← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فصل في الصلاة عليه وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع النساء الجنائز قد سبق فصل التشييع. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من شهد الجنازة حتى يُصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تًدفن فله قيراطان"، قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين" (١) أخرجاه. وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط" (٢) رواه البخاري. وروينا من حديث أم عطية قالت: "نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" (٣) أخرجاه. ومعناه: لم يشدد في النهي كما يشدد في سائر المحرَّمات. فصل في استحباب تكثير المصلين على الجنازة وجعلهم صفوفهم ثلاثة فأكثر وروينا في صحيح مسلم من حديث عائشة مرفوعًا: "ما من ميت يُصلُّون عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلَّا شفعوا فيه" (٤). وروينا فيه أيضًا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم

стр. 667

على جنازته أربعون رجلا لا يشركون باللَّه شيئًا إلَّا شفَّعهم اللَّه فيه" (١). وروينا من حديث مرثد بن عبد اللَّه اليزني قال: "كان مالك بن هبيرة إذا صلَّى على الجنازة فتقالَّ الناس عليهم جزأهم ثلاثة أجزاء ثم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى عليه ثلاثة صفوت فقد أوجب"" (٢) رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه. فصل فيما يفعل في صلاة الجنازة يكبر أربعا؛ ثم يقرأ الفاتحة في الأولى، ثم يصلي على النبي ﷺ في الثانية ولا يفعل كما يفعله كثير من العوام قراءتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية؛ فإنه لا تصح صلاته إذا اقتصر عليه، ويدعوا للميت وللمسلمين في الثالثة، ويدعوا في الرابعة ومن أحسنه: "اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله" (٣). والمختار أن يُطوِّل في الدعاء في الرابعة خلاف ما يعتاده أكثر الناس. وفيه حديث ابن أبي أوفى صححه الحاكم، ومما صح في الدعاء في الثالثة: حديث عوف بن مالك في صحيح مسلم، وحديث أبي هريرة وأبي قتادة، قال الحاكم: حديث أبي هريرة صحيح على شرط الشيخين. قال الترمذي عن البخاري: أصح روايات هذا

стр. 668

الحديث رواية الأشهلي، قال البخاري: وأصح شيء في الباب حديث عوف بن مالك وحديث واثلة وأبي هريرة أيضًا في سنن أبي داود، والكل موضَّح في كتب الفروع. وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" (١). فصل في الإسراع بالجنازة روينا من حديث أبي هريرة مرفوع: "أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن تك سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم" (٢) أخرجاه، ولمسلم: "يقدمونها عليه". وروينا من حديث أبي سعيد الخدري قال: "كان النبي ﷺ يقول: "إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني. وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلَّا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصُعِق"" (٣) أخرجه البخاري. فصل في تعجيل قضاء الدين عن الميت والمبادرة إلى تجهيزه إلَّا أن يموت فجأة فيُترك حتى يُتيقن من موته روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "نفس المؤمن مُعلَّقة بدينه حتى يُقضى عنه" (٤) رواه الترمذي وحسَّنه.

стр. 669

وروينا من حديث حصين بن وحوح (١) أن طلحة بن البراء مرض، فآتاه رسول اللَّه ﷺ يعوده فقال: "إني لا أرى طلحة إلَّا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجِّلوا؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحبس بين ظهراني أهله" (٢) رواه أبو داود. فصل في الوعظ على القبر روينا من حديث علي ﵁ قال: كنَّا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول اللَّه ﷺ فقال: "ما منكم من أحد إلَّا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة"، قالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نتَّكل؟ فقال: "اعملوا، فكلٌّ مُيسَّر لما خُلِق له" (٣) وذكر تمام الحديث، أخرجاه. فصل في الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة للدعاء له والاستغفار والقراءة روينا من حديث عثمان بن عفان قال: "كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل"" (٤) أخرجاه.

