← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قال: أرأيت إن قُتلت في سبيل اللَّه أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم وأنت صابر محتسب، مُقبل غير مدبر، إلَّا الدين فإن جبريل ﷺ قال لي ذلك" (١). أخرجه مسلم. وفيه الاهتمام بأمر الدين. الثلاثون: حديث جابر قال: قال رجل: أين أنا يا رسول اللَّه إن قتلت؟ قال: "في الجنة". فألقى تمرات كُنَّ في يده، ثم قاتل حتى قُتل" (٢). أخرجه مسلم أيضًا. الحادي بعد الثلاثين: حديث أنس: انطلق رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" (٣). فدنا المشركون فقال رسول اللَّه ﷺ : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض". قال: يقول ابن الحمام الأنصاري: يا رسول اللَّه جنَّة عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم". قال: بخٍ بخٍ، فقال رسول اللَّه ﷺ "ما يحملك على قول بَخٍ بَخٍ". قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه إلَّا رجاءة أن أكون من أهلها.

стр. 912

قال: "فإنك من أهلها" (١). فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل (٢). أخرجه مسلم. القرن: بفتح القاف والراء هو جُعبة النشاب. الثاني بعد الثلاثين: حديثه أيضًا: جاء أُناس إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: أن ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسُّنُّة. فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم القُراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل يتعلمون وكانوا (٣) بالنهار يجيثون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصُّفَّة (٤)، وللفقراء. فبعثهم النبي ﷺ إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان.

стр. 913

فقالوا: اللهم بلغ عنَّا نبينا أنَّا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا. قال: وأتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه. فقال حرام: فُزت ورب الكعبة. فقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "إن إخوانكم قد قُتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنَّا نبينا، أنَّا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا" (١). أخرجاه، واللفظ لمسلم. وما أعظم هذه النفس (والادلال) (٢) وأنفس هذه المكانة وأعظم بتقريرهم عليها. الثالث بعد الثلاثين: حديثه أيضًا قال: غاب عمي أنس في قتال بدر. . . الحديث (٣). وقد سلف في المجاهدة. الرابع بعد الثلاثين: حديث سمرة مرفوعًا: "رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل، لم أر قط أحسن منها، قالا: أما هذه الدار فدار الشهداء" (٤). أخرجه البخاري. وفيه طول يأتي في مجلس الكذب. الخامس بعد الثلاثين: عن أنس ﵄ أن أم الربيع بنت البراء، وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت يا نبي اللَّه ألا تحدثني عن حارثة -وكان قُتل يوم بدر (٥) أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك

стр. 914

اجتهدت عليه في البكاء. قال: "يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" (١). أخرجه البخاري. السادس بعد الثلاثين: حديث جابر قال: جيء بأبي إلى النبي ﷺ وقد مُثِّل به ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة. فقيل: ابنة عمرو - أو أخت عمرو. فقال: "لِمَ تبكي -أو لا تبكي- ما زالت الملائكة تُظله بأجنحتها" (٢). أخرجاه. وهذا إبهاج عجيب فالملائكة لا يعصون ويبادرون إلى ما يؤمرون. السابع بعد الثلاثين: حديث سهل بن حنيف مرفوعًا: "من سأل اللَّه تعالى الشهادة بصدق بلَّغه اللَّه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" (٣). الثامن بعد الثلاثين: حديث أنس مرفوعًا: "من طلب الشهادة صادقًا أُعطيها، ولو لم تُصبه" (٤). أخرجهما.

стр. 915

التاسع بعده: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما يجد الشهيد من مسّ القتل إلّا كما يجد من مسّ القرصة" (١). رواه الترمذي وصححه. الأربعون: حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى أن رسول اللَّه ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر حتى إذا مالت الشمس، قام فيهم فقال: "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو (٢) واسألوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". ثم قام النبي ﷺ وقال: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم" (٣). أخرجاه. فليحتفل بهذا الدعاء، فإن الدعاء سلاح المؤمن. الحديث الحادي بعده: حديث سهل مرفوعًا: "ثنتان لا تُردان، وقلَّ ما تُردان، الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلجم بعضهم بعضًا". رواه أبو داود بإسناد صحيح (٤).

