← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فقال لها: اختاري. فقالت ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره. فأظهر لهم مقامات العبادة. فقالت: قد اخترنا خدمتك يا مولانا. فقال: وعزتي وجلالي لأشفعنكم غدًا فيمن عرفكم وخَدَمكُم. وفيهم يقال: تشاغل قوم بدنياهم … وقوم تخلوا لمولاهم فالذمَهُم باب مرضاته … وعن سائر الخلق أغناهم الثانية عشرة: عن أبي الحسن الشاذلي (١) قال: وقع لي تردد في بدايتي بين الانقطاع في البراري والرجوع إلى العمران، وصحبة العلماء والأخيار. فوصف لي وليٌّ في رأس الجبل فقصدته، فوصلت إليه بعد ما أمسيت. فقلت: ما أدخل عليه في هذا الليل إلى الصبح فبت على باب المغارة، فسمعته يقول من داخل المغارة: اللهم إن ناسا من عبادك سألوك أن تسخر لهم خلقك فسخرتهم لهم فرضوا عنك بذلك. وإني أسألك أن تعرج على خلقك حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك. فقلت: اسمعي يا نفس من أي بحر يغترف هذا الشيخ. فلما أصبحت دخلت فسلمت عليه، ومُلئت منه رعبا، وقلت له: يا سيدى كيف حالك؟. أما أمر التدبير والاختيار فأنا أعرفه وأنا فيه الآن، فلم ترد الرضا والتسليم، ولم تشكو ذلك فقال: أخاف أن يشغلني حلاوتهما عنه. فقلت يا سيدي: سمعتك تقول: اللهم إن أناسا من عبادك سألوك، وذكر ما سلف. فتبسم وقال: يابني عوض ما تقول: سخر لي، قل كن لي، من كان له يحتاج إلى شيء آخر، فما هذه الجناية. قلت لفظة: كان اللَّه لك، واللهم كُن لي. كلمة جامعة لكل مرغوب ومرهوب فلتلازم. الثالثة عشر: عن سري السقطي (٢) قال: كنت يومًا أتكلم بجامع المدينة،

стр. 877

فوقف علي شاب حسن الشباب، فاخر الثياب ومعه أصحابه. فسمعني أقول في وعظي: عجبا لضعيف كيف يعصي قويا، فتغير لونه وانصرف. فلما كان من الغد جلست في مجلس، وإذا به قد أقبل فسلم وصلى ركعتين وقال: يا سري سمعتك بالأمس تقول: عجبا لضعيف كيف يعصي قويا، فما معناه. فقلت: لا أقوى من اللَّه، ولا أضعف من العبد وهو يعصيه، فنهض فخرج. ثم أقبل من الغد وعليه ثوبان أبيضان، وليس معه أحد فقال: يا سري كيف الطريق إلى اللَّه؟ فقلت له: إن أردت العبادة فعليك بصيام النهار وقيام الليل. وإن أردت اللَّه، فاترك كل شيء سواه تصل إليه وليس إلا المساجد والخراب والمقابر. فقام وهو يقول: واللَّه لا سلكت إلا أصعب الطريق، وولى خارجا. فلما كان بعد أيام أتى إلى غلمان كثيرة فقالوا: ما فعل أحمد بن يزيد الكاتب؟ فقلت: لا أعرف إلا رجلا جاءني من صفته كذا وكذا، ولا أعلم حاله. فقالوا: باللَّه عليك متى عرفت حاله أخبرنا ودلنا على داره. فبقيت سنه لا أعرف له خبرًا. فبينما أنا ذات ليلة بعد العشاء الآخرة جالس في بيتي، وإذا بطارق يطرق الباب، فأذنت له بالدخول، فإذا أنا بالفتى عليه قطعة من كساء في وسطه، وأخرى على عاتقه، ومعه زنبيل فيه نوى. فقبل بين عيني وقال: يا سري أعتقك اللَّه من النار كما أعتقتني من رق الدنيا. فأومأت إلى صاحبي أن امض إلى أهله فأخبرهم فمضى فإذا زوجته جاءت ومعها ولده وغلمانه فدخلت، وألقت الولد في حجره، وعليه حُلي وحلل وقالت له.: يا سيدي أرملتني وأنت حي وأيتمت ولدك وأنت حي. قال سري: فنظر إلي، وقال: يا سري: ما هذا وفاء، ثم أقبل عليها وقال: واللَّه إنَّك لثمرة فؤادي وحبيبة قلبي، وأن هذا ولدي لأعز الخلق عليَّ، غير أن هذا سري أخبرني أن من أراد اللَّه قطع كل ما سواه.

стр. 878

ثم نزع ما على الصبي وقال ضعي هذا في الأكباد الجائعة والأجساد العارية وقطع قطعة من كسائه، فلف بها الصبي. فقالت المرأة: لا أرى ولدى في هذه الحالة وانتزعته منه. فحين رآها قد اشتغلت به نهض وقال: واللَّه ضيعتم ليلتي، بيني وبينكم اللَّه، وولى خارجًا وضجت الدار بالبكاء. فقالت: إن عدت يا سرى سمعت له خبرًا فأعلمني. فقلت: إن شاء اللَّه. فلما كان بعد أيام أتتني عجوز فقالت: يا سري بالشونيزية غلام يسألك الحضور. فمضيت فإذا به مطروح تحت رأسه لبنة. فسلمت عليه ففتح عينيه وقال: يا سري أترى تلك الجنايات غفرت؟ فقلت: نعم. قال: يغفر لمثلي (١)؟ قلت: نعم قال: أنا غريق. قلت: هو منجي الغرقاء. فقال: على مظالم. فقلت: في الخبر أنه يؤتى بالتائب يوم القيامة ومعه خصومه، فيقال لهم خلوا عنه فإن اللَّه تعالى يُعوضكم. فقال: يا سري معي دراهم من لقط النوى، إذا أنا مت فاشتري ما أحتاج إليه وكفني، ولا تُعلم أهلي لئلا يكفنوني بحرام. فجلست عنده قليلا، ففتح عينيه وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ (٢).

стр. 879

ثم مات، فأخذت الدراهم فاشثريت ما يحتاج إليه وسرت نحوه. فإذا الناس يهرعون. فقلت: ما الخبر؟ فقيل: مات وليٌّ من أولياء اللَّه نريد أن نصلي عليه. فجئت فغسلناه ودفناه. فلما كان بعد مدة قدم أهله يسألون خبره، فأخبرتهم بموته. فأقبلت امرأته باكية، فأخبرتها بحاله. فسألتني أن أريها قبره. فقلت: أخاف أن تُغيروا أكفانه. فقالت: لا واللَّه. فأريتها قبره، فبكت، وأمرت بإحضار شاهدين فأحضرا، فاعتقت جواريها، ووقفت عقارها وتصدقت بمالها، ولزمت قبره حتى ماتت. بانوا (١) الذين تجنبوا الأشغالا … بذلوا النفوس وأنفقوا الأموالا تركوا النساء كأنهن أرامل … قبل الممات وأيتموا الأطفالا وتجرعوا (٢) وتعطشوا وتضمروا … طلبوا السباق وخففوا الأثقالا وتعذبوا وتغربوا عن أهلهم … حذر الفوات وفككوا الأغلالا فطموا عن الدنيا نفوسا طال ما … كانت تتيه على النعيم دلالا خافوا البيات فشمَّروا بعزيمة … طلب النجاة وكابدا الأهوالا حتى إذا بليت فنى أجسادهم … ولقوا شجونا في السرى وكلالا وردوا جنان مليكهم فحباهم … رتبا تفوق الفرقدين مثالا الرابعة عشر: عن أحمد بن أبي الحواري قال:- سمعت أبا سليمان يقول: خطب رجل امرأة من أهل الموصل يقال لها: (المُوق) (٣). فقالت للرسول قل له: ما يسرني أنك لي عبد وجميع ما تملكه لي، وإنك شغلتني عن اللَّه طرفة عين.

стр. 880

الخامسة عشر: قال الربيع: بتُّ أنا ومحمد بن المنكدر، (١)، وثابت البناني (٢) عند ريحانة المجنونة فقامت أول الليل وهى تقول:- قام المحب إلى المؤمل قومة … كاد الفؤاد من السرور يطير فلما كان جوف الليل سمعتها وهى تقول:- لا تأنس بمن توحشك نظرته … فتمنعت من التذكار في الظلم واجهد وكد وكن في الليل ذا شجن … يسقيك كأس وداد العز والكرم فلما ذهب الليل نادت: واحزناه واسلباه. فقلت: بماذا؟ فقالت: ذهب الظلام بأنسه وبألفه … ليت الظلام بأنسه يتجدد السادسة عشر: عن بعض الصالحين قال: كنت متوجهًا من منى إلى عرفات، فلقيتني جارية عليها مسح من شعر، وقناع من صوف، وبيدها سبحة وعكاز. وعلى وجهها نور الطاعة والعبادة، وهى مهرولة في مشيتها تقول: اللَّه اللَّه. فقلت في نفسي: هذه جارية مدَّعية. فقالت: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ (٣). فعلمت أنها ولية للَّه تعالى ققلت لها: يا جارية كُلِّي بكلَّكِ مشغول. فقالت: يا مسكين وكُلِّي بكلك مبذول، ولكن ورائي من هو أصبى مني. فالتفت فلم أر أحدًا، فقالت بعلو صوتها يا مادي يا كذاب، ما هكذا فعل الأحباب بالأحباب.

стр. 881

أما الأولى: فإنك أسأت الظن بكلام رب الأرباب. أما لو جئت إليه وعرفته صدقا لأوقفك على بابه لما رأيناك من بعيد حسبناك عابدا. فلما رأيناك من قريب حسبناك عارفًا، فلما كلمتنا حسبناك عاشقا. ولو كنت عابدا له لما اشتغلت بغيره. ولو كنت عارفا به ما رجعت منه إلينا. ولو كنت عاشقا لنا ما رجعت منا إلى سوانا. ثم هربت عني مسرعة وهي تقول: ما مع اللَّه سوى اللَّه، حتى غابت عني (١). السابعة عشر: قال أبو سعيد الخراز نمت في البادية فكنت أقول: أتيهُ فلا أدري من التيه من أنا … سوى ما يقول الناس في وفي جنسي أتيهُ على جن البلاد وإنسها … فإن لم أجد شخصًا أتيه على نفسي فسمعت هاتفا يهتف بي يقول:- أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده … ويفرح بالتيه الدنيء وبالإنس فلو كنت من أهل الوجود وحقيقته … لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي وكنت بلا حال مع اللَّه واقفًا … تصان عن التذكار للجن والإنس

стр. 882

مجلس في الفرج بعد الشدة قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (١). وحديث ابن عمر في كشف الصخرة عن الثلاثة بصالح أعمالهم، (٢) مشهور وهو ثابت في الصحيح كما مر. وروينا عن علي بن حرب قال: خرجت أنا وبعض شباب الموصل إلى الشط، فركبنا في زورق. فلما بعدنا من البلد وتوسطنا الشط إذا سمكة كبيرة طفرت (٣) من الشط إلى وسط الزورق، فقام الشباب وتزلوا إلى حافة الشط ليجمعوا حطبا برسم السمكة، فنزلت معهم. فبينما نحن نمشي على جانب الشط، وإذا بالقرب منا خرابة. فذهبنا إليها نبصر آثارها، وإذا فيها شاب مكتوف وآخر مذبوح إلى جانبه، وبغل واقف عليه قماش فقلنا للشاب: ما قصتك؟ وما هذا المذبوح؟ فقال: إنني مكتر مع هذا المكاري، صاحب هذا البغل فعدل بي إلى هذا المكان وكتفنى كما ترون. وقال: لابد من قتلك فعاهدته اللَّه لا يظلمني ولا يربح إثمي، ولا يعد مني روحي، بل يأخذ القماش، وهو في حِل منه. وحلفت له باللَّه تعالى لا أغمز (٤) عليه أبدًا. ومازلت أناشده اللَّه تعالى، وهو ما يفعل.

стр. 883

فمدَّ يده إلى سكين كانت في وسطه فجذبها، فتعسرت عليه أن تخرج من غلافها. فما زال يجذبها إلى أن خرجت بصعوبة، فما أخطأت حلقه، فذبحته. فهو كما ترون، وأنا على حالتي هذه. قال: فحللنا كتافه وأعطيناه البغل والقماش. وراح، وعدنا إلى الذورق. فلما صعدنا طفرت السمكة إلى الشط. وهذا أعجب ما رأيت وسمعت. فسبحان اللطيف الخبير. ويحكى أن بعض الأخيار الأمناء استودعه بعض الملوك جوهرة نفيسة فوضعها ذلك الأمين في موضع في بيته. فظفر بها ابن له صغير، فضربها بحجر فانكسرت أربع فلق. فدخل على ذلك الرجل من الغم والخوف من الملك ما لا يطيق، وعزم على الهرب، فلقيه شخص فقال له أراك محزونًا. فذكر له قصته وما أصابه من الضيق والخوف. فعلمه هذه الأبيات الأربعة (١). فكم للَّه من لطف خفي … يدق خفاه عن فهم الذكي وكم يسر أتى من بعد عُسر … وفرج كربة القلب الشجي وكم أمر تساء به صباحا … وتأتيك المسرة بالعشى إذا ضاقت بك الأحوال يوما … فثق بالواحد الفرد العلى توسل بالنبي وصاحبيه … فما خاب من توسل بالنبي (٢) وقال: قلها وكررها، والفرج يأتيك من اللَّه تعالى ففعل ما أمره به. فبينما هو كذلك إذا برسول الملك قد جاء وقال: إن سرية الملك قد حدث بها وجع وقال الحكماء تكسر جوهرة أربع فلق وتطرح في ماء وتشربه. والملك يقول لك: انظر لنا صائغًا عارفًا يكسر الجوهرة التي عندك أربع فلق لا

стр. 884

تزيد ولا تنقص وأكد عليه في ذلك. فقال: السمع والطاعة. وانفرج عنه الكرب والغم، وذهب عنه الخوف والهم فحمد اللَّه وشكره على ما أولاه من النعم باللطف الخفي والكرم. ثم حمل تلك الفلق الأربع إلى الملك. فرأى الملك له صنيعًا في ذلك وإحسانًا، فأنعم عليه وأحسن إليه. فعاد بالجائزة مسرورًا آمنًا ما كان محذورًا. فسبحان اللطيف الرحمن الرحيم الذي يكشف الأحزان والثبور. ويخلفها بالإحسان والسرور. ما أقرب فرجه من المضطرين، ورحمته من المحسنين تبارك اللَّه رب العالمين. وعن بعضهم قال: كنت بجبل النور بالمصيصة. فدخل في رجلي عظم. فاجتهدت في نفسي كل الجهد أن أخرجه، فلم أقدر على ذلك، وبقي في رجلي أيامًا كثيرة حتى ورمت وانتفخت واسودت، وصارت مثل الزِّقُّ (١). فبقيت ملقى تحت شجرة، فغلبتني عيني. فنمت فوجدت راحة، ففتحت عيني، فإذا بحية سوداء، قد وضعت فمها على الموضع الذي فيه العظم. وجعلت تمُصُّه وترمي القيح والدم. فغمضت عينى فلم تزل تمُص وترمي الدم حتى وصلت إلى العظم، فحركته وأخرجته. ثم أحسست بشيء لين مسح على رجلي، فلا أدري ذلك لسانها أو ذَنَبُها. فجلست، فإذا أنا بالدم و العظم مطروح، وأنا لا أدري أي الرجلين كانت تؤلمني. والحمد للَّه على ذلك كثيرًا، فسبحان اللطيف الخبير الذي هو على كل شيء قدير. وقال الشيخ أبو حمزة الخراساني رحمه اللَّه تعالى: حججت سنة من السنين. فبينما أنا أمشي إذا وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث.

стр. 885

فقلت: لا واللَّه لا أستغيث، فما استتم هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعالى نسد رأس هذا البئر لئلا يقع فيها أحد. فأتوا بقصب وباريه (١)، وطمسوا رأس البئر. فهممت أن أصيح، ثم قلت في نفسي: إلى من هو أقرب منهما، فسكت. فبينما أن بعد ساعة إذا بشيء جاء وكشف عن رأس البئر وأدلى رجله وكأنه يقول تعلق في همهمة منه فتعلقت به، فأخرجني. فإذا هو سبع عظيم، فمرَّ. وهتف بي هاتف: يا أبا حمزة هذا أحسن، نجيناك من التلف بالتلف. فمشيت وأنا أقول: نهانى حيائي منك أن أكشف الهوى … وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف تلطفت في أمري فأبديت شاهدي … إلى غايبى واللطف يدرك باللطف تراءت لي بالغيب حتى كأنما … تبشرني بالغيب إنك بالكف أراك وبي من هيبتي لك وحشة … فتؤنسني باللطف منك وباللطف وتحيي محبًا أنت في الحب حتفه … وذا عجب كون الحياة مع الحتف وقد أنكر بعض السلف ﵏ في هذه الحكاية ما فعله الشيخ أبو حمزة المذكور وقال: لا يجوز هذا الفعل. وليس إنكاره بصحيح، لأن أبا حمزه المذكور صدر منه هذا، وقد منح يقينا كاملا وقلبًا شاهدا، وحالا غائبا. فعليه حاجزان (. . .) (٢) إلى غير مولاه، أو يرى معه سواه كما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه اللَّه تعالى: إنا لا نرى مع الحق من الخلق أحدًا، إن كان ولا بد فكالهباء في الهواء، يشتبه فلم نجده شيئًا. وكيف ينكر مثل هذا الحكاية على من صار فانيا عما سوى الحق صاحب قلب مشاهد، لا يرى في الملك والملكوت إلا من هو أقرب إليه من نفسه، كاشف الضر الإله الواحد. والعجب كل العجب أن هذا الذي أنكر له شاهد في الشرع الشريف. وذلك ما جاء أن إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام لما ألقي

стр. 886

في النار (١) عَرَض له جبريل ﷺ في الهواء بأمر اللَّه تعالى فقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. فقال: سل ربك. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، وقال: "حسبي اللَّه ونعم الوكيل" (٢). فهل كان هذا من سيدنا إبراهيم ﷺ إلا كمال يقين، ومقام رفيع مكين صلى اللَّه على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. وعن بعض أهل العلم قال: كنت أقرأ عند أبي بكر بن مجاهد المقرئ رحمه اللَّه تعالى، فدخل عليه شيخ عليه ثياب رثة. فسأله أبو بكر عن حال أولاده. فقال: يا أبا بكر جاءتني البارحة ابنة ثالثة. وطلب منى أهلي دانقا يشترون به سمنا وعسلا يحنكونها به، فلم أقدر عليه. فبت مهموما مغمومًا محزونًا، فرأيت النبي ﷺ في المنام (٣). فقال: "يا فلان لا تغتم ولا تحزن، إذا كان غدا أُدخل على علي بن عيسى وزير الخليفة، فأقرأ عليه مني السلام وقل له بعلامة إنك صليت عليَّ عند قبري أربعة آلاف مرة، يدفع لك مائة دينار عينًا. قال الداوودي: فقال أبو بكر: يا أبا عبد اللَّه في هذا فائدة، وقطع على القراءة، وأخذ بيد الشيخ ودخل على الوزير. فرأى الوزير مع ابن مجاهد شيخا لم يعرفه.

