← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ثالثها: يا ابن آدم لو أنني أعطيتك الدنيا كلها ما كان لك منها إلا القوت، فإذا أعطيتكه منها وجعلت حسابها على غيرك فأنا محسن إليك. رابعها: يا ابن آدم لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط (١). خامسها: يا ابن آدم إني خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا يشغلك ما خلقته من أجلك عما خلقتك لأجله. سادسها: يا ابن آدم ما أنصفتني في المعاملة؛ أنا لعنت إبليس وغضبت عليه وطردته من أجلك، فصالحته وقطعتني. سابعها: يا ابن آدم كل أحد يريدك له، وأنا أريدك لي، وأنت تفرَّ مني. ثامنها: يا ابن آدم أنا وحقي لك محب، فبحقي كن أنت لي محبًا. تاسعها: يا ابن آدم إني خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه إليك من حيث لا تحتسب؟ (٢). عاشرها: يا ابن آدم تغضب علي من أجل نفسك؟! الحادية عشرة: يا ابن آدم كما لا أطالبك بعمل غدٍ لا تطالبني برزق غدٍ. الثانية عشرة: يا ابن آدم إن لي فرضا، ولك عليّ رزق (٣) فإن خالفتني في

стр. 352

فرضي فلا أخالفك في رزقك على ما كان منك. الثالثة عشرة: يا ابن آدم إن قنعت بما رزقتك أرحت قلبك وبدنك وأنت عندي مشكور، وإلا أتعبت قلبك وبدنك وسلطت عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ولا ينالك منها إلا ما قسمت لك، وأنت عندي مذموم. الرابعة عشرة: يا ابن آدم لا تأنس بغيري ما وجدتني فمتى طلبتني وجدتني. الخامسة عشرة: يا ابن آدم ما خلقتك لأربح عليك إنما خلقتك لتربح عليَّ. خاتمة: قال أبو جعفر محمد بن علي السالف (١): إن أهل التقوى أكثر أهل الدنيا مؤنة وأكثرهم معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك. قوالين بالحق قوامين بأمره، وأنزل الدنيا منك بمنزله منزل نزلت به أو ارتحلت عنه أو كمال أصبته في منامك واستيقظت، وليس معك منه شيء. وأنشدوا في معناه: ألا إنما الدنيا كأحلام نائم … وما خير عيش لا يكون بدائم تأمل إذا ما نلت بالأمس لذَّة … فأفنيتها أنت إلا كحالم

стр. 353

مجلس في الدعاء (١) قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢). إضافة بكاف الخطاب، وكفى به مباهاة، ووعد بالإجابة مؤكد باستقراعه في قالب الاستقبال ليؤذن به في ثاني الحال. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ (٣). والتضرع هو حال الاضطرار، والخفية حال الحضور والإخلاص. ثم أرشد إلى التحذير من الاعتذار فيه ولا يرتكب شيئًا من مخالفة إذنه لئلا يعتدي بسببه. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٤). ففيه إعلام تقرب الرب المدعو وإجابته دعوة كل داع، ولو من غير صالح. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٥) الآية. فالآية الأولى فيها أصل الدعاء والثانية: صفته. والثالثة: المدعو تعالى وقربه،

стр. 354

والداعي وما يتصف به من الاضطرار. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١). ولنذكر تسعة وعشرين حديثا مشتملة على مهمات الترغيب في الدعاء وجوامعه، وبيان أدعية مخصوصة كلية وجزئية مقصورا، ووسيلة وألفاظ مأثورة في طلب المغفرة ونحوها، وفي التعوذ ونحو ذلك وبيان أدعية لزمها الأكابر، واعتنت بشأنها. الحديث الأول: حديث النعمان بن بشير مرفوعا "الدعاء هو العبادة" (٢). رواه أبو داود والترمذي وقل: حسن صحيح أي مخها وكبدها على نحو "الحج عرفة" (٣). ثانيها: حديث عائشة قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك" (٤). رواه أبو داود بإسناد جديد. ووجه شمولها المهمات النافعات الجامعات. ثالثها: حديث أنس، كان أكثر دعاء النبي ﷺ : "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" أخرجاه. (٥)

стр. 355

زاد في روايته: "كان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو الدعاء دعا بها فيه" وسبب أكثريته ذلك عذوبة اللفظ وشموله خير الدنيا والآخرة وسيلة ومقصودا وجمعه لطلب الدفع والنفع، ونحو ذلك. رابعها: حديث ابن مسعود: أنه ﷺ كان يقول: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" (١) أخرجه مسلم. وهذا هو الحالة الحسنة في الدنيا، فأي نعمة توزاي الهدى والتقى وعفاف النفس (٢) وغناها فما مثل هذين في راحة البدن كما أن الأولين ما مثلهما في حياة القلب ونوره وانتعاشه. الحديث الخامس: حديث طارق بن أشيم قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني" (٣) رواه مسلم. وفي رواية له عن طارق أنه سمع رسول اللَّه ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول اللَّه كيف أقول حيث أسأل ربي؟. قال: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فإن هؤلاء يجمع لك دنياك وآخرتك" (٤). قلت: فهذا هو الحالة الحسنة في الدنيا والآخرة وإنها جامعة للفوز والنجاة

стр. 356

والهداية والعافية الماحية للأمراض القلبية الشاملة للعقاب وغيره والرزق المزيل لكل خلة وفاقة. الحديث السادس: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعا (١): "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك" أخرجه مسلم. وهو منبه على اعتناء الداعي بمثله فيما يشعر بتمام الاقتدار وتعظيم الخوف وشدة الاضطرار. ولعله ينظر على آخر دعاء الآية السالفة: "وقنا عذاب النار". الحديث السابع: حديث أبي هريرة مرفوعا (٢): "تعوذوا باللَّه من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء" أخرجاه. وفي رواية قال سفيان أشك أني زدت واحدة منها. الحديث الثامن: حديثه أيضًا قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر". أخرجه مسلم (٣).

стр. 357

الحديث التاسع: حديث على قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قل اللهم اهدني وسددني" (١). أخرجه مسلم. وفي رواية له: "اللهم إني أسألك الهدى والسداد" (٢) قلت: فإذا حصلت الهداية والتسديد، فقد وصل كل مقصد، فإن من سدد سهمه أصاب غرضه وأدرك لحكمه، ومن يؤتها فقد أوتي خيرًا كثيرًا. الحديث العاشر: حديث أنس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" (٣). وفي رواية: "وضلع الدين وغلبة الرجال" (٤). أخرجاه. الحديث الحادي عشر: حديث أبي بكر الصديق أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : علمني دعاء أدعوا به في صلاتي. قال: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٥). أخرجاه. "كثيرًا": يروي بالمثلثة وبالباء الموحدة فينبغي الجمع بينهما. الحديث الثاني عشر: حديث أبي موسى عن النبي ﷺ أنه كان يدعوا بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وجهلي وكل ذلك عندي". (٦)

стр. 358

"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير" (١). أخرجاه. والعصمة من رذائل العامة لا ينافي الاستغفار من ذنوب الخاصة التى هي أشرف ممن دونهم. الحديث الثالث عشر: حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل" (٢). أخرجه مسلم. الحديث الرابع عشر: حديث أبن عمر قال: كان من دعاء رسول اللَّه ﷺ : "اللهم اني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفُجَاءَة نقمتك، وجميع سخطك". (٣) أخرجه مسلم. الحديث الخامس عشر: حديث زيد بن أرقم قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعداب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" (٤). أخرجه مسلم.

стр. 359

الحديث السادس عشر: حديث ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" (١). السابع عشر: حديث عائشة أنه ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات: "اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، ومن عذاب النار ومن شر الغنى والفقر" (٢). رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي وقال: حسن صحيح. وهو متضمن تخوف شر ممن فيه خير من وجه، وشر من آخر. الثامن عشر: حديث زياد بن علاقة عن عمه قطبه بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء" (٣). رواه الترمذي وحسنه. فتعوذ من كسب النفوس خلقا، والجوارح عملا والعقول هوى، كل ذي منكر. التاسع عشر: حديث شكل بن حميد قال: "قلت يا رسول اللَّه علمني دعاء؟ ". قال: "قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي ومن شر منيي" (٤). رواه أبو داود والترمذي وحسنه.

стр. 360

الحديث العشرون: حديث أنس أنه ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيء الأسقام" (١) رواه أبو داود بإسناد صحيح. وهذه عوارض الجوارح والعقول. الحادي بعد العشرين: حديث أبي هريرة: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة" (٢). رواه أبو داود بإسناد صحيح. الثاني بعد العشرين: حديث على في الترمذي، محسنا أن مكاتبا جاءه فقال: إني عجزت عن كتابتي، فأعني قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول اللَّه ﷺ : لو كان عليك مثل جبل دينا أداه عنك قال: "قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك" (٣). أي أغنى عن الحرام والسؤال. الثالث بعد العشرين: حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ علم أباه حصينًا كلمتين يدعوا بهما: "اللهم ألهمتي رشدي وأعذني من شر نفسي" (٤). رواه الترمذي وحسنه. الرابع بعد العشرين: حديث العباس قال: قلت يا رسول اللَّه علمني شيئا أسأله اللَّه ، قال: "سل اللَّه العافية" فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول اللَّه

стр. 361

علمني شيئًا أسأله اللَّه فقال لي: "يا عباس يا عم رسول اللَّه سلوا اللَّه العافية في الدنيا والآخرة" (١). رواه الترمذي وصححه، والعفو: المحو، وهو صفة الصحة والقوة. الخامس بعد العشرين: حديث شهر عن أم سلمة كان أكثر دعاء رسول اللَّه ﷺ : "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" (٢). رواه الترمذي وحسنه. السادس بعد العشرين: حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "كان من دعاء داود: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من أهلي ونفسي، ومن الماء البارد" (٣). رواه الترمذي وحسنه. وهو جامع لإعلاء الأحوال والأعمال، وكان داود أعبد البشر. السابع بعد العشرين: حديث أنس مرفوعًا: "ألظوا بياذا الجلال والإكرام" (٤). رواه الترمذي، ورواه الحاكم من حديث ربيعة بن عامر الصحابي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وألظوا: الزموا ذلك، وأكثروا، فهو أصل كل المعارف والأحوال. الثامن بعد العشرين: حديث أبي أمامه أنه ﷺ علمهم هذا لأنهم شكوا أنه دعا

стр. 362

بدعاء كثير لم يحفظوا منه شيئًا: "اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ ، ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد ﷺ ، وأنت المستعان، وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا باللَّه" (١). رواه الترمذي وحسنه. التاسع بعد العشرين: حديث ابن مسعود: كان من دعائه ﵇: "اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار" (٢). رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. فصل في الدعاء بظهر الغيب قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ (٣) الآية. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤). وقال إخبارا عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ (٥). فالآية الأولى فيها مدح عموم المؤمنين بذلك. وفي الثانية: الأمر لنبيه وحبيبه به. وفي الثالثة: أنه كان شأن خليل الرحمن فطوبى لمن كان هجيراه ما أمر (٦) به الأنبياء والأولياء والأخلاء، فهؤلاء خاصة الخواص. وروينا في صحيح مسلم من

стр. 363

حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "ما من عبد مسلم يدعو لأخيه (١) بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل" وروينا فيه أيضًا، من حديثه أيضا أنه ﷺ كان يقول: "دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة؛ عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الموكل به آمين ولك بمثل" (٢). فصل في مسائل من الدعاء عن أسامة بن زيد مرفوعًا: "من صُنِعَ إليه معروف فقال لفاعله: جزاك اللَّه خيرا، فقد أبلغ في الثناء" (٣). رواه الترمذي وصححه. وفيه أن الدعاء قد يكون ثناء. وعن جابر مرفوعًا: "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من اللَّه ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم" (٤). أخرجه مسلم. فالإجابة متوقعة كل وقت. وعن أبي هريرة مرفوعًا: "أقرب ما

стр. 364

يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" (١). أخرجه مسلم. فأرجى الأحوال السجود. وعنه مرفوعًا: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: قد دعوت ربي فلم يستجيب لي" (٢). أخرجاه. ولمسلم: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطعية رحم، ما لم يستعجل". قيل: يا رسول اللَّه ما الاستعجال؟ قال: "يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء". (٣) قلت: فالاستعجال آفة الدعاء، ورجاء الإجابة باق. وعن أبي أمامة: قيل يا رسول اللَّه أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات" (٤).

стр. 365

رواه الترمذي وحسنه. وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "ما على الأرض مسلم يدعو اللَّه بدعوة إلا آتاه اللَّه إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم"، فقال رجل من القوم: "إذًا نكثر" قال: "اللَّه أكثر" (١). رواه الترمذي وصححه. والحاكم من حديث أبي سعيد وزاد فيه: "أو يدخر له من الأجر مثلها"، قلت: فالإجابة محققة ما لم يدع بمفوِّت حق اللَّه أو حق آدمي. وعن أبي عباس أنه ﷺ كان يقول عند الكرب (٢): "لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم لا إله إلا اللَّه رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم" أخرجاه (٣). فاللجأ في الكربات والشدائد على الذكر والتذلل والإستكانة والإستغراق في شهود الجلال والعظمة من المهمات. وفي الحديث الأول: من هذه الأحاديث الدعاء للمحسن وأنه حسن. وفي الثاني: الدعاء على السيء، وأنه محذور والدعاء لأجبني، وعلى غيره، أو بخير أو شر ونحوهما. وفي الثالث: توطين الأمر بإكثار الدعاء. وفي الرابع: الترغيب في إدامته والتحذير من الملل وسوء الظن (٤)، وذكر شرط الإجابة.

стр. 366

وفي الخامس: تحري مواطن الإجابة، فإن له أثرًا. وفي السادس: إكثار الطلب، فالكريم لا تنفد خزائنه. وفي السابع: ما سلف. وأما الخطايا: فالأولى: عن سلمان الفارسي قال: إن العبد إذا كان يدعو في السَّراء (١) فنزلت به الضراء فدعا فقالت الملائكة: "صوت منكر من آدمي ضعيف ولا يشفعون له". الثانية: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب إلى اللَّه من أن يُسْأَل، وما يرفع القضاء إلا الدعاء (٢). فائدة: قال الغزالي رحمة اللَّه عليه في الإحياء فإن قلت ما فائدة الدعاء، والقضاء لا مرد له؛ فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء. والدعاء سبب الرد للبلاء، واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان (٣). فائدة أخرى: قال أبو سلمان: سمعت وهبًا يقول. وقد أقبل على عطاء الخرساني. ويحك يا عطاء أتأتي من يغلق بابه، ويظهر لك فقره، ويزوي عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه ويظهر لك غناه ويقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.

стр. 367

وأنشدوا (١): أيها السائل العباد ليُعطى … إن للَّه ما بأيدي العباد فاسأل اللَّه ما طلبت إليهم … وارج فضل المقسِّم العوَّاد الثالثة: قال يوسف بن أحمد البغدادي: حججت أنا وأبو سليمان، فبينا نحن نسير إذا سقطت السطحية منى، وكان برد عظيم. فلما افتقدت السطحية قلت: يا أبا سليمان بقينا بلا ماء، فقال: سلِّم وصل على محمد وقل: يا رادَّ الضالة، ويا هاديا من الضلالة أردد الضالة وإذا بواحد ينادي: من ذهب له سطحية؟، فأخذتها منه. فقال أبو سليمان: تراه يتركنا بغير ماء؟! فبينا نحن نسير وإذا برجل عليه طمران (٢) رثان وقد تدرعنا بالفراء من شدة البرد وهو يرشح عرقا. فقال أبو سليمان: "ألا نعطيك شيئا من ثيابنا" فقال: "يا داراني الحر والبرد خلقان للَّه أن يأمرهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهما أن يتركاني تركاني". يا داراني تصف الزهد وتخاف من البرد، أنا في هذه البرية من ثلاثين سنة ما انتفضت ولا ارتعدت، يلبسني في البرد فيحا من محبته، ويلبسني في الصيف مذاق برد محبته. نادرة: قال جعفر الخلدي: ودعت المزين الصوفي فقلت له: زوِّدني شيئا، فقال: إن ضاع منك شيء (٣) أو أردت أن يجمع اللَّه بينك وبين إنسان فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين كذا، فإن اللَّه يجمع بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك الإنسان، فما دعوت بها في شيء إلا استجيب. الرابعة: قال الشيخ أبو بكر الفرغاني: كنت أدفع على شدة الفاقة أياما كثيرة، وربما كنت أسقط مغشيا عليَّ، وكنت حينئذ قليل الدراية.

стр. 368

فقلت ذات يوم لو علمتني اسمك الأعظم سألتك به إذا حلَّت بي فاقة متلفة. فبينا أنا في بعض الأيام بدمشق على باب البريد جالس في المسجد إذ رأيت رجلين قد دخلا المسجد فوقع في نفسي أنهما ملكان فوقف أحدهما بحذائي فقال أحدهما للآخر تريد أعلمك اسم اللَّه الأعظم. فقال له: نعم. فأصغيت لهما فقال: هو أن يقول يا اللَّه. فقلت قد تعلمت، فقال أحدهما ليس كما تقول ولكن بصدق اللجأ. قال الشيخ أبو بكر: صدق اللجأ أن يكون مثل الغريق في لُجَّةِ البحر، لم يبق له شيء يتعلق به ولا له ملجأ إلا اللَّه . الخامسة: عن ثابت البناني (١) قال: ما دعا اللَّه المؤمن بدعوة إلا وكَّل بحاجته جبريل فيقول: لا تعجل بإجابته فإني أحب أن أسمع صوت عبدي، وإن الفاجر يدعو اللَّه فيوكل جبريل بحاجته ويقول: يا جبريل عجل إجابة دعوته فإني أحب أن لا أسمع صوت عبدي الفاجر. السادسة: قال قدامه بن أيوب وكان من أصحاب عتبة الغلام: رأيت عتبة في المنام فقلت: ما صنع اللَّه بك؟ قال: يا قدامة دخلت الجنة بتلك الدعوات المكتوبة في بيتك، فلما أصبحت أتيت إلى بيتي، فإذا بخط عتبة مكتوب على الحائط: يا هادي المضلين وراحم المذنبين، ومقيل عثرات العاثرين، ارحم عبدك ذا الخطر العظيم والمسلمين كلهم أجمعين، واجعلنا من الأخيار المبرورين، من الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يا رب العالمين، آمين. السابعة: قال عمر بن ثابت دخلت في أُذن رجل من أهل البصرة حصاة فعالجها الأطباء فلم يقدروا عليها حتى وصلت على صماخه، فأسهرت ليله ونغصت عيشه. فأتي رجل من أصحاب الحسن، فشكى ذلك إليه فقال: ويحك إن كان شيء

стр. 369

ينفعك اللَّه به فدعوة العلاء بن الحضرمي (١) التي دعا بها في البحر وفي المغاوز. قال وما هي (٢)؟ قال: يا عليُّ يا عظيم يا حكيم يا عليم. فدعا بها، فواللَّه ما برحنا حتى خرجت من أذنه ولها طنين حتى صكت الحائط وبرأ ما كان به. وأنشدوا: وإني لأدعو اللَّه والأمر ضيق … عليَّ فما ينفك أن ينفرجا ورُبَّ فتى سُدَّت عليه وجوهه … أصاب لها في دعوة اللَّه مخرجا الثامنة: قال بعضهم: كنا مع إبراهيم بن أدهم، فأتاه الناس فقالوا: يا أبا إسحاق، الأسد وقف في طريقنا، فأتى إبراهيم إلى الأسد وقال له: يا أبا الحارث إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أُمِرت به، وإن لم تُؤمر بشيء فتنح عن طريقنا، فأدبر الأسد وهو يهمهم. فقال إبراهيم وما على أحدكم إذا أصبح وأمسى أن يقول: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك وأنت ثقتنا ورجاؤنا. (٣) أخرى: عن الخواص: قال إبراهيم الخواص: كتب في البادية مرة فسرت في وسط النهار، فوصلت إلى شجرة فنزلت، فإذا بسبع عظيم، فاستسلمت ودعوت، فلما قرب

стр. 370

مني إذا هو يعرج، فهمهم وبرك بين يدي ووضع يده في حجري، فنظرت فإذا يده منتفخة فيها قيح ودم. فأخذت خشبة وشققت الموضع الذي فيه القيح وشددت على يده خرقة، ومضى، فإذا أنا به بعد ساعة ومعه شبلان (١) يحملا إليَّ رغيفين. التاسعة: قال الربيع: حج أبو جعفر (٢) سنة سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة فقال لي: ابعث إلى جعفر بن محمد، فتغافل عنه الربيع، فأرسل إليه برسالة قبيحة في جعفر وأمره أن يبعث إليه، ففعل. فلما جيئ به وأحضر بين يديه قال له: "يا عدو اللَّه اتخذك أهل العراق إماما يجتبون إليك زكاة أموالهم، ونحلت من سلطاني، قتلني اللَّه إن لم أقتلك". فقال: يا أمير المؤمنين إن سليمان. ﵇. أعطى فشكر، وأيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر. فقال له أبو جعفر: إليَّ يا أبا عبد اللَّه البرئ الساحة السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك اللَّه خيرًا. ثم تناول يده وأجلسه معه على فراشه. ثم قال: يا ربيع ألحق أبا عبد اللَّه جائزته وكسوته، ثم قال: انصرف في حفظ اللَّه وفي كنفه، فانصرف فلحقته فقلت له: إني قد رأيت قبل أن تأتي ما لم تره، ورأيت بعد أن أتيت ما قدر رأيت فما هذا؟ فقال: يا أبا عبد اللَّه حين دخلت قلت: "اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بكنفك الذي لا يُرام، واغفر لي بقدرتك عليَّ، لا أهلك وأنت رجائي. اللهم إنك أكبر وأجل مما أخاف وأحذر، اللهم بك أدفع في نحره، وبك استعيذ من شره". العاشرة: عن سري السقطي قال: كان يسكن في جواري رجل صالح ورع من أهل القرآن. وكان فقيرا ذا عائلة فاشتدت به الفاقه والضيقة في يعض أيامه فوقع في

стр. 371

نفسه أن يكتب حاله في ورقة ويدفعها إلى اللَّه فلما كتبها أدركه الليل، فانتصب في محرابه يصلي ويدعو ويشير بالورقة على السماء، فلم يزل كذلك أكثر ليلته فمسَّه السهر وأعياه القيام. وجلس يصلي قاعدا إلى أن بقى من الليل قليل فغلب عليه النوم، فرأى في منامه رجلا حسن الوجه يقول له: ما هذه الغفلة التي لحقتك ترفع إلى اللَّه سوادا في بياض؟ قال: فكيف أصنع؟ قال: إذا أردت ذلك فاستمد بيد الشكر من بحر الذكر بقلم الصبر، واكتب على قلبك بياض الفكر على رهب الطلب. قال: قلت: ماذا أكتب؟ قال: يا من أفضاله أفضل أفضال المتفضلين، وإنعامه أنعم إنعام المنعمين، وعجز عن شكره شكر الشاكرين. قد جربت غيرك من المأمولين بغيري من السائلين، فإذا كل قاصد إلى غيرك مردود، وكل طريق إلى سواك مسدود، وكل خير عندك موجود وعند سواك معدوم مفقود. قال: قلت: يا سيدي ما أحسن هذا؟ قال: فإن بقى في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية. فاكتب: يا من إليه توسَّلت وعليه في السراء والضراء عوَّلت، حاجاتي مصروفة إليك، وآمالي موقوفة لديك، وكل ما وفقتني له من خير أعمله وأطيقه، فأنت دليل عليه بطريقه. قال: فقلت: يا سيدي وهذا أحسن. قال: فإن بقى في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية، فاكتب: يا قادرا لا ترده المطالب، ويا مالكا يرغب إليه كل راغب، ما زلت مصحوبا منك بالنعم جاريا على عادات الإحسان والكرم، يا من بكرمه يبلغ الكرم، ومن حمده يزيد النعم. قال: قلت: يا سيدي وهذا أحسن. قال: فإن بقى في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية فاكتب: يا من جعل البصر عونا على بلائه، وجعل الشكر مادا لنعمائه أسألك صبرًا جميلًا على المحن وتوفيقا للشكر على المنن، فقد عظمت محنتك عن صبري، وجلت نعمتك عن شكري، فتفضل علي بإقراري بعفو أنت أوسع له وأقدر عليه، فإن لم يكن لذنبي عذر تقبله فاجعله ذنبا تغفره.

стр. 372

ثم قال: يا أبا عبد البر قم في مقام التبتل (١)، وقف موقف التنصل متعرضا للفضل بخشوع التذلل للقبول بلسان التوسل على العزيز المتفضل. قال: قلت: يا سيدي ما أحسن هذا. قال: هو من دعاء خاصة لملك، أفهمت. قلت: نعم إن شاء اللَّه تعالى، ثم مسح بيده على بطني وصدري، فانتبهت فإذا أنا ذاكر لما خاطبني به، وما ذهب عني حرف. قال السري: حدثنا أبو عبد البر عند صلاة الفجر بهذا الحديث فاستحسناه وكتبناه - رحمة اللَّه تعالى. الحادية عشر: قال بعض الصالحين: صعدت جبل لبنان مع نفر نلتمس رجلا من العباد الزهاد المقيمين فيه، فسرنا ثلاثة أيام، فضربت على رجلي، فجلست على جبل شامخ، ومضى أصحابي يدورون في الجبل على أن يرجعوا إلي، فلم يعودوا وبقيت وحدي على غد ذلك اليوم، وطلبت ماء لأتطهر به للصلاة، فوجدت أسفل الجبل عينا فتوضأت منها، وقمت أصلي فسمعت صوت قارئ فلما فرغت من الصلاة اتبعت الصوت، فوجدت كهفا فدخلته فإذا فيه رجل ضرير جالس فسلمت عليه، فرد علي السلام. وقال لي: أجني أنت أم إنسي؟ فقلت: بل إنسي. فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، ما رأيت ههنا إنسا منذ ثلاثين سنة غيرك ثم قال لي: لعلك تعبت، اطرح نفسك، فدخلت داخل الكهف فرأيت ثلاثة قبور صفا، فنمت عندها، فلما كان وقت صلاة الظهر صاح بي الصلاة يرحمك اللَّه، ولم أر رجلا أعرف بأوقات الصلاة منه. فصليت معه، ثم قام يصلي، فلم يزل يصلي إلى العصر، قام قائمًا يدعو فسمعته يقول في دعائه: "اللهم أصلح أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، اللهم فرج عن أمة محمد ﷺ " فلما صلينا المغرب قلت له: من أين لك هذا الدعاء؟ قال: من دعا به كل يوم ثلاثة مرات كتبه اللَّه من البدلاء. فقلت له: من علمك هذا الدعاء؟

стр. 373

قال: لا يحتمل إيمانك ذلك. فلما صلينا العشاء قال لي: تأكل؟ فقلت: نعم. قال: ادخل داخل الكهف فكل ما تجد، فدخلت فوجدت صخرة عليها زبيب وجوز وخرنوب وتفاح وتين وحبة الخضراء، كل واحد من ذلك ناحية فأكلت منه ما أردت. فلما كان وقت السحر أوتر، وذلك أنه لم ينم في ليلته، ثم أكل مما هناك وصليت حتى صلينا الفجر فنام وهو جالس إلى أن طلعت الشمس نحو رمحين. ثم قام فتوضأ ودخل الكهف، فقلت له من أين هذه الفاكهة؟ فما رأيت أطيب منها. فقال سترى ذلك معاينة. فدخل طائر جناحاه أبيضان، وصدره أحمر ورقبته خضراء، وفي منقاره حبة زبيب، وبين رجليه جوزة، فوضع الزبيبة على الزبيب، والجوزة على الجوز. فلما أحسن بجناحه قال لي: رأيته؟ قلت: نعم. قال: هذا الطائر يأتيني بهذه الفاكهة منذ ثلاثين سنة. فقلت: كم يتردد إليك في اليوم؟ قال: سبع مرات. فعددت فإذا به تردد خمسة عشر مرة، فعرَّفته ذلك، فقال: قد زادك مرة، واجعلنا في حل. ورأيت عليه من اللباس من لحاء شجر يشبه الموز، فقلت له: من أين لك هذا؟ فقال: يأتيني هذا الطائر في كل يوم عاشوراء بقشر قطع من هذا اللحاء، فأسوِّي منه قميصًا ومئزرا وكانت عنده مسلَّة يخيط بهاء اللحاء. ورأيت بجنبه مما قد خلق من ذلك معروشًا. ورأيت عنده حجرا يصب عليه الماء، ثم يأخذ الماء الذي ينزل منه فيسمح به الشعر الذي ينبت عليه فيحلقه. فكنت عنده جالسا فدخل عليه سبعة نفر أعينهم مشقوقة بالطول حمر، وكانت ثيابهم شعورهم فقال لي: بالفارسية لا تفزع منهم، فهم من مسلمي الجن. فقرأ عليه أحدهم سورة طه والآخر سورة الفرقان وآخر يُلقَّن من سورة الرحمن آيات.

стр. 374

ثم خرجوا وسمعته وهو ساجد يقول في سجوده: اللهم مُنَّ علىَّ بإقبالي عليك، والإصغاء إليك واتصالي بك والفهم عنك والبصيرة في أمرك والنفاذ في خدمتك، وحسن الأدب في معاملتك، ورفع صوته. فقلت له: من أين هذا الدعاء؟ فقال: أُلْهمته، ولقد كنت أدعو به في بعض الليالي، فسمعت هاتفًا بي يقول: إذا دعوت بهذا الدعاء ففخم فإنه مستجاب. فأقمت عنده أربعة وعشرين يوما ثم قال لي حدثني بقصتك كيف وصلت علي ههنا؟ فحدثته، وقال لي: لو علمت أن قصتك هذه ما تركتك عندي هذه المدة لأنك قد شغلت قلوب إخوانك، وقد ندموا على ما فرطوا في أمرك ورجوعك إليهم أفضل من مقامك عندي. فقلت له: إني لا أعرف الطريق. فسكت، فلما كان وقت الزوال قال لي: قم حتى تمضي. فقلت له: أوصني وصية. فقال: عليك بالجوع، وحسن الأدب، فإني أرجو لك أن تلحق بالقوم، وأهدي لك هدية أيضا. اطلب يوم الزيادة بعد العصر بين زمزم والمقام رجلا وصفه لي. ثم قال لي: إذا لقيته فاقرأ عليه¬ السلام واسأله أن يدعو لك. ثم خرج من الكهف وأنا معه، فإذا بسبع قائم على باب الكهف، فتكلم معه بكلام لم أفهمه ثم قال لي: اتبعه فإذا وقف فانظر عن يمينك أو يسارك فإنك تجد الطريق. فسار السبع أمامي ساعة. ثم وقف فنظرت عن يميني، فإذا أنا على عتبة دمشق، فدخلت الجامع فلقيت بعض من كان معنا فحدثتهم الحديث، وخرجنا جميعا ومعنا خلق كثير حتى صرنا إلى ذلك الجبل وذلك الموضع بعينه، فطلبنا الكهف ثلاثة أيام فلم نجده. فقالوا لي: هذا شيء كشف لك وغطى عنا، فكنت أحج كل سنة وألتمس الرجل الذي وصفه لي فما كنت أراه. حتى كان بعد ذلك بثمان سنين رأيته على الصفة والمكان، فسلَّمت عليه فرد السلام، فسألته الدعاء، فدعا لي بدعوات. فقلت له: إن إبراهيم الكرماني يقرئك السلام.

стр. 375

فقال لي: وأين رأيته؟ فقلت: في جبل لبنان. قال: ﵀. قلت: أو قد مات؟ قال: نعم، الساعة دفنته عند إخوتي في الغار الذي كان فيه، وصلينا عليه. فبينا نحن نغسله إذا بالطائر الذي كان يأتيه بقوته قد سقط فلم يزل يضرب بجناحيه حتى مات. فدفناه عند رجليه. ثم قام الرجل فدخل في الطواف فلم أره بعد ذلك رحمه اللَّه تعالى. الثانية عشرة: قال بعضهم أدركتني ضائقة وخوف شديد، فخرجت هائما، فسلكت طريق مكة بلا زاد ولا راحلة. فمشيت ثلاثة أيام، فلما كان في الرابع اشتد بي العطش والحر، وخفت على نفسي التلف ولم أجد في البرية شجرة استظل بها، فوكلت أمري إلى اللَّه، واستقبلت القبلة، فغلبتني عيناي وأنا جالس فرأيت شخصًا في المنام فصافحني وقال: أبشر أنت تسلِّم وتصل إلى بيته الحرام وتزور قبر نبيه ﷺ . فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا الخضر. فقلت له: ادع لي. فقال: يا لطيف بخلقه، يا خبير بخلقه، ألطف بي يا لطيف يا عليم يا خبير ثلاث مرات. فقلت ذلك. فقال: هذه تحفة بها غنى الأبد، فإذا لحقتك ضائقة أو نزل بك نازلة فقلها، تكفي وتشفى ثم غاب عني وأنا أسمع شخصا ينادي: يا شيخ يا شيخ، فانتبهت. فإذا برجل راكب على راحلة فقال لي: يا هذا رأيت لي شابا صفته كذا وكذا؟ فقلت: لا. فقال: خرج شاب من أهلنا منذ سبعة أيام، وأخبرنا أنه توجه إلى الحج. ثم قال لي: إلى أين تقصد؟ فقلت: حيث ما شاء اللَّه، فأناخ راحلته ونزل عنها، ومد يده على جراب فأخرج منه قرصي سميد وبينهما حلوى، ونزل بسطحية مملوءة ماء.

стр. 376

وقال: اشرب، فشربت وأكلت قرصًا واحدا فاكتفيت به. ثم قال لي: اركب، وركب أمامى وسرنا ليلتين ويوما فالتحقنا بالقافلة، فسأل عن الشاب فأخبر أنه في القافلة. فتركني ومضى، ثم أتاني بعد ساعة والشاب معه وقال: يا ولدي هوَّن اللَّه علي بالاجتماع بك اجتماعي بهذا الرجل. ثم ودعتهما وانصرفت ولحقني الرجل بكاغدة وناولني إياها، وقبَّل يدي وانصرف. فوجدت بها خمسة دنانير مصرية، اكتريت منها إلى مكة، وتزودت ببقيتها، وحججت تلك السنة، وزرت النبي ﷺ والخليل. ﵇. وكلما أدركتني ضائقة أو نازلة أذكر تلك الكلمات التى علمنى الخضر وأعترف بفضله ومنه، وأشكره على نعمته. تمن على ذي العرش ما شئت إنه … مجيد كريم لا يُخَيِّبُ سائلا الثالثة عشرة: عن الليث ﵀ قال: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، فأتيت مكة. فلما صليت العصر رقيت أبا قبيس، فإذا رجل جالس وهو يدعو فقال: يا رب حتى انقطع نفسه ثم قال: يا اللَّه يا اللَّه حتى انقطع نفسه. ثم قال: يا حي يا حي كذلك. ثم قال: يا رحيم كذلك، ثم قال: يا أرحم الراحمين سبع مرات. ثم قال: اللهم إني اشتهيت هذا العنب فأطعمنيه. اللهم إن بُرْدِي قد خلق. قال الليث. فواللَّه ما استتم كلامه حتى أُتِيَ بسلة مملوءة عنبًا، وليس على الأرض يؤمئذ عنب. وبردين موضوعين، فأراد أن يأكل. فقلت: أنا شريك. فقال لي: ولم؟ قلت: لأنك كنت تدعو وأنا أؤمن. فقال لي: تقدم فكل ولا تُخبأ منه شيئًا فتقدمت وأكلت شيئًا لم آكل مثله قط، وإذا عنب لا عجم فيه، فأكلت حتى شبعت، والسلة لم تنقضي شيئا. ثم قال: خذ أيَّ البردين شئت. فقلت: أنا أغنى عنهما. قال: توار عني حتى ألبسهما، فتواريت عنه. فائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر،

стр. 377

ثم أخذ البردين الذين كانا عليه فجعلهما على يديه، ونزل. واتبعته حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال: اكسنى كساك اللَّه يا ابن رسول اللَّه، فدفعهما إليه. فلحقت الرجل فقلت: من هذا؟ فقال: هذا جعفر بن محمد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فطلبته فلم أجده. الرابعة عشرة: عن بعض المشايخ قال: كان لي زوجة كنت مشغوفًا بها، فبينا أنا عندها في بعض الأيام في البيت نائم أدركتني حالة في المنام فسمعت ما نطقت به وعاينت حركتي، وكانت حالة عظيمة. فلما أفقت قالت: ما شأنك يا سيدي؟ فقلت: ما رأيت؟ قالت: خيرًا. فسكت عنها، ثم خرجت وخليتها. فقالت لخادم لنا ناد لي أمي وأختي، فناداهما. فاجتمعت بهما وقالت جرى لزوجي كذا وكذا. وأخبرتها بالصورة، وقالت واللَّه ما بقيت له بزوجة أبدًا، فإنه مجنون فعزلها أهلها عن ذلك وقصدوا ردها فأبت، فقالوا، تقيمين في الدار حتى نجتمع معه. فلما علمت بذلك أتيت إليها وقلت: ما مقصودك قالت: الفراق وإلا قتلت نفسي، وأنت السبب في ذلك. فقال: أمهليني سبعة أيام. فقالت: نعم، ثم إني وجدت مشقة كبيرة في فراقها، فقصدت رضاها بشيء من الدنيا، فأبت فأرسلت إليها جماعة من أهلي فأبت، فلما تيقنت عزمها على ما ذكرت، لحقني وَلَه وتغيرت أحوالي وتشوش خاطري ولم أجد ما يحمل ذلك عني. فلما بقى من الأجل ليلة واحدة، وقد اشتد بي الحال، وضاقت بي الأرض، رجعت إلى اللَّه وفوضت أمري إليه وعزمت على أن ما يفعله اللَّه أرضى به. ثم دعوت بهذه الكلمات: اللهم يا عالم الخفيات ويا سامع الأصوات، ويا من بيده ملكوت الأرض والسموات، يا مجيب الدعوات استغثت بك واستجرت بك يا مجير أجرني ثلاث مرات. ثم جلست حتى كان النصف الآخر من الليل، وأنا مستقبل القبلة وإذا بها قد

стр. 378

دخلت فقبلت رجلي وقالت: سألتك باللَّه العظيم إلا رضيت عني، فقد تبت مما كنت أطلبه منك. وقد رجعت إلى اللَّه فاسأله أن يقبل توبتي. فقلت: لا أرضى عنك حتى تخبريني بسبب هذا. فقالت: كنت البارحة مصرة على ذلك العزم فأتى رجل في المنام وبيده اليمنى سوط، وفي الأخرى سكين وقال لي: إن رجعت عن هذا الأمر وإلا قتلتك بهذا السكين، ثم جلدني ثلاث جلدات. فانتبهت مرعوبة وحرارة ذلك الضرب في قلبي فقعدت ساعة ثم نمت فرأيت الرجل بعينه قد أتاني وبيده السوط والسكين، وقال لي أما حذرتك ووعظتك وأمرتك، ثم رفع يده على. فانتبهت مرعوبة وأتيت إليك مسرعة لتقبل توبتي وترضي عني وتسأل اللَّه لي. ثم كشفت عن جسدها فرأيت أثر ثلاث ضربات فقلت لها: يتوب اللَّه عليَّ وعليك، وقد رضيت عنك في الدنيا والآخرة. فقالت: صداقي هبة لك، شكرا للَّه، وعندي عشرون دينارا من حليتي، وهي وثيابي للفقراء شكرا للَّه. فلما أصبحت فعلت ذلك. ثم نظرت لطف اللَّه بي، وعلمت أنه ثمرة الرضا علي ما فعل، وتيقنت أن الأمور كلها بيده ثم أقمت معها بعد ذلك سبع سنين وأنا في أكمل مسرة، ثم ماتت فرأيتها في المنام في أجمل صورة وعليها من الحلي والحلل ما لا أطيق وصفه. فقلت لها: ما لقيت من ربك؟ فقالت: كما ترى، وأنا منتظرة لقاك رضي اللَّه عنك، كما رضيت عني. الخامسة عشرة: روى أنه كان على عهد رسول اللَّه ﷺ رجل يتجر من الشام إلى المدينة ومن المدينة إلى بلاد الشام. ولا يصحب القوافل توكلا على اللَّه. فقدم مرة من الشام يريد المدينة، إذ عرض له لص على فرس فصاح بالتاجر، فوقف وقال شأنك مالي وخلِّ سبيلي. فقال له اللص: المال مالي، وإنما أريد نفسك. فقال له: التاجر: انظرني حتى أتوضأ وأصلي وأدعو ربي قال: افعل ما بدا لك.

стр. 379

فقام التاجر فتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم رفع يديه وكان من دعائه يا ودود ثلاثا يا ذا العرش المجيد يا مبدئ يا معيد يا فعال لما تريد أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك وبرحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت، يا مغيث أغثني ثلاثًا. فلما فرغ إذا بفارس على فرس أشهب وعليه ثياب خضر وبيده حربة من نور، فلما نظر اللص قتله ثم رجع إلى التاجر وقال: اعلم أني ملك من ملائكه السماء الثالثة حين دعوت المرة الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة فقلنا: أمر حدث، ثم دعوت الثانية ففتحت أبواب السماء ولها شرر كشرر النار. ثم دعوت الثالثة فهبط جبريل وهو ينادي من لهذا المكروب، فدعوت ربي أن يوليني قتله، واعلم يا عبد اللَّه أن من دعا بدعائك هذا في كل كربة وشدة وكل نازلة، فرج اللَّه عنه وأعانه، وجاء التاجر سالما غانما حتى دخل المدينة، وجاء إلى رسول اللَّه ﷺ وأخبره بالقصة وبالدعاء. فقال ﷺ : "لقد لقنك أسماءه الحسنى التي إذا دعي بها أجاب، وإذا سئل بها أعطى". السادسة عشرة: روى أنه كان بالكوفة رجل يكاري ويثق به التجار ويأمنونه على أموالهم، فسار وحده في وقت. فلما خرج من العمران لقيه في طريقه رجل فقال: أين تريد؟ فقال المكاري: أريد كذا وكذا. فقال له الرجل: لولا قلة مقدرتي على المشي لكنت رفيقك إليها، لكن إن شئت أعطيتك دينارًا، وتحملني على دابتك. فقال له: أفعل. فأخذه وحمله على دابته، فلما صار في بعض الطريق ظهر لهما طريقان. فقال الراكب لصاحب الدابة أيهما نأخذ؟ فقال: الزم الجادة. فقال له الراكب: أليس هذا الطريق أقصر وأخصب لدابتك؟ فقال: ما سلكتها قط. قال: أنا سلكتها مرارا كثيرة. قال: فسر حيث شئت، فسار من النهار حتى رفَّت تلك الطريق، ورمتهم إلى وادٍ مُوحش فيه جيف القتلى كثيرة.

