← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

حكاية رابعة: قال الشيخ أبو عبد اللَّه الدينوري: دخل عليَّ يوما فقير عليه آثار الصبر، فطالبتني نفسي أن للَّه فيه شيء، فهممت أن أرهن نعلي فمنعتني نفسي من ذلك وقالت: كيف يتم لك طهارة مع الحفاء؟! فهممت أن أرهن ما على رأسي فمنعتني نفسي أيضًا وقالت: تبقى مكشوف الرأس. فجعلت أُراجعها في ذلك فقام الفقير وشدَّ وسطه وأخذ عصاة بيده، ثم التفت إليَّ وقال: يا خسيس الهمة، احفظ منديلك؛ فأنا خارج عنك. قال: فعقدت مع اللَّه أن لا آكل الخبز حتى ألقاه. فقيل: إنه قام بعد ذلك ثلاثين سنة لم يأكله. ما يكرم الضيف إلا من له كرم … ومن على بابه الأرزاق تقتسم كرامة الضيف لا تحصى فضائلها … طوبى (١) لقوم على إكرامه عزموا فإنها سنَّة في الناس ما برحت … فكن بإكرامك الأضياف تلتزم إن الضيافة بين الناس قد حمدت … وإن فاعلها في قدره عِظَمُ لا ينفع المال إلَّا من يجود (٢) به … وإن كل بخيل ما له قيم فالمال ينفق إلَّا في مواضعه … ومكرم الضيف تزكوا عنده النعم فليس أفخر من الطعام ذي سغب (٣) … ومن أضرَّ به الإفلاس والعدم صانع الجود لا شيء يقاس بها … يثني عليك بها الأعراب والعجم

стр. 527

مجلس في فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرهما من حظوظ النفس وترك الشهوات. قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ (١)؛ أي من بعد النبيين المذكورين في الآية قبلها، ﴿خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (٢)؛ أي بطنا وفرجا، وهذا عند اقتراب الساعة وذهاب صالحي هذه الأمة، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٣)؛ أي شرا أو ضلالا عن طريق الجنة، أو وادي بقعر جهنم. وأودية جهنم تستغيث من حرِّه. أُعد للزاني المُصرّ والشارب المُدمن وغيرهما. والخلْف: قوم سوء. وهو بفتح اللام: الصالح. وبالجزم: الطالح. والخلْف بسكون اللام: الرديء من كل شيء. وهم في هذه الآية اليهود ومن لحق بهم، أو في هذه الأمة، ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ تركوها عن مواقيتها. يعني المفروضة. أخَّروها عن مواقيتها وصلُّوها لغير وقتها. وقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: ٧٩] إلى قوله: ﴿صَالِحًا﴾. وكانت زينته وجاهة وصورًا حسانًا

стр. 528

ومواكب وزخرفًا وأرجوان. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ﴾ (٢) الآية. فلم يظفر ببغيته كلها، بل بما شاء اللَّه منها أو من غيرها لا غير، أو لا يظفر بشيء أصلا إنما المرزوق من يؤيده اللَّه، أو يظفر بذلك كله ثم يكون عليهم حسرة. ومآل من يريد العاجلة ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] مطرودا من الرحمة، ومريدها من عقدها همته كأكثر الفسقة والغافلين، وقيل: هو من يريد الدنيا بعمل الآخرة كالمنافق والمُرائي والمهاجر للدنيا والمجاهد للغنيمة والذكر ونحو ذلك. ولنذكر بعد ذلك أحاديث فيها بيان أهل التقلل من الحظوظ ومسهلات التحقيق، وبيان فوائده ومدح القوت وأن فقده شديد وبلوغه لا مشقة معه، وذم الزيادة عليه والتعريف بنعمة قوت يوم، وفضل الكفاف بأوجه ما يرغب أبناء الدنيا والأخرى. ومرتبة الخصاصة وشرف أهلها وذم الشبع وما ينفر منه ويزجر عنه وحد ما ينبغي أن ينتهي إليه إلَّا شدَّة. وأن البذاذة من الإيمان فالعدول عنه ضلال، وأن كل حال من سعة أو تقتير له حكمة مع القصد في السعة أيضًا وغير ذلك. وجماعها نيف وثلاثون حديثا. أولها: حديث عائشة قالت: "ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض" (٣). أخرجاه. وفي رواية: "ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بُرٍّ ثلاث ليال تباعا حتى قُبض" (٤). ونفي الشبع لا يثبت الجوع، والوسط هو الاختيار.

стр. 529

ثانيها: حديث عروة عنها أنها كانت تقول (١): "واللَّه يا ابن أختي إن كُنَّا لننظر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهِلَّة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول اللَّه ﷺ نار". قال: قلت: يا خالة، فما كان يُعِيشُكُم؟ قالت: "الأسودان؛ التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول اللَّه ﷺ جيران من الأنصار وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول اللَّه ﷺ من ألبانها فيسقيناها". أخرجاه. فنفي الشبع في الأول دال على تقلل المأكول، ونفي الاتقاد دال على خشونة العيش. ثالثها: حديث أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه مَرَّ بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكل وقال: "خرج رسول اللَّه ﷺ من الدنيا ولم يشبع" (٢). الخبر أخرجه البخاري. ومصلية بفتح الميم: أي مشوية. وفيه من المسهلات الاتباع والاقتداء، وفيه روائح ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. رابعها: حديث أنس: "لم يأكل رسول اللَّه ﷺ على خوان حتى مات، وما أكل خبزا مرققا حتى مات" (٣). أخرجه البخاري. وفي رواية له: "ولا رأى شاة سميطا بعينه قط" (٤). وفيه مسهل واتباع. خامسها: حديث النعمان بن بشير قال: "لقد رأيت النبي ﷺ وما يجد من الدَّقَل ما يملأ به بطنه" (٥). أخرجه مسلم، والدقل: تمر رديء. وهو مسهل أيضًا فلا يبقى مالا لغيره ضرورة، فمن العصمة أن لا يجد ولا الدقل. سادسها: حديث سهل بن سعد: "ما رأى رسول اللَّه ﷺ النقى من حين ابتعثه اللَّه حتى قبضه اللَّه. فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه" (٦). أخرجه البخاري. النقى: الخبز الحواري

