← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

مجلس في فضل الأذان ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهُما ولو حبوًا" (١). الاستهام: الاقتراع. والتهجير: التبكير إلى الصلاة وعدم علمهم يحتمل لعدم تعلُّمِهُم، والظاهر أنه لكلال كثير من الأفهام عما فيه من الفضل الخارج عن الطاقة البعيد عن الحصر والإحصاء. وثبت في صحيح مسلم من حديث معاوية مرفوعًا "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة" (٢). أعناقًا: بفتح الهمزة على حقيقته. ومن رواه بكسرها أراد إسراعًا، ويبعد قوله أطول. ومن فسره بالأعمال والاتباع فأبعد. والمراد بيان أنهم سادة، وأن لهم من الكرامة ما يباين حال الخاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي أو من أن يلجمهم العرق، فشأنهم رفيع رحمة لهم وكرمًا. وروينا في صحيح البخاري (٣) من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال لعبد

стр. 702

الرحمن بن أبي صعصعة (١): "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك. أو باديتك. فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدي صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة". قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه ﷺ . وخلق التمييز في هذه الأشياء ليس على اللَّه بعزيز، وإنطاق الكافر به حجة عليه وتشريفًا للمؤذن. وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا نودى بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل حتى إذ ثُوب للصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكُر كذا، اذكُر كذا لما لم يكن حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى" (٢). والتثويب: الإقامة قبل إدباره حتى لا يسمع فيشهد والأظهر لِعِظَمِ أمره لاشتماله على قواعد التوحيد، وإعلان الدين وإظهار شعائر الإسلام. ويؤيده حديث: "إذا تغولت الغيلان فأعلنوا الأذان" (٣). وروينا في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى اللَّه عليه بها عشرا، ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الوسيلة حلت له الشفاعة" (٤).

стр. 703

وأخرجا صدره من حديث أبي سعيد بلفظ "فقولوا كما يقول" (١). قلت: فيحصل له الراحة من كرب المؤجل وإغلاق الغضب وإحراز الخيرات. وروينا في صحيح البخاري من حديث جابر رفعه: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتى يوم القيامة" (٢) وهذا ظاهر في إجابة الأذان والاعتناء بهذا الدعاء عقبه ليحصل الفوز والامتنان. وروينا في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: "من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت باللَّه ربًا وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غُفر له ذنبه" (٣). قلت: وأي راحة أعظم من ذلك وسعادة أبلغ مما هنالك، وقد زال الخوف، والقلق، ونامت العين، وزال الأرق. وروينا في جامع الترمذي محسنًا وسنن أبي داود من حديث أنس مرفوعًا: "الدعاء لا يُرد بين الأذان والإقامة" (٤) فليكثر المؤمن من ذكر حاجاته، فالكريم

стр. 704

معطاه، وبابه مفتوح. وحاصل ما ذكرناه من الأحاديث أن الثلاثة الأول لها تُرغِّب في مباشرته، والباقي في فضائله ومتعلقاته ومدارها على مهمين: بيان ما يثمره الأذان من كمال ونفع، والبيان إجمالي كما في الحديث الأول، وتفصيلي كما في باقي الحاديث، وكما له رفعة شأن ولسان صدق، فالأول في الحديث الثاني، والثاني في الثالث، وكمال الأذان في نفسه في الرابع، ونفعه أمن وسرور، من الأمن والراحة إدبار الشيطان وتباعده من محل الأذان ستة وثلاثين ميلًا، وقد أُذِّن عند بعض المحتضرين وما أحسنه يسلم من الوسواس فيختم له (بالأساس) (١). فصل في المشى إلى المساجد روينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من غدا إلى المسجد أو راح أعد اللَّه له في الجنة نُزلًا كلما غدا أو راح" (٢). وروينا في صحيح مسلم من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت اللَّه ليقضي فريضة من فرائض اللَّه، كانت خطوتاه إحداهما تَحُطْ خطيئة، والأخرى ترفع درجة" (٣). وروينا فيه أيضًا من حديث كعب قال: كان رجل من الأنصار لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له: قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "قد جمع اللَّه لك ذلك كله" (٤).

стр. 705

وروينا فيه من حديث جابر قال: "خَلَت البقاعُ حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لهم: "بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد" قالوا: نعم، يا رسول اللَّه، قد أردنا ذلك. فقال: "يا بني سلمة دياركم تُكتَب آثاركم، دياركم تُكتَب آثاركم" فقالوا: ما كان يسُرنا أنَّا كنا تَحولنا" (١). وروى البخاري معناه من رواية أنس. وروينا فيهما من حديث أبي موسى مرفوعًا: "إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر. . الحديث" (٢). وروينا من حديث بريدة مرفوعًا: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" (٣). وروينا في الترمذي محسنًا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية (٤). وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا "ألا أدُلكُم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط" (٥).

стр. 706

وهذه الأحاديث خلاصتها حُملت على جلب المنافع ورفع المضار (١) فالأول إعداد المنزل وياله من لذَّة. وفي الحديث الثاني رفع الدرجات وما أعظمه من ملذة، وفي الثالث تكثير الحسنات، وكذا الرابع وهو أعم من المشى والركوب، وفي الخامس أن بُعد المشى يحصل للفوز بالأجر ودفع المضار كما في الحديث السادس؛ لأن بالنون يحصل دفع حرف السقوط في المهاوي. وكذا السابع، فيحصل دفع المضار بمحو الخطايا وهو كالأساس لشمول المحو، ما إذا كان لسبب البعد، وبسبب التكرير مرة بعد أخرى، وفي الأخير يحصل به لسان صدق، وفي ضمنه كف اللسان عما يجب كفه عن أهل الإيمان واللَّه الهادي لقوى الأركان. فصل في انتظار الصلاة قد أسلفنا حديث أبي هريرة فيه آنفًا. وروينا في الصحيحين من حديثه أيضًا مرفوعًا: "لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة" (٢). وروينا في صحيح البخاري من حديثه أيضًا مرفوعًا: "الملائكة تُصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه" (٣).

