← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح. وفيه: ما يفطر عليه ندبًا وهو التمر. قيل لما فيه ما يحدثه الصيام في التصرف، تعليل الماء بأنه طهور، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ (١). وقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] (٢). وروينا فيهما محسنًا من حديث أنس قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يُفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن رطبات فتمرات، فإن لم يكن تميرات، حسا حسوات من ماء" (٣). وهو دال في تقديم الرطب، ثم التمر، ثم الماء. فصل في أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحه عن المخالفات السابقة ونحوها سلف في أوائل المجلس حديث أبي هريرة في ذلك وأخرجه عنه مرفوعًا: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس للَّه حاجة أن يدع طعامه وشرابه" (٤).

стр. 947

وورد من حديث ابن أبي أوفى مرفوعًا: "يوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، ودعاؤه مستجاب وعمله مضاعف" (١). فصل في جمل من الصوم روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا نسي أحدكم وأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه اللَّه وسقاه" (٢). أخرجاه. وروينا من حديث لقيط بن صبرة قال: قلت يا رسول اللَّه أخبرني عن الوضوء؟ قال: "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، وترك المبالغة فيه خيفة سبق الماء" (٣). وروينا من حديث عائشة قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" (٤). أخرجاه. وأخرجاه أيضًا من حديث عائشة وأم سلمة قالتا: "كان رسول اللَّه ﷺ يصبح جنبًا من غير حلم، ثم يصوم" (٥).

стр. 948

وفيه مسألة الإصباح جنبًا، فإنه جائز كما في القرآن من دلالة الإشارة. وحديث: "من أصبح جُنبًا فلا صوم له" (١) منسوخ أو مؤول. وحديث عائشة وأم سلمة يزيلان وهم عدم التمكن والاجتناب في الحديث قبله. فصل في فضل من فطر صائمًا وفضل الصائم الذي يؤكل عنده ودعاء الآكل للمأكول عنده روينا من حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: "من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا" (٢). رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وروينا من حديث أم عمارة الأنصارية أن النبي ﷺ دخل عليها فقدمت له طعامًا فقال: "كُلي"، فقالت: إني صائمة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أُكل عنده حتى يفرغوا" (٣). وربما قال: "حتى يشبعوا". رواه الترمذي وحسنه. وروينا من حديث أنس أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت، فأكل ثم قال النبي ﷺ : "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت

стр. 949

عليكم الملائكة" (١). رواه أبو داود بإسناد صحيح. فصل في فضل صوم المحرم وشعبان والأشهر الحرم روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللَّه المحرم (٢)، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" (٣). أخرجه مسلم. وروينا من حديث عائشة قالت: "لم يكن النبي ﷺ يصوم من شهر أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان كله". وفي رواية: "كان يصوم شعبان إلَّا قليلًا". أخرجاه (٤).

стр. 950

روينا من حديث مجيبة الباهلية، عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول اللَّه ﷺ ، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حالته وهيأته. فقال: يا رسول اللَّه أما تعرفني؟ قال: "لا من أنت؟ ". قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول. قال: "فما غيَّرك وقد كنت حسن الهيئة"؟ قال: ما أكلت طعامًا إلَّا بليل منذ فارقتك. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لِمَ عذَّبت نفسك"؟ ثم قال: "صُم شهر الصبر ويومًا من كل شهر" (١). قال: زدني فإني بي قوة. قال: "صم يومين". قال: زدني. قال: "صُم ثلاثة أيام" (٢). قال: زدني، قال: "صم من الحُرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك". وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها. (٣) رواه أبو داود.

стр. 951

وشهر الصبر رمضان. فصل في فضل الصوم وغيره في العشر الأول من ذي الحجة روينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "ما من أيام العمل الصالح أحب إلى اللَّه من هذه الأيام" يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول اللَّه ولا الجهاد في سبيل اللَّه؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل اللَّه، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء" (١). رواه البخاري (٢). فصل في صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء روينا في صحيح مسلم (٣) من حديث أبي قتادة قال: سُئل رسول اللَّه ﷺ عن صوم يوم عرفة؟ قال: "يُكفر السنة الماضية والباقية". وسئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: يُكفر السنة الماضية. وروينا في الصحيحين من حديث ابن عباس أنه ﷺ صام عاشوراء وأمر بصيامه (٤).