стр. 530

وهو الدرمك، وثريناه بالنار وعجناه. وفيه مسهل وهو التعمد عن مخالطة المسرفين مما لا شعور به من نقى وآلة له وأشباه ذلك ما أسهل اجتنابه، بل في كونه يسمى اجتنابا ما فيه. سابعها: حديث أبي هريرة: خرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول اللَّه. قال: "وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا". فقاموا معه، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا (١) فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أين فلان؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء. إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه ثم قال: الحمد للَّه (٢) ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب. فقال: كلوا من هذه. وأخذ المُدْيَةَ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إياك والحلوب". فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" (٣) أخرجه مسلم. ومعنى يستعذب: يطلب الماء العذب، وهو الطيب. والعَذق بفتح العين واسكان الذال المعجمة وهو الكباسة

стр. 531

وهو الغصن. والمُدْيَةُ. بضم الميم وكسرها: السكين. والحلوب: ذات اللبن. والسؤال عن النعيم (١) سؤال تعديد لا سؤال توبيخ وتعذيب. وفيه من فوائد الجوع ثلاثة؛ معرفة قدر نعمة اللَّه في رزقه، وتعظيم شكره، وإدخال السرور على قلب المَزور وتكثير الأجر له، ووجدان حرقة الجوع وألم المخرج من البيت، فبئس الضجيع. وفي ذلك من انكسار النفس وخضوعها واستصغار الحاجة والفاقة ما يدفع طغيانها ويردها إلى العبودية التامة أعظم رد، ومحال عليها أن تنازع الربوبية في إزارها أو ردائها ونحو ذلك ما ينشبه من عرفان كماله. وهذا الأنصاري الذي لقوه هو الهيثم بن التيهان، كذا جاء في رواية الترمذي وغيره. وثامنها: حديث خالد بن عمير العدوي قال: "خطبنا عتبة بن غزوان. وكان أميرا على البصرة. فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصُرم (٢) وولت حَذَّاء، ولم يبق منها إلَّا صُبَابَة كصُبَابَة الإناء يتصابُّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم؛ فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوى فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرًا، وواللَّه لتملأنَّ، أفعجبتم؟ ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول اللَّه ﷺ ما لنا طعام إلَّا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك (٣) فاتَّزرت بنصفها واتَّزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منَّا أحد إلَّا أصبح أميرا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ باللَّه أن أكون في نفسي عظيما وعند اللَّه صغيرا، وإنها لم تكن نبوة قط إلَّا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكًا فستخبرون وتجربون

стр. 532

الأمراء بعدنا" (١). أخرجه مسلم. آذنت. بمد الألف: أعلمت. وقوله: بصُرم؛ هو بضم الصاد المهملة: المنقطعة السريعة. وقوله: يتصابُّها؛ هو بتشديد الباء قبل الهاء، أي يجمعها. والكظيظ: الكثير الممتليء. وقَرِحت: بفتح القاف وكسر الراء، أي صار فيها قروح. وفيه فائدة رابعة وهو ما يشعر به الجوع من معنى، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) فلو لم تقرح أشداقهم ما صاروا أُمراء الأمصار، فيصير أهل الفاقة يملكون مفاتيح الخير؛ فالصبر مفتاح الفرج ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ (٣) الآية. وللَّه الحمد. تاسعها: حديث أبي موسى الأشعري قال: "أخرجت لنا عائشة كساء وإزارًا غليظًا، قالت: قُبض رسول اللَّه ﷺ في هذين" (٤) أخرجاه. ففائدة تقلل السادات سلوة الضعيف وانجبار المكسور، وقد قال الأئمة: حُرِّمت أواني النقدين لكسر قلوب الفقراء. عاشرها: حديث سعد بن أبي وقَّاص: "إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل اللَّه، ولقد كنا نغزو مع رسول اللَّه ﷺ ما لنا طعام نأكله إلَّا ورق الحُبْلة وهذا السمر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خِلْط" (٥) أخرجاه. والحُبْلة بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة، وهي والسمر نوعان معروفان من شجر البادية. وفيه أن اعتياد الخشونة تسهل العزبة في طلب محاب اللَّه ومراضيه، وأما الترفه

стр. 533

فاعتياده مضيع لكثرة الخيرات، ومتى تصل الفاقة إلى تقوُّت ورق الحُبْلة والسمر متى يعقد مثله. الحادي عشر: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (١) أخرجاه. أي ما يسد الرمق، قاله أهل اللغة والغريب. أي لا ناقصا عنه ولا زائدا عليه، وهو ترغيب (٢) بديع ومدح مُطْر، لا سيما إذا بلغ معه وإذا سألت فأعظم الرغبة فإنه يظهر به البرهان. الثاني عشر: حديث أبي هريرة قال: "واللَّه الذي لا إله إلَّا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدُّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب اللَّه ما سألته إلَّا ليُشْبعَني، فمرَّ ولم يفعل، ثم مرَّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب اللَّه ما سألته إلَّا ليُشْبِعَني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: "أبا هِرّ". قلت: لبيك يا رسول اللَّه. قال: "الحق". ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: "من أين هذا اللبن؟ " قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة. قال: "أبا هِرّ". قلت: لبيك يا رسول اللَّه. قال: "الحق إلى أهل الصُّفَّة (٣) فادعهم لي". قال: وأهل الصُّفَّة أضياف الإسلام لا يأوُون إلى أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصُّفَّة، كنت أحق أنا أن أُصيب من هذا اللبن شَربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن! ولم يكن من طاعة اللَّه وطاعة رسوله ﷺ

