← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قبله، وهو ما لم تطمئن إليه النفس ولا يخرجه عن ذلك الإفتاء بالحل، ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾. وروينا من حديث أبي سِروعة. بكسر السين المهملة. عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني أرضعت عقبة والتي تزوج بها. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فركب إلى رسول اللَّه بالمدينة فسأله فقال رسول اللَّه: "كيف وقد قيل؟ " ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره (١) أخرجه البخاري. وفيه نوع آخر من مجاريه، وهو ما أخبر بتحريمه من لم يكف قوله في التحريم. وروينا من حديث الحسن بن علي ﵄ قال: حفظت من رسول اللَّه ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يُريبك" (٢) أخرجه الترمذي وحسَّنه. أي اترك ما تشك فيه وخذ ما لا تشك فيه، وهذا نوع آخر منه وهو ما يريب الإنسان ويشك فيه، والريب أشد من مجرد التردد. وروينا من حديث عائشة قالت: "كان لأبي بكر الصديق غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أُحسن الكهانة إلَّا أني خدعته، فلقيني فأعطاني لذلك هذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" (٣) أخرجه البخاري.

стр. 562

والخراج: شيء يجعله السيد على عبده يؤديه إلى السيد كل يوم، وباقي كسبه يكون للعبد. وهذا نوع آخر وهو ما به استدراك السُّحت المتناول من غير علم، وهو من المطعوم ونحوه. وروينا من حديث نافع عن عمر بن الخطاب: "أنه فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصته؟ فقال: إنما هاجر به أبوه. يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه" (١) أخرجه البخاري. وفيه تنبيه على أن المتورع عنه أنواع، منها: تفاوت العطاء بحسب تفاوت الاستحقاق تورعًا من التسوية. وروينا من حديث عطية بن عروة السعدي الصحابي مرفوعًا: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس" (٢) أخرجه الترمذي وحسنه. وفيه بيان تفاوت درجات الورع، وأشد من اتقاء الشبهات اتقاء ما لا بأس به حذرًا مما به بأس.

стр. 563

مجلس في استحباب العزلة عند فساد الزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ (١) أي: فِرُّوا من المعاصي إلى محبته ومراضيه، أو مما سواه إليه، أو مما لم يكن إلى من لم يزل. وروينا من حديث سعد بن أبي وقَّاص مرفوعًا: "إن اللَّه يحب العبد التقي الغني الخفي" (٢) أخرجه مسلم. والمراد بالغنى غنى النفس (٣) كما سبق في الحديث الصحيح. وفيه من خواص العزلة والاختفاء وعموم الذكر محبة اللَّه لمن اتصف بذلك، وناهيك بذلك. وروينا من حديث أبي سعيد الخدري قال: "قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول اللَّه؟ قال: "رجل يُجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه". قال: ثم من؟ قال: "رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه". وفي رواية: "يتقي اللَّه ويدع الناس من شره"" (٤) أخرجاه. وفيه: أن المعتزل في شعب أفضل الناس. وفيه ثلاث فوائد للعزلة: عبادة الرب

стр. 564

تعالى، ولا شك أن الفراغ من كل شاغل عن الخير مُيَسِّر للخير وأن التفرد عن الخلق أبعد عن الرياء وأعون على الإخلاص. والفائدة الثانية: تقوى اللَّه، ولا شك أن كثيرًا من المعاصي تتعذر في العزلة فكانت مَطِيَّة التقى. وثالثها: ويدع الناس من شره، وإنها لفائدة جليلة وصدقة جزيلة. وفيه أحد مواطن العزلة وهو شعب من الشعاب، ولزوم البيت قريب منه. وروينا عنه مرفوعًا: "يُوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن" (١) أخرجه البخاري. وشعف الجبال أعلاها. وفيه فائدة أخرى للعزلة وهو الفرار بدينه من الفتن، وكان الغنم خير المال لإعانتها على أشرف الخلال، وقد اعتزل أبو ذر السَّادات ونزل الربذة، فما ظنك بزماننا الخلف وكثرة الأراذل والسفلة. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما بعث اللَّه نبيا إلَّا رعى الغنم". فقال أصحابه: وأنت؟ قال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (٢) أخرجه البخاري. قلت: فليُقتُدَ بهم. وكان أويس يرعى إبل قومه نحليًا وتكسُّبًا. وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللَّه يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل أو الموت مظانَّهُ (٣)، أو رجل في غُنيمة في رأس شَعَفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلَّا

стр. 565

في خير" (١) أخرجه مسلم. يطير: أي يسرع. ومتنه: ظهره. والهيعة: الصوت للحرب. والفزعة نحوه، ومَظَانُّ الشيء: المواضع التي يظن وجوده فيها. والغُنيمة بضم الغين: تصغير الغنم. والشَعَفة بفتح الشين والعين: أعلى الجبل. وفيه مدح العزلة مطلقًا، وفيه أنه ليس من الناس إلَّا في خير كما جمعه هذا الحديث، وهو من جوامع كلمه. فصل في الاختلاط بالناس وحضور جُمَعِهم وجماعاتهم ومشاهد الخير ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم وغير ذلك من مصالحهم، لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء والصبر على الأذى هذا الذي كان عليه الشارع (٢) والأنبياء والخلفاء ومن بعدهم من العلماء وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٣) والآيات في معنى ذلك كثيرة معلومة.

стр. 566

مجلس في تحريم الكبر والإعجاب قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (٢) أي يميله ويعرض عن الناس تكبرًا عليهم، والمرح: التبختر. وقال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]. وروينا من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر". فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبُه حسنًا ونعله حسنةً. قال: "إن اللَّه جميل يحب الجمال (٤)، الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس" أخرجه مسلم (٥). بَطَرُ الحق: دفعه ورده على قائله. وغَمْطُ الناس: احتقارهم.

стр. 567

وأول من تكبر ذلك اللعين. وروينا من حديث سلمة بن الأكوع ﵄: "أن رجلًا أكل عند رسول اللَّه ﷺ بشماله فقال: "كُلْ بيمينك" قال: لا أستطيع. قال: "لا استطعت" ما منعه إلَّا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه" (١) أخرجه مسلم. ومن جملة قبائحه إيقاعه في الكذب بنحو لا أستطيع (لا جد) (٢) ما عقبه دعاء من لا يُرَدُّ بقوله: "لا استطعت". وروينا من حديث حارثة بن وهب مرفوعًا: "ألا أخبركم بأهل النار؟ كُلُّ عُتُلٍّ جوَّاظ مستكبر" (٣) وستعلم شرحه في باب ضعفة المسلمين. وما أعظم هذا النداء، وفيه شمول لنار الدنيا والأخرى الروحانية والجثمانية. وروينا من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "احتجَّت الجنة والنار، قالت النار: فِيَّ الجبَّارون والمتكبرون. وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس وسقطُهُم (٤) فقضى اللَّه بينهما: إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أُعذِّب بك ما أشاء، ولكليهما عليَّ مِلؤُها" (٥) أخرجه مسلم، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] (٦). وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا ينظر اللَّه يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بَطَرًا" (٧) أخرجاه. وما أشد هذا الحرمان وإنه لنقيض قصده.

стр. 568

وروينا من حديثه مرفوعًا: "ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم؛ شيخ زَانٍ وملك كذَّاب وعائل مستكبر" (١) أخرجه مسلم. والعائل: الفقير. وما أشد من اجتمع عليه هؤلاء الثلاثة لا سيما كلام محبوبه. وفيه أن الكبر قد يفحش ببعض (محاله) (٢) فإنه لأشد قبحا بالعائل المتكبر. وروينا عنه مرفوعًا: "العزُّ إزاره والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذَّبته" (٣) أخرجه مسلم. وأي مصيبة أعظم ممن ينازع رب الأرباب في ذلك وهو من طين وماء مهين، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، وإن تعذيبه لأقل جزائه. وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: "بينما رجل يمشي في حُلَّة يعجب نفسه مُرجِّل رأسه يختال في مشيته إذ خسف اللَّه به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" (٤) أخرجاه. مُرجِّل: ممشِّط. ويتجلجل تحتهن: يغوص وينزل. وفيه أبلغ الحذر من الإعجاب بالنفس وإن لم يكن كالكبر. وروينا من حديث سلمة بن الأكوع مرفوعًا: "لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يُكتب في الجبَّارين فيصيبه ما أصابهم" (٥) رواه الترمذي وحسَّنه. ويذهب: يرتفع ويتكبر، وفيه التحذير من البوادي المؤدية إلى الإعجاب.

стр. 569

مجلس في حُسن الخُلق قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (١) وفيها استعظام خلقه ومدحه. وقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (٢) الآية. وفيها تفاصيل حرمات الأخلاق وإطلاق الإحسان واستدراك الهفوات. وروينا عن ابن المبارك فيما حكاه عنه الترمذي أن حُسن الخُلق طلاقة الوجه وبذل المعروف وكف الأذى. وروينا من حديث أنس ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس خُلُقًا" (٣) أخرجاه. فحسن الخلق من سمته، فقصبات السبق حازها، وأي مُرغِّب للألبَّاء في رفقة من هذا صفته. وروينا من حديثه أيضا: "ما مسست ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول اللَّه ﷺ ولا شممت رائحة أطيب من رائحة رسول اللَّه، ولقد خدمت رسول اللَّه ﷺ عشر سنين فما قال قط: أُفٍّ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا". أخرجاه (٤) وما أحسن هذا الخَلق والخُلق.

стр. 570

وروينا من حديث الصعب بن جَثَّامة قال: "أهديت إلى رسول اللَّه ﷺ حمارا وحشيًّا فردَّه عليَّ، فلما رأى ما في وجهي قال: "إنَّا لم نَرُدَّهُ عليك إلَّا أنا حُرُم"" (١) أخرجاه. وما أحسن هذا الاعتذار وألطفه. وروينا من حديث النواس بن سمعان قال: "سألت رسول اللَّه ﷺ عن البر والإثم فقال: "البرُّ حُسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس" (٢) أخرجه مسلم. فبذل المعروف بطلاقة الوجه لا أهم منه بعد كفِّ الأذى وتلافيه. وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: "لم يكن رسول اللَّه ﷺ فاحشًا ولا مُتَفحِّشًا، وكان يقول: "إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا" (٣) أخرجاه. وإنما لم يكن كذلك لأن اللَّه تعالى يبغض الفاحش البذيء كما سيأتي. وروينا من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن اللَّه يبغض الفاحش البذيء" (٤) أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. والبذيء هو الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام، وفيه بيان رتبة الخُلق الحَسن وأنه أرجح من كل محبوب. وروينا من حديث أبي هريرة: "سُئل رسول اللَّه ﷺ عن أكثر ما يُدخل الجنة، قال: "تقوى اللَّه وحُسن الخلق" وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: "الفم

стр. 571

والفرج" (١) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وروينا عنه مرفوعًا: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقًا، وخياركم خياركم لنسائهم" (٢) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. فيه قوة الإيمان ودرجاته متفاوتة كدرجات الإيمان، وفرق بين قولنا الأكمل إيمانا أحسن خُلقا وعكسه كما هو ظاهر من قولنا: أشد الناس شبعا أكثرهم أكلا وعكسه. وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" (٣) رواه أبو داود. وفيه من الجواذب إليه تعريف الحريص على الخير. وروينا من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "أنا زعيم ببيت في رَبَضِ الجنة لمن ترك المِراء وإن كان مُحقًّا وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلا الجنة لمن حسُن خلقه" (٤) رواه أبو داود بإسناد صحيح. والزعيم: الضامن. وروينا من حديث جابر مرفوعًا: "إن من أحبكم إليَّ وأقربكم منِّي مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثَّرْثَارون والمتشدِّقون والمُتَفَيْهِقُون" قالوا: يا رسول اللَّه، قد علمنا الثَّرثارون والمتشدِّقون، فما المتفيهقون؟ قال: "المتكبرون" (٥) رواه الترمذي وحسنه. والثرثار هو كثير الكلام تَكَلُّفًا، والمتشدق: المتطاول على الناس بكلام، ويتكلم بملئ فيه تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه. والمتفيهقون: أصله من الفهق وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فاه بالكلام ويتوسع فيه ويُغرِب به تكبرًا وارتفاعًا وإظهارًا للفضيلة على غيره وبالمحبة السابقة والقرب من فوز وقرة عين.

стр. 572

مجلس في الحلم والأناة والرفق قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) وهذا من صفات أهل الجنة. وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (٢). وإذا طُلب هذا من سيد الكاملين فكيف من أحاد الناقصين. وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. والدفع بذلك بحسم مادة العداوة يُريح من عمومها عاجلًا وآجلًا. وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (٤) فهما من عزم الأمور فلا مندوحة عنه لذي عقل، فأعظم بأمر لأهل الجنة والكمال المقرب من اللَّه تعالى فالراحة العاجلة والرأي السديد. وروينا من حديث ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما اللَّه: الحلم والأناة" (٥) أخرجه مسلم. وكفى بذلك شرفًا له. وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: "إن اللَّه رفيق يحب الرفق في الأمر كله" (٦)

стр. 573

أخرجاه. فهو من صفاته وما أجلَّها. وروينا من حديثهما أيضًا مرفوعًا: "إن اللَّه رفيق يحب الرِّفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العُنف وما لا يعطي على ما سواه" (١) أخرجه مسلم. فكل أمر لا يوصل إليه العنف أو يوصل إليه بشدة فاللَّه تعالى يجعل الرفق موصلًا إليه، أتم إيصال وأجمله. وروينا عنها أيضًا مرفوعًا: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزَع من شيء إلا شانه" (٢) أخرجه مسلم أيضا. وأين الزين من الشين. وروينا من حديث أبي هريرة قال: "بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ : "دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلًا من ماء أو ذَنُوبا من ماء، فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا مُعسِّرين" (٣) أخرجه البخاري. السَّجْل بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: الدَّلو الممتلئة ماء، كذلك الذنوب. وفيه بيان محل الرفق وصفته، فمحله أولا المنكرات وتغييرها، وصفته نحو "دعوه"، وتلافي ما وقع نحو "أريقوا"، وإسماعه نحو "فإنما بُعثتم ميسرين" فإنه آنس له ما زجر. وروينا من حديث أنس مرفوعًا: "يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا" (٤) أخرجاه، وهو بيان لصفة الرفق. وروينا من حديث جرير بن عبد اللَّه مرفوعًا: "من يُحرم الرفق يُحرم الخير كله" (٥) أخرجه مسلم. وهو منفر لتركه، وأكده بقوله: كله. وروينا من حديث أبي هريرة أن رجلا قال للنبي ﷺ : أوصني. قال: "لا

стр. 574

تغضب". فردَّدَ مرارا، قال: "لا تغضب" (١) أخرجه البخاري. والغضب مانع من الحلم والرفق. وروينا من حديث أبي يعلى شداد بن أوس مرفوعًا: "إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته" (٢) أخرجه مسلم. وفيه ما يسهل التخلق بالحلم والأناة فيحصل المقصود من غير كلفة. وروينا من حديث عائشة: "ما خُيِّر رسول اللَّه ﷺ بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول اللَّه ﷺ لنفسه في شيء قط إلَّا أن تُنتهك حُرمة اللَّه فينتقم للَّه تعالى" (٣) أخرجاه. فينبغي الاقتداء به في ذلك فنعم الأسوة. وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "ألا أُخبرُكُم بمن يحرم على النار أو بمن تَحْرُمُ عليه النار؟ تَحرُمُ على كل قريب لين سهل" (٤) رواه الترمذي وحسَّنه. وفيه ما يصرف مقتضى الحلم والرفق، وأمر بما يحرم صاحبه على النار ليصابر ويستديم.

стр. 575

مجلس في العفو والإعراض عن الجاهلين قال اللَّه تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (١) وإذا كان هذا الأمر لأقرب الخلق لديه وأكرمهم عليه وأحبهم إليه فما ظنُّك بغيره؟ وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٢) وهو كالتفسير للإعراض، والمراد بالجميل الذي لا جزع فيه ولا عتب ولا كظم بل بحلم وسماح. وقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٣) فمن عفا وصفح غُفر له وجزاه وِفاقًا. وقال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣]. أي فذلك شأن أهل العزم والكمال. والآيات في الباب كثيرة معلومة. وروينا من حديث عائشة أنها قالت للنبي ﷺ : "هل أتى عليك يوم أشد من يوم أُحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم

стр. 576

على وجهي فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثعالب (١)، فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﷺ فناداني فقال: إن اللَّه قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ ثم قال: يا محمد، إن اللَّه قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشَبين. فقال ﷺ : "بل أرجو أن يُخْرِج اللَّه من أصلابهم من يعبد اللَّه وحده لا يشرك به شيئًا" (٢) أخرجاه. الأخشبان: الجبلان المحيطان بمكة، والأخشب هو الجبل الغليظ. وفيه: أن أهل العفو والمتصف به سادة الأنبياء وهم أرفع الناس قدرًا وأعلاهم همة وأوفرهم كمالًا وأكرمهم طبعًا وأعزهم نفسا وأشرفهم رتبة، فطوبى لمن سلك سبيلهم واقتفى مآثرهم، والإعراض عن الكف في ذلك العظيم. وروينا من حديثها أيضا: "ما ضرب رسول اللَّه ﷺ شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلَّا أن يجاهد في سبيل اللَّه، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلَّا أن يُنتهك شيء من محارم اللَّه تعالى فينتقم للَّه تعالى" (٣) أخرجه مسلم. وما أحسن هذا الخلق العظيم. وروينا من حديث أنس ﵁ قال: "كنت أمشى مع رسول اللَّه ﷺ وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق رسول اللَّه ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرِّداء من شدة جذبته ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال اللَّه الذي عندك. فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء" (٤) أخرجاه. فانظر ما قابل الإساءة بها وهو الإحسان.

стр. 577

وروينا من حديث ابن مسعود: "كأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح عن وجهه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (١) أخرجاه. وروينا فيهما عن أبي هريرة مرفوعًا: "ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٢). والمراد إنما الشديد الشدة الكمالية النافعة دنيا وأُخرى، وليعتريه اللبيب وإنه لإغراء بليغ عجيب.

стр. 578

مجلس في احتمال الأذى قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (٢). وقد سلف في المجلس قبله. وحاصله الترغيب على الاحتمال؛ فإن كظم الغيظ من صفات أهل الجنة، وأهله من المحسنين والباري يحبهم وهو من عزم الأمور (٣)، وكظم الغيظ أن يتجرعه فيمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثر، من قولهم: كَظَمَ القربة إذا ملأها وشدَّها، وكَظَمَ البعير إذا لم يجتر. وروينا من حديث أبي هريرة: "أن رجلا قال يا رسول اللَّه، إن لي قرابة أصِلَهُم ويقطعوني. . . " (٤) الحديث، وقد سلف بطوله وشرحه في صلة الأرحام، وقد أخبر فيه أنه يناله من الاحتمال والحلم عنهم ألم عظيم وهو شاق من الغيظ كاف؛ فإنه لن يزال معه من اللَّه ظهير عليهم وكفى به وناهيك.

стр. 579

مجلس في الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع والانتصار لدين اللَّه تعالى قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (١). رغب في تعظيمها، ومنه الغضب إذا انتُهكت. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢) أي في كل موطن دنيا وأخرى. وفي الباب حديث عائشة السالف في العفو. وروينا من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري قال (٣): جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا. فما رأيتُ رسول اللَّه ﷺ غضب في موعظة قط أشد ما غضب يومئذ فقال: "يا أيها الناس، إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة" أخرجاه. وروينا من حديث عائشة قالت: قدم رسول اللَّه ﷺ من سفر وقد سترت سهوة له بقرام فيه تماثيل، فلما رآها رسول اللَّه هتكه وتلوَّن وجهه وقال: "يا عائشة، أشد الناس عذابا عند اللَّه يوم القيامة الذين يضاهون بخلق اللَّه" (٤) أخرجاه. والسهوة

стр. 580

كالصفة تكون بين يدي البيت، والقِرام بكسر القاف: ستر رقيق. وهتكه (١): أفسد الصورة التي فيه. وفيه وما بعده وما قبله غضبه للَّه تعالى حتى يُرَى ذلك في وجهه، وكفى بذلك مرغبًا، فالخير كله في اتباعه لأنه أكمل الخلق وأعلمهم باللَّه وبمراضيه، حشرنا اللَّه في زمرته وتحت لوائه. وفيه الغضب عند التنفير من العبادة وبغض دينه وتحمل المشقة الشديدة وتضييع المصالح المهمة والوعظ بأن "منكم منفرين"، والتعليم بـ "أيكم أمَّ الناس فليوجز"، وتعريف الضرورة بنحو: "فإن من ورائه" إلى آخره. وفي الثاني بيان صفة الإزالة باليد. وروينا من حديث عائشة أيضًا أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ . (٢) فكلمه أسامة فقال رسول اللَّه ﷺ : "أتشفع في حدٍّ من حدود اللَّه؟ ". ثم قام واختطب ثم قال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايمُ اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٣) أخرجاه. وفيه عدم السعي في تعطيل الحدود رعاية لأهل الوجاهة والشرف، وصفة ما يفعل عند ذلك حتى على الحثِّ بنحو: "أتشفع في كذا"، ثم الإسهاب بنحو القيام والاختطاب البيِّن وقال ذلك

стр. 581

وأنه أهلك الأوائل، ثم إظهار التصميم حتى في الأعز الأحب مؤكدا بالقسم، ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١). وأمَّنْتَني وأهنت نفسي راضيًا … ما من يهون عليك ممن أكرم وروينا من حديث أنس أن النبي ﷺ رأى نُخامة في القبلة فشقَّ ذلك عليه حتى رُئي في وجهه، فقام فحكَّه بيده فقال: "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه وإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قِبَل القبلة ولكن عن يساره أو تحت قدمه" (٢)، ثم أخذ طرف رداءه فبصق فيه ثم ردَّ بعضه على بعض فقال: "أو يفعل هكذا" (٣) أخرجاه. والأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما فية فلا يبصقنَّ إلَّا في ثوبه، وفيه الغضب عند انتهاك حرمات اللَّه والاستهانة بشعائره، وحالة رؤية آثار ذلك كالنخامة والمبادرة إلى حكِّها، والتمثيل بما يخجل من (. . . . . .) (٤).

стр. 582

مجلس في أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصحهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ (١) أمر بتواضعه ولينه لهم فكيف بغيره. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٢) الآية. وفيها تفصيل ما يفعل وما يترك. والتفصيل بعد الإجمال وبيان الجزئيات الناشئة عن أمر بعد التأسيس حُسْن بالغ. وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته" (٣) شامل لما فصل قبل ذلك. وروينا من حديث معقل بن يسار مرفوعًا: "ما من عبد يسترعيه اللَّه رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلَّا حرم اللَّه عليه الجنة" (٤) أخرجاه. ولمسلم: "ما من

стр. 583

أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلَّا لم يدخل معهم الجنة" (١). وفيه تحذير كل راع من الغِشِّ وعدم النصيحة والجهد له وما أبلغه من تهديد. وروينا من حديث عائشة قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في بيتي: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به" (٢) أخرجه مسلم. وفيه الدعاء على من شَقَّ عليهم بتشديد أو غيره والدعاء لمن رفق بهم، فليختر لنفسه ولي الأمر، واللَّه المستعان. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "كانت بنو إسرائيل تسُوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون". قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "أوفوا ببيعة الأول ثم أعطوهم حقهم وسلوا اللَّه الذي لكم؛ فإن اللَّه سائلهم عما استرعاهم" (٣) أخرجاه. وفيه الحث على الشفقة والقيام بالحقوق كلها، إذ من سائله اللَّه لا بُدَّ وأن يجيب فإن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرٌّ. وروينا من حديث عائذ بن عمرو أنه دخل على عبيد اللَّه بن زياد فقال: أي بني، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن شرَّ الرّعاء الحُطمة، فإياك أن تكون منهم" (٤) أخرجاه. وفيه التحذير من الإغلاظ والتشديد والغش والإيذاء وكل فساد (٥)، وفي تسميته بالحُطمة وأنه شرّ الرّعاء ما فيه كفاية. وروينا من حديث أبي مريم الأزدي أنه قال لمعاوية: "سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من ولَّاه اللَّه شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلَّتهم وفقرهم احتجب اللَّه دون

стр. 584

حاجته وخلَّته وفقره يوم القيامة". فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس" (١) رواه أبو داود والترمذي. وفيه تهديد من أهمل مصالح المسلمين وتغافل عنهم وعن حوائجهم واحتجب دونهم بما لا طاقة لأحد به. مجلس في الوالي العادل قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٢) الآية. وقال: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣). وفي الآية الأولى إشعار بأن العادل امتثل أمر اللَّه، وكفى بذلك جمالًا وعبودية. وفي الثانية أثر ذلك وثمرته وفائدته العُظْمى وهي بشارة أن اللَّه يحب المقسطين. وروينا من حديث أبي هرير مرفوعًا (٤): "سبعة يُظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبه معلَّق بالمساجد، ورجلان تحابا في اللَّه اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف اللَّه، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اللَّه خاليا ففاضت عيناه" أخرجاه. وإذا أظل اللَّه تعالى الإمام العادل في ظله فأيُّ مضرَّة أو مذلَّة تناله. وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "إن المقسطين عند اللَّه

стр. 585

على منابر من نور؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا" (١) أخرجه مسلم. وناهيك بذلك وجاهة ورفعة. وروينا من حديث عوف بن مالك مرفوعًا: "خيار أئمتكم الذين تحبُّونهم ويحبونكم وتُصلُّون عليهم ويُصَلُّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم". قال: قلنا: يا رسول اللَّه، أفلا نُنَابذهم؟ قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة" (٢) أخرجه مسلم. تُصلُّون عليهم: تدعون لهم، فهؤلاء الخيار ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (٣). وروينا من حديث عياض بن حمار مرفوعًا: "أهل الجنة ثلاثة؛ ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم عفيف مُتَعفِّف ذو عيال" (٤) أخرجه مسلم. وفيه أنهم من أهل الجنة وليس وراعيًا ذات قربة. مجلس في وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم فيها قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٥) فأمر تعالى بذلك. فأولوا الأمر: قيل العلماء الدينيون الذين يُعلِّمون الناس الدين ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وقيل: أُمراء السرايا. والأشهر أنهم الحُكَّام وولاة الأحكام، فلما

стр. 586

أمر تعالى الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل أمر الناس أن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم. والمراد أُمراء الحق لا الجور. وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا (١): "على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره إلَّا أن يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" أخرجاه. فسبب الوجوب صفة الإسلام بشرط كونه طاعة. وروينا من حديثه أيضًا قال: "كنا إذا بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة يقول لنا: "فيما استطعتم" (٢) أخرجاه. وما لا يُستطاع ليس في الوسع: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من خلع يدا من طاعة لقي اللَّه يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (٤) أخرجه مسلم. وله: "ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت مِيتة جاهلية" (٥). المِيتة: بكسر الميم. وفيه التحذير البليغ من المخالفة مع الشرطين. وروينا من حديث أنس مرفوعًا: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبدا حبشيًّا كأن رأسه زبيبة" (٦) أخرجه البخاري. وليس ذلك بمانع من طاعته، فذو الشَّوكة

стр. 587

يُطاع ولو كان ناقصا. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "عليك السمع والطاعة في عُسرك ويُسْرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك" (١) أخرجه مسلم. فليس شيء من هذه الأمور بمانع من وجوب الطاعة. وروينا من حديث ابن عمرو قال: "كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فمنَّا من يُصلح خِبَاءَه، ومنَّا من ينتضل، ومنَّا من هو في جَشَرِه إذ نادى منادي رسول اللَّه: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: "إنه لم يكن نبي إلَّا كان عليه حقا أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم، وإن أُمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيُرقق بعضها (٢) بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح من النار ويدخل الجنة فلتأته منيَّته وهو يؤمن باللَّه واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليُطعه إن استطاع، فإن جاء آخر يُنازعه فاضربوا عُنُقَ الآخر" (٣) أخرجه مسلم. وينتضل: يسابق بالرمي بالنبل والنشاب. والجَشَرُ بفتح الجيم والشين المعجمة

стр. 588

وبالراء: الدواب التي ترعى وتبيت في مكانها. وترقق بعضها إلى بعض: أي تصير بعضها بعضًا رقيقًا أي خفيفا لعظم ما بعده، فالثاني يرقق الأول. وقيل: تسوق بعضها بعضا بتحسينها وتسويلها. وقيل: تشدّ بعضها بعضا. وفيه أن من بويع أولا فهو أحق بالطاعة (١)، فتضرب رقبة الأخير إن أضرَّ وضال. وروينا من حديث وائل بن حجر قال: "سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول اللَّه ﷺ فقال: يا نبي اللَّه، أرأيت إن قامت علينا أُمراء يسألون حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس وقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم" (٢) أخرجه مسلم. وروينا من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: "سيكون بعدي أُمراء وأمور تُنكرونها". قالوا: يا رسول اللَّه، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: "تُؤدُّون الحق الذي عليكم وتسألون اللَّه الذي لكم" (٣) أخرجاه. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن يُطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني" (٤) أخرجاه. وفيه بيان رتبة الإمارة وكبر شأنها، ولا أبلغ في التعبير عن ذلك بذلك، وهو من الشكل الرابع. وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من كره من أميره شيئًا فليصبر فإنه من خرج من السَّلطان شبرا فمات عليه إلَّا مات ميتة جاهلية" (٥) أخرجاه. ولا شك أن الخروج شؤم.

стр. 589

وروينا من حديث أبي بكر مرفوعًا: "من أهان السلطان أهانه اللَّه" (١) رواه الترمذي وحسنه. وفيه حسن الأدب والمبادرة للإكرام وكفِّ اللسان ونحو ذلك، فإن السلطان ظل اللَّه في أرضه. وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح سلف بعضها في مواضع. مجلس في النهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات إذا لم تتعين عليه أو تدع حاجة إليه قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ (٢). وروينا من حديث عبد الرحمن بن سمرة مرفوعًا: "يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطيتها من غير مسألة أُعنت عليها، وإذا أُعطيتها عن مسألة وُكِّلْت إليها. . . " (٣) الحديث. أخرجاه. وروينا من حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أُحب لك ما أُحب لنفسي، لا تأمرنَّ على اثنين ولا تولَّينَّ مال يتيم" (٤) أخرجه مسلم. ولا أبلغ في النهي عن الولاية من ذلك وذمها. وعنه قلت: يا رسول اللَّه، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: "يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلَّا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها" (٥) أخرجه مسلم

стр. 590

أيضا. وليس المراد ضعيف البدن إذ لا مدخل له في الإمارة ولا ضعف العلم فإنه حفظ علمًا جمًّا كما قال عمر ﵁، ولا ضعف الهمة والتصميم على الحق، وإنما المراد الضعف عن احتمال لجاج الخصوم ولددهم وكان خلقه لا يحتمل ذلك، أو عن شدّ أيد أهوالها وحزبها ونكالها فيما يظهر. وقوله: "فإنها أمانة" أي من التي أمنت السماوات والأرض عليها ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وقوله: "فإنها يوم القيامة خزي وندامة" فشهوده عياني لكل موفق. وقوله: "إلَّا من أخذها بحقها" أشد مستوقف عنها لمن فهم قوله: "وأدَّى الذي عليه"، فيها أبلغ مانع وأكف منفر (١). وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة" (٢) أخرجه البخاري. فالحرص عليها إذن لشهود أنها "نعم المرضعة وبئست الفاطمة". مجلس في حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير صالح وتحذيرهم من قُرَناء السوء والقبول منهم قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ (٣). وفيها الإغراء بخلة المتقين والتحذير من خلة غيرهم وأنها عداوة في الحقيقة.

стр. 591

وروينا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما بعث اللَّه من نبي ولا استخلف من خليفة إلَّا كان له بطانتان؛ بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم اللَّه" (١) أخرجه البخاري. وفيه تعريف سنة اللَّه في خليقته والمعصوم من عصم اللَّه. وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: "إذا أراد اللَّه بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكَّره وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعينه" (٢). رواه أبو داود بإسناد جيد على شرط مسلم. وفيه تعريف فيمن يريد به خيرًا ومن يريد به غير ذلك، ولا تعارض عند التأمُّل. مجلس في النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما من الولايات لمن سألها أو حرص عليها فعرَّض بهما. روينا في الصحيحين (٣) من حديث أبي موسى ﵄ قال: "دخلت على رسول اللَّه أنا ورجلان من بني عمير فقال أحدهما: يا رسول اللَّه، أَمِّرْنا على بعض ما ولَّاك اللَّه. . وقال الآخر مثل ذلك فقال: "إنَّا واللَّه لا نولي هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حرص عليه". مجلس في الحياء وفضله والحث على التخلق به روينا من حديث ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ مرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعه؛ فإن الحياء من الإيمان" أخرجاه (٤).

