← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من حلف فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا اللَّه، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك، فليتصدق" (٢). أخرجاه، آخر المناهي وللَّه الحمد، وعدة أحاديثه وجملتها نحو الثلاثمائة.

стр. 492

مجلس في الصدقة والإيثار والمواساة قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١) وهو لائح من مدح الإيثارة وأهله. وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ (٢) وهو محتمل لما ترجمنا به وللجود أيضًا وهذه صفة عباد اللَّه الذين يشربون من كافور، ومن توقى شر ذلك اليوم يلقى نضرة وسرورًا، وما أعظمه من وصف. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شرٌّ لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى" (٣). وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: "من يُضَيِّف هذا الليلة ﵀". فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول اللَّه، فانطلق به إلى رحلة، فقال لامرأته هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني. (٤).

стр. 493

قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئ السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: "لقد عجب اللَّه من صنيعكما بضيفكما الليلة" (١) وهو أبلغ مدح مرغب في ذلك في الإثيار ومبين أنه من اللَّه تعالى بمكان، كما يشعر به قوله ﷺ : "لقد عجب اللَّه" إلى آخره. وفيه من أسباب الإيثار تعظيم الحقوق المشعر به قول الأنصاري: أكرمي ضيف رسول اللَّه ﷺ . وروينا من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "طعام الإثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة" (٢). ولمسلم: "طعام الواحد يكفي الإثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية" (٣). فيه دفع خصاصة المواسي إذا واسا من كفايته. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن في سفر مع رسول اللَّه ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له" (٤). قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.

стр. 494

قلت: هو مشتمل على أنواع من البر. وصرفه البصر إشارة إلى السؤال. وفي الحديث السالف صدح بأنه مجهود فلا منجا بعد بؤس. (١). وروينا في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد في قصة البردة وأنه ﷺ أخذها، وأن سائلا سألها فدفعها إليه رجاء أن تكون كفنه فكانت كفنه. ولو ذكر في باب الجود كما فعل القشيري لكان أجود. وروينا في الصحيحين من حديث أبي موسى مرفوعًا: "إن الأشعرين (٢) إذا أرملوا في الغزو، وقل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان في ثوب واحد، ثم اقتسموا بينهم في إناء واحد بالسويَّة، فهم مني وأنا منهم" (٣). معنى أرملوا: فرغ زادهم أو قارب الفراغ. وأما الحكايات: فالأولى عن الشبلي قال: خرجت ذات يوم أريد البادية فرأيت شابًا صغيرا نحيف الجسم أشعث أغبر عليه ثياب رثة، وهو جالس في الجبانة يمرغ خديه بين القبور وجعل يرمق السماء تارة بعد تارة، ويحرك شفتيه وتسيل الدموع من عينية وهو مستغرق في الذكر والاستغفار، فلا يشغله شاغل عن التسبيح والتقديس والتحميد والتعظيم، فلما رأيت الشاب على تلك الحال مالت نفسي إليه وطابت إلى لقائه فتركت الطريق التي أروح عليها وقصدت نحوه فلما رآني أقبلت إليه انتفض من مكانه وقام يمشي هاربًا فنهضت في إثره لعلى ألحقه فلم أقدر على إدراكه فقلت له: رفقًا يا ولي اللَّه، فقال: اللَّه.

стр. 495

فقلت: بحقه إلا ما صبرت، فأشار بأصبعه لا أفعل، وقال: اللَّه، فقلت له إن كان حقا ما تقول فأرني صدقك مع اللَّه، فنادي بصوت عال يا اللَّه، فوقع في الأرض مغشيا عليه، فدنوت منه فحركته فإذا هو ميت من ساعته، فتوهمت من ذلك وتعجبت من حالة صدقه مع اللَّه تعالى. وقلت: يختص برحمته من يشاء، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه ثم تركته في موضعه وسرت إلى حي من الأحياء لآخذ في جهازه وإصلاح شأنه. فلما رجعت إليه حجب عني، فطلبته في المكان فلم أجد له أثرًا ولا سمعت له خبرًا، فبقيت متحيرًا في أمر هذا الشاب وقلت: من سبقني إليه فسمعت قائلا يقول: يا شبلي قد كفيت أمر الفتى وما تولاه إلا الملائكة فعليك أنت بعبادة ربك، وأكثر الصدقة من مالك، فما بلغ الفتى ما بلغ إلا بصدقته يومًا في الدهر؟ فقلت: سألتك ياللَّه إلا ما أخبرتيني بصدقته يوما في الدهر ما هي؟. فقال: يا شبلي إن هذا الفتى كان في أول عمره مذنبا عاصيا فاسقا زانيا فعرض اللَّه عليه رؤيا أفزعته وأتلفته وهي أنه رأى في المنام إحليله قد رجع ثعبانًا ودار بفيه ثم انطلق من فيه لهب النار فأحرقه حتى عاد كالفحمة السوداء فقام مسرعًا مرعوبًا وخرج فارًا بنفسه مشتغلًا بعبادة ربه، وله اليوم منذ رجع إلى الطاعة اثني عشرة سنة وهو على حالة التضرع والخشوع. فلما كان أمس وقف له سائل سأله قوت يومه فخلع ثيابه وسلمها إليه، ففرح السائل بذلك وبسط كفيه ودعا له بالمغفرة، فأجاب اللَّه دعاءه فيه ببركة الصدقة التي فرَّحَهُ بها كما جاء في الحديث: "اغتنموا دعوة السائل عند فرحة قلبه بالصدقة". الثانية: عن أبي جعفر بن خطاب ويقال إنه من الأبدال، قال: وقف على بأبي سائل، فقلت لزوجتي: هل معك شيء، قالت: أربع بيضات. فقلت ادفعيهن للسائل، ففعلت. فلما انصرف السائل أهدي إلي بعض إخواني مخلاة فيها بيض فقلت لزوجتي كم بيضة فيها؟ فقالت ثلاثون بيضة. فقلت لها: ويحك أعطيت السائل أربع بيضات وجاءت ثلاثون أين حساب هذا؟ قالت: هن أربعون إلا عشرًا مكسورات. وقيل: في هذه الحكاية كان ثلاث من البيض التي أعطت للسائل صحاح وواحدة مكسورة، فجاء بكل واحدة منهن عشرة على صفتها.

стр. 496

الثالثة: عن أبي أمامة الباهلي أنه كان يحب الصدقة ويجمع لها الذهب والدراهم والفلوس وكان لا يقف به سائل إلا أعطاه ما يتهيأ له حتى يضع في يد أحدهم البصلة. قالت مولاته: فأصبحنا ذات يوم وليس في بيته من الطعام شيء، ولم يكن عنده غير ثلاثة دنانير، فوقف به سائل فأعطاه دينارًا، ثم وقف آخر فأعطاه الثاني، ثم وقف آخر فأعطاه الثالث. قالت فغضبت وقلت: لم يبق لنا شيء، فاستلقى على فراشه وأغلقت عليه باب البيت حتى أذن المؤذن بالظهر فجئته وأيقظته فراح إلى مسجده صائمًا. فرفقت عليه واستقرضت، ما اشتريت به عشاء وهيأت سراجًا وصنعت مائدة، ودنوت من فراشه لأمهده له، فرفعت الوسادة فإذا بذهب، فقلت في نفسي ما صنع الذي صنع إلا ثقته بما جاء به، فعددتها فإذا هي ثلاثمائة دينار فتركتها على حالها حتى انصرف من صلاة العشاء. فلما دخل ورأى ما هيأت له حمد اللَّه وتبسم في وجهي فقال: هذا خير من غيره، فجلس يتعشى فقلت: يغفر اللَّه لك ورفعت الوسادة. فلما رأى ما تحتها فزع وقال: ويحك ما هذا؟. قالت: لا علم لي به إلا أني وجدته على ما ترى فكثر فزعه وعلم أن ذلك بسبب الصدقة بالثلاثة دنانير وأن اللَّه تعالى عوضه ذلك. الرابعة: حكى أن امرأة تصدقت برغيف على سائل، ثم خرجت تحمل غداء زوجها، وكان يحصد زرعه، فمرت بروضة ومعها ابن لها، وإذا بسبع قد التقم ابنها وإذا يد قد لطمت السبع، فقذف الطفل من فيه. وإذا بصوت يسمع منه خذي ولدك فقد جازيناك لقمة بلقمة. الخامسة: عن عطاء قال: كان أبو عبد الرحمن بن حبيب يؤتي بالطعام إلى المسجد فربما استقبلوه في الطريق فيطعمه للمساكين فيدعون له بالبركة فيرد عليهم دعاءهم ويقول: قالت عائشة: "إذا تصدقتم فدعى لكم فردوا الدعاء حتى يبقى لكم أجر ما تصدقتم به". السادسة: كان علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يحمل جراب الخبز على ظهره ويتصدق به ليلًا ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب، وكان إذا أتاه سائل رحب به وقال: مرحبًا بمن يحمل زادي إلى الآخرة. السابعة: قال سفيان: جاء رجل من أهل الشام فقال: دلوني على صفوان بن