стр. 534

بُدٌّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: "يا أبا هرّ". قلت: لبيك يا رسول اللَّه. قال: "خُذْ فأعطهم". قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرُد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرُد عليَّ القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روى القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليَّ فتبسم فقال: "أبا هِرّ". قلت: لبيك يا رسول اللَّه. قال: "بقيت أنا وأنت". قلت: صدقت يا رسول اللَّه. قال: "اقعد فاشرب". فقعدت فشربت، فقال: "اشرب". فشربت، فما زال يقول: "اشرب" حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا. قال: "فأرني". فأعطيته القدح فحمد اللَّه وسمَّى وشرب الفضلة". أخرجه البخاري (١) وفيه بيان ما يؤدي إليه نقص ذلك من الشدة والألم والذِّلَّة والتعوق عن الخير وأنواع الهلع والمنافسة ونحو ذلك، فأي شدَّة كموجب وضع الكبد على الأرض والاعتماد بها عليها؟! وأي ألم كموجب شدِّ الحجر على البطن؟! وأي ذِلَّة وتشاغل كالقعود على طرق المارة للاستعطاء؟! وأي هلع كقوله: فساءني ذلك؟! وأي منافسة كقوله: كنت أحق أن أصيب منه شربة أتقوى بها؟! فلله دُرَّهُم بصائر مثل هذا من أجل صحبة نبي اللَّه واقتباس دين اللَّه والحرص على مراضي اللَّه. ولقد شكر العظيم له ذلك بجبر كسره ورفع قدره وإعلاء ذكره ورزقه الإمرة مع أنه ﵄ كان قادرا على الصفق في الأسواق كغيره، لكن آثر الصحبة ولو جرى ما جرى. الثالث عشر: حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: "لقد رأيتني وإني لأخرُّ فيما بين منبر رسول اللَّه ﷺ إلى حجرة عائشة مغشيًّا عليَّ فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي جنون، ما بي إلَّا الجوع" (٢). أخرجه البخاري. وفيه بيان ما هو أشد من ذلك من زوال العقل وسقوط القوى رأسًا. الرابع عشر: حديث عائشة قالت: "توفي رسول اللَّه ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير" (٣). أخرجاه. وفيه بيان ما يؤدي إليه من الدين

стр. 535

والرهن، والدين عديل الكفر مع تشديدات فيه شهيرة. الخامس عشر: حديث أنس قال: "رهن رسول اللَّه ﷺ درعه بشعير، ومشيت إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنِخة، ولقد سمعته يقول: "ما أصبح لآل محمد ﷺ إلَّا صاع ولا أمسى، وإنهم لتسعة أبيات"." (١) أخرجه البخاري. الإهالة. بكسر الهمزة: الشحم الذائب. والسنخة بالنون والخاء المعجمة، وهي المتغيرة. وفيه ما يؤدي إليه من رقة قلوب الأحباب المولهة بحيث يسهل في حبها مواجهة الكبير بخبز الشعير وإهالة سنخة، ولولا عاقبتها المحمودة. كما تقدم. لما حمدت مصابرتها ولا مصابرة واحد من ذلك. السادس عشر: حديث أبي هريرة قال (٢): "لقد رأيت سبعين من أصحاب الصُّفَّة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته". أخرجه البخاري. وفيه بيان سهولة الأمر مع القوت، فأي محذور نال أصحاب الصفة في فقدهم الأردية بعد أن وجدوا سدادًا من عيش؟ السابع عشر: حديث عائشة قالت: "كان فراش رسول اللَّه ﷺ من أدم وحشوُهُ من ليف" (٣) رواه البخاري. الثامن عشر: حديث ابن عمر: "كنا جلوسا مع رسول اللَّه ﷺ إذ جاءه رجل من الأنصار فسلم عليه ثم أدبر الأنصاري، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أخا الأنصار، كيف أخي سعد بن عبادة؟ " فقال: صالح. فقال رسول اللَّه ﷺ : "من يعوده منكم؟ " فقام وقمنا معه ونحن بضعة عشر ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قُمُص (٤)،

стр. 536

نمشي في تلك السِّباخ حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول اللَّه ﷺ وأصحابه الذين معه" (١) أخرجه مسلم. وأي مشقة في فقد النعال وما ذكر معه. التاسع عشر: حديث عمران بن الحصين مرفوعًا: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". قال عمران: فلا أدري أقال رسول اللَّه ﷺ بعد قرنه مرتين أو ثلاثة. "ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَن" (٢) أخرجاه. وفيه بيان ما يؤدي إليه الزائد عن القوت من السمن المذموم والمتعب المقرون بما واسطة عقده يخونون ولا يؤتمنون. العشرون: حديث أبي أمامة مرفوعًا: "يا ابن آدم، إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسك شر لك، ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى" (٣) أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. وفيه بيان ما يؤدي إليه إمساك الفضل الذي هو شرٌّ لابن آدم دينا ودنيا، وما زاد على المهم ملوم عليه ما لم يتقرب به سواء تناولته حتى سمنت أو أمسكته وبخلت به على نفسك وغيرك، ولا تلام على كفاف فهو الحسنة بين السيئتين الغلو والتقصير. الحادي بعد العشرين: حديث عبيد اللَّه بن محصن الأنصاري والخطمي مرفوعًا: "من أصبح منكم آمنا في سِرْبه معافى في جسده عنده قوت يومه، فكأنما

стр. 537

حيزت له الدنيا" (١) أخرجه الترمذي وحسنه. وسربه. بكسر السين المهملة: نفسه. وقيل: قومه. ويروى بفتح السين؛ أي ملكه وطريقه. قال الجوهري: هو بالفتح: الإبل وما رعى من المال، والإنسان ابن وقته، وهَمّ الغد، عناء الأمن والعافية. وحصول القوت اليومي كحيازة الدنيا كلها؛ إذ مالك الدنيا كلها إنما ينال منها قوته. الثاني بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافا وقَنَّعه اللَّه بما أعطاه" (٢) أخرجه مسلم. ففيه تعريف من حصل له ذلك، فما أعظم ذلك من نعمة، سعادة الدين بإسلامه، والدنيا بكفاية المؤمن وإراحة القناعة لنا له. وما أجمع قوله: "قد أفلح". الثالث بعد العشرين: حديث فضالة بن عبيد اللَّه الأنصاري مرفوعًا: "طوبى لمن هُدِى للإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع" (٣) رواه الترمذي وصححه. فطوبى له: أي ما أطيب عيشه دنيا وأخرى، ولا ترغيب في الكفاف كهذا وإياك والفضول إياك، ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾ (٤) الآية. الرابع بعد العشرين: حديث ابن عباس: "كان رسول اللَّه ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير" (٥) أخرجه

стр. 538

الترمذي وقال: حسن صحيح. وفيه أن تأخير الوقت كترك العشاء، ورداءة النوع لا ينافي الكفاف الممدوح. الخامس بعد العشرين: حديث فضالة بن عبيد ﵄ "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا صلى بالناس تخرُّ رجال من قامتهم في الصلاة من الخصَاصَة وهم أصحاب الصُّفَّة حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين. فإذا صلى رسول اللَّه انصرف إليهم فقال: "لو علمتم ما لكم عند اللَّه لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة"" (١). رواه الترمذي وصححه. والخصَاصَة: الفاقة والجوع الشديد. وفيه بيان مرتبة الخصاصة المتحمَّلة من أجل اللَّه ومن أعظم شأنها وحب إبهامها فلم يعبر عنها إلَّا بقوله: "لو تعلمون" إلى آخره. السادس بعد العشرين: من حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: "ما ملأ آدميٌّ وعاء شرًّا من بطنٍ بحسب ابن آدم أكلات يُقِمْنَ صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسِهِ" (٢) رواه الترمذي وحسنه. وأكلات: أي لُقَم. وفيه ذم الشبع بأبلغ زاجر وأشد محذِّر، وأكثر ما ينبغي الشرّ له ما قسَّمه أثلاثا. وفيه من الإيضاح والحكم ما هو ظاهر عند الفطن. السابع بعد العشرين: حديث أبي أمامة إياس بن ثعلبة الأنصاري الحارثي (٣) قال: "ذكر أصحاب رسول اللَّه ﷺ يوما عنده الدنيا فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألا تسمعون ألا تسمعون، إن البَذَاذَةَ من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان" (٤) يعني

стр. 539

التقحُّل. أخرجه أبو داود. والبذاذة. بفتح الباء والذالين المعجمتين: رثاثة الهيئة وترك فاخر الثياب. والتقحُّل بالقاف والحاء، قال أهل اللغة: هو الرجل اليابس الجلد من خشونة العيش وترك الترفه. وفيه مدح البذاذة والتعويض بأن التَّرَفُّهَ مجانب للإيمان، وهو كذلك، فطوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد يوم لم يره. الحديث الثامن بعد العشرين: حديث جابر بن عبد اللَّه قال: "بعثنا رسول اللَّه ﷺ وأمَّر علينا أبا عبيدة نتلقَّى عير قريش وزوَّدنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة (١) قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمَصُّها كما يَمَصُّ الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصيِّنا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله. قال: وانطلقنا إلى ساحل البحر. . . فذكر قصة العنبر الذي أكلوا منه وتزودوا" (٢) أخرجه مسلم. والجِراب بكسر الجيم أفصح من فتحها. ونمَصُّها بفتح الميم، والخَبَطُ: ورق معروف. وفيه معرفة قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] (٣) الآية. فأبو عبيدة لما قدِرَ عليه رزقه صرفه تمرة تمرة فمضت، ولما وُسِّعَ عليهم بالعنبر أكلوا منه حتى سمنوا وتزودوا، فالتقلل (٤) مراتب ولكل مرتبة أحوال تناسبها. الحديث التاسع بعد العشرين: حديث أسماء بنت يزيد قالت: "كان كُمُّ رسول اللَّه ﷺ إلى الرُّصْغِ" (٥) رواه أبو داود والترمذي وحسنه. والرُّصغ بالصاد. وهو بالسين أيضا: المفصل بين الكف والساعد. فالقصد في الفقر والغنى مطلوب لا في

стр. 540

الفقر وحده كان له إلى رصغه اقتصاد لا عجز. الحديث الثلاثون: حديث جابر في حفر الخندق قال: "إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدْيَةٌ شديدة، فجاءوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: "أنا نازل" ثم قام وبطنه معصوب، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا. ثم ذكر قصة طحن الشعير وذبح العناق وأكل الخندق وهي على حالها" (١) أخرجاه بطوله. والكُدْيَةُ: صلبة لا يعمل فيها الناس. وفيه بيان بركة حرهم ثلاثا ولم يذوقوا ذواقا، فمنها الرزق الكافي من حيث لا يحتسب كما أجزأه على يد جابر (٢) وقلب قلبه إليه، ومنها خرق العادة وتكثير القليل وإظهار الكرامة الغريبة. الحديث الحادي بعد الثلاثين: حديث أنس قال: "قال أبو طلحة لأم سليم: قد سمعت صوت رسول اللَّه ﷺ ضعيفا أعرف فيه الجوع. وفي رواية: عصب بطنه بعصابة من الجوع. فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير ثم عصرت عليه عكة فآدمته، وقال فيه رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن يقول، فأكل منه عشرة عشرة حتى أكلوا أجمع والقوم سبعون رجلا أو ثمانون ولم ينقص" (٣) أخرجاه بطوله. وفي رواية قالت: عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول اللَّه وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قَلَّ عنهم. . . وساق الحديث. وفيه من الأعلام ما لا يخفى.

стр. 541

مجلس في القناعة والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١) فالرزق مضمون، والضامن مكَّن. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وفيها مقتضى الآية السالفة ولازمه، فإذا فقد فالإجمال في الطلب لا يسألون الناس إلحافا وإذا وجدوا الاقتصاد، إذ الإسراف مذموم ولعله يكون سببًا لقطع أو لا يخلفه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٣) والتنفير ذمَّه ؛ فإنه الجواد الماجد ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ (٥) قلت: وذلك الحسنة بين السيئتين. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ليس الغنى عن كثرة العَرَض، إنما الغنى غنى النفس" (٦) أخرجاه. والعَرَضُ - بفتح العين والراء: المال.