стр. 887

فقال له: من أين هذا يا أبا بكر؟ فقال: يُدنيه الوزير منه ويسمع كلامه. قال: فناداه وقال: ما خطبك أيها الشيخ؟ فقال: إن أبا بكر يعلم أن لي ابنتين وجاءتني البارحة ابنة ثالثة، فطلب منى أهلى دانقًا يشترون به سمنا وعسلا يحنكونها به، فلم أقدر عليه، فبت مهموما مغمومًا. فرأيت النبي ﷺ في المنام وهو يقول لي كذا وكذا، وذكر ما تقدم. قال: فاغرورقت عينا علي بن عيسى بالدموع وقال: صدق اللَّه ورسوله، وصدقت أنت يا رجل، هذا شيء ما كان علم به إلا اللَّه ورسوله يا غلام هات الكيس. فأحضره بين يديه، فأخرج منه ثلاثمائة دينار. وقال: هذه المائة التي قال لك عنها رسول اللَّه ﷺ . وهذه مائة أخرى هدية، فخرج الرجل ومعه ثلاثمائة دينار، وقد زال عنه همه وغمه وحزنه. وعن بعضهم قال: سافرت إلى العراق على قصد السياحة ورؤية المشايخ. فرأيت مدينة، فمشيت نحوها، وقصدت مكانًا آوي إليه، فآويت إلى خربة طرف المدينة فيها أثمار دائرة. فجلست قليلا، ثم نامت عيناى، فهتف بى هاتف في المنام. وقال لي: قم إلى جانبك في الحائط خبيئة، فخذها فليس لها وارث، وهي ملكك. فاستيقظت ونظرت إلى جانبي عصا، فحفرت بها في المكان قليلا، فوجدت خرقة ففتحتها، فوجدت فيها خمسمائة دينار فصررتها في طرف ثوبي. وخرجت من ذلك المكان، ففكرت فيما أفعل فيها. فقلت: أُنفق منها على الفقراء. ثم قلت: اشترى بها حوانيت وأوقفها على الفقراء وخطر لي غير ذلك. فنمت تلك الليلة، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فسلم علي وقال: يا فقير، إرادة وطلب زيادة من الدنيا، لا يكونان معًا. ثم جمع السبابة والوسطى، ثم قال لي: امض بما معك إلى الشيخ أبي العباس من أهل الجزيرة الخضراء إلى بغداد في مسجد كذا وكذا وسلمها إليه.

стр. 888

قال: فانتبهت من منامي ووجدت وضوءا ثم صليت وخرجت من ساعتي إلى بغداد. فوصلت إلى الشيخ في المكان الذي هو فيه فاجتمعت به وكتمتها وأخبرته بالقصة. فقال: منذ كم قيل لك هذا؟ قال: منذ سبع ليال، وقال لي: إذا وصل إليك فقير ومعه رسالة فاقبلها منه وتصرف فيها. ثم قال: يا بني إن لنا سبعة أيام لم يكن عندنا ما نقتات به، ولإنسان علينا دين قد ألح في طلبه، وقد سد اللَّه هذه الفاقة على يديك ثم قال لي: سألتك باللَّه أن تقيم عندنا، وإحدى بناتي هدية إليك. فقلت يا شيخ وكيف لي بذلك، ولكني مشغول بما شغلني اللَّه به، وقد أخبرتك بما أخبرني النبي ﷺ ، فقال لي: الضيافة ثلاثة أيام (١). فقلت: نعم. فأقمت عنده ثلاثة أيام لا يفارقني إلا في وقت يتصرف فيه، ثم ودعته وانصرفت رحمهما اللَّه تعالى. وعن بعض الصالحين ﵀ قال: بينما أنا أطوف بالكعبة إذا أنا بجارية على عنقها طفل، وهى تنادي: يا كريم عهدك القديم. قال: فقلت لها: ما هذا العهد الذي بينك وبينه. قالت: ركبت سفينة ومعنا قوم من التجار، فعصفت بنا ريح، فغرقت السفينة وجميع من فيها، ولم ينج منهم أحد غيري، وهذا الطفل في حجري على لوح ورجل أسود على لوح آخر. فلما أضاء النهار، ونظر الأسود إلي وجعل يدفع الماء بيده حتى لصق بي