стр. 497

سليم (١) فإني رأيته دخل الجنة فقلت: بأي شيء؟ قال: بقميص كساه إنسانا قال بعض إخوان صفوان فسألته عن القميص فقال: خرجت ليلة على المسجد في ليلة باردة فإذا برجل عار، فنزعت قميصي فكسوته. وقال أبو مروان: انصرفت مع صفوان إلى منزله فجاء بخبز يابس فوقف ببابه سائل، فأعطاه شيئًا فاتبعته لأنظر ما أعطاه فإذا هو يقول: أعطاه اللَّه أفضل ما أعطى أحدًا من خلقه. فقلت له: ماذا أعطاك؟ قال: أعطاني دينارًا. فائدة: قال بشر بن الحارث: الصدقة أفضل من الحج، قيل ولم ذاك؟ قال: لأن الحاج يركب ويرجع فيراه الناس، وذاك يعطي سرًا لا يراه إلا الرب تعالى. الثامنة: حكى أنه كان قاضي الري غني، فجاءه فقير يوم عاشوراء (٢) فقال: أعز اللَّه القاضي أنا رجل فقير ذو عائلة وقد جئتك متشفعًا بحرمة هذا اليوم لتعطينني عشرة أمنان خبزًا، وخمسة أمنان لحمًا ودرهمين. فوعده القاضي على وقت الظهر فدافعه إلى العصر، فلما جاءه العصر لم يعطه شيئًا. فذهب الفقير منكسرًا، فمر بنصراني جالس بباب داره فقال له بحق هذا اليوم أعطني شيئًا. فقال النصراني: وما هذا اليوم؟ فذكر له الفقير من صفاته شيئًا. فقال لي النصراني اذكر حاجتك؟ فقد أقسمت على تعظيم الحرمة، فذكر له ما

стр. 498

سلف فأعطاه عن الخبز عشرة أقفز حنطة، وعن اللحم مائة، وعن الدرهمين عشرين درهما. وقال هذا لك ولعيالك ما دمت حيا في كل شهر كرامة لهذا اليوم. فذهب الفقير إلى منزله، فلما كان الليل ونام القاضي سمع هاتفًا: ارفع رأسك، فرفع رأسه فأبصر قصرًا مبنيا بلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وقصرًا من ياقوته يبين ظاهره من باطنه. فقال: إلهي ما هذان؟ فقيل له: هذان كانا لك لو قضيت حاجة الفقير، فلما رددته صارا لفلان النصراني. فانتبه مرعوبا ينادي بالويل فغدا على النصراني. فقال له: ما الذي فعلت البارحة من الخير؟ قال: وكيف ذلك؟ فذكر له الرؤيا، ثم قال: بعني الجميل الذي فعلته مع الفقير بمائة ألف درهم. فقال: لا أبيع ذلك بملئ الأرض ذهبًا. ثم قال ما أحسن معاملة هذا الرب أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، وإن دينه هو الحق. لا يلحقنَّك ضجرة من سائل … فدوام عزك أن تُرَى مسئولًا لا تصرفنَّ بالرد وجه مؤمل … فلخير يومك أن ترى مأمولًا واعلم بأنك عن قليل صائر … خيرًا فكن خيرًا يروى جميلًا يلقى الكريم فيستدل ببشره … وترى العبوس على اللئيم ذليلًا وما أحسن قول ذلك السائل وقد وقف على جمع ﵀: من جاد من يسره، أو آثر من قلة أو واسا من كفاف؟ فقالوا: لم يترك لأحد منا عذرًا.

стр. 499

مجلس في الجد في العمل وترك العجب به قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ (١) الآية. روينا في الصحيحين من حديث عائشة أن رسول اللَّه ﷺ : كان يقوم حتى تنفطر قدماه، فقيل له: لم تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (٢). وروينا في جامع الترمذي من حديث أنس مرفوعًا: "لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه العجب" (٣). ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك: فالأولى: حكى أن عيسى ﷺ مر هو ورجل من الحواريين بلصٍّ في قلعة له، ألقى اللَّه في قلبه التوبة فقال لنفسه: هذا عيسى روح اللَّه، وهذا فلان حواريه وأنت يا شقي لص بني إسرائيل قطعت الطريق وأخذت الأموال وسفكت الدماء. ثم هبط إليهما تائبًا على ما كان منه، فلما لحقهما قال لنفسه تريدين أن تمشي معهما، لست لذلك أهلًا، بل خلفهما كالخاطئ المذنب. فالتفت إليه الحواري (٤) فعرفه فقال: انظر إلى هذا الخبيث ومشيه خلفنا. فاطلع اللَّه على ما في قلبه من الندامة وتوبته، وازدراء الحواري به وتفضيله نفسه

стр. 500

عليه وعجبه بها. فأوحى اللَّه إلى عيسى أن مُرْ الحواري واللص أن يستأنفا العمل جميعا، إن اللص قد غفرت له ما مضى لندامته. وأما الحواري فقد حبط عمله لعجبه بنفسه وازدرائه. الثانية: قال أبو حازم إن العبد ليعمل الحسنة (١) تسره حتى يعملها، وما خلق اللَّه سيئة أضرَّ له، فإن العبد ليعمل السيئة تسوءه حتى يعملها، وما خلق اللَّه من حسنه أنفع له منها وذلك أن العبد حين يعمل الحسنة يتحير فيها ويعجب نفسه ويرى أن له فضلًا على غيره، ولعل اللَّه يحبطها ويحبط معها عملًا كثيرا. وإن العبد ليعمل السيئة تسوءه ولعل اللَّه يحدث له بها وجلا فيلقي اللَّه وإن خوفها لفي جوفه. الثالثة: قال سلمان الفارسي ﵄: إذا أسأت سيئة في سريرة، فأحسن حسنة في علانية ليكون هذه بهذه أخرى. وقال علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه: أوحى اللَّه ﵎ إلى نبي من الأنبياء أنه ليس أهل بيت ولا أهل دار ولا أهل قرية يكونون على ما أحب فيتحولون إلى ما أكره إلا تحولت لهم عما يحبون إلى ما يكرهون، وليس من أهل بيت ولا أهل دار ولا أهل قرية يكونون لي على ما أكره فيتحولون من ذلك إلى ما أحب إلا تحولت لهم عما يكرهون إلى ما يحبون. الرابعة: قال أبو حازم لا يحسن أحد فيما بينه وبين اللَّه إلا أحسن اللَّه ما بينه وبين العباد ولا يعوز ما بينه وبين اللَّه إلا أعوز اللَّه ما بينه وبين العباد. ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها. الخامسة: قال يحيى جاء سائل إلى ابن عمر فقال لإبنه أعطه دينارًا، فلما انصرف قال له ابنه تقبل اللَّه منك يا أبتاه. فقال لو علمت أن اللَّه تقبل مني سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت.