стр. 707

فالمنتظر يحصل له، كمالان: أجر المصلى وإن طال الزمن كشطر الليل كما سيأتي، وصلاة الملائكة عليه. وروينا في جامع الترمذي من حديث أنس أنه ﷺ أخَّر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل، ثم أقبل بوجهه بعدما صلى فقال: "صلى الناس ورقدوا ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها" (١). فصل في فضل صلاة الجماعة روينا في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (٢). وروينا فيهما من حديث أبي هريرة خمسًا وعشرين ضعفًا" (٣). وفرق بين الضَّعف والدرجة. وروينا في صحيح مسلم من حديثه أيضًا: أتى رسول اللَّه ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول اللَّه إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اللَّه ﷺ أن يُرخص له فيصلي في بيته، فرخص له (٤)، فلما وَلَّى دعاه فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " فقال: نعم. قال: "فأجب" (٥).

стр. 708

وروينا في سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث عبد اللَّه ابن أم مكتوم، وقيل: عمرو أنه قال: يا رسول اللَّه إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال: "تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ " قال: نعم. قال: "فحي هلا" أي تعال. (١) وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمُر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤُم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأُحرِّق (٢) عليهم بيوتهم" (٣). وروينا في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ علمنا سنن الهدى ومن سنن الهدى، الصلاة في المسجد الذي يُؤَذَّن فيه (٤) وله رواية أخري أطول من هذه. وروينا في سنن أبي داود، وصحيح الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية" (٥) وحاصل هذه الأحاديث بيان عظم أجرها وتأكد أثرها، وما في تركها من الخطر وترك الترخيص مع كثرة الهوام والسباع،

стр. 709

والمهمة النبوية بتحريق بيت تاركها عليه، وإن تاركها تارك السُّنة المحمدية، واستحواذ الشيطان على من لم يقم بها، وأي مصيبة من استحقاق الحريق والضلال واستحواذ الشيطان نسأل اللَّه العصمة والغفران. فصل في الحث على حضور الجماعة في الصبح والعشاء روينا في صحيح مسلم من حديث عثمان مرفوعًا: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله" (١)، رواه الترمذي وقال حسن صحيح بلفظ: "من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة" (٢) وهي توضحها. وقد سلف حديث أبي هريرة: "ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا" (٣). وروينا في الصحيحين من حديثه أيضًا مرفوعًا: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهُما ولو حبوًا" (٤). وهذه الأحاديث دالة على إحراز عظيم الأجر المفصل والمجمل والتمييز بمواظبتها على المنافق. فصل في الآمر بالمحافظة على المكتوبات والنهى الأكيد والوعد الشديد في تركهن قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٥) وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ (٦) الآية. وروينا في الصحيحين من حديث ابن مسعود: سألت رسول اللَّه ﷺ أي الأعمال

стр. 710

أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها" (١) الحديث. وفيهما من حديث ابن عمر مرفوعًا: "بنى الإسلام على خمس" (٢) وعدَّ منه إقام الصلاة، وفيهما من حديثه: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة" (٣) الحديث. وفيهما من حديث معاذ بن جبل: فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات (٤) الحديث. وفي صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (٥). وفي جامع الترمذي قال: حسن صحيح عن بريدة: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (٦). وفيه عن شقيق بن عبد اللَّه التابعي بإسناد صحيح قال: كان أصحاب محمد ﷺ

стр. 711

لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (١). وفيه محسنًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامه من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب : انظروا أهل لعبدى من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك" (٢) وحاصلها أن الصلاة أفضل الأعمال وأحد مباني الإسلام ودعائمه العظام، وعصم الدم والمال، وثانية التوحيد فيما يدعى إليه الأنام وتركها كُفر، وهو بين الكُفر والشرك (٣)، وفسادها سبب الخيبة والخسران. فصل في فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها. روينا في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "ألا تصفون كما تُصف الملائكة عند ربها؟ " فقلنا: يا رسول اللَّه، وكيف تُصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يُتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف" (٤). وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يَجدُوا إلا أن يستهمُوا عليه لاستهمُوا" (٥).

стр. 712

وفي صحيح مسلم من حديثه مرفوعًا: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرُها أولها" (١) وفيه من حديث أبي سعيد أنه ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا فقال لهم: "تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم اللَّه" (٢)، وفيه من حديث أبي مسعود: كان رسول اللَّه ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونَهُم ثم الذين يَلونَهُم" (٣). وروينا في الصحيحين من حديث أنس مرفوعًا: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة" (٤). وفي رواية للبخاري "من إقامة الصلاة" (٥) وفيهما واللفظ للبخاري من حديثه أيضا قال: أُقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول اللَّه ﷺ بوجهه فقال: "أقيموا صفُوفكُم

стр. 713

وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" (١). وفي رواية للبخاري: "وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه" (٢). وروينا فيهما أيضًا من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "لتسوُّن صفُوفكُم، أو ليخالفنَّ اللَّه بين وجُوهكُم" (٣). وروينا في سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال: كان رسول اللَّه ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" وكان يقول: "إن اللَّه وملائكته يصلون على الصفوف الأول" (٤). وفيهما أيضًا بإسناد صحيح من حديث ابن عمر: "أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسُدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم" لم يقل عيسى: "بأيدي إخوانكم ولا تذروا فُرُجات للشيطان، ومن وصل صفًا وصله اللَّه، ومن قطع صفًا قطعه اللَّه" (٥). وفيهما بإسناد على شرط مسلم من حديث أنس رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحَذَف" (٦) أي غنم صغار سود تكون باليمن.