стр. 670

وروينا عن عمرو بن العاص قال: "إذا دفنتموني فأقيموا حول قبري قدر ما يُنحر جزور ويقسَّم لحمها، حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أُراجع به رُسل ربي" أخرجه مسلم (١). قال الشافعي: ويستحب أن يُقرأ عنده شيء من القرآن، فإن ختموا القرآن كله كان حسنا. فصل في الصدقة على الميت والدعاء له قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ [الحشر: ١٠] (٢) الآية. وروينا من حديث عائشة أن رجلا قال لرسول اللَّه ﷺ : إن أمي افتُلِتَت نفسها وأُراها لو تكلَّمت تصدَّقت، فهل لها أجر إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: "نعم" (٣) أخرجاه. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة؛ صدقة جارية. . . " (٤) الحديث، أخرجه مسلم. ويدخل فيه ما وقفه أجنبي عليه أيضا. فصل في ثناء الناس على الميت روينا من حديث أنس قال: "مرُّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي ﷺ : "وجبت" ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: "وجبت". فقال عمر بن الخطاب ﵁ ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيثم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض" (٥) أخرجاه. وللبخاري من

стр. 671

حديث عمر: ""أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله اللَّه الجنة" قلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة" قلنا: واثنان؟ قال: "واثنان" ثم لم نسأله عن الواحد" (١). فصل في فضل من مات له أولاد صغار روينا من حديث أنى مرفوعًا: "ما من مسلم يموت له ثلاثة ثم لم يبلغوا الحنث إلا أدخله اللَّه الجنة بفضل رحمته إيَّاهم" أخرجاه (٢). ولهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يموت لأحد من المسلميبن ثلاثة من الولد لا تمسَّه النار إلَّا تحلَّة القسم؛ أي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ " (٣) والورود هو العبور على الصراط وهو جسر منصوب على ظهر جهنم، عافانا اللَّه منها. ولهما من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "ما منكن من امرأة تقدِّم ثلاثة من الولد إلَّا كانوا لها حجابا من النار"، فقالت امرأة: واثنين واثنين واثنين؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "واثنين واثنين واثنين" (٤). فصل في البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم وإظهار الافتقار إلى اللَّه تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك روينا من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال لأصحابه - يعني لما وصلوا الحجر ديار ثمود: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين حَذَرًا أن يصيبكم مثل ما أصابهم" (٥)

стр. 672

أخرجاه. وفي رواية (١): لما مرَّ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم"، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي.

стр. 673

مجلس في آداب السفر فصل في استحباب الخروج يوم الخميس واستحبابه أول النهار روينا من حديث كعب بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ خرج في غزوة تبوك يوم الخميس وكان يحب أن يخرج يوم الخميس" (١) أخرجاه. وفي رواية لهما: "لقلَّما كان رسول اللَّه ﷺ يخرج إلا يوم الخميس" (٢). وروينا من حديث صخر بن وادعة الغامدي ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهم بارك لأُمتي في بكورها" وكان صخر تاجرًا فكان يبعث تجارته أول النهار، فأثرى وكثُر ماله" (٣) رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه. فصل في استحباب طلب الرفقة وتأمرهُم على أنفسهم أحدا يطيعونه روينا من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده" (٤) أخرجه البخاري. وروينا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب". رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة (٥) وحسَّنه الترمذي.

стр. 674

وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يُغلب اثنا عشر ألفا من قلَّة" (١) رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه. فصل في آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر، واستحباب السرى والرفق في الدواب، ومراعاة مصلحتها وأمر من قصَّر في حقها، وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظَّها من الأرض، وإذا سافرتم في السَّنة فبادروا بها نقيها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل" (٢) أخرجه مسلم. ومعنى "أعطوا الدواب حظَّها من الأرض": ارفقوا بها في السير لترعى في حال سيرها، والنِّقى: المخ، أي أسرعوا حتى تصلوا المقصد قبل أن تذهب من ضنك السير، والتعريس: النزول في الليل (٣). وروينا من حديث أبي قتادة ﵄ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا كان في سفر فعرَّس بليل اضطجع عن يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه" (٤) أخرجه مسلم. وإنما نصب ذراعه لئلا يستغرق في النوم فتفوت صلاة الصبح عن

стр. 675

وقتها أو عن أول وقتها. وروينا من حديث أنس مرفوعًا: "عليكم بالدُّلجة فإن الأرض تطوى بالليل" (١) رواه أبو داود بإسناد حسن. والدُّلجة: السير في الليل. وروينا من حديث ثعلبة الخشني قال: "كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرَّقوا في الشعاب والأودية فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان". فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض" (٢) رواه أبو داود بإسناد حسن. وروينا من حديث سهل بن عمرو الأنصاري المعروف بابن الحنظلية. وهو من أهل بيعة الرضوان. قال: "مرَّ رسول اللَّه ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: "اتقوا اللَّه في حق هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة" (٣) رواه أبو داود بإسناد صحيح. وروينا من حديث أبي جعفر عبد اللَّه بن جعفر ﵄ قال: "أردفني رسول اللَّه ﷺ ذات يوم وأسر إليَّ حديثًا إلَّا أُحدِّث به أحدا من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول اللَّه ﷺ هدف أو حائش نخل" (٤) رواه مسلم هكذا مختصرا. وزاد فيه البرقاني بإسناد مسلم هذا بعد قوله: "حائش نخل فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلمَّا رأى رسول اللَّه ﷺ حنَّ وذرفت عيناه، فآتاه رسول اللَّه ﷺ فمسح سِراته. أي سِنامه. وذفرته، فسكن فقال: "من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ " فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لي يا رسول اللَّه. قال: "أفلا تتقي اللَّه في هذه البهيمة التي ملَّكك اللَّه إيَّاها؟ فإنه يشكو إليَّ أنك تجيعه وتُدئبُهُ" (٥) أخرجه أبو داود كذلك.

