← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

مجلس في الخوف ومعناه انخلاع القلب من طمأنينة الأمن للشعور بمحذور يتوقع. ويترتب عليه الورع عن محارمه، والتوقف عن كارهه قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] (١). أي خافون، وهو أشد من الوجل الذي هو خوف لا قرار معه. وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ [البروج: ١٢] (٢). والبطش: الأخذ بالعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، وذلك على الرهبة واقتضاؤه وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ [هود: ١٠٢] (٣). إلى قوله: ﴿وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]. وهذه الآيات بيان لشدة البطش. ومعنى شديد: وجيع صعب على المأخوذ. وهو تحذير من عاقبة الظلم لكل من ظلم غيره، أو نفسه بذنب اكتسبه، فعلى كل من أذنب أن يحذر أخذ ربه الأليم الشديد، فيبادر بالتوبة ولا يغتر بالإمهال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ﴾ [هود: ١٠٣] (٤) أي لعبرة له. لأنه ينظر إلى ما أحل اللَّه بالمجرمين في الدنيا، وما هي إلا إنموذج مما أعد لهم في الآخرة، فيتعظ ويعتبر وتتمة الآية تصوير لعظائم مهولة تنخلع منها الأوصال وتتقطع من أسرها الكبود لعظم الانفصال. وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٥).

стр. 807

وهذا تصريح بمضمون ذلك كله. وأي تخويف أبلغ من ذلك، وزجر أعظم مما هنالك، وقد كرر ذلك وأعقبه بأردع وعظ، وأزجره وأقوى عزيمة وأقصمه. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥)﴾ (١) الآية وفيها تنويه هذا التحذير بأنه ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ (٢). إذ يفر من أحبابه وأنصاره وهو مشتغل بما هو مدفوع إليه، ويعلم أن أحدًا منهم لا يغني عنه شيئًا ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (٣). وفي ترتيب من يفر منهم بلاغة واضحة ونكتة لامعة. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ (٤) إلى قوله: ﴿شَدِيدٌ﴾. أي يذهل لسببه ما ذكر، وهو موضح للفرار السالف، وتقرير وقوعه في النفوس. وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (٥) الآيات. قيل إحداهما لترك المنكرات والأخرى لفعل الخيرات الناشئ من الخوف. وقيل: إحداهما جزاء، والأخرى زيادة من فضل اللَّه. وقيل: إحداهما للإنسي، والأخرى للجني. ومقام الرب ﷻ ، إما قيام الناس لرب العالمين وإما قيامه على كل نفس بما كسبت.

стр. 808

وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ (١). إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾. وفيه ابتهاج أهل الجنة بإشفاقهم ذكر ما استفادوه به، والآيات في الباب كثيرة. وأما الأحاديث فمنتشرة نذكر منها ستة عشر حديثًا: أولها: حديث ابن مسعود ﵄ قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك". ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح (٢)، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد (٣)، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق

стр. 809

عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" أخرجاه (١). وفيه ذكر سبب الخوف الشامل لكل أحد ما لم يؤمن ببشارة الهيئة، أو دخول الجنة بسابقة القفاء بالشقاوة والسعادة، والموطن الدنيا دار العمل والعطاء. فمن لا يدرى من أي الفريقين مآله كيف يطمئن ويأمن ويقر قراره. ومن ظهرت عليه آثار السعادة وأمارات السيادة كيف لطمئن، وقد سبق الكتاب بضده، فيبذل المشهود الظاهر بخلافه، كما وقع لإبليس وحزبه وعند صفو الليالي يحدث الكدر. وقد خاف قوم من السابقة كما خاف آخرون من الخاتمة. وقد ظهر إن الخوف من متعلقة في المستقبل، وظهور السابقة وأثرها وهو الخاتمة، أو ما بعد الموت. اللهم وصلنا ولا تهلكنا بالفوت. الحديث الثاني: حديثه أيضًا مرفوعًا: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، ومع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" (٢) أخرجه مسلم. وفيه خوف سوء الدار بالمعاصي، ويعاين ما يشيب النواصي ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ (٣). وفرق عظيم بين علم اليقين وعين اليقين. الحديث الثالث: حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابا، فإنه لأهونهم عذابا". (٤)

стр. 810

أخرجاه. وفيه تفاوت قوة عذاب أهلها، وأن أخفه ذلك وإن كان أشد عنده. الحديث الرابع: حديث سمرة بن جندب مرفوعًا: "منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته" (١) أخرجه مسلم. وفيه التفاوت في ذلك. الحديث الخامس: حديث ابن عمر مرفوعًا: "يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يوم يقوم أحدهم في رشحه إلى إنصاف أذنيه" (٢) أخرجاه. وهو بيان الكبرياء والعظمة، وذوبان المهابة، ورشح الجبين يوم يقوم الناس لرب العالمين. وقيل لبشر الحافي: تخاف الموت؟ فقال: القدوم على اللَّه أشد. الحديث السادس: حديث أنس وسيأتي في فضل البكاء من خشية اللَّه. الحديث السابع: حديث المقداد مرفوعًا: "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل". قال أحد رواته: ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم ميل العين، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق إلى كعبيه، إلى ركبتيه، إلى حقويه، من يلجمه

стр. 811

العرق إلجامًا" وأشار ﷺ إلى فيه" (١). أخرجه مسلم. وهو نتائج سوء الأعمال. الحديث الثامن: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يعرق الناس يوم القيامة، حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا يلجمهم حتى يبلغ آذانهم" (٢). أخرجاه. الحديث التاسع: عنه قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ إذا سمع وجبة فقال: "هل تدرون ما هذا؟ ". قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "هذا حجر رمي به في النار من سبعين خريفًا، فهوى في النار إلى الآن حتى انتهى إلى قعرها، فسمعتم وجبته" (٣) رواه مسلم. وفيه بيان بعد قعرها، وأن عمقها هذه المسافة حتى سمعت وجبة الحجر من عظمه. الحديث العاشر: حديث عدي بن حاتم مرفوعًا: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة" (٤). أخرجاه.

стр. 812

وفيه تفخيم شأن قوله "ليس بينه وبين الرب ترجمان" والحث على الصدقة بالقليل، وإنه يتقي به النيران. الحديث الحادي عشر: حديث أبي ذر مرفوعًا: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا للَّه، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى اللَّه تعالى" (١). أخرجه الترمذي وحسنه. والأطيط: صوت الرحل والقتب وشبههما. ومعناه أن كثرة من في السماء من الملائكة العباد قد أثقلتها حتى أطَّت. فهم في مقام الخضوع والتذلل لعز جلال ذي العظمة والسلطان. الحديث الثاني عشر: حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعًا: (٢) "لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه". رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. فليحذر الفوات. الحديث الثالث عشر: حديث أبي هريرة قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة: ٤]. قال: "أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها" (٣). رواه الترمذي أيضًا وحسنه.

стр. 813

فليحذر المخالفة، فإنه يوم بروز المخبآت وبدو الممكنات بنميمة لا تزد، ولا تبقى، ولا تذر لا سيما والأعضاء أيضًا تشهد، وجل الأعمال وقلها بعد. الحديث الرابع عشر: حديث أبي سعيد مرفوعًا (١). "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، واستمع الإذن متى يؤمر أن ينفخ ذلك"، فثقل ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقال لهم: "قولوا حسبنا اللَّه ونعم الوكيل". رواه الترمذي أيضًا وحسنه. والقرن هو الصور المذكور في القرآن. كذا فسره سيد الأنام وهو المفرق للجماعات، الهادم للذات، وتوقعه مع الأنفاس. وفيه إن ما يثقل من ذلك خففه الحسبلة فليلذ به وبالبسملة. الحديث الخامس عشر: حديث أبي هريرة مرفوعًا (٢): "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة اللَّه غالية، إلا إن سلعة اللَّه الجنة". رواه الترمذي وحسنه. أدلج بإسكان الدال: سار في أول الليل. والمراد التشمير في الطاعة. وفيه: التنبيه على ذكر فوائد الخوف ونتائجه، وهي الإدلاج والدأب في طلب الفلاح والرضوان. الحديث السادس عشر: حديث عائشة مرفوعًا (٣) "يحشر الناس حفاة عراة

стр. 814

غرلًا" قلت يا رسول اللَّه الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال: "يا عائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك" وفي لفظ "من أن ينظر بعضهم إلى بعض". أخرجاه. غرلًا (١): بضم الغين المعجمة، أي غير مختونين. ففيه خاصية الخوف، وأدلة التحقق به إذ فيه الاهتمام بالأهم النافع، وباشتغال النفس بعيوبها، وما بين يديها، واللهو عن اللهو. وحاصل هذه الأحاديث ذكر سبب الخوف، ومواطنه ومخفف ما يثقل منها، وأنواع المحو. وجماعها حلول مكروه أو فوات محبوب، وكل نوع يتفاوت درجاته، وذكر خاصيته ونتائجه، ودلائل منازلته. أعاننا اللَّه عليه، وأذاقنا لذته، والركون إليه. ولنذكر إذ ذاك من الحكايات مما يليق بذلك. ونقتصر من ذلك على ست عشرة حكاية: الأولى: عن بعض الصالحين قال: كان رجل بالبصرة يقال له ذكوان كان سيدًا في زمانه، فلما حضرته الوفاة لم يبق أحد بالبصرة إلا شهد جنازته. فلما انصرف الناس من دفنه، نمت عند بعض القبور وإذا ملك قد نزل من السماء وهو يقول: يا أهل القبور قوموا لآخذ أجوركم، فانشقت القبور عن أهلها، وخرج كل من كان فيها، وغابوا ساعة، ثم جاءوا وذكوان في جملتهم وعليه حلتان من الذهب الأحمر مرصع بالدر والحرير، وبين يديه غلمان يسبقونه إلى قبره. وإذا ملك ينادي: هذا عبد كان من أهل التقوى فبنظرة واحدة نصبت إليه المحن

стр. 815

والبلوى، فامتثلوا فيه أمر البلوى. فقرب من جهنم، فخرج إليه لسان، أو قال ثعبان فلدع بعض وجهه فاسود ذلك الموضع. ونودي يا ذكوان هذه النفخة بتلك النظرة، ولو زدت لزدنا. فبينما هم كذلك وإذا برجل قد أطلع رأسه من قبر فقال: يا هولاء ما أردتم، فواللَّه لقد مت منذ تسعين سنة، فما ذهبت حرارة الموت مني حتى الآن، فادعوا اللَّه أن يعيدني كما كنت، وبين عينيه أثر السجود. وأنشدوا: فلست أدرى أن يومك قد دنا … أو لست تدرى إن عمرك ينفد فعلام تضحك والمنية (١) قد دنت … وعلام ترقد والثرى لك مرقد الثانية: قال وهب (٢). أوحى اللَّه تعالى إلى داود ﷺ : يا داود هل تدرى من أغفر له ذنوبه من عبيدي؟ قال: من يا رب؟ قال: الذي إذا ذكر ذنوبه، ارتعدت منها فرائصه. فذلك العبد الذي آمر ملائكتي أن تمحو عنه ذنوبه. فقال: إلهي أين أجدك إذا طلبتك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي. الثالثة: عن بشر الحافي (٣) قال: كنت يومًا مارًا في جبال الشام، فأتيت على جبل يقال له الأفزع، فإذا بشاب قد نحل جسمه، ورق جلده، وعليه ثوب من صوف، فسلمت عليه، فرد علي السلام. فقلت في نفسي: أقول له عظني وأبلغ. فقال لي: قبل أن أكلمه، وأجاب عن سري: عظ نفسك بنفسك، وفك الحبس من حبسك، ولا تشتغل بموعظة غيرك من جنسك، واذكر اللَّه في اللهوات تقل

стр. 816

السيئات، وعليك بالجد والاجتهاد، ثم بكي وجعل يقول:- شغلت النفوس بالقليل الفاني … وسحبت الأبدان بالتسويف والإماني ثم قال: يا بشر وما رآني ولا عرفني قبل ذلك: إن للَّه عبادًا خالط قلوبهم الحزن، وأسهر ليلهم، وأظمأ نهارهم، وأبكى عيونهم، وكانوا كما وصفهم ربهم في كتابه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾. الرابعة: عن محمد بن محبوب قال: كنت في شارع البيمارستان وإذا بغلام قد غل وقيد، فقال: يا ابن محبوب أتراه بعد الغل والقيد راضيًا عني في حبه؟ ثم بكى وأنشأ يقول: من ذنوبي يحق لي أن أنوحا … لم تدع لي الذنوب قلبًا صحيحًا أخلفت بهجتي إلف المعاصي … ونعاني المشيب نعيًا صريحًا كلما قلت قد برئ جرح قلبي … عاد قلبي في الذنوب جريحًا إنما الفوز والنعيم لعبد … جاء في الحشر آمنًا مستريحًا الخامسة: عن ذي النون قال: بينما أنا سائر في جبل لكام مررت على دار كثير الأشجار والنبات. فبينما أنا واقف أتعجب من حسن زهوته، ومن خضرة العشب في جنباته إذ سمعت صوتًا أهطل مدامعي وهيج بلابل حزني. فاتبعت الصوت حتى أوقفني بباب مغارة في سفح ذلك الوادي، فإذا كلام يخرج منها، فاطلعت فيها، فإذا برجل من أهل التعبد والاجتهاد يقول: سبحان من نزه نفوس المشتاقين في رياض الطاعة بين يديه. سبحان من أوصل الفهم إلى عقول ذوي البصائر، فهي لا تعتمد إلا عليه. سبحان من أورد حياض المودة نفوس أهل المحبة. فهى لا تحن إلا إليه. ثم أمسك فقلت: السلام عليك يا حليف الأحزان، وقريب الأشجان. فقال: وعليك السلام، ما الذي أوصلك إلى من أفرده خوف المسألة عن الأنام، واشتغل بمحاسبة نفسه عن التقطع في الكلام. فقلت: أوصلني إليه الرغبة في النصح والاعتبار والتماس المواهب من قلوب المقتربين والأبرار. فقال: يا بني إن للَّه عبادًا قدح في قلوبهم زند الشغف نارا ترمق، فأرواحهم تسرح في رياض الملكلوت وتنظر إلى ما ادخر لها في حُجُب الجبروت.

стр. 817

قلت: صفهم لي. قال: أولئك قوم أووا إلى كهف رحمته، وشربوا كؤوس راح محبته. ثم قال لي: يا سيدي بهم فألحقني، ولأعمالهم وفقني. فقلت: ألا توصيني بوصية؟ فقال: أحب اللَّه شوقًا إلى لقائه، فإن له يومًا يتجلى فيه لأوليائه. ثم أنشد يقول: قد كان لي دمع فأفنيته … وكان لي جفن فأدميته وكان لي جسم فأبليته … وكان لي قلب فأضنيته وكان لي سيدي ناظر … أرى به الخلق فأعميته عبدك أضحى سيدي موثقًا … لو شئت قبل اليوم آويته السادسة: عن ذي النون المصري أيضًا قال: وصف لي رجل من البادية باليمن قد برز على الخافقين (١)، وسما على المجتهدين بسيما بين الناس معروف، وباللباد حكمه والتواضع والخشوع موصوف. فخرجت حاجًا إلى بيته، فلما قضيت الحج، قصدت زيارته لأسمع كلامه، وانتفع بموعظته، أنا وأناس كانوا معي يطلبون كما أطلب من البركة. وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين ومنظر الخائفين. وكان مصفر الوجه من غير سقم، أعمش العينين من غير رمد. يحب الخلق ويأنس بالوحدة، تراه كأنه قريب بمصيبته. وكنا نعذله على أن يرفق بنفسه. فلا يجيب قولنا وعذلنا، ولا يزداد إلا مجاهدة. أيها الغافلون في الحب مهلًا … حاش لي عن هواه أن أتسلى كيف أسلوا وقد تزايد وجدي … وتبدلت بعد عزي ذلًا قيل: تُبلى فقلت تبلى عظامي … وسط لحدي (٢) وحكيم ليس يبلا حبكم قد شربته في فوادي … في قديم الزمان مذ كنت طفلًا

стр. 818

قال: ولم يزل ذلك الشاب في محلتنا حتى انتهى معنا إلى اليمن، فسألنا عن مجلس الشيخ فأرشدنا إليه فطرقنا الباب، فخرج إلينا، فكأنما يخبر عن أهل القبور فجلسنا إليه، فبدأه الشاب بالسلام والكلام. فصافحه وأبدى له البشر والترحيب من دوننا، وسلمنا كلنا عليه. ثم تقدم إليه الشاب وقال: يا سيدي إن اللَّه قد جعلك وأمثالك أطباء لأسقام القلوب، ومعالجين لأوجاع الذنوب، وبي جرح قد تعل، وداء قد استمكن وأعضل. فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل، فأنشأ الشيخ يقول:- إن داء القلوب داء عظيم … كيف لي بالخلاص من داء ذنبي هل طبيب مناصح لي فإني … أعجز الخلق والأطباء طِبيِّ آه مَا حُجلتي ويا طول حزني … من ذنوبي إذا وقفت لربي وانقطاع الجواب مني ولم لا … وبلائي قد حل كل من خطبي فقال الشاب للشيخ: إن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فأفعل. فقال له الشيخ: أسأل عما بدا لك فقال له: ما علامة الخوف من اللَّه؟ قال: أن يؤمِّنك خوف اللَّه من كل خوف غير خوفه. فانتفض الفتى جزعًا ثم خرّ مغشيًا عليه ساعة. فلما أفاق قال: رحمك اللَّه متى يتيقن العبد خوفه من اللَّه؟ قال: إذا أنزل نفسه من الدنيا منزلة العليل السقيم فهو محمي من كل الطعام، مخافة طول السقام. ويصبر على مضض الدوا، مخافة طول الضنا. فصاح الشاب صيحة ظننا إن روحه قد خرجت ثم قال: يرحمك اللَّه ما علامة المحبة للَّه؟ فقال: يا حبيبي إن درجة المحبة في اللَّه رفيعة فقال الشاب: أُحب أن تصفها لي فقال: يا حبيبي إن المحبين للَّه شق لهم عن قلوبهم فأبصروا بنور القلوب إلى جلال عظمة الإله المحبوب فصارت أرواحهم روحانية، وقلوبهم حجبية، وعقولهم سماوية، تسرح بين صفوف الملائكة الكرام وتشاهد تلك الأمور اليقين والعيان. فعبدوه بمبلغ استطاعتهم له لا طمعًا في جنته، ولا خوفًا من ناره. فشهق الشاب شهقة فمات فجعل الشيخ يقلبه ويبكي ويقول: هذا مصرع الخائفين هذه درجة المحبين، هذه روح حنت فأَنَّتْ، فسمعت فاشتاقت، فشهقت فماتت. على عظم قدر المرء يعظم خوفه … فلا عالم إلا من اللَّه خائف فآمن مكر اللَّه باللَّه جاهل … وخائف مكر اللَّه باللَّه عارف

стр. 819

السابعة: عن الفضل بن الربيع قال: حج الرشيد فأتاني، فخرجت إليه مسرعًا. فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك فقال: ويحك قد حاك في صدري شيء، فانظر لي رجلًا أسأله فقلت: ها هنا سفيان بن عيينة (١) فقال: امض بنا إليه فقرعت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعًا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك فقال له: خذ لما جئنا إليه يرحمك اللَّه فحادثه ساعة ثم قال: هل عليك دَينَ؟ قال: نعم، قال هارون: يا أبا العباس، اقض دينه. فلما خرجنا قال: ما أغنى صاحبك شيئًا، انظر لي رجلًا أسأله فقال: ههنا الفضيل بن عياض (٢) قال: امض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من كتاب اللَّه ويرددها فقال: اقرع الباب فقرعته فقال: من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين فقال: ما لي وله، فقلت: سبحان اللَّه، لنا عليك طاعة أليس روى عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال "ليس للمؤمن أن يذل نفسه" (٣) فنزل، ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة، فأطفأ المصباح ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف هارون إليه فقال: لا لها من كف ما ألينها إن نجت غدًا من عذاب اللَّه فقلت في نفسي لنكلمنَّه الليلة بكلام من قلب تقي فقال له: خذ لما جئنا يرحمك اللَّه قال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولِيَ الخلافة دعا سالم بن عبد اللَّه (٤)، ومحمد بن كعب (٥)، ورجاء بن حيوة وقال: إني ابتليت بهذا البلاء، وأشيروا عليّ.

стр. 820

فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة فقال سالم بن عبد اللَّه: إن أردت النجاة من عذاب الدنيا فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب اللَّه فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأواسطهم أخًا، وأصغرهم ولدًا فوقِّر أباك وارحم أخاك، وأكرم ابنك. وقال له رجاء بن حيوة (١): إن أردت النجاة من عذاب اللَّه، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت متى شئت وإني أقول لك: إني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك اللَّه من يشير عليك بمثل هذا فبكى الرشيد بكاءًا شديدًا حتى غشي عليه. قال الفضل: فقلت له: يا أبا علي أرفق بأمير المؤمنين. قال: تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا. ثم قال: فقال له: زدني رحمك اللَّه قال: يا أمير المؤمين بلغني أن غلامًا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه منه فكتب إليه عمر: يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، فإياك أن ينصرف بك من عند اللَّه فيكون آخر العهد بك، وانقطاع الرجاء منك، قال: فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم عليه فقال له: ما أقدمك عليّ؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، فلا أعود إلى ولاية حتى ألقى اللَّه. فبكى هارون الرشيد بكاءًا شديدًا. ثم قال له: زودني يرحمك اللَّه. قال: يا أمير المؤمنين بلغني أن العباس جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أمرني على إمارة فقال: إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة (٢) فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل فبكى الرشيد بكاءًا شديدًا، وقال: زدني فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك اللَّه عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل وإياك أن تُصبح وتُمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أصبح وهو غاش لرعيته لم يرح رائحة الجنة" (٣) فبكى الرشيد ثم قال: عليك دين؟

стр. 821

قال: نعم، دين لربى يحاسبني عليه بعد، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لى إن لم أُلهم حجتي قال: إنما أعني دين العباد قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أُوحده، وأُطيع أمره، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (١)، إلى قوله: ﴿الْمَتِينُ﴾ فقال له الرشيد: هذه ألف دينار خذها فانفقها على عيالك قال: يا سبحان اللَّه، أنا أدلك على سبيل النجاة، وتكافئني أنت بمثل هذا سلمك اللَّه، ووفقك ثم صمت ولم يكلمنا. فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال لي هارون: يا أبا العباس إذا دللتني على رجل فدُلَّني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين. شاردة: قال علي بن محمد: حضرت عند أسود بن سالم ليلة فقلت: أمامي موقف قدَّام ربي … سينالني وينكشف الغطاء وحسبي إذ أمرّ على صراط … كحد السيف (٢) أسفله لظى الثامنة: عن بعض القضاة (٣) إنه مات، فلما حضروا قبره وجدوا فيه حيَّة عظيمة، فحفروا آخر، فوجدوها فيه، ثم كذلك إلى أن حفروا نحوًا من ثلاثين قبرًا في كل قبر يجدونها فيه. فلما علموا إنه لا يقدر على الهرب منه هارب ولا يغلبه غالب دفنوه معها وهي عمله كما سلف في فصل اليقظة. التاسعة: عن مالك بن دينار قال: دخلت الجبانة فإذا بسعدون قلت له: كيف

стр. 822

حالك؟ وكيف أنت؟. قال: يا مالك كيف يكون حال من أمسى وأصبح يريد سفرًا بعيدًا بلا أُهبة ولا زاد، ويقدم على رب عدل حاكم بين العباد؟ ثم بكى بكاءًا شديدًا. فقلت: ما يُبكيك؟ فقال: واللَّه ما بكيت حرصًا على الدنيا ولا خوفًا من الموت والبلاء، ولكن بكيت ليوم مضى من عمري لم يحسن فيه عملي، أبكاني واللَّه قلة الزاد، وبعد المفازة، والعقبة الكؤود، ولا أدري بعد ذلك أصير إلى الجنة أم النار. فسمعت منه كلام حكمة فقلت: إن الناس يزعمون أنك مجنون. قال: وأنت واغتررت بما اغتر به بنو الدنيا. ما بي من جنة ولكن حب مولاي خالط قلبي، وأحشائي، وهو بين لحمي ودمي وعظمي. فأنا واللَّه من حبه هائم مشغوف، فقلت: يا سعدون لم لا تخالط الناس وتجالسهم. فأنشأ يقول: كن من الناس جانبا … وأرض باللَّه صاحبا قلّب الناس كيف شئت … تجدهم عقاربا ولبعضهم: ومازلت مذ لاح المشيب بمفرقي … أفتش عن هذا الورى ثم أكشف فما عرفت الناس إلا ذممتهم … جزى اللَّه خيرًا كل من لست أعرف العاشرة: عن بعض أصحاب فتح الموصلي (١) قال: دخلت يومًا عليه فوجدته وقد خالطت دموعه صُفرة فقلت له: باللَّه عليك يا سيدي فتح هل بكيت الدم قط؟ فقال: واللَّه لولا قسمك ما أخبرتك، بكيت بالدمع وبكيت بالدم.

стр. 823

فقلت له: على من بكيت بالدمع؟. قال: على تخلفي عن اللَّه. فقلت: على من بكيت بالدم؟، قال: على الدموع أن لا تصلح لي. فلما توفي رأيته في المنام فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي وقربني وقال: يا فتح بكيت هذا البكاء على ماذا؟، فقلت: يا رب على تخلفي من حقك. قال: والدم لما بكيته؟ قلت: يا رب على الدموع أن لا تصلح لي. قال: يا فتح فما أردت بهذا كله، وعزتي وجلالي صعد إلي حافظاك أربعين سنة بصحيفتك وما فيها خطيئة. الحادية عشرة: حكي عن سالم الحداد، وكان من الأبدال، ويتردد إلى فتح الموصلي إنه كان إذا سمع الأذان تغير لونه وأصفر واضطرب، ثم يثب ويترك الحانوت مفتوحًا. وينشد: إذا ما دعا داعيكم قمت مسرعًا … مجيبًا لمولى جل ليس له مثل أُجيب إذا نادى بسمع وطاعته … وبي قوة لبيك يا من له الفضل يصفر لوني خيفة ومهابة (١) … ويرجع لي عن كل شغل به شغل وحقكم ما لذَّ لي غير ذكركم … وذكر سواكم في فمي قط ما يحلو متى تجمع الأيام بيني وبينكم … ويفرح مشتاق إذا اجتمع الشمل فمن شاهدت عيناه نور جمالكم … يموت اشتياقًا نحوكم قط لا يسلو الثانية عشرة: عن ذي النون المصري (٢) قال: اجتمعت في جبل لكام بامرأة متعبدة كالشن الجابي كانها تخبر عن أهل المقابر، ذات اجتهاد وعبادة، لم أر مثلها فسألتها: أين وطنك؟. فقالت: مالي وطن إلا النار، أو يغفر الغفار. فقلت: يرحمك اللَّه، هل من وصية أو فائدة، قالت: أجعل كتاب اللَّه لك مائدة، وجالس وعده ووعيده، وشمِّر عن ساق الجد بالعزائم الحميدة.

стр. 824

ومع ما يتعلق به البطَّالون من الرجاء الكاذب الذي لا تحقيق لهم فيه، ولا يدرون كيف العواقب، فواللَّه لا يرد المنزل غدًا إلا المضمرون، ولا يفوز بالسبق إلا المشهرون، فخذ يا أخي لنفسك ما أمكن الأخذ بها فليس المطلوب غيرك، وكن من أهل النهى. فقلت: ادعي لي بدعوة، فحمدت اللَّه بمحامد لم أسمع بمثلها قط، وصلّت على رسول اللَّه ﷺ بصلاة لم أسمع بمثلها قط، ودعت بدعاء حسن. الثالثة عشر: عن سري السقطي: بلغني أن امرأة كانت إذا قامت من الليل قالت: اللهم إن إبليس عبد من عبيدك ناصيته بيدك، يراني من حيث لا أراه وأنت تراني من حيث لا يراك. اللهم أنت تقدر على أمره كله، ولا يقدر على شيء من أمرك اللهم إن أرادني سوء فاردده، وإن كادني فكده، إدراء يكفي نحره، وأعوذ بك من شره، ثم بكت حتى ذهبت إحدى عينيها فقيل لها: اتقي اللَّه لا تذهب الأخرى. فقالت: إن كانت عيني الأخرى من عيون أهل النار فأبعدها اللَّه مني. الرابعة عشر: عن بعض الصالحين قال: كانت إلى جانبي عجوز قد أتعبتها العبادة، فسألتها أن ترفق بنفسها. فقالت: يا شيخ أما علمت أن رفقي بنفسي غيَّبني عن باب المولى؟ ومن غاب عنه مشتغلًا، بالدنيا عرض مهجته للمحن والبلوى. وما قدر علمي إذا اجتهدت، فكيف إذا قصَّرت، ثم قالت: واشوقاه من حسرة السباق، وفجعة الفراق. فأما الأولي إذا قام القائمون من قبورهم، وركب الأبرار من نجائب الأنوار إلى قصر من العز والجلال. ورفعت لهم من منازل المحبين، وقدمت بين أيديهم نجائب المقربين، وبقى المسبوق في حلة المحزونين، فعند ذلك ينقطع فؤاده حسرة وتأسفًا، ويذوب ندامة وتلهفًا. وأما فجعة الفراق فعند تميز الناس والافتراق، وذلك أن اللَّه تعالى إذا جمع الخلق في صعيد واحد أمر ملكًا أن ينادي: أيها المجرمون امتازوا إن المتقين قد فازوا وهو قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ (١).

стр. 825

فيماز الرجل من زوجته، والولد من والديه، والحبيب من حبيبه. هذا يُحمل مُبجَّلًا إلى رياض النعيم، وهذا يساق مسلسلًا مغلغلًا إلى دار الجحيم. وقد طال منهم التلف والوداع، ودموعهم تجري كالأنهار ومنخعة الانقطاع وفي البين والفراق. لو كنت ساعة بيننا ما بيننا … ورأيت كيف يكون التوديعا لعلمت أن من الدموع لأنهرا … تجري وعاينت الدما دموعا الخامسة عشرة: عن إسماعيل بن أبي أمية (١) إنه قال: قيل لمسروق: لو قصّرت عن بعض ما تصنع من العبادة. قال: لا. قيل: وكيف؟. قال: حتى تعذرني. نفسي إن دخلت جهنم لا ألومها أما بلغك قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ (٢). إنما لاموا أنفسهم حتى صاروا إلى جهنم، فأعنفهم الزبانية ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (٣). وانقطعت عنهم الأماني، وارتفعت عنهم الرحمة. وأقبل كل إنسان منهم يلوم نفسه. السادسة عشرة: قال بعضهم: وقد ذكر حال الصالحين وكثرة خوفهم مع كثرة اجتهادهم في الأعمال. كانوا مع الاجتهاد يخافون، وأنتم مع التفريط تأمنون. كانوا مع العمل يبكون، وأنتم مع البطالة تضحكون.

стр. 826

كانوا مع المرض يسهرون، وأنتم مع الصحة تنامون. كانوا على صحة الطريق يمشون، وأنتم لمسالك الغضب تسلكون. السابعة عشرة: قال بعضهم رأيت في تيه بني إسرائيل (١) رجلًا قد أنحلته العبادة حتى صار كالشن البالي، فقلت له: ما الذي بلغ بك إلى هذه الحالة؟. فنظر إليَّ متعجبًا من سؤالي وقال: يا هذا ثقل الأوزار وخوف النار، والحياء من الملك الجبار. وأنشدوا: لما ذكرت عذاب النار أزعجني … ذاك التذكر عن أهلي وأوطاني وصرت في القفراء أرعى الوحش منفردًا … كما يُراعى على وجدي (٢) وأحزاني وذا قليل لمثلي بعد جزائه … فما عصى اللَّه عبد مثل عصياني نادوا عليّ وقولوا في مجالسكم … هذا المسيء وهذا المجرم الجاني فما ارعويت ولا قصّرت عن زللي … ولا غسلت بماء الدمع أجفاني

стр. 827

مجلس في الرجاء وهو استقرار القلب بنيل محبوب محقن الوجود لشهود الجود، وسعة الرحمة، وصدق الوعود يترتب عليه الاجتهاد في التحقق بالأسباب الناجحة المواصلة للصواب. قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). فنهى من أسرف عن الفنوط، والنهي عن القنوط أمر بضده وهو إما الرجاء، وإما تحقق الرحمة. والثاني ملموم بقوله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣). فيتعين الأول فيه، ويتبين أن الرجاء ينافي اليقين من طرفي الوجود والقدم. ثم باقي الآية فيه تقدير وتحقيق، وتوكيد لا يخفى. وقال تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (٤). وفيها تبيين عباد اللَّه من هم، وإيضاح محل آيات الوعيد الواقعة في القنوط، بأن المجازاة إلا للكفور. قيل: المؤمن يُكَفِّر عنه سيئاته بطاعته وحسناته، والكافر يُجازى بكل سوء يعمله. وهو معنى قول الفراء: المؤمن يُجزَى ولا يُجَازَى أي يُجزَى بالثواب بعمله ولا يُكافأ بسيئاته، وتَمسُّك المرجئة بالآية الكريمة مردود بالبراهين القطعية.

стр. 828

وقيل: المعنى: وهل يُجازَى بالعقاب الآجل إلا الكفور (١). قيل: كافر الدين، وقيل: كافر النعمة. وقال تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ (٢). وهذا بيان للكفور، وإنه هذا ليس إلا. وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣). وهذا بيان للرحمة المنهي عن القنوط منها. ووصفها أن من حالها، ومن شأنها إنها واسعة يبلغ كل شيء ما من مؤمن ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا هو يتقلب في النعمة والرحمة. وكيف يقنط من شيء من هذا شأنه. وأما الأحاديث فنذكر منها ثمانية وعشرين حديثًا ومدارها على ذكر موجبات الرجاء من أسباب رحمة اللَّه الكريم، وعظم شأن رحمته وكثرة خيره. وتكثير أسباب جل ذلك، خصوصًا وعزه كسبيًّا ووهبيًّا وفعليًّا، ومع بيان ما يحتاج إليه من موطن وشرط وفعل ومسهل ونحو ذلك. الحديث الأول: حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا (٤): "من شهد أن لا إله إلا

стр. 829

اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة والنار حق أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل". أخرجاه. ولمسلم: "من شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه حرم اللَّه عليه النار" (١). وهو دال على إيجاب الجنة، وتحريم النار على من وحَّد، وهو سبب رجاء أصل النجاة. الحديث الثاني: حديث أبي ذر مرفوعًا: يقول اللَّه ﷺ : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة سيئة مثلها، أو أغفر، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يُشرك بي شيئًا، لقيته بمثلها مغفرة" (٢). أخرجه مسلم. ومعناه من تقرب إلي بطاعتي، تقربت إليه برحمتي (٣) وإن زاد زدت، وإن أسرع في طاعتي صببت عليه رحمتي وسبغته بها، ولم أُحُوِجْه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود. والقُراب: بضم القاف على الأشهر، وهو أفصح من الكسر، والمعنى ما يقارب ملئها.

стр. 830

وفي الحديث أربعة من أسباب رجاء الخيرات: أولها: أن الحسنة سبب لرجاء كثرة الثواب. ثانيها: أن السيئة إذا ساءت فاعلها، سبب لرجاء العدل بتقليل العقوبة، أو الجود بالمغفرة. ثالثها: أن التقرب من الكريم سبب لرجاء العدل (الأقربيه) (١). رابعها: أن توحيد الأفعال فما فوقه سبب الغفران والحرمان من النار، ولو كانت قراب الأرض خطايا. فالأول: للعباد الناسكين. والثاني: للمغلوبين العارفين. والثالث: للصابرين. والرابع: للموحدين الفاعلين. الحديث الثالث: حديث جابر الثابت في صحيح مسلم قال: جاء أعرابي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال يا رسول اللَّه ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك باللَّه دخل النار" (٢). وهذا بيان موطن ذلك، وهو الموت، والموجبة: المتحتمة. الحديث الرابع: حديث أنس الثابت في الصحيحين أنه ﷺ ومعاذ رديفه على الرَّحل قال: "يا معاذ". قال: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك. قال: "يا معاذ"، قلت مثله ثلاثًا. قال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا عبده ورسوله صِدقًا من قلبه إلا حرّمه اللَّه على النار".

стр. 831

قال: يا رسول اللَّه أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: "إذا يتكلوا". أخبرها معاذ عند موته تأثمًا أي خوفًا من الإثم في كتم هذا العلم (١). وهذا بيان محل الرجاء وصفته، وهو القلب وعلى وجه الصدق، فلا يكفي مجرد اللسان، وبيان متعلق نفي الشرك، وهو توحيد نفي الإلهية والإقرار بالرسالة المحمدية -أعني الجامعة الخاتمة-. الحديث الخامس: عن أبي هريرة وأبي سعيد الثابت في صحيح مسلم قال: لمَّا كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول اللَّه لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادَّهنا فقال: افعلوا، فجاء عمر (٢) فقال: يا رسول اللَّه إن فعلت قلَّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع اللَّه لهم عليها بالبركة لعل اللَّه أن يجعل في ذلك، فقال رسول اللَّه ﷺ : نعم. قال: فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم. قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، قال: ويجيء الآخر بكف تمرة، قال: ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك يسير، قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ بالبركة، ثم قال: "خذوا في أوعيتكم". قال: فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول اللَّه ﷺ "أشهد أن لا إله إلا اللَّه وإني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة" (٣).

стр. 832

وفيه بيان الصدق وبأي قدر، وأن للموحد مع تحريم النار الجنة. الحديث السادس: حديث عِتْبَان بن مالك البدري الثابت في الصحيحين فإنه دعا النبي ﷺ وحبسه على خزيرة وأنه ﷺ صلى في بيته ركعتين يتخذه مصلى. وفيه ثابت رجال منهم أي جاءوا أو اجتمعوا حتى كثروا في البيت، وفي آخره: "إن اللَّه قد حرم النار على من قال: لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه" (١). والخريزة: بخاء معجمة، ثم زاي: دقيق يطبخ على شحم. وفيه بيان ما هو شرط ذلك، وما ليس بشرط فيه فابتغاء وجه اللَّه تعالى هو المعتبر دون الانكفاف عن محادثة المنافقين، أو ملازمة كل مجلس تقوى. الحديث السابع: حديث عمر الثابت في الصحيحين أيضًا قال: قُدِمَ على رسول اللَّه ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ ". قلنا: لا واللَّه. قال: "اللَّه أرحم بعباده من هذه بولدها" (٢). الحديث الثامن: من حديث أبي هريرة أيضًا الثابت فيهما مرفوعًا: "لما خلق اللَّه الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي". وفي لفظ: "غلبت"، وفي آخر "سبقت" (٣).

стр. 833

الحديث التاسع: حديثه أيضًا مرفوعًا: "جعل اللَّه الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" (١). وفي لفظ (٢): "إن للَّه تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخر اللَّه تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة". أخرجاه. ولمسلم (٣) من حديث سلمان مرفوعًا: "إن للَّه تعالى مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة". ولمسلم: عنه أيضًا: "إن اللَّه خلق، يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة" (٤). وفي هذه الأحاديث الثلاثة أسباب لرجاء الرحمة. ففي أولها: قوتها واستدامتها. وفي الثاني: سبقها وغلبتها للغضب (٥).

стр. 834

وفي الثالث: كثرتها المستوفية أُصول مراتب العدد كلها. وفي كل حديث من البلاغة التوكيدية ما لا يخفى. الحديث العاشر: حديثه أيضًا: عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه تعالى قال (١): "أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربي اغفر لي ذنبي فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربي اغفر لي ذنبي فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك". وفي رواية: "غفرت لعبدي ثلاثًا فليعمل ما شاء" (٢) أخرجاه. وفيه بيان سبب آخر لرجاء التوبة والمغفرة وهو الاستغفار وتكريره لكل ذنب. ومعنى "فليعمل ما شاء" أي ما دام يفعل هكذا: يذنب فيتوب فأغفر له، فإن التوبة تهدم ما كان قبلها. الحديث الحادي عشر: حديثه أيضًا مرفوعًا: "والذي نفسي بيده لو لم تُذنبوا لذهب اللَّه بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اللَّه، فيغفر لهم" (٣). أخرجه مسلم. وفيه تأنيس يزيل التوقف عن الاستغفار. الثاني عشر: حديث أبي أيوب مرفوعًا: "لولا أنكم تُذنبون لخلق اللَّه خلقًا يذنبون فيغفر لهم".

стр. 835

أخرجه مسلم (١) أيضًا. وفيه تأنيس يزيل وحشة الذنب والاسترسال في الجفاء والبعد. الثالث عشر: حديث أبي هريرة قال: كنا قعودًا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول اللَّه ﷺ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع (٢) دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول اللَّه ﷺ حتى أتيت حائطًا" وذكر الحديث بطوله إلى قوله: فقال ﷺ : "اذهب بنعلي هاتين (٣)، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا اللَّه مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة". رواه مسلم (٤). وفيه تشجيع بالتوحيد وعظم الشهادة، ولو لم يحصل في الدنيا غيرها لكفت. شعر: فلو لم ألق غيرك في اغترابي … لكان لقاؤك الحسن الجميلا وفيه تنفيس من ضيق الخناق عند الغضبان إذا قال: ليت أمي لم تلدني، يا ليتني مت قبل هذا، ليت الأرض تبتلعني. الحديث الرابع عشر: حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا (٥): تلي قول اللَّه في إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾.

стр. 836

وقال عيسى ﷺ : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فرفع يديه وقال: "اللهم أمتي أمتي" وبكى. فقال اللَّه : "يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵊ فسأله، فأخبره رسول اللَّه ﷺ بما قال، وهو أعلم. فقال اللَّه: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك". رواه مسلم (١). وهو بيان سبب آخر لرجاء الرحمة وهو شفاعة أكرم الخلق على اللَّه، ووعد اللَّه له بإرضائه، وعدم إساءته في أُمته. الحديث الخامس عشر: حديث معاذ بن جبل (٢) قال: كنت رِدفَ رسول اللَّه ﷺ على حمار فقال: "يا معاذ هل تدري ما حق اللَّه على العباد وما حق العباد على اللَّه؟ ". قال: قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإن حق اللَّه على العباد أن يعبدوا اللَّه ولا يشركون به شيئًا، وحق (٣) العباد على اللَّه أن لا يعذب من لا يُشرك به شيئًا".

стр. 837

قال: قلت: يا رسول اللَّه، أفلا أُبشر الناس؟ قال: "لا تُبشرهم فيتكلوا". أخرجاه. وهو ظاهر في أن السلامة من الشرك سبب لرجاء السلامة من العذاب لا من النار فقط. وهذا أثر آخر للمغفرة والتوحيد، سبب للغفران المترتب عليه تحريم النار، بل وكل عذاب، وسبب لدخول الجنان. الحديث السادس عشر: حديث البراء مرفوعًا: "المسلم إذا سُئل في القبر شهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، فذلك قوله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. أخرجاه (١). وهو ظاهر في كون الإسلام سببًا لرجاء تلقين الشهادة وهي مواضع الضرورة إليها كالقبر وسؤال الملكين. الحديث السابع عشر: حديث أنس مرفوعًا: "إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا وأما المؤمن فإن اللَّه يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته" (٢). أخرجه مسلم. وفي رواية له: إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها اللَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها" (٣). وهو ظاهر في كون الإيمان سببًا لادخار الحسنات لدار القرار، ولإعقاب الرزق في الدنيا على الطاعات.

стр. 838

الحديث الثامن عشر: من حديث جابر مرفوعًا: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار فَمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" (١). أخرجه مسلم. وهو ظاهر في أن الخمس سبب لمحو الخطايا كمثل نهر غَمرٍ -أي كثير- يغتسل منه كل يوم. الحديث التاسع عشر: حديث ابن عباس مرفوعًا: "ما من رجل يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون باللَّه شيئًا إلا شفَّعهُم اللَّه فيه" (٢). أخرجه مسلم. فقيام العدد المذكور سبب للرحمة والنجاة. الحديث العشرون: حديث ابن مسعود: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في قبة نحوًا من أربعين رجلًا، فقال: "أترضون أن تكونوا رُبع أهل الجنة؟ " قال: قلنا: نعم. فقال: "ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة (٣)؟ " فقلنا: نعم. فقال: "والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذاك إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر" (٤). أخرجاه.

стр. 839

وفيه أن الانعداد من خير أمة سبب لرجاء دخول الجنة. الحديث الحادي بعد العشرين: حديث أبي موسى مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة دفع اللَّه " إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار" (١). أخرجه مسلم. وفي رواية له: "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها اللَّه لهم" (٢). وهو سبب لإقامة الفكاك والنجاة من ربقة الهلاك. ومعنى "دفع إلى كل مسلم" إلى آخره ما جاء من حديث أبي هريرة: لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار. لأنه مستحق ذلك بكفره. ومعنى فكاكك (٣): إنك كنت معرضًا لدخولها، وهذا فكاكك لأن اللَّه تعالى قدر للنار عددًا لملؤها فإذا دخلها الكفار بذنوبهم وكفرهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين. الحديث الثاني بعد العشرين: حديث ابن عمر مرفوعًا: "يُدْنَى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟، فيقول: أي رب أعرف، قال: فإنى قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته" (٤).

стр. 840

أخرجاه. فالإيمان سبب لذلك، وحشرنا اللَّه عليه فيما هنالك. وكنفه: ستره ورحمته. الحديث الثالث بعد العشرين: حديث ابن مسعود: "إن رجلًا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى رسول اللَّه ﷺ فأخبره فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) فقال الرجل: إلى هذا يا رسول اللَّه؟ قال: "لجميع أمتي كلهم" (٢) أخرجاه. وفيه إن الحسنات سبب لإذهاب السيئات. الحديث الرابع بعد العشرين: حديث أنس قال جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ قال: يا رسول اللَّه أصبت حدًا فأقمه عليَّ، قال: وحضرت الصلاة فصلي مع رسول اللَّه ﷺ ، فلما قضى الصلاة قال: يا رسول اللَّه: إني أصبت حدًا فأقم فيّ كتاب اللَّه قال: "هل حضرت الصلاة معنا؟ " قال: نعم قال: "قد غفر لك" (٣). أخرجاه. وهو ظاهر في كون الصلاة من الحسنات، وأنها تكفر أصاغر الحدود، فإن معنى أصبت حدًا: معصية توجب التعزير، وليس المراد الحد الشرعي الحقيقي كحد الزنا ونحوه. فإن هذه الحدود لا تسقط بالصلاة، ولا يجوز للإمام تركها. الحديث الخامس بعد العشرين: حديثه أيضًا مرفوعًا: "إن اللَّه ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها" (٤) أخرجه مسلم.

стр. 841

والأكلة بفتح الهمزة: المرة الواحدة من الأكل كالغداء والعشاء، فحمد اللَّه على المرة من ذلك سبب للرضوان الموجب للحسنات. الحديث السادس بعد العشرين: حديث أبي موسى مرفوعًا (١): "إن اللَّه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". فإقبالها سبب لبسط اللَّه الكريم يَدَ جودِهِ ورحمته لذلك (٢). الحديث السابع بعد العشرين: حديث عمرو بن عبسة الطويل الثابت في صحيح مسلم في خروج الخطايا من أعضاء الوضوء. (٣) وهو دال على أن الوضوء سبب لخروج الخطايا مع الماء. وأن تفريغ القلب للَّه تعالى في الصلاة سبب لحط ذنوب العبد كيوم ولدته أمه. الحديث الثامن بعد العشرين: حديث أبي موسى مرفوعًا: "إذا أراد اللَّه رحمة أمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيُها حيّ، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذّبوه وعصوا أمره" (٤). أخرجه مسلم. وهذا سبب آخر للرجاء إذ قبض نبينا -عليه أفضل الصلاة والسلام- قبلنا،

стр. 842

فكان فرطًا وسلفًا. ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك. الأولى: أنه لحق بني إسرائيل قحط في عهد موسى ﵊، فاجتمع إليه الناس فقالوا: يا نبي اللَّه ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث. فقام معهم فخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى ﷺ (١): إلهي اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع، والبهائم الرُتع، والشيوخ الرُكع، فما زادت السماء إلا صحوًا، ولا الشمس إلا حرًا. فقال موسى: إلهي إن كان خَلِقَ جاهي عندك فبجاه النبي الأمي الذي تبعثه آخر الزمان. فأوحى اللَّه إليه ما خَلِقَ جاهك عندي، وإنك عندي وجيه. ولكن فيكم عبد يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة فنادى بالناس حتى يخرج من بين أظهرهم، فبه مُنِعْتُم. فقال موسى: إلهي وسيدي أنا عبد ضعيف، وصوتي ضعيف، فأين يبلغ وهم سبعون ألفًا ويزيدون فأوحى اللَّه إليه: منك النداء وعلي البلاغ. فقام مناديًا وقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز اللَّه تعالى منذ أربعين سنة بالمعاصي، أخرج من بين أظهرنا. فبك منعنا المطر. فقام العبد العاصي ونظر ذات اليمين، وذات الشمال فلم ير أحدًا خرج، فعلم أنه المطلوب. فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هؤلاء افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن أنا قعدت معهم مُنعوا لأجلي. فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله (٢) وقال: إلهي وسيدي عصيتك أربعين سنة، وأمهلتني. وقد أتيتك طائعًا، فاقبلني. فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب. فقال موسى ﵊: إلهي وسيدي بماذا سقيتنا، وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال اللَّه : يا موسى سقيتكم بالذي منعتكم. فقال موسى ﷺ : إلهي أرني هذا العبد الطائع.

стр. 843

فقال: يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني فأفضحه وهو يطيعني؟ يا موسى أنا أبغض النمامين أفأكون نمامًا؟ الثانية: عن جويريه بنت محمد قالت: رأيت يزيد بن هارون (١) في المنام بعد موته بأربع ليال فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: تقبل مني الحسنات وتجاوز عن السيئات ووهب لي التبعات. فقلت: وما كان بعد ذلك؟ فقال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم؟ غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة. قلت: بم نلت ذلك؟ قال: بمجالس الذكر، وقول الحق وصدقي الحديث وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الحق. قلت: منكر ونكير حق؟ قال: أي واللَّه الذي لا إله إلا هو أقعداني وسألاني من ربك وما دينك، ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحتي البيضاء من ذلك التراب وقلت: مثلي يُسأل عن هذا؟ أنا يزيد بن هارون الواسطي، مكثت في دار الدنيا سنين أُعَلِّم الناس. فقال أحدهما: صدق، وهو يزيد بن هارون، نم نومة العروس، فلا روعة عليك بعد اليوم. نادرة: قال حسان بن عطية (٢) فيما حكاه الأوزاعي: من طال عليه قيام الليل هون اللَّه عليه طول القيام يوم القيامة. وقال: إن العبد إذا عمل سيئة وقف الملك لم يكتبها ثلاث ساعات، فإن لم يستغفر كتب، وإن استغفر لم يكتب.

стр. 844

أخرى: قال مجاهد فيما حكاه أبو يحيى: يؤمر بالعبد إلى النار يوم القيامة فيقول: يا رب ما كان هذا ظني. فيقول اللَّه تعالى: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تغفر لي. فيقول: خلُّوا سبيله. ويدخله الجنة (١). الثالثة: حكي أنه كان رجل يشرب الخمر مع جمع من ندمائه، فدفع إلى غلامه أربعة دراهم وأمره أن يشتري بها شيئًا من الفواكه للمجلس فمرّ الغلام بباب منصور بن عمار، وهو يسأل لفقير شيئًا ويقول: من يدفع له أربعة دراهم أدعو له أربع دعوات. فدفع الغلام الدراهم إليه. فقال منصور: ما الذي تريد أن أدعو لك؟ فقال: يا سيدي إن لي سيدًا أريد أن أتخلص من مملكته. فدعا له، وقال: الأخرى. قال: أن يخلف اللَّه على دراهمي. فدعا له، ثم وقال: الأخرى. قال: أن يتوب اللَّه على سيدي. فدعا له، ثم وقال: الأخرى. قال: أن يغفر اللَّه لي ولسيدي ولك وللقوم. فدعا منصور ورجع الغلام إلى سيده. فقال: ما أبطأك؟ فقصّ عليه القصّة. فقال له: وبما دعا؟ قال: إن تعتقني. قال: اذهب فأنت حُرٌّ لوجه اللَّه. وإيش الثانية؟، قال: أن يخلف اللَّه عليَّ دراهمي. قال: لك أربعة آلاف درهم. وإيش الثالثة؟ قال: أن يتوب اللَّه عليك. قال: تبت إلى اللَّه. قال: وإيش الرابعة؟ قال: أن يغفر اللَّه لي ولك وللمذكور وللقوم.

стр. 845

قال: هذه ليست إليَّ. فلما كان الليل رأى في المنام كأن قائلًا يقول له فعلت ما كان إليك افتراني لا أفعل ما كان إليّ؟ قد غفرت لك وللغلام ولمنصور بن عمار (١)، وللقوم الحاضرين. الرابعة: قال مالك بن دينار: رأيت بالبصرة قومًا يحملون جنازة وليس معهم مشيع فسألت عنه، فقالوا: هذا رجل من كبار المذنبين العُصاة المسرفين. قال: فصليت عليه وأنزلته في قبره، ثم انصرفت إلى الظل، فنمت. فرأيت ملكين قد نزلا من السماء فشقا القبر، ونزل أحدهما إليه وقال لصاحبه: اكتبه من أهل النار، فما فيه جارحة سَلِمَت من المعاصي والأوزار. فقال له صاحبه: يا أخي لا تعجل، اختبر عينيه. فقال: قد اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بالنظر إلى محارم اللَّه. قال: اختبر سمعه. قال: قد اختبرته فوجدته مملوءًا بسماع الفواحش والمنكرات. قال: فاختبر لسانه. قال: اختبرته فوجدته مملوءتين بالخوض في المحظورات وارتكاب المحرمات. قال: فاختبر يديه. قال: قد اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بتناول الحرام وما لا يحل من اللذَّات والشهوات. قال: فاختبر رجليه. قال: قد اختبرتها فوجدتهما مملوءتين بالسعي في المذمومات. قال يا أخي لا تعجل عليه، دعني أنزل إليه فنزل إليه الملك الثاني. فأقام عنده ساعة وقال لصاحبه: يا أخي قد اختبرت قلبه فوجدته مملوءًا إيمانًا، فاكتبه مرحومًا سعيدًا ففضل المولى سبحانه يستغرق ما عليه من الذنوب والخطايا. لما رأوه مبعدًا عن طاعتي … حكموا بأني لا أجود برحمتي حكمي أجل وإن يضيق عن الورى … من ذا يجد أوامري ومشيئتي الخامسة: عن بعض الصالحين قال: خطر لي أن أزور رابعة العدوية (٢) وأنظر صدقها في دعاويها.
следующие страницы →