стр. 592

فالحياء منشأه من الإيمان، وكذا كل حالة قلبية فإنها تنشأ من الاعتقاد المناسب لها. وروينا من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: "الحياء لا يأتي إلَّا بخير" (١) أخرجاه. ولمسلم: "الحياء خير كله"، أو قال: "الحياء كله خير" (٢). فالحياء ثمرته كلها جميلة وأنواعه كلها خير. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، وأفضلها قول: لا إله إلَّا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٣) أخرجاه. والبِضع. بكسر الباء ويجوز فتحها: هو من الثلاثة إلى العشرة. والشعبة: القطعة والخصلة. والإماطة: الإزالة. والأذى: ما يؤذي، كحجر وشوك وطين ورماد وقذر ونحو ذلك. فمرتبة الحياء فوق أدنى الخصال التي هي شعب الإيمان (٤) ودون أعلاها، وإماطة الأذى فرعه، وأصل الشيء أعلا من فرعه. وروينا من حديث أبي سعيد قال: "كان رسول اللَّه ﷺ أشد حياء من العذراء

стр. 593

في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه" (١) أخرجاه. وفيه بيان أن أهله أكابر الكرام، ورأسهم فيه سيد الأنام عليه أزكى تحية وأفضل سلام، وأنه تتفاوت درجاته بالقوة والضعف. وحاصل هذه الأحاديث بيان سبب الحياء وثمرته وتنوعه ومرتبته وبيان أهله وتفاوت درجته، وكل منها مرغِّب وجاذب ومناد يمدحه وناطق. فائدة: حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. وروينا عن أبي القاسم الجنيد (٢). ﵀. قال: الحياء رؤية الآلاء. أي النعم. ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء. مجلس في حفظ السِّر قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣) فأمر تعالى بإيفائه، وهو شامل لكل عهد واستئمان على سرّ وتعاهده على حفظه وعدم إذاعته، وإنه ﴿كَانَ مَسْئُولًا﴾: إما مطلوبا من العباد وإما مسئولا عنه وكله لتأكيد الإيفاء به. ولنذكر أحاديث دالة على التحذير من إفشاء السرّ ونشره وبيان تفاوت درجات نشره، وبيان أهل حفظ السر وأنهم أُولوا الأدب والكمال من الرجال والنساء والصبيان وأنه ينبغي قبول عذرهم في الكتمان من غير تكلُّف الإفشاء، وبيان مجاريه المتأكدة وبيان وقت الحفظ والنشر وما ليس بعذر يُستباح. فروينا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "إن من أشرِّ الناس عند اللَّه منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر

стр. 594

سرَّها" (١) أخرجه مسلم. وفيه أحد مجاري حفظ السرّ وهو ما يكون بين الزوجين. سُئل عروس عن أمره فقال: لو كان الإخبار من قصدي لم أُغلق الباب ولم أرخ الستر. وفيه من بيان مرتبته أن كل مُفْش لسر شرير، ولكن من أشرِّ الأشرار (٢) هاتك ستر امرأته. وفيه أن السر قد يعرف بلسان الحال واحتقان الدائن به، والمرأة حريصة على ستر عورتها وأشباه ذلك، ولولا ضرورة الإفضاء ما أفشت من ذلك شيئًا وكذلك الرجل. وفيه أبلغ تحذير ممن هو أشرّ الناس منزلة يوم القيامة عند اللَّه العظيم، وفيه أن ذلك مما يكتم ولا يُفشى أبدًا. وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمر أن عمر حين تأيَّمت (٣) بنته حفصة قال: "أتيت عثمان بن عفان وعرضت عليه حفصة فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. فقال: سأنظر في أمري. فلبث ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي. فلقيت أبا بكر فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. فصمت أبو بكر فلم يرجع إليَّ شيئا، فكنت عليه أوجد منِّي على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول اللَّه ﷺ فأنكحتها إيَّاه فلقيه أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرد إليك بشيئًا قلت: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما

стр. 595

عرضت عليَّ إلَّا أني كنت علمت أن رسول اللَّه ﷺ ذكرها، فلم أكن أفشي سرَّ رسول اللَّه ﷺ ، ولو تركها لقبلتها" (١) أخرجه البخاري. وتأيَّمت: صارت بلا زوج، وكان زوجها توفي. ووَجَدت: غضبت. وفيه مجرى ثان: وهو ما يكون في مجالس الكبراء. وثالث: وهو ما يقع من نحو الشيخ والأستاذ. ورابع: وهو ما يُحدِّث به الصاحب عن شأنه وعزائمه ونحو ذلك، فالصِّدِّيق اعتذر بأنه لم يكن يفشي سرَّ رسول اللَّه ﷺ (٢). وفيه أن حافظ الأسرار وكاتمها خير الأمة وصديقها فليقتد به المستأذنون. وفيه أن الصديق عرف أن سر نفريته مجرد الذكر من غير يقين وقوع ذلك، ولو تركها الشارع قبلها. وفيه أن وقت الحفظ ما لم يقع، فالسر بعد وقوعه إذ لا أذى يتوهم حينئذ، فلذلك ذكره الصديق. وفيه أن حفظ قلوب الأحباب الأكابر ليس عذرا في إفشاء السر، فالصديق عرف غضب الفاروق في سكوته كما يصرح به قوله: "لعلك وجدت عليَّ. . . " إلى آخره. ومع هذا كتم السر ولم يفشه وكانت موجدة عمر عليه أسهل من إفشاء سرِّه ﷺ . وروينا من حديث عائشة قالت (٣): "كُنَّ أزواج رسول اللَّه ﷺ عنده، فأقبلت فاطمة تمشي مشيتها من مشية رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآها رحَّب بها وقال: "مرحبا بابنتي"، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارَّها فبكت بكاءً شديدا، فلما رأى جزعها سارَّها ثانية فضحكت (٤)، فقلت لها: خصَّك رسول اللَّه ﷺ من بين نسائه بالسِّرار ثم أنت تبكين، فلما قام رسول اللَّه ﷺ سألتها: ما قال لك رسول اللَّه؟

