← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

والأكلة بفتح الهمزة: المرة الواحدة من الأكل كالغداء والعشاء، فحمد اللَّه على المرة من ذلك سبب للرضوان الموجب للحسنات. الحديث السادس بعد العشرين: حديث أبي موسى مرفوعًا (١): "إن اللَّه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". فإقبالها سبب لبسط اللَّه الكريم يَدَ جودِهِ ورحمته لذلك (٢). الحديث السابع بعد العشرين: حديث عمرو بن عبسة الطويل الثابت في صحيح مسلم في خروج الخطايا من أعضاء الوضوء. (٣) وهو دال على أن الوضوء سبب لخروج الخطايا مع الماء. وأن تفريغ القلب للَّه تعالى في الصلاة سبب لحط ذنوب العبد كيوم ولدته أمه. الحديث الثامن بعد العشرين: حديث أبي موسى مرفوعًا: "إذا أراد اللَّه رحمة أمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيُها حيّ، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذّبوه وعصوا أمره" (٤). أخرجه مسلم. وهذا سبب آخر للرجاء إذ قبض نبينا -عليه أفضل الصلاة والسلام- قبلنا،

стр. 842

فكان فرطًا وسلفًا. ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك. الأولى: أنه لحق بني إسرائيل قحط في عهد موسى ﵊، فاجتمع إليه الناس فقالوا: يا نبي اللَّه ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث. فقام معهم فخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى ﷺ (١): إلهي اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع، والبهائم الرُتع، والشيوخ الرُكع، فما زادت السماء إلا صحوًا، ولا الشمس إلا حرًا. فقال موسى: إلهي إن كان خَلِقَ جاهي عندك فبجاه النبي الأمي الذي تبعثه آخر الزمان. فأوحى اللَّه إليه ما خَلِقَ جاهك عندي، وإنك عندي وجيه. ولكن فيكم عبد يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة فنادى بالناس حتى يخرج من بين أظهرهم، فبه مُنِعْتُم. فقال موسى: إلهي وسيدي أنا عبد ضعيف، وصوتي ضعيف، فأين يبلغ وهم سبعون ألفًا ويزيدون فأوحى اللَّه إليه: منك النداء وعلي البلاغ. فقام مناديًا وقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز اللَّه تعالى منذ أربعين سنة بالمعاصي، أخرج من بين أظهرنا. فبك منعنا المطر. فقام العبد العاصي ونظر ذات اليمين، وذات الشمال فلم ير أحدًا خرج، فعلم أنه المطلوب. فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هؤلاء افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن أنا قعدت معهم مُنعوا لأجلي. فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله (٢) وقال: إلهي وسيدي عصيتك أربعين سنة، وأمهلتني. وقد أتيتك طائعًا، فاقبلني. فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب. فقال موسى ﵊: إلهي وسيدي بماذا سقيتنا، وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال اللَّه : يا موسى سقيتكم بالذي منعتكم. فقال موسى ﷺ : إلهي أرني هذا العبد الطائع.

стр. 843

فقال: يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني فأفضحه وهو يطيعني؟ يا موسى أنا أبغض النمامين أفأكون نمامًا؟ الثانية: عن جويريه بنت محمد قالت: رأيت يزيد بن هارون (١) في المنام بعد موته بأربع ليال فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: تقبل مني الحسنات وتجاوز عن السيئات ووهب لي التبعات. فقلت: وما كان بعد ذلك؟ فقال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم؟ غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة. قلت: بم نلت ذلك؟ قال: بمجالس الذكر، وقول الحق وصدقي الحديث وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الحق. قلت: منكر ونكير حق؟ قال: أي واللَّه الذي لا إله إلا هو أقعداني وسألاني من ربك وما دينك، ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحتي البيضاء من ذلك التراب وقلت: مثلي يُسأل عن هذا؟ أنا يزيد بن هارون الواسطي، مكثت في دار الدنيا سنين أُعَلِّم الناس. فقال أحدهما: صدق، وهو يزيد بن هارون، نم نومة العروس، فلا روعة عليك بعد اليوم. نادرة: قال حسان بن عطية (٢) فيما حكاه الأوزاعي: من طال عليه قيام الليل هون اللَّه عليه طول القيام يوم القيامة. وقال: إن العبد إذا عمل سيئة وقف الملك لم يكتبها ثلاث ساعات، فإن لم يستغفر كتب، وإن استغفر لم يكتب.

стр. 844

أخرى: قال مجاهد فيما حكاه أبو يحيى: يؤمر بالعبد إلى النار يوم القيامة فيقول: يا رب ما كان هذا ظني. فيقول اللَّه تعالى: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تغفر لي. فيقول: خلُّوا سبيله. ويدخله الجنة (١). الثالثة: حكي أنه كان رجل يشرب الخمر مع جمع من ندمائه، فدفع إلى غلامه أربعة دراهم وأمره أن يشتري بها شيئًا من الفواكه للمجلس فمرّ الغلام بباب منصور بن عمار، وهو يسأل لفقير شيئًا ويقول: من يدفع له أربعة دراهم أدعو له أربع دعوات. فدفع الغلام الدراهم إليه. فقال منصور: ما الذي تريد أن أدعو لك؟ فقال: يا سيدي إن لي سيدًا أريد أن أتخلص من مملكته. فدعا له، وقال: الأخرى. قال: أن يخلف اللَّه على دراهمي. فدعا له، ثم وقال: الأخرى. قال: أن يتوب اللَّه على سيدي. فدعا له، ثم وقال: الأخرى. قال: أن يغفر اللَّه لي ولسيدي ولك وللقوم. فدعا منصور ورجع الغلام إلى سيده. فقال: ما أبطأك؟ فقصّ عليه القصّة. فقال له: وبما دعا؟ قال: إن تعتقني. قال: اذهب فأنت حُرٌّ لوجه اللَّه. وإيش الثانية؟، قال: أن يخلف اللَّه عليَّ دراهمي. قال: لك أربعة آلاف درهم. وإيش الثالثة؟ قال: أن يتوب اللَّه عليك. قال: تبت إلى اللَّه. قال: وإيش الرابعة؟ قال: أن يغفر اللَّه لي ولك وللمذكور وللقوم.

стр. 845

قال: هذه ليست إليَّ. فلما كان الليل رأى في المنام كأن قائلًا يقول له فعلت ما كان إليك افتراني لا أفعل ما كان إليّ؟ قد غفرت لك وللغلام ولمنصور بن عمار (١)، وللقوم الحاضرين. الرابعة: قال مالك بن دينار: رأيت بالبصرة قومًا يحملون جنازة وليس معهم مشيع فسألت عنه، فقالوا: هذا رجل من كبار المذنبين العُصاة المسرفين. قال: فصليت عليه وأنزلته في قبره، ثم انصرفت إلى الظل، فنمت. فرأيت ملكين قد نزلا من السماء فشقا القبر، ونزل أحدهما إليه وقال لصاحبه: اكتبه من أهل النار، فما فيه جارحة سَلِمَت من المعاصي والأوزار. فقال له صاحبه: يا أخي لا تعجل، اختبر عينيه. فقال: قد اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بالنظر إلى محارم اللَّه. قال: اختبر سمعه. قال: قد اختبرته فوجدته مملوءًا بسماع الفواحش والمنكرات. قال: فاختبر لسانه. قال: اختبرته فوجدته مملوءتين بالخوض في المحظورات وارتكاب المحرمات. قال: فاختبر يديه. قال: قد اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بتناول الحرام وما لا يحل من اللذَّات والشهوات. قال: فاختبر رجليه. قال: قد اختبرتها فوجدتهما مملوءتين بالسعي في المذمومات. قال يا أخي لا تعجل عليه، دعني أنزل إليه فنزل إليه الملك الثاني. فأقام عنده ساعة وقال لصاحبه: يا أخي قد اختبرت قلبه فوجدته مملوءًا إيمانًا، فاكتبه مرحومًا سعيدًا ففضل المولى سبحانه يستغرق ما عليه من الذنوب والخطايا. لما رأوه مبعدًا عن طاعتي … حكموا بأني لا أجود برحمتي حكمي أجل وإن يضيق عن الورى … من ذا يجد أوامري ومشيئتي الخامسة: عن بعض الصالحين قال: خطر لي أن أزور رابعة العدوية (٢) وأنظر صدقها في دعاويها.

стр. 846

فبينما أنا كذلك، وإذا بفقراء قد أقبلوا ووجوهم كالأقمار ورائحتهم كالمسك، فسلموا عليّ، وسلمت عليهم. وقلت: من أين أقبلتم؟. قالوا: يا سيدي حديثنا عجيب. فقلت: وما هو. قالوا: نحن من أبناء التجار المتمولين، وكنا عند رابعة في مصر. فقلت: وما ودَّاكم إليها؟ قالوا: كنا ملتهين بالأكل والشرب في بلدنا، فقيل لنا عن حُسن رابعة وحسن صوتها. فقلنا: لابد أن نروح إليها ونسمع غناها، وننظر إلى حسنها. فخرجنا من بلدنا إلى أن وصلنا إلى بلدها، ووصفوا لنا بيتها وذكروا لنا أنها قد تابت. فقال أحدنا: إن كان فاتنا حسن صوتها وغناها فإنا ننظرها وحُسنها. فَغَيَّرنا حِلْيَتَنَا ولبسنا لبسة الفقراء، وانتهينا إلى بابها، وطرقنا الباب، فلم نشعر إلا وقد خرجت وتمرغت بين أقدامنا وقالت: لقد سعدت بزيارتكم. فقلنا: وكيف ذلك؟ قالت: عندنا امرأة عمياء منذ أربعين سنة فلما طرقتم الباب قالت: إلهي وسيدي، بحُرمَة هؤلاء الأقوام الذين طرقوا الباب إلا مارددت عليّ بصري، فرد في الوقت. قال: فعند ذلك نظر بعضنا إلى بعض. وقلنا: ترون لطف ربكم، ما فضح سريرتنا، فقال الذي أشار علينا بلباس الفقراء: واللَّه لا عدت أقلع هذا اللباس من على، وأنا تائب إلى اللَّه على يد رابعة. فقلنا: لكن نحن وافقناك على المعصية، فوافقنا على الطاعة والتوبة. فتبنا كُلنا على يديها، وخرجنا من أموالنا وصرنا كما ترى. السادسة: حُكِي أن شابا كان يحضر مجلس بعض علماء السلف وكان الشاب إذا سمع الواعظ يقول: يا ستار يهتز كما تهتز السعفة. فقيل له في ذلك. فقال: اعلموا أني كنت أُحب أن أخرج في زي النساء، وأحضر كل موضع فيه عرس أو عزاء يجتمع فيه النساء. فحضرت يومًا عرسًا لبنت بعض الملوك.

стр. 847

فسُرِقَ عقد بنت الملك، فصاحوا أن أغلقوا الباب وفتشوا النساء، ففتشوهن واحدة واحدة حتى لم يبق إلا واحدة، وأنا، فدعوت اللَّه وأخلصت التوبة، وقلت: إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا أبدًا، فوجدوا العقد مع المرأة التي بقيت قبلي، وقالوا: أطلقوا الأخرى، يَعنُوني فأطلقوني، وسرت. فمن حينئذ إذا سمعت ذكر الستَّار، أَذكُر ستره على، ويأخذني ما رأيتم من الاهتزاز. السابعة: حُكِي أن رجلًا من بني إسرائيل عبد اللَّه عشرين سنة، وعصى اللَّه عشرين سنة ما أطاعه فيها طرفة عين، فلما كان بعض الأيام نظر في المرآة، فنظر شيبًا في لحيته فقال: آه الشيب والعيب، وعزتك لا عدت إلى معصيتك، وقام من وقته وتطهر للتوبة. فلما جنَّ الليل قال: إلهي أطعتك عشرين سنة وعصيتك عشرين سنة، فيا ليت شعري إن رجعت إليك تقبلني (١). فسمع صوتًا لا يُرى قائله: أحببتنا فأحببناك وأطعتنا فأطعناك، وعصيتنا فأملهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك. أخلقت وجهي المعاصي … عند علام الغيوب سيدي شؤم المعاصي … أبعدت منك نصيبي سيدي قسوة قلبي … حيرت كل طبيب يا طيب الأطباء … أنت عوني وطبيبي اشفني هب لي إلهي … توبة تمحو ذنوبي فصل في فضل الرجاء قال تعالى إخبارًا عن العبد الصالح: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ (٢).

стр. 848

وروينا في الصحيحين، والسياق لمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "قال اللَّه أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني؛ إن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ هم خير منهم، وإن تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا، تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة". (١) وفي رواية لهما: "وأنا معه حين يذكرني" (٢) بالنون. وروينا في صحيح مسلم من حديث جابر أنه سمع رسول اللَّه ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللَّه " (٣) وروينا في جامع الترمذي حديث أنس في قراب الأرض خطايا. وقد ذكرناه في الاستغفار.

стр. 849

مجلس في الجمع بين الخوف والرجاء المختار للعبد في صحته أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء. وفي حال المرض يتمحض الرجاء؛ وقواعد الشرع ونصوصه من الكتاب والسنة وغيرهما دالة عليه ومتظاهرة لديه. قال تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١). وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٣). وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). فهو أهل التقوى وأهل المغفرة. وقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ (٥). وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ (٦) الآية. والآيات في هذا كثيرة، فاجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين، أو آيات أو آية. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لو يعلم المؤمن ما عند اللَّه من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند اللَّه من الرحمة ما قنط من جنته أحدًا" (٧).

стр. 850

وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري: "إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها إنسان لصعق" (١). وروينا فيه أيضًا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك" (٢). ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك فنقول: الحكاية الأولى: عن سليم بن منصور (٣) قال: رأيت أبي في المنام، فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: إن الرب ﵎ قربني وأدناني، وقال يا شيخ السوء تدري لم غفرت لك؟ قلت: لا. قال: إنك جلست يومًا مجلسًا فبكَّيتهم، فبكي فيهم عبد من عبادي لم يبك من خشيتي قط فغفرت له ووهبت أهل المجلس كلهم له، ووهبتك فيمن وهبت. الثانية: قال منصور بن عمار (٤) - رحمه اللَّه تعالى: رأيت في بعض الأيام شابا يصلي صلاة الخائفين فقلت في نفسي: هذا الشاب لعله وليٌّ من أولياء اللَّه تعالى، فوقفت حتى فرغ من صلاته، ثم سلمت عليه فرد عليَّ السلام.

стр. 851

وقلت: ألم تعلم أن في جهنم واديًا يقال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ (١)؟ فشهق شهقة، فخر مغشيًا عليه. فلما أفاق قال: زدني، قلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾. (٢) قال: فخر ميتًا فكشفت عن ثيابه، فإذا على صدره مكتوب: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ (٣) قال: فلما كان الليلة الثالثة رأيته في المنام جالسًا على سرير وعلى رأسه تاج، فقلت له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي وأعطاني ثواب أهل بدر، وزادني. فقلت له: لم؟ قال: لأنهم قتلوا بسيف الكفار، وأنا قتلت بكلام الجبار. الثالثة: قال المزني (٤): دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلًا ولإخواني مفارقًا ولكأس المنية شاربًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا وإلى اللَّه الكريم واردًا، فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنئها أو إلى النار فأعزيها. ثم بكى وأنشد: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي … جعلت الرجاء مني لعفوك سُلَّما تعاظمني ذنبي فلما قرنته … بعفوك كان عفوك أعظما وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل … تجود وتعفو منة وتكرمًا الرابعة: عن سعيد بن ثعلبة. رحمه اللَّه تعالى. قال: بتنا ليلة مع رجل من العباد على الساحل بسيراف فأخذ في البكاء، فلم يزل يبكي حتى خفنا طلوع الفجر ولم يتكلم بشيء، ثم قال: يا مولاي جرمي عظيم، وعفوك كثير، فاجمع بين جرمي

стр. 852

وعفوك يا كريم قال: فتصارخ الناس من كل ناحية. الخامسة: روى أن سليمان بن عبد الملك (١) ﵀ قال لأبي حازم. رحمه اللَّه تعالى: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمرتم الدنيا وخرَّبتم الآخرة، وإنكم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال: صدقت يا أبا حازم، ليت شعري ما لنا عند اللَّه غدًا؟ قال: أعرض عملك على كتاب اللَّه تعالى. قال: وأين أجده من كتاب اللَّه تعالى؟ فقل: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾. (٢) قال سليمان: وأين رحمة اللَّه؟ قال ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) قال سليمان: ليت شعري كيف العرض على اللَّه تعالى؟ قال أبو حازم: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله فرحًا مسرورًا، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه خائفًا محسورًا. وأنشدوا: عرضنا على المولى ونحن عبيده … فمنا شقي رده وسعيد فمن كان منا ليس يصلح خادمًا … فعن بابه بالطرد ذاك بعيد ومن كان يصلح فهو في قدس حضره … قريب ومغبوط هناك حميد حبيب له جاه عظيم ورفعة … ومجد على من الجديد جديد أولئك خُدَّام كرام وسادة … ونحن عبيد السوء بئس عبيد فيا غبننا يوم التغابن عندما … يقابلهم وعد ونحن وعيد ترى الناس إلَّا وهم سكارى وما هم … بسكارى ولكن العذاب شديد وهم ركبوا نجائب من النور في الهوى … تطير بهم إلى الرب الكريم وُفُود فلا فزع يحزنهم بل يقربه … لهم فرح يحلو هناك وعيد السادسة: عن بعض السلف قال: رأيت في بعض الجبال شابا أصفر اللون غائر

стр. 853

العينين مرتعش الأعضاء لا يستقر في الأرض كائن به وخز الأشنة وجموعه تتحادر. فقلت له: من أنت؟ قال: آبق من مولاه. قلت: تعود وتعتذر. قال: العذر يحتاج إلى إقامة حجة، وكيف يعتذر المقصر؟ قلت: يتعلق بمن يشفع فيه. قال: كل الشفعاء يخافون منه. قلت: من هو؟ قال: هو مولى، رباني صغيرًا فعصيته كبيرًا شرط لي فوفاني، وضمن لي فأعطاني فخنته في ضماني وعصيته وهو يراني وأحياني من صنيعته، وقبح معاملتي، فقلت: أين هذا المولى؟ قال: أين توجهت لقيت عونه، وأين استقرت قدمك ففي داره. فقلت: أرفق بنفسك، فربما أحرقَك الخوف، فقال: احترق بنار خوفه، لعله يرض أحق وأولى. وأنشأ يقول: لم يبق خوفك لي دمعًا ولا جلدًا … لا شك أني بهذا ميت كمدًا عبد كئيب أتى بالعجز معترفًا … وناره تحرق الأحشاء والكبدا ضاقت مسالكه في الأرض من وجل … فهب له منك لطفًا إن لقيتك غدًا فقلت: يا غلام الأمر أسهل مما تظن فقال: هذا من فتن البطالين، إنه تجاوز عني إني أنا والإخلاص والصفا، ثم صاح صيحة خرجت منها روحه، فخرجت عجوز من كهف جبل عليها ثياب رثة، فقالت: من أعان على البائس الحيران؟ فقلت: يا أمة اللَّه دعوته إلى الرجاء. فقالت: قد دعوته إلى ذلك، فقال لي: الرجاء بلا صفا شرك. قلت: فمن أنت منه؟ قالت: والدته، فقلت: أقيم عندك أعينك عليه. قالت: خله بين يدي قاتله عسى يراه يغير معين فيرحمه. فلم أدر مما أعجب من صدق الغلام في خوفه، أو من قول العجوز وحسن صدقها، ﵏ أجمعين. السابعة: حُكِي أنه قيل للحسن البصري. ﵀: يا أبا سعيد هنا رجل لم نره قط إلا جالسًا وحده خلف سارية، فمضى إليه الحسن وقال: يا عبد اللَّه أراك قد أحببت العزلة، فما يمنعك من مجالسة الناس؟ قال: أمر شغلني عن الناس. قال: فما يمنعك تأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن البصري تجلس إليه؟

стр. 854

قال: أمر شغلني عن الناس وعن الحسن البصري. فقال له الحسن: ما ذاك الشغل يرحمك اللَّه؟ قال: أتى الصبح بين نعمة وذنب، فرأيت أن أشغل نفسي بالشكر على النعمة والاستغفار من الذنب. فقال له الحسن البصري: أنت يا عبد اللَّه أفقه من الحسن فالزم ما أنت عليه. الثامنة: قال ذو النون المصري. رحمه اللَّه تعالى: كنت في جبال بيت المقدس، وإذا برجل قد اتزر بالخوف واتشح بالرجاء، فتقدمت إليه وسلمت عليه، فرد عليَّ السلام، فقلت له: من أين أقبلت يرحمك اللَّه؟ قال: من حضرة الأنس. قلت: إلى أين تريد؟ قال: إلى راحة النفس، ثم ولي وهو يقول: هجر الخلق كلهم فتولى … فهو باللَّه طيب الخلوات قال للنفس ساعديني وجدي … ليس نقض العهود فعل الثقات ليس من يطلب الحبيب فتورا … فأسبل الدمع واهجر الترَّهات هل رأيتم مدللًا في عذاب … وعروسًا تواصل العبرات ملك جائع غني فقير … مشرق وجهه من الحسنات لم يدم عرسه الذي هو ماض … إنما رام عرسه الذي هو آت فلعمري ليخلعن عليه … خلع العز مع جزيل الهبات التاسعة: عن الشبلي رحمه اللَّه تعالى: إنه كان يقول: ليت شعري ما اسمي عندك يا علام الغيوب وما أنت صانع بي يا غفار الذنوب، وبم يختم عملي يا مقلب القلوب، ثم أنشد وجعل يقول: ليت شعري كيف ذكري … عند من يعلم سري أجميل أم قبيح … أم بخير أم بشري ليت شعري كيف موتي … بيقين أم بكفر أترى يقبل قولي … أم ترى يشرح صدري ليت شعري كيف حالي … يوم إحضاري وحشري ليت شعري أين أمضي … لنعيم أم لجمري؟ العاشرة: قال صالح المدي ﵀: رأيت في محراب داود ﷺ عجوزًا

стр. 855

عليها مدرعة شحر وقد كُفَّ بصرها وهي تصلي وتبكي قال: فتركت صلاتي، ووقفت أنظر إليها. فلما فرغت من صلاتها رفعت وجهها إلى السماء وجعلت تنشد: أين سؤلي وعصمتي في حياتي … أنت ذخري وعدتي في مماتي يا عليما ما أكِنُّ وأُخْفِي … وبما في بواطن الخطرات ليس لي مالك سواك فأرجوه … لدفع العظائم الموبقات قال: فسلمت عليها وقلت لها: ما الذي أوجب ذهاب عينيك؟ قالت: بكائي على ما فرطت في مخالفته ومعصيته، وما كان من تقصيري في ذكره وخدمته، فإن عفي عني عوضني في الآخرة خيرًا منها، وإن لم يعف عني فما لي حاجة بعين تحرق في النار. قال: فبكيت رحمة لها، فقالت: يا صالح أقسم عليك أن تقرأ شيئًا من كتاب اللَّه تعالى لي فقد طال وعزته شوقًا إليه. قال: فقرأت: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. (١) قالت: يا صالح من خدمه حق خدمته؟ ثم صرخت صرخة يتصدع قلب من يسمعها، وسقطت على وجهها، وإذا بها قد فارقت الدنيا. قال: ثم إني رأيتها بعد ذلك في المنام وهي في حالة حسنة فسألتها عن أمرها كيف كان؟ قالت: لما قبضني أوقفني الحق بين يديه وقال: أهلًا بمن قتلها الأسف على تقصيرها في خدمتي، ثم ولت وهي تقول: جاد لي بالذي أؤمل منه … وحباني بكل ما أرتجيه في نعيم ولذة وسروره … أبدًا عنده أخلد فيه

стр. 856

مجلس في بيان كثرة طرق الخير وطرقها العبادات لأن الخير سلكها ويتوصل بها إليها. قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (٢). وقال: "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه" (٣). وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ (٤). وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النحل: ٩٧] إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (٥). وقال: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (٦). وقال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ﴾ (٧). وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (٨). وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ (٩). وقال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (١٠). وقال: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١١). وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ (١٢). وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ (١٣). ومثقال الذرة يشمل الكيف والكم، والكم هو المتبادر. وقال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (١٤).

стр. 857

وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). وقال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ (٣). وقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ (٤). وأما الأحاديث فخمسة وعشرون حديثًا وهي مشتملة على بيان أصول الخير ومراتبه وأنواعه وغير ذلك: الحديث الأول: عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان باللَّه، والجهاد في سبيله" قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا" (٥). قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تعين صانعًا أو تصنع لأخرق". قال: قلت: يا رسول اللَّه، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: "تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك" (٦). أخرجاه. الصانع: بالصاد المهملة -وروى بالمعجمة- أي ذا ضياع، فقرأ وعيال ونحوهما. والأخرق: الذي لا يتقن ما يحاول فعله.

стр. 858

وهذا الحديث فيه بيان أفضل الأعمال، إما مطلقًا وإما لحال شخص. فذكر للمطلق كل خير وهو الإيمان، وتممه بأمرين: الدعاء إليه والحجة والسيف، وفك رقبة مؤمنة وحال من لم يفعل شيئًا من ذلك إسداء المعروف إعانة واستقلالا، ولحال من ضعف عنه كف الشر. الحديث الثاني عنه مرفوعًا (١): "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". أخرجه مسلم. والسلامى: بضم السين المهملة وتخفيف اللام المفصل (٢). وفيه بيان أن كلًّا من الأذكار الأربعة صدقة على النفس وعلى العالم، والصلاة المذكورة تجزئ من ذلك كله. الحديث الثالث: عنه مرفوعًا: "عرضت عليَّ أعمال أمتي، حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، وجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن" (٣). أخرجه مسلم. فإماطة الأذى من محاسن العادات، ومهم العبادات.

стр. 859

الحديث الرابع: عنه أيضًا أن ناسًا قالوا: يا رسول اللَّه ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: "أوليس قد جعل اللَّه لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة (١)، وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا: يا رسول اللَّه أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" (٢). رواه مسلم. الدثور: بالثاء المثلثة، الأموال وأحدها دثر. وفيه أن البضع صدقة، وهو عادي أيضًا، وهو صدقة على العالم كله، من نسل يكثر السواد ويجاهد في اللَّه حق الجهاد. والحرام لا خير ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]. الخامس: عنه قال: قال النبي ﷺ : "لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". (٣) رواه مسلم. وهو عادي أيضًا فالطلاقة في وجه الإخوان، وعدم الاحتقار بالمعروف من المهم المألوف. الحديث السادس: عن أبي هريرة ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كل سلامى

стр. 860

من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس". قال: "تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليه متاعه، صدقة" قال: "والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" (١). متفق عليه. ورواه مسلم أيضًا من رواية عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : إنه خُلِقَ كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبّر اللَّه، وحمد اللَّه، وهلل اللَّه، وسبح اللَّه، واستغفر اللَّه، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكة أو عظمًا عن طريق الناس، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة السُلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار" (٢). فهذه العادات صارت عبادات. الحديث السابع: عنه عن النبي ﷺ قال: "من غدا إلى المسجد أو راح، أعد اللَّه له في الجنة نُزُلًا، كلما غدا أو راح" (٣). مقفق عليه، والنزل: القوت أو الرزق، وما يُهيأ للضيف، فتكرار الخيرات تزاد به الأجور والمسرات. الحديث الثامن: عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فِرْسنَ شاة". متفق عليه (٤).

стр. 861

قال الجوهري: الفرسن من البعير كالحافر من الدابة. قال: وربما أستعير للشاة، فترك الاحتقار من كرم النفس به يحصل كمال الأدب وطرح النفس. الحديث التاسع: عنه عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" متفق عليه (١). البضع: من ثلاثة إلى تسعة، بكسر الباء، قد تفتح، والشعبة: القطعة، وهو بيان لأنواع الشعب منوعة إلى العقائد والأعمال والأحوال، وبها يخلص من النصب. الحديث العاشر: عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش (٢). فقال الرجل: "لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي (٣)، فسقي الكلب فشكر اللَّه له، فغفر له".

стр. 862

قالوا: يا رسول اللَّه، وإن لنا في هذه البهائم لأجرا؟ فقال: "في كل كبد رطبة أجرا" (١). وفي البخاري: فشكر اللَّه له فأدخله الجنة. وفي رواية لهما: "بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بنى إسرائيل، فنزعت مُوقها، فسقت له به، فسقته إياه، فغفر لها به" (٢). المُؤق: الخُف. يطيف: يدور حول ركيَّة: وهي البئر. الحديث الحادي عشر: عنه عن النبي ﷺ قال: "لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس" (٣) رواه مسلم. وفي رواية: "مرّ رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: واللَّه لأُنحِّينَّ هذا عن المسلمين لا يُؤذيهم، فأدخل الجنة" (٤). وفي رواية لهما: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخرَّه، فشكر اللَّه له فغفر له" (٥).

стр. 863

الحديث الثاني عشر: عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام (١) ومن مس الحصى فقد لَغَا". (٢) رواه مسلم. الحديث الثالث عشر: عنه أن رسول اللَّه ﷺ . قال (٣) "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يَخْرُج نقيًا من الذنوب" (٤). رواه مسلم. الحديث الرابع عشر: عنه عن رسول اللَّه ﷺ : الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر" (٥). رواه مسلم.

стр. 864

الحديث الخامس عشر: عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أدُلُّكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ". قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط" (١) رواه مسلم. الحديث السادس عشر: عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى البردين دخل الجنة". (٢) متفق عليه. البردان: الصبح والعصر. الحديث السابع عشر: قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" (٣) رواه البخاري. وفيه إشارة إلى ملازمة الأوراد وصدق العزم في إرادتها. فيبلغ غاية الأغراض وتزول عنه الأعراض. الحديث الثامن عشر: عن جابر مرفوعًا: "كل معروف صدقة" (٤).

стр. 865

رواه البخاري. ورواه مسلم من رواية حذيفة ﵄ وهو أبلغ تعظيم وأشرف تكريم. الحديث التاسع عشر: عنه مرفوعًا: "ما من مسلم يغرسُ غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سُرِقَ منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة" (١) رواه مسلم. وفي رواية له: "فلا يغرس المسلم غرسًا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة" (٢). وفي رواية له: "لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء، إلا كانت له صدقة" (٣). وروياه جمعيا من رواية أنس (٤) ﵄ قوله. قوله: يَرْزَؤُهُ: أي ينقصه. العشرون: عنه قال: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لهم "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد". قالوا: نعم يا رسول اللَّه قد أردنا ذلك فقال: "يا بني سلمة دياركم تكتب أثاركم، دياركم تكتب آثاركم" (٥). رواه مسلم (٦).

стр. 866

وفي رواية: "إن بكل خطوة درجة". ورواه البخاري (١) أيضا بمعناه من رواية أنس ﵄. وبنو سلمة: بكسر اللام، قبيلة معروفة من الأنصار. وآثارهم: خطاهم. الحادي والعشرون: عن أبي المنذر أبي بن كعب ﵄ قال (٢): كان رجل لا أعلم رجلا أبعد من المسجد، وكان لا تخطئه صلاة. قال: فقيل له: أو قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء. قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فقال رسول اللَّه ﷺ : "قد جمع اللَّه لك ذلك كله" (٣). رواه مسلم. وفي رواية: "إن لك ما احتسبت" (٤) الرمضاء: الأرض التي أصابها الحر الشديد.

стр. 867

الثانى والعشرون: عن أبي محمد عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها إلا أدخله اللَّه بها الجنة" (١). رواه البخاري. المنيحة: أن يعطيه إياها ليأكل لبنها، ثم يردها إليه. وهو دال على أن الأعمال التي لا يلقي لها بالا يدخل بها صاحبها الجنة في المآل. الثالث والعشرون: عن عدي بن حاتم ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اتقوا النار، ولو بشق تمرة" (٢). متفق عليه. وفي رواية لهما عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم أحد إلا سيكلِّمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قَدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد، فبكلمة طيبة" (٣). وهو دال على أن اليسير لا يخفر. الرابع والعشرون: عن أنس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ليرضى

стр. 868

عن العبد أن يَأكُل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها" (١). رواه مسلم. والأكلة بفتح الهمزة وهى الغدوة أو العشوة وهو دال على أن الحمد يجلب الرضوان وأي شيء أسلم من هذا، فقد ظهر عظيم أجره وبان. الخامس والعشرون: عن أبي موسى ﵄، عن النبي ﷺ قال: (٢) "على كل مسلم صدقة" قيل أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق". قال: قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: "يعين ذا الحاجة الملهوف" قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: "يأمر بالمعروف أو الخير" قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: "يُمسك عن الشرِّ فإنها صدقة" (٣). متفق عليه. وهو دال على تنوع المراتب، ولا راتبه وراء الإمساك.

стр. 869

مجلس في الاشتغال باللَّه والإعراض عما سواه قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١). وروينا في الصحيحين (٢) من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رجل أي الناس أفضل يا رسول اللَّه؟ قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه قال: ثم من؟ قال: ثم رجل معتزل في شعب من الشِّعاب (٣)، يعبد ربه". وفي رواية: "يتقي اللَّه ويدع الناس من شرِّه" (٤). ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك: الأولى عن ذي النون المصري (٥) ﵀ قال: أوحى اللَّه ﵎ إلى موسى: كن كالطير الوحداني يأكل من

стр. 870

رؤوس الأشجار، ويشرب من الماء القراح أو قال من الأنهار، إذا جنه الليل أوى إلى كهف من الكهوف، واستئناسا بي واستيحاشا ممن عصاني، يا موسى إني آليت على نفسي أني لا أتُم لمدَّع عملا، ولأقطعنَّ أمل من أمل غيري، ولأقصمنَّ ظهر من استند إلى سواي، ولأطيلنَّ وحشة من آنس بغيري، ولأعرضنَّ عمن أحب حبيبًا سواي. يا موسى إن لي عبادا إن ناجوني أصغيت إليهم وإن نادوني أقبلت عليهم، وإن أقبلوا على دانيتهم، وإن دنوا مني قربتهم، وإن تقربوا أكنفتهم، وإن والوني واليتهم وإن صافوني صافيتهم، وإن عملوا لي جزيتهم، أنا مدبر أمورهم وسائس قلوبهم ومتولى أحوالهم لم أجعل لقلوبهم رأفة إلا في ذكرى، فهو لاشفائهم شفاء وعلى قلوبهم ضياء. لا يستأنسون إلا بي، ولا يحطون رحال قلوبهم إلا عندي، ولا يستقر قرار الإيواء إلا إلي. الثانية: عن الواسطى ﵀ قال: بينما أنا أسير في البادية إذا بأعرابي جالس منفرد، فدنوت منه وسلمت عليه، فرد علي السلام. فأردت أن أكلمه فقال: اشتغل بذكر اللَّه، فإن ذكره شفاء القلوب. ثم قال: كيف يفتر ابن آدم من ذكره وخدمته والموت في أثره واللَّه ناظر إليه. ثم بكي وبكيت معه. فقلت له: ما لي أراك وحيدًا؟ قال: ما أنا بوحيد، واللَّه معي، وما أنا بفريد وهو أنيس. ثم قام ومضى عني مسرعًا، وقال: سيدي أكثر خلقك مشغول عنك بغيرك، وأنت عوض عن جميع ما فات. يا صاحب كل غريب ويا مؤنس كل وحيد، ويا مؤوى كل طريد. وجعل يمشي وأنا أتبعه، ثم أقبل إلي وقال: ارجع عافاك اللَّه إلى من هو خير لك مني، ولا تشغلني عمن هو خير لى منك، ثم غاب عن بصري. فائدة:- عن أبي تراب (١) من شغل مشغولا باللَّه عن اللَّه أدركه المقت (٢) في الوقت أو كما قال. الثالثة: عن عبد الواحد بن زيد قال: مررت براهب فسألته منذ كم أنت في هذا المكان؟

стр. 871

قال: منذ أربع وعشرين سنة. قلت: من أنيسك؟ قال: الفرد الصمد. قلت: ومن المخلوقين؟ قال: الوحش. قلت: فما طعامك؟ قال: ذكر اللَّه. قلت: ومن المأكولات؟ قال: ثمار هذه الأشجار، ونبات الأرض. قلت: أفلا تشتاق إلى حبيب قلوب العارفين؟ قال: نعم. قلت: ومن المخلوقين؟ قال: من كان شوقه إلى اللَّه، كيف يشتاق إلى غيره. قلوب العارفين تحن شوقا … تحل بقربه في كل راح صفت في ودِّ مولاها فليست … لها عن ودِّ مولاها براح الرابعة: عن ذي النون قال: بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس إذ سمعت صوتا وهو يقول: ذهبت الآلام عن أبدان الخدام، وولهت (١) بالطاعة عن الشراب والطعام وألفت أبدانهم طول القيام بين يدي الملك العلام. فتبعت الصوت. فإذا شاب أمرد قد علا وجهه اصفرار يميل ميل الغصن إذا ميلته الريح. عليه شملة قد اتزر بها، وأخرى قد اتشح بها فلما رآني توارى عني بالشجر. فقلت له: أيُّها الغلام ليس الجفاء من أخلاق المؤمنين فكلمني وأوصني. فخرَّ ساجدًا وجعل يقول: هذا مقام من لاذ بك، واستجار بمعرفتك، وألف محبتك. يا إله القلوب وما تحويه من جلال عظمتك، احجبني عن القاطعين لي عنك. ثم غاب عنِّي فلم أره.

стр. 872

الخامسة: عنه أيضًا قال: بينما أنا أسير بين جبال الشام إذا بشيخ على قلعة من الأرض قد سقط حاجباه على عينيه كِبرًا. فسلمت عليه، فرد عليَّ السلام. ثم جعل يقول: يا من دعاه المذنبون فوجدوه قريبًا (١)، ويا من قصده الزاهدون فوجدوه حبيبًا ويا من استأنس به المجتهدون فوجدوه مجيبا. ثم أنشأ يقول: وله خصائص مصطفون بحبه … اختارهم في سالف الأزمان اختارهم من قبل فطرة خلقه … فهم ودائع حكمة وأمان السادسة: عن ذي النون أيضًا قال: وُصِف لي رجل من أهل المعرفة في جبل لكام فقصدته فلحقني جماعة من المتعبدين فسألتهم عنه فقالوا: تسأل عن المجانين. قلت: وما رأيتم من جنونه؟ قالوا: نراه في أكثر أوقاته هنا قائمًا ساهيًا يكلم فلا يجيب، فلا نفقه ما يقول، وينوح في أكثر أوقاته على نفسه. فقلت في نفسي: ما أحسن أوصاف هو المجنون ثم قلت لهم: دلوني عليه. فقالوا: إنه يأوي في الوادي الفلاني. فانطلقت إليه، فأشرفت على واد وَعِر. فجعلت أنظر يمينًا وشمالًا، فإذا أنا بصوت محزون شُجَّ من قلب وجل وهو يقول: ياذا الذي أنِسَ الفؤاد بذكره … أنت الذي ما أن سواه أريد تفنى الليالي والزمان بأسره … وهواك غض في الفؤاد جديد إني أرى غيري إليك مقربا … وأنا بسهم الهجر منك بعيد قال: فاتبعت الصوت، فإذا أنا بفتى حسن الصورة، وقد ذهبت تلك المحاسن وبقيت رُسُومها، نحيل قد اصفر واحترق، وهو شبيه بالوَاله الحيران. فسلمت عليه فرد السلام، وبقى شاخصًا يقول: أعُمِيت عيني عن الدنيا وزينتها … فأنت والروح شيء ليس يفترق إذا ذكرتك وافي مقلتي (٢) أرق … من أول الليل حتى يطلع الفلق

стр. 873

وما تطابقت الأجفان عن سِنَةٍ (١) … إلا رأيتك بين الجفن والحدق ثم قال: يا ذا النون مالك تطلب المجانين؟ قلت: أو مجنون أنت؟ قال: سُمِّيت به. قلت: لي مسألة. قال: سَلْ. قلت: أخبرني ما الذي حبَّب إليك الانفراد وقطعك عن المؤنسين، وهيَّمك في الأودية؟ قال: حبي له هيمني، وشوقي، إليه هيجني، ووجدي به أفردني. ثم قال: ياليت شعري إلى متى تتركني (مغلغلا) (٢) عن محبتى؟ فقلت له: أخبرني عن محل الحب عندك وأين مسكن الشوق منك؟ قال: مسكنه مني سواد الفؤاد. قلت: فما الذي تجد في خُلوتك؟ قال: الحق سبحانه. قلت: كيف تجده؟. قال: بحيث لا حيث. ثم قال: يا ذا النون أعجبك كلام المجانين؟ قلت: أي واللَّه وأشجاني. ثم قلت له: ما صِدق وجدانك للحق تعالى. فصرخ صرخه ارتج لها الجبل، ثم قال: يا ذا النون هذا موت الصادقين، ثم سقط على الأرض ميتًا فحرت في أمري ولا أدرى ما أصنع به. وإذا هو قد غاب عني، فلم أر أين ذُهب به. السابعة: عن الفضيل بن عياض قال: مكثت في جامع الكوفة ثلاثة أيام لم أطعم ولم أشرب فلما كان في الرابع، هذبني (٣) الجوع. فبينما أنا جالس إذ دخل من باب المسجد مجنون وبيده حجر كبير، وفى عنقه غُل (٤) ثقيل.

стр. 874

والصبيان من ورائه. فجعل يجول في المسجد حتى إذا حاذاني جعل يتفرس فيَّ، فجزعت على نفسي منه. فقلت: إلهي وسيدي أجعتنى، وسلطت عليَّ من يقتلني. فالتفت إليَّ فقال: محل بيان الصبر فيك عزيزة … فياليت شعري هل لصبرك آخر قال الفضيل: فزال عنى جزعي وطار عني هلعي. وقلت: يا سيدي لولا الرجاء لم أصبر. قال: فأين مستقر الرجاء منك؟ قلت: بحيث مستقر هموم العارفين. فقال: أحسنت واللَّه يا فضيل، إنها لقلوب الهموم عمارتها، والأحزان أوطانها، عرفته فاستأنست به، وارتحلت إليه. فعقولهم صحيحة، وقلوبهم غارقة، بالأنوار مشرقة وأرواحهم بالملكوت الأعلى مُعلقة. ثم ولى وأنشأ يقول: فهام ولي اللَّه في القفر سائحًا … وحطت على سيد القدوم رواحله فعاد سجين قد جرى في ضميره … تذوب به أحشاؤه ومفاصله قال الفضيل: (١) فواللَّه لقد بقيت عشرة أيام لم أطعم طعاما، ولم أشرب شرابا وجدا بكلامه. فطوبى لمن استوحش من الخلق واستأنس بالحق. آنست بوحدتي ولزمت بيتي … فطاب الأنس لي وصفا السرور وأدبني الزمان فلا أبالي … هجرت فلا أزَار ولا أزور ولست بسائل ما عشت يومًا … أسار الجندُ أم رَكِبَ الأمير

стр. 875

الثامنة: عن أبي يزيد البسطامي قال: طلقت الدنيا ثلاثًا لا رجعت لشيء فيها. وسرت إلى ربي وحدي، فناديته بالاستغاثة: إلهي أدعوك دعاء من لم يبق له غيرك. فلما عرف صدق الدعاء من قلبي، واليأس من نفسي كان أول ما ورد عليَّ من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكليَّة، وبعض الخلائق من يُرى مع إعراضي عنهم. التاسعة: قال محمد بن أحمد: سمعت علي بن الموفق (١) ما لا أحصيه يقول: اللهم إن كنت تعلم أني عبدتك خوفا من نارك فعذبني بها، (٢) وإن كنت تعلم أني عبدتك حبًا مني، وشوقًا لجنتك، وشوقا مني إليها فاحرمنيها. وإن كنت تعلم أني إنما عبدتك حبًا مني لك، وشوقًا مني إلى وجهك الكريم فأبحنيه واصنع بي ما شئت. العاشرة: قال بعض الصالحين: عُرضَت عليَّ الدنيا بزينتها وزخارفها وشهواتها، وأعرضت عنها ثم أعرضت علي الأخرى بجواريها وقصورها، وزينتها فأعرضت عنها. فقيل لي: لو أقبلت على الأولى حجبناك عن الأخرى، ولو أقبلت على الأخرى حجبناك عنها (فها خن) (٣) وقسمتك من الدارين تأتيك. الحادية عشرة: عن بعض الصالحين قال: إن اللَّه تعالى لما أظهر الخلق في القدم (٤)، أظهر لهم الصنائع، ثم خيرهم فيها. فاختار كل إنسان صنعته. فلما أبداهم إلى الوجود أجرى على لسان كل واحد ما اختار لنفسه. وانفردت طائفة لم تخير شيئا.

стр. 876

فقال لها: اختاري. فقالت ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره. فأظهر لهم مقامات العبادة. فقالت: قد اخترنا خدمتك يا مولانا. فقال: وعزتي وجلالي لأشفعنكم غدًا فيمن عرفكم وخَدَمكُم. وفيهم يقال: تشاغل قوم بدنياهم … وقوم تخلوا لمولاهم فالذمَهُم باب مرضاته … وعن سائر الخلق أغناهم الثانية عشرة: عن أبي الحسن الشاذلي (١) قال: وقع لي تردد في بدايتي بين الانقطاع في البراري والرجوع إلى العمران، وصحبة العلماء والأخيار. فوصف لي وليٌّ في رأس الجبل فقصدته، فوصلت إليه بعد ما أمسيت. فقلت: ما أدخل عليه في هذا الليل إلى الصبح فبت على باب المغارة، فسمعته يقول من داخل المغارة: اللهم إن ناسا من عبادك سألوك أن تسخر لهم خلقك فسخرتهم لهم فرضوا عنك بذلك. وإني أسألك أن تعرج على خلقك حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك. فقلت: اسمعي يا نفس من أي بحر يغترف هذا الشيخ. فلما أصبحت دخلت فسلمت عليه، ومُلئت منه رعبا، وقلت له: يا سيدى كيف حالك؟. أما أمر التدبير والاختيار فأنا أعرفه وأنا فيه الآن، فلم ترد الرضا والتسليم، ولم تشكو ذلك فقال: أخاف أن يشغلني حلاوتهما عنه. فقلت يا سيدي: سمعتك تقول: اللهم إن أناسا من عبادك سألوك، وذكر ما سلف. فتبسم وقال: يابني عوض ما تقول: سخر لي، قل كن لي، من كان له يحتاج إلى شيء آخر، فما هذه الجناية. قلت لفظة: كان اللَّه لك، واللهم كُن لي. كلمة جامعة لكل مرغوب ومرهوب فلتلازم. الثالثة عشر: عن سري السقطي (٢) قال: كنت يومًا أتكلم بجامع المدينة،

стр. 877

فوقف علي شاب حسن الشباب، فاخر الثياب ومعه أصحابه. فسمعني أقول في وعظي: عجبا لضعيف كيف يعصي قويا، فتغير لونه وانصرف. فلما كان من الغد جلست في مجلس، وإذا به قد أقبل فسلم وصلى ركعتين وقال: يا سري سمعتك بالأمس تقول: عجبا لضعيف كيف يعصي قويا، فما معناه. فقلت: لا أقوى من اللَّه، ولا أضعف من العبد وهو يعصيه، فنهض فخرج. ثم أقبل من الغد وعليه ثوبان أبيضان، وليس معه أحد فقال: يا سري كيف الطريق إلى اللَّه؟ فقلت له: إن أردت العبادة فعليك بصيام النهار وقيام الليل. وإن أردت اللَّه، فاترك كل شيء سواه تصل إليه وليس إلا المساجد والخراب والمقابر. فقام وهو يقول: واللَّه لا سلكت إلا أصعب الطريق، وولى خارجا. فلما كان بعد أيام أتى إلى غلمان كثيرة فقالوا: ما فعل أحمد بن يزيد الكاتب؟ فقلت: لا أعرف إلا رجلا جاءني من صفته كذا وكذا، ولا أعلم حاله. فقالوا: باللَّه عليك متى عرفت حاله أخبرنا ودلنا على داره. فبقيت سنه لا أعرف له خبرًا. فبينما أنا ذات ليلة بعد العشاء الآخرة جالس في بيتي، وإذا بطارق يطرق الباب، فأذنت له بالدخول، فإذا أنا بالفتى عليه قطعة من كساء في وسطه، وأخرى على عاتقه، ومعه زنبيل فيه نوى. فقبل بين عيني وقال: يا سري أعتقك اللَّه من النار كما أعتقتني من رق الدنيا. فأومأت إلى صاحبي أن امض إلى أهله فأخبرهم فمضى فإذا زوجته جاءت ومعها ولده وغلمانه فدخلت، وألقت الولد في حجره، وعليه حُلي وحلل وقالت له.: يا سيدي أرملتني وأنت حي وأيتمت ولدك وأنت حي. قال سري: فنظر إلي، وقال: يا سري: ما هذا وفاء، ثم أقبل عليها وقال: واللَّه إنَّك لثمرة فؤادي وحبيبة قلبي، وأن هذا ولدي لأعز الخلق عليَّ، غير أن هذا سري أخبرني أن من أراد اللَّه قطع كل ما سواه.

стр. 878

ثم نزع ما على الصبي وقال ضعي هذا في الأكباد الجائعة والأجساد العارية وقطع قطعة من كسائه، فلف بها الصبي. فقالت المرأة: لا أرى ولدى في هذه الحالة وانتزعته منه. فحين رآها قد اشتغلت به نهض وقال: واللَّه ضيعتم ليلتي، بيني وبينكم اللَّه، وولى خارجًا وضجت الدار بالبكاء. فقالت: إن عدت يا سرى سمعت له خبرًا فأعلمني. فقلت: إن شاء اللَّه. فلما كان بعد أيام أتتني عجوز فقالت: يا سري بالشونيزية غلام يسألك الحضور. فمضيت فإذا به مطروح تحت رأسه لبنة. فسلمت عليه ففتح عينيه وقال: يا سري أترى تلك الجنايات غفرت؟ فقلت: نعم. قال: يغفر لمثلي (١)؟ قلت: نعم قال: أنا غريق. قلت: هو منجي الغرقاء. فقال: على مظالم. فقلت: في الخبر أنه يؤتى بالتائب يوم القيامة ومعه خصومه، فيقال لهم خلوا عنه فإن اللَّه تعالى يُعوضكم. فقال: يا سري معي دراهم من لقط النوى، إذا أنا مت فاشتري ما أحتاج إليه وكفني، ولا تُعلم أهلي لئلا يكفنوني بحرام. فجلست عنده قليلا، ففتح عينيه وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ (٢).

стр. 879

ثم مات، فأخذت الدراهم فاشثريت ما يحتاج إليه وسرت نحوه. فإذا الناس يهرعون. فقلت: ما الخبر؟ فقيل: مات وليٌّ من أولياء اللَّه نريد أن نصلي عليه. فجئت فغسلناه ودفناه. فلما كان بعد مدة قدم أهله يسألون خبره، فأخبرتهم بموته. فأقبلت امرأته باكية، فأخبرتها بحاله. فسألتني أن أريها قبره. فقلت: أخاف أن تُغيروا أكفانه. فقالت: لا واللَّه. فأريتها قبره، فبكت، وأمرت بإحضار شاهدين فأحضرا، فاعتقت جواريها، ووقفت عقارها وتصدقت بمالها، ولزمت قبره حتى ماتت. بانوا (١) الذين تجنبوا الأشغالا … بذلوا النفوس وأنفقوا الأموالا تركوا النساء كأنهن أرامل … قبل الممات وأيتموا الأطفالا وتجرعوا (٢) وتعطشوا وتضمروا … طلبوا السباق وخففوا الأثقالا وتعذبوا وتغربوا عن أهلهم … حذر الفوات وفككوا الأغلالا فطموا عن الدنيا نفوسا طال ما … كانت تتيه على النعيم دلالا خافوا البيات فشمَّروا بعزيمة … طلب النجاة وكابدا الأهوالا حتى إذا بليت فنى أجسادهم … ولقوا شجونا في السرى وكلالا وردوا جنان مليكهم فحباهم … رتبا تفوق الفرقدين مثالا الرابعة عشر: عن أحمد بن أبي الحواري قال:- سمعت أبا سليمان يقول: خطب رجل امرأة من أهل الموصل يقال لها: (المُوق) (٣). فقالت للرسول قل له: ما يسرني أنك لي عبد وجميع ما تملكه لي، وإنك شغلتني عن اللَّه طرفة عين.

стр. 880

الخامسة عشر: قال الربيع: بتُّ أنا ومحمد بن المنكدر، (١)، وثابت البناني (٢) عند ريحانة المجنونة فقامت أول الليل وهى تقول:- قام المحب إلى المؤمل قومة … كاد الفؤاد من السرور يطير فلما كان جوف الليل سمعتها وهى تقول:- لا تأنس بمن توحشك نظرته … فتمنعت من التذكار في الظلم واجهد وكد وكن في الليل ذا شجن … يسقيك كأس وداد العز والكرم فلما ذهب الليل نادت: واحزناه واسلباه. فقلت: بماذا؟ فقالت: ذهب الظلام بأنسه وبألفه … ليت الظلام بأنسه يتجدد السادسة عشر: عن بعض الصالحين قال: كنت متوجهًا من منى إلى عرفات، فلقيتني جارية عليها مسح من شعر، وقناع من صوف، وبيدها سبحة وعكاز. وعلى وجهها نور الطاعة والعبادة، وهى مهرولة في مشيتها تقول: اللَّه اللَّه. فقلت في نفسي: هذه جارية مدَّعية. فقالت: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ (٣). فعلمت أنها ولية للَّه تعالى ققلت لها: يا جارية كُلِّي بكلَّكِ مشغول. فقالت: يا مسكين وكُلِّي بكلك مبذول، ولكن ورائي من هو أصبى مني. فالتفت فلم أر أحدًا، فقالت بعلو صوتها يا مادي يا كذاب، ما هكذا فعل الأحباب بالأحباب.
следующие страницы →