стр. 542

وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه اللَّه بما آتاه" (١) أخرجه مسلم، وقد سلف فيما مضى. وروينا من حديث حكيم بن حِزام ﵄ قال: "سألت رسول اللَّه ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال: "يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس (٢) لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى". قال حكيم: فقلت: يا رسول اللَّه، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك حتى أُفارق الدنيا. فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين، أُشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسمه اللَّه له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول اللَّه ﷺ حتى توفي" (٣) أخرجاه. ويرزأ. براء ثم زاي ثم همزة: أي لم يأخذ من أحد شيئًا. وأصل الرزء النقصان، أي لم ينقص أحدا شيئًا بالأخذ منه. وإشراف النفس تطلُّعها وطمعها بالشيء، وسخاوة النفس هي عدم الإشراف إلى الشيء والطمع فيه والمبالاة فيه والشدة.

стр. 543

وروينا من حديث أبي يزيد عن أبي موسى الأشعري قال: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدمي وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخِرَق فسميت غزوة ذات الرِّقاع (١) لما كنا نُعصِّب على أرجلنا من الخرق. قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره؟! قال: كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه" (٢) أخرجاه (٣). وروينا من حديث عمرو بن تغلب أن رسول اللَّه ﷺ أُتِيَ بمال أو شيء فقسمه فأعطى رجالا وترك رجالا، فبلغه أن الذي ترك عتبوا، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فواللَّه إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطى، ولكني أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأَكِل أقواما إلى ما جعل اللَّه في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب". فواللَّه ما أحب أن لي بكلمة رسول اللَّه حُمر النعم" (٤) أخرجه البخاري. والهلع: هو أشد الجزع، وقيل: هو الضجر. وروينا من حديث حكيم بن حِزام مرفوعًا: "اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يُعفه اللَّه ومن يستغن يُغنه اللَّه" (٥) أخرجاه، والسياق للبخاري.

стр. 544

وروينا عن معاوية مرفوعًا: "لا تُلْحِفوا في المسألة؛ فواللَّه لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألتُهُ مني شيئًا وأنا له كاره فيبارك له فيه فيما أعطيته" (١) أخرجه مسلم. وروينا من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: "كنا عند رسول اللَّه تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: "ألا تبايعون رسول اللَّه؟ " وكنا حديثي عهد ببيعته، فقلنا: قد بايعناك يا رسول اللَّه. ثم قال: "ألا تبايعون رسول اللَّه؟ " فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول اللَّه، فعلام نبايعك؟ قال: "على أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا. وأسرَّ كلمة خفية. ولا تسألوا الناس شيئًا". فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه" (٢) أخرجه مسلم. وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى اللَّه تعالى وليس في وجهه مُزْعَةُ لحم" (٣) أخرجاه. المُزْعَةُ - بضم الميم وإسكان الزاي ثم عين مهملة: القطعة. وروينا عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة "واليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة" (٤) أخرجاه. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا، فليستقل وليستكثر" (٥) أخرجه مسلم.

стр. 545

وروينا من حديث سمرة مرفوعًا: "إن المسألة كدٌّ يكُدُّ بها الرجل وجهه إلَّا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه" رواه الترمذي (١) وقال: حسن صحيح. والكدُّ: الخدش ونحوه. وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها باللَّه فيوشك اللَّه له برزق عاجل وآجل" (٢) رواه أبو داود والترمذي وحسنه. يوشِك. بكسر الشين: أي يُسرع. وروينا من حديث ثوبان مرفوعًا: "من يكفُل لي أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفَّل له بالجنة؟ " فقلت: أنا. فكان لا يسأل أحدا شيئًا (٣) رواه أبو داود بإسناد صحيح. وروينا من حديث قبيصة بن المخارق قال: "تحملت حمالة فأتيت رسول اللَّه أسأله فيها، فقال: "قُم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بهذا". ثم قال: "يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلَّا لأحد ثلاثة؛ رجل تحمَّل حَمَالة فحلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يُصيب قواما من عيش -أو قال: سدادا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة. فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادا من عيش- فما سواهن من المسألة يا قبيصة سُحْتًا يأكلها صاحبها سحتا" (٤) أخرجه مسلم. الحَمَالة. بفتح الحاء: ما يتحمله ويلتزمه على نفسه.

стр. 546

والجائحة: الآفة تصيب مال الإنسان. والقوام: ما يقوم في أمر الإنسان من مال ونحوه. والسِّداد. بكسر السين: ما يسُدُّ حاجة المعوز ويكفيه. والفاقة: الفقر. والحجا: العقل (١). وروينا عن أبي هريرة مرفوعًا: "ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يُغْنيه ولا يُفْطَنُ له فيُتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس" (٢) أخرجاه.

стр. 547

مجلس في جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه روينا من حديث سالم عن أبيه عن جده قال (١): "كان رسول اللَّه ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر مني إليه. فقال: "خذه، إذا جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله، فإن شئت فكله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تُتْبعه نفسك". قال سالم: فكان عبد اللَّه لا يسأل أحدًا شيئًا ولا رَدَّ شيئًا أُعْطيه" (٢) أخرجاه. مُشْرف. بالشين المعجمة: أي متطلع عليه.

стр. 548

مجلس في الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١). وروينا من حديث الزبير بن العوام مرفوعًا: "لأن يأخذ أحدكم حَبْلَه ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف اللَّه بها وجهه خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" (٢) أخرجه البخاري. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه" (٣) أخرجاه. وعنه مرفوعًا: "كان داود ﷺ لا يأكل إلَّا من عمل يده" (٤) أخرجه البخاري. وعنه مرفوعًا: "كان زكريا نجَّارًا" (٥) أخرجه

стр. 549

مسلم. وعن المقداد بن معدي كرب موفوعًا: "ما أكل أحد طعاما قَطُّ خير من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي اللَّه داود كان يأكل من عمل يده" (١) أخرجه البخاري.