стр. 714

وفيهما بإسناد حسن عنه (١) "أتموا المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر". وفيهما أيضًا بإسناد على شرط مسلم من حديث عائشة: "إن اللَّه وملائكته يصلون على ميامن الصفوف". وفيهما من حديث أبي هريرة: "وسطوا الإمام وسدوا الخلل" (٢). وفي صحيح مسلم من حديث البراء كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: "رَبٌ قنى عذابك يوم تَبعثُ عبادك" (٣). وحاصل هذه الأحاديث فضل إتمام الصفوف وفضل أولها وتسويتها وتراصِّها وميامنها وتوسط الإمام والترغيب في إتمامها والأمر والتحضيض وهما في الحديث الثالث عشر. والأول والثاني مرغب في الصف الأول إجمالًا والثالث تفصيلًا: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ [الحجر: ٢٤]، والتهاون عن تخالف القلوب اعتقادًا وتباغضًا (٤) كما في الحديث الخامس. وإحراز إتمام الصلاة وإقامتها المطلوبة كما في السادس، والحرص على تحسين ما يحب اللَّه ورسوله كما في السابع، والاحتراز عن المخالفة بين الوجوه، وسحائم

стр. 715

المخالفة بين القلوب كما في الثامن. والترغيب فيما كان الشارع يعتني به أشد الاعتناء كما في التاسع. ومن اعتنائه تخللها من صف إلى صف كما في العاشر امتثالًا للأوامر الشريفة من إقامة الصفوف ومحاذاة المناكب، والحذر من ترك فرجات الشيطان كما في الثاني عشر. والترغيب في ميامن الصفوف (١) كما في الرابع عشر والتيمن بوجه الإمام أول إقباله عليهم كما في الأخير. فصل في فضل السنن الراتبة مع الفرائض وبيان أقلها وأكملها وما بينهما أي أوسطها وغير ذلك مما يتعلق به. روينا في صحيح مسلم عن أم حبيبة رملة (٢) أم المؤمنين مرفوعًا: "ما من عبد مسلم يصلي للَّه تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى اللَّه له بيتًا في الجنة، أو إلا بُنِيَ له بيت في الجنة" (٣). ويا بشرى من وقع له ذلك، فإنه دال على حُسن الخاتمة.

стр. 716

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: "صل ركعتين قبل الظهر ومثلهما بعدها، وركعتين بعد الجمعة وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء" (١). وفيهما من حديث عبد اللَّه بن مغفل الأمر بركعتين قبل المغرب (٢). وفي البخاري من حديث عائشة كان لا يدع أربعًا قبل الظهر (٣). وفي مسلم فعلها أيضًا. وفي أبي داود والترمذي وقال: حسن صحيح من حديث أم حبيبة: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه اللَّه على النار (٤) وفيه من حديث عائشة أنه لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر (٥). وفي البخاري عنها: كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة (٦). وفي مسلم عنها: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها وإنهما أحب إليَّ من الدنيا جميعها" (٧). وفي أبي داود بإسناد جيد من حديث بلال في ركعتي الفجر: "إنك أصبحت جدًا"، قال: لو أصبحت أكثر مما أصبحت لركعتهما وأحسنتهما وأجملتهما" (٨). وفي الصحيحين من حديث عائشة وغيرها تخفيفهما، وفي مسلم من حديث ابن عباس أنه كان يقرأ في الأولى منهما ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]

стр. 717

الآية التي في البقرة "وفي الثانية ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ (١) وفي رواية له وفي الثانية التي في آل عمران ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية (٢). وفيه من حديث أبي هريرة: قراءة سورة الإخلاص فيهما (٣). وفي الترمذي محسْنًا من حديث ابن عباس: "رَمقت رسول اللَّه ﷺ شهرًا يقرأهما فيهما" (٤) والكل سُنة. ويستحب الاضطجاع بعدهما على جنبه الأيمن فقد صحت الأحاديث فيه وسواء كان تهجد بالليل أم لا؛ ففي البخاري من حديث عائشة: "أنه كان إذا صلى الفجر اضطجع على شقه الأيمن" (٥). وفي مسلم عنها فعله لها وكان تهجد ليلًا، وفي أبي داود وللترمذي من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح (٦): "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه" قال الترمذي: حسن صحيح. فرع: في جامع الترمذي محسَّنًا من حديث عبد اللَّه بن السائب أن رسول اللَّه ﷺ كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: "إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح" (٧).

стр. 718

قلت: وهذه سُنة الزوال، ومتى أُخرَت عن أوائله فاتت. والنووي في رياضه جعلها مضافة إلى رابعة الظهر، لكن بوَّب باب سنة الظهر. فرع: في جامع الترمذي من حديث عائشة وقال: حسن، أنه ﷺ كان إذا لم يصلي أربعًا قبل الظهر صلاهُن بعدها (١). فرع: في جامع الترمذي من حديث علي أنه ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعًا بتسليم (٢). وفي أبي داود من حديث عمر: "رحم اللَّه امرءًا صلى قبل العصر أربعًا" (٣) وقال في كل منهما حديث حسن. وفي أبي داود من حديث علي أنه ﷺ كان يصلي قبل العصر ركعتين (٤). فكلٌّ سنة، ويا سعادة من دخل في دعوته الجامعة. فرع: في سُنَّة العشاء قبلها، فيه حديث: "بين كل أذانين صلاة" (٥). فرع: ثبت بعد الجمعة أربع وأنها في البيت وركعتان وكل النوافل كذلك إلا ما استثنى. وقال الغزالى: ست ركعات بعدها.

