← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فلما نزلنا منزلة أخرى إذا به يصلي وأعضاؤه تظهر ودموعه تجرى، فأقبلت نحوه. فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق اقرأ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ (١) ثم تركني ومضى. فقلت: إن هذا لمن الأبدال، ثم رأيته ثالثة، وإذا هو على بئر وبيده ركوة للاستقاء، فسقطت منه في البئر، فرمق السماء وقال: أنت ربي إذا ظمئت من الماء، وقوتي إذا أردت الطعام اللهم سيدي ما لي سواها، فلا تعدمني إياها قال شقيق: فواللَّه لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤه، فمد يده وأخذ ركوته وملأها وتوضأ وصلى أربعا، ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يفيض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب فأقبلت إليه وسلَّمت عليه فرد عليَّ السلام فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم اللَّه عليك. فقال: يا شقيق لم تزل نعمة اللَّه علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك. ثم ناولني الركوة فشربت منها، فإذا هو سويق وسكر، فواللَّه ما شربت قط ألذ منه، ولا أطيب، فشربت ورويت وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا. ثم رأيته بعد ذلك بمكة في جنب قبة الشراب نصف الليل يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما رأى الفجر، جلس في مصلاه يسبح، ثم قام يصلي، فلما سلم من صلاة الصبح طاف بالبيت أسبوعا وخرج فتبعته. وإذا له حاشية ومال وأقبل الناس يسلمون عليه، وإذا هو موسى (٢) بن جعفر بن محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فعرفت إن هذا من ذاك الأصل. الثالثة بعد الأربعين: عن الشيخ أبي سعيد الخزاز قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت فقيرا عليه خرقتان يسأل فقلت في نفسي: مثل هذا يكدي. فنظر إلي وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (٣).

стр. 772

فاستغفرت في سري، فناداني ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (١). الرابعة بعد الأربعين: قال بعضهم: بينما أنا أمشي في البرية إذا رأيت فقيرًا حافي القدمين حاسر الرأس عليه خرقتان مؤتزر بواحدة مرتد بالأخرى ليس معه زاد ولا ركوة. فقلت في نفسي: لو كان مع هذا ركوة وحبل، إذا رأى الماء توضأ وصلى، كان خيرًا له. ثم لحقت وقد اشتدت الهاجرة فقلت له: يا فتى لو جعلت هذه الخرقة التي على كتفك على رأسك تتقي بها حر الشمس، كان خيرًا لك فسكت ومشى، فلما كان بعد ساعة قلت: أنت حاف إيش ترى في نعليَّ تلبسها ساعة، وأنا أخرى قال: أراك كثير الفضول، ألم تكتب الحديث؟ قلت: بلى. قال: فلم تكتب حديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٢). فسكت ومشينا فعطشت ونحن على ساحل البحر فالتفت إليَّ وقال: أنت عطشان؟ فقلت: لا. فمشينا ساعة وقد كظني العطش، ثم التفت إليَّ فقال: أنت عطشان؟ فقلت: نعم، وما معي في مثل هذا الموضوع ماء. فأخذ الركوة مني ودخل البحر فغرف وجاءني وقال: اشرب، فشربت ماء أعذب من ماء النيل وأصفى لونًا، وفيه حشيش. وما أحسن من قال: إذا وردوا الأطلال تاهت بهم عجبًا … وإن لم عودا وهي غضة رطبًا وإن وطئوا يومًا على ظهر صخرة … لأنبتت الصماء من وطئهم عشبًا وإن وردوا البحر الأجاج لشربه … لأصبح ماء البحر من ريقهم عذبًا

стр. 773

قال: فقلت في نفسي هذا ولِيُّ اللَّه. فلما وافينا المنزلة سألته الصحبة فأبى وتركني، ورششت من ذلك الماء على عليل فبرأ. الخامسة بعد الأربعين: قال بعض الصالحين: بينما أنا جالس عند الكعبة إذ جاء شيخ قد شال ثوبه على وجهه، ودخل زمزم فاستقى بركوة وشرب فأخذت فضله. فإذا هو ماء مخلوط بعسل لم أذق شيئًا قط أطيب منه، فالتفت لأنظره، فإذا هو قد ذهب. ثم عدت من الغد فجلست عند البئر وإذا به قد أقبل وثوبه مسدول على وجهه فدخل زمزم فاستقى دلوًا وشرب. فأخذت فضلته فشربت منها، فإذا هو لبن ممزوج بسكر لم أذق شيئًا أطيب منه. السادسة بعد الأربعين: قال علي بن الموفق: حججت سنة من السنين في محمل، فرأيت رحالة فأحببت المشي معهم وأركبت واحدًا في محملي، ومشيت معهم، فتقدمنا إلى البرية، وعدلنا عن الطريق فنمت. فرأيت في منامي جوراي معهن طسوت من ذهب وأباريق فضة يغسلون أرجل المشاة، فبقيت أنا فقالت إحداهن لصواحبها: أليس هذا منهم؟ قلن: هذا له محمل. قالت: بلى هو منهم لأنه لأحب المشي معهم. فغسلن رجلي، فذهب عني كل وجع كنت أجده. السابعة بعد الأربعين: قال بعضهم: كنت أسير في البادية مع القافلة فرأيت امرأة تمشي بين يديها فقلت: هذه ضعيفة سبقت القافلة لئلا تتقطع، وكان معي دُرَيْهمات فأخرجتها من جيبي وقلت لها خذيها، فإذا نزلت القافلة فاطلبيني لأجمع لك شيئًا تكترين به مركوبًا يحملك. فمدت يدها وقبضت شيئًا من الهواء فإذا في يدها دراهم، فناولتني إياها وقالت: أنت أخذتها من الجيب، ونحن أخذناها من الغيب. الثامنة بعد الأربعين: عن الشيخ فتح الموصلي (١) قال: رأيت في البادية غلامًا لم يبلغ الحنث يمشي ويحرك شفتيه. فسلمت عليه، فرد الجواب فقلت له: إلى أين يا غلام؟ فقال إلى بيت اللَّه الحرام. قلت: فبماذا تحرك شفتيك؟ قال: بالقرآن. قلت:

стр. 774

فإنه لم يجر عليك قلم التكليف. قال: رأيت الموت يأخذ من هو أصغر مني سنًا. قلت: خطوك صغير، وطريقك بعيد. فقال: إنما علي نقل الخطا، وعلى اللَّه الإبلاغ. قلت: فأين الزاد والراحلة؟ قال زادي يقيني وراحلتي رجلاي. قلت: أسألك عن الخبز والماء. قال: يا عماه أرأيت لو أن مخلوقًا دعاك إلى منزله أكان يجمل بك أن تحمل معك زادك؟ فقلت: لا. قال: سيدي دعا عباده إلى بيته، وأذن لهم في زيارته، فحملهم ضعف يقينهم على حمل أزوادهم وأنا استقبحت ذلك وحفظت الأدب معه، أفتراه يضيعني؟ فقلت: كلا وحاشا. ثم غاب عن عيني، فلم أره إلا بمكة. فلما رآني قال: يا شيخ أنت بعد ذلك الضعف في اليقين، ثم أنشأ يقول: مالك العالمين ضامن رزقي … فلماذا أكلف الخلق رزقي قد قضى لي بما قضى لي ومالي … مالكي في قضائه (١) قبل خلقي صاحب البذل والنداء في يساري … ورفيقي في عسرتي حسن خلقي فكما لا يرد عجزي رزقي … فكذا لا يجيء برزقي حذقي التاسعة بعد الأربعين: عن ذي النون المصري قال: رأيت في البادية حدثًا كأنه سبيكة فضة قد ولع بجسمه الوله، يريد الحج. فصحبته وأوصيته وذكرت له بعض المشقة. فأنشأ يقول: بعيد على الكسلان أو ذي ملالة … وأما على المشتاق غير بعيد الخمسون: قال شقيق البلخي: رأيت في طريق مكة مُقْعَدًا يزحف على الأرض فقلت له: من أين أقبلت؟ قال: من سمرقند. قلت: وكم لك في الطريق؟ فذكر أعوامًا تزيد على العشرة، فرفعت طرفي أنظر إليه متعجًا فقال لي: ما لك

стр. 775

يا شقيق؟ أما بعد سفرتي فالشوق يقربها، وأما ضعف مهجتي فمولاها يحملها. يا شقيق أتعجب من عبد ضعيف يحمله المولى اللطيف، ثم أنشأ يقول: أزوركم والهوى صعب مسالكه … والشوق يحمل من لا مال يسعده ليس المحب الذي يخشى مهالكه … كلا ولا شدة الأسفار تبعده الحادية بعد الخمسين: عن بعضهم قال: رأيت كهلًا قد أجهدته العبادة وبيده عصا وهو يطوف معتمدًا عليها، فسألته عن بلده فقال: خراسان. ثم قال: في كم تقطعون هذا الطريق؟ قلت: في شهرين أو ثلاثة. قال: أفلا تحجون كل عام؟ فقلت له: كم بينك وبين هذا البيت؟ قال: مسيرة خمس سنين. قلت: هذا واللَّه هي المحبة الصادقة. فأنشأ يقول: زر من هويت وإن شطت بك الدار … وحال من دونه حُجُبٌ وأسفار لا يمنعك بعد من زيارته … إن المحب لمن يهواه زوار الثانية بعد الخمسين: قال علي بن الموفق (١): سمعت امرأة متعلقة بأستار الكعبة تنشد وتقول: يا حبيب القلوب مالي سواكا … فارحم اليوم زائرًا قد أتاكا عيل صبري وزاد فيك اشتياقي … وأبي القلب أن يحب سواكا أنت سؤلي وبغيتي ومرادي … ليت شعري متى يكون لقاكا ليس قصدي من الجنان نعيمًا … غير إني أريدها لأراكا ونختم المجلس بما وعدنا به في مجلس الصلاة على رسول اللَّه ﷺ وهو ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال: كنت جالسًا عند قبر رسول اللَّه ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول اللَّه، السلام عليك يا صفوة اللَّه، سمعت اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٢) الآية، وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إلى ربي.

стр. 776

ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال: ثم انصرف فحملتني عيناي فرأيت رسول اللَّه ﷺ في النوم فقال: يا عتبي الحق الأعرابي فبشره بأن اللَّه تعالى غفر له (١). وزاد بعضهم على بيتي العتبي ثالثًا: أنت النبي الذي ترجى شفاعته … عند الصراط إذا زلت القدم وزاد بعضهم على الأولين: وفيه شمس التقى والدين قد غربت … من بعد ما أشرقت من نورها الظلم حاشا لوجهك أن يبلى (٢) وقد هديت … في الشرق والغرب من أنواره الأمم لئن رأيناه قبرًا إن باطنه … لروضة من رياض الخلد تبتسم طافت به من حواليه ملائك … في كل يوم كالتي تسعى وهي تزدحم لو كنت أبصرته حيًا لقلت له … لا تمشي إلا على خدي لك القدم لقيت ربك والإسلام صارمه … ماض وقد كان جيش الكفر يصطدم فقمت فيه مقام المرسلين إلي … إن عز فهو على الأديان يحتكم ثم رأيت مؤلفًا ذكر فيه بعد البيتين الأولين: أنت البشير النذير المستفاء به … وشافع الخلق إذا يغشاهم الندم تخصهم بنعيم لا نفاد له … والحور في جنة المأوى لهم خدم تسقى لمن شئت يا خير الأنام وكم … قوم لعظم الشقاء والبعد قد حرموا صلى عليه إله العرض ما طلعت … شمس وحن إليه الضال والسلم

стр. 777

مجلس في تحريم الظلم والأمر برد المظالم وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه. ممن أشبه أباه فما ظلم، من استرعى الذنب فقد ظلم. ثم اشتهر في تعاطي ما لم يأذن به الرب ﷻ . قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٢) وهو بيان للحميم السالف في الآية التي قبلها. أي لا حبيب لهم، صديق ولا قريب ولا ودود ولا ناصر لهم، لا بشفاعة ولا بقهر. وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٣) الآية. وقد ذكرنا حديث أبي ذر الطويل: "يا عبادي (٤) "، وفيه وروينا في صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" (٥).

стр. 778

فالظلم ظلمات يوم يسعى نور المؤمنين بأيديهم وبأيمانهم (١) فأبان بهذا أن من خاصيته إطفاء نور الإيمان أو غلبة ظلمته عليه" كأنما ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧] (٢). ولا منفر مثل هذا، وسببه شح النفس، فليحذر فإنه الحامل على سفك الدماء واستحلال المحارم ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] (٣). وروينا فيه أيضًا: من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء" (٤). فاستيلاء الظالم مردود لأهله، وما قدر انتفاعه بالمظالم، فالدنيا كساعة من نهار أضغاث أحلام ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦] (٥). فلولا الوهم والخيال، ونسيان دار القرار ما ظلم ظالم، ولا استقر هائم. وروينا في صحيح البخاري من حديث ابن عمر بعد أن ذكر الدجال: "ألا إن اللَّه حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد ثلاثًا. ويلكم -أو ويحكم- لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٦). وروى مسلم بعضه. فحرمة الظلم كحرمة يوم النحر في البلد الحرام، وإنه ننحر القلوب في بلد

стр. 779

التكاليف، إنما الجنة هي التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت (١)، فهو جناية على جناب الحق بانتهاك محارمه، فكأن الظالم لم يرض به ربًا ولا على دينه الذي ارتضاه في كتبه، وعلى ألسنة رسله. إذ رماه الظالم بيده وراء ظهره، ولم يرض به دينا، وعلى مملكته. إذ الظلم خراب للعالم لا جرم. قال صاحب الشرع إثر ذلك: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٢) وعلى المظلوم إذا لم يرع الظالم له حرمة. وروينا فيهما من حديث عائشة مرفوعًا: "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين". أي فكل درهم يؤخذ ظلمًا فعليه إثمه وإثم لوازمه كلها. فهذا تعدد في ضرر الظلم، باعتبار لوازم المظلمة وإيجابها وجهاته. والذي قبله تعدد فيه باعتبار من يتأذى به. وروينا فيهما من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "إن اللَّه يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته"، ثم تلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾. (٣) الآية.

стр. 780

ولا شيء أسوأ من هذا الحال. وروينا فيهما من حديث معاذ قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن فقال: "إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه" الحديث، وفي آخره: "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب" (١). وأي عناية كهذا، فلا يسرف في الأسف إنه كان منصورًا. وروينا فيهما من حديث أبي حميد عبد الرحمن الساعدي قال: استعمل رسول اللَّه ﷺ رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدى إلي (٢). فقام رسول اللَّه ﷺ على المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني اللَّه، فيأتي ويقول: "هذا لكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا واللَّه لا يأخذ منكم شيئًا بغير حقه إلا لقى اللَّه يحمله يوم القيامة، فلا عرفت أحدًا منكم لقي اللَّه يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تبعر. ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه فقال: اللهم قد بلغت" (٣).

стр. 781

فهدايا العمال ظلم ورشوة وسحت وإن سميت بغير اسم الظلم والسحت. تغير الاسم لا تغيير الحقيقة التي هي أخذ شيء بغير حقه ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ (١). حتى يلقى اللَّه وهو يحمل وزره على ظهره ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (٢). وروينا في صحيح البخاري (٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه". فالمخلص ليس إلا التحلل من المظلوم بأي طريق تيسر قبل يوم التغابن. وروينا في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا (٤): "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه". فمن لا يسلم المسلمون من لسانه ويده (٥) فليس بمسلم ليأتي عكس، أو عكس نقيض، ومن ليس مسلمًا فهو أهل الظلم والعدوان وأما المسلم فحاشاه. وفي ذكر اليد واللسان تنويع الظلم وتعميمه بغالب الآية. وروينا في صحيح البخاري من حديثه قال: كان على ثقل رسول اللَّه ﷺ رجلٌ

стр. 782

يقال له كركرة، فمات فقال ﷺ "هو في النار" فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها (١). فمآل الظالم النار، ولو كان هذا الخادم في حقير عباءة فالحذر الحذر. وروينا في الصحيحين أيضًا من حديث أبي بكر مرفوعًا: "إن الزمان قد استدار" الحديث وفيه "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" (٢) إلى آخره. وصح من حديث أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي مرفوعًا: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب اللَّه له النار، وحرم عليه الجنة". فقال: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول اللَّه؟ فقال: "وإن كان قضيبًا من أراك" (٣). ولا أوكد من هذا، فمنه اقتطاع حق امرئ مسلم بيمين فاجرة، ولا أعم من مغلول حق في كل عين ودين ومنفعة وانتفاع واختصاص واستحقاق وعرض ورجاء وإلزام وحسم وجد، وغير ذلك، ولا من تنكيره في الشرط. وروينا في صحيح مسلم من حديث عدي بن عميرة مرفوعًا: "من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا، يأتي به يوم القيامة". فقام إليه رجل أسود من الأنصار، كأني أنظر إليه فقال "يا رسول اللَّه اقبل عني عملي؟ قال: وما لك؟ " قال: سمعتك تقول كذا وكذا قال: وأنا أقوله الآن، فما استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهى عنه

стр. 783

انتهى" (١). وهو ما قبله بيان لأنواع الظلم، وإن منها الحجة والجناية المحوجين إلى اليمين الفاجرة، وإن منها الاختلاس فيما علم، والكتمان فيما لم يعلم. وقوله: "مخيطًا فما فوقه" يحتمل ما فوقه من القلة. ومنها السرقة والغلول المانع للشهادة، والموقع في النار، كما سيأتي. ومنها الدين الذي صنع على صاحبه، بأنه لم يترك وفاءه أو لم يشهد به، أو نحو ذلك. وروينا في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقالوا فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال ﷺ : "كلا إني رأيته في بردة غلها أو عباءة" (٢) وروينا فيه أيضًا من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي إنه ﷺ قام فيهم فذكر لهم إن الجهاد في سبيل اللَّه، والإيمان باللَّه أفضل الأعمال. فقام رجل فقال: أرأيت يا رسول اللَّه أرأيت إن قتلت في سبيل اللَّه تكفر خطاياي؟ فقال: نعم، إن قتلت في سبيل اللَّه، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر. قال: كيف قلت؟ فأعاده. فقال ﷺ : إلا الدين، فإن جبريل ﷺ قال لي ذلك (٣). وكل ذلك مؤكد، للتنفير من الدين. نعوذ باللَّه من غلبته، ومن قهر الرجال.

стр. 784

وفيه تنبيه من باب أولى على النهب والمحاربة، كل استيلاء باطل (١). وروينا أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: أتدرون من المفلس من أمتي قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار" (٢). وهذا هو المفلس الحق، يقي وغير خاف. أن إذ تفرق غرماؤه حسناته التي كأمثال الجبال، ثم وضعت عليه سيئاتهم، وطرح في النار، لا حسرة كحسرته، وأي أمر حصل له من مظالمه يقابل هذا الإفلاس الشديد في أضيق الأوقات. وروينا فيهما من حديث أم سلمة مرفوعًا: "وإنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار" (٣). فالحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا فليكن الإنسان على بصيرة ولو ألقى معاذيره. واعلم أن أحكام الدنيا والآخرة لون، وأحكام الجزاء والحاقة لون، فلا يتوهم أن إذن الحاكم يحمي الحساب أو يمنع العذاب.

стр. 785

وروينا في صحيح البخاري من حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصيب دمًا حرامًا" (١). وما أخشى أن يكون هذا إنذارًا بسوء الخاتمة. ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ (٢) ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٣). وروينا فيه أيضًا من حديث خولة بنت عامر الأنصارية (٤) وهي امرأة حمزة ﵄ وعنها قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إن رجالا يتخوضون في مال اللَّه بغير حق، فلهم النار يوم القيامة" (٥) أي لأن خصمه اللَّه، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٦). ومدار ما ذكرناه من الأحاديث على عشر مهمات. بيان تحريم الظلم وخاصيته وسببه، وأن نفعه وهمي وقليل، وضرره متعدد كثير، وسوء حال الظالم والاعتبار بالمظلوم. والتنبيه على ما لم يحسب ظلمًا أو يحسب أنه يخلص وما به التخلص، وبيان أهله وما يؤول إليه أمرهم أو بيان أنواعه وما فيه من الحسرة الناجمة عنه، وما لا يحله باطلًا، وإن سُلِّط عليه ظاهرًا، وظلم لا فسحة للدين معه، وحكم ما لا يطالب به. إلا الرب ﷻ .

стр. 786

مجلس في النصيحة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١). فيجب صفاء السرائر، وبذل الجهد في دفع الضرائر. وقال تعالى إخبارًا عن نوح ﵊: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ (٢). وعن هود ﵊: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (٣) فالنصح من شأن الكرام، وحقيقته الصدق، والنقاء من كل غش، وأثره بذل الجهد في الإصلاح، ولم كل شعث وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري مرفوعًا: "الدين النصيحة". قلنا: لمن؟ قال للَّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (٤). وروينا في الصحيحين من حديث جرير: "بايعت رسول اللَّه ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم" (٥). وروينا فيهما من حديث أنس مرفوعًا: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٦).

стр. 787

ومدار هذه الأحاديث على بيان مزية النصح ومجاريه وصفته وموجبه، ودلائل التحقق بمنازلته. ومن الحكايات اللائقة بذلك: ما روي عن علي بن أبي طالب الوراق إن يوسف بن الحسين رؤي في المنام فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي ورحمني. فقيل: بماذا؟ فقال: بكلمة أو بكلمات قلتها عند الموت، قلت: اللهم إني نصحت الناس قولًا وخنت نفسي فعلًا فهو خيانة نفسي لنصح قولي. الثانية: قال الأحنف (١) قال عمر: يا حنيف من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه كانت النار أولى به. الثالثة: قال وديعة سمعت عمر يقول وهو يعظ رجلًا: لا تتكلم فيما لا يعنيك، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا مات يخشى اللَّه، ولا تصح مع الفاجر فيعلمك من فجره، ولا تطلعه على سرك ولا تشاور في أمرك إلا الذين يخشون اللَّه بك. الرابعة: قال محمد بن علي: أوصاني أبي فقال: لا تصحبنى خمسة، ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق. قلت: جعلت فداك يا أبت من هؤلاء الخمسة؟ قال: لا تصحبن فاسقًا، فإنه يُتْبِعُك بالكلمة فما دونها. قال: تطمع فيها، ثم لا تنالها. قلت: يا أبت ومن الثاني؟ قال: لا تصحبن البخيل فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما تكون إليه.

стр. 788

فقلت: يا أبت ومن الثالث؟ قال: لا تصحبن كذابا فإنه بمنزلة السراب، يبعد عنك القريب، ويقرب منك البعيد. قلت: يا أبت ومن الرابع؟ قال: لا تصحبن أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. قلت: قد قيل عدو عاقل خير من صديق أحمق. قلت: يا أبت ومن الخامس؟ قال: لا تصحبن قاطع رحم، فإني وجدته ملعونًا في كتاب اللَّه في ثلاثة مواضع. الخامسة: عن ابن عباس أنه قال: ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول اللَّه ﷺ كانتفاعي بكتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب، كتب إليَّ: أما بعد، فإن المرء ليسوءه فوت ما لم يكن ليدركه ويسره درك ما لم يكن ليفوته. فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فات منها. وما نلت من دنياك فلا تكثرن به قدحًا، وما فاتك منها فلا تأس جزعًا. السادسة: قال ثابت بن الحجاج (١): قال عمر بن الخطاب: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ (٢). السابعة: قال عبد الرحمن: أتى رجل الضحاك فقال: يا أبا عبد الرحمن علمني كلمات جوامع بدائع. قال: لا تشرك باللَّه شيئًا، وزُلْ مع الحق حيث زال، ومن جاءك بالحق فاقبل منه، وإن كان بغيضًا. ومن جاءك بالباطل فاردده عليه، وإن كان حبيبًا. الثامنة: عن سفيان الثوري قال: قام أبو ذر عند الكعبة فقال: أيها الناس أنا جندب الغفاري (٣) هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق.

стр. 789

فاكتنفه الناس فقال: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرًا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلي. قال: فسفر طريق الآخرة أبعد ما تريدون فخذوا ما يصلحكم، قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يومًا شديدًا حره لطول النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة سواد الليل لوحشة القبور. كلمة خير تقولها، أو كلمة سوء فتسكت عنها لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرة. اجعل الدنيا مجلسين، مجلس في طلب الحلال، ومجلس في طلب الآخرة. والمجلس الثالث يضرك ولا ينفعك، فلا ترده. واجعل المال درهمين، درهمًا تنفقه على عيالك من حله، ودرهمًا تنفقه لآخرتك. والمال يضرك ولا ينفعك، فلا ترده. ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدًا. التاسعة: كتب أبو الدرداء (١) إلى سلمان الفارسي: يا أخي اغتنم صحتك وفراغك قبل أن ينزل بك من البلاء ما لا يستطيع العباد رده، واغتنم دعوة المبتلى ويا أخي ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إن المسجد بيت كل تقي، وقد ضمن اللَّه تعالى لمن كانت المساجد بيوتهم الروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان اللَّه، ويا أخي ارحم اليتيم وأدنه، أطعمه من طعامك فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وأتاه رجل يشتكي قساوة قلبه فقال: "أتحب أن يلن قلبك" (٢). قال: نعم، قال: "أدنِ اليتيم منك وامسح رأسه وأطعمه من طعامك، فإن ذلك يلين قلبك، وتقدر على حاجتك". يا أخي لا تجمع ما لا تستطيع شكره، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول (٣)

стр. 790

يجاء بصاحب الدنيا يوم القيامة الذي أطاع اللَّه فيها وهو بين يدي ماله، وماله خلفه، كلما تكفى به الصراط قال له ماله: امض فقد أديت الحق الذي عليك. قال: ويجاء بالذي لم يطع اللَّه وماله بين كتفيه فيعيره ماله ويقول له: ويلك هلا عملت بطاعة اللَّه في، فلا يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور". ويا أخي حُدِثْتُ إنك اشتريت خادمًا، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يزال العبد من اللَّه زهو منه ما لم يخدم، فإذا خدم وجب عليه الحساب" (١). ويا أخي لا تغترن بصحبة رسول اللَّه ﷺ فإنا عشنا بعده دهرًا طويلًا، واللَّه أعلم بالذي أصابنا بعده. العاشرة: عن بعض الشيوخ قال: دخلت أنا وعشرة نفر في جبل لكام، فسرنا فيه أيامًا، فانحدرنا إلى واد، فإذا فيه بحيرة ماء عذب، وإذا على شاطئ البحيرة مسجد مبني من حجر أبيض، وإذا بعين ماء تحت المسجد تجري إلى البحيرة، فجلسنا فيه، فلما كان وقت الظهر جاء رجل أذن وأقام، ثم دخل المسجد، فسلم علينا وصلى ركعتين، ثم أقام الصلاة فدخل شيخ ومعه ثلاثون رجلًا، فتقدم إلى المحراب وصلى بنا، ثم انصرفوا، ولم يكلمونا، ولم نكلمهم، فلما كان بعد ساعة جاء رجل منهم معه شيء فوضعه في زاوية المسجد، ثم قال لنا: هلموا رحمكم اللَّه. فقمنا إليه فإذا نحن بمنديل أبيض لم نر مثله تحت مكبة من زمرد أخضر. فكشفناها فإذا مائدة من ياقوت أحمر عليه طعام يشبه الثريد، فأكلنا منه. فكنا نأكل ولا ينقص منه شيء. فلما كان وقت السحر جاء ذلك الرجل فحمل المائدة ثم أذن وأقام الصلاة فتقدم الشيخ فصلى بنا وجلس في محرابه وختم القرآن وحمد اللَّه وأثنى عليه، ودعا بدعاء حسن. ثم قال: إن اللَّه تعالى افترض على خلقه فريضتين في آية واحدة، والخلق عنها غافلون. فقلت: ما هي يرحمك اللَّه؟ فقال لي: تقدم جبرك اللَّه، فقدمني على الجماعة وقال لي: يا بني جبرك اللَّه قال الجليل ﷻ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] ونتحصن منه قال: اعلم رحمك اللَّه إن اللَّه ﷻ جعل لكل مؤمن سبعة حصون.

стр. 791

فقلت وما هذه الحصون؟ قال: الحصن الأول: من ذهب: وهو معرفة اللَّه تعالى وحوله: حصن من فضة، وهو الإيمان باللَّه، وحوله حصن من حديد وهو التوكل على اللَّه وحوله حصن من حجارة وهو الشكر والرضا عن اللَّه وحوله حصن من فخار وهو الأمر والنهي والقيام بهما، وحوله حصن من زمرد وهو الصدق والإخلاص في جميع الأحوال. وحوله حصن من لؤلؤ رطب وهو أدب النفس. والمؤمن من داخل هذه الحصون، وإبليس من ورائها ينبح كما ينبح الكلب، والمؤمن لا يبالي به لأنه قد تحصن بهذه الحصون. فينبغي للمؤمن أن لا يترك أدب النفس في أحواله ولا يتهاون به في كل ما يأتيه، فإنه من ترك أدب النفس وتهاون به يأتيه الخذلان من فوق لتركه الأدب، ولا يزال إبليس يعالجه ويطمع فيه حتى يأخذ منه الحصن الأول ثم لا يزال يأخذ منه حصنًا بعد حصن إذا ترك الأدب، ويطمع فيه، ويأتيه الخذلان من اللَّه لتركه حسن الأدب حتى يأخذ منه جميع الحصون، ويرده إلى الكفر فيخلد في النار، نعوذ باللَّه من جميع ذلك، ونسأله التوفيق وحسن الأدب. قال: فقلت له: أوصني بوصية. قال: نعم جبرك اللَّه، اجتهد في رضى خالقك بقدر ما تجتهد في رضى نفسك، واعمل في الدنيا بقدر مقامك فيها، واعمل لربك بقدر حاجتك إليه، وأطع إبليس لعنه اللَّه بقدر نصحه لك، وارتكب من المعاصي بقدر طاقتك على النار، واحفظ لسانك عما لا ترجو فيه ثوابا كما تحفظ نفسك من سلعة لا ترجو فيها ربحًا. واترك أربعة لأربعة، ثم لا تبالي متى مت اترك الشهوات إلى الجنة والنوم إلى القبر، والراحة إلى الصراط والفخر إلى الميزان. ثم قام فمشى، فأقمنا يومنا ذلك. فلما كان اليوم الرابع ودعناهم فقال الشيخ في آخر كلامه لنا: يا فتيان استروا المكان يستركم اللَّه في الدنيا والآخرة. الحادية عشرة: عن أبي عامر الواعظ قال: بينما أنا جالس في مسجد الرسول ﷺ إذ جاءني غلام أسود برقعة فإذا فيها مكتوب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم متعك اللَّه بمسامرة الفكرة ونعمك بمؤانسة العبرة، وأفردك بحب الخلق، يا أبا عامر أنا رجل من إخوانك بلغني قدومك المدينة، فسررت بذلك، وأحببت زيارتك. وبي من الشوق إلى مجالستك والاستماع إلى مجالستك والاستماع إلى محادثتك ما لو كان فوقي لأظلني أو كان تحتي لأقلني فسألتك بالذي حباك بالبلاغة

стр. 792

لما أتحفتني جناح التوصل بزيارتك. والسلام. قال أبو عامر: فقمت مع الرسول أتى بي إلى فناء، فأدخلني منزلًا رحيبًا، فقال لي: قف هنا حتى أستأذن لك. فوقفت، فخرج إليَّ وقال: لج، فدخلت فإذا ببيت مفرد في الخربة له باب من جريد النخل، وإذا بشيخ قاعد مستقبل القبلة بحالة من الوَلَه مكروبًا من الخشية محزونًا قد ظهرت في وجهه أحزانه. وذهبت من البكاء عيناه، مرضت أجفانه. فسلمت عليه، فرد علي السلام، فإذا به أعمى مقعد مقام. فقال لي: يا أبا عامر غسل اللَّه من أوزار الذنوب قلبك، لم يزل قلبي إليك تواقًا، وإلى سماع الموعظة منك مشتاقًا، وبي جرح ثقل قد أعيا الواعظين دواءه، وعجز المطيبين شفاؤه. وقد بلغني نفع مراهمك الجراح والآلام. فلا بأس رحمك اللَّه، مر (وابقاع) (١) الترياق، وإن كان مر المذاق، فإني ممن يصبر على ألم الدواء، رجاء الشفاء قال أبو عامر: فنظرت إلى منظر هولني، وسمعت كلامًا قطعني، وفكرت طويلًا. ثم أتاني من كلامه ما أتاني من الكلام، وسهل عني صعوبته ما منه تابا، وبرق الأفهام. فقلت: يا شيخ ارم ببصرك قلبك في ملكوت السموات فأجل فسقع معرفتك في سكان الأرجاء، وتمقل بحقيقة إيمانك إلى جنة المأوى، فترى ما أعد اللَّه فيها للأولياء. ثم تُشرف على نار فنرى فيها ما أعد اللَّه للأشقياء فشتان ما بين الدارين، ليس الفريقان في الموت سواء. قال: فأنَّ وأنه صاح صيحة، وزفر والتوى وبكى حتى أروى الثرى. وقال: يا أبا عامر وقع دواؤك على دائي، وأرجو أن يكون عندك شفائي، زدني رحمك اللَّه. قلت: يا شيخ إن اللَّه عالم سريرتك، مطلع على حقيقة ساهرتك في خلوتك، بعينه عند استتارك من خلقه ومبارزته.

стр. 793

فصاح صيحة كصيحته الأولى، ثم قال: من لفقري، من لفاقتي، من لذنبي، من لخطيئتي، أنت لي يا مولاي إليك منقلبي، ثم خر ميتًا. فخرجت إليَّ جارية عليها مدرعة من صوف وخمار من صوف قد ذهب السجود بجبهتها وأنفها، واصفر لطول القيام لونها، وتورمت قدماها فقالت: واللَّه يا حادي قلوب العارفين ومثير أشجان عليل المحزونين لا ينسى لك هذا المقام من رب العالمين. هذا الشيخ والدي مبتلي بالسقم منذ عشرين سنة، صلى حتى أقعد، وبكى حتى عمي، وكان يتمناك على اللَّه ويقول: حضرت مجلس أبي عامر، فأحيى موات قلبي وطرد وسن نومي، وإن سمعته ثانيًا قتلني، فجزاك اللَّه من واعظ خيرًا، ومتعك من حكمتك بما أعطاك. ثم أكبت على أبيها تقبل بين عينيه وتبكي وتقول: واأبتاه، يا من أعماه البكاء على ذنبه، يا من قتله وعيد ربه، ثم علا البكاء والاستغفار والدعاء والنحيب وجعلت تقول: يا حليف الحرقة والبكاء، يا جليس الابتهال والدعاء، يا صريع المذكرين والخطباء. يا قتيل الوعاظ والحكماء. قال أبو عامر: فأجبتها فقلت: أيتها الباكية الحيراء، والنادبة الثكلاء، إن أباك نحبه قضي، وورد دار الجزاء، وعاين كل ما عمل، وعليه يحصى في كتاب عند ربه ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] فمحسن فله الزلفى، ومسيء فوارد دار من أساء. فصاحت الجارية وجعلت ترشح عرقًا، ثم ماتت. فخرجت مبادرًا إلى مسجد المصطفى ﷺ وفزعت إلى الصلاة والدعاء والاستغفار حتى كان عند العصر، فجاءني غلام أسود يؤذنني بجنازتهما وقال: أحضر للصلاة عليهما ودفنهما. فحضرت وسألت عنهما فقيل لي: هما من ولد الحسن والحسين بن علي بن أبي طالب (١)، فما زلت جزعًا مما جنيت عليهما حتى رأيتهما في المنام عليهما

стр. 794

حلتان خضراوتان، قلت: مرحبًا بكما وأهلًا، ما زلت حذرًا مما وعظتكما به فما صنع اللَّه بكما؟ فقال الشيخ: أنت شريكي في الذي نلته … مستأهلًا ذاك أبا عامر وكل من أيقظ ذا غفلة … فنصف ما يعطاه للآمر من رد عبدًا مذنبًا … كان كمن راقب للقاهر واجتمعا في دار عدن وفي … جوار رب سيد غافر يا أبا عامر وردت على رب كريم راض غير غضبان، فاسكنني الجنان وزوجني من الحور الحسان، فاحرص يا أبا عامر أن تكثر من الاستغفار: إذا أمسى فراشي من تراب … وبت مجاور الرب الرحيم فهنوني يا أصحابي وقولوا … لك البشرى قدمت على كريم

стр. 795

مجلس في التواضع وخفض الجناح للمؤمنين قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] (١). وهذا خطاب لسيد الأولين والآخرين، فما بالك بآحاد المخلوقين. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢). وهذا شرح خفض الجناح، فوصف المحبوبين للَّه المحبين له بذلك. ولنتمنَّ الذلة معنى التحصن عداد (بعلي) (٣) فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٤). فإذا كان الأمر كذلك فلم لا يتواضع، والناس في ذلك سواء، فلا وجه للترفع إذن. وإن تفرعوا للشعوب والقبائل فهو للتعارف لا للتفاخر. وقال اللَّه تعالى ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (٥) فلا يتوهم فاعله ترفعه

стр. 796

ومكانه، فإنه تزكية منهي عنها بقوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾. وقال اللَّه تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ (١) الآية، ولنذكر أحاديث في ذكر ما يرغب في التواضع ويجذب إليه، وما يحذر من عواقب الرفعة الدنيوية، والمراتب العلية. وقد روينا في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار -بالراء- مرفوعًا:- "إن اللَّه أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" (٢). وروينا فيه أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما نقصت صدقة من مال، ولا زاد اللَّه عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد للَّه إلا رفعه اللَّه" (٣). وروينا في صحيح البخاري من حديث أنس: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول اللَّه ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. وروينا في الصحيحين من حديثه أيضًا أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: "كان رسول اللَّه ﷺ يفعله" (٤).

стр. 797

وروينا في صحيح البخاري من حديث الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة ما كان رسول اللَّه ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، -يعني في خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة (١). وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي رفاعة تميم بن أسد قال: انتهيت إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول اللَّه رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدرى ما دينه؟ فأقبل عليَّ رسول اللَّه ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأُتِيَ بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمني ما علمه اللَّه. ثم أتى خطبته فأتم آخرها (٢). وروينا فيه من حديث أنس أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث قال: وقال: "إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان"، وأمر بسلت القصعة قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة" (٣). وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما بعث اللَّه نبيًا إلا رعى الغنم". قال أصحابه: وأنت؟ قال: "نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (٤).

стр. 798

وروينا فيه أيضًا عنه مرفوعًا: "لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلى ذراع أو كراع لقبلت" (١). وروينا فيه أيضًا عن أنس قال: كانت ناقة رسول اللَّه ﷺ العضباء لا تُسبق، ولا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها. فشق ذلك على المسلمين حتى عرف. فقال: "حق على اللَّه إن لا يرفع شيء من الدنيا إلا وضعه" (٢). وروينا عن حماد بن زيد قال: قال لي أيوب السخستاني: إن قومًا يريدون أن يرفعوا فيأبي اللَّه إلا أن يضعهم، وآخرين يريدون أن يتواضعوا ويأبى اللَّه إلا أن يرفعهم. وقال خلف: جاءني أحمد بن حنبل يسمع الحديث فاجتهدت أن أرفعه، فأبى وقال: لا أجلس إلا بين يديك فقد أمرنا بالتواضع لمن نتعلم منه. وقال علي بن أبي طالب فيما رواه الشعبي (٣) عنه: يا أيها الناس عُدُّوا عني هذه الكلمات، فلو ركبتم المطايا حتى تضنوها ما أصبتم منها: لا يرجَونَّ عبدًا إلا ربه، ولا يخافَنَّ إلا ذنبه، ولا يستحي إذا لم يتعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم. واعلموا أن الصبر مع الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا خير في جسد لا رأس له.

стр. 799

وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (١): ما دخل قلب رجل شيء من الكبر إلا نقص من عقله قدر ما دخله من ذلك، قل أو كثر. وعنه: أن والده كان يحب أن لا يعينه على طهوره أحد، كان يستقي الماء لطهوره، ويحضره قبل أن ينام فإذا أقام من الليل بدأ بالسواك، ثم يتوضأ ويأخذ في صلاته، وكان يقول: عجبت للمتكبر الفجور الذي كان أمس نطفة ثم يكون غدًا جيفة وعجبت كل العجب من يرد دار البقاء، ويعمل لدار الفناء. وقال الشبلي: إذا أردت أن تنظر إلى ما أنت، فانظر إلى ما يخرج منك في دخولك الخلاء، فمن كان هذا حاله فلا يجوز له أن يتطاول أو يتكبر على من هو مثله. وللحسن البصري عجبت من معجب بصورته، وكان بالأمس نطفة مذرة، وهو على تيهه ورونقه ما بين جنبيه يحمل العذرة. وروي أن إبراهيم بن أدهم (٢) كان يعمل في الحصاد ويحفظ السلتين. فجاءه يومًا جندي وطلب منه أن يعطيه شيئًا من الفاكهة فأبى. فقلب الجندي سوطه وضرب رأسه، فطاطأ إبراهيم رأسه وقال: اضرب رأسًا طال ما عصى اللَّه، فلما عرفه الجندي اعتذر إليه فقال له إبراهيم: الرأس الذي يحتاج إلى الاعتذار تركته ببلخ. وقال همام: قال لي عروة: كلمة احتملتها أورثتني عزًا طويلًا. وقال إبراهيم بن أدهم: رأيت جبريل في المنام وفي يده قرطاس، فقلت له ما تصغ بهذا؟ قال: اكتب فيه أسماء المحبين. فقلت: أكتب محبهم محب المحبين إبراهيم بن أدهم. فنودي يا جبريل قال: اكتبه هو أولهم. وروي أن الشيخ محمد بن الكيس كان يجتمع بالخضر (٣) في أكثر الأوقات،

стр. 800

وكان له صاحب موسر كثير المعروف فقال له: يا أخي مالي منك نصيب؟ قال: فبماذا؟ قال: تجمع بيني وبين الخضر وتسأله أن يظهر لي حتى أراه. قال: أنا أقول له. فقال للخضر: صاحبي فلان قصد رؤيتك. فقال: صاحبك لما يريد أن يراني؟ قال: سبحان اللَّه هكذا قال لي. فقال له الخضر قل له أنا يوم الجمعة أقصد في زويته. فلما كان يوم الجمعة بادر الرجل فتطهر وجلس على سجادته يذكر اللَّه. فدق الباب رجل، فقيل إنما عليه أطمار رثة ويريد الاجتماع بك. فقال هذا مسكين، لا شك إنه يريد من القمح الذي سمع عنه، قولي له يرجع بعد الصلاة، وإذا هو الخضر. فلما كان بعد الصلاة قال لابن الكيس: انتظرته فلم أره. فقال: يا قليل التوفيق هو الذي جاءك ورددته تريد أن تجتمع بالخضر وعلى بابك الحجاب؟ فاعتق جواريه، وصار يخرج بنفسه إلى الباب إذا دق. وحكي أن سليمان بن داود ﷺ مر في موكبه والطير تظله والدواب وسائر الحيوانات يمينه ويساره (١) فمَر بعابد من عُبَّاد بني إسرائيل. فقال: واللَّه يا ابن داود لقد أتاك اللَّه ملكًا عظيمًا فسمع ذلك سليمان فقال: لتسبيحه في صحيفة مؤمن خير مما أُعطى ابن داود. فما أعطى ابن داود يذهب والتسبيحة تبقى. ولبعضهم: إذا لم تكن مَلِكًا مطاعًا … فكن عبدًا لمالكه مطيعًا

стр. 801

وإن لم تملك الدنيا جميعًا … كما تختار فاتركها جميعًا هما سببان من ملك ونسك … ينيلان الفتى شرفًا رفيعًا ومن يقنع من الدنيا بشيء … سوى هذين يجئ به وضيعًا وروينا عن الشيخ أبي يزيد البسطامي قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال. وروي مرفوعًا: (١) إن اللَّه يحب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء الشَعِثةُ رؤوسهم المغبرة وجوههم، الخمصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطوا المُنَعَّمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يُشْهَدُوا. قالوا: يا رسول اللَّه كيف لنا برجل منهم؟ قال: ذاك أويس القرني (٢) أشهل ذو صهوبة بعيد ما بين المنكبين، (ممتد) (٣) القامة، آدم شديد الأدمة، ضارب بذقنه إلى صدره رام بصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله لا يؤبه له، متزر بإزار من صوف، ورداء صوف مجهول في أهل الأرض معروف في أهل السماء، لو أقسم على اللَّه لأبرَّ قسمه، وإن تحت منكبه لمعة بيضاء. ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ادخلوا الجنة وقيل لأويس: قم فاشفع فيشفعه اللَّه في مثل ربيعة ومضر. يا عمر ويا علي إذا أنتما لقيتماه، فاطلبا إليه أن يستغفر لكما، يغفر اللَّه لكما. قال: فكانا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه.

стр. 802

فلما كان في آخر السنة التي مات فيها عمر، قام على أبي قبيس فنادى بأعلى صوته، يا أهل البيداء أفيكم أويس؟ فقال شيخ كبير طويل اللحية فقال: إنا لا ندرى من أويس ولكن ابن أخ لي يقال له أويس، وهو أخمل ذكرًا وأقل مالا وأهون أمرًا من إن نرفعه إليك، وإنه ليرعي إبلًا حقير بين أظهرنا، فعمي عليه عمر كأنه لا يرقيه. وقال: ابن أخيك هذا تحرمناه هو. قال: نعم، قال: وأين يصاب؟ قال: بأراك عرفات، فإذا هو قائم يصلي إلى شجرة والإبل حوله ترعى، فشدا حماريهما، ثم أقبلا عليه فقالا: السلام عليك ورحمة اللَّه. فخفف أويس من الصلاة، ثم رد عليهما¬ السلام. فقالا: من الرجل؟ قال: راعي إبل، وأجير قوم. قلنا: لسنا نسألك عن الرعاية، ولا عن الإجارة. ما اسمك؟ قال: عبد اللَّه. قالا: قد علمنا أن أهل السموات والأرض كلهم عبيد اللَّه، فما اسمك الذي سمتك به أمك؟ قال: يا هذان أينما تريدان إليَّ؟ قالا: وصف لنا محمد ﷺ أويسًا القرني وقد عرفنا الصهوبة والشهولة. وأخبرنا محمد ﷺ أن تحت منكبه الأيمن لمعة بيضاء، فأوضحها لنا، فإن كانت بك، فأنت هو، فأوضح لهما منكبه، فإذا اللمعة. فابتدرا يقبلانه وقالا نشهد أنك أويس القرني فاستغفر لنا يغفر اللَّه لك. قال أويس: ما أخص باستغفاري نفسي، ولا أحدًا من ولد آدم، ولكنه في البر والبحر في المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. يا هذان قد شهر اللَّه لكما حاشيها، وعرَّفكما أمري فمن أنتما؟ قال علي: أما هذا فعمر أمير المؤمنين، وأما أنا فعلي بن أبي طالب، فاستوى أويس قائمًا قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللَّه وبركاته. وأنت يا ابن أبي طالب. فجزاكما اللَّه عن هذه الأمة خيرًا. قالا: وأنت جزاك اللَّه عن نفسك خيرًا. فقال عمر: مكانك رحمك اللَّه حتى

стр. 803

أدخل مكة، فآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي. هذا المكان ميعاد بيني وبينك. قال: يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك لا أراك بعد اليوم، فعرفني ما أصنع بالنفقة، ما أصنع بالكسوة، أما ترى علي إزار من صوف، ورداء من صوف. متى تراني أخرقهما؟ أما ترى نعلي مخصوفتان متى تراني أبليهما؟. أما ترى إني أخذت من رعايتي أربعة دراهم متى تراني آكلها؟. يا أمير المؤمنين إن بين يدي ويلك عقبة كؤودًا إلا ضامر مخف مهزول، فأخف رحمك اللَّه. فلما سمع عمر ضرب بدرته الأرض، ثم نادى بأعلى صوته ألا ليت عمر لم تلده أمه، يا ليتها عقيمًا لم تعالج حملها ألا من يأخذها بما فيها يعني الخلافة ثم قال: يا أمير المؤمنين خذ أنت. فهنا تولى عمر ناحية مكة، وساق أويس فوافى القوم فأعطاهم المير، وخلى الرعاية، وأقبل على العبادة حتى لحق باللَّه. وروي عن عمار بن سيف الضبي أنه قال: قال رجل لأويس كيف أصبحت أو كيف أمسيت؟ فقال له أويس: أصبحت أحب اللَّه، وأمسيت أحمده. وما يسأل عن حال رجل إذا أصبح ظن إنه لا يمسي وإذا أمسى ظن أنه لا يصبح. إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحًا، وإن حق اللَّه في مال المسلم لم يدع له في ماله فضة ولا ذهبًا. فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقًا. وروي عنه إنه كان يقتات من المزابل، ويكتسي منها فنبحه كلب يومًا على مزبلة، فقال له أويس: "كل مما يليك، فأنا آكل مما يليني، ولا تنبحني، فإن جزت الصراط، فأنا خير منك، وإلا فأنت خير مني". ولسيدي عبد اللَّه اليافعي: سقى اللَّه قومًا من شراب وداده … فهانوا به ما بين باد وحاضر يظنهم الجهال جُنًا وما بهم … جنون سوى حُبِّ على القوم ظاهر سقوا بكؤوس الحب راحًا من الهوى … فراحوا سكارى بالحبيب المسامر

стр. 804

يناجونه في ظلمة الليل عندما … به قد خلوا أويس بن عامر (١) وحكي عن بعضهم أنه دعي إلى دار مرارًا كثيرة في ساعة واحدة كلما وصل باب الدار رده الداعي اختبارًا له وهو طيب بذلك لم يظهر منه انزعاج. فتعجب الداعي من حلمه وصبره واستعظمه منه فقال: لا تستعظم ذلك مني، هذه صفة الكلب؛ كلما دعي أجاب وكلما طرد ذهب وحكي عن الحسن البصري أنه قال: في الكل عشر خصال ينبغي لكل مؤمن أن تكون فيه: ١ - أن يكون خائفًا فإنه من آداب الصالحين ٢ - لا مكان له يعرف، وذلك من آداب المتوكلين. ٣ - لا ينام من الليل إلا قليلا، وذلك من صفات المحبين. ٤ - لا ميراث له بعد موته، وذلك من صفات الزاهدين. ٥ - لا يترك صاحبه وإن جناه، وذلك من علامات المريدين الصادقين. ٦ - وإن يرضي من الأرض بأدنى المواضع، وذلك من علامات المتواضعين. ٧ - وإذا غلب على مكانه تركه وانصرف إلى غيره، وذلك من علامات الراضين. ٨ - وإذا ضرب وطرد وجفي ثم طرحت له كسرة أجاب ولم يحقد على ما مضى، وذلك من علامات الخاشعين. ٩ - وإذا حضر الآكل جلس بعيدا ينتظر، وهذا من علامات المساكين. ١٠ - وإذا رحل من مكانه لا يلتفت إليه، وهذا من علامات المحزونين. وحكي عن بعضهم إنه رأى كلابا في كهف في جبل مقيمة به لا تخرج منه، ولا تدخل البلد إلا يومًا واحدًا في الأسبوع. تدخل وتأكل من المزابل وتعود إلى مكانها. هكذا دائما، فأقام معها مدة، يدخل معها يوم دخولها، ويخرج معها يوم خروجها، ويأكل معها من المزابل مما يحل له أكله فحصل له بتلك الكلاب رياضات وآداب.

стр. 805

وقال بعض الصالحين وقد جاز قوم معهم كلاب الصيد فنبحتها كلاب الدرب كأن هذه حدثت. فقالت الأهلية لهن، رغبتن في نعم الملوك (فجنز) (١) ردكن، ولو قنعتن بالمنبوذ مثلنا كلنتن مخليات فقال لها كلاب الصيد: خفي عليكُنَ حالنا، نحن وأوافينا آلة الخدمة، فحبسونا لها، وقاموا لنا بالكفاية. قالت الأهلية: فالواحد منكنَّ إذا كبر خُلِّي وصار معنا. قالت: لأنه قصد فيما يجب عليه وكل من قصر فيما يجب عليه طُرِد. وعن بعض الصالحين قال: اشتريت عبدًا فقلت له ما اسمك؟ فقال: يا مولاي ما سميتني به. فقلت: ما الذي تعمل؟ قال: يا مولاي ما به أمرتني. فقلت: ما الذي تأكل. قال: يا مولاي ما أطعمتني. فقلت: فما لك إرادة في شيء. قال: وأي إرادة تكون للعبد مع مولاه؟ قال: فأبكاني وذكَّرني حالي مع مولاي. فقلت: يا هذا لقد أدبتني مع سيدي. فأنشأ يقول: لو تم لي كوني لعبد خادمًا … ما كنت أطلب فوق ذاك نعيمًا فارحم بفضلك زلتي وتحيري … فلذا عرفتك محسنًا ورحيمًا آخره وللَّه الحمد.

стр. 806

مجلس في الخوف ومعناه انخلاع القلب من طمأنينة الأمن للشعور بمحذور يتوقع. ويترتب عليه الورع عن محارمه، والتوقف عن كارهه قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] (١). أي خافون، وهو أشد من الوجل الذي هو خوف لا قرار معه. وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ [البروج: ١٢] (٢). والبطش: الأخذ بالعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، وذلك على الرهبة واقتضاؤه وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ [هود: ١٠٢] (٣). إلى قوله: ﴿وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]. وهذه الآيات بيان لشدة البطش. ومعنى شديد: وجيع صعب على المأخوذ. وهو تحذير من عاقبة الظلم لكل من ظلم غيره، أو نفسه بذنب اكتسبه، فعلى كل من أذنب أن يحذر أخذ ربه الأليم الشديد، فيبادر بالتوبة ولا يغتر بالإمهال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ﴾ [هود: ١٠٣] (٤) أي لعبرة له. لأنه ينظر إلى ما أحل اللَّه بالمجرمين في الدنيا، وما هي إلا إنموذج مما أعد لهم في الآخرة، فيتعظ ويعتبر وتتمة الآية تصوير لعظائم مهولة تنخلع منها الأوصال وتتقطع من أسرها الكبود لعظم الانفصال. وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٥).

стр. 807

وهذا تصريح بمضمون ذلك كله. وأي تخويف أبلغ من ذلك، وزجر أعظم مما هنالك، وقد كرر ذلك وأعقبه بأردع وعظ، وأزجره وأقوى عزيمة وأقصمه. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥)﴾ (١) الآية وفيها تنويه هذا التحذير بأنه ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ (٢). إذ يفر من أحبابه وأنصاره وهو مشتغل بما هو مدفوع إليه، ويعلم أن أحدًا منهم لا يغني عنه شيئًا ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (٣). وفي ترتيب من يفر منهم بلاغة واضحة ونكتة لامعة. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ (٤) إلى قوله: ﴿شَدِيدٌ﴾. أي يذهل لسببه ما ذكر، وهو موضح للفرار السالف، وتقرير وقوعه في النفوس. وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (٥) الآيات. قيل إحداهما لترك المنكرات والأخرى لفعل الخيرات الناشئ من الخوف. وقيل: إحداهما جزاء، والأخرى زيادة من فضل اللَّه. وقيل: إحداهما للإنسي، والأخرى للجني. ومقام الرب ﷻ ، إما قيام الناس لرب العالمين وإما قيامه على كل نفس بما كسبت.

стр. 808

وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ (١). إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾. وفيه ابتهاج أهل الجنة بإشفاقهم ذكر ما استفادوه به، والآيات في الباب كثيرة. وأما الأحاديث فمنتشرة نذكر منها ستة عشر حديثًا: أولها: حديث ابن مسعود ﵄ قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك". ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح (٢)، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد (٣)، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق

стр. 809

عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" أخرجاه (١). وفيه ذكر سبب الخوف الشامل لكل أحد ما لم يؤمن ببشارة الهيئة، أو دخول الجنة بسابقة القفاء بالشقاوة والسعادة، والموطن الدنيا دار العمل والعطاء. فمن لا يدرى من أي الفريقين مآله كيف يطمئن ويأمن ويقر قراره. ومن ظهرت عليه آثار السعادة وأمارات السيادة كيف لطمئن، وقد سبق الكتاب بضده، فيبذل المشهود الظاهر بخلافه، كما وقع لإبليس وحزبه وعند صفو الليالي يحدث الكدر. وقد خاف قوم من السابقة كما خاف آخرون من الخاتمة. وقد ظهر إن الخوف من متعلقة في المستقبل، وظهور السابقة وأثرها وهو الخاتمة، أو ما بعد الموت. اللهم وصلنا ولا تهلكنا بالفوت. الحديث الثاني: حديثه أيضًا مرفوعًا: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، ومع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" (٢) أخرجه مسلم. وفيه خوف سوء الدار بالمعاصي، ويعاين ما يشيب النواصي ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ (٣). وفرق عظيم بين علم اليقين وعين اليقين. الحديث الثالث: حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابا، فإنه لأهونهم عذابا". (٤)

стр. 810

أخرجاه. وفيه تفاوت قوة عذاب أهلها، وأن أخفه ذلك وإن كان أشد عنده. الحديث الرابع: حديث سمرة بن جندب مرفوعًا: "منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته" (١) أخرجه مسلم. وفيه التفاوت في ذلك. الحديث الخامس: حديث ابن عمر مرفوعًا: "يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يوم يقوم أحدهم في رشحه إلى إنصاف أذنيه" (٢) أخرجاه. وهو بيان الكبرياء والعظمة، وذوبان المهابة، ورشح الجبين يوم يقوم الناس لرب العالمين. وقيل لبشر الحافي: تخاف الموت؟ فقال: القدوم على اللَّه أشد. الحديث السادس: حديث أنس وسيأتي في فضل البكاء من خشية اللَّه. الحديث السابع: حديث المقداد مرفوعًا: "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل". قال أحد رواته: ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم ميل العين، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق إلى كعبيه، إلى ركبتيه، إلى حقويه، من يلجمه
следующие страницы →