стр. 676

وروينا من حديث أنس قال: "كنا إذا نزلنا منزلا لا نُسبِّح حتى نحُلَّ الرحال" (١) رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم. معنى لا نُسبِّح: أي إنَّا مع حرصنا على الصلاة لا نُقدمها على حطِّ الرحال وراحة الدواب. فصل في إعانة الرفيق سلف منه حديث: "واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٢). وحديث: "كل معروف صدقة" (٣) وشبهها. وروينا من حديث أبي سعيد الخدري قال: "بينما نحن في سفر إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له"، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل" (٤) أخرجه مسلم. وروينا من حديث جابر عنه ﷺ : أنه أراد أن يغزوا فقال: "يا معشر المهاجرين والأنصار، إن من إخوانكم قوما ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين أو الثلاثة فما لأحدنا من ظهر يحمله إلا عقبة كعقبة"، -يعني أحدهم- فضممت إليَّ اثنين أو ثلاثة، قال: ما لي إلا عقبة كعُقبة أحدهم من جملي" (٥) رواه أبو داود. وعنه قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يتخلَّف في المسير فيُزْجي الضعيف ويُرْدف ويدعوا لهم" (٦) رواه أبو داود بإسناد حسن.

стр. 677

فصل فيما يقوله إذا ركب دابة للسفر قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ (١) الآية. وروينا من حديث ابن عمر أنه ﷺ "كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبَّر ثلاثا ثم قال: "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا واطو عنَّا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وَعْثَاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل" وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: "آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون"." (٢) يعني مقرنين: مطيعين، والوَعثاء بفتح الواو وإسكان العين المهملة وبالمثلَّثة وبالمد وهي الشِّدَّة. والكآبة بالمد وهي تغير النفس من حُزن ونحوه. والمنقلَب: المرجع. وروينا من حديث عبد اللَّه بن سرجس قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا سافر يتعوَّذ من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحَورِ بعد الكَون (٣) ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال (٤) رواه مسلم. هكذا بالنون، وكذا رواه الترمذي والنسائي. وروى بالراء كما ذكره الترمذي، ومعناهما جميعا الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص، فالنون من الكون مصدر "كان يكون كونا" إذا وُجدَ واستقر، والراء من تكوير العمامة وهو كفها وجمعها. وروينا من حديث علي بن ربيعة قال: "شهدت عليًّا أُتِيَ بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم اللَّه، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد للَّه، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم قال:

стр. 678

الحمد للَّه ثلاث مرَّات، ثم قال: اللَّه أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، ثم ضحك فقيل: يا أمير المؤمنين، من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت ثم ضحك، فقلت: يا رسول اللَّه، من أي شيء ضحكت؟ قال: "إن ربك يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري" (١) رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي وحسَّنه، وفي بعض النسخ تصحيحه. فصل في تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه روينا من حديث جابر قال: "كنا إذا صعدنا كبَّرنا، وإذا تصوَّبنا سبَّحنا" (٢) رواه البخاري. وروينا من حديث ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ وجيوشه إذا علوا الثنايا كبَّروا وإذا هبطوا سبَّحوا" (٣) رواه أبو داود بإسناد صحيح. وروينا من حديثه أيضًا قال: "كان النبي ﷺ إذا قفل من الحج أو العمرة كلما أوفى على ثنيَّة أو فدْفد كبَّر ثلاثا ثم قال: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق اللَّه وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" أخرجاه. ولفظ مسلم: "إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة" (٤) معنى أوفى:

стр. 679

ارتفع، والفدفد: المرتفع من الأرض. وروينا من حديث أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، إنى أريد أن أُسافر فأوصني. قال: "عليك بتقوى اللَّه والتكبير على كل شرف"، فلما ولَّى الرجل قال: "اللهم اطوِ له البعد، وهوِّن عليه السفر" (١) رواه الترمذي وحسنه. وروينا من حديث أبي موسى الأشعري قال: "كنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبَّرنا، ارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس، اربَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنه معكم إنه سميع قريب" (٢) أخرجاه. واربعوا بفتح الباء الموحدة: ارفقوا بأنفسكم. فصل في استحباب الدعاء في السفر روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده" (٣) رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وليس في أبي داود "على ولده". فصل فيما يدعو به إذا خاف ناسًا وغيرهم روينا من حديث أبي موسى ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شروروهم" (٤) رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح. فصل فيما يقوله إذا ترك منزلًا روينا من حديث خولة بنت حكيم مرفوغًا: "من نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" (٥) أخرجه مسلم.

стр. 680

وروينا من حديث عمر قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: "يا أرض ربي وربك اللَّه أعوذ باللَّه من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، ومن شر ما يدب عليك، وأعوذ باللَّه من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد"" (١) رواه أبو داود. الأسود: الشخص، وساكن البلد: الجن الذين هم سكان الأرض، والبلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان، وإن لم يكن فيه بناء ومنازل، ويحتمل كما قال الخطابي أن المراد بالوالد إبليس، وما ولد الشيطان. فصل في استحباب تعجيل المسافر والرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله" (٢). نهمته: مقصوده. فصل في استحباب القدوم على أهله نهارًا وكراهته ليلًا لغير حاجة روينا من حديث جابر مرفوعًا: "إذا طال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلًا" وفي لفظة أنه ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا (٣) أخرجاه. وروينا عن أنس قال: "كان رسول اللَّه ﷺ لا يطرق أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية" (٤) أخرجاه أيضًا.

стр. 681

فصل فيما يقوله إذا رجع وإذا رأى بلدته فيه حديث ابن عمر السالف في تكبير المسافر إذا صعد الثنايا (١). وروينا من حديث أنس ﵁ قال: "أقبلنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كنا بظهر المدينة قال: "آيبون (٢) تائبون عابدون لربنا حامدون" فلم يزل يفعل ذلك حتى قدمنا المدينة" (٣) أخرجه مسلم. فصل في استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين روينا من حديث كعب بن مالك: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين" (٤) أخرجاه. . فصل في تحريم سفر المرأة وحدها روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها" (٥) أخرجاه. وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اُكتتِبتُ في غزوة كذا وكذا قال: "انطلق فحج مع امرأتك" أخرجاه (٦).

стр. 682

مجلس في فضل قراءة القرآن روينا من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" (١) أخرجه مسلم. وفيه إظهار العناية بحامله وتكريمه بنصبه شافعًا له بعد تحقق خوفه. وروينا من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا: "يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تَقدُمُهُ سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما" (٢). أخرجه مسلم. وفيه إكرامه بذلك. وروينا من حديث عثمان مرفوعًا: "خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه" (٣). أخرجه البخاري، وما أشرفه من منقبة، بها وراثة النبوة. وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السَّفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" (٤) أخرجاه.

стр. 683

وروينا من حديث أبي موسى مرفوعًا: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مُرٌ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مُرٌ" (١) أخرجاه. وفيه تحمل القارئ بروائح عطرة، وإن كان منافقًا. وروينا من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "إن اللَّه يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين" (٢) رواه مسلم. فيبلغ به المولى والمملوك منازل الملوك. وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا حسد إلا في اثنين، رجل آتاه اللَّه القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه مالا، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار" (٣) أخرجاه. الآناء: الساعات. وحق لمن نال من النفائس الغالية ما يحق لمثله أن يحسد ويغبط بمثله. وروينا من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: كان رجل يقرأ الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها فلما

стр. 684

أصبح آتي النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال "تلك السكينة، تنزلت للقرآن" (١). والشَطن: بفتح الشين المعجمة، والطاء المهملة: الحبل. وروينا من حديث أبي موسى مرفوعًا: "من قرأ حرفًا من كتاب اللَّه فله به حسنه، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" (٢) رواه الترمذي وصححه. وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب" (٣) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. فما أعمر بيتًا حواه وكيف لا وقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه؟ وروينا من حديث ابن عمر ومرفوعًا: "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت تُرتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها" (٤) أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح ويا لهذا من منزل عال. فصل في الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان روينا من حديث أبي موسى مرفوعًا: "تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده، لهو أشد تفلتًا من الإبل في عُقُلها" (٥). وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل

стр. 685

المُعَقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت" (١) أخرجاهما. فصل في استحسان تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما أذن اللَّه لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن يجهر به" (٢) أخرجاه ومعنى أذن اللَّه أي استمع، وهو إشارة إلى الرضا والقبول. وروينا من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال له: "أوتي مزمارًا من مزامير آل داود" (٣) أخرجاه. ولمسلم: إنه قال: "لو رأيتني وإنا أستمع لقراءتك البارحة" (٤) وما أعظم هذه منقبة. وروينا من حديث البراء قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه (٥). أخرجاه. وروينا من حديث أبي لبابة بشير بن عبد المنذر مرفوعًا: "من لم يتغن بالقرآن

стр. 686

فليس منا" (١) رواه أبو داود بإسناد جيد، ومعنى يتغنى يحسن صوته بالقرآن. وروينا من حديث ابن مسعود قال: قال لي النبي ﷺ : "اقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يا رسول اللَّه أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "فإني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأت عليه سورة النساء حتي بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ قال: "أمسك" فإذا عيناه تذرفان (٢) أخرجاه. فصل في الحث على سور وآيات مخصوصة ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد رافع بن المعلي (٣): "إن الفاتحة أعظم سورة في القرآن وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت" (٤) أي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ معقبًا بوعظ لا تهدن أي مغْنمًا أتيناك أغنى منه. وفيه من حديث أبي سعيد الخدري: "إن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن" (٥) وفي لفظ له: "أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة؟ " فشق ذلك عليهم وقالوا: أيِّنا يطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ ثلث القرآن" (٦).

стр. 687

ولمسلم من حديث أبي هريرة: "إنها لتعدل ثلث القرآن" (١). وللترمذي (٢) من حديث أنس، وقال: حسن. وللبخاري تعليقًا أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه إني أُحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] قال: "إن حُبها أدخلك الجنة" (٣). ولمسلم من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يُر مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ (٤). وللترمذي محسنًا من حديث أبي سعيد: "كان ﷺ يتعوذ باللَّه من الجان، وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلت أخذهما وترك ما سواهما" (٥). ولأبي داود والترمذي محسِنا من حديث أبي هريرة مرفوعًا "إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت" (٦). ولأبي داود: "تشفع لرجل حتى غفر له، وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] قلت: طوبي لمن قرأها كل ليلة. وفي الصحيحين من حديث أبي مسعود مرفوعًا: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" (٧) قيل: كفتاه عن كل مكروه، وقيل: عن قيامها، ويجوز أن يكون عنهما.

стр. 688

ولمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة" (١). وإذا كان هذا شأن البيت فما ظنك بالقارئ. وله من حديث أُبي بن كعب قال: قال رسول اللَّه ﷺ (٢): "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب اللَّه معك أعظم؟ " قال: قلت اللَّه ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب اللَّه معك أعظم؟، قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣)، قال: فضرب في صدري وقال واللَّه ليهنك العلم أبا المنذر". وفي البخاري من حديث أبي هريرة لمَّا وكله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، وأتاه آت. . وذكر الحديث، وفيه أنه قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من اللَّه حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال ﷺ : "أما إنه صَدَقك وهو كذُوب" (٤). ولمسلم من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِم من الدجال" (٥).

стр. 689

وله أيضًا: "من آخر سورة الكهف". وله من حديث ابن عباس أنه ﷺ نزل عليه ملك لم ينزل عليه قط إلا اليوم فسلَّم وقال: "أبشر بنورين أُوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيته" (١). فصل في استحباب الاجتماع على القراءة روينا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم اللَّه فيمن عنده" (٢) أخرجه مسلم.

стр. 690

مجلس في فضل يوم الجمعة ومتعلقاته قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١) الآية. وهو مؤذن بقبول الزيارة والدعاء والعبادة والربح في التجارة بعدها إذ الابتغاء يتناول الكل. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها" (٢) فهو خير أيام السنة، وخُصِ بعظائم الأمور التي منها مبدأ النوع الإنساني وتكريمه بالجنة وإخراجه إلى دار التشريف بخطاب التكليف. وفيه من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غُفرَ له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا" (٣). وفيه من حديثه أيضًا مرفوعًا: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (٤).