стр. 596

قالت: ما كنت لأفشي على رسول اللَّه ﷺ سرَّه. فلما توفي رسول اللَّه قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتيني ما قال لك رسول اللَّه ﷺ (١) فقالت: أما الآن فنعم، أما حين سارَّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل ﷺ كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، "وأنه عارضني الآن مرتين، وإني لا أُرى الأجل إلَّا قد اقترب فاتقي اللَّه واصبري فإنه نعم السلف أنا لك". فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارَّني الثانية فقال: "يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ " فضحكت ضحكي الذي رأيت" (٢) أخرجاه، والسياق لمسلم. وفيه مجرى خامس وهو ما يكون بين الوالد وولده، وفيه أن من أهل حفظ السر سيدة نساء المؤمنين فليُتأسَّى بها. وفيه أن تعريض أم المؤمنين لها بقولها: خصك بكذا وأنت تبكين، ليس عذرا يُستباح بمثله الأشياء، بل بتصريحها المحكي بقولها: فلما مات رسول اللَّه سألتها: ما قال لك؟ وفيه أن المعتذر لا يُكلَّف، والصِّديقة (٣) لم تُلح على الزهراء فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول اللَّه. وفيه أن الزهراء فهمت كونه سرًّا باختصاصها به دون نسائه. وفيه أن وقت الحفظ مدة الحياة النبوية لقرينة أن اقتراب الأجل سبق الإخبار قبل الموت أما بعده فأي مشقَّة فيه، فمن السر ما يُفشَى لكن وقت الإفشاء كما سلف في قصة الصِّديق. وروينا من حديث ثابت عن أنس (٤) قال: "أتى عليَّ رسول اللَّه ﷺ وأنا ألعب

стр. 597

مع الغلمان فسلَّم علينا، فبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حَبَسَك؟ قلت: بعثني رسول اللَّه ﷺ لحاجته. قالت: وما حاجته؟ قلت لها: سرّ. قالت: لا تُخبرنَّ بسر رسول اللَّه أحدًا. قال أنس: واللَّه لو حدثت أحدا لحدَّثتك به يا ثابت" (١) أخرجه مسلم، وللبخاري بعضه مختصرًا. وفيه مجرى سادس وهو ما يكون بين الرجل وخادمه. وفيه أن من أهل الحفظ أنس، وحُقَّ له إذ تربَّى في بيت النبوة. وفيه قبول أُمِّه عُذره، بل أكدته بقولها: لا تخبرنَّ بسرِّه أحدا. وعرف أنس أنه (. . . . .) (٢) عليه أو لقرينه، وفيه أن من السرّ ما لا يُفشَى. وفيه أن سؤال الوالدة مع عظم حقوقها (٣) ليس عذرًا يبلغ الإفشاء به. مجلس في الأمر بالمحافظة على ما اعتاده من الخير قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤). وفيه تحذير التارك لخير اعتاده من تغيير اللَّه تعالى نعمه عليه. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (٥). والأنكاث: جمع نكث، وهو الغزل المنقوض. وفيه التنفير من ذلك أيضًا بتشبيهه بامرأة حمقاء نقضت غزلها كما ذكر، فالخير مُقَوٍّ للإيمان والترك له نقيضه، ولا أبلغ من ذلك منفِّرا. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٦). وفيها النهي

стр. 598

عن مشابهة الغضب والضلال في قسوة ببعد عن الرحمة وتوقع في الفسق والخروج عن الدين فقال تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (١) وفيها العتب والتوبيخ على من لم يرع ما التزمه من الخير حق رعايته. وروينا في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا عبد اللَّه، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل" (٢). وفيه النهي عن التأسِّي بالمتخلِّفين. والحاصل من ذلك كله التنفير من التهاون في ذلك والنهي عن اتخاذ أهل المهانة قدوة ومؤتسى. مجلس في استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. أمر بخفض الجناح، ومن لوازمه الطلاقة المخالفة لمصاعرة الخد. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. حذَّر من العبوسة وبيان ثمرتها وهي المعاداة والنفرة والمباعدة؛ إذ منشأها الفظاظة وغلظ القلب. وروينا من حديث عدي بن حاتم مرفوعًا: "اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم

стр. 599

يجد فبكلمة طيبة" (١) أخرجاه. فالكلمة الطيبة سِتر من النار. وروينا من حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: "لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" أخرجه مسلم (٢). فطلاقة الوجه لا ينبغي أن يُحتقر أمره. مجلس في استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلَّا بذلك روينا من حديث أنس "أنه ﷺ كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثا" أخرجه البخاري (٣). وروينا من حديث عائشة قالت: "كان كلام رسول اللَّه كلاما فصْلا يفهمُهُ كلُّ من سمعه" (٤) رواه أبو داود. ففي الاقتداء بسيد المرسلين الكاملين أُسوة حسنة وليس (. . .) (٥). ووقارًا (٦) وتواضعًا لا يضربون أقدامهم ولا يخفقون بنعالهم مراءً وبَطَرًا، وأهل هذا عباد الرحمن وكفى به ترغيبا. وروينا من حديث عائشة قالت: "ما رأيت رسول اللَّه ﷺ مستجمعا قطُّ ضاحكا

стр. 600

حتى ترى منه لهواته، إنما كان يتبسم" (١) أخرجاه. اللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة التي في أقصى سقف الفم. وفيه الانبساط وصفته، وفيه التبسم دون الاستجماع، وهذه صفة أكرم الخلق على اللَّه وخيرهم سمتًا وهديًا. وقد تضمنت الآية والحديث بيان مجاري الوقار وصفته والترغيب فيه وبيان أهله. مجلس في الندب إلى إتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢). وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتمُّوا" (٣) أخرجاه. زاد مسلم: "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" (٤) وفيه الأمر بالسكينة والنهي عن السعي المخالف لها، أما الاهتمام والبدار وحسن الإقبال ونحوها فذلك هو المراد بقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] (٥)، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦). وفيه أن إتمام ما تفوته السكينة خير من فضل ما يدركه بالعجلة، وأن الحكمة التي توقع في العجلة ليس إلَّا التلبس بالصلاة وشغل الزمان به دون المشي، وبيان أن ذلك وهْمٌ فاسد. وروينا من حديث ابن عباس ﵄ أنه دفع مع رسول اللَّه ﷺ يوم عرفة فسمع
следующие страницы →