стр. 501

أتدري ممن يتقبل اللَّه؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١). أخرى: وعن علي بن أبي طالب ﵄ قال: ليس الخير أن يكثر مالك وتعظم دارك، ولكن الخير أن يكثر عملك ويعظم حلمك، فلا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل أذنب ذنوبًا فهو يدارك ذلك بتوبة. أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في تقوى وكيف يقل ما يتقبل. أخرى: وقال أبو حازم عجبًا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة، ويدعون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة. أخرى: وقال محمد بن إسحاق: قال أبو حازم إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أول كسادها فإنه لو جاء يوم نَفَاقِها لم يصلوا منها لا إلى قليل ولا إلى كثير. السادسة: حكى أن بعض المرابطين بعسقلان قام ذات ليلة يريد التهجد على السطح فإذا هو بهاتف يقول: يا معشر العباد قسمت العبادة ثلاثة أجزاء أولها قيام الليل وثانيها: صيام النهار، وثالثها: الدعاء والاستغفار والتسبيح، وهذا خير القسمة، فخذوا منه بالحظ الأوفر فسقط العابد على وجهه لما دخله من الصوت. السابعة: قال شقيق البلخي (٢): طلبنا خمسًا فوجدناها في خمس: طلبنا بركة القوت، فوجدناها في صلاة الضحى، وطلبنا ضياء القبور فوجدناه في صلاة الليل وطلبنا جواب منكر ونكير فوجدناه في قراءة القرآن وطلبنا عبور الصراط (٣) فوجدناه

стр. 502

في الصوم والصدقة. الثامنة: روى عن بشر الحافي أنه قال: رأيت رجلا عشية عرفة عليه الوله وهو يبكي وينتحب انتحابًا شديدًا ويقول: سبحان من لو سجدنا بالعيون له على شباك الشوك، والمحمي من الإبر، لم نبلغ العُشر من مِعْشَار نعمته، ولا العُشَيْر ولا عُشْرًا من العُشر. وقال أيضا: كم قد زللت فلم أذكرك في زللي … وأنت يا مالكي بالغيب تدركني كم أكشف الستر جهلًا عند معصيتي … وأنت تلطف بي حلما وتسترني. ثم غاب عني وحجب فلم أره، فسألت عنه فقيل لي هو أبو عبيد الخوَّاص، أحد الخواص له سبعون سنة ما رفع وجهه إلى السماء، فقيل له في ذلك. فقال: إني لأستحي أن أرفع إلى المحسن وجهًا مسيئًا فواعجباه من مطيع يستحي ويتذلل مع إحسانه، ومن عاص لا يتذلل ولا يستحي من عصيانه. التاسعة: عن بعض السلف أنه نام في وقت متوسدا، فأتاه آت في منامه فقال له: قل. فقال: ما أقول؟ قال: قل. يا خل إنك إن توسدت لينًا … وسدت بعد الموت (صم) (١) الجندل فاعمل لنفسك في حياتك صالحًا … فلتندمنَّ من غد إذا لم تفعل العاشرة: عن محمد بن السماك (٢) قال: كان لي جار بالكوفة له ولد وله من قيام الليل وصيام النهار، وكان إذا جنه الليل يبكي وينشد: لما رأيت الليل أقبل خاشعا … بادرت نحو مؤانسي بنحيبي أبكي فيقلقني إليه صبابتي … وأبيت مسرورًا بقرب حبيبي فإذا كان آخر الليل يبكي ويقول عند السحر ذكرت في الليل إذا لاحت معالمه … ما كان أنسى فيه لمولاي ضمنت في القلب حبا قد كلفت به … واللَّه يعلم ما مكنون أحشائي.

стр. 503

قال ابن السماك: وكان أبوه شيخا كبيرًا فسألني يومًا أن أكلم ولده يرفق بنفسه. فبينما أنا ذات يوم جالس على باب داري، ومعي جماعة من أصحابي إذ مر الغلام فناديته: يا فتى إلينا، فأقبل فتأملته، فإذا هو قد صار كالشنِّ البالي لو هبت الريح لرمت به من شدة الضعف، فسلم وجلس، فقلت حبيبي: إن اللَّه قد افترض عليك طاعة أبيك وطاعته، ونهاك عن معصيته كمعصيته. وإن أباك قد أمرنا بأمر فتأذن لنا بالكلام فيه؟ فقال: يا عم لعلك تريد أن تأمرني بتقصير في العمل وترك المبادرة إلى اللَّه. فقلت له: لا واللَّه بدون هذا، يردك هذا الشأن الذي تطلب إن شاء اللَّه. فقال: هيهات إني بايعت على هذا الشأن فتية من الحي على السباق، فجروا واجتهدوا ودعوا فأجابوا ولم يبق غيري، وعملي يعرض عليهم كل يوم مرتين، فما يقولون إذا رأوا خللًا أو تقصيرا؟ ثم قال: يا عم إني بايعت على هذا الشأن فتية فجعلوا الليل لهم مطية. فقطعوا بها عرض المفاوز وسموا بها ذري الشواهق وإذا أصبحوا نظرت إليهم قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر، وفصلت أعضاؤهم بخناجر التعب وخمص البطون من (السدا) (١). لا يقر لهم قرار، ولا يجاورون الأشرار، دُعُوا فأجابوا الملك الجبار. قال ابن السماك: فتركنا واللَّه في حيرة ومضى، وما كان إلا ثلاثة أيام حتى قيل: مات الفتى - رحمة اللَّه عليه. الحادية عشر: عن بعضهم قال: سألت اللَّه تعالى أن يريني مقامات أهل المقابر، فرأيت في منامي في ليلة من الليالي كأن القيامة قد قامت والقبور قد انشقت، وإذا منهم النائم على السندس، ومنهم النائم على الحرير والديباج، ومنهم النائم على الريحان، ومنهم النائم على السرر، ومنهم الضاحك ومنهم الباكي. فقلت: يا رب لو شئت ساويت بينهم في الكرامة قال: فنادى مناد من أهل القبور: يا فلان هذه منازل الأعمال، أما أصحاب السندس فهم أهل الخلق الحسن (٢). وأما أصحاب الحرير والديباج فهم الشهداء، وأما أصحاب الريحان فهم

стр. 504

الصائمون وأما أصحاب الضحك فهم أهل التوبة، وأما أصحاب البكاء فهم المذنبون. وأما أصحاب المراتب فهم المتحابون في اللَّه تعالى. الثانية عشرة: قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵀ نمت ليلة في سياحتي على رابية من الأرض فجاءت السباع فطافت بي وأقامت حولي إلى الصباح، فما وجدت أنسا وجدته تلك الليلة فلما أصبحت خطر لي أنه قد حصل لي شيء من مقام الأنس باللَّه، فهبطت واديا هناك فيه طيور حجل (١) لم أرها، فلما أحست بي طارت في دفعة واحدة كلها، فخفق قلبي رعبًا فسمعت قائلا يقول: يا من كان البارحة يأنس بالسباع، مالك تفزع لخفقات الحجل، ولكنك البارحة كنت بنا والآن أنت بنفسك. وقال أيضًا: جعت مرة ثمانين يومًا، فخطر أنه قد حصل لي نصيب من هذا الأمر، وإذا بامرأة خارجة من مغارة كان وجهها ضياء الشمس حسناء وهي تقول: منحوس جاع ثمانين يوما فأخذ يُدِلُّ على اللَّه بعمله فأنا لي ستة أشهر لم أذق طعامًا. وقال أيضا: قلت يوما وأنا في مفازة في سياحتي: إلهي متى أكون لك عبدًا شكورًا. فسمعت قائلا يقول إذا لم ترى منعما عليه غيرك فقلت: إلهي كيف لا أرى مُنْعَمًا عليه غيري وقد أنعمت على الأنبياء والعلماء والملوك. فإذا قائل يقول: لولا الأنبياء لما اهتديت، ولولا العلماء لما اقتديت، ولولا الملوك لما أمنت والكل نعمة مني عليك. الثالثة عشرة: قال إبراهيم الخواص: دخلت البادية فأصابتني شدة فكابدتها وصابرتها. فلما دخلت مكة داخلني شيء من الإعجاب. فنادتني عجوز من الطواف يا إبراهيم كنت معك في البادية، فلم أكلمك لأني لم أرد أن أشغل سرك عنه، أخرج هذا الوسواس عنك. الرابعة عشرة: قال أبو الحسن المزيِّن دخلت البادية على التجريد حافيًا حاسرًا، فخطر ببالي أنه ما دخل البادية في هذه السنة أحد أشد تجريدًا مني، فحدثني إنسان من ورائي وقال: يا حجام كم تمنيك نفسك بالأباطيل. وأنشدوا:

стр. 505

نظرت في الراحة الكبرى فلم أرها … فقال إلا على حسن من التعب. والجد منها بعيد في تطلبها … وقد تدرك بالتقصير واللعب. الخامسة عشرة: قال أبو يزيد: جمعت فكري وأحضرت ضميري ومثلت نفسي واقفا بين يدي ربي فقال لي: يا أبا يزيد بأي شيء أحببتني؟. قلت: يا رب بالزهد في الدنيا. قال: إنما كان مقدار الدنيا عندي جناح بعوضه. ففيما زهدت منها؟، قلت: إلهي وسيدي أستغفرك من هذه الحالة جئت بالتوكل. قال: يا أبا يزيد ألم أكن ثقة فيما ضمنت لك حين توكلت علي، فقلت: إلهي وسيدي أستغفرك من هاتين الحالتين، جئتك بك أو قال بالإفتقار إليك، فقال: عند ذلك قبلناك. وأنشدوا: دعوه لا تلوموه دعوه … فقد علم الذي لم تعلموه علم الهدى فسما إليه … وطالب مطلبا لم تطلبوه أجاب دعاءه لما دعاه … وقام بحقه وأضعتموه. بنفسي ذاك من ممدوح قرب … وطاعم مطعم لم تطعموه.

стр. 506

مجلس في السخاء قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ (١) الآية. وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵄ مرفوعًا قال: "قال اللَّه : (ابن آدم أنفق أنفق عليك)، وقال: يد اللَّه ملأى سخاء لا يغيضها نفقة شيء الليل والنهار" (٢) وقد تصدق الصديق بكل ماله، وعمر بالنصف. وروى أنه أصاب الناس مجاعة فاشترى حبيب العجمي طعاما وفرقه على الفقراء. ثم أخاط أكياسًا وجعلها تحت رأسه، ثم دعا اللَّه فجاءه أصحاب الطعام يطلبون منه ثمنه، فأخرج حبيب تلك الأكياس فإذا هي مملوءة دراهم فوزنها فإذا هي قدر حقوقهم سواء فدفعها إليهم. وروى أنه أتاه سائل مرة، وقد عجنت امرأته عجينًا وذهبت تجيء بنار لتخبزه فقال للسائل: خذ العجين فأخذه فجاءت وقالت: أين هو؟، قال: ذهبوا به يخبزونه، فلما أكثرت عليه أخبرها بالقصة فقالت: سبحان اللَّه إنه لا بد لنا من شيء نأكله فإذا برجل قد جاء بجفنه عظيمه مملوءة خبزًا ولحمًا. فقالت له: ما أسرع ما ردوه عليك، قد خبزوه وجعلوا معه لحمًا. حكاية أخرى: حكى عن بعضهم أنه كان يتعبد في جبل ويؤتي برغيفين يأتيه بهما طائر أبيض، فجاءه مرة بهما فحضر سائل فأعطاه أحدهما، ثم جاءه آخر فأعطاه نصف الآخر. ثم قال: واللَّه ما هذا النصف بالذي يغني عن هذا الفقير شيئًا ولا هذا النصف بالذي يكفيني ولشبع واحد خير من جوع اثنين، فدفع إليه النصف الآخر. وبات طاويا، فأتي في منامه فقيل له: سل. فقال: أسأل اللَّه المغفرة، فقيل له: إن هذا شيء قد أُعْطِيتَه، فسل غيره، فقال:

стр. 507

أسأل أن يغاث الناس وكان عام جدب، فأغيثوا ببركته وبركة دعائه. حكاية ثالثة: قال ابن مسروق (اخترت) (١) أنا وأبو نصر المحب بالكوخ وعليه إزار له قيمة، وإذا بسائل يقول: شفيعي إليكم رسول اللَّه، فشق أبو نصر إزاره ودفع له نصفه، ثم قال: هذا بخيل، فأعطاه الباقي. حكاية رابعة: عن سلمة بن سلمان قال: جاء رجل إلى ابن المبارك (٢) وسأله أن يقضي عنه دينًا فكتب عبد اللَّه إلى وكيله فقال له الوكيل: كم عليك؟ قال سبعمائة درهم. فكتبت له بسبعة آلاف، وكتب إلى عبد اللَّه بذلك وأخبره أن الغلال فنيت، فكتب إليه عبد اللَّه إن كانت فنيت فإن العمر أيضا قد فنى، فادفع له ما سبق قلمى به. خامسا: قال الوليد بن يسار: جاءت امرأة إلى حسان بن أبي سنان فسألته شيئا فقال حسان لشريكه: زن لها درهمين، فوزن لها مائتين، فعتب في ذلك فقال: إني رأيتها شابة وخشيت أن تحملها الحاجة على ما لا ينبغي، فكرهت ذلك. سادسة: عن حبيب العجمي أنه اشترى نفسه من اللَّه أربع مرات بأربعين ألف درهم، فأخرج عشرة آلاف وقال: يا رب اشتريت منك نفسي بهذه، ثم أخرج مثلها وقال: إلهي إن كنت قبلت الثالثة (٣) فهذه شكرها. سابعة: عن مالك بن أنس قال: كتبت إلى الليث بن سعد أسأله في قليل عصفر نصبغ به ثياب صبياننا فأرسل إلينا ما صبغنا به ثيابنا وثياب صبياننا وثياب جيراننا، وبعنا الفضلة بألف دينار. ثامنة: عن شقيق قال: بينا نحن ذات يوم عند إبراهيم بن أدهم إذ مر رجل فقال: إبراهيم أليس هذا فلان؟. قيل له: نعم، فقال لرجل عنده أدركه وقل له: لم لا تُسلِّم؟. فقال له: قال إن امرأته وضعت وليس عنده شيء، فخرج شبه المجنون قال: فأخبرت إبراهيم فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، كيف غفلنا عن صاحبنا حتى نزل به هذا الأمر؟

стр. 508

ثم قال: يا فلان ائت صاحب البستان فاستلف منه دينارين واشترى ما يصلحه بدينار، وأعطه الآخر، فاشتريت بالدينار من كل شيء، وأوقفت البعير ودفعت ما فيه لأهله وكان غائبًا والدينار الآخر، فقالت: على يدي من بُعِثَ هذا؟ قلت: على يد أخيه إبراهيم بن أدهم، فرفعت طرفها إلى السماء، وقالت: اللهم لا تنساها له. تاسعة: عن بعض الصالحين قال: دخلت مسجدا لأصلي فيه، فإذا فيه رجل عابد، ورجل من التجار جالس قال: فسمعت العابد يقول يا سيدي ومولاي اشتهى عليك اليوم من الطعام لون كذا وكذا، ولون كذا وكذا من الحلوى. فقال التاجر: واللَّه لو سألني لأعطيته، ولكن هذا يحتال عليَّ ويُرائى حتى أُعطيه، واللَّه لا أعطيه شيئًا. فلما فرغ من دعائه نام في ناحية من المسجد، وإذا برجل قد دخل ومعه قعبة مغطاة، فنظر يمينا وشمالا فرأى العابد نائما فأيقظه وترك القعبة بين يديه والتاجر ينظر إليه، فوجد اللون الذي اشتهاه من الطعام والحلوى، فأكل منه قدر شهوته، وغطى القعبة وردها. فقال التاجر للذي جاء بها سألتك باللَّه هل تعرف هذا الرجل قبل اليوم؟ قال: لا واللَّه ما أعرفه، وإنما أنا رجل حمال، وكنت قد اشتهيت على زوجتي وابني هذا اللون منذ سنة، فما طالت يدي إليه، وكان اليوم حملت لرجل فأعطاني مثقالين من الذهب فاشتريت به لحما وغيره، وأتيت به إلى منزلي فصنعته زوجتي فغلبتني عيني فنمت، فرأيت رسول اللَّه ﷺ فقال: قدم اليوم عليكم ولي من أولياء اللَّه، وهو في المسجد، وقد اشتهى ما عملته زوجتك، فأحمله إليه يأكل منه شهوته، ويجعل اللَّه لك البركة فيما بقى وأنا الكفيل لك بالجنة. فانتبهت وجئت به كما ترى. فقال التاجر: قد سمعته يسأل اللَّه ذلك. ثم قال له: كم أنفقت على هذا الطعام؟ قال: مثقالًا، فقال التاجر: خذ مني عشرة مثاقيل فاجعل لي في أجرك قيراطا. قال: لا، قال خذ عشرين، قال: لا، قال: خذ خمسين، قال: لا، قال: خذ مائة، قال: لا واللَّه ما بعت شيئًا مما ضمنه لي رسول اللَّه وتكفله، ولو أُعْطِيتُ الدنيا جميعًا. فلو كان لك نصيب من أجر شهوة هذا الولي لكنت سبقتني أنت إليه، ولكن يختص من يشاء قال: فندم التاجر حيث لا ينفعه الندم، وخرج من المسجد نادمًا على ما فاته.