стр. 952

وروينا في صحيح مسلم عنه مرفوعًا: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" (١). فصل في استحباب صوم ستة أيام من شوال روينا في صحيح مسلم من حديث أبي أيوب مرفوعًا: "من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر" (٢). فصل في استحباب صوم الاثنين والخميس روينا في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة أنه ﷺ سُئل عن صوم الاثنين؟ فقال: "ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بُعثت أو أنزل علي فيه" (٣). وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأُحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (٤). رواه الترمذي وحسَّنه. ورواه مسلم بغير ذكر الصوم. وروينا من حديث عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يتحرى (٥) صوم الاثنين

стр. 953

والخميس (١). رواه الترمذي وحسَّنه. فصل في استحباب صوم ثلاث أيام من كل شهر والأفضل صومها في أيام البيض وهي الثالث عشر وتالييه. وقيل: بإسقاط الخامس عشر، وزيادة الثاني عشر والصحيح المشهور هو الأول (٢). روينا في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتر قبل أن أنام" (٣). وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لن أدعهن ما عشت "بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى وأن لا أنام حتى أُوتر" (٤). أخرجه مسلم.

стр. 954

وروينا في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "صوم ثلاثة أيام من كل شهر، صوم الدهر كله" (١). وروينا في صحيح مسلم من حديث معاذة العدوية (٢) أنها سألت عائشة زوج النبي ﷺ : أكان رسول اللَّه ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. فقلت: من أي الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي الشهر يصوم (٣). وروينا من حديث أبي ذر مرفوعًا: إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر" (٤). رواه الترمذي وحسَّنه. وروينا من حديث قتادة بن ملحان (٥) قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يأمرنا بصيام أيام البيض ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" (٦).

стр. 955

رواه أبو داود. وروينا من حديث ابن عباس قال: "كان رسول اللَّه ﷺ لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر" (١). رواه النسائي بإسناد حسن. فصل في السواك وخصال الفطرة روينا في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لولا (٢) أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" (٣). أخرجاه. وللبخاري تعليقًا: مع كل وضوء. وروينا من حديث حذيفة ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" (٤). أخرجاه. الشوص: الدلك. وروينا من حديث عائشة قالت: "كنا نعد لرسول اللَّه ﷺ سواكه وطهوره فيبعثه اللَّه ما شاء أن يبعثه من الليل، فيسوك ويصلي" (٥). أخرجه مسلم.

стр. 956

وروينا من حديث شريح بن هانئ قال: قلت لعائشة بأي شيء يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (١). أخرجه مسلم. وروينا من حديث أبي موسى ﵁ قال: "دخلت على النبي ﷺ والسواك على لسانه" (٢). أخرجاه (٣). واللفظ لمسلم. وروينا من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" (٤). أخرجه النسائي وابن خزيمة في صحيحه بأسانيد صحيحة. وروينا من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستعداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (٥). أخرجاه.

стр. 957

الاستحداد: حلق العانة، وهو حلق الشعر الذي حول الفرج. وروينا من حديث عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "عشر من الفطرة: قصّ الشارب، وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء (١) ". قال الراوي: ونسيت العاشرة إلَّا ن تكون المضمضة. قال وكيع وهو أحد رواته: انتقاص الماء يعني الاستنجاء. أخرجه مسلم (٢). البراجم: بالباء الموحدة، والجيم عقد الأصابع، وإعفاء اللحية معناه لا ينقص منها شيئًا. وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: "أحفوا الشوارب" (٣). ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك:

стр. 958

الأولى: عن الشبلي قال: كنت في قافلة بالشام فخرج الأعراب فأخذوها، وجعلوا يعرضونها على أميرهم فخرج جراب فيه لوز وسكر، فأكلوا منه ولم يأكل الأمير. فقلت: لم لا تأكل؟ فقال: إني صائم. فقلت: تقطع الطريق وتأخذ الأموال، وتقتل الأنفس وأنت صائم. فقال: يا شيخ اجعل للصلح موضعًا، فلما كان بعد حين رأيته يطوف حول البيت، وهو محرم كالشَّن البالي. فقلت له: أنت ذاك الرجل. قال: نعم ذلك الصيام أوقع الصلح بيننا. وأنشد: خذ من حياتك للممات نصيبًا … وتيقن السفر البعيد قريبًا واعمل يوم ترجع الولدان من … أهواله عند القيامة شيبًا (١) لو كنت تخشى من أمور قد مضت … لجعلت يومك للإله رقيبًا قُم في الدُّجى واضرع إليه لعله … يعفو وثب مدامعًا ونحيبًا واشك السقام واقرع بابه أبدًا … تجده للسقام طبيبًا الثانية: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرجنا غازين في البحر، فبينما نحن نسير والريح لنا طيبة، والشراع لنا مرفوع إذ سمعنا مناديًا ينادي: يا أهل السفينة قفوا أخبركم حتى (والا سبعة) (٢) أصوات. قال أبو موسى: فقمت على صدر السفينة. فقلت: من أنت ومن أين أنت، أو ما ترى أين نحن، وهل نستطيع وقوفًا. قال: فأجابني الصوت ألا أخبركم بقضاء قضاه اللَّه على نفسه؟ قلت: بلى أخبرنا. قال: إن اللَّه تعالى قضى على نفسه أنه من عطش نفسه للَّه في يوم حار، كان حقًا على اللَّه أن يرويه يوم القيامة. فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحرّ الذي يكاد الإنسان ينسلخ