стр. 719

فرع: يستحسن أن ينتقل للنفل من موضع فرضه، أو الفصل بينهما بكلام، كما أخرجه مسلم من حديث معاوية. فرع: الوتر محثوث على فعله وهو سُنَّة ووقته ما بين فعل الفريضة والفجر. ومحل الخوض في ذلك في كتب الفروع. فصل روينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة: "أوصاني خليلي بركعتى الضحى" (١). فينبغي المداومة عليهما عملًا بالوصية النبوية. وفي مسلم من حديث أبي ذر: أنها تجزئ عن جميع صدقات السلاميات (٢). وفيه من حديث زيد بن أرقم: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" (٣). فصل روينا في الصحيحين من حديث أبي قتادة مرفوعًا: "إذا دخل أحدكم المسجد يجلس حتى يصلي ركعتين" (٤). ومن حديث جابر قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: "صلي ركعتين" (٥).

стр. 720

فصل في استحباب ركعتين بعد الوضوء فيه قصة بلال مع رسول اللَّه ﷺ (١) أخرجاه. فصل في سجود الشكر فيه حديث سعد بن أبي وقاص في سنن أبي داود. فصل في فضل قيام الليل ومتعلقات القيام قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ (٢). أمر اللَّه تعالى أحب الخلق إليه وأكرمهم لديه به وتقديم "من الليل" مُشعر بالاهتمام بشأنه وتفخيم قيامه ومادته مُشعرة برفض النوم وإن شقَّ على النفس. فالليل وقت المناجاة، واقتطاف ثمار وصال الأحبة وهو رأس مال المريد، وبه يحصل المزيد، ومعنى "نافلة لك" زيادة في الربح والفضل. و ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] لا مرغب مثله، إذ أمر يرجى به ذلك يقبل علمه، ولا يُفرِّط ولهان لديه، ويهتم به أشد الاهتمام ويعول عليه. وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٣) الآية وهذا مدح منه لهم تعالى.

стр. 721

ويتحيل بأن لا مؤمن بآياته سواهم، فالمهمة إليهم تتعالى، وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] بيان أن ذلك لاحق منهم ولا أهم وأعنى بالعبادة. وقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ما أحسنه من أجر، وما ألطفه من وفاء، وما أدهشه وأطربه وأرقصه وأهيجه وأعجبه، وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ [الذاريات: ١٧]. وروينا في الصحيحين من حديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، (١) فقالت عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (٢). وعن المغيرة (٣) نحوه. أخرجاه. وكان يقتضي المداومة أو الأكثرية. والتَّفطُّر: التشقق وهو أبلغ من التورّم، لأن التورّم مبادئه. وفي قوله: "أفلا أكون عبدًا شكورًا". الإشعار بمزية قيام الليل على غيره من العبادات. وروينا فيهما من حديث على أنه ﷺ طرقهُ وفاطمة ليلًا وقال: "ألا تصليان" (٤) طرَقهُ: أتاه ليلًا.

стр. 722

وفيه اهتمام شديد بأمرهما وحثهما على الصلاة والاستنكار لتركه وتعجب من الإخلال به (١). وروينا فيهما أيضًا من حديث سالم عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "نعم الرجل عبد اللَّه، لو كان يصلي من الليل" (٢). قال سالم: فكان عبد اللَّه بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا. فتمنى ذلك له، فدل على الاعتناء به وقد جَدَّ فيه، ومن حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا "يا عبد اللَّه لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل" (٣). يحتمل إنه كان يقومه كله، فمل فترك ما وظَّفه على نفسه أو تركه جملة من باب من طلبه كله فاته كله، ويحتمل أنه ترك القيام، فلا تك مثله في الترك. وروينا فيهما من حديث ابن مسعود قال: ذُكِرَ عند رسول اللَّه ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه" أو قال: "في أذنه" (٤).

стр. 723

يحتمل منعه ذلك عن القيام وذمَّه لتعاطي ما يُمكِّن به منه الشيطان حتى عطَّل عليه الخير العظيم. ويحتمل أن نومه سبب بول الشيطان، وغير خاف أن بوله مفسد لقوة السمع النافع من قرآن وغيره، وإنها لمصيبة ما مثلها: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء: ٢١٢]. ورواية البخاري مؤذنة بأن الرجل لم يُصلِّ العشاء نفسها. وروينا فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عُقد إذا نام بكل عقدة يضرب: عليك ليل طويل، فإذا استيقظ فذكر اللَّه انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت العقد، فأصبح نشيطًا طيِّب النفس وإلَّا أصبح خبيث النفس كسلان" (١). قافية الرأس آخره. والنشاط ذكر للترغيب في القيام، كما أن ضده للتنفير من تركه المفسدة بالخبث للنفس الباطنة وبالكسل للأعضاء الظاهرة. وروينا في جامع الترمذي وقال حسن صحيح من حديث عبد اللَّه بن سلام قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام" (٢). وما أحسن هذا وأجمعه للسعادتين الشامل لهما قوله ﷻ : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (٣) ناهيك به فوزًا. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللَّه المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل" (٤).

стр. 724

وروينا في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "صلاة الليل مثنى، فإذا خِفْتَ الصبح فأوتر بواحدة" (١). المراد الركعات، ويبعد إرادة الذكر والدعاء بدليل باقى الحديث. وروينا فيهما من حديثه أيضًا: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة (٢). وروينا في صحيح البخاري من حديث أنس قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر، وكان لا تشاءُ أن تراه من الليل مصلِّيًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته" (٣). فيحتمل كان يكثر منهما، ويحتمل أنه كان يفعل نشاطه. وروينا فيه من حديث عائشة أن رسول اللَّه ﷺ "كان يصلي إحدى عشرة ركعة يعني في الليل، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة" (٤). وهذه الإحدى عشرة الظاهر أنها كانت صلاته كلها، ويحتمل أن يكون الوتر الذي خاتمه التهجد. ويبعده حديث عائشة الآتي على الوتر.

