٥ - تصرف المحجور عليه بعين مال الدائن بعد أن طلبها.
المطلب الثاني: حكم الإقدام على التصرف:
الإقدام على التصرف بالعين التي تعلق بها حق الغير بعد أن أخذ به لا يجوز؛ لأنه تفويت لحق الغير وتضييع له فلا يجوز؛ كالغصب.
المطلب الثالث: نفوذ التصرف لو وقع:
اختلف في نفوذ التصرف المسقط لحق الغير على قولين:
القول الأول: أنه لا ينفذ، لأنه يفوت حق الغير ويضيعه عليه، ويلحق به الضرر، فلا ينفذ؛ لحديث "لا ضرر ولا ضرار" (١). وللقاعدة الفقهية المأخوذة منه: "الضرر يزال".
القول الثاني: أنه يتوقف على إجازة من له الحق، فإن أجازه نفذ، وإن لم يجزه لم ينفذ، كتصرف الفضولي.
ولعل هذا هو الأقرب؛ لأن منع التصرف محافظة على حق صاحب الحق، فإذا أسقطه سقط.
المبحث الثاني: إذا كان الحق الذي يسقطه التصرف قد طالب به صاحبه ولم يتملكه:
وفيه ثلاثة مطالب:
١ - أمثلة التصرف.
٢ - حكم الإقدام على التصرف.
٣ - نفوذ التصرف.
المطلب الأول: أمثلة التصرف:
من أمثلة هذا التصرف ما يأتي:
стр. 177
١ - تصرف البائع بالمبيع مدة خيار المشتري المشترط في العقد؛ وذلك أن اشتراط المشتري للخيار يتضمن المطالبة به وذلك كعتق البائع للمبيع، أو وقفه.
٢ - تصرف المشتري بالشقص بعد مطالبة الشفيع بالشفعة بوقف أو هبة ونحوهما.
٣ - تصرف الزوجة بنصف الصداق بعد الطلاق وقبل الدخول قبل أخذ الزوج له.
المطلب الثاني: حكم الإقدام على التصرف:
الإقدام على التصرف المسقط لحق الغير بعد أخذه به لا يجوز؛ لأنه يفوت هذا الحق على صاحبه ويضيعه عليه، ويلحق به الضرر، وقد جاء في الحديث: "لا ضرر ولا ضرار".
المطلب الثالث: نفوذ التصرف لو حصل:
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا ينفذ لما تقدم في المطلب الثاني.
القول الثاني: أنه يتوقف على إجازة من له الحق، ولعل هذا هو الأقرب؛ لأن منع التصرف لحفظ حق صاحب الحق، فإذا أجاز التصرف فقد أسقط حقه فيسقط.
المبحث الثالث: إذا كان الحق الذي يسقط بالتصرف لم يأخذ به صاحبه ولم يطالب به:
وفيه ثلاثة مطالب:
١ - أمثلة التصرف.
٢ - حكم الإقدام على التصرف.
٣ - نفوذ التصرف لو وقع.
المطلب الأول: أمثلة التصرف:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
стр. 178
١ - مفارقة أحد المتبايعين للآخر من مجلس العقد خشية أن يفسخ العقد.
٢ - تصرف المشتري بالشقص بالوقف، أو العتق قبل طلب من له الشفعة.
٣ - وطء العبد لزوجته المعتقة قبل علمها بالعتق ليسقط خيارها.
المطلب الثاني: حكم الإقدام على التصرف:
الإقدام على التصرف المسقط لحق الغير لا يجوز ولو لم يأخذ به؛ لأن هذا التصرف يفوت على صاحب الحق حقه ويلحق به الضرر فلا يجوز، كما لو طلبه.
وقيل: يجوز؛ لاحتمال ألا يأخذ صاحب الحق بهذا الحق، فلا يمنع التصرف المسقط له؛ ولأن الأصل جواز تصرف المالك بملكه فلا يمنع منه لمجرد الاحتمال.
والأول: أظهر لما تقدم في توجيهه.
المطلب الثالث: نفوذ التصرف لو حصل:
الخلاف في نفوذ هذا التصرف كالخلاف في نفوذ التصرف المتقدم في المطلب الثالث من المبحث الثاني.
* * *
القاعدة الخامسة والخمسون
من ثبت له حق التملك بعقد أو فسخ، هل يكون تصرفه تملكًا أم لا؟ وهل ينفذ تصرفه أو لا؟
المشهور من المذهب أنه لا يكون تملكًا، ولا ينفذ، وفي بعض صورها خلاف، ومن صور المسألة البائع بشرط الخيار إذا تصرف في المبيع لم يكن تصرفه فسخًا، ولم ينفذ، نص عليه.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
стр. 179
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - حكم التصرف.
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
تضمنت هذه القاعدة قاعدتين:
القاعدة الأولى: من ثبت له حق التملك بعقد أو فسخ لم يكن تصرفه تملكًا (١).
وقيل: بلى (٢).
القاعدة الثانية: من تصرف فيما له حق التملك بعقد أو فسخ لم ينفذ تصرفه (٣).
وقيل: بلى (٤).
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
وفيه مبحثان:
١ - أمثلة القاعدة الأولى.
٢ - أمثلة القاعدة الثانية.
المبحث الأول: أمثلة القاعدة الأولى:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - تصرف البائع بالمبيع، مدة الخيار هل يعد فسخًا، أو لا بد من الفسخ بالقول؟ .
٢ - تصرف الشفيع بالشقص المشفوع قبل الأخذ بالشفعة هل يقوم مقام الأخذ بالشفعة بالقول، أو لا يقوم؟ .
стр. 180
٣ - تصرف الموصى له بالوصية قبل القبول، هل يقوم مقام القبول بالقول أو لا؟ .
المبحث الثاني: أمثلة القاعدة الثانية:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - عدم نفوذ تصرف البائع بالمبيع مدة الخيار.
٢ - عدم نفوذ تصرف الشفيع بالشقص الشفوع قبل الأخذ بالشفعة.
٣ - عدم نفوذ تصرف من وجد عين ماله عند المدين المحجور عليه في تلك العين قبل استرجاعها.
الموضع الثالث: حكم التصرف:
وفيه مبحثان:
١ - حكم الإقدام على التصرف.
٢ - نفوذ التصرف إذا وجد.
المبحث الأول: حكم الإقدام على التصرف:
هذا التصرف لا يجوز؛ لأنه تصرف قي الشيء قبل تملكه، وقد يفضي إلى توارد العقود على عين واحدة في وقت واحد، كما لو تصرف المشتري والبائع في مدة الخيار في وقت واحد.
وكما لو تصرف الموصى له والورثة في الموصى به قبل قبول الموصى له في وقت واحد.
وقيل: يجوز بناء على الاكتفاء بمقارنة الشرط للعقد.
المبحث الثاني: نفوذ التصرف لو حصل:
هذا التصرف لا ينفذ؛ لأنه تصرف فيما لا يملكه المتصرف. والملك شرط لصحة التصرف.
وقد يقال: بالنفوذ بناء على الاكتفاء بمقارنة الشرط للعقد.
* * *
стр. 181
القاعدة السادسة والخمسون
شروط العقد من أهلية العاقد أو المعقود له أو عليه إذا وجدت مقارنة بها ولم تتقدم عليها هل يكتفى بها في صحتها أو لا بد من سبقها؟ .
المنصوص عن أحمد الاكتفاء بالمقارنة في الصحة. وفيه وجه آخر، لا بد من السبق، وهو اختيار ابن حامد والقاضي في الجملة.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - حكم العقد.
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
معنى هذه القاعدة: أن مقارنة شروط العقد لإبرامه لا تكفي لصحته (١).
وقيل: بلى (٢).
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - إذا توافق تصرف المحجور عليه في ماله مع فك الحجر عنه.
٢ - من باع شيئًا بشرط رهنه على ثمنه، حيث قارن الملك للمبيع عقد الراهن.
٣ - إذا تزوج أمته وجعل عتقها صداقها، حيث قارن العتق عقد النكاح، فقارنت الحرية عقد النكاح وهي شرط لصحته.
стр. 182
٤ - مقارنة حرية الوارث لموت المورث، كما لو قال السيد لعبده: أنت حر حين موت أبيك، فقارنت الحرية وهي شرط للإرث موت المورث وهو شرط ثبوت الإرث.
الموضع الثالث: حكم العقد:
إذا قارنت الشروط المشروط، فقد اختلف في صحته. فقيل. يصح، اكتفاء بمقارنة الشرط للمشروط.
وقيل: لا يصح؛ لأن الشرط يجب أن يتقدم على المشروط.
* * *
القاعدة السابعة والخمسون
إذا تقارن الحكم ووجود المنع منه، فهل بثبت الحكم، أم لا؟
المشهور: أنه لا يثبت.
وقال: ابن حامد: يثبت.
وإن تقارن الحكم ووجود المانع، فهل يثبت الحكم معه؟
فيه خلاف.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - ثبوت الحكم.
стр. 183
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
معنى هذه القاعدة: أن مقارنة الحكم للمانع منه تمنع ثبوته (١).
وقيل: لا تمنعه (٢).
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - إذا قال لزوجته: أنت طالق مع انقضاء عدتك.
وذلك أن انقضاء العدة مانع من وقوع الطلاق؛ لأنه لا يصادف محلا، وقد علق الطلاق بوجود هذا المانع فاجتمع الحكم وهو وقوع الطلاق، مع المانع منه وهو انقضاء العدة.
٢ - إذا جمع من يحل له نكاح الأمة بعقد واحد بين حرة وأمة.
وذلك أن العقد على الأمة قارن الاستغناء عنها بالحرة. وذلك مانع من نكاح الأمة، فاجتمع الحكم وهو نكاح الأمة مع المانع منه، وهو القدرة على نكاح الحرة.
٣ - توريث الطفل المحكوم بإسلامه بموت أحد أبويه، إذا مات أحدهما. وذلك أن الإرث مرتب على الموت، والحكم بالإسلام مرتب عليه أيضًا. فاجتمع الحكم بالإرث مع المانع منه. وهو اختلاف الدين، حيث إن المورث كافر، والوارث مسلم.
الموضع الثالث: ثبوت الحكم:
إذا قارن الحكم المانع منه، فقد اختلف في ثبوت الحكم على قولين:
القول الأول: أنه يثبت.
القول الثاني: أنه لا يثبت.
* * *
стр. 184
القاعدة الثامنة والخمسون
من تعلق به الامتناع من فعل هو متلبس به، فبادر إلى الإقلاع عنه، هل يكون إقلاعه فعلا بعده للممنوع منه، أو تركًا له فلا يترتب عليه شيء من أحكامه؟
هذه عدة أنواع:
أحدها: ألا يتعلق به حكم الامتناع بالكلية إلا وهو متلبس به فلا يكون نزعه فعلا للممنوع منه.
النوع الثاني: أن يمنعه الشارع من الفعل في وقت معين، ويعلم بالمنع، ولكن لا يشعر بوقت المنع حتى يتلبس بالفعل فيقلع عنه في الحال، فاختلف أصحابنا في ذلك.
النوع الثالث: أن يعلم قبل الشروع في فعل أنه إذا شرع فيه يترتب عليه تحريمه، وهو متلبس به.
فهل يباح له الإقدام على ذلك الفعل؛ لأن التحريم لم يثبت حينئذ، أم لا يباح له؛ لأنه يعلم أن إتمامه يقع حرامًا؟
فيه لأصحابنا قولان.
النوع الرابع: أن يتعمد الشروع في فعل محرم عالمًا بتحريمه ثم يريد تركه والخروج منه، وهو متلبس به فيشرع في التخلص منه بمباشرته.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - حكم الفعل.
стр. 185
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
تضمن ما ذكر تحت هذه القاعدة ست قواعد:
القاعدة الأولى: من منع من فعل هو متلبس فيه فتركه في الحال لم يعتبر تركه فعلا له (١).
القاعدة الثانية: من منع من فعل هو ملتبس فيه فلم يبادر إلى الإقلاع عنه كان كمن ابتدأ فعله وقت المنع (٢).
القاعدة الثالثة: من أقدم على فعل مباح وهو يعلم أنه سيمنع منه قبل فراغه كان كمن ابتدأ فعله وقت المنع (٣).
القاعدة الرابعة: من أقدم على فعل مباح وهو يعلم أنه سيمنع منه، وكان يظن أنه سيفرغ منه قبل وقت المنع منه، فحصل المنع قبل فراغه فأقلع في الحال لم يعتبر تركه فعلا له (٤).
وقيل: بلى (٥).
القاعدة الخامسة: من أقدم على فعل مباح وهو يعلم أنه سيمنع منه ظانًا أنه سيفرغ منه قبل وقت المنع فحصل المنع قبل فراغه فلم يبادر إلى الإقلاع عنه كان كمن ابتدأ فعله وقت المنع (٦).
وقد يفرق بين المعذور وغيره.
стр. 186
القاعدة السادسة: فعل المحرم للتخلص منه كفعله ابتداء (١).
وقيل: لا (٢).
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: أمثلة القاعدة الأولى:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - من حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابس له فخلعه في الحال.
٢ - من حلف لا يركب سيارة وهو راكب لها فنزل في الحال.
٣ - من حلف لا يدخل دارًا وهو فيها فخرج منها في الحال.
٤ - من أحرم وعليه قميص فنزعه في الحال.
المبحث الثاني: أمثلة القاعدة الثانية:
من أمثلة هذه القاعدة أمثلة القاعدة الأولى إذا لم يبادر إلى ترك الممنوع في الحال.
المبحث الثالث: أمثلة القاعدة الثالثة:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - من ابتدأ الجماع قبل طلوع الفجر وهو ممن يلزمه الصيام مع علمه أنه لن يفرغ قبل طلوعه.
٢ - إذا علق طلاق امرأته الذي تبين به على وطئها ثم وطئها فإنها كانت قبل الوطء مباحة ثم حرمت بالوطء.
المبحث الرابع: أمثلة القاعدة الرابعة:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
стр. 187
١ - من علق طلاق امرأته الذي تبين به على صفة فوجدت تلك الصفة وهو يجامع فنزع في الحال، فإنها حيث بدء الجماع كانت مباحة؛ لأن الصفة التي علق عليها الطلاق لم توجد، ثم حدث التحريم أثناء الجماع لوجود تلك الصفة.
٢ - من طلع عليه الفجر يجامع وهو ممن يلزمه الصيام فنزع في الحال. فإن ابتداء الجماع كان مباحًا؛ لأنه قبل طلوع الفجر، ثم حدث التحريم حال الجماع بطلوع الفجر.
٣ - من حلف لا يركب سيارة فيها مدخن وفي الطريق ركب معه مدخن فنزل في الحال. فإنه حين ركوبه السيارة لم يكن ممنوعًا من ركوبها؛ لأنه لا يوجد فيها مدخن، ثم حدث المنع أثناء ركوبه لركوب المدخن معه.
المبحث الخامس: أمثلة القاعدة الخامسة:
من أمثلة هذه القاعدة، أمثلة القاعدة الرابعة إذا لم تحصل المبادرة إلى التخلص من الفعل.
المبحث السادس: أمثلة القاعدة السادسة:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - تحركات الغاصب للدار في إخراج متاعه منها ليردها إلى صاحبها.
٢ - تحركات الغاصب بالسيارة المغصوبة ليردها إلى صاحبها.
٣ - تغطية المحرم رأسه بالقميص حال خلعه للتخلص منه.
٤ - غسل المحرم الطيب من بدنه بيده ليتخلص منه.
الموضع الثالث: حكم الفعل:
وفيه ستة مباحث.
المبحث الأول: حكم الفعل في القاعدة الأولى:
إذا بادر من ثبت له حكم المنع من الفعل إلى التخلص منه حال إمكان التخلص منه لم يترتب عليه حكم الفعل ابتداء؛ لأنه فعل ما يمكنه فعله، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
стр. 188
المبحث الثاني: حكم الفعل في القاعدة الثانية:
وفيه مطلبان.
١ - إذا كان ترك المبادرة لعذر.
٢ - إذا كان ترك المبادرة لغير عذر.
المطلب الأول: حكم الفعل اذا كان ترك المبادرة لعذر:
وفيه فرعان:
١ - أمثلة ترك المبادرة لعذر.
٢ - حكم الفعل.
الفرع الأول: أمثلة ترك المبادرة لعذر:
من أمثلة ذلك ما يأتي.
١ - أن يسجن الحالف في الدار التي حلف لا يدخلها.
٢ - ألا يجد من حلف لا يلبس قميصًا هو لابسه غير ذلك القميص.
٣ - ألا يجد من أحرم بالقميص إزارًا يتزر به.
الفرع الثاني: حكم الفعل:
إذا كان من لزمه التخلص من الأمر الذي طرأ عليه المنع منه وهو متلبس به معذورا، فلا شيء عليه؛ لأنه لا يقدر على التخلص منه فلا يؤاخذ على الاستمرار فيه، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
المطلب الثاني: حكم الفعل إذا كان ترك المبادرة إلى تركه لغير عذر:
وفيه فرعان.
١ - أمثله ترك المبادرة إلى التخلص من الأمر الممنوع منه من غير عذر.
٢ - حكم الفعل.
стр. 189
الفرع الأول: الأمثلة:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
١ - من أحرم وهو لابس مخيطًا فلم يبادر إلى نزعه ولديه إزار.
٢ - من حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابس له فلم يبادر إلى خلعه ولديه غيره.
٣ - من حلف لا يجلس في دار وهو فيها فلم يبادر إلى الخروج منها وهو يتمكن من ذلك.
الفرع الثاني: حكم الفعل:
من أمكنه التخلص من الأمر الممنوع منه فلم يفعل، كان كمن شرع فيه بعد المنع منه؛ لأن الاستمرار له حكم الابتداء.
المبحث الثالث: حكم الفعل في القاعدة الثالثة:
إذا علم من أقدم على فعل مباح أنه سيحرم عليه وهو متلبس فيه، ولا يمكنه التخلص منه إلا بممارسه، فهو كمن شرع فيه بعد تحريمه.
المبحث الرابع: حكم الفعل في القاعدة الرابعة:
من أقدم على فعل مباح وهو يعلم أنه سيمنع منه وكان يظن أنه سيفرغ منه قبل وقت تحريمه فحصل المنع قبل فراغه، فأقلع في الحال فلا شيء عليه، لأنه حال دخوله في الفعل كان مباحا، وقد بادر إلى التخلص منه حال علمه بالمنع، وهذا ما بوسعه أن يعمله وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وقيل: يلزمه الحكم الدنيوي، ولا يلحقه إثم.
المبحث الخامس: حكم الفعل في القاعدة الخامسة:
وفيه مطلبان.
١ - إذا كان من لم يبادر إلى ترك الفعل معذورا.
стр. 190
٢ - إذا كان من لم يبادر إلى ترك الفعل غير معذورا.
المطلب الأول: إذا كان من لم يبادر إلى ترك الفعل معذورًا:
وفيه فرعان.
١ - أمثلة العذر.
٢ - حكم الفعل.
الفرع الأول: أمثلة العذر:
من أمثلة ذلك:
من وقعت عليه نجاسة وهو يصلي، وهو لا يستطيع التخلص منها؛ لأنه لا يجد ما يستر به عورته غير هذا المتنجس، وليس لديه ما يزيل به النجاسة، فاستمر في صلاته؛ لأن حاله لا تتغير بخروجه منها، وذلك أنه كان حين دخوله في الصلاة كانت مباحة ثم طرأ المنع منها بحدوث النجاسة، وهو معذور في ترك المبادرة إلى التخلص منها كما تقدم.
الفرع الثاني: حكم الفعل:
إذا كان من لم يبادر إلى ترك الممنوع بعد علمه بالمنع معذورًا فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
والمعذور قد فعل ما بوسعه.
المطلب الثاني: إذا كان من لم يبادر إلى التخلص من الممنوع غير معذور:
إذا لم يكن من لم يبادر إلى التخلص من الممنوع معذورًا كان كمن فعله بعد علمه بالمنع منه.
المبحث السادس: حكم الفعل في القاعدة السادسة:
وفيه مطلبان.
١ - حكم الإقدام على فعل التخلص من الحرام.
стр. 191
٢ - اعتبار فعل التخلص طاعة أو معصية.
المطلب الأول: حكم الإقدام على فعل التخلص:
الإقدام على الفعل للتخلص من الحرام واجب؛ لأن التخلص من الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
المطلب الثاني: اعتبار فعل التخلص منه طاعة أو معصية:
اختلف في مباشرة الحرام للتخلص منه، هل هو طاعة أو معصية؟ على أقوال:
القول الأول: أنه طاعة؛ لأن التخلص من الحرام مأمور به، وفعل المأمور به طاعة.
القول الثاني: أنه لا يعتبر طاعة؛ لأنه مباشرة للحرام ