبلنا أُحد، فقال: "يا أبا ذر (٢) " قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: "ما

стр. 332

يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا تمضي عليَّ ثالثة وعندي منه دينارًا إلا شيئًا أرصده لِدَيْنٍ إلا أن أقول به في عباد اللَّه هكذا وهكذا وهكذا" عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى فقال: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا -عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- وقليل ما هم" ثم قال لي: "مكانك لا تبرح حتى آتيك" ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى، فسمعت صوتًا قد ارتفع، فتخوفت أن يكون قد عرض للنبي ﷺ فأردت أن آتيه، فذكرت قوله لي: "لا تبرح حتى آتيك" فلم أبرح حتى أتاني، قلت: يا رسول اللَّه لقد سمعت صوتًا تخوفت فذكرت له، فقال: "وهل سمعته؟ " قلت: نعم، قال: "ذلك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" (١) أخرجاه والسياق للبخاري. وهو بيان للمنفر الخامس، وهو أكمل العقلاء عقلًا، ما يسره أن يكون عنده مثل أحد ذهبًا إلى آخر الحديث، ليس ذلك إلا لعلمه بحقائق الأشياء وما فيه منها خير وما لا، ويوضحه قوله: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة" (٢) وفي الرواية الأخرى: "ليسرني أن لا يمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء" (٣). وفرق بين قولك: ما يسرني أن يبقى، ويسرني أن لا يبقى. العاشر: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لو كان لي مثل أحد ذهبًا لسرَّني أن لا تمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئًا أرصده لدين" (٤) أخرجاه. الحادي عشر: حديثه أيضًا مرفوعًا: "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا

стр. 333

إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة اللَّه" (١) أخرجاه والسياق لمسلم، وفي البخاري: "إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلْق، فلينظر إلى من هو أسفل منه". (٢) وهذا أول مسهل للزهد على أهله، وهو المنازلة لا العلو. الثاني عشر: حديثه أيضًا مرفوعًا: "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطي رضي وإن لم يُعط لم يرض" (٣) أخرجه البخاري. وهو ثاني مسهل له، وهو دعاء بذلك والإخبار به لمن عبد غير خالقه. الثالث عشر: عنه أيضًا قال: "لقد رأيت سبعين من أهل الصُّفَّة ما منهم من رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد ربطوه في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته" (٤) أخرجه البخاري. وهو ثالث مسهل، وهو حكاية حال الزاهدين وكثرتهم، وفي من ليس مثلهم أُسوة فكيف بهم، وإشارة شديدة لخُلُق المحاكاة. الرابع عشر: عنه مرفوعًا: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" (٥) أخرجه مسلم. وهو رابع مسهل، فما أفرح المؤمن بضيق دنياه، وما أحزنه باتساعها (لا لكاد) (٦) ذلك.

стр. 334

الخامس عشر: حديث ابن عمر ﵄ قال: "أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"". وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" (١) أخرجه البخاري. أي لا تركن إليها ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله. وهذا بيان حال العاقل في دنياه، ولا أجمع من قوله: "كن" إلى آخره، فإن الغريب والمسافر لا يركن إلى غير مستقره، ولا يُعْنَى به، ولا يتخذه وطنًا، ولا يعلق قلبه بشيء منه كما أوضحناه. السادس عشر: حديث سهل بن ساعد الساعدي قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عمل إذا أنا عملته أحبني اللَّه وأحبني الناس، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ازهد في الدنيا يحبك اللَّه، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس"". (٢) حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة. وفيه ذكر خاصية الزهد ولازمه، وهو محبة اللَّه للزاهد، ومحبة الناس له، وكفى بذلك ترغيبًا فيه ومدحًا له. السابع عشر: حديث النعمان ﵄ قال "ذكرت لعمر بن الخطاب ما أصاب الناس من الدنيا فقال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دَقَلًا يملأ

стр. 335

به بطنه" (١) أخرجه مسلم. والدقل بفتح الدال والقاف رديء التمر. وفيه بيان أهله وحالهم، وأن من الزهاد سيد البرية، بل هو أجَلَّهم، وأنه وصل من زهده إلى هذه الحالة لاسيما في أرض التمر الكثير، فطوبى لمن به تأسى واقتدى واتبع واهتدى. الثامن عشر: حديث عائشة قالت: "توفي رسول اللَّه ﷺ وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال عليَّ، فكلته ففني" (٢) أخرجاه. وشطر الشعير أي شيء منه، كذا فسره الترمذي. وهذا دال على استمرار هذه ودوامه حتى الممات بعد أن فتحت البلاد، ودانت العباد. التاسع عشر: حديث عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين قال: "ما ترك رسول اللَّه ﷺ عند موته درهما ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة" (٣) أخرجه البخاري. وهو وما قبله دالان على أن اقتناء ما لا بد منه ونحو الأقوات والربط والزواج ونحوه لا ينافي الزهد. العشرون: حديث خباب بن الأرت قال: "هاجرنا مع رسول اللَّه ﷺ نبتغي وجه