стр. 691

وفيه من حديثه ابن عمر أيضًا: "لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمنَّ اللَّه على قلوبهم ثم ليكونَنَّ من الغافلين" (١). وفي الصحيحين عن ابن عمر: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (٢). ومن حديث أبي سعيد الخدري: غسل الجمعة واجب على كل مُحتلِم" (٣) أي متأكد على كل بالغ. وروينا في سنن أبي داود، وجامع الترمذي وحسَّنه من حديث سمرة مرفوعًا: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغُسل أفضل" (٤). وفي صحيح البخاري عن سلمان مرفوعًا: "لا يغتسل الرجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طُهر، ويدَّهِنُ من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يُفرِّق بين اثنين، ثم يُصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (٥). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرَّب بدنة" (٦) الحديث. أي غُسْلًا كغسل الجنابة في الصفة.

стр. 692

وفيهما عنه مرفوعًا: ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يُصلي يسأل اللَّه تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه" وأشار بيده يُقلُلها (١). وفي مسلم من حديث أبي بردة عن أبيه مرفوعًا: "إنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة" (٢). وفي سنن أبى داود بإسناد صحيح من حديث أوس بن أوس مرفوعًا: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلائكم معروضة عليَّ" (٣). فصل في يوم الجمعة فضائل أولها: أن من (حضر) (٤) فيه إملاك رجل مسلم كان كمق صام يومًا في سبيل

стр. 693

اللَّه، واليوم بسبعمائة. ثانيها: أنه أفضل من يوم عرفة في وجه. ثالثها: أن ليلته أفضل من ليلة القدر. في رواية عن أحمد. رابعها: أن صلاته أحب إلى ابن عباس وسعيد بن جبير من حج التطوع، فيما رواه عنهما ابن عساكر بإسناده. خامسًا: أن من مات فيه أو في ليلته وُقِيَ فتنة القبر وعذابه ولقى اللَّه لا حساب عليه وأعتق من النار. سادسًا: أن من صلى فيه على رسول اللَّه ﷺ ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة. سابعًا: أن فيه ساعة الإجابة. وفيها سبعة وعشرون قولًا. وروى فيه كعب الأحبار سبعة أشياء: خلق آدم وإدخاله الجنة، وإخراجه منها، والتوبة عليه، وقيام الساعة، وبعث موسى، وإخراج يوسف من الجُب.

стр. 694

مجلس مهم في فضل الصلوات ومتعلقاتها قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١). الفحشاء: ما وضح قبحه كأنواع الفسوق والعصيان. والمنكر: ما لم يعرف شرعًا كالمحدثات. فمن لم تنهه صلاته عن ذلك فليس بصلاة، لكن الراعي بصدد الزجر، ومن شأنها أن يوجد ذلك لاسيَّما إِذا كان متلبسًا بها. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (٢) وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا (٣): "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقي من درنه شيء؟ ". قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو اللَّه بهن الخطايا". وثبت في صحيح مسلم من حديث جابر: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غَمْرٍ على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" (٤). والغَمْر: بالعين المعجمة الكثير أنها كأبلغ نهر مطهر. وثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية. فقال

стр. 695

الرجل: إليَّ هذا؟ قال: "لجميع أمتي" (١). فالتضاد مانع من الاجتماع والإحباط، "فرحمتي غلبت غضبي". وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إِلى رمضان مكفرات ما بينهن، إِذا اجتنبت الكبائر" (٢) ومن حديث عثمان بن عفان مرفوعًا: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إِلَّا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله" (٣). لا لخصوصية مكان ولا زمان ولا شخص ولا حال فالإحسان زائد وتعميم التكفير متزايد. وقال عبد اللَّه بن مسعود: "ما دمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع بابه يفتح له".

стр. 696

مجلس في فضل صلاة الصبح والعصر ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى مرفوعًا: "من صلى البردين دخل الجنة" (١). (وهما هما) (٢) فحصلت له العيشة المرضية. ومن حديث أبي هريرة: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهو يصلون وأتيناهم وهم يصلون" (٣). ومن حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربَّكم كما ترون هذا القمر لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبُوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا" (٤). لتروا ربكم أتم رؤية. ولم يعبر بالصبح لِلَطائف نظرية للفطن العارف. ومن ألطفها تفهم العوام أن