стр. 916

الحديث الثاني بعده: حديث أنس كان رسول اللَّه ﷺ إذا غزا قال: "اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول، وبك أصول وبك أقاتل" (١). رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه. الثالث بعده: حديث أبي موسى أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: "اللهم إنَّا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم" (٢). رواه أبو داود بإسناد صحيح. الرابع بعده: حديث ابن عمر مرفوعًا: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" (٣). أخرجاه. الخامس بعده: حديث عروة (٤) مرفوعًا: مثله بزيادة "الأجر والمقيم" (٥) أخرجاه. السادس بعده: حديث أبي هريرة ﵁: "من احتبس فرسًا في سبيل اللَّه إيمانًا باللَّه، وتصديقًا بوعده، فإن شبعه، وريَّهُ وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" (٦) أخرجه البخاري.

стр. 917

السابع بعده: حديث أبي مسعود: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة" (١) أخرجه مسلم (٢). الثامن بعده: حديث عقبة مرفوعًا: سمعت رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر يقول: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي" ثلاثًا. أخرجه مسلم (٣). التاسع بعده: حديثه أيضًا مرفوعًا: "ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم اللَّه فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه" أخرجه مسلم (٤). الخمسون: حديثه أيضًا مرفوعًا: "من عَلِمَ الرمي ثم تركه فليس منا، أو فقد عصى" (٥). أخرجه مسلم (٦).

стр. 918

الحادي بعده: حديثه أيضًا مرفوعًا: "إن اللَّه يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومُنْبِلَهُ، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا ليس من اللهو إلَّا ثلاث: تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله، ورميُهُ بقوسه ونبلهِ، ومن ترك الرمي بعد ما عَلِمَه رغبة عنه، فإنها نعمة تركها" أو قال: "كفرها" (١) أخرجه أبو داود. الثاني بعده: حديث سلمة بن الأكوع قال: مرّ النبي ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون فقال النبي ﷺ : "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا". أخرجه البخاري. فالعرب أحق بوراثة أبيهم من كل أحد. فالانتضال كان شأن خير أمة في خير القرون. الثالث بعده: حديث عمرو بن عبسة مرفوعًا: "من رمى بسهم في سبيل اللَّه فهو له عدل مُحرَّرٍ" (٢). رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. ومن المعلوم أن اللَّه يعتق من النار بكل عضو منها عضوًا من المحرر لها. الرابع بعده: حديث خريم بن فاتك مرفوعًا: "من أنفق نفقة في سبيل اللَّه كُتِب له بسبعمائة ضعف" (٣). رواه الترمذي وحسنه.

стр. 919

وناهيك به، ومثله قوله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] الآية. الخامس بعده: حديث أبي سعيد مرفوعًا: "ما من عبد يصوم يومًا في سبيل اللَّه إلَّا باعد اللَّه بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا" (١) أخرجاه. السادس بعده: حديث أبي أمامة مرفوعًا: "من صام يومًا في سبيل اللَّه جعل اللَّه بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض" (٢). رواه الترمذي (٣)، وقال: حسن صحيح. السابع بعده: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من مات ولم يغزو ولم يُحدِّث نفسه بغزو مات على شُعبة من نفاق" (٤) أخرجه مسلم. وأي مصيبة أعظم من شُعبة من نفاق. الثامن بعده: حديث جابر: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزاة فقال: "إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم حبسهم المرض" (٥).

стр. 920

وفي لفظ "العذر". وفي لفظ: "إلَّا شركوكم في الأجر". رواه مسلم. وأخرجه البخاري (١) من حديث أنس. التاسع بعده: حديث أبي موسى: أن أعرابيًا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذكر (٢)، والرجل يقاتل ليرى مكانه. وفي لفظ: يقاتل شجاعة، ويقاتل حميَّة. وفي لفظ: ويُقاتل غضبًا. فمن في سبيل اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه" (٣). الستون: حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "ما من غازية أو سرية تغزو فتغنيم وتسلم إلَّا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سريَّة تخفق وتصاب إلا تم أجورهم" (٤). أخرجه مسلم. الحادي بعده: حديث أبي أمامة: أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه ائذن لي في السياحة. قال النبي ﷺ : "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل اللَّه" (٥). رواه أبو داود بإسناد جيد.

стр. 921

الثاني بعده: حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "قفلة كغزوة" (١). رواه أبو داود بإسناد جيد. والقفلة: الرجوع من الغزو بعد فراغه. ومعناه أنه يثاب في رجوعه أيضًا. الثالث بعده: حديث السائب بن زيد قال: لما قدم رسول اللَّه ﷺ من غزوة تبوك تلقاه الناس تلقية مع الصبيان على ثنية الوداع" (٢). رواه أبو داود بإسناد صحيح كذلك. والبخاري قال: "ذهبنا نتلقى رسول اللَّه ﷺ مع الصبيان إلى ثنية الوداع" (٣). الرابع بعده: حديث أبي أمامة مرفوعًا: "من لم يغز أو يُجهِّز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير، أصابه اللَّه بقارعة" قال يزيد بن عبد ربه في حديثه: "قبل يوم القيامة". رواه أبو داود (٤) بإسناد صحيح. والقارعة تكون في النفس أو المال دون الإيمان وإلَّا فما أشده. الخامس بعده: حديث أنس مرفوعًا: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (٥).

стр. 922

رواه أبو داود بإسناد صحيح. السادس بعده: حديث النعمان بن مقرن قال: شهدت رسول اللَّه ﷺ إذا لم يقاتل من أول النهار أخَّرَ القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر" (١). رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. وقوله: وينزل النصر. فيه إشعار بشيوعه بينهم. السابع بعده: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم صابروا واصبروا" (٢). أخرجاه. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨]. الثامن بعده: عنه وعن جابر مرفوعًا: "الحرب خدعة" (٣) أخرجاه. فرب حيلة أدفع من قبيلة.

стр. 923

فصل في بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسَّلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "الشهداء خمسة، المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل اللَّه" (١). أخرجاه. وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا (٢): "ما تعدون الشهداء فيكم" قالوا: يا رسول اللَّه من قتل في سبيل اللَّه فهو شهيد. قال: "إن شهداء أمتي إذًا لقليل". قالوا: فمن هم يا رسول اللَّه. قال: "من قتل في سبيل اللَّه فهو شهيد، ومن مات في سبيل اللَّه فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد" (٣). أخرجه مسلم. وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعا: "من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، أخرجاه (٤).

стр. 924

وروينا من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل مرفوعًا: "من قُتل دون ماله شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل أهله فهو شهيد". أخرجه أبو داود (١)، والترمذي وقال: حسن صحيح. وروينا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي (٢)؟ قال: "فلا تعطه مالك". قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله". قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد". قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" (٣). أخرجه مسلم (٤). ولنذكر من الحكايات ما يتعلق بذلك: الأولى: عن عبد الواحد بن زيد قال: بينما نحن ذات يوم في مجلسنا هذا قد

стр. 925

تهيأنا للخروج للغزو وقد أمرت أصحابي أن يتهيأوا لقراءة آيتين. فقال رجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية (١). فقال غلام في مقدار خمس عشرة سنة أو نحو ذلك، وقد مات أبوه، وورَّثه مالًا كثيرًا، فقال: يا عبد الواحد ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١] الآية. فقلت: نعم حبيبي. فقال: إني اشهدك أني قد بعت نفسي ومالي بأن لي الجنة. فقلت له: إن السيف أشد من ذلك، وأنت صبي، وأنا خائف ألا تصبر وتعجز عن ذلك. فقال: يا عبد اللَّه أُبايع اللَّه بالجنة، ثم أعجز أنا، أُشهد اللَّه أني قد بايعته، أو كما قال عبد الواحد، فتقاصرت إلينا أنفسنا وقلنا: صبي يعقد ونحن لا نعقد. فخرج من ماله كله، وتصدق به إلَّا فرسه وسلاحه ونفقته. فلما كان يوم الخروج كان أول من طلع علينا. فقال: السلام عليك يا عبد الواحد. فقلت: وعليك السلام، ربح البيع. ثم سرنا وهو معنا يصوم النهار، ويقوم الليل ويخدمنا ويخدم دوابنا، ويحرسنا إذا نمنا حتى انتهينا إلى دار الروم. فبينما نحن كذلك إذا به قد أقبل وهو ينادي: واشوقاه إلى العناية العيناء المرضية. فقال أصحابي: لعله وَسْوَس هذا الغلام فاختبط عقله. فقلت: حبيبي وما هذه العناية العيناء المرضية؟ فقال: إني غفوت غفوة فرأيت كأنه أتاني آت فقال: اذهب إلى العناية المرضية. فهُجم بي إلى روضة فيها نهر من ماء غير آسن فإذا على شط النهر جوار عليهم من الحُلي والحُلل ما لا أقدر أن أصفه. فلما رأينني استبشرن وقلن: هذا زوج العيناء المرضية.

стр. 926

فقلت: السلام عليكن أفيكن العيناء المرضية. قلن: نحن خدمها وإماؤها، امض أمامك. فمضيت أمامي فإذا أنا بنهر من لبن لم يتغير طعمه في روضة فيها من كل زينة، فيها جوار، لما رأيتهن افتتنت بحسنهن وجمالهن، فلما رأينني استبشرن وقلن: هذا زوج العيناء المرضية. فقلن وعليك السلام يا وليّ الرحمن، قد دَنَا لك القدوم علينا. فذهبت لأعتنقها فقالت: مهلًا فإنه لم يكن لك أن تعانقني لأن فيك روح الحياة، وأنت تفطر الليلة عندنا إن شاء اللَّه تعالى. فانتبهت يا عبد الواحد، ولا صبر لي عنها. قال عبد الواحد: (١) فما انقطع كلامنا حتى ارتفعت لنا سرية من العدو فحمل الغلام فعددت تسعة من العدو قتلهم، وكان هو العاشر. فمررت به وهو يتشحط في دمه، ويضحك ملئ فيه، حتى فارق الدنيا. وللَّه در القائل: يا من يعانق دنيا لا بقاء لها … يمسي ويصبح مغرورًا وعزارا هلا تركت في الدنيا معانقة … حتى تعانق في الفردوس أبكارا إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها … فينبغي لك أن لا تأمن النارا الثانية: عن أبي قُدامة الشامي ﵀ قال: كنت أميرًا على جيش في بعض الغزوات فدخلت بعض البلاد فدعوت الناس إلى الغزو ورغبتهم في الثواب. وذكرت فضل الشهادة (٢) وما لأهلها. ثم نفرت الناس فركبت فرسي وسرت إلى منزلي فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس تنادي يا أبا قدامة.

стр. 927

قلت: هذه مكيدة من الشيطان، فمضيت ولم أجب، فقالت: ما هكذا كان الصالحون، فوقفت. فجاءت فدفعت إليَّ رقعة وخرقة مدودة وانصرفت باكية. فنظرت في الرقعة، فإذا هي مكتوب إنك دعوتنا إلى الجهاد، ورغبتنا في الثواب ولا قُدرة لي على ذلك، فقطعت أحسن ما في ضفيرتاي، فأنفذتها إليك لتعملها قيد فرسك لعل اللَّه يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي. فلما كانت صبيحة القتال، أخرجت الضفيرة فقيدت بها فرسي، وباكرنا الققال، فإذا بغلام يقاتل بين يدي الصفوف. فتقدمت إليه وقلت: أنت يا فتى غلام غرّ راجل ولا آمن عليك أن تجول عليك الخيل بأرجلها، فارجع عن موضعك هذا. فقال: أتامرني بالرجوع وقد قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ (١). فحملته على هجين كان معي. فقال: يا أبا قدامة أقرضني ثلاثة أسهم. فقلت: أهذا وقت القرض. فما زال يلح على حتى قلت بشرط إن مَنَّ اللَّه عليك بالشهادة أكون في شفاعتك. قال: نعم. فأعطيته ثلاثة أسهم، فوضع سهمًا في قوسه وقال: السلام عليك يا أبا قدامة، فقتل روميًا، ثم رمى آخر فقال: السلام عليك سلام مودع. فجاءه سهم، فوقع في عينه، فوضع رأسه على قربوس دابته. فتقدمت إليه، فقلت: لا تنس. فقال: نعم، ولكن لي إليك حاجة إذا دخلت المدينة فآت والدتي، فسلِّم عليها

стр. 928

وسلِّم خُرجي (١) إليها. وأخبرها بأمري، فهي التي أعطتك. شعرها لتقيد به فرسك فإنها في العام الأول أُصيبت بوالدي، وفي هذا العام أُصيبت بي، ثم مات، فحفرت له ودفنته. فلما هممت بالانصراف عن قبره، قذفته الأرض وألقته على ظهرها. فقال أصحابي إنه غلام سوء، ولعله خرج بغير إذن أمه. فقلت: إن الأرض لتقبل من هو شرّ منه. فقمت وصليت ركعتين، فسمعت قائلًا يقول: يا أبا قدامة اترك وفي اللَّه. فما برحت حتى نزلت طيور فأكلته. فلما أتيت المدينة أتيت دار والدته، فقرعت الباب، فخرجت إليَّ أخته. فلما رأتني نادت وقالت: يا أماه، هذا أبو قدامة ليس أخي معه. فخرجت أمه فقالت: أمُعزيًا أم مُهنئًا؟ فقلت: ما معنى هذا؟ فقالت: إن كان مات فعزني وإن كان استشهد فهنيني. فقلت: لا بل مات شهيدًا. فقالت: له علامة، فهل رأيتها؟ قلت: نعم، لم تقبله الأرض، ونزلت طيور فأكلت لحمه وتركت عظامه فدفنتها. فقالت: الحمد للَّه، فسلَّمت الخُرج إليها. ففتحته وأخرجت منه مسحا (٢) وغِلَّا من حديد. وقالت: إنه كان إذا جنَّه الليل، لبس هذا المِسح وغَلَّ روحه وناجا مولاه وقال في مناجاته: يا مولاي احشرني في حواصل الطيور، فقد استجاب اللَّه دعاءه. الثالثة: عن بعضهم قال: كنت في بلاد الروم فصحبنا رجل فرأيناه لا يأكل ولا يشرب فقلت له: ما رأيتك تأكل شيئًا من القوت منذ أحد عشر يومًا. فقال: إذًا دنا فراقي منك حدثتك حديثي. فلما دنا الفراق قلت له: حدثنا ما وعدتنا.

стр. 929

قال: غزوت في أربعمائة، فخرج علينا العدو فقتل أصحابنا وخرجت أنا، فكنت بين القتلى فلما كان وقت الغروب، حسست رائحة من قبل الجو، ففتحت عيني فإذا بجوار عليهن ثياب ما رأيت مثلها. وفي أيديهن كاسات يَصُبن في أفواه القتلى فغمضت عيني حتى وصلن إليَّ. فقالت واحدة منهن: اصببن في حلق هذا وعجِّلن قبل أن تغلق أبواب السماء، فنبقى في الأرض. فقالت أخرى: أسقيه وفيه رمق؟ فقالت لها: لا بأس عليك يا أختي، فصبَّت في حلقي. فأنا منذ شربت ذلك الشراب لا أحتاج الطعام والشراب ﵀ ونفعنا به. وأنشدوا في هذا المعنى: عذرتك إذ للعزّ حلت هوانا … لأنك لم تسلك طريق هوانا تركي (الرى) (١) بفتى اشتغالا بصده … فاذهب عنا جوعنا وظمانا فليس لنا في الكون أن نخشى الظمأ … ومحبوبنا بكأس الوصال سقانا

стр. 930

مجلس في وجوب الزكاة وبيان فضلها وما يتعلق بها قال تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١). وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣). وروينا من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان". أخرجاه (٤).

стр. 931

وروينا من حديث طلحة بن عبيد اللَّه قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس يسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول اللَّه ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول اللَّه ﷺ : "خَمس صلوات في اليوم والليلة". قال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: "لا إلَّا أن تطوع". فقال رسول اللَّه ﷺ "وصيام شهر رمضان". قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا إلَّا أن تطوع" (١). قال: وذكر له رسول اللَّه ﷺ الزكاة. فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا إلَّا أن تطوع". فأدبر الرجل وهو يقول: واللَّه لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أفلح (٢) إن صدق" (٣). أخرجاه. وروينا من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللَّه

стр. 932

افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتُرد على فقرائهم" (١) أخرجاه. وروينا من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على اللَّه" (٢) أخرجاه. وروينا من حديث أبي هريرة قال: لما توفى رسول اللَّه ﷺ وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب (٣). فقال عمر: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قالها عَصم مني ماله ونفسه إلَّا بحقه وحسابه على اللَّه".

стр. 933

فقال: واللَّه لأُقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه ﷺ لقاتلتهم على منعه. قال عمر: فواللَّه ما هو إلَّا أن رأيت أن اللَّه قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. أخرجاه (١). وروينا من حديث أبي أيوب ﵁ أن رجلًا قال لرسول اللَّه ﷺ أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ قال: "تعبد اللَّه لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" أخرجاه (٢). وروينا من حديث أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: "تعبد اللَّه لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان". قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا. فلما ولَّى قال النبي ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا" (٣). أخرجاه.

стр. 934

وروينا من حديث جرير ﵄ قال: "بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم" (١) أخرجاه أيضًا (٢). وروينا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلَّا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار". قيل يا رسول اللَّه فالإبل، (وعبدها ووعيد لها) (٣) البقر والغنم. قيل: يا رسول اللَّه فالخيل، قال: "ما أنزل عليَّ فيها إلَّا هذه الآية الفاذَّة الجامعة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ وأخرجاه (٤)، والسياق لمسلم.