стр. 336

اللَّه، فوقع أجرنا على اللَّه -تعالى- فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير؛ قتل يوم أحد وترك نمرة، فإذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجله بدا رأسه، فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت ثمرته فهو يهدُبُها" (١) أخرجاه. والنمرة: كساء ملون من صوف، وأيعت: نضجت وأدركت، ويهدبها: بفتح الياء وضم الدال وكسرها لغتان: يقطعها ويجتنيها، وهذه استعارة لما فتح عليهم من الدنيا وتمكنوا فيها. وفيه أن من أهل الزهد اتباعه من السادة المهاجرين قريب مما وصف بهم حالهم، وقوله: "ومنا من أينعت له ثمرته" كالمتحزِّن من خوف تعجيل الأجر ونحو ذلك. الحديث الحادي بعد العشرين: حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء" (٢) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح. وفيه بيان مرتبة الدنيا عند اللَّه، ولا أبلغ من قوله ذلك، وهل مرتبة أحسن من ذلك. الحديث الثاني بعد العشرين: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه وعالم أو متعلم" (٣) رواه الترمذي وحسنه، وقد

стр. 337

يبق في العلم. وفيه تقرير الحديث الذي قبله، فلعن الدنيا وما فيها ليس مجرد تحقير واستصغار، بل استرذال واستقذار واستفتاح يوجب الطرد والإبعاد، والمشير يشير إلى أن ذلك هو حكمة اتخاذ الدنيا والتنافس في إبقائها ولذلك تخرب إذا رفع العلم والقرآن والخير، فإذا لم يبق ما يقول: اللَّه اللَّه قامت القيامة. الحديث الثالث بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا (١) رواه الترمذي وحَسَّنه. وفيه النهي عن أسباب ينشأ عنها الرغبة في الدنيا، منها اتخاذ الضيعة التي هي نوع وطن ويتشعب أسباب عمارتها إلى كل ديني ودنيوي. الحديث الرابع بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: مرَّ علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نعالج خُصًّا لنا، فقال: "ما هذا؟ " فقلنا: قد وَهَى فنحن نُصْلحُه. قال: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك" (٢) رواه أبو داود والترمذي بإسناد الشيخين، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. الخامس بعد العشرين: حديث كعب بن عياض مرفوعًا: "إنَّ لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال" (٣) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، فالمال فتنة هذه الأمة المحمدية، فأي لبيب يعتني بالفتنة والبلية؟ السادس بعد العشرين: حديث عثمان بن عفان ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ليس

стр. 338

لابن آدم حق فى سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء" (١) رواه الترمذي وصححه. الجلف: الخبز ليس معه إدام. قاله النضر. أو غليظ الخبز، أو وعاء الجوالق. والخارج عنه (٢) أقوال، فهذا هو الكافي وما سواه فضول لا ضرورة إليه. السابع بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن الشخير ﵄ قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١] (٣) قال: يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" (٤) أخرجه مسلم. فالتكاثر المذموم ليس إلا لملك موهوم، موضحه قولهم: مال الفضول لحادث أو فارث. والحديث السالف: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟. . . الحديث" (٥) وحديث: "وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت" (٦) الحديث. وهذا القدر لا يلهي، ولا تكاثر فيه. الثامن بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن المغفل، قال: جاء رجل لرسول اللَّه

стр. 339

ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، واللَّه إني لأحبك. فقال: "انظر ما تقول" قال: واللَّه إني لأحبك. فقال: "انظر ما تقول" قال: واللَّه إني لأحبك، ثلاث مرات. فقال: "إن كنت تحبُّني فاعد للفقر تِجفافا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه" (١) رواه الترمذي وقال: حسن. التِجفاف: بكسر التاء المثناة فوق، وإسكان الجيم وبالفاء المكررة هو الشيء يلبسه الفرس ليتقي به الأذى، وقد يلبسه الإنسان. وذلك مؤذن بالتنافس بين الدنيا ومحبة الشارع. فإن من خاص محبته زوال رأس كل خطيئة. التاسع بعد العشرين: من حديث كعب بن مالك مرفوعًا: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه" (٢) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وفيه ذم الحرص على المال والشرف، وهما ركنا الدنيا، ومنافاتهما للدين وإفسادهما له لائح. الثلاثون: حديث عبد اللَّه بن مسعود قال: "نام رسول اللَّه ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول اللَّه، لو اتخذنا لك وطاء، فقال: "ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" (٣) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وهو مشتمل على دلائل الزهد، وهو أن لا يخطر بالبال أدوات الدنيا كنومه على حصير ولم يطلب وطاء، وأن لا تميل النفس إلى قبولها إذا عرضت عليه كما قال: "ما لي وللدنيا"، وأن يكون أمل الزهد قصير كقوله: "إنما أنا في الدنيا" إلى آخره، فلا كان الحرص ولا طول الأمل، لقد أوقعاني في كل رداء وهلكة. الحادي بعد الثلاثين: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يدخل الفقراء الجنة قبل