стр. 889

فاستوى معا على اللوح وجعل يراودني عن نفسي. فقلت له: يا عبد اللَّه أما تخاف اللَّه تعالى نحن في بلية نرجوا الخلاص منها بطاعته فكيف بمعصيته. فقال: دعي هذا فواللَّه لا بُد لي من هذا الأمر. قالت: وكان هذا الطفل نائما في حجري فقرصته قرصة فاستيقظ وبكى، فقلت له: يا عبد اللَّه دعني أُنوِّم هذا الطفل ويكون من أمرنا ما قدر اللَّه علينا فمد الأسود يده إلى الطفل ورمى به في البحر فرمقت بطرفي السماء وقلت: يا من يحول بين المرء وقلبه حل بيني وبين هذا الأسود بحولك وقوتك إنك على كل شيء قدير. فواللَّه ما استوعبت الكلام حتى ظهرت دابة من دواب البحر، ففتحت فاها، والتقمت الأسود وخاضت به في البحر وعصمني اللَّه منه بحوله وقوته، وهو القادر على ما يشاء . قالت: ومازالت الأمواج تدفعنى من كل جانب حتى رمتنى إلى جزيرة من جزائر البحر. فقلت في نفسي آكل من بقلها وأشرب من مائها حتى يأتي اللَّه بأمره، ولا فرج لي إلا منه. فمكثت أربعة أيام. فلما كان في اليوم الخامس لاحت لي سفينة على بعد، فعلوت على كل شيء وأشرت إليهم بثوب كان عليّ، فخرج ثلاثة منهم في زورق. فركبت معهم. فلما دخلت السفينة الكبرى إذا بهذا الطفل الذي رمى به الأسود في البحر عند رجل منهم. فلم أتمالك أن تراميت عليه. فقال لي أهل السفينة: مجنونة أنت أم خَبَل عقلك. فقلت: واللَّه ما أنا مجنونة ولا خَبَل عقلي، ولكن جرى كيت وكيت، وذكرت لهم القصة إلى آخرها، فلما سمعوا ذلك مني أطرقوا رؤوسهم وقالوا: يا جارية قد أخبرتينا بأمر تعجبنا منه، ونحن أيضًا نخبرك بأمر تتعجبي منه. بينما نحن نجري بريح طيبة إذا بدابة قد اعترضتنا ووقفت أمامنا، وهذا الطفل على ظهرها، وإذا مناد ينادي إن لم تأخذوا هذا الطفل من ظهرها وإلا هلكتم، فصعد خدمنا على ظهرها وأخذوا الطفل.

стр. 890

فلما دخل به في السفينة غاصت الدابة في البحر. وقد تعجبنا من هذا الأمر ومما أخبرتينا به. وقد عاهدنا اللَّه تعالى أن لا يرانا على معصية بعد هذا اليوم. قالت: فتابوا عن آخرهم. فسبحان اللطيف جميل العوائد، سبحان مدرك الملهوف (١) عند الشدائد. وفي هذا المعنى قيل: يا مدركًا بسريع اللطف والفرج … عنها الشدائد للملهوف ذي الحرج كلمحة الطرف بل أدنى تُغيث به … ولو في قعر بحر وجوف الحوت في اللجج (٢) عوائد منك يا رحمن جارية … عن جميل ندا معروفك النهج عودتنا وكم عودت من نعم … وكم بعونك بعد البؤس منتهج فالخير منك تراه غير منقطع … والشر لسنا نراه غير منفرج لك المحامد يا محمود أجمعها … هديتنا دين حق غير ذي عوج (٣) بأحمد المصطفى صلى الإله على … بدر الدُّجى (٤) مع نجوم بعده سرج ولبعضهم في معنى هذه الحكاية: فإذا ابتليت بشدَّة فاصبر لها … صبر الكريم فما يدوم مقامها فلرُبَّ يوم نازلتك خطوبة (٥) … ثم انجلى قبل الظلام ظلامها فاللَّه يبكي كي يثيب فلا تضق … ذرعًا بنازلة جرت أحكامها ولئن جزعت فليس ذاك بنافع … إن الأمور قضى بها علَّامها ولبعضهم: إن خانك الدهر واشتدت نوائبه (٦) … فإن للَّه أنواعًا من الفرج

стр. 891

فشق بربك أن تأتيك نائبة … فإنه ينقذ الغرقاء مع السابح ولبعضهم: فلا تجزع لريب الدهر واصبر … فإن الصبر في العقبى (١) سليم فما جزع بمغن عنك شيئًا … ولا ما فات ترجعه الهموم إذا ضاق الخناق فكن صبورا … كريمًا فالشدائد لا تدوم فبالصبر الجميل تنال أجرًا … وتفضي بعد ذاك لمّا تروم (٢) فكم من محنة عظُمت ودامت … وفات (٣) مواصل وجنا حميم أتى فرج الإله لها صباحًا … فما أمست وأقلعت الغموم فسلم والذي أبلى يعافي … وثق باللَّه فهو بنا عليم رحيم فصل في فضل البكاء من خشية اللَّه تعالى قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (٤). أي لأنه أولًا يشتمل على التهديد والإنذار المفتت للأكباد، وخوف النار، ورهبة من الجبار. وثانيًا مشتمل على الجلال والجمال والكمال والنوال والملك والحكمة والعدل والتدبير، والفردانية والوحدانية، وغير ذلك من الصفات الأحدية مما توجب الحسنة والخشوع والشوق إليه وإلى دار كرامته دار الحبور، وإلى رضوانه الذي إذا حل زال الكدر، وحصل الصفا، وزال الضجر.

стр. 892

وثالثًا: مُشعر بالقرب، أو وصول الأثر، يؤذن بالوصول والظفر. ولذلك استشرق الكليم لما كلَّم ربه، وذاق لذة التكليم، فلم يُقر قراره حتى قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (١). ها أنا قد مددت يدي إليك والكلام مذكر بالمتكلم وبه يتجلى المحاسن فيخرون إذ ذاك للأذقان يبكون من الخشية والاشتياق إليه، ويتضرعون. وقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠)﴾ (٢). فالغافل عن البكاء مذموم سماعه واستمرار سموده هو غاية لمرامه. فاللهو المنافي للخشوع عن الشوق والمهابة والخضوع مناف للإقبال على المطلوب مؤذن بعدم الإقبال على المحبوب، فليس سواء عالم وجهول. وروينا في الصحيحين من حديث ابن مسعود (٣) قال: قال لي النبي ﷺ : "اقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يا رسول اللَّه، أقرأ عليك وعليك أنزل؟. قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري" فقرأت النساء حتى إذا بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ (٤)، قال: "حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تهملان بالدموع" (٥). فيه القراءة على أكبر أكابر الأولياء، وذرف المدامع. وروينا فيهما أيضًا من حديث أنس قال: خطب رسول اللَّه ﷺ خطبة ما سمعت

стр. 893

مثلها قطُّ، قال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا". قال: فغطى أصحاب رسول اللَّه ﷺ وجوههم لهم خنين" (١). أي وهو بالخاء المعجمة: (٢) وهو البكاء مع غُنَّة وانتشاق الصوت من الأنف. وهو دال على أنه لا يقدر قدره من (. . . .) (٣). قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ (٤). وروينا في جامع الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يلج النار رجل بكى من خشية اللَّه حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل اللَّه ودخان جهنم" (٥). وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سبعة يظلهم اللَّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلَّا ظله، إمام عادل. . . . " (٦).

стр. 894

وذكر منهم: "ورجل ذكر اللَّه خاليًا ففاضت عيناه" (١). فمن فائدة البكاء من ذكر اللَّه لخوف أو خشية أو شوق أو غيره. أن اللَّه يُظل صاحبه في ظلّه المنيع الحريز. وروينا في أبي داود، وشمائل الترمذي بإسناد صحيح من حديث عبد اللَّه بن الشخير قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز الرَّحى من البكاء" (٢). وروينا في الصحيحين من حديث أنس أنه ﷺ قال لأُبي بن كعب "إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]. قال: وسمّاني؟ قال: "نعم". فبكى (٣). قلت: وهذا البكاء سببه الهيمان أي عدم التمالك لعدم الفضل، واللطف مع غاية البعد عن استحقاق مثله عن توهم التأهيل له كما يدل عليه قوله: وسمَّاني. وروينا في صحيح مسلم من حديثه أيضًا قال أبو بكر لعمر بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول اللَّه ﷺ يزورها (٤) فلما انتهينا

стр. 895

إليها بكت. فقلنا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند اللَّه خير لرسوله. قالت: لكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها (١). ففيه الخوف على الحبيب والاستيحاش من غيبته، وانقطاع أثاره. وروينا في الصحيحين (٢) من حديث ابن عمر قال: لما اشتد برسول اللَّه ﷺ وجعه قيل له في الصلاة. فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غَلَبه البكاء. فقال: "مروه فليصل" (٣). وفي رواية لهما عن عائشة قالت: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء. وفيه رقة القلب، وشهود منازل الأحباب فقرَّ منهم. كفى حزنا بالواله الصَّب أن يرى … منازل من يهوى معطلة فقر يعز علينا أن نرى ربعكم بلى … وكانت به أيام حُسنكم تترا

стр. 896

وروينا في صحيح البخاري من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (١) أن والده أتى بطعام، وكان صائمًا. فقال: قُتِلَ مصعب بن عمير، وهو خير مني، فلم يوجد له ما يُكفن به إلَّا بُردة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه وأراه قال: قُتل حمزة وهو خير مني، ثم بُسط لنا من الدنيا ما بُسط -أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا- وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام (٢). ففيه (عشر) (٣) مخالفة الأحباب خوف مواقعة الأعداء فيوقع في العذاب. وروينا في جامع الترمذي (٤) وقال: حسن من حديث أبي أمامة مرفوعًا: ليس شيء أحب إلى اللَّه من قطرتين أو أثرين: قطرة من دموع في خشية اللَّه، وقطرة دم تهراق في سبيل اللَّه. وأما الأثران: فأثر في سبيل اللَّه، وأثر فريضة من فرائض اللَّه. وفيه بيان مرتبته، وأن الغاية إذا قرنت بإراقة الدم له، وعُبِّرَ عنها بما سلف. وقد سلف في باب (. . .) (٥) حديث العرباض (٦): وعظنا رسول اللَّه ﷺ موعظة

стр. 897

ذرفت منها العيون. ومدار هذه الأحاديث على بيان هذا، ومحله وصفته وخاصته، وفائدته ومواطنه الفاضلة. وما ليس بمانع له وأسبابه ومهيجاته ومرتبته عند اللَّه وإثارته بالمواعظ البليغة. وأشباه ذلك فتأمله.

стр. 898

مجلس في الجهاد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٢) الآية. وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (٤) الآية. فأبان فيها الجزاء المهم بأن لهم الجنة بقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾. وبقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ (٥). ثم غبطهم بباقي السورة، وياله بسرور في بيع مبرور. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٦).

стр. 899

فأبان فيها عن فضل المجاهدون بكل معنى ولطف زائد، بذلوا أموالهم وأنفسهم لإعلاء الإسلام فحصل لهم محبة الملك العلام. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (١) الآية. والآيات فيه كثيرة مشهورة. ولنذكر نبذة من الأحاديث مشتملة على بيان مرتبة الجهاد وأهله ورتبة الاستعداد له وأوانه وزمانه والمهم منه وأثاره وفضله، وأفضليته على العبادات ودرجات أهله في الجنة وبيان حال من رغب فيه وحرص عليه أو سعى إليه أو مسَّه غبار منه أو ساعد فيه، وبيان أجره وإجمالًا وتفصيلًا من دفع ونفع، وكرامة ورفعة ومباهاة وابتهاج، وأناله اللَّه ذلك كله لصادق في طلبه، وإن لم يستشهد. وبيان أقوال تناسبه، والترغيب فيما لا يتم إلَّا بها وذم من تركه إلا لعذر أو فعله غير مخلص ونقص أجر السالم الغانم. وبيان أنه سياحة المسلم، وترك التاسي بتلقينه وبيان أنواعه وأولى الأوقات به وبيان أعون شيء عليه. والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصر ونذكر منها ثمانية وستين حديثًا: أولها: حديث أبي هريرة ﵁ سئل رسول اللَّه ﷺ أي العمل أفضل؟ (٢) قال: "إيمان باللَّه ورسوله". قيل: ثم ماذا؟

стр. 900

قال: "الجهاد في سبيل اللَّه". قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" (١). أخرجاه. فتلاه بالإيمان وأخَّر الحج المبرور عنه لما فيه من إعلاء كلمة اللَّه وإذلال غير اللَّه. ثانيهما: حديث ابن مسعود ﵄ قال: قلت: يا رسول اللَّه أي العمل أحب إلى اللَّه؟ قال: "الصلاة على وقتها". قال: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" (٢). قال: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه" أخرجاه (٣). فتلاه بهما لأنه مقصود، وهما وسيلة. فالصلاة تعظيم لأمر اللَّه، والبّر شفقة على خلق اللَّه.