стр. 509

عاشرة: قال بعض الصالحين: كان لي صديق ابتلى بالجذام حتى ذهبت يداه ورجلاه وعيناه، فأتيت به المجذومين وجعلته معهم، وكنت أتعاهده فغفلت عنه أيامًا ثم انتبهت وقلت: إني قد غفلت عنك. فقال: إن لي من لا يغفل عني. فقلت: واللَّه ما ذكرتك. فقال: إن لي من يذكرني، ثم قال: إليك عني فقد شغلتني عن ذكر اللَّه، فلبثت أيامًا ثم جئت إليه فوجدته قد توفي، فأخرجت كفنًا فيه طول، فقطعت ما فضل عنه وكفنته ودفنته فرأيت في منامي رجلًا وقف عليَّ لم أر أحسن منه صورة. ثم قال: بخلت علينا بكفن طويل، دونك وكفنك قد رددناه عليك. وقد كفناه في السندس والإستبرق قال: فاستيقظت وإذا بالكفن عند رأسي، وأنشدوا: لئن كانت الدنيا تعد نفيسة … فدار ثواب اللَّه أعلى وأنبل وإن كانت الأقسام رزقا مقدرا … فقلة سعى المرء في الرزق أجمل وإن كانت الأجساد للموت أنشئت … فقتل امرء بالسيف في اللَّه أفضل وإن كان الأموال للترك جمعها … فما بال متروك به المرء يبخل

стр. 510

مجلس في بر الوالدين وصلة الرحم قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) الآية. فقضى اللَّه تعالى بالوالدين إحسانا في سلك توحيده مفصلًا ما ينبغي معاملتهما به، وأن يبلغا أو أحدهما عند ولدهما الكبر من الوظائف العشر التي هي كف الأذى بنحو قوله لهما أف، واحتماله ولا ينهرهما فليس إلا قولًا كريمًا، وخفض الجناح لهما تواضعًا وتذللًا ورحمة ورقة وحنانا، أو الدعاء لهما يدا بالعجز عن مكافأتهما، والاعتراف بمكافأتهما بنحو ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] وإضمار حبهما وتعظيمهما والنصح لهما، ولعله المشار إليه بقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ (*). وتدارك مما ربما وقع بغير اختيار من هفوة بالندم والاعتذار والاستغفار، وتلا في ذلك بالإحسان كما هو جلى من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ (*). وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله (٢): ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] فأمر اللَّه تعالى بالوالدين إحسانا، وبذي القربى إلى آخره.

стр. 511

وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (١) أي أن تقطع. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ (٢). قلت: ووعدهم بنحو ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (٤). قلت: فأعظم به من موص لا ترد وصيته. وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (٥). وفيه تكرير الوصية معقبًا بذكر ما يكلف الوالد للولد، وتحمل من أجله وبإيجاب الشكر للَّه تعالى لهما. وروينا في الصحيحين (٦) من حديث عبد اللَّه بن مسعود سألت النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى اللَّه؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟، قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه". ففيه أن بر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيله وفضل الجهاد لا ينحصر، فما أعلاها من رتبة. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه" (٧). ففيه أن الأبوة منزلة لا يجزيها الولد إلا أن يخرج الأب من رتبة الرق إلى كمال الحرية، الوجود بعد العدم، إذ منافعه لغيره وتصرفه مسلوب فوجوده لغيره. وروينا في الصحيحين من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر،

стр. 512

فليقل خيرا أو ليصمت" (١). فأهل البر والصلة هم المؤمنون باللَّه واليوم الآخر. وروينا فيهما من حديثه أيضًا مرفوعًا: "إن اللَّه تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك لك"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "فاقرؤوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢] (٢) الآية. وفي رواية البخاري: "فقال اللَّه تعالى: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته" (٣). فبخاصة الصلة صلة الرب تعالى، فيا سعادة من حصلت له وأربح معاملته. وروينا فيهما من حديثه أيضًا قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ قال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟، قال: "أمك"، قال ثم من؟، قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك" (٤). وفي رواية: يا رسول اللَّه من أحق بحسن الصحبة قال: "أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك ثم أدناك أدناك" (٥). والصحابة بمعنى الصحبة، وقوله ثم أباك هكذا

стр. 513

هو منصوب بفعل محذوف، أي ثم بر أباك. وفي رواية: "ثم أبوك" وهذا أوضح. وفيه أن الأحق بالبر أُمُّ الإنسان، ثم أبوه بعدها ثم الأدنى بعده. وروينا في صحيح مسلم عنه أيضا: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف" قيل: من؟ يا رسول اللَّه. قال: "من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة" (١). قلت: فما أشد حسرته وخسرانه، ولا له من أحد رحمة لعامة تفريطه وشدة مهانته وتهاونه. وروينا عنه أن رجلا قال: يا رسول اللَّه إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال: "لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهُم المَلَّ ولا يزال معك من اللَّه ظهير عليهم ما دمت على ذلك" (٢). وتسفهم: بضم التاء وكسر السين المهملة، وتشديد الفاء، والمَلّ: بفتح الميم، وتشديد اللام وهو الرماد الحار من الألم، فلا شيء على المحسن إليهم لكن ينالهما إثم عظيم بتقصيرهم في حقه، وإدخالهم الأذى عليه. وفيه أن من وصلته رحمة فقطعها كأنما يسفُّ المَلَّ وهو أشد غبنًا وحرقة من الذي قبله. وفيه بيان أنواع من العلة وهي الصلة والإحسان والحلم. وروينا في الصحيحين من حديث أنس مرفوعًا: "من أحب أن يُبسط في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه" (٣).

стр. 514

ومعنى: يُنسأ له في أثره: يؤخر له في أجله وعمره. ففيه فوائد عاجلة وهو بسط الرزق وإطالة العمر. وروينا فيهما عنه: كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالًا. . . الحديث بطوله كما سبق في باب الإنفاق مما يجب. وفيه أن الذي يرجي بره وذخره عند اللَّه جدير أن يوضع في الآخريين، ويوضحه الحديث الذي بعده، فإن فيه الفائدة الآجلة. وروينا في الصحيحين (١) والسياق لمسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو قال: أقبل رجل إلى نبي اللَّه ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من اللَّه، قال: "فهل من والديك أحد حيٌّ؟ " قال: نعم، بل كلاهما. قال: "فتبتغي الأجر من اللَّه؟ "، قال: نعم، قال: "فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما". وفي رواية لهما: جاء رجل فاستأذنه في الجهاد. فقال: "أحيٌّ والداك؟ "، قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد" (٢). وروينا في صحيح البخاري (٣) عنه مرفوعًا: "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها". وقطعت: بفتح القاف والطاء، رحمه مرفوع، وفيه نفي من يقول: لو وصلوني وصلتهم إلى وصل القاطعين، وهو الصلة الحقيقية وغيره مكافأة. وروينا في الصحيحين من حديث عائشة مرفوعًا: "الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله اللَّه، ومن قطعني قطعه اللَّه" (٤).