стр. 340

الأغنياء بخمسمائة عام" (١) أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. وفيه من فوائد الزهد، وأثره الذي هو الفقر، ودخولهم الجنة قبلهم بذلك المقدار، وكفى بذلك. الثاني بعد الثلاثين: حديث ابن عباس، وعمران بن حصين مرفوعًا: "أطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" (٢) أخرجاه من حديث ابن عباس، وللبخاري من حديث عمران. (٣) وفيه من فوائده أن أكثر أهل الجنة الفقراء أو عامة من دخلها إذا قام ﷺ على بابها كما سيأتي، وأهل الجد محبوسون، وكفى بذلكم الحبس منفِّرًا. الثالث بعد الثلاثين: حديث أسامة مرفوعًا: "قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجدِّ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أُمر بهم إلى النار" (٤) أخرجاه، والجد: الحظ والغنى.

стр. 341

الخاتمة: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل" (١) أخرجاه. وهو بيان مجاري الزهد ومحتمة، فتأمل ذلك، وكل باطل، فحتم على العاقل عزوب النفس عنه، تواصيًا بالحق، وحفظًا للتوحيد المحض ولا براعة ختم كهذا. ولنذكر الحكايات المتعلقة بالزهد مع طرف منها: الأولى: روي أن عيسى ﷺ صحبه رجل وقال: يا نبي اللَّه، أكون معك، فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر فجلسا يتغذَّيان ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين، وبقى رغيف، فقام عيسى ﷺ إلى النهر فشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري، فانطلق ومعه الرجل فرأى ظبية (٢) معها ولدان لها، فدعا واحدًا فأتاه فذبحه وشوى منه فأكل هو وذلك الرجل، ثم قال له بعد ما ذبحه وأكلا منه قم بإذن اللَّه فقام، فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية، من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري، فانطلقا حتى انتهيا إلى مغارة، فجمع عيسى ﷺ ترابًا وكثيبًا ثم قال: كن ذهبًا بإذن اللَّه فصار ذهبًا، فقسمه ثلاثة أقسام وقال: ثلث لك، وثلث لي، وثلث للذي أخذ الرغيف، فقال أنا الذي أخذت الرغيف، قال: فكله لك، وفارقه عيسى ﷺ فانتهيا إلى رجلان في المغارة ومعه الذهب، فأرادا أن يأخذاه ويقتلاه، فقال: هو بيننا أثلاثًا، فقبلا ذلك، فقال: يذهب واحد إلى القرية حتى يشتري لنا طعامًا، فذهب واحد واشترى طعامًا وقال في نفسه: لأي شيء أقاسمهما هذا المال، أنا أجعل في الطعام سما فأقتلهما وآخذ المال جميعه، فجعل فيه السم، وقالا هما فيما بينهما: لأي شيء نجعل لنا ثالثًا، إذا رجع قتلناه، واقتسمنا المال نصفين، فلما رجع إليهما قتلاه، ثم أكلا من الطعام فماتا، فبقي ذلك المال في المغارة وأولئك الثلاثة قتلى عنده، فمر عليهم عيسى ﷺ فرآهم على تلك الحالة فقال لأصحابه: هذه الدنيا فاحذروها. الحكاية الثانية: روي أن عيسى ﷺ كشفت له الدنيا في صورة عجوز شمطاء عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم، قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك، قالت: بل كلهم قتلت، فقال عيسى ﵇: بؤسًا

стр. 342

لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بالماضين كيف تهلكينهم واحدًا بعد واحد، فلا يكونون منك على حذر. (١) الحكاية الثالثة: قال الفضيل ﵀: بلغني أن رجلًا عرج بروحه في المنام، فرأى امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحلي والثياب، وإذا بها لا يمر بها أحد إلا جرحته، فإذا أدبرت كانت أحسن الناس عجوزًا زرقاء شمطاء عمشاء، قال: فقلت لها: نعوذ باللَّه منك، فقالت: لا واللَّه لا يعيذك اللَّه حتى تبغض الدرهم (٢) قلت: من أنت؟ قالت: أنا الدنيا. الحكاية الرابعة: روي عن عبد اللَّه بن مسعود قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: أدّ أمانتك فيقول: من أين يا رب؟ قد ذهبت الدنيا، فتمثل له الدنيا على هيأتها يوم أخذها في قعر جهنم، فينزل فيأخذها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها، حتى إذا ظن أنه خرج بها هوت وهوى في أثرها أبد الآبدين. الحكاية الخامسة (٣): قال طلحة بن يحيى: حدثتني جدتي بنت عوف قالت: دخلت على طلحة فرأيته مغمومًا، فقلت: ما شأنك؟ قال: إن المال الذي عندي قد كثر وأكربني، فقلت: ما عليك؛ اقسمه، فقسّمته حتى ما بقي درهم، قال طلحة بن يحيى: فسألت خازن طلحة كم كان المال؟ قال: أربعمائة ألف. الحكاية السادسة: قال أنس: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتًا رجَّت منه المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا جِمَال قدمت لعبد الرحمن بن عوف، وكانت سبعمائة راحلة فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "رأيت عبد الرحمن بن