стр. 935

مجلس في وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١). إلى قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. إلى قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢). وهي دالة على الإيجاب من كتب عليكم، وعلى فضله باعتبار غايته المرجوة من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وبكونه هدى أو أنزل فيه هدى. وقد سلفت الأحاديث في الزكاة (٣) الدالة على أنه أحد مباني الإسلام، أو أحد أجزاء الأركان ونحو ذلك. وروينا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه تعالى: كل عمل ابن آدم له إلَّا الصيام (٤) فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، فإذا كان يوم

стр. 936

صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سَابَّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه" (١). أخرجاه، والسياق للبخاري. وفي رواية له: "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، الحسنة بعشرة أمثالها" (٢). ولمسلم: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال اللَّه : إلَّا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلُوف فِيه أطيب عند اللَّه من ريح المسك" (٣). وقد ذكر العلماء في معنى قوله: "إلَّا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" أقوالًا كثيرة: ذكر منها أبو الخير الطالقاني في كتابه حظائر القدس زيادة على ستين قولًا، ومن أحسنها قولان: أحدهما: أن الصوم لم يُعبد به غيره، فلذلك اختص بهذا الفضل. وثانيهما: أنه لا يطلع عليه أحد من الخلق، بخلاف غيره من العبادات. وقوله: "جُنَّة" (٤) أي حاجز بين الإسلام، وبين مهالكه ومؤذياته. وفي الرواية الثانية: إشعار بمعنى الصوم، أي لا شهوة للعبد فيه برياء ولا

стр. 937

غيره، بل هو ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل اللَّه. وفي الثالثة: تبيين ما أبهمته الحسنة بعشر أمثالها، وإيضاح أن الصوم بغير حساب الحسنات ولو ضُوعفت سبعمائة ضعف (١). وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة أيضًا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل اللَّه (٢)، نودي من أبواب الجنة: يا عبد اللَّه هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة" قال أبو بكر ﵁: بأبى أنت وأمي يا رسول اللَّه ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم" (٣). وفيه فضل ظاهر على الصيام، فإنه قبل دخولهم من باب الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم. فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد. وهذا تخصيص باهر.

стр. 938

وروينا فيهما أيضا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: (١) "ما من عبد يصوم يومًا في سبيل اللَّه إلَّا باعد اللَّه بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا" (٢). وسبيل اللَّه يحتمل الجهاد، ويحتمل مرضاته، ومباعدة صائم يوم واحد عن النار سبعين خريفًا يوضح أن سبعمائة ضعف بالنسبة إليه. فإن الحسنة عشر عشر سبع المضاعفة، فاليوم سدس سدس عشر سبع السبعين خريفًا. وروينا فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه" (٣). وهو يجري مجرى ذكر السبب في تلك المباعدة العظيمة. وقوله: "إيمانًا واحتسابًا" وإن كان شرطًا في كل جزء، لكن ذكره كالمُنوه بعلو درجة ما جاء به حتى جوزي بذلك، وهو من نسبة الصوم "وأنا أجزي به" يدع كذا وكذا من أجلي. وروينا فيهما أيضًا من حديثه مرفوعًا: "إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين" (٤).

стр. 939

وما أعظم ذلك من فضل إذ فيه تفتح أبواب الرحمة، وتغلق فيه أبواب الغضب، ويحبس فيه أهل الإضلال والأهواء. وروينا فيهما عنه مرفوعًا: والسياق للبخاري "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّي عليكم، فأكملوا عدة شعبان" (١). وفي رواية مسلم: "فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا" (٢). وهو جامع لسبب الوجوب من رؤية، أو عدد والفطر لرؤية أو كماله. فصل في الجود وفعل المعروف والإكثار من الخير في شهر رمضان والزيادة من ذلك في العشر الأواخر منه روينا في الصحيحين (٣) من حديث ابن عباس ﵄ قال: كان رسول اللَّه ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فكان رسول اللَّه ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة". وروينا فيهما أيضًا من حديث عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل العشر

стр. 940

أحيى الليل وأيقظ الأهل، وشدَّ المئزر" (١). وهو كناية عن شدة الاجتهاد. فصل في النهي عن تقدم رمضان بصوم بعد نصف شعبان إلَّا لمن وصله بما قبله أو وافق عادة له بأن كان عادته صوم الاثنين والخميس فوافقه. روينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين (٢) إلَّا أن يكون رجل كان يوم صومه، فليصم ذلك اليوم" (٣). وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية، فأكملوا ثلاثين يومًا" (٤). أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. والغياية (٥): بغين معجمة، ثم مثناة مكررة: السحابة. وروينا فيه أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا" (٦).

стр. 941

ثم قال: حسن صحيح. وروينا فيه أيضًا وقال: حسن صحيح. وفي أبي داود من حديث عمَّار قال: "من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ " (١). والحديث الأول مقيد للنهي، والثانى مطلق، والثالث مقيد لهذا الإطلاق. وأن المراد إذا بقي نصف شعبان لا ما قبله. والرابع: مقيد لمن صام يوم الشك (٢) هو وإن تقدما بيوم، لكن قد يقال: قدمن رمضان ولا يقدم فاحتيج إلى السبب عليه بخصوصه. فصل في فضل السحور وتأخيره ما لم يخشى طلوع الفجر وروينا في الصحيحين من حديث أنس مرفوعًا: "تسحروا فإن في السحور بركة" (٣). وروينا فيهما أيضًا من حديث زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع رسول اللَّه ﷺ ثم

стр. 942

قمنا إلى الصلاة. فقيل: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين آية" (١). وروينا فيهما من حديث ابن عمر قال: كان لرسول اللَّه ﷺ مؤذنان بلال وابن أم مكتوم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن بلال يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" قال: ولم يكن بينهما إلَّا أن ينزل هذا ويصعد هذا (٢). فهو دال على قرب التفاوت بينهما. وروينا في صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص مرفوعًا: "فصل ما بين صيامنا وصوم أهل الكتاب أكلة السحور" (٣). وهو بيان لمعنى السحور ووقته. فصل في تعجيل الفطر وما يفطر عليه وما يقوله عند إفطاره روينا من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (٤). أخرجاه. وروينا من حديث أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة فقال لها مسروق: رجلان من أصحاب محمد ﷺ كلاهما لا يألو عن الخير، أحدهما يُعجل المغرب والإفطار، والآخر يؤخر المغرب والإفطار، فقالت: من يعجل المغرب والإفطار؟

стр. 943

قال: عبد اللَّه، فقالت: هكذا كان رسول اللَّه ﷺ يصنع" (١). أخرجه مسلم. ومعنى لا يألو: لا يُقصِّر في الخير. والحديث الأول دال على الحث على الاتباع فإن يتركه يزول الخير. كيف لا وهو صُنع الشارع، أما تعجيل الصلاة فعزيمة، وأما تعجيل الفطر فرخصة، والرب يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه (٢). وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "قال اللَّه : أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا" (٣). رواه الترمذي وحسنه. وتبيينه من وجوه: أحدها: أنه حفظ لحدوده تعالى من غير اعتداء بلحظة واحدة ذلك خير وأشد تبينًا. وثانيها: أنها مبادرة إلى إذنه في التناول، كما كان الصوم مبادرة إلى منعه أول إمكانه وهو الفجر، تعمير لأول الليل يأكل رزقه (٤) وأول النهار يتركه من أجله تحليلًا لما أحله اللَّه وتحريمًا لما حرمه.

стр. 944

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي … متأخر عنه ولا متقدم ويشعر به قوله: عبادي. ثالثها: أنه أجمع للنفس على أداء الصلاة ونحوها ولهذا يقدم عليها. رابعها: أنه يشعر برأفة اللَّه ورفقه بالعبد، فيولد حب في النفوس. خامسها: أنه مذكِّر بالليل والنهار، وهما من أعجب صنع اللَّه . سادسها: أنه معنى قول الخنساء: تذكرني طلوع الشمس صخرًا … وأذكره لكل غروب شمس فإنها إشارة بالطلوع شجاعة وقهرًا وإلى موائده بالغروب كرمًا وجودًا تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام. سابعها: أنه تحقق لما يليق بالعباد والمخلوقين المحتاجين بعد السرّ فسرع صمدية أي إن أسرع العارية ردها إلى مستحقها واعتراف بأنها حقة. ثامنها: أنه قيام بحق النفس بعد القيام بحق الرب من غير مماطلة لها فأعط كل ذي حق حقه. تاسعها: إنه لما كان مبادر إلى الأسباب الحكمية التي عليها أم الدنيا فإنه صاحبه يخالع الخوالق الاقتدارية بعد أن يسرف بما ناله منها على خلاف القياس رجوعًا إلى حكم الدار. عاشرها: إنه مذكِّر بربوبيته المرتبة والمالكية والسيادة كما كان الصيام مذكِّر بالرهبة والتعظيم والمسارعة في اللمحات النورانية الروحانية القدسية، وقس على هذا وتنفح النسمات. وروينا من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" (١). أخرجاه.

стр. 945

وهو دال على أن وقت التعجيل الغروب المحقق، فكان الفطر الحكمي فيه الحسي أيضًا. وروينا فيهما أيضًا من حديث (١) أبي إبراهيم عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: سرنا مع رسول اللَّه ﷺ وهو صائم فلما غربت الشمس قال لبعض القوم: "يا فلان انزل فاجدح لنا". فقال: يا رسول اللَّه أي لو أمسيت. قال: "انزل فاجدح لنا". قال: إن عليك نهارًا. قال: "انزل فاجدح لنا". قال: فنزل فجدح لهم، فشرب رسول اللَّه ﷺ . ثم قال: "إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم - وأشار بيده قبل المشرق" (٢). واجدح: بجيم ثم دال وحاء مهملتين: أي اخلط السويق بالماء. وفيه ما يفطر عليه جوازًا وهو مجدوح السويق ونحوه. وروينا من حديث سلمان بن عامر الضبي الصباحي مرفوعًا: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على الماء فإنه طهور" (٣).

стр. 946

رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح. وفيه: ما يفطر عليه ندبًا وهو التمر. قيل لما فيه ما يحدثه الصيام في التصرف، تعليل الماء بأنه طهور، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ (١). وقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] (٢). وروينا فيهما محسنًا من حديث أنس قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يُفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن رطبات فتمرات، فإن لم يكن تميرات، حسا حسوات من ماء" (٣). وهو دال في تقديم الرطب، ثم التمر، ثم الماء. فصل في أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحه عن المخالفات السابقة ونحوها سلف في أوائل المجلس حديث أبي هريرة في ذلك وأخرجه عنه مرفوعًا: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس للَّه حاجة أن يدع طعامه وشرابه" (٤).

стр. 947

وورد من حديث ابن أبي أوفى مرفوعًا: "يوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، ودعاؤه مستجاب وعمله مضاعف" (١). فصل في جمل من الصوم روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا نسي أحدكم وأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه اللَّه وسقاه" (٢). أخرجاه. وروينا من حديث لقيط بن صبرة قال: قلت يا رسول اللَّه أخبرني عن الوضوء؟ قال: "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، وترك المبالغة فيه خيفة سبق الماء" (٣). وروينا من حديث عائشة قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" (٤). أخرجاه. وأخرجاه أيضًا من حديث عائشة وأم سلمة قالتا: "كان رسول اللَّه ﷺ يصبح جنبًا من غير حلم، ثم يصوم" (٥).

стр. 948

وفيه مسألة الإصباح جنبًا، فإنه جائز كما في القرآن من دلالة الإشارة. وحديث: "من أصبح جُنبًا فلا صوم له" (١) منسوخ أو مؤول. وحديث عائشة وأم سلمة يزيلان وهم عدم التمكن والاجتناب في الحديث قبله. فصل في فضل من فطر صائمًا وفضل الصائم الذي يؤكل عنده ودعاء الآكل للمأكول عنده روينا من حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: "من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا" (٢). رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وروينا من حديث أم عمارة الأنصارية أن النبي ﷺ دخل عليها فقدمت له طعامًا فقال: "كُلي"، فقالت: إني صائمة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أُكل عنده حتى يفرغوا" (٣). وربما قال: "حتى يشبعوا". رواه الترمذي وحسنه. وروينا من حديث أنس أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت، فأكل ثم قال النبي ﷺ : "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت

стр. 949

عليكم الملائكة" (١). رواه أبو داود بإسناد صحيح. فصل في فضل صوم المحرم وشعبان والأشهر الحرم روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللَّه المحرم (٢)، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" (٣). أخرجه مسلم. وروينا من حديث عائشة قالت: "لم يكن النبي ﷺ يصوم من شهر أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان كله". وفي رواية: "كان يصوم شعبان إلَّا قليلًا". أخرجاه (٤).

стр. 950

روينا من حديث مجيبة الباهلية، عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول اللَّه ﷺ ، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حالته وهيأته. فقال: يا رسول اللَّه أما تعرفني؟ قال: "لا من أنت؟ ". قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول. قال: "فما غيَّرك وقد كنت حسن الهيئة"؟ قال: ما أكلت طعامًا إلَّا بليل منذ فارقتك. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لِمَ عذَّبت نفسك"؟ ثم قال: "صُم شهر الصبر ويومًا من كل شهر" (١). قال: زدني فإني بي قوة. قال: "صم يومين". قال: زدني. قال: "صُم ثلاثة أيام" (٢). قال: زدني، قال: "صم من الحُرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك". وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها. (٣) رواه أبو داود.
следующие страницы →