стр. 901

والجهاد دفع لأعداء اللَّه عن إيذاء خلق اللَّه وتهديم بيوت اللَّه. ثالثها: حديث أبي ذر ﵄ قال: قلت يا رسول اللَّه أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان باللَّه والجهاد في سبيله" (١). أخرجاه. فقرنه بالإيمان لما فيه من إظهار حب اللَّه وتعظيمه ومحو الكفر. رابعها: حديث أنس: "لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها" (٢). أخرجاه. خامسها: حديث أبي سعيد الخدري قال: أتى رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: أي الناس أفضل؟ قال: "مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه بنفسه وماله". قال: ثم مَنْ؟ قال: "مؤمن في شِعب من الشِّعاب، يعبد اللَّه ربه ويدع الناس من شرّه" (٣). أخرجاه. فقدم المجاهد على العابد (٤)، وفضل عليه بأنه رفع أشرارًا كثيرة، بخلاف

стр. 902

العابد، فإنه كفى شرَّه وحده. سادسها: حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "رباط يوم في سبيل اللَّه خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل اللَّه أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها" (١). أخرجاه. والمراد بالسوط الذي يحث به فرس الجهاد، أو يضرب به العدو. سابعها: حديث سلمان مرفوعًا: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمِنَ الفتَّان" (٢). أخرجاه. ثامنها: حديث فضالة بن عبيد مرفوعًا: "كل ميت يختم على عمله إلَّا المرابط في سبيل اللَّه، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر" (٣). رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح.

стр. 903

تاسعها: حديث عثمان مرفوعًا: "رباط يوم في سبيل اللَّه خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل" (١). رواه الترمذي وحسنه. عاشرها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "تَضمَّن اللَّه لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلَّا جهادًا في سبيلي، وإيمانًا بي، وتصديقًا برسلي، فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة (٢). والذي نفس محمد بيده ما من كَلْم يُكْلم في سبيل اللَّه إلَّا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلم، لونه لون دم، وريحه مسك (٣). والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل اللَّه أبدًا ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل اللَّه فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأقتل" (٤). رواه مسلم. وللبخاري بعضه. الكَلْم: الجرح، وكفى في شرفه قسم الشارع عليه وودّه لديه.

стр. 904

الحادي عشر: حديثه أيضًا مرفوعًا: "ما من مكْلُوم يُكلم في سبيل اللَّه إلا جاء يوم القيامة وكَلْمُه يدمي اللون لون دم، والريح ريح مسك" (١) أخرجاه. الثاني عشر: حديث معاذ مرفوعًا (٢): "من قاتل في سبيل اللَّه فُواق ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن سأل اللَّه القتل من نفسه صادقًا، ثم مات أو قتل، فإن له أجر شهيد" زاد ابن المصفى: "ومن جرح جرحًا في سبيل اللَّه أو نُكِب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، (ومن خرج به خُراج في سبيل اللَّه فإن عليه طابع الشهداء) (٣) ". رواه أبو داود، والترمذي وصححه. وعبر بالزعفران لأنه مفرح، أو لأن لونه لون الدم ولفظ الزعفران أحشم أو لأن الجروح تتفاوت بتفاوت مقاصد أربابها. الثالث عشر: حديث أبي هريرة قال: مرَّ رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ بشِعبٍ فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته لطيبها فقال: لو اعتزلت الناس (٤) فأقمت في هذا الشِعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول اللَّه ﷺ . فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: "لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل اللَّه أفضل

стр. 905

من صلاته في بيته سبعين عامًا ألا تحبون أن يغفر اللَّه لكم ويدخلكم الجنة اغزو في سبيل اللَّه، من قاتل في سبيل اللَّه فواق ناقة وجبت له الجنة" (١). رواه الترمذي وحسنه. والفواق: ما بين الحلبتين. الرابع عشر: عنه أيضًا: قيل يا رسول اللَّه ما يعدل الجهاد في سبيل اللَّه؟ قال: "لا تستطيعوه". فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا. كل ذلك يقول: "لا تستطيعونه". وقال في الثالثة: "مثل المجاهد (٢) في سبيل اللَّه كمثل الصائم القائم القانت بآيات اللَّه، لا يفتر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل اللَّه" (٣). أخرجاه، واللفظ لمسلم. وفي رواية للبخاري: "أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه دُلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: "لا أجد". ثم قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر". قال: ومن يستطيع ذلك؟ (٤).

стр. 906

الخامس عشر: عنه أيضًا مرفوعًا: "من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللَّه يطير على متنه، كُلَّما سمع هيعة، أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّهُ (١)، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلَّا في خير" (٢). أخرجه مسلم. السادس عشر: عنه مرفوعًا: "إن في الجنة مائة درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" (٣). أخرجه البخاري. السابع عشر: حديث أبي سعيد مرفوعًا: "من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا وجبت له الجنة" فعجب لها أبو سعيد، فقال أعِدْهَا عليَّ يا رسول اللَّه، ففعل. ثم قال: "وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض". قال: وما هي يا رسول اللَّه؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه، الجهاد في سبيل اللَّه" (٤).

стр. 907

الثامن عشر: حديث أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه مرفوعًا (١): "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف" (٢)، فقام رجل رثّ الهيئة فقال: يا أبا موسى أنت سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول هذا؟ قال: نعم، قال: فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه (٣) فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قُتل. التاسع عشر: حديث أبي عبس عبد الرحمن بن جبر قال: قال رسول اللَّه ﷺ (٤): "ما اغبرَّت قدما عبد في سبيل اللَّه فتمسه النار". أخرجه البخاري. العشرون: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يلج النار رجل بكى من خشية اللَّه حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل اللَّه ودخان جهنم" (٥). رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. أي أنه بعيد عن مسّها. الحادي بعد العشرين: حديث ابن عباس سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "عينان لا تمسّهما النار عين بكت من خشية اللَّه وعين باتت تحرس في سبيل اللَّه" (٦).

стр. 908

رواه الترمذي وحسَّنه. فبكاء العين جوهرها الكثيف، وحراستها عبادة شعاعها اللطيف. وأيضًا الدمع دفعة باطنها، والشعاع دفعه ظاهرها. الثاني بعد العشرين: حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: "من جهز غازيًا في سبيل اللَّه فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله فقد غزا" (١). أخرجاه (٢). الثالث بعد العشرين: حديث أبي أمامة مرفوعًا: "أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل اللَّه ومنيحة خادم في سبيل اللَّه، أو طروقة فحل في سبيل اللَّه" (٣). رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. الرابع بعد العشرين: حديث أنس أن فتى من أسلم قال: يا رسول اللَّه إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز. فقال: "ائت فلانًا فإنه قد كان تجهز فمرض" (٤).