стр. 959

فيه فيصومه. قال أبو إدريس: صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال، فقيل له: لو رحمت نفسك؟ فقال: هيهات إنما يسبق من الخيل المضمرة. فائدة: قال أبو أمامة الباهلي (١): أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه مُرني بعمل آخذه عنك ينفعني اللَّه به. قال: "عليك بكثرة الصوم فإنه لا مثل له" (٢). فكان أبو أمامة وامرأته وخادمه لا يوجدون إلَّا صيامًا. فإذا رؤي في منزلهم نارًا أو دخانًا نهارًا عرفوا أنه اعتراهم ضيف. الثالثة: عن عبد اللَّه بن مروان قال: كان الأسود بن يزيد (٣) يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يضمر جسده. وكان علقمة يقول له: لِمَ تُعذب هذا الجسد؟ فيقول: إن الأمر جد. الرابعة: قال: حج الحجاج بن يوسف (٤) فنزل في بعض المياه بين مكة والمدينة ودعا بالغذاء وقال لحاجبه: انظر من يتغدى معي واسأله عن بعض الأمر. فنظر نحو الجبل، فإذا بأعرابي نائم، فضربه برجله وقال: انت الأمير.

стр. 960

فأتاه فقال له الحجاج: اغسل يدك واقعد معي. فقال: إنه دعاني من هو خير منك فأجبته. قال: ومن هو؟ قال: اللَّه ﵎ دعاني إلى الصوم فصمت. قال: في هذا الحرّ الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد حرًا من هذا اليوم. قال: فأفطر وصم غدًا. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غدٍ، فطرت. قال (١): ليس ذلك إليَّ. قال: فكيف تسألني عاجلًا بأجل لا تقدر عليه؟ قال: إنه طعام طيب. قال: لَمْ تُطيبه أنت ولا الطباخ، إنما طيَّبته العافية. وفي هذا المعنى قيل: وما طيب الطباخ عيشًا وانما … لعافية طاب الطعام لطاعم إذا كان بي سقم فلا شيء طيب … وإن لم يكن طابت جميع المطاعم

стр. 961

مجلس في الاعتكاف روينا في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان" (١). وروينا فيهما من حديث عائشة: "أنه ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللَّه، ثم اعتكف أزواجه بعده" (٢). وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام". فلما كان العام الذي قُبضَ فيه اعتكف عشرين يومًا" (٣). وقد اعتكف في شوال أيضًا (٤).

стр. 962

مجلس في فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (١). وفي الصحيحين من حديث حارثة بن وهب: "ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف متضعف لو يُقسم على اللَّه لأبره". ألا أخبركم بأهل النار كل عُتُلٍّ جوَّاظِ مُستكبر" (٢). العُتُلِّ: الغليظ الجافي. والجوَّاظ: الجموح المنوع، أو الخصم المختال في مشيته، أو القصير البطين (٣). أقوال. وفيهما من حديث سهل بن سعد الساعدي: مرّ رجل على رسول اللَّه ﷺ فقال لرجل عنده جالس: "ما رأيك في هذا؟ ". فقال: هذا رجل من أشراف الناس، هذا واللَّه حرّي إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفَّع.

стр. 963

ثم مرَّ رجل فقال له: "ما رأيك في هذا؟ ". فقال: هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريّ إن خطب لا يُنكح، وإن شفع لا يُشفع، وإن قال لا يُسمع لقوله. فقال ﷺ : "هذا خير من ملء الأرض من هذا" (١). ولعلي كرم اللَّه وجهه: دليلك أن الفقر خير من الغنى … وأن قليل المال خير من الثرى لقاؤك عبدًا قد عصى اللَّه بالغنى … ولم نلق عبدًا قد عصى اللَّه بالفقر وفي مسلم (٢) من حديث أبي سعيد الخدري قال: "احتجَّت الجنة والنار فقالت النار: فيَّ الجبارون والمتكبرون. وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم. فقضى اللَّه بينهما إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء. وإنك النار عذابي أُعذب بك من أشاء وكليكما عليَّ ملؤها". وفيهما من حديث أبي هريرة: "أنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يوزن عند اللَّه جناح بعوضة" (٣). فالإكرام والتنعيم الدنيوي ابتلاء من اللَّه لا إكرام ولابد، وأن تقدير الرزق الجاهي والمالي ليس إهانة ولابد، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي

стр. 964

تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (١). وفيهما أيضًا من حديثه: "أن امرأة سوداء كانت تقُم المسجد، أو شابًا، فقدها رسول اللَّه ﷺ فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات. قال: "أفلا كنتم آذنتموني" فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره. فقال: "دلوني على قبره" فدلوه، فصلى عليها. ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن اللَّه تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم" (٢). وفيه الاعتناء بقمَّام المسجد حيث سأل عنه وصلى على قبره. وفي مسلم (٣) من حديثه: "رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللَّه لأبره". ففيه الاعتناء بمن هذا حاله حتى يبرّ قسمه لو أقسم. لا تغترر بالمال والفخار … كم أشعث أغبر ذي أطمار قد صح فيه صادق الأخبار … عن النبي السيد المختار

стр. 965

من دار القسم وبرّ القسم … سعادة قد سبقت في القدم من رفع المولى علا قدره … ماضي ما شأنه من فقر من بعد ما شاع جميل ذكره … بين الورى بجهره وسرّه وفي الصحيحين عن أسامة ﵁ رفعه: "قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجَد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أُمر بهم إلى النار. وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء" (١). الجَدّ: بفتح الجيم: الحظ والغنى. ومحبوسون: لم يؤذن لهم بعد في دخول الجنة. ففيه الاعتناء بالمساكين في الآخرة. وحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين: "لم يتكلم في المهد إلَّا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، والصبي الذي كان يرضع" (٢). شاهد لما نحن فيه، فإن فيه اعتناء الرضيع بسؤاله أن يجعله اللَّه مثل المسكين دون ذوي السيادة الخيار (٣). فإنه لا يرتفع شيء من هذه الدنيا إلَّا وضعه فالضعيف يتعرض للرحمة، والوجيه متعرض للفتنة، فجزى اللَّه القلة والذَّلة عن أهلها خيرًا.

стр. 966

وعارف يرفع من الحامل أشد ما يرفعِ من المشهور ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾ (١). يكفي شرفًا للفقراء بمدحهم الرب ﷻ حيث قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٢). وحيث قال رسوله ﷺ : "اصبروا حتى تلقوني، فإنكم أو زمرة تردون عليَّ" (٣). وقال: "يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام، يأكلون ويشربون ويتمتعون، والأغنياء في كرب الحساب" (٤). هم الفقراء فادر عنهم ذكرا … وحدث عنهم سرًا وجهرًا هم الفقراء أهل اللَّه حقًا … ومنهم تكتسى الأكوان عطرًا هم الفقراء والسادات حقًا … وقد حازوا بزمن الفخر فخرًا هم الفقراء قد صبروا وذلوا … فعوضهم بذاك الصبر أجرًا فكم صبروا على ضيم الليالي … وكم كابدوا ضيقًا وعسرًا وقد كسروا النفوس له وذلوا … فعوضهم بذاك الكسر جبرًا وقد زاروا الحبيب وشاهدوه … وقد سجدوا للَّه حمدًا وشكرًا فصل في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل (٥) وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].

стр. 967

وفي صحيح مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه. . . الحديث بطوله (١). وفيه عنه كان ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليَلِني منكم أُولوا الأحلام، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٢). وفيه من حديث ابن مسعود: ليلني منكم أولوا الأحلام، ثم الذين يلونهم ثلاثًا، وإياكم وهيْشَات (٣) الأسواق" (٤). وفي الصحيحين من حديث سهل بن أبي خيثمة في قصة القسامة، فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: كَبر كَبر أي يتكلم الأكبر" (٥). وفي البخاري من حديث جابر أنه ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد -يعني في القبر- ثم يقول: "أيهما أكثر أخذًا للقرآن، فإذا أُشير إلى أحدِهما قدَّمه في اللَّحد" (٦).

стр. 968

وفي مسلم من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: "أراني في المنام أتسوك بسواك فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر. فقيل لي: كبْر فدفعته إلى الأكبر منهما" (١). وفي أبي داود من حديث أبي موسى: "إن من إجلال اللَّه إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المُقسط" (٢). وفي أبي داود والترمذي مصححًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا" (٣). وفي (مسلم) (٤) تعليقًا وأبو داود بسند حسن. حديث عائشة: "أنزلوا الناس منازلهم" (٥). وفي الترمذي وقال: غريب من حديث أنس: "ما أكرم شاب شيخًا لِسِنه إلَّا قيض اللَّه له من يُكرمه عند سنِّه" (٦).

стр. 969

فصل في صحبة أهل الخير قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ الآية (١). "وكان ﷺ يزور أم أيمن، وكذا أبو بكر وعمر بعده". كما أخرجه مسلم (٢) من حديث أنس. وفيه من حديث أبي هريرة: "أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد اللَّه على مدرجته ملكًا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أخًا لي في هذه القرية. قال: هل له عليك من نعمة تَرُبُّها؟ قال: لا، غير أني أُحبه في اللَّه. قال: فإني رسول اللَّه إليك بأن اللَّه قد أحبك كما أحببته" (٣). وفي الترمذي محسنًا من حديثه: "من عاد مريضًا أو زار أخًا في اللَّه، ناداه منادٍ أن طبْتَ وطاب ممشاك، وتبوَّأت من الجنة منزلًا" (٤). وفي الصحيحين من حديث لأبي موسى: "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحزيكَ وإما أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك وإمَّا أن تجد منه ريحًا خبيثة" (٥).

стр. 970

تجنب قرين السوء واصرم جماله … فإن لم تجد منه محيصًا فداره وأحبب حبيب الصدق واترك مُراه … تنل منه صفو الود ما لم تُماره وللَّه في عرض السموات جنة … ولكنها محفوفة بالمكاره وفيهما من حديث أبي هريرة: "تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسنها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (١). وفي البخاري: من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال لجبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ (٢). وفي أبي داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري: "لا تصحب إلَّا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي" (٣). وفيهما محسنًا من حديث أبي هريرة: "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" (٤). وفي الصحيحين من حديث أبي موسى: "المرء مع من أحب" (٥).

стр. 971

وفي رواية لهما: قيل يا رسول اللَّه الرجل يحب القوم ولَما يلحق بهم. قال: "المرء مع من أحب" (١). ولهما من حديث ابن مسعود مثله: ما أعددت لها؟ قال: حُب اللَّه ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت" (٢). وفي رواية لهما: ما أعددت من كثرة صوم ولا صلاة ولا صدقة، ولكن حُب اللَّه ورسوله" (٣). وفي مسلم (٤) من حديث أبي هريرة: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا. والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" (٥).

стр. 972

وللبخاري هذا الأخير من حديث عائشة. وفي صحيح مسلم من حديث أسيد بن عمرو (١)، في قصة أويس، وطلب الاستغفار منه، وأنه خير التابعين (٢). فصل في فضائلهم قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣) الآية. وقال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (٤) الآية. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٥) الآية. وقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ (٦) الآية. وقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ (٧) الآية.

стр. 973

وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (١) الآية. وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٢). وقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٣). وقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ (٤) الآية. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥) الآية. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يقول اللَّه تعالى (٦): من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطينه ولئن استعاذني لأُعيذنه" (٧). وفيه أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول اللَّه؟ قال: "مجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه". قال: ثم من؟ قال: "رجل معتزل في شِعب من الشِعاب يعبد ربه" (٨).

стр. 974

وفي رواية لهما: "يتقي اللَّه ويدع الناس من شره". أخص الناس بالإيمان عبد … خفيف الحاد مسكنه القفار له في الليل حظ من صلاة … ومن صوم إذا طلع النهار وقل الباكيات عليه لما … قضى نحبًا وليس له يسار فذلك قد نجا من كل شدة … ولم تمسه يوم البعث نار وفي البخاري من حديث ابن عمر: أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي وقال: "كن في الدنيا غريب أو عابر سبيل" (١). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. يا فرقة الأحباب لا بد لي منك … ويا دار دنيا إنني راحل عنك ويا قصر الأيام ما لى وللنسا … ويا سكرات الموت ما لي وللضحك وما لي لا أبكي لنفسي بعبرة … إذا كنت لا أبكي لنفسي فمن يبك ألا أي حي ليس بالموت موقنًا … وأي يقين منه أشبه بالشك وصحح الترمذي من حديث أبي هريرة: "إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام" (٢).

стр. 975

وقائلة ما المجد للمرء والفخر … فقلت لها شيء ليس العلا مهر فأما بنو الدنيا ففخرهم الغنى … كرم قصير في غد بئس الزهر وأما بنو الأخرى ففي الرب فخرهم … نضارته تزداد ما بقي الدهر وقصة ثعلبة بن حاطب (١) في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ (٢) الآية مشهورة (٣) وفي التواليف والتفاسير مسطورة. فصل صح من حديث معاذ قال: "قال اللَّه تعالى: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء". رواه الترمذي (٤) وقال: حسن صحيح. وللموطأ: "وجبت محبتي في المتجالسين فيَّ وللمتزاورين فيَّ والمتباذلين فيَّ" (٥). تعاشر قوم في المعاصي فحالهم … غدًا للتبري والندامة عقبًا فأين هم من فتية قد تحاببوا … على طاعة المولى وفي حبه تاهوا هنيئًا لهم في اللَّه حبهم لقد … كفى شرفًا من أن يحبهم اللَّه وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: "سبعة يُظلهم اللَّه في ظِلِّه يوم لا ظل إلَّا

стр. 976

ظله (١)، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابَّا في اللَّه اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف اللَّه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما قدمت يمينه، ورجل ذكر اللَّه خاليًا ففاضت عيناه" (٢). وقد جمعهم بعض الحفاظ في بيت: وقال النبي المصطفى أن جمعتهُ … يظلهم اللَّه العظيم بظله محبّ عفيف ناشئ متصدق … وذاك مصل والإمام العادل فصل وورد من حديث البراء بن عازب مرفوعًا: "إن للَّه تعالى خوَّاص يسكنهم الرفيع من الجنان، كانوا أعقل الناس". قالوا: يا رسول اللَّه وكيف كانوا كذلك؟ قال: "همتهم المسابقة إلى ربهم والمسارعة إلى ما يرضيه، وزهدوا في الدنيا، وفضولها ورياستها ونعيمها، فصبروا قليلًا، واستراحوا طويلًا" (٣). وعن أنس رفعه: "بدلاء أمتي أربعون رجلًا، اثنان وعشرون بالشام، وثمانية

стр. 977

عشر بالعراق، كلما مات واحدًا بدَّل اللَّه مكانه آخر، فإذا جاء الأمر قُبضوا" (١). وعن ابن مسعود رفعه (٢): "إن للَّه في الأرض ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم، وأربعون قلوبهم على قلب موسى، وسبعة على قلب إبراهيم، وخمسة على قلب جبريل، وثلاثة على قلب ميكائيل، وله واحد قلبه على قلب إسرافيل، فإذا مات واحد أبدل اللَّه مكانه من الثلاثة (٣). وإذا مات من الثلاثة أبدل مكانه من الخمسة، وإذا مات من الخمسة أبدل اللَّه مكانه من السبعة وإذا مات من السبعة أبدل اللَّه مكانه من الأربعين. وإذا مات من الأربعين أبدل اللَّه مكانه من الثلاثمائة وإذا مات من الثلاثمائة أبدل اللَّه مكانه من العامة. يرفع اللَّه بهم البلاء عن هذه الأمة" (٤). وعن عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: "هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق اللَّه؟ (٥) قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: أول من يدخل الجنة من خلق اللَّه الفقراء المهاجرون الذين تُسد بهم الثغور، وتُتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء. قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما

стр. 978

صبرتم فنعم عقبى الدار". رواه ابن حبان (١) في صحيحه. وعن أنس بعث الفقراء إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه إن الفقراء (٢) يقولون لك إن الأغنياء قد ذهبوا بالخير كله. وفي لفظ: ذهبوا بالجنة هم يحجون ولا نقدر عليه ويتصدقون ويعتقون، ولا نقدر عليه. وإذا مرضوا بعثوا بفضل أموالهم ذُخرًا لهم. فقال ﷺ : "بلِّغ الفقراء عني أن لمن صبر واحتسب منهم ثلاث خصال ليس للأغنياء منها شيء: أما الأولى: فإن في الجنة غُرفًا من ياقوت أحمر ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الدنيا إلى النجوم لا يدخلها إلا نبي فقير، أو شهيد فقير، أو مؤمن فقير. والثانية: يدخل الفقراء الجنة قبلهم بنصف يوم وهو مقدار خمسمائة عام (٣). والثالثة: إذا قال الفقير سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلَّا اللَّه واللَّه أكبر مخلصًا (٤) وقال الغني مثل ذلك، لم يلحق الغني الفقير في فضله، فتضاعف الثواب، وإن أنفق الغني منها عشرة الآف درهم. وكذلك أعمال البر كلها". فرجع الرسول فأخبرهم بذلك فقالوا: رضينا يا ربنا رضينا.

стр. 979

وعن عبد اللَّه بن مغفل قال: (١) قال رجل يا رسول اللَّه واللَّه إني لأُحبك. فقال: "انظر ما تقول؟ " قال: واللَّه إني أُحبك ثلاث مرات. قال: "إن كنت تحبني فاتخذ للفقر تجفافًا (٢)، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه" حسَّنه الترمذي. التجفاف: شيء تلبسه الفرس تقي به الأذى. وعن الحسن البصري أنه روى عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (٣) "أكثروا من معرفة الفقراء، واتخذوا عندهم الأيادي، فإن لهم دولة". قالوا: يا رسول اللَّه وما دولتهم؟ قال: "إذا كان يوم القيامة قيل لهم انظروا إلى من أطعمكم كسرة أو كساكم ثوبًا، أو سقاكم شربة في الدنيا، فخذوا بيده، ثم امضوا به إلى الجنة" (٤). وعن الحسن أيضًا رفعه: (٥) "يؤتى بالفقير يوم القيامة فيعتذر اللَّه إليه كما يعتذر الرجل إلى الرجل في الدنيا. ويقول: وعزتي وجلالي ما زويتها عنك لهوانك عليَّ، ولكن ما أعددت لك من الكرامة والفضيلة. أُخرج يا عبدي إلى هذه الصفوف فانظر إلى من أطعمك أو كساك وأراد بذلك وجهي فخُذ بيده فهو لك، والناس يومئذ قد ألجمهم العرق (٦) فيتخلل الصفوف وينظر

стр. 980

من فعل به ذلك في الدنيا، فيأخذ بيده ويدخله الجنة. ويروى أن اللَّه تعالى أوحى إلى موسى ﵊: يا موسى إن من عبادي من لو سألني الجنة بحذافيرها لأعطيته، ولو سألني علاقة سوط من الدنيا لم أُعطه (١). وليس ذلك من هوان له، ولكني أريد أن أدخر له في الآخرة من كرامتي (٢)، وأخرجه من الدنيا كما يجيء الراعي غنمة من مراعي السوء. ومن حديثه قال: ما من يوم أقر لعيني ولا أحب لنفسي من يوم آتي أهلي، فلا أجد عندهم طعامًا فيقولون: ما نقدر على قليل ولا كثير، وذلك أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه تعالى أشد حميَّة للمؤمن من الدنيا من المريض أهله الطعام والشراب. واللَّه تعالى أشد تعاهدًا للمؤمن بالبلاء من الوالد لولده بالخير" (٣). وعن ابن عمر مرفوعًا: (٤) "لكل شيء مفتاح ومفتاح الجنة حُب المساكين، والفقراء الصُبُر جلساء اللَّه يوم القيامة". وورد بإسناد صححه الحاكم: "اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في

стр. 981

زمرة المساكين" (١). وقد ورد أن اللَّه تعالى عرض عليه مفاتيح كنوز الأرض وخيره بين أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًا عبدًا فاستشار جبريل، فأشار عليه أن تواضع، فقال بل نبيًا عبدًا، أجوع يومًا، وأشبع يومًا، فإذا جعت دعوت اللَّه، وإذا شبعت شكرت اللَّه". فقصد أن يكون شُغله باللَّه في حالتي الشدَّة والرخاء والنعمة والبلاء. وقد صح من حديث شداد بن أوس (٢): "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللَّه" (٣). أخرجه الترمذي وحسنه. وروى من حديث زيد بن أسلم مرفوعًا: "إذا أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف فتصدق بها وأخرج آخر درهمًا من درهمين لا يملك غيرهما طيبة نفسه صار صاحب الدرهم الواحد أفضل من صاحب مائة ألف". ويشهد له قوله ﷺ : "سبق درهم مائة ألف" (٤).