стр. 697

وجود الشمس ليس مفضيًا للتعهد بدليل ما قبل طلوعها، وليس مانعًا منه، بدليل غروبها، أي وجهت وجهي. وأي مقام أعلى من هذا المقام، وكمال أسنى من هذا الاهتمام. وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي زهير عمارة بن رؤيبة (١) مرفوعًا: "لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" يعني الفجر والعصر (٢) ولا راحة أعظم من السلامة منها، وقطع المفاز ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ومن حديث جندب بن سفيان مرفوعًا: "من صلى الصبح فهو في ذمة اللَّه، فانظر يا ابن آدم لا يطلبنَّك اللَّه من ذمته بشيء" (٣) وإذا صار إلى هذا المقام أعني في جوار الملك العلام زال الضرر وحصل له الفوز وكمال الظفر. وثبت في صحيح البخاري من حديث بريدة مرفوعًا: "من ترك صلاة العصر حبط عمله" (٤). وما أشد هذا من اهتمام، اللهم ألهمنا المحافظة عليها يا علَّام.

стр. 698

مجلس في فضل الوضوء قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، إلى قوله ﴿تَشْكُرُونَ﴾ (١) أي ليزيدهم من فضلة، وما أحسن هذا من مشافهة. الهيئة، ناداهم بوصف الإيمان وطلب إقبالهم عليه واستجابتهم لما دعاهم لما يحييهم ويصيروا أعلام الأعلام. وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم إن يطيل غرته فليفعل" (٢). أي ليحصل له كمال الحلل النورآنية. وثبت في صحيح مسلم من حديثه: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" (٣) أي لينال الأساور العرفانية، لا جرم ذكر المؤمن من الحلية والأمة مع العزة. ومن حديث ابن عفان مرفوعًا: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أظفاره" (٤) ومن حديثه أيضًا قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: "من توضأ هكذا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة"" (٥) وغير هذا بالغفران، وفيما قبله بالخروج وهنا بالذنب، وهناك

стр. 699

بالخطيئة. ومن حديث أبي هريرة مرفوعًا (١): "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء (٢) أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيًا من الذنوب" وهذا تفصيل لما أُجمل أولًا. وفيه من المبالغة والتوكيد ما ليس بغيره من (الملأ) (٣). ومن حديثه أنه ﷺ أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، وددت إنَّا قد رأينا إخواننا" قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول اللَّه؟ قال: "أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد" فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول اللَّه؟ فقال: "أرأيت لو أن رجلًا له خيل غير محجلة بين ظهري خيل دُهم بُهم، ألا يعرف خيله؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "فإنهم يأتون غُرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطُهُم على الحوض" (٤). قلت: أي الموصوف بكوثر الخير وكفى به فرطًا. ومن حديثه أيضًا: "ألا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط" (٥).

стр. 700

ففيه رفع الدرجات بين طوائف الأمم السالفات، ثم منازل الجنة تبع لذلك، والمنازل الرفيعات. ومن حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا "الطهور شطر الإيمان" (١) أي ينتهي تضعيف أجره إلى أن يكون في الميزان كنصف أجر الإيمان. وحديث البطاقة كاشف عن درايته وعظيم قدرها وكرامة الجنة ونعيمها تبع لذلك. وهو حديث عظيم مشتمل على أنواع من الخيرات وقد سلف في الصبر بطوله. ومن حديث عمر مرفوعًا: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ. أو فيسبغ. الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبد اللَّه ورسوله إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء" (٢) زاد الترمذي: "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين". وفيه من العناية والإكرام ما لا يحصى من الإنعام ومناسبته لرفع الدرجات ومضاعفة الأجور الكثيرات وللَّه منح ومواهب وعطايا وسوالف. وحاصل ما ذكرناه من الأحاديث ومهمها على ما يثمره الوضوء من النفع والكمال. فالنفع راحة أو تمتع بلذة، والكمال ثلاثة أشعة أنوار الصفات الإلهية، والتزين بأنواع الحلي من الحقائق التوحيدية ومعاني التجليات الأحدية الذاتية، والواحدية الصفاتيه، وما يترتب على ذلك من الرهبة والربوبية والملكة فحلل أنوار الأحوال والمواهب والأخلاق والمكاسب وحلي الحقائق الكسبية والمعارف الذوقية نائلة لفاعل ذلك، فقدره حق اليقين بحد نفعه يوم الدين.