стр. 550

مجلس في التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١) أي في نعيم الأبرار والنضرة والرحيق المختوم، فيتنافس فيه أولوا الجد. وروينا (٢) من حديث سهل بن سعد: "أن رسول اللَّه ﷺ أتى بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: "أتأذن لي أن أُعطي هؤلاء؟ " فقال الغلام: واللَّه يا رسول اللَّه لا أُوثر بنصيبي منك أحدا. فتلَّهُ رسول اللَّه ﷺ في يده" (٣) أخرجاه. تلَّهُ. بالتاء المثناة فوق: وضعه. وهذا الغلام هو ابن عباس ﵄ وفيه المنافسة في السؤر النبوي، ولهذا بادر باليمين وبقوله: لا أوثر بنصيبي منك. وهو لائح في عظم الهبة والتوقير. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "بينما أيوب ﷺ يغتسل عُرْيانًا فخرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه. : يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غِنَا بي عن بركتك" (٤) أخرجه

стр. 551

البخاري. وهو لائح في الاستكثار مما يتبرك به، ووجه التبرك به أنه حديث عهد بربه، وكان ﷺ إذا رأى الباكورة من التمر قال: "اللهم بارك لنا في كذا وكذا". إلى قوله: "اللهم أريتنا أوله فأرنا آخره". (ذهب ترى ذهب الجنة) (١) وصح أنه ﷺ قال في زمزم: "إنها بركة، إنها طعام طُعم وشفاء سُقم". والذهب كذلك فكان مباركا، وقد قال تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ (٢) وهو من إتيانه كماله بركة، وكان ذلك في حق هذا النبي الكريم كرامة والكرامات يتبرك بها، وقد قيل: إن طلب نبينا. عليه أفضل الصلاة والسلام. من غنم الرقية (٣) ولحم العنبر كان للتبرك. فصل في فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصدقه في وجوهه المأمور بها. قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ (٤) وهذا وعد إما بالخيرات وإما بالجنة. وقال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ (٥) الآية. فيتجنب النار ويُعطى حتى يرضى من خير الدين والدنيا والأخرى. وقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (٦) الآية. وفيها إرشاد إلى وجوه الإعطاء من الإبداء والإخفاء وإلى ما يسهل

стр. 552

وجه اللَّه من غير رياء ولا سمعة فلا أراد جزاءً ولا شكورًا، وهو الإخفاء والإبداء للفقراء، وخير الإخفاء جليا لا يخفى. وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ (١) والآيات في فضل الإنفاق في الطاعات كثيرة معلومة. وروينا من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا حسد إلَّا في اثنتين (٢) رجل آتاه اللَّه مالًا فسلطه على هلكته في الحق؛ ورجل آتاه اللَّه حكمة فهو يقضي بها ويُعلِّمُها" (٣) أخرجاه. وسلف شرحه قريبا، فمن اتصف بذلك فهو محمود إن حصل على النعمة التامة الحقيقية، وكل ذي نعمة محسود عليها، فيا طرباه دنيا وأخرى. وروينا من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "لا حسد إلَّا في اثنتين؛ رجل آتاه اللَّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار". أخرجاه (٤) والآناء: الساعات، فقضى بذلك على نفسه وغيره وعلَّمه لإخوانه.

стр. 553

وروينا من حديث أبي هريرة ﵁: "أن فقراء المهاجرين أتوا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه، ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العُلى والنعيم المقيم. فقال: "وما ذاك؟ " فقالوا: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق (١). فقال رسول اللَّه ﷺ : "أفلا أُعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلَّا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة". فرجع المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول اللَّه ﷺ : "ذلك فضل اللَّه يُؤتيه من يشاء". أخرجاه (٢) والسياق لمسلم. والدُّثُور: الأموال الكثيرة. وإنما ذهبوا بذلك لقيامهم بالتعظيم لأمر اللَّه صلاة وصيامًا وتسبيحًا وحمدًا، وبالشفقة على خلق اللَّه تصدقًا وإعتاقًا. وقد أقر عليه الشارع أولًا وصرَّح به آخرًا؛ إذ قال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء" وغير بعيد مع ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣) فإنه يؤتيكم ذلك. وحاصل الأحاديث بيان أن الغني الشاكر أهل فضل اللَّه العظيم، وأنه يرتفع فيه أبصار الخلائق حتى يحسد حقا فما أعم نفعه وأحمد جميعه.

стр. 554

مجلس في الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة باللَّه قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ (٢) الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٣). وروينا في الصحيحين من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "لا حسد إلَّا في اثنتين؛ رجل آتاه اللَّه مالًا فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه اللَّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلَّمُها" (٤) فالمراد بالحسد هنا: الغبطة؛ أي لا يغبط أحد إلَّا على إحدى هاتين الخَصلتين. وروينا في صحيح البخاري من حديثه أيضًا مرفوعًا: "أيُّكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ " قالوا: يا رسول اللَّه، ما منا أحد إلَّا ماله أحب إليه. قال: "فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخَّر" (٥) وروينا فيهما أيضًا من حديث جابر قال: "ما سئل رسول اللَّه ﷺ شيئًا قط فقال: لا" (٦). وروينا فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلَّا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا. ويقول الآخر: اللهم أعط

стр. 555

ممسكًا تلفًا" (١). وروينا فيهما أيضًا من حديث ابن عمرو: "أن رجلًا سأل رسول اللَّه ﷺ أي الإسلام خير؟ قال: "تُطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (٢). وروينا في صحيح البخاري عنه مرفوعًا: "أربعون خصلة -أعلاهن منيحة العنز- ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعدها إلَّا أدخله اللَّه تعالى بها الجنة" (٣) وقد سلف بيانه في كثرة طرق الخير. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "يا ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شرٌّ لك، ولا تُلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى" (٤). وروينا فيهما من حديث أنس قال: "ما سُئل رسول اللَّه على الإسلام شيئًا إلَّا أعطاه، وقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلَّا الدنيا فما يلبث إلَّا يسيرًا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" (٥).