стр. 515

وفيه ما يشعر بأن الصلة أرجح من صنائع المعروف؛ لأن الرحم معلقة بالعرش، وأي قرب هكذا، ثم هي على مرَّ الأنفاس بقول: "من وصلني وصله اللَّه" وأي دعاء أجمع من هذا أو يسمع له ويستجاب مثله وهل في معروف آخر هكذا. وروينا في الصحيحين من حديث ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين أنها قالت: أعتقت وليدتي فقال: "أوفعلت؟ ". قالت: نعم. قال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" (١). وهو ظاهر في أن صلة الأخوال والأخوات أعظم أجرًا من العتق العظيم أجره. وروينا فيهما من حديث أسماء بنت الصديق قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة، فاستفتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: إن أمي قدمت علي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: "نعم، صلي أمك" (٢). معنى راغبة: طامعة فيما عندي تسألني شيئًا، وهي أمها من النسب على الأصح، وقيل: من الرضاعة. وفيه أن كفر الأرحام ليس بمانع من برِّهم وصلتهم. وفيهما من حديث الثقفية امرأة عبد اللَّه بن مسعود قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "تصدقن يا معشر النساء (٣)، ولو من حليكن". قالت: فرجعت إلى عبد اللَّه فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول اللَّه ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان كاف ذلك يجزي عني وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال لي

стр. 516

عبد اللَّه: بل ائتيه أنت (١). قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول اللَّه ﷺ حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول اللَّه ﷺ قد ألقيت عليه المهابة. قالت فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول اللَّه ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن (٢). قالت: فدخل بلال على رسول اللَّه ﷺ فسأله، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "من هما؟ " فقال إمرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أي الزيانب؟ " قال: امرأة عبد اللَّه. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة" (٣). وفيه أن أجر التصدق لبس بمانع من الصلة بالصدقة حتى يتوقف عنها في أولي الأرحام. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا: "إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما" وفي لفظ: ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها" أو قال: "ذمة وصهرا" (٤). ومعنى الرحم الذي لهم كون هاجر أم إسماعيل ﷺ منهم. والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ منهم، ففيه أن محل الصلة كل رحم قرب أو بعد (٥)،

стр. 517

فلا أبلغ من وصيته ﷺ بأهل إقليم كثير من أجل أن أم جده الأعلى إسماعيل الذبيح ﷺ منهم، وهو الرحم، والصهر سلف. وما أشد صلة من يصل هذه الأرحام البعيدة الكبيرة جدًا. وروينا في الصحيحين (١) من حديث أبي سفيان صخر بن حرب ﵄ حديثه الطويل في قصة هرقل أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم؟. يعني النبي ﷺ . قال: فقلت: يقول: اعبدوا اللَّه وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة (٢) قلت: لأنها كمال ومعروف في كل عقل وكل ملة. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (٣) دعا رسول اللَّه ﷺ قريشا فاجتمعوا فعم وخصّ، فقال: "يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئًا، غير أن لكم رحما سأبُلُّها (٤) ببلالها"" (٥) ومعناه سأصلها، شبَّه

стр. 518

قطعها بالحرارة تطفئ بالماء فتبرد بالصلة، وهذا بمباشرته عليه أفضل الصلاة والتسليم. وروينا في الصحيحين -واللفظ للبخاري- من حديث عمرو بن العاص قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ جهارا غير سر يقول: "إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما وَلِيِّي اللَّه وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحمًا أبلها ببلالها" (١) وفيه نفى وَهْم من يرى صلة رحم فيعتقدها محبة وولاء فيتولاها ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩]، فالكافر والفاجر ونحوهم محل للصلة لا للتولي والمودة. وروينا في الصحيحين من حديث أبي أيوب خالد بن زيد أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ فقال ﷺ : "تعبُد اللَّه ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" (٢) ففيه أن صلة الرحم تُدخل الجنة. وروينا في جامع الترمذي مصححًا من حديث سلمان بن عامر مرفوعًا: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر؛ فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء؛ فإنه طهور"، وقال: "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة" (٣) وفيه المضاعفة في ثواب الصدقة لأنها صدقة وصلة، وكما سلف في الحديث السالف لها

стр. 519

أجران؛ أجر القرابة، وأجر الصدقة. وروينا في سنن أبي داود وجامع الترمذي (١). وقال: حسن صحيح. من حديث ابن عمر قال: "كان تحتي امرأة وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها. فأبيت، فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : "طلقها"". قلت: فقوله له في محبوبته: طلقها. لإرضاء أبيه. وروينا في جامع الترمذي (٢) مصححًا من حديث أبي الدرداء أن رجلا آتاه فقال: إن لي امرأة، وإن أمي تأمرني بطلاقها. قال أبو الدرداء: "سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه". وروينا فيه مصححًا من حديث البراء بن عازب مرفوعًا: "الخالة بمنزلة الأم" (٣) وهو دال على تقارب مراتب الرحم. وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة، منها: حديث أصحاب الغار، وحديث جريج، وسيأتيان. وفي الأول استجابة دعاء من برَّ والديه حتى انفرجت بهم صخرة (٤)، وفي الثاني أنطق اللَّه ابن الراعي ببراءته لبركة عمارة باطنه بالبرِّ. ومن أهمهما حديث عمرو بن عبسة الطويل المشتمل على جمل كثيرة من قواعد الإسلام وآدابه، وسيأتي في باب الرجاء، وفيه قال: "دخلت

стр. 520

على رسول اللَّه ﷺ بمكة. يعني في أول النبوة. فقلت له: ما أنت؟ (١) قال: "نبي". قلت: وما نبي؟ قال: "أرسلني اللَّه". قلت: بأي شيء؟ قال: "أرسلني بصلة الأرحام وكسْر الأوثان، وأن يُوَحَّدَ اللَّه لا يُشرك به شيء"" (٢) وذكر تمام الحديث، وناهيك بهذا. وحاصل هذه الأحاديث بيان مرتبة البِرِّ ومنزلة الأبوة وبيان أهل البر والصلة وخاصتهما ونتائجهما وما يُرغِّب فيها ويغري بها وأحق الناس وشدَّة عين من قوَّمها، ولا سيما إن وصلته رحمه، وأنواع من الصلة وفائدتها ونفعها إن عاجلا وآجلا والتنبيه على ما يظن أنه صلة وليس كذلك، وأرجحية الصلة على كل صدقة ومعروف وما يظن مانعا منها ككفر أو قصد تصدق وليس مانعا، وعظيم موقعها عند العقلاء ومحلها، وما يظن أنه ليس بصلة، وأنها من أسباب دخول الجنة مضاعفة الصدقة، وتأكيد إيثار الرحم على حفظ النفس، وتفاوت مراتب الرحم، واستجابة دعاء الباب الوصول، وخرق العادة لمن يعرض على البر وهو من قصده، وأنه الرسالة الإلهية وناهيك بذلك. وحكي أن اللَّه -سبحانه- أوحى إلى سليمان بن داود ﵉ أن اخرج إلى ساحل البحر تنظر عجبا، فخرج ومن معه من الجن والإنس، فلما وصل إلى الساحل التفت يمينا وشمالا فلم ير شيئًا، فقال لعفريت معه: غُص هذا البحر ثم ائتني بعلم ما تجده. فغاصه ثم رجع بعد ساعة فقال: يا نبي اللَّه، إني ذهبت في هذا البحر مسيرة كذا وكذا فلم أصل إلى قعره ولا نظرت فيه شيئًا. ثم أمر آخر بذلك فأخبره بمثل ما أخبر الأول وغاص مثل الأول مرتين، فقال لآصف بن برخياء. وهو وزيره، وهو المعني بقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٣): ائتني بعلم هذا البحر.

стр. 521

فغاص وجاءه بقبة من الكافور الأبيض لها أربعة أبواب: باب من دُرٍّ وباب من ياقوت وباب من جوهر وباب من زبرجد، والأبواب كلها مفتَّحة ولا يدخل فيها قطرة من الماء، وهي في داخل البحر في مكان عميق مثل ما غاص فيه العفريت الأول ثلاث مرات، فوضعها بين يدي سليمان وإذا في وسطها شاب حسن الشباب نقي الثياب وهو قائم يصلي، فدخل سليمان القبة وسلَّم على الشاب وقال له: ما أنزلك في قعر هذا البحر؟! قال: يا نبي اللَّه، أبي كان رجلا مقعدا، وكانت أمي عمياء فأقمت في خدمتهما سبعين سنة، فلما حضرت أمي الوفاة قالت: اللهم أطل عمر ابني في طاعتك. ولما حضرت وفاة أبي قال: اللهم استخدم ابني في مكان لا يكون للشيطان عليه سبيل فيه. فخرجت إلى هذا الساحل بعدما دفنتهما فنظرت هذه القبة موضوعة فدخلتها لأنظر حسنها، فجاء ملك من الملائكة فاحتملها وأنزلت في قعر هذا البحر. قال سليمان: ففي أي زمان كنت أتيت هذا الساحل؟ قال: في زمن إبراهيم الخليل. فنظر سليمان في التاريخ فإذا له ألفا سنة وأربعمائة سنة، وإذا هو شاب لا شيب في لحيته، فقال له سليمان: ما طعامك وما شرابك داخل هذا البحر؟ قال: يا نبي اللَّه، يأتيني كل يوم طائر أخضر في منقاره شيء أصفر مثل رأس الإنسان فآكله فأجد فيه طعم كل شيء من نعيم الدنيا، فيذهب عني الجوع والعطش والحر والبرد والنوم والنعاس والفترة والوحشة، فقال له سليمان: تحب أن تقف معنا أو نرُدَّك إلى موضعك؟ فقال: رُدَّني يا نبي اللَّه. فأمر بردِّه مكانه فرده آصف، ثم قال لمن حوله: انظروا كيف استجاب اللَّه دعاء الوالدين، فأحذركم العقوق. حكاية ثانية عن الأصمعي (١) قال: مات ابن لأعرابية، فما زالت تبكي حتى خدت الدموع في خدها، ثم قالت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم إنك تعلم فرط حنو الوالدين على ولدهما فلذلك لم تأمرهما ببرهم، وعظمت وزْر عقوق الولد لوالديه، فمن أجل ذلك أمرته ببرِّهما وألزمته طاعتهما، وقد كان ولدي هذا بارا بوالديه فما يكون بر والدين بولدهما، فأخبره عني بذلك صلة ومغفرة ولذّة سرورا ونضرة. فغفر اللَّه له ورحمه بدعاء أمه. ثالثة: قال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل، وإذا أنا برجل يماشيني فعجبت منه ثم ألهمت أنه الخضر (٢)، فقلت له: بحق الحق من أنت؟ قال: أخوك

стр. 522

الخضر. قلت: أريد أسألك. فقال: سل. قلت: ما تقول في الشافعي؟ فقال: صديق. فقلت: بشر. قال: لم يخلق بعده مثله. فقلت له: بأي وسيلة رأيتك؟ قال ببرِّك لأُمك. شعر: ببر الوالدين أصبت خيرًا … وصيرني الإله له وليّا وبوأني (١) به جنات عدن … وفي الفردوس مشترفا عليّا وقربني إليه واصطفاني … وأهدى منه لي لُطفا خفيّا فلازم برَّهم واحذر تُهنهم … فطاوع أمرهم ما دمت حيّا آخره، وللَّه الحمد.

стр. 523

مجلس من إكرام الضيف قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ (١). ومنها: النوع النفعي، وقد اشتملت على وجوه من الإكرام. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ (٢). ومنها: النوع الرفقي. فكرم الضيفان من السادات وعادات السادات. وروينا في حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (٣). وفيه الحث على إكرامه والإلزام بحقوقه وإبراره. وروينا من حديث أبي شريح خويلد بن عمرو مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته". قالوا: وما جائزته يا رسول اللَّه؟ قال: "يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه" (٤). أخرجاه. وفي رواية: "لا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه (٥) ". قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يؤثمه؟ قال: "يقيم عنده ولا شيء له يقريه به، فأقلها يوم وأكثرها ثلاث وما زاد صدقة" (٦). فليحذر ذلك الضيف. وورد من حديث علي قال: "أضافنا رسول

стр. 524

اللَّه ﷺ على الأسودين؛ الماء والتمر، وقال: "من أضاف مؤمنا فكأنما أضاف آدم، ومن أضاف اثنين فكأنما أضاف آدم وحواء، ومن أضاف ثلاثة فكأنما أضاف جبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن أضاف أربعة فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ومن أضاف خمسة فكأنما صلى الخمس جماعة من أول يوم خلق اللَّه الخلق، ومن أضاف ستة فكأنما أعتق ستين رقبة من ولد إسماعيل، ومن أضاف سبعة أُغلقت عنه أبواب جهنم، ومن أضاف ثمانية فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن أضاف تسعة كُتبت له حسنات بعدد من عصا من أول يوم خلق اللَّه الخلق إلى يوم القيامة، ومن أضاف عشرة كتب له أجر من صلى وصام وحج واعتمر إلى يوم القيامة"" (١) وحكي عن محمد بن سلمان قال: بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف على الطريق وهو يُمجِّد ربه بأبيات من الشعر، يقول: مليك في السما فيه افتخاري … عزيز القدر ليس به خفاء فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا برَادٍّ عليك السلام حتى تؤدي من حقي الذي يجب عليك. قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على مذهب الخليل ﵊ لا أتغدى ولا أتعشى حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته إلى سؤاله فرحب بي وسرت معه حتى قرُبنا من خيمة شعر، فلما قربنا منها صاح: يا أختاه. فأجابته جارية من الخيمة: لبيك يا أخي. قال: قومي إلى ضيفنا. قالت: حتى أبدأ بشكر المولى الرب الذي سبب لنا هذا الضيف. فقامت وصلت ركعتين شكرًا للَّه، فأدخلني الغلام الخيمة ونامت الصبية داخل الخيمة، فكنت أسمع دوّي القرآن الليل كله بأحسن صوت وأرزنه، فلما أصبحت قلت للغلام: صوت من كان البارحة؟ قال: تلك أختي تُحيي الليل كله إلى الصباح. فقلت له: يا غلام، أنت أحق بهذا العمل من أختك. فتبسم وقال: صدقت، ويحك يا فتى أما علمت أنه موفق ومخذول؟ حكاية ثانية: عن الشيخ أبي الربيع المالقي قال: سمعت بامرأة صالحة في بعض القرى قد اشتهر أمرها، وكان دأبنا أن لا نزور امرأة، فدعت الحاجة إلى زيارتها للاطلاع على كرامة اشتهرت عنها وكانت تدعى بالغضية، فنزلنا القرية التي هي بها فذكر لنا أن عندها شاة تحلب لبنا وعسلا، فاشترينا قدحًا جديدًا لم يوضع فيه شيء،

стр. 525

فمضينا إليها وسلمنا عليها ثم قلنا لها: نريد أن يظهر لنا ما في هذه الشاة. فأُعطيناها فحلبناها في القدح وشربنا، وإذا هو لبن وعسل، فسألناها عن قصة الشاة فقالت: كانت لنا شويهة ونحن قوم ضعفاء فقراء ولم يكن لنا شيء، فحضرنا العيد فقال لي زوجي. وكان صالحا: نذبح الشاة في هذا اليوم. فقلت له: لا تفعل؛ فإنه رخص لنا، واللَّه يعلم حاجتنا إليها. فاتفق أنه استضاف بنا في ذلك اليوم شخص وقد أُمرنا بإكرامه، فأخذ الشاة فذبحها وأراق دمها، وإذا بشاة نزلت إلى البيت فأخبرته وقال: لعل اللَّه أن يكون أبدلنا خيرًا منها. فكانت تلك تحلب اللبن وهذه تحلب اللبن والعسل ببركة إكرامنا الضيف. ثالثة: عن الشيخ أبي محمد الجريري قال: حضرني باز أشهب فلم أصده، ولي أربعون سنة أنصب حبلي عليه لعلي أظفر به أو بمثله فما ظفرت، قيل لي: يا أبا محمد، وما هو؟ قال: دخل علينا الرباط بعد صلاة العصر شاب مصفر اللون أشعث الرأس حاسره حافي القدمين، فجدد الوضوء وصلى ركعتين ثم جلس ووضع رأسه في جيبه إلى المغرب، فلما صلى معنا المغرب جلس كذلك، وإذا رسول الخليفة يستدعينا في دعوة، فقمت إلى الشاب فقلت له: هل لك أن توافقنا إلى دار الخليفة؟ فقال: لا، ولكني أشتهي عصيدة حارة. فطرحت قوله حيث لم يوافقني والتمس شهوة، وقلت في نفسي: هذا قريب عهد بالطريقة لم يتأدب بعد. وتركته ومضيت إلى دار الخليفة فأكلنا ثم تفرقنا آخر الليل، فلما دخلت الرباط رأيته على تلك الحالة، فجلست على سجادتي ساعة فلهجت عيناي بالنوم، فرأيت كأن جماعة أقبلوا وإذا بقائل يقول: هذا رسول اللَّه (١) والأنبياء كلهم ﵈. فدنوت وسلمت فولى بوجهه عني معرضا، فكررت عليه وهو يعرض عني ولا يجيبني فخفت من ذلك، فقلت: يا رسول اللَّه، ما الذي أذنبت حتى تُعرِض عني بوجهك؟ قال: "فقير من أمتي اشتهى عليك شهوة فتهاونت فيها". فاستيقظت مرعبا وقمت نحو الفقير فلم أجده، وسمعت صوت الباب فخرجت في طلبه فإذا به قد خرج، فناديته: اصبر حتى نحضر شهوتك التي اشتهيت. فالتفت إليَّ وقال: إذا اشتهى فقير عليك شهوة فلا توصلها إليه حتى يشفع إليك مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي (٢) فلا حاجة لي بها. ثم تركني ومضى.