стр. 701

مجلس في فضل الأذان ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهُما ولو حبوًا" (١). الاستهام: الاقتراع. والتهجير: التبكير إلى الصلاة وعدم علمهم يحتمل لعدم تعلُّمِهُم، والظاهر أنه لكلال كثير من الأفهام عما فيه من الفضل الخارج عن الطاقة البعيد عن الحصر والإحصاء. وثبت في صحيح مسلم من حديث معاوية مرفوعًا "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة" (٢). أعناقًا: بفتح الهمزة على حقيقته. ومن رواه بكسرها أراد إسراعًا، ويبعد قوله أطول. ومن فسره بالأعمال والاتباع فأبعد. والمراد بيان أنهم سادة، وأن لهم من الكرامة ما يباين حال الخاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي أو من أن يلجمهم العرق، فشأنهم رفيع رحمة لهم وكرمًا. وروينا في صحيح البخاري (٣) من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال لعبد

стр. 702

الرحمن بن أبي صعصعة (١): "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك. أو باديتك. فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدي صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة". قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه ﷺ . وخلق التمييز في هذه الأشياء ليس على اللَّه بعزيز، وإنطاق الكافر به حجة عليه وتشريفًا للمؤذن. وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا نودى بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل حتى إذ ثُوب للصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكُر كذا، اذكُر كذا لما لم يكن حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى" (٢). والتثويب: الإقامة قبل إدباره حتى لا يسمع فيشهد والأظهر لِعِظَمِ أمره لاشتماله على قواعد التوحيد، وإعلان الدين وإظهار شعائر الإسلام. ويؤيده حديث: "إذا تغولت الغيلان فأعلنوا الأذان" (٣). وروينا في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى اللَّه عليه بها عشرا، ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الوسيلة حلت له الشفاعة" (٤).

стр. 703

وأخرجا صدره من حديث أبي سعيد بلفظ "فقولوا كما يقول" (١). قلت: فيحصل له الراحة من كرب المؤجل وإغلاق الغضب وإحراز الخيرات. وروينا في صحيح البخاري من حديث جابر رفعه: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتى يوم القيامة" (٢) وهذا ظاهر في إجابة الأذان والاعتناء بهذا الدعاء عقبه ليحصل الفوز والامتنان. وروينا في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: "من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت باللَّه ربًا وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غُفر له ذنبه" (٣). قلت: وأي راحة أعظم من ذلك وسعادة أبلغ مما هنالك، وقد زال الخوف، والقلق، ونامت العين، وزال الأرق. وروينا في جامع الترمذي محسنًا وسنن أبي داود من حديث أنس مرفوعًا: "الدعاء لا يُرد بين الأذان والإقامة" (٤) فليكثر المؤمن من ذكر حاجاته، فالكريم

стр. 704

معطاه، وبابه مفتوح. وحاصل ما ذكرناه من الأحاديث أن الثلاثة الأول لها تُرغِّب في مباشرته، والباقي في فضائله ومتعلقاته ومدارها على مهمين: بيان ما يثمره الأذان من كمال ونفع، والبيان إجمالي كما في الحديث الأول، وتفصيلي كما في باقي الحاديث، وكما له رفعة شأن ولسان صدق، فالأول في الحديث الثاني، والثاني في الثالث، وكمال الأذان في نفسه في الرابع، ونفعه أمن وسرور، من الأمن والراحة إدبار الشيطان وتباعده من محل الأذان ستة وثلاثين ميلًا، وقد أُذِّن عند بعض المحتضرين وما أحسنه يسلم من الوسواس فيختم له (بالأساس) (١). فصل في المشى إلى المساجد روينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من غدا إلى المسجد أو راح أعد اللَّه له في الجنة نُزلًا كلما غدا أو راح" (٢). وروينا في صحيح مسلم من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت اللَّه ليقضي فريضة من فرائض اللَّه، كانت خطوتاه إحداهما تَحُطْ خطيئة، والأخرى ترفع درجة" (٣). وروينا فيه أيضًا من حديث كعب قال: كان رجل من الأنصار لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له: قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "قد جمع اللَّه لك ذلك كله" (٤).

стр. 705

وروينا فيه من حديث جابر قال: "خَلَت البقاعُ حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لهم: "بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد" قالوا: نعم، يا رسول اللَّه، قد أردنا ذلك. فقال: "يا بني سلمة دياركم تُكتَب آثاركم، دياركم تُكتَب آثاركم" فقالوا: ما كان يسُرنا أنَّا كنا تَحولنا" (١). وروى البخاري معناه من رواية أنس. وروينا فيهما من حديث أبي موسى مرفوعًا: "إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر. . الحديث" (٢). وروينا من حديث بريدة مرفوعًا: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" (٣). وروينا في الترمذي محسنًا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية (٤). وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا "ألا أدُلكُم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط" (٥).
следующие страницы →