стр. 556

وروينا فيه أيضًا من حديث عمر قال: "قسم رسول اللَّه ﷺ قسما، فقلنا: يا رسول اللَّه، لَغير هؤلاء كانوا أحق به منهم. قال: "إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يُبَخِّلُوني ولست بباخل"" (١). وروينا في صحيح البخاري من حديث جبير بن مطعم: "بينما أنا أسير مع رسول اللَّه ﷺ مُقْفلَة من حنين فعلقوه الأعراب حتى اضطروا إلى سمرة فخَطفت رداءه، فوقف رسول اللَّه ﷺ فقال: "اعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاة غنما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذَّابًا ولا جبانًا"" (٢). مقفلة: أي حال رجوعه. والسمرة: شجرة العضاة، شجر له شوك. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما نقصت صدقة من مال ولا زاد اللَّه عبدًا بعفو إلَّا عِزًّا، وما تواضع أحد للَّه إلَّا رفعه اللَّه" (٣). وروينا في جامع الترمذي. وقال: حسن صحيح. من حديث أبي كبشة عمر بن سعد الأنماري مرفوعًا: "ثلاثة أقسم اللَّه عليهم وأُحدِّثكم حديثًا فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظُلم عبد مظلمة إلَّا صبر عليها إلَّا زاده اللَّه عِزًّا، ولا فتح عبد باب مسألة إلَّا فتح اللَّه عليه باب فقر - أو كلمة نحوها". "وأحدثكم حديثا فاحفظوه"، قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر؛ عبد رزقه اللَّه مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم للَّه فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه اللَّه علمًا ولم يرزقه مالًا وهو

стр. 557

صادق النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان. وهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه اللَّه مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم للَّه فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان. فهو بنيته فوزرهما سواء". وروينا فيه أيضًا مصححًا من حديث عائشة أنهم ذبحوا شاة فقال ﷺ : "ما بقي منها؟ " قالت: "ما بقي إلَّا كتفها". قال: "بقي كلها غير كتفها" (١) أي بقيت لنا في الآخرة إلَّا كتفها، فالمعنى: تصدقوا بها إلَّا كتفها. وروينا في الصحيحين من حديث أسماء بنت الصديق: "قال لي رسول اللَّه ﷺ : "لا توكي فيوكى عليك" (٢). وفي رواية لهما: "أنفقي وانفحي وانضحي، ولا تحصي فيُحص اللَّه عليك، ولا توعي فيوعي اللَّه عليك" (٣). وانفحي بالحاء المهملة بمعنى: أنفقي. وكذا انضحي. وروينا فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا (٤): "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلَّا سبغت. أو وفرت. على جلده حتى تخفى بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلَّا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها فلا تتسع". الجبة: الدرع. ومعناه: أن المنفق كلما أنفق سبغت وطالت حتى تجر وراءه وتخفي رجليه وأثر مشيه وخطواته. وروينا فيهما أيضًا من حديثه مرفوعًا: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب.

стр. 558

ولا يقبل اللَّه إلَّا الطيب. فإن اللَّه يتقبلها بيمينه ثم يُربِّيها لصاحبها كما يُربِّي أحدكم فلُوُّه حتى يكون مثل الجبل" (١). والفَلُوُّ بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، ويقال أيضًا بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو، وهو المُهْرُ. وروينا في صحيح مسلم عنه مرفوعًا: "بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحَّى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرَّة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يُحَوِّل الماء بمِسْحاتِهِ فقال له: يا عبد اللَّه، ما اسمك؟ قال: فلان. للإسم الذي سمع في السحاب، فقال له: يا عبد اللَّه، لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذا قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثًا وأردُّ فيه ثُلُثه" (٢). الحرَّة: أرض بها حجارة سود. والشرجة. بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء وبالجيم: مسيل الماء (٣). فصل في النهي عن البخل والشُّحِّ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ (٤) الآية. وقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ (٥) الآية. وتقدمت جملة من الأحاديث في الباب السابق.

стр. 559

وروينا في صحيح مسلم من حديث جابر (١): "اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم". قلت: ولا أفحش منهما (٢). فصل في الورع وترك الشبهات قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (٣) وفيهما (استفاف) (٤) والمتساهل عن تساهله قرب موبقات تُرى أدق من الشعر ورُبَّ شرارة أضرمت نارًا على بلد كبير، إن الأمور صغيرها مما يهيج به العظيم، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (٥) فإن كان بذلك فقد ينزل به سخطه بأمر لا يلقى له بالا ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ (٦). وروينا من حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الحلال بيِّن والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحِمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى اللَّه محارمه، ألا وإن في الجسد مُضْغَة إذا صلُحَت صلُحَ الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (٧) أخرجاه من طرق بألفاظ متقاربة، وهو من أعظم المرغبات في الورع وذكر فوائده العظيمة الشأن، وهو الاستبراء للدين والعرض. وناهيك بأمر يحصل

стр. 560

الوجاهة عند اللَّه وعند الناس، وإن شئت قلت تطييب السريرة وتحسين السيرة، أو يحيي القلب وينوِّره ويصرف العرض ويطهره، وفيه بيان حقيقة الورع وأنه ليس إلَّا اتقاء الشبهات (١). وتسمية اتقاء المحارم ورعاء حق، ولكن العرف خصَّ اسم المحارم باسم التقى وترك الشبهات باسم الورع وترك ما لا بأس به أو ما لا يعني، إنما سمِّي ورعا لاشتباهه بمخوف العاقبة. وفيه أيضا: التحذير من تركه بذكر آفة التساهل، وهو الوقوع في الحرام إما لتمرينه على التساهل وإما لمصادفة للحرام. فمن الشبهات كما في تمثيله بالرَّاعي يرعى حول الحمى على أنه يحتمل الأول أيضا. وروينا من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ وجد تمرة في الطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" (٢) أخرجاه. وفيه مرغب أخر وهو فعل الشارع له فيتجنب ما جهل إباحته. وروينا من حديث النَّوَّاس بن سمعان ﵄، عن النبي ﷺ قال: "البرُّ حسن الخُلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" (٣) أخرجه مسلم. حَاكَ بالحاء المهملة والكاف: أي تردد فيه. وروينا من حديث وابصة بن معبد ﵄ قال: "أتيت رسول اللَّه ﷺ فقال: "جئتَ تسأل عن البرّ؟ " قلت: نعم. قال: "استفت قلبك، البرُّ ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك"" (٤) رواه أحمد والدارمي في مسنديهما. وهو من مجاري الورع كالذي