стр. 725

وروينا في الصحيحين (١) من حديثها أيضًا، قالت: "ما كان رسول اللَّه ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطُولهنَّ، ثم يصلي ثلاثًا"، قالت عائشة: "يا رسول اللَّه أتنام قبل أن توتر؟ "، فقال: "يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". وروينا فيهما أيضًا من حديثها أنه ﷺ كان ينام أول الليل ويقوم آخره فيصلي (٢). وهو دال على أفضلية الأخير. وفيهما أيضًا من حديث ابن مسعود قال: صلَّيت مع رسول اللَّه ﷺ ، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت؟ قال: أن أجلس وأدَعَه (٣) أي من الزيادة في التطويل. وروينا في صحيح مسلم عن حذيفة ﵄ قال: صلَّيت مع رسول اللَّه ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها (٤) يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم

стр. 726

ركع فجعل يقول: "سبحان ربي العظيم" فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: "سمع اللَّه لمن حمده" ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: "سبحان ربي الأعلى" فكان سجوده قريبًا من قيامه. (١) وروينا فيه أيضًا من حديث جابر قال: سُئل رسول اللَّه ﷺ أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" (٢). المراد بالقنوت القيام لأن ذكره القرآن هنا، وهى أفضل الأذكار، وأربية الساجد لا تُعارضه فالمزية لا توجد الأفضلية، ويزيل أثر السهر والسآمة ما سبق من التسبيح والسؤال والاستعاذة، وكفى بذلك (أفضلية) (٣). وروينا في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: "أحب الصلاة إلى اللَّه صلاة داود ﷺ وأحب الصيام إلى اللَّه صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سُدسه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا" (٤). ووجهه أن بنومه السدس يذهب أثر السهر رأسًا. وروينا في صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: "إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللَّه خيرًا من أمر الدنيا والآخره إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة" (٥).

стр. 727

ومن حديث أبي هريرة كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين (١). قلت: يحتمل أن تكون سنة الوضوء أو نافلة مطلقة أو من جملة العدد السالف. ومثله حديث عائشة قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين" (٢). أخرجه مسلم أيضًا. وروينا فيه أيضًا من حديثها قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة" (٣). وإنما زاد واحدة على الإحدى عشرة من أجل أن صلاة النهار لا وتر فيها مروى. ومن حديث عمر مرفوعًا: "من نام عن حزبه أو شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل" (٤). قلت: ولا مانع من أن يراد بالقراءة الصلاة وبعد صلاة الفجر إنما تكره صلاة لا سبب لها. وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "رحم اللَّه رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم اللَّه امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء" (٥) لأنه مزيل للنوم، ولا شك في إجابة هذا الدعاء.

стр. 728

وروينا فيهما أيضًا بإسناد صحيح من حديثه، ومن حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعًا كُتب في الذاكرين والذاكرات" (١). وروينا في الصحيحين من حديث عائشة مرفوعًا: "إذا نعس أحدكم فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسُبَّ نفسه" (٢). وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريوة مرفوعًا: "إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول فليضطجع" (٣). فصل في استحباب قيام رمضان ويحصل بالتراويح روينا في الصحيحين من حديث أبي هريوة مرفوعًا: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه" (٤). وروينا في صحيح مسلم من حديثه أيضًا: كان رسول اللَّه ﷺ يُرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه" (٥).

стр. 729

فصل في فضيلة قيام ليلة القدر وبيان أرجى لياليها قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (١) إلى آخر السورة، وسميت ليلة القدر - أي ليلة الشرف أو التي فيها المقادير الجسام (٢)، وهى خير من ألف شهر لا من ألف ليلة مثلها، بل من ثلاثين ألفًا، والإذن لشرف البشر المعظم شأنهم، وكلها سلام إما كثرته، وإما السلامة من كل آفة، فهى طالع مقبل ووقت سعيد. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٣) الآيات، وهى ليلة القدر على الأصح. وقيل: ليلة نصف شعبان، وسياق الآية يرده. وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه" (٤) ومن أرجى لياليها السبع الأواخر. أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر (٥)، بل والعشر كلها كما أخرجاه من حديث عائشة (٦)

стр. 730

وأرجاها أوتاره كما في حديثها في صحيح البخاري (١). وقد قيل إنها في كل ليلة من ليالي العشر الأخير، لكن ليالي الوتر أرجاها. فرع: ليلة القدر أفضل ليالي السنة، وهى مختصَّة بهذه الأمة ولم تكن لمن قبلنا. وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر قال: "يا رسول اللَّه أخبرني عن ليلة القدر في زمن الأنبياء ينزل الوحي عليهم فاقبضوا رُفعت؟ قال: "بل هى إلى يوم القيامة" (٢). فرع: علامتها أنها ليلة طلقة لا حارة ولا باردة، وأن الشمس تطلع في ذلك اليوم لا شعاع لها. ثم قال: وقد روى في حديثين ضعيفين في صفة الهواء ليلة القدر فقال في أحدهما: "إنها ليلة سمحة لا حارة ولا باردة، تطلع شمس صبيحتها ضعيفة حمراء"، وفي الأخر معناه. ثم روى من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة (٣) قال: ذُقت ماء البحر ليلة سبع وعشرين، فإذا هو عذب. فرع: قال الشافعى في القديم، ويجتهد في يومها كليلتها. فرع: الحكمة في إخفائها اجتهاد الناس في طلبها رجاء إصابتها.

стр. 731

فرع: يُسنّ لمن رآها كَتْمُها، قاله الماوردي. فرع: لا عبرة بمن شكَّ فادَّعى رفعها، ولا بمن قال لا يُمكنه رُؤيتها حقيقة. والصواب بقاؤها إلى يوم القيامة، ورؤيتها حقيقة. فرع: روينا في الصحيحين من حديث عائشة قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله" (١). وظاهرة في نفي الهجوع أصلًا والنهي عن ذلك مخصوص يخرج عنه الليالي المنصوص عليها. وروينا في صحيح مسلم عنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره" (٢). فرع: روينا في الترمذي عنها -أعني عائشة- وقال حسن صحيح: قلت: يا رسول اللَّه أرأيت إن علمت أي ليلة، ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني" (٣). فصل في حكايات مناسبة لما نحن فيه الأولى: كان علي بن الحسين (٤) ﵀ إذا مشى لا تجاوز يده فخذه ولا يخطر بيده، وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة. فقيل له: مَا لَكَ؟ فقال: ما ترون، بين يدي من أقوم ومن أناجي. ووقع حريق في بيت هو فيه، وهو ساجد فجعلوا يقولون له: النار، فما رفع رأسه حتى طُفِئَت.