стр. 380

فقال المكاري: أرى هذه الطريق قد انقطع. فنزل الرجل عن الدابة وأخرج سكينا وقصد قتل المكاري. فقال له: لا تفعل ودونك البغل وما عليه. قال: لا واللَّه لا آخذ البغل حتى أقتلك. فقال له: سألتك باللَّه العظيم إلا ما تركتني وأخذت البغل بما عليه. فقال: لا بد من قتلك إلا أن يسبقني ملك الموت. قال: فدعني أختم عملي بركعتين ولا تعجل عليَّ فضحك من كلامه وقال: قم فافعل فإنه قد فعل مثل ذلك كل من ترى، فما نفعتهم صلاتهم ولا خلصهم مني، فعجِّل صلاتك. فقام يصلي، فكبر، ثم قرأ بأم القرآن ثم تلجلج ولم يدر ما يقول، فنهره وقال: عجِّل: لا أم لك فألهمه اللَّه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (١). فرفع صوته وهو يبكي، فإذا بفارس قد خرج من بطن الوادي وبيده رمح، وفي رأسه سنان كأنه كوكب مضيء فأجاب، فقصد الرجل أسرع من اللحظة فطعنه طعنة من ورائه خرَّ بها على وجهه. ثم التهب في المكان الذي وقع فيه النار. فلما رأى ذلك صاحب الدابة خر ساجدا للَّه ما شاء اللَّه، ثم رفع رأسه إلى الفارس وقال: سألتك باللَّه الذي رحمني بك من هذا المكان من أنت؟ فقال: أنا عبد لمن يجيب المضطر إذا دعاه. اذهب حيث شئت فلا بأس عليك. وأنشدوا: لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا … وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد فقلت يا أملي في كل نائبة … ومن عليه لكشف الضر أعتمد أشكو إليك أمورا أنت تعلمها … ما لي على حملها صبر ولا جلد وقد مددت يدي بالصبر مبتهلًا … إليك يا خير من مدت إليه يد فلا تردنها يا رب خائبة … فبحر جودك يروي كل من يرد السابعة عشرة: حكى أن بعض الملوك غضب على بعض الفقراء، فبنى عليه قبة ولم يترك له منفذا ومنعه الطعام والشراب.

стр. 381

فلما كان بعد ثلاث وجد الفقير خارجا في عافية فأخبر الملك بذلك، فأحضره فقال له: ما الذي نجاك من هذه الشدة، وفرج عنك هذه الكربة وأنقذك مما كنت فيه. ما سبب خلاصك؟ قال له: دعاء دعوت به. قال: وما هو؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك يا لطيف ثلاثا، يا من وسع لطفه أهل السموات والأرض، أسألك أن تلطف بي من خفي خفي خفيِّ لطفك الخفي الخفي الخفيّ الذي إذا لطف به لأحد من عبادك كفى. فإنك قلت وقولك الحق: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] الآية. الثامنة عشرة: حكى أن امرأة إسرائيلية كان لها دار بجوار قصر الملك، وكانت تشين القصر وكلما رام الملك منها بيع الدار تأبى، فخرجت في سفر، فأمر الملك بهدمها. فلما جاءت قالت من هدم داري؟ قيل: الملك، فرفعت رأسها على السماء، وقالت إلهي وسيدي ومولاي غبت أنا وأنت حاضر، للضعيف معين، وللمظلوم ناصر، ثم جلست فخرج الملك في موكبه، فلما نظر إليها قال: ما تنتظرين قالت: انتظر جواب قصتك. فهزئ بقولها وضحك، فلما جن عليه الليل خسف به وبقصره، ووجد على بعض حيطانه مكتوب: أتهزأ بالدعاء وتزدريه (١) … وما يدريك ما صنع الدعاء سهام الليل لا تخطئ ولكن … لها أمد وللأمد انقضاء وقد شاء الإله بما تراه … فما للملك عندكم بقاء

стр. 382

مجلس في الصمت قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (١). وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (٢). وروينا في جامع الترمذي (٣) مصححا من حديث معاذ قلت: يا رسول اللَّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: لقد سألتني عن عظيم، وأنه ليسير على من يسره اللَّه عليه، تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل. قال: ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٤) حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 383

ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ "، قلت: بلى يا رسول اللَّه. قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا نبي اللَّه، فأخذ بلسانه. قال: "كف عليك هذا"، فقلت: يا نبي اللَّه، وإنا لمؤاخذون مما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" (١). ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك: فالأول عن ذي النون المصري -رحمة اللَّه عليه- قال: بينا أن أسير في نواحي الشام إذ وقعت في روضة خضراء، وفي وسطها شاب قائم يصلي تحت شجرة تفاح، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، فلم يرد علي السلام. فسلمت عليه ثانيا فأوجز في صلاته، ثم كتب في الأرض بإصبعه: منع اللسان من الكلام لأنه … كهف البلاء وجالب (٢) الآفات فإذا نطقت فكن لربك ذاكرًا … لا تنسه واحمده في الحالات قال ذو النون: فبكيت طويلًا وكتبت بإصبعي في الأرض: وما من كاتب إلا سيبلى … ويبقى الدهر ما كتبت يداه فلا تكتب بكفك غير شيء … يسرك في القيامة أن تراه قال: فصاح الشاب صيحة فارق الدنيا. فقمت لآخذ في غسله ودفنه، وإذا بقائل يقول: خل عنه فإن اللَّه وعده أن لا يتولى أمره إلا الملائكة. قال ذو النون: (٣) فقمت إلى شجرة فركعت عندها ركعتين، ثم أتيت الموضع

стр. 384

الذي مات فيه فلم أجد له أثرا ولا أعرف له خبرا - رحمه اللَّه تعالى. فائدة: قال محمد بن حازم: قال وهب: وجدت العزلة كلها في كف اللسان. وقال وهب: يقال الحكمة عشرة، فتسعة منها في الصمت، والعاشر في عزلة الناس. قال: فعالجت نفسي على الصمت، فلم أجدني أضبط كل ما أريد منه. فرأيت أن هذه الأجزاء العشرة عزلة الناس. الثانية: عن ميمون بن مهران (١) قال: جاء رجل إلى سلمان فقال: أوصني، قال: لا تتكلم، فإن تكلمت تكلم بحق أو اسكت. قال: زدني، قال: لا تغضب. قال: إنه ليغشاني ما لا أملكه. قال: فإن غضبت أملك لسانك ويدك. قال: زدني، قال لا تلابس الناس. قال: لا يستطيع من عاش في الناس أن لا يلابسهم قال: فإن لابستهم فاصدق الحديث وأد الأمانة. فائدة: قال عطاء بن رباح: "أن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، يعدون فضوله ما عدا كتاب اللَّه أن تقرأه وتأمر بمعروف وتنهى عن المنكر، أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها أتنكرون أن عليكم حافظين كرامًا كاتبين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (٢) الآية أما يستحي أحدكم لو نشرت عليه صحيفته التي (أخلا) (٣) صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه.