стр. 561

قبله، وهو ما لم تطمئن إليه النفس ولا يخرجه عن ذلك الإفتاء بالحل، ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾. وروينا من حديث أبي سِروعة. بكسر السين المهملة. عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني أرضعت عقبة والتي تزوج بها. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فركب إلى رسول اللَّه بالمدينة فسأله فقال رسول اللَّه: "كيف وقد قيل؟ " ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره (١) أخرجه البخاري. وفيه نوع آخر من مجاريه، وهو ما أخبر بتحريمه من لم يكف قوله في التحريم. وروينا من حديث الحسن بن علي ﵄ قال: حفظت من رسول اللَّه ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يُريبك" (٢) أخرجه الترمذي وحسَّنه. أي اترك ما تشك فيه وخذ ما لا تشك فيه، وهذا نوع آخر منه وهو ما يريب الإنسان ويشك فيه، والريب أشد من مجرد التردد. وروينا من حديث عائشة قالت: "كان لأبي بكر الصديق غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أُحسن الكهانة إلَّا أني خدعته، فلقيني فأعطاني لذلك هذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" (٣) أخرجه البخاري.

стр. 562

والخراج: شيء يجعله السيد على عبده يؤديه إلى السيد كل يوم، وباقي كسبه يكون للعبد. وهذا نوع آخر وهو ما به استدراك السُّحت المتناول من غير علم، وهو من المطعوم ونحوه. وروينا من حديث نافع عن عمر بن الخطاب: "أنه فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصته؟ فقال: إنما هاجر به أبوه. يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه" (١) أخرجه البخاري. وفيه تنبيه على أن المتورع عنه أنواع، منها: تفاوت العطاء بحسب تفاوت الاستحقاق تورعًا من التسوية. وروينا من حديث عطية بن عروة السعدي الصحابي مرفوعًا: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس" (٢) أخرجه الترمذي وحسنه. وفيه بيان تفاوت درجات الورع، وأشد من اتقاء الشبهات اتقاء ما لا بأس به حذرًا مما به بأس.

стр. 563

مجلس في استحباب العزلة عند فساد الزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ (١) أي: فِرُّوا من المعاصي إلى محبته ومراضيه، أو مما سواه إليه، أو مما لم يكن إلى من لم يزل. وروينا من حديث سعد بن أبي وقَّاص مرفوعًا: "إن اللَّه يحب العبد التقي الغني الخفي" (٢) أخرجه مسلم. والمراد بالغنى غنى النفس (٣) كما سبق في الحديث الصحيح. وفيه من خواص العزلة والاختفاء وعموم الذكر محبة اللَّه لمن اتصف بذلك، وناهيك بذلك. وروينا من حديث أبي سعيد الخدري قال: "قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول اللَّه؟ قال: "رجل يُجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه". قال: ثم من؟ قال: "رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه". وفي رواية: "يتقي اللَّه ويدع الناس من شره"" (٤) أخرجاه. وفيه: أن المعتزل في شعب أفضل الناس. وفيه ثلاث فوائد للعزلة: عبادة الرب

стр. 564

تعالى، ولا شك أن الفراغ من كل شاغل عن الخير مُيَسِّر للخير وأن التفرد عن الخلق أبعد عن الرياء وأعون على الإخلاص. والفائدة الثانية: تقوى اللَّه، ولا شك أن كثيرًا من المعاصي تتعذر في العزلة فكانت مَطِيَّة التقى. وثالثها: ويدع الناس من شره، وإنها لفائدة جليلة وصدقة جزيلة. وفيه أحد مواطن العزلة وهو شعب من الشعاب، ولزوم البيت قريب منه. وروينا عنه مرفوعًا: "يُوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن" (١) أخرجه البخاري. وشعف الجبال أعلاها. وفيه فائدة أخرى للعزلة وهو الفرار بدينه من الفتن، وكان الغنم خير المال لإعانتها على أشرف الخلال، وقد اعتزل أبو ذر السَّادات ونزل الربذة، فما ظنك بزماننا الخلف وكثرة الأراذل والسفلة. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما بعث اللَّه نبيا إلَّا رعى الغنم". فقال أصحابه: وأنت؟ قال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (٢) أخرجه البخاري. قلت: فليُقتُدَ بهم. وكان أويس يرعى إبل قومه نحليًا وتكسُّبًا. وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللَّه يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل أو الموت مظانَّهُ (٣)، أو رجل في غُنيمة في رأس شَعَفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلَّا

стр. 565

في خير" (١) أخرجه مسلم. يطير: أي يسرع. ومتنه: ظهره. والهيعة: الصوت للحرب. والفزعة نحوه، ومَظَانُّ الشيء: المواضع التي يظن وجوده فيها. والغُنيمة بضم الغين: تصغير الغنم. والشَعَفة بفتح الشين والعين: أعلى الجبل. وفيه مدح العزلة مطلقًا، وفيه أنه ليس من الناس إلَّا في خير كما جمعه هذا الحديث، وهو من جوامع كلمه. فصل في الاختلاط بالناس وحضور جُمَعِهم وجماعاتهم ومشاهد الخير ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم وغير ذلك من مصالحهم، لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء والصبر على الأذى هذا الذي كان عليه الشارع (٢) والأنبياء والخلفاء ومن بعدهم من العلماء وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٣) والآيات في معنى ذلك كثيرة معلومة.
следующие страницы →