стр. 982

أخرجه النسائي. ويقويه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (١). وقوله ﷺ : "أفضل الصدقة جهد البلاء" (٢). لئن كان للأموال فخر على الثرى … فللفقر فخر بالثريا معلق وإن أنفق النُّفاق ألف عديدة … فدرهم أهل الفقر يا صاح يسبق وعن الضحاك (٣): "من مرَّ في السوق فرأى شيئًا يشتهيه ولا يقدر عليه فصبر واحتسب كان خيرًا له من ألف دينار ينفقها كلها في سبيل اللَّه". وعن أبي الدرة: "أهل الأموال يأكلون ونأكل ويشربون ونشرب، ويلبسون ونلبس، ولهم فضول يحاسبون عليها، ونحن بُرآء منها". وعن عبد اللَّه بن عمر قال (٤): يجمع اللَّه الخلق يوم القيامة فيقال: أين فقراء هذه الأمة ومساكينها فيتراؤون فيقال: ما عندكم؟ فيقولون: يا رب ابتلينا فصبرنا، وأنت أعلم، ووليت الأموال والسلطان غيرنا، قال: فيقال: صدقتم. فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمان ويبقى شدَّة الحساب على ذوي الأموال. وعن أبي سليمان الداراني (٥) قال: تنفس فقير دون شهوة لا يقدر عليها أفضل

стр. 983

من عبادة غني ألفي عام. وعن ابن وهب قال: درهم الفقير أزكى عند اللَّه من دينار الغني. وعن بعض السادة أنه جاءه إنسان فقال: ادع اللَّه لي فقد أضر بي العيال. فقال له الشيخ: إذا قال لك عيالك: ما عندنا دقيق ولا خبز، فادع اللَّه فإن دعاءك في تلك الساعة أرجى من دعائي لك (١). وعن بعضهم أنه قال له أولاده ما عندنا عشاء فقالوا: نحن أهون على اللَّه من أن يجوعنا، إنما يجوع أحبابه - أو قال أولياؤه. وعن الأرقم (٢) قال: رأيت عليًا وهو يبيع سيفًا له بالسوق ويقول: من يشتري مني هذا السيف. فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول اللَّه ﷺ . ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته. وعن سلمان الفارسي أنه قال: إنما مثل المؤمن في الدنيا كمثل المريض معه طبيبه الذي يعلم دواءه، فإذا اشتهى ما يضره منعه، فلا يزال يمنعه حتى يبرأ. فكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة من العيش فيمنعه اللَّه إياه، حتى يتوفاه، فيدخله الجنة. وعن الإمام أحمد أنه سُئل عن استعاذة (٣) رسول اللَّه ﷺ من الفقر، وقد أخبر

стр. 984

بما فيه من الثواب؟ فقال: إنما معناه فقر القلب، ولا فقر اليد. وعن الجنيد (١) أنه جاءه شخص بخمسمائة دينار فوضعها بين يديه وقال: فرِّقها على هؤلاء الجماعة. فقال: ألك غيرها؟ قال: نعم لي دنانير كثيرة. قال: أتريد زيادة على ما تملك؟ قال: نعم. قال: خذها فإنك أحوج إليها منا، ولم يقبلها (٢). لكسرةٍ من جريش الخبز تُشبعني … وشربة من قراح الماء ترويني وخرقة من حرس السور تكفيني … حيًا فإن مت تكفيني لتكفيني وعن إبراهيم بن أدهم (٣) أنه جاءه رجل بعشرة آلاف درهم، فأبى أن يقبلها

стр. 985

وقال: تريد أن تمحو اسمي من ديوان الفقراء بذلك. لا أفعل ذلك. ولست بمال إلى جانب الغنى … إذا كانت العلياء في جانب الفقر وعنه أيضًا طلب أبناء الدنيا الراحة في الدنيا فأُعطوا ولو علموا أن الملك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف. وعن ذي النون (١) قال: الزهاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين. وعن إبراهيم بن أدهم أنه قال لرجل: أتحب أن تكون وليًا؟ قال: نعم، قال: لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة، وفرغ نفسك للَّه، وأقبل بوجهك عليه، ليقبل عليك ويواليك. وقد صح: ازهد في الدنيا يحبك اللَّه وازهد فيما بين أيدي الناس يحبك الناس" (٢). وعن أبي يزيد البسطامي أنه قال: إن للَّه عبادًا لو حجبهم في الجنة من رؤيته لاستغاثوا من الجنة، كما يستغيث أهل النار من النار. قلت: وسيدنا عليه أفضل الصلاة والسلام قد جمع له بين الحالين: الفقر والغنى، وهو سيد الزهاد. وجمع الصحابة المال كعبد الرحمن بن عوف (٣) ليس للمباهاة كما نبه عليه
следующие страницы →