стр. 385

نادرة: قال صالح بن أبي الأخضر (١): قلت لأيوب أوصني قال: اقلل الكلام. الثالثة: عن محمد بن رافع (٢) قال: أقبلت من بعض بلاد الشام، فبينا أنا في بعض الطريق رأيت رجلًا عليه جبة من الصوف وبيده ركوة. فقلت: أين تريد؟ قال: لا أدري، فظننته موسوسًا. فقلت: من خلقك؟ فاصفر لونه حتى خلته صبغ بزعفران، ثم قال: خلقني من لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. فقلت: رحمك اللَّه أنا من إخوانك، ومن يأنس إلى أمثالك فلا تنقبض عني، فقال: واللَّه لو جاز لي ترك الجماعات حتى أنفرد في شاهق منيف صعب المرتقى. أو في غار موحش لعلي أجد قلبي ساعة يسلو عن الدنيا وأهلها فعلت. فقلت: وما جنت عليك الدنيا حتى استحقت عليك هذا البغض؟ فقال: (حنانا) (٣) بها. فقلت: هل من دواء يعالج به هذا العمى الذي قد حجب مني ما يراد بي. قال: ما أراك تقدر على العلاج فاستعمل من الدواء أيسره. قلت: صف لي دواء لطيفًا. قال: فما داؤك؟ قلت: حب الدنيا. فتبسم وقال: أي فرحة أعظم من هذه، ولكن اشرب السموم الطريفة والمكارم الصعبة.

стр. 386

قلت: ثم ماذا؟ قال: الوحشة التي لا أنس فيها، والتفرقة التي لا اجتماع فيها. قلت: ثم ماذا؟. قال: السلو عما تريد، والصبر على ما لا تحب، وإن أردت فاستعمل هذا وإلا فتأخر واحذر الفتن التي كأنها قطع الليل المظلم. قلت: فدلني على عمل يقربني من اللَّه. فقال: يا أخي قد نظرت في جميع العبادات. فلم أر أنفع من الفرار من الناس وترك مخالطتهم، وقلة الكلام، يا أخي رأيت القلب عشرة أجزاء، فتسعة مع الناس وجزء مع الدنيا، فمن يقوى على الانفراد بتسعة أجزاء من القلب. ثم غاب عني فلم أره. الرابعة: عن أبي سلمان المغربي قال: كنت أحمل الحطب من الجبل وأتقوت من ثمنه، وكان طريقي فيه التوقي والتحري. فرأيت في المنام جماعة من البصريين فيهم الحسن البصري وفرقد السبخي (١) ومالك بن دينار، فسألتهم من علم حالي فقلت: أنتم أئمة المسلمين دلوني على الحالات التي ليس للَّه فيها تبعة ولا للمخلوق فيه منة. (٢) فمكثت آكل ثلاثة أشهر نيًّا ومطبوخًا في دار السبيل، فظهر لي حديث، فقلت: هذه فتنة. فخرجت من دار السبيل، ومكثت آكل ثلاثة أشهر أخرى، فأوجدني اللَّه تعالى قلبا طيبا حتى قلت إن كان أهل الجنة بهذا القلب فهم واللَّه العظيم في شيء طيب، وما كنت آنس بكلام الخلق. فخرجت يومًا إلى بعض الصهاريج، فجلست عنده وإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية يريد طرسوس. وقد بقى معي قطعيات من ثمن الحطب السالف فقلت: أنا قد قنعت بالحباري (٣)، أعطى هذه هذا الفقير ليأكل به شيئًا. فلما دنا مني أدخلت يدي إلى جيبي لأخرجها، وإذا أنا بالفقير قد حرَّك شفتيه،

стр. 387

وإذا كل ما حولي ذهب يتقد، كاد يخطف بصري، ولبستني منه هيبة، فجاء فلم أسلم عليه من هيبته. ثم رأيته بعد ذلك خارج طرسوس جالسًا تحت برج بين يديه ركوة فيها ماء. ثم استدعيت منه موعظة، فمد رجله وقلب الماء ثم قال: إن كثرة الكلام تنشف الحسنات كما نشفت الأرض هذا الماء، قم يكفيك. شعر: كن عن جميع الخلق مستوحشا … مستأنسًا بالواحد الحق واصبر فبالصبر تنال المنى … وارض بما يجري من الرزق واحذر من النطق وآفاته … فآفة المؤمن في النطق وجدَّ في السير وشمر كما … شمر أهل السبق للسبق أولئك الصفوة ممن سما … وخيرة اللَّه من الخلق

стр. 388

مجلس من ترك الغيبة قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (١) الآية. فنهى عنها، ونفر منها بما ذكر بعد، وحذر ورغب في التوبة. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (٢). نهى عن اقتفاء ما لا علم له بإباحته، أو تشريعه ولو قيل: المعنى ما ليس لك به علم نافع، لساغ، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٣). فينبغي للعاقل التحفظ من ذلك والإمساك عن الكلام، إلا ما ظهر فيه المصلحة، وقد ينجز المباح إلى غيره، فالإمساك أحوط. فلا تكتب بكفك غير شيء … يسرك في القيامة أن تراه وروينا من حديث أبي هريرة ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم (٤).

стр. 389

قال: "ذكرك أخاك بما يكره". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول، فقد أغتبته وإن لم يكن فيه، فقد بهته" (١) رواه مسلم وعن أنس بن مالك ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" (٢) رواه أبو داود. وفيه والترمذي وقال حسن صحيح من حديث عائشة: قالت: "قلت لرسول اللَّه حسبك من صفية كذا وكذا". -قال بعض الرواة يعني قصيرة- قال: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته" قالت: وحكيت له إنسانا. فقال: "ما أحب أني حكيت إنسانا وإن لي كذا وكذا" (٣). ومعنى مزجته: خالطته يتغير طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وإنه لزجر بليغ عنها فشيء يخالط البحر المحيط بالدنيا لا أقبح منه. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" (٤). هو ظاهر في السكوت عند عدم الخيرية. وفيهما من حديث أبي موسى: قلت: يا رسول اللَّه أيُّ المسلمين أفضل؟

стр. 390

قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (١). وفيهما من حديث أبى هريرة مرفوعًا: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها ينزل بها الى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب" (٢). ومعنى يتبين: يتفكر أنها حرام أو لا. وفيهما من حديث سهل مرفوعًا: "من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة" (٣). ورواية الترمذي مصححًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من وقاه اللَّه تعالى شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة" (٤). وروينا في صحيح البخاري عنه مرفوعًا: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه تعالى ما يلقى لها بالا يرفع اللَّه لها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط اللَّه لا يلقى لها بالا يهوى بها في جهنم" (٥). قلت: فليحذر من المعرّات ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وروينا في موطأ مالك، وجامع الترمذي من حديث بلال بن الحارث المزني مرفوعًا: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه تعالى ما كان يظن أن يبلغ ما
следующие страницы →