стр. 732

فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ قال النار الكبرى. وقع ببعضهما الأكلة في رجله فوُصِفَ قطعها، وقيل: إن لم تُقطَعْ مات، فقيل: اتركوه حتى يدخل في الصلاة فإنه لا يحس بشيء، إذا دخل فيها. فلما دخل قُطِعَت رجله، فلم يحس بها. الثانية: سئل أبو حازم كيف تصلي؟ فقال: إذا قرب وقت الصلاة، أكملت الوضوء، واستقبلت القبلة، وأُمثّل الكعبة بين حاجبي والجنة عن يمينى، والنار عن شمالي والصراط تحت قدمي، واللَّه مطلع علي، وأظُنُّ أن صلاتي تلك لا أُصلي بعدها، وأُكبِّر بتعظيم، وأقرأ بتفكُّر، وأركع بتذلل، وأسجد بتواضع، وأُسلِم على التمام وأقوم على الوجل (١)، ثم لا أدري أتُقْبل مني أم يُضرَب بها وجهي. قال له السائل: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين سنة. قال: وددت لو صليت في عمري صلاة واحدة مثل هذه وأكون من الفائزين. الثالثة: عن العباس بن حمزة قال: صليت عند أبي يزيد صلاة الظهر، فلما أراد أن يرفع يديه ليكبر، لم يقدر إجلالًا لاسم اللَّه، فارتعدت فرائصه حتى كنت أسمع تقعقع عظامه، فهالني ذلك. الرابعة: عن بعضهم قال: صلَّيت خلف ذي النون العصر، فقال: اللَّه، ثم بُهِتَ كأنه جسد ليس فيه روح من إجلاله تعالى، ثم قال: أكبر فظننت أن قلبي قد انخلع من هيبة تكبيره. الخامسة: عن سماك بن حرب قال: لما نزل في عين ابن عباس الماء، فقيل له: نُعَاِلجك بشرط أن تترك الصلاة خمسة أيام. فقال: لا واللَّه ولا ركعة واحدة، إني حُدِّثت أنه: "من ترك صلاة واحدة متعمدًا لقى اللَّه وهو عليه غضبان" (٢). السادسة: عن عبد الواحد بن زيد (٣) ﵀ قال: نمت عن وردي ليلة،

стр. 733

فإذا أنا بجارية لم أر أحسن منها وجهًا عليها ثياب حرير خُضر، وفي رجليها نعلان يُسبحان، والزمامان يُقدِّسان وهي تقول: يا ابن زيد، جِدَّ في طلبي فإني طلبتك. ثم جعلت تقول: من يشترينى ومن يكن سكنى … يا من في ريحه من الغبن قلت: ما ثمنك؟ فأنشأت تقول: محبة اللَّه ثم طاعته … وطول فكر يُشَاب بالحزن فقلت: لمن أنت؟ فقالت: لمالك لا يرد لي ثمنًا … من خاطب قد أتاه بالثمن قال الراوي: فانتبه عبد الواحد وآلى على نفسه أن لا ينام الليل، وكان من الجماعة الذين يصلون الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة من السلف الصالح ﵏ ونفعنا بهم. السابعة: عن الشيخ أبي بكر الضرير ﵀ قال: كان في جواري شاب حسن الوجه يصوم النهار ولا يُفطر، ويقوم الليل ولا ينام، فجاء يومًا وقال: يا أستاذ إني نمت عن وردي الليلة فرأيت كأن محرابي قد انشق، وكأني، بجواري قد خرجن من المحراب لم أر أحسن وجهًا منهُنّ، وإذا فيهنَّ واحدة سوها لم أر أقبح منها منظرًا. فقلت: لمن أنتنَّ ولمن هذه؟ فقُلنّ: نحن لياليك التي مضين، وهذه ليلة يومك فلو مِت في ليلتك هذه لكانت هذه حظُك. ثم أنشأت تقول: اسأل لمولاك وأرددنى إلى حالى … فأنت قبحتنى من بين أشكالى لا ترقُدنَّ الليالي ما حييت فإن … نمت الليالي مَهَنَ الدهر أمثالى نحن السرور لمن نار السرور بنا … جوف الظلام بسكنى المنزل العالى وقد أُردْت بخير إذا وُعِظتَ بنا … فأبشر فأنت من الموالى على بالى قال: فأجابتها جارية من الحسان تقول: أبشر بخير فقد نلت الغنى أبدًا … في جنه الخلد في روضات جنات نحن الليالي اللواتي كنت تخطُبنا … جوف الظلام بلوعات وزفرات (١)

стр. 734

أبشر فقد نلت ما ترجو من مَلِكٍ … بَرٍّ يجود بأفضال وفرجات غدًا تراه غير محتجب … تدنى إليه وتحظى بالتحيات قال: ثم شهق شهقة خرَّ ميتًا رحمة اللَّه عليه ونفعنا به آمين. الثامنة: عن بعض العارفين قال: نمت عن حزبي فرأيت في المنام جارية حسناء لم أر أحسن منها وجهًا ولا أطيب منها ريحًا، فناولتني رقعة في يدها فقالت: اقرأ ما فيها، فقرأته فإذا هو: لذذت بنومه عن خير عيش … مع الوالدان في غرف الجنان تعيش مُخلَّدًا لا موت فيها … وتبقى الجنان مع الحسان تيقظ من منامك إن خيرًا … من النوم التهجد بالقرآن قال: فاستيقظت مرعوبًا، فواللَّه ما ذكرتها قط إلا طار نومي. التاسعة: قال مُضر القاري: كان رجل من العباد قلَّ ما ينام بالليل فغلبته عيناه ذات ليلة، فنام عن حزبه، فرأى فيما يرى النائم كأن جارية وقفت عليه كأن وجهها القمر المستنير ومعها رق فيه كتاب. فقالت: أتقرأ أيها الشيخ؟ قال: نعم، قالت: فاقرأ هذا الكتاب. قال: فأخذته من يدها ففتحته، فإذا فيه مكتوب: آلمتك لذة نوم عن نعيم غدًا … مع الخيِّرات في غرف الجنان تعيش مُخلَّدًا لا موت فيها … وتنعم في الجنان مع الحسان قال فواللَّه ما ذكرتها إلا ذهب عني النوم. العاشرة: عن أحمد بن أبي الحوارى ﵀ قال: قال لي أبو سليمان الداراني: يا أحمد إني مُحدثك بحديث فلا تُحدِّث به حتى أموت، نمت الليلة عن وردي فإذا أنا بحوراء نبَّهتنى وتقول: يا أبا سليمان أتنام وأنا أربي لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟ وسمعته يقول: بينما أنا ساجد إذ ذهب بي النوم، وإذا أنا بها يعنى الحوراء قد ركضتنى برجلها وقالت: حبيبي أترقُد عيناك، والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم بؤسًا لعين آثرت لذَّة نوم على مُناجاة العزيز. قُم فقد دنا الفراغ، ولقى المحبُّوبون بعضهم بعضًا، فما هذا الرقاد حبيبي وقُرَّة عيني، أترقد عيناك وأنا أُربي لك في الخدور (١) منذ كذا وكذا، فوثبت فزعًا وقد عرقت استحياء

стр. 735

من توبيخها إياي. وأنشدوا: يجوع للإله لكي يراه … نحيل الجسم من طول الصيام وقام لربه في الليل حتى … أضْنَ بجسمه طول القيام ستُجزى في جنان الخُلد حُورًا … نواعم قاصرات في الخيام وتلقوا مع حسان ناعمات … جوار اللَّه في دار السلام الحادية عشرة: عن عبد اللَّه بن نافع ﵀ قال: حدثنى أبو أيوب المقدسي أن امرأة من أهله كانت تجتهد في العبادة وتُديم الصيام وتُطيل القيام فأتاها الملعون فقال: إلى كم تُعذبين هذا الجسد، وهذه الروح لو أفطرت وقصرت عن الصلاة كان أدوم لك وأقوى. قالت: فلم يزل يوسوس لي حتى هممت بالتقصير. ثم دخلت إلى مسجد رسول اللَّه ﷺ مُعتصمة بقبره، وذلك بين المغرب والعشاء فذكرت اللَّه وصلَّيت على رسوله، ثم ذكرت ما نزل بي من وسواس الشيطان واستغفرت اللَّه أن يصرف عني كيده. قالت: فسمعت صوتًا من ناحية القبر يقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ (١). قالت: فرجعت مذعورة وجلة القلب، واللَّه ما عاودتني تلك الوسوسة بعد. الثانية عشرة: عن بعض الملوك إنه كانت له جارية اسمها جوهرة فأعتقها، فمرت بأبي عبد اللَّه البراني وهو في كوخ له يتعبد، فتزوجت به وتعبَّدت معه فرأت في منامها خيامًا مضروبة فقالت: لمن ضُربت هذه الخيام؟ فقيل: للمجتهدين بالقرآن، فكانت بعد لا تنام، وكانت توقظ زوجها وتقول: يا أبا عبد اللَّه قد سارت القافلة. وأنشدوا: أراني بعيد الدار لا أقرب الحِمى (٢) … وقد نُصِبَت للسائرين خيام علامة طردى طول ليلي نائم … وغيري يري أن المنام حرام الثالثة عشرة: عن أحمد بن أبي الحوارى ﵀.

стр. 736

قال: دخلت على أبي سليمان الداراني ﵀ فوجدته يبكي، فقلت: ما يُبكيك؟ فقال: يا أبا أحمد ولم لا أبكي وإذا جنَّ الليل ونامت العيون وخلا كل حبيب بحبيبة، وافترشت أهل المحبة أقدامهم، وجوت دموعهم على خُدودهم، وقطرت من محاربهم، أشرف الجليل فنادى جبريل لهم يناديهم ما هذا البكاء؟ هل رأيتم حبيبًا يُعذِّب أحباءه؟ أم كيف يجُمل أن أعذب أقوامًا إذا جنهم الليل تملقونى، فبي حلفت إذا وردوا على القيامة أكشف لهم عن وجهي حتى ينظروا إليَّ وأنظر إليهم. الرابعة عشرة: عن ذي النون المصري (١): سمعت بعض المجتهدين بساحل الشام يقول: إن للَّه عبادًا عرفوه بيقين معرفته فشمَّروا قصدًا إليه احتملوا فيه المصائب لما يرجون عنده من الرغائب، صحبوا الدنيا بالأشجان وتنعَّموا فيها بطول الأحزان فما نظروا إليها بعين الرغائب وما تزودوا منها إلا كزاد الراكب، خافوا البيات فأسرعوا، ورجوا النجاة فأزمعوا، بذلوا مُهج أنفسهم في رضى سيدهم، نصبوا الآخرة نُصب أعينهم، لبسوا من اللباس أطمارًا بالية، وسكنوا من البلاد قفرًا خالية هربوا من الأوطان، واستبدلوا الوحدة من الأحزان فلو رأيتهم لرأيت قومًا قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر وفصل أعضاءهم بخناجر التعب خمِص لطول السُّرَى، شُعثُ لفقد الكَرى، قد وصلوا الكلال بالكلال وتأهبوا النقلة والارتحال وفي مثلهم قال القائل: أنت بالصدق قد خَبَرتَ رجالا … قد أطالوا البكاء إذا الليل طالا وملأت القلوب منهم بنوره … من يقين اليقين يا من تعالا وتوليتهم وكنت دليلًا … وكسوت الجميل منهم جمالا فإذا الظلام جنَّ عليهم … وصلوا بالكلال منهم كلالا عفَّرُوا بالتراب منهم وجوهًا … ذاك للَّه خشية وابتهالا بما جدت للمنام منهم عيون … فاستطار المنام عنهم وزالا الخامسة عشر: خرج عابد من عباد البصرة يشتري حزمة حطب، فسمع الإقامة

стр. 737

في بعض المساجد فمال إليه وترك السوق. فرأى صرة في طريقه مكتوب عليها فيها مائة دينار فتركها وأقبل على صلاته، ثم رجع إلى السوق فاشترى حزمة الحطب ودخل بها بيته. فلما حلَّها وجد الصرة فيها، فرفع رأسة إلى السماء وقال: اللهم كما لم تنس عبدك من رزقك فلا تنساه في وقت طاعتك وخدمتك، وجعل يقول: لو أقبلت في خدمته ونهيت نفسك عن معصيته ولِّيت لطائف إحسانه ونعمته. وأنشدوا: قلوب العارفين تحنُّ حتى … تحل بقربه في كل راج (١) صفت في ورد مولاها فليست … لها من ورد مولاها من براح السادسة عشر: عن الشيخ مطهر السعدى أنه بكى شوقًا إلى اللَّه ستين سنة فرأى في النوم كأنه بجنب نهر يجرى بالمسك الأذفر (٢)، حافتاه شجر اللؤلؤ، وقضبان الذهب، وإذا بجواري مزَّينات يقُلن بصوت واحد: سبحان المُسبَّح بكل لسان سبحانه. سبحانه الموجود بكل مكان سبحانه، سبحان الدائم في كل الأزمان سبحانه فقلت: من أنتنَّ؟ فقلن: من الرحمن سبحانه. فقلت: ما تصنعن؟ فقُلن: برأنا إله الناس رب محمد … لقوم على الأقدام بالليل قُوَّمُ يُناجون رب العالمين إلههم … فتسرى هموم القوم والناس نُوَّمُ السابعة عشرة: عن الشيخ عبد الواحد بن زيد (٣) قال: أصابتني علة في ساقي، فكنت أتحامل عليها في الصلاة فقمت عليها من الليل فأجهدت وجعًا، ثم لففت إزاري في محرابي ووضعت رأسي عليه ونمت فبينا أنا كذلك إذا أنا بجارية تفوق الدنيا حسنًا تخطر بين جوار مزيَّنات حتى وقفن عليَّ وهُنَّ خلفها فقالت لبعضهن: ارفعنه ولا توقظنه ففعلن فقالت لغيرهن: افرشن له، ومهدن ووطئن ووسدنه ففرشن تحتي سبع حشايا لم أر لهن في الدنيا مثيلًا ووضعن تحت رأسي مرافق خضرًا

стр. 738

حسانا، ثم قالت للاتي حملنني اجعلنه على الفراش رويدًا لأنهجنه، فجُعلت على تلك الفراش. ثم قالت: احففنه بياسمين فحففن به الفراش، ثم قامت إليَّ فوضعت يدها على موضع العلة التي كنت أجد، فمسحت ذلك المكان بيدها ثم قالت: قم شفاك اللَّه إلى صلاتك غير مضرور فاستيقظت واللَّه كأني نشطت من عقال فما اشتكيت تلك العلة بعد ليلتي تلك ولا ذهب من فمي حلاوة منطقها السالف.

стр. 739

مجلس في الحج فيه آيات: الأولى: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (١). أي كفر بفريضته أو كفر بالآيات التي في المقام، واللام لام الاستحقاق، فهو تصريح بالوجوب والاستحقاق وذكر اسم الألوهية مع معنى وعموم وجوبه المتعلق بالناس كافة والاستطاعة معتبرة في وجوب مباشرته بالإجماع، لكنها مختلفة بين أهل الاتباع فعند الإمام مالك إنها حاصلة بقوة المشي عند الإطاقة، وعند الباقي الآية مظنة المشقة والطاقة. وقد روي عن سيد الأنام من طرق تفسيرها بالزاد والراحلة (٢) وفيه مقنع لمن اعتبر ووالي وابتصر، وفرق بين استطاعة واستطاعة فيه. وذلك يصل إلى الحقيقة، وإضافة سبيله إلى البيت المفخم لعظم شأنه ومكانته ومكانه. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٣).

стр. 740

قال مجاهد: هى منافع الدنيا والآخرة. وعن جماعات من السلف أنهم قالوا في تفسيرها: غُفر لهم ورب الكعبة، إذ المخاطب بهذه الآية إبراهيم، فقال: رب أين يبلغ نِداي؟ فقال تعالى: عليك النداء وعليَّ البلاغ. فصعد إبراهيم على المقام وقال: عباد اللَّه أجيبوا داعي اللَّه. فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك داعي ربنا، لبيك. فيقال: إنه لا يحج إلا من أجاب هذه الدعوة. وروى إن أول من أجابه أهل اليمن. وأول من حج آدم ﷺ ، حج أربعين سنة من الهند ماشيًا (١)، وما من نبي إلا حجَّه. الثالثة: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (٢). أي قوامًا لهم في أمر دينهم ودنياهم، فلا يزال في الأرض دين ما حجَّت، وعندها المعاش والمكاسب. وقال الحسن وغيره في قوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣). إنه طريق مكة. والمعنى: أصدَّهم عن الحج. ويؤيده ما روى عن أنس مرفوعًا: "إن لإبليس لعنه اللَّه شياطين ومردة يقول لهم: عليكم بالحجاج والمجاهدين، فأضلوهم عن السبيل" (٤).
следующие страницы →