стр. 526

حكاية رابعة: قال الشيخ أبو عبد اللَّه الدينوري: دخل عليَّ يوما فقير عليه آثار الصبر، فطالبتني نفسي أن للَّه فيه شيء، فهممت أن أرهن نعلي فمنعتني نفسي من ذلك وقالت: كيف يتم لك طهارة مع الحفاء؟! فهممت أن أرهن ما على رأسي فمنعتني نفسي أيضًا وقالت: تبقى مكشوف الرأس. فجعلت أُراجعها في ذلك فقام الفقير وشدَّ وسطه وأخذ عصاة بيده، ثم التفت إليَّ وقال: يا خسيس الهمة، احفظ منديلك؛ فأنا خارج عنك. قال: فعقدت مع اللَّه أن لا آكل الخبز حتى ألقاه. فقيل: إنه قام بعد ذلك ثلاثين سنة لم يأكله. ما يكرم الضيف إلا من له كرم … ومن على بابه الأرزاق تقتسم كرامة الضيف لا تحصى فضائلها … طوبى (١) لقوم على إكرامه عزموا فإنها سنَّة في الناس ما برحت … فكن بإكرامك الأضياف تلتزم إن الضيافة بين الناس قد حمدت … وإن فاعلها في قدره عِظَمُ لا ينفع المال إلَّا من يجود (٢) به … وإن كل بخيل ما له قيم فالمال ينفق إلَّا في مواضعه … ومكرم الضيف تزكوا عنده النعم فليس أفخر من الطعام ذي سغب (٣) … ومن أضرَّ به الإفلاس والعدم صانع الجود لا شيء يقاس بها … يثني عليك بها الأعراب والعجم

стр. 527

مجلس في فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرهما من حظوظ النفس وترك الشهوات. قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ (١)؛ أي من بعد النبيين المذكورين في الآية قبلها، ﴿خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (٢)؛ أي بطنا وفرجا، وهذا عند اقتراب الساعة وذهاب صالحي هذه الأمة، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٣)؛ أي شرا أو ضلالا عن طريق الجنة، أو وادي بقعر جهنم. وأودية جهنم تستغيث من حرِّه. أُعد للزاني المُصرّ والشارب المُدمن وغيرهما. والخلْف: قوم سوء. وهو بفتح اللام: الصالح. وبالجزم: الطالح. والخلْف بسكون اللام: الرديء من كل شيء. وهم في هذه الآية اليهود ومن لحق بهم، أو في هذه الأمة، ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ تركوها عن مواقيتها. يعني المفروضة. أخَّروها عن مواقيتها وصلُّوها لغير وقتها. وقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: ٧٩] إلى قوله: ﴿صَالِحًا﴾. وكانت زينته وجاهة وصورًا حسانًا

стр. 528

ومواكب وزخرفًا وأرجوان. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ﴾ (٢) الآية. فلم يظفر ببغيته كلها، بل بما شاء اللَّه منها أو من غيرها لا غير، أو لا يظفر بشيء أصلا إنما المرزوق من يؤيده اللَّه، أو يظفر بذلك كله ثم يكون عليهم حسرة. ومآل من يريد العاجلة ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] مطرودا من الرحمة، ومريدها من عقدها همته كأكثر الفسقة والغافلين، وقيل: هو من يريد الدنيا بعمل الآخرة كالمنافق والمُرائي والمهاجر للدنيا والمجاهد للغنيمة والذكر ونحو ذلك. ولنذكر بعد ذلك أحاديث فيها بيان أهل التقلل من الحظوظ ومسهلات التحقيق، وبيان فوائده ومدح القوت وأن فقده شديد وبلوغه لا مشقة معه، وذم الزيادة عليه والتعريف بنعمة قوت يوم، وفضل الكفاف بأوجه ما يرغب أبناء الدنيا والأخرى. ومرتبة الخصاصة وشرف أهلها وذم الشبع وما ينفر منه ويزجر عنه وحد ما ينبغي أن ينتهي إليه إلَّا شدَّة. وأن البذاذة من الإيمان فالعدول عنه ضلال، وأن كل حال من سعة أو تقتير له حكمة مع القصد في السعة أيضًا وغير ذلك. وجماعها نيف وثلاثون حديثا. أولها: حديث عائشة قالت: "ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض" (٣). أخرجاه. وفي رواية: "ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بُرٍّ ثلاث ليال تباعا حتى قُبض" (٤). ونفي الشبع لا يثبت الجوع، والوسط هو الاختيار.

стр. 529

ثانيها: حديث عروة عنها أنها كانت تقول (١): "واللَّه يا ابن أختي إن كُنَّا لننظر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهِلَّة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول اللَّه ﷺ نار". قال: قلت: يا خالة، فما كان يُعِيشُكُم؟ قالت: "الأسودان؛ التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول اللَّه ﷺ جيران من الأنصار وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول اللَّه ﷺ من ألبانها فيسقيناها". أخرجاه. فنفي الشبع في الأول دال على تقلل المأكول، ونفي الاتقاد دال على خشونة العيش. ثالثها: حديث أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه مَرَّ بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكل وقال: "خرج رسول اللَّه ﷺ من الدنيا ولم يشبع" (٢). الخبر أخرجه البخاري. ومصلية بفتح الميم: أي مشوية. وفيه من المسهلات الاتباع والاقتداء، وفيه روائح ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. رابعها: حديث أنس: "لم يأكل رسول اللَّه ﷺ على خوان حتى مات، وما أكل خبزا مرققا حتى مات" (٣). أخرجه البخاري. وفي رواية له: "ولا رأى شاة سميطا بعينه قط" (٤). وفيه مسهل واتباع. خامسها: حديث النعمان بن بشير قال: "لقد رأيت النبي ﷺ وما يجد من الدَّقَل ما يملأ به بطنه" (٥). أخرجه مسلم، والدقل: تمر رديء. وهو مسهل أيضًا فلا يبقى مالا لغيره ضرورة، فمن العصمة أن لا يجد ولا الدقل. سادسها: حديث سهل بن سعد: "ما رأى رسول اللَّه ﷺ النقى من حين ابتعثه اللَّه حتى قبضه اللَّه. فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه" (٦). أخرجه البخاري. النقى: الخبز الحواري

стр. 530

وهو الدرمك، وثريناه بالنار وعجناه. وفيه مسهل وهو التعمد عن مخالطة المسرفين مما لا شعور به من نقى وآلة له وأشباه ذلك ما أسهل اجتنابه، بل في كونه يسمى اجتنابا ما فيه. سابعها: حديث أبي هريرة: خرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول اللَّه. قال: "وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا". فقاموا معه، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا (١) فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أين فلان؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء. إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه ثم قال: الحمد للَّه (٢) ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب. فقال: كلوا من هذه. وأخذ المُدْيَةَ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إياك والحلوب". فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" (٣) أخرجه مسلم. ومعنى يستعذب: يطلب الماء العذب، وهو الطيب. والعَذق بفتح العين واسكان الذال المعجمة وهو الكباسة
следующие страницы →