стр. 343

عوف يدجل الجنة حبوًا" فبلغ ذلك عبد الرحمن فأتاها فسألها عما بلغه، فحدثته، قال: فإني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل اللَّه . (١) الحكاية السابعة: عن المِسْوَر قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضًا من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسَّم المال في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة بمال من ذلك المال. فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لن يحنو عليكم بعدي إلا الصالحون" (٢). سقى اللَّه ابن عوف من سلسبيل الجنة. الحكاية الثامنة: وهو حديث عن ابن عمر قال: "كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة فدخلها في صدره بخلال (٣) فقال: "يا جبريل أنفق ماله قبل الفتح" قال: فإن اللَّه يقرأ عليه¬ السلام، ويقول لك: قل له: أراض أنت عني في فقرك أم ساخط، فقال أبو بكر: أسخط على ربي، أنا على ربي راض، قالها أربعًا. (٤) الحكاية التاسعة: قال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهر قوِّم بمائة ألف فقسمته بين أزواج النبي ﷺ . الحكاية العاشرة: قالت أم ذرَّة: (٥) بعث الزبير إلى عائشة بغرارتي مال فيهما ثمانون ألفًا أو مائة ألف، فدعت بطبق. وهي يومئذ صائمة. فجلست تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم. فلما أمست قالت: يا جارية ائتيني بعشائي. فجاءتها بخبز وزيت. فقالت لها أم ذرة ما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه؟ فقالت: لا تعتبيني، لو كنت ذكرتيني لفعلت (*).

стр. 344

الحكاية الحادية عشرة: قال عروة: لقد رأيت عائشة تقسم سبعين ألفًا وهي ترقع درعها (*). الثانية عشرة: حكي أنه كان لهارون الرشيد (١) ولد قد بلغ من العمر ست عشرة سنة، وكان قد رافق الزهاد والعباد، وكان يخرج إلى المقابر ويقول: قد كنتم قبلنا، وقد كنتم تملكون الدنيا، فما أراها تنجيكم، وقد صرتم إلى قبوركم، فيا ليت شعري: ما قلتم وما قيل لكم؟ ويبكي بكاء شديدًا، وكان ينشد: ترف عني الجنائز كل يوم … ويحزنني بكاء النائحات فلما كان في بعض الأيام مر على أبيه وحوله وزراؤه وكبار دولته وأهل مملكته، وعليه جبة صوت، وعلى رأسه مئزر صوت، فقال بعضهم لبعض: قد فضح هذا الولد أمير المؤمنين بين الملوك، فلو عاتبه لعله يرجع عما هو عليه؟ قال: فكلمه في ذلك، فقال: يا بني لقد فضحتني بما أنت عليه، فنظر إليه ولم يجبه، ثم نظر إلى طائر على شرفة من شراريف القصر، فقال: أيها الطائر بحق الذي خلقك إلا ما جئت على يديّ. فانقض الطائر على كف الغلام، ثم قال: ارجع إلى موضعك، فرجع على موضعه، فقال: بحق من خلقك إلا ما سقطت في كف أمير المؤمنين، فما نزل، فقال له الغلام: أنت الذي فضحتني بحبك الدنيا، وقد عزمت على مفارقتك، ففارقه ولم يتزود منه بشيء إلا مصحفًا، وانحدر إلى البصرة. وكان قد وقع في جداري حائط، فخرجت أطلب من يعمله، فرأيت غلاما لم أر أحسن منه وجهًا، وبين يديه زنبيل، وهو يقرأ في مصحف، فقلت له: يا غلام أتعمل؟ قال: ولم لا أعمل وللعمل خلقت؟ ولكن أخبرني في أي الأعمال تستعملني؟ قلت: في الطين. قال: بدرهم ودانق، وأصلي صلاتي؟ قال: لك ذلك، ثم مضيت به إلى العمل وتركته يعمل، فلما كان آخر النهار وجدته عمل عمل عشرة رجال. فوزنت له درهمين فأباهما إلا درهمًا ودانقًا. فلما كان من الغد خرجت إلى السوق فلم أجده، فسألت عنه فقيل لي: إنه لا يعمل إلا يوم السبت، ثم لا نراه إلا يوم السبت الثاني، فأخرت العمل إلى الثاني ثم أتيته، فوجدته، فقال لي مثل الأول، فمضيت به إلى العمل، فوقفت أنظر إليه من بعيد

стр. 345

وهو لا يراني، فأخذ كفا من طين وتركه على الحائط وإذا الحجارة تتركب بعضها على بعض، فقلت: هكذا أولياء اللَّه يعانون. فلما أراد أن ينصرف وزنت له ثلاثة دراهم فأبى أن يقبلها، ولم يقبل سوى درهمًا ودانقًا (١). فلما كان السبت الثالث جئت على السوق فلم أره، فسألت عنه، فقيل لي: له ثلاثة أيام وجِعٌ يعالج سكرات الموت، فوهبت أجرة لمن يدلني عليه، ومشينا حتى وقفنا عليه في خراب بلا باب، وإذا هو مغشى عليه، فسلَّمت عليه، فإذا تحت رأسه نصف لبنة وهو في حال الموت، فسلمت عليه ثانية فعرفني، فأخذت رأسه فجعلته في حجري فمنعني من ذلك، وأنشأ يقول: يا صاحبي لا تغترَّ (٢) بتنعم … فالعمر ينفد والنعيم يزول وإذا علمت بحال قوم مرة … فاعلم بأنك عنهم مسئول وإذا حملت إلى القبور جنازة … فاعلم بأنك بعدها محمول فقلت: يا حبيبي، ولم لا أكفنك في ثياب جديدة؟ فقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت، الثياب تبلى والعمل يبقى، وخذ مئزري وسروالي فادفعهما للحفار، وخذ هذا المصحف والخاتم فادفعهما إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد، ولا تدفعهما إلا من يدك إلى يده، وقل له: يا أمير المؤمنين معي وديعة من غلام غريب، وهو يقول لك: لا تموتنَّ على غرَّتك، أو قال على غفلتك، ثم خرجت روحه. ﵀. فعلمت أنه ولد الخليفة، وعملت كل ما أوصاني به، وأخذت المصحف والخاتم ودخلت بغداد، وقصدت هارون الرشيد ووقفت في موضع مشرف، فخرج موكب في تقدير ألف فارس، ثم تبعه عشرة مواكب، كل موكب ألف فارس، وخرج أمير المؤمنين في الموكب العاشر، فناديت: بقرابتك من رسول اللَّه ﷺ يا أمير المؤمنين إلا ما وقفت لي قليلًا، فلما رآني قلت: يا أمير المؤمنين معي وديعة من غلام غريب، ثم دفعت إليه المصحف والخاتم، وقلت له ما أوصاني به. فنكَّس رأسه وأسال دمعته، وأوصى عليَّ بعض الحجَّاب وقال: ليكن هذا عندك إلى أن أسألك عنه. فلما رجع هو وأصحابه أمر بالستور فرفعت ثم قال للحاجب: هات الرجل، وإن كان يُجدِّد عليَّ أحزاني، فقال لي الحاجب: يا أبا عامر إن أمير المؤمنين مهموم، فإذا أردت أن تكلمه عشر كلمات فاجعلها خمسا، فقلت: نعم. ودخلت عليه، فإذا مجلسه خالٍ، فلما رآني قال: ادن مني يا أبا عامر، فدنوت

стр. 346

منه، فقال: أتعرف ولدي؟ قلت: نعم، قال: في أي شيء كان يعمل؟ قلت: في الطين والحجارة، قال: استعملته أنت؟ قلت: نعم. قال: استعملته وله اتصال برسول اللَّه ﷺ ؟ فقلت: المعذرة إلى اللَّه ثم إليك يا أمير المؤمنين؛ فإني ما علمت من هو إلا عند وفاته. قال: أنت غسَّلته بيدك؟ قلت: نعم. قال: هات يدك، فأخذها وتركها على صدره وهو يقول: بأبي كيف كفنت العزيز القريب؟ ثم أنشأ يقول: يا غريبا عليه قلبي يذوب … ولعيني عليه دمع سَكُوب يا بعيد المكان حزني قريب … كدَّر الموت كل عيش يطيب كان نذرًا عليَّ قضيت لحين … فمضى النذر في الثدي (والقضيب) (١) قال: ثم تجهز وخرج إلى البصرة وأنا معه، حتى انتهى إلى القبر. فلما رآه غشي عليه، فلما أفاق أنشد يقول: يا غائبا لا يؤوب (٢) من سفره … عاجله موته على صغره يا قرة العين كنت لي أنسا … في طول ليلي نعم وفي قصره شربت كأسا أبوك شاربها … لا بد من شربها على كبره اشربها والأنام كلهم … من كان من بدوه ومن حضره فالحمد للَّه لا شريك له … قد كان هذا القضاء من قدره قال أبو عامر: فلما كان تلك الليلة قضيت وردي واضجعت، فإذا (يفتة) (٣) من نور عليها صحاف من نور، وإذا قد كشف الصحاف، فإذا الغلام ينادي: يا أبا عامر جزاك اللَّه عني خيرا، فقلت: ولدي إلى ماذا صرت؟ قال: إلى رب راض غير غضبان؛ أعطاني ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (٤) وآلى على نفسه أن لا يخرج عبد من الدنيا مثل خروجي إلا كرمه مثل كرامتي. فاستيقظت فرحًا به وبما قال لي وبشرني به - رحمه اللَّه تعالى. الثالثة عشرة: عن عبد الرحمن بن حفصة قال: إنه رأى عمر يبكي، فجلس يبكي لبكائه.

стр. 347

ثم جاء محمد فجلس يبكي لبكائهما، فاشتد بكاؤهم جميعًا، فبكى الرسول (١) أيضًا لبكائهم، ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك، وأرسل إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن يستعلم عن ذلك البكاء، فجاء ربيعة وذكر ذلك لمحمد، فقال محمد سله؛ فهو أعلم ببكائه، فاستأذن عليه ربيعة فقال: يا أخي ما الذي أبكاك من صلة الأمير؟ فقال: إني واللَّه حسبت أن تغلب الدنيا على قلبي فلا يكون للآخرة فيها نصيب، فذلك الذي أبكاني. وأمر بالمال فتصدق به على فقراء أهل المدينة. قال: فجاء ربيعة فأخبر الأمير بذلك، فبكى وقال: هكذا واللَّه يكون أهل الجنة. الرابعة عشرة: عن ذي النون (٢) قال: بينما أنا أسير في بعض الطرق إذا أنا بفتى حسن الوجه، بين عينيه أثر التهجد، فقلت: حبيبي، من أين قدمت؟ فقال من عنده. فقلت: وإلى أين تريد؟ قال: إلى عنده. قال: فعرضت عليه النقود، فنظر إليَّ مغضبا ثم ولى، وأنشأ يقول: وكافر باللَّه مولاه … يزداد ضعافا على كفره ومؤمن ليس له درهم … يزداد إيمانًا على فقره لا خير في من لم يكن عاقلًا … يمد رجليه على قدره الخامسة عشرة: قال أبو علي بن جبران: مرَّ أبو تراب بمزيِّن فقال: أتحلق رأسي للَّه تعالى؟ فقال له: اجلس، فجلس، فبينما هو يحلق رأسه إذ مر به أمير من أهل بلده، فسأل حاشيته، فقال: أليس هذا أبو تراب؟ فقالوا نعم. فقال أي شيء معكم من الدنانير؟ فقال له رجل: معي خريطة فيها ألف دينار، قال: إذا قام فأعطه إياها واعتذر إليه، وقل له: لم يكن معنا غير هذه. فجاء الغلام إليه فقال له: إن الأمير يقرأ عليك السلام، ويقول لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير. فقال: ادفعها إلى المزين، فقال المزين: أي شيء أعمل بها؟ فقال: خذها. فقال: واللَّه ولو أنها ألف دينار ما أخذتها، فقال الغلام: إنها ألف دينار. قال لا حاجة لي بها، إنما حلقت رأسه لوجه اللَّه. فقال له أبو تراب: ردها

стр. 348

عليه وقل له إن المزين ما رضي يأخذها، فخذها أنت واصرفها في مهماتك. السادسة عشرة: قال الشبلي: قال لي خاطري يومًا: أنت بخيل، فقلت: ما أنا بخيل، فقال: بلى أنت بخيل ثلاثا. فنويت أن أول شيء يفتح به علي أعطيه لأول فقير ألقاه، فما تم الخاطر حتى دخل عليَّ إنسان. سماه (١) بخمسمائة دينار، فأخذتها وخرجت فأول من لقيت فقيرًا ضريرًا أو قال: أكمه (٢) بين يدي مزين يحلق شعره، فناولته ذلك، قال: أعطها للمزين. فقلت: إنها دنانير، فرفع رأسه إليَّ وقال: أما قلنا لك إنك بخيل؟ فناولتها للمزيِّن فقال: عقدت مع اللَّه عقدًا أن لا آخذ من هذا الفقير شيئًا. قال: فأخذتها وذهبت بها إلى البحر فرميتها فيه، وقلت: فعل اللَّه بك وفعل؛ ما أحبك أحد إلا أذله اللَّه. فإن قلت: كيف رماها الشبلي وساغ له ذلك؟ قلت: يجوز أن يكون غائبا أو شهد فيها سما مهلكا، أو كان ذلك بإشارة مؤذية اضطر إلى ذلك. السابعة عشرة: عن إبراهيم بن شبيب قال: كنا نتجالس في يوم الجمعة، فأتى رجل عليه ثوب واحد ملتحف به فجلس إلينا وألقى مسألة، فما زلنا نتكلم في الفقه حتى انصرفنا. ثم جاءنا في الجمعة فأجبناه وسألناه عن منزله، فأخبرنا به، وسألناه عن كنيته فقال: أبو عبد اللَّه. فرغبنا في مجالسته، فمكثنا كذلك زمنًا، ثم انقطع عنا، واجتمعنا وأتيناه في بيته وسألنا عنه فقال: ذاك أبو عبد اللَّه الصياد ذهب يصطاد والآن يأتي، فقعدنا ننتظره، وإذا هو قد أقبل مؤتزرًا بخرقة، وعلى كتفه أخرى، ومعه أطيار مذبوحة، وأطيار أحياء. فلما رآنا تبسم إلينا، فقلنا: قد كنت عمَّرت مجلسنا فما غيَّبك عنا؟ قال: إذًا أصدقكم، كان لي جار أستعير منه ذلك الثوب الذي كنت آتيكم به، وقد سافر. ثم قال: هل لكم أن تدخلوا المنزل فتأكلوا مما رزق اللَّه، فدخلنا وقعدنا، فدخل على امرأته وسلم إليها الأطيار المذبوحة، وأخذ الأطيار الأحياء فباعها بالسوق واشترى خبزًا وملحًا، وقد صنعت المرأة ذلك وهيأته، فقدم إلينا خبزًا وطيرًا وملحًا، فأكلنا وخرجنا. فقال القوم بعضهم لبعض: ألا تنظرون إلى حال هذا الرجل وما هو فيه من الفقر مع فضله وصلاحه، وأنتم قادرون على أن تجمعوا له ما يقوم بحاله. فاتفقوا على أن

стр. 349

يجمعوا له ما يستغني به، وانصرفنا على عزم أن نأتي بما وعدوه به، وهو خمسة آلاف درهم. فلما مررنا بالمربد إذا أمير البصرة محمد بن سليمان قاعد في منظرة له، وهو يقول: يا غلام ائتني بإبراهيم بن شبيب، قال: فأتيته، فسألنا عن قصتنا، ومن أين أقبلنا، فصدقته الحديث، فقال: أنا أحقكم، فأمر له بعشرة آلاف درهم. ففرحت بذلك وأسرعت، فلما رآها انقلب وتغير لونه وقال: ما لي ولك يا هذا؟ أتريد أن تفتنني؟ فأخبرته الخبر، وأن الأمير أخذ (. . . . .) (١) فازداد غضبًا وأغلق الباب، فرجعت إلى الأمير فأخبرته، فقال: حروري، وأمر بضرب عنقه، فسكنته وقلت: أنا آتيك به، فسكن غضبه، ثم أتيته فإذا زوجته تبكي، وقالت: ما شأنكم بأبي عبد اللَّه؟ دخل فنزع ما كان عليه وتوضأ ثم صلى، فسمعته يقول: اللهم اقبضني إليك ولا تفتني، فقضى نحبه. فأخبرت الأمير، فصلى عليه وعامة أهل البصرة. الثامنة عشرة: عن عمر بن عبد العزيز أنه قيل له لما حضرته الوفاة: تركت أولادك فقراء لا شيء لهم (٢). فقال: أولادي أحد رجلين: إما رجل يتقي اللَّه فسيجعل اللَّه له مخرجا وهو يتولى الصالحين، وإما رجل منكب على المعاصي، فلا أقويه على معاصي اللَّه. وكان ﵄ يؤتى بالحلة قبل أن يتولى الخلافة بألف درهم فيقول: ما أحسنها لولا خشونة ما فيها. ويؤتى بالحلة وهو في الخلافة بأربعة دراهم أو ستة فيقول: ما أحسنها لولا نعومة فيها. فقيل له في ذلك، فقال: إن لي نفسا تواقة ذواقة؛ إذا تاقت إلى شيء وذاقت تاقت إلى ما فوقه، فلم تزل تتوق وتذوق إلى أن ذاقت الخلافة فتاقت إلى ما فوقها، فلم تجد شيئًا فوقها إلا ما عند اللَّه تعالى في الدار الآخرة

стр. 350

فتاقت إليه، ولا يمكن الوصول إليه إلا بترك الدنيا. التاسعة عشرة: سئل حاتم الأصم (١) فيما أفنيت عمرك؟ فقال: في أربعة أشياء: علمت أني لا أخلو من نظر اللَّه طرفة عين فاستحييت أن أعصيه. وعلمت أن لي رزقا لا يجاوزني، وقد ضمنه لي فوثقت به عن طلبه، وعلمت أن عليَّ فرضًا لا يؤديه غيري فاشتغلت به، وعلمت أن لي أجلا يبادرني فبادرته. وقد سلف في المراقبة. العشرون: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٢) أنه خرج حاجًا، ولما نظر إلى البيت بكى حتى علا صوته، فقيل له: إن الناس ينظرون إليك، فلو رفقت صوتك قليلًا. فقال: ولم لا أبكي؟ لعل اللَّه ينظر إليَّ برحمة منه فأفوز بها عنده غدًا. ثم طاف وركع خلف المقام ورفع رأسه من السجود فإذا موضع سجوده مبتل بدموع عينيه. فقال لبعض أصحابه: إني لمحزون، وإني مشتغل القلب. فقيل له: لِمَ؟ قال: إنه من دخل قلبه صافي خالص دين اللَّه شغله عما سواه، وما عسى أن تكون الدنيا؟ هل هو إلا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة استحسنتها، أو أكلة أكلتها؟ أو كما قال (٣). الحادية بعد العشرين: قال كعب: استخرجت من التوراة خمس عشرة كلمة فجعلتها في قصبة وربطتها في عنقي، فكنت أقرأها كل يوم خمس عشرة مرة. أولها: يقول اللَّه: يا ابن آدم لا تخف فوت الرزق ما دامت خزائني مملوءة، وخزائني مملوءة لا ينفد ما فيها أبدًا. ثانيها: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيًا، وسلطاني باق لا ينفد أبدا.

стр. 351

ثالثها: يا ابن آدم لو أنني أعطيتك الدنيا كلها ما كان لك منها إلا القوت، فإذا أعطيتكه منها وجعلت حسابها على غيرك فأنا محسن إليك. رابعها: يا ابن آدم لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط (١). خامسها: يا ابن آدم إني خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا يشغلك ما خلقته من أجلك عما خلقتك لأجله. سادسها: يا ابن آدم ما أنصفتني في المعاملة؛ أنا لعنت إبليس وغضبت عليه وطردته من أجلك، فصالحته وقطعتني. سابعها: يا ابن آدم كل أحد يريدك له، وأنا أريدك لي، وأنت تفرَّ مني. ثامنها: يا ابن آدم أنا وحقي لك محب، فبحقي كن أنت لي محبًا. تاسعها: يا ابن آدم إني خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه إليك من حيث لا تحتسب؟ (٢). عاشرها: يا ابن آدم تغضب علي من أجل نفسك؟! الحادية عشرة: يا ابن آدم كما لا أطالبك بعمل غدٍ لا تطالبني برزق غدٍ. الثانية عشرة: يا ابن آدم إن لي فرضا، ولك عليّ رزق (٣) فإن خالفتني في

стр. 352

فرضي فلا أخالفك في رزقك على ما كان منك. الثالثة عشرة: يا ابن آدم إن قنعت بما رزقتك أرحت قلبك وبدنك وأنت عندي مشكور، وإلا أتعبت قلبك وبدنك وسلطت عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ولا ينالك منها إلا ما قسمت لك، وأنت عندي مذموم. الرابعة عشرة: يا ابن آدم لا تأنس بغيري ما وجدتني فمتى طلبتني وجدتني. الخامسة عشرة: يا ابن آدم ما خلقتك لأربح عليك إنما خلقتك لتربح عليَّ. خاتمة: قال أبو جعفر محمد بن علي السالف (١): إن أهل التقوى أكثر أهل الدنيا مؤنة وأكثرهم معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك. قوالين بالحق قوامين بأمره، وأنزل الدنيا منك بمنزله منزل نزلت به أو ارتحلت عنه أو كمال أصبته في منامك واستيقظت، وليس معك منه شيء. وأنشدوا في معناه: ألا إنما الدنيا كأحلام نائم … وما خير عيش لا يكون بدائم تأمل إذا ما نلت بالأمس لذَّة … فأفنيتها أنت إلا كحالم

стр. 353

مجلس في الدعاء (١) قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢). إضافة بكاف الخطاب، وكفى به مباهاة، ووعد بالإجابة مؤكد باستقراعه في قالب الاستقبال ليؤذن به في ثاني الحال. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ (٣). والتضرع هو حال الاضطرار، والخفية حال الحضور والإخلاص. ثم أرشد إلى التحذير من الاعتذار فيه ولا يرتكب شيئًا من مخالفة إذنه لئلا يعتدي بسببه. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٤). ففيه إعلام تقرب الرب المدعو وإجابته دعوة كل داع، ولو من غير صالح. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٥) الآية. فالآية الأولى فيها أصل الدعاء والثانية: صفته. والثالثة: المدعو تعالى وقربه،

стр. 354

والداعي وما يتصف به من الاضطرار. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١). ولنذكر تسعة وعشرين حديثا مشتملة على مهمات الترغيب في الدعاء وجوامعه، وبيان أدعية مخصوصة كلية وجزئية مقصورا، ووسيلة وألفاظ مأثورة في طلب المغفرة ونحوها، وفي التعوذ ونحو ذلك وبيان أدعية لزمها الأكابر، واعتنت بشأنها. الحديث الأول: حديث النعمان بن بشير مرفوعا "الدعاء هو العبادة" (٢). رواه أبو داود والترمذي وقل: حسن صحيح أي مخها وكبدها على نحو "الحج عرفة" (٣). ثانيها: حديث عائشة قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك" (٤). رواه أبو داود بإسناد جديد. ووجه شمولها المهمات النافعات الجامعات. ثالثها: حديث أنس، كان أكثر دعاء النبي ﷺ : "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" أخرجاه. (٥)

стр. 355

زاد في روايته: "كان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو الدعاء دعا بها فيه" وسبب أكثريته ذلك عذوبة اللفظ وشموله خير الدنيا والآخرة وسيلة ومقصودا وجمعه لطلب الدفع والنفع، ونحو ذلك. رابعها: حديث ابن مسعود: أنه ﷺ كان يقول: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" (١) أخرجه مسلم. وهذا هو الحالة الحسنة في الدنيا، فأي نعمة توزاي الهدى والتقى وعفاف النفس (٢) وغناها فما مثل هذين في راحة البدن كما أن الأولين ما مثلهما في حياة القلب ونوره وانتعاشه. الحديث الخامس: حديث طارق بن أشيم قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني" (٣) رواه مسلم. وفي رواية له عن طارق أنه سمع رسول اللَّه ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول اللَّه كيف أقول حيث أسأل ربي؟. قال: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فإن هؤلاء يجمع لك دنياك وآخرتك" (٤). قلت: فهذا هو الحالة الحسنة في الدنيا والآخرة وإنها جامعة للفوز والنجاة
следующие страницы →