стр. 909

فأتاه فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يقرئك السلام ويقول: "أعطني الذي تجهزت به". قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئًا، فواللَّه لا تحبسي منه شيئًا فيبارك لك فيه (١). أخرجه مسلم. الخامس بعد العشرين: حديث أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه ﷺ (٢) بعث إلى بني لحيان (٣) فقال: "لينبعث من كل رجلين رجل"، ثم قال للقاعد: "أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج". وهذه الرواية يحتمل أن تكون بيانًا للرواية الأولى. ويحتمل أن يكون النصف لأجل إعانته له مع أجره الكامل لأجل قعوده لمهمات البلد. السادس بعد العشرين: حديث البراء: أتى النبي ﷺ رجل مقنَّع بالحديد. فقال (٤): يا رسول اللَّه أُقاتل وأُسلم؟ قال: "أسلم ثم قاتل". فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول اللَّه ﷺ "عَمِلَ قليلًا وأُجر كثيرًا". أخرجاه، واللفظ للبخاري. السابع بعد العشرين: حديث أنس أن النبي ﷺ قال: "ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع

стр. 910

إلى الدنيا فيقتل عشر مرات (١)، لما يرى من الكرامة" (٢). وفي لفظ: "لِمَا يرى من فضل الشهادة" (٣). أخرجاه. الثامن بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "يغفر للشهيد كل شيء إلَّا الدين" أخرجه مسلم (٤). وفي رواية له: "القتل في سبيل اللَّه يُكفر كل شيء إلَّا الدين" (٥). التاسع بعد العشرين: حديث أبي قتادة أن رسول اللَّه ﷺ قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل اللَّه والإيمان باللَّه أفضل الأعمال فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه أرأيت إن قُتلت في سبيل اللَّه تُكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "نعم إن قتلت في سبيل اللَّه وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر" (٦). ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف قلت"؟

стр. 911

قال: أرأيت إن قُتلت في سبيل اللَّه أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم وأنت صابر محتسب، مُقبل غير مدبر، إلَّا الدين فإن جبريل ﷺ قال لي ذلك" (١). أخرجه مسلم. وفيه الاهتمام بأمر الدين. الثلاثون: حديث جابر قال: قال رجل: أين أنا يا رسول اللَّه إن قتلت؟ قال: "في الجنة". فألقى تمرات كُنَّ في يده، ثم قاتل حتى قُتل" (٢). أخرجه مسلم أيضًا. الحادي بعد الثلاثين: حديث أنس: انطلق رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" (٣). فدنا المشركون فقال رسول اللَّه ﷺ : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض". قال: يقول ابن الحمام الأنصاري: يا رسول اللَّه جنَّة عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم". قال: بخٍ بخٍ، فقال رسول اللَّه ﷺ "ما يحملك على قول بَخٍ بَخٍ". قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه إلَّا رجاءة أن أكون من أهلها.

стр. 912

قال: "فإنك من أهلها" (١). فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل (٢). أخرجه مسلم. القرن: بفتح القاف والراء هو جُعبة النشاب. الثاني بعد الثلاثين: حديثه أيضًا: جاء أُناس إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: أن ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسُّنُّة. فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم القُراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل يتعلمون وكانوا (٣) بالنهار يجيثون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصُّفَّة (٤)، وللفقراء. فبعثهم النبي ﷺ إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان.

стр. 913

فقالوا: اللهم بلغ عنَّا نبينا أنَّا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا. قال: وأتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه. فقال حرام: فُزت ورب الكعبة. فقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "إن إخوانكم قد قُتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنَّا نبينا، أنَّا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا" (١). أخرجاه، واللفظ لمسلم. وما أعظم هذه النفس (والادلال) (٢) وأنفس هذه المكانة وأعظم بتقريرهم عليها. الثالث بعد الثلاثين: حديثه أيضًا قال: غاب عمي أنس في قتال بدر. . . الحديث (٣). وقد سلف في المجاهدة. الرابع بعد الثلاثين: حديث سمرة مرفوعًا: "رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل، لم أر قط أحسن منها، قالا: أما هذه الدار فدار الشهداء" (٤). أخرجه البخاري. وفيه طول يأتي في مجلس الكذب. الخامس بعد الثلاثين: عن أنس ﵄ أن أم الربيع بنت البراء، وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت يا نبي اللَّه ألا تحدثني عن حارثة -وكان قُتل يوم بدر (٥) أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك

стр. 914

اجتهدت عليه في البكاء. قال: "يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" (١). أخرجه البخاري. السادس بعد الثلاثين: حديث جابر قال: جيء بأبي إلى النبي ﷺ وقد مُثِّل به ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة. فقيل: ابنة عمرو - أو أخت عمرو. فقال: "لِمَ تبكي -أو لا تبكي- ما زالت الملائكة تُظله بأجنحتها" (٢). أخرجاه. وهذا إبهاج عجيب فالملائكة لا يعصون ويبادرون إلى ما يؤمرون. السابع بعد الثلاثين: حديث سهل بن حنيف مرفوعًا: "من سأل اللَّه تعالى الشهادة بصدق بلَّغه اللَّه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" (٣). الثامن بعد الثلاثين: حديث أنس مرفوعًا: "من طلب الشهادة صادقًا أُعطيها، ولو لم تُصبه" (٤). أخرجهما.

стр. 915

التاسع بعده: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما يجد الشهيد من مسّ القتل إلّا كما يجد من مسّ القرصة" (١). رواه الترمذي وصححه. الأربعون: حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى أن رسول اللَّه ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر حتى إذا مالت الشمس، قام فيهم فقال: "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو (٢) واسألوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". ثم قام النبي ﷺ وقال: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم" (٣). أخرجاه. فليحتفل بهذا الدعاء، فإن الدعاء سلاح المؤمن. الحديث الحادي بعده: حديث سهل مرفوعًا: "ثنتان لا تُردان، وقلَّ ما تُردان، الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلجم بعضهم بعضًا". رواه أبو داود بإسناد صحيح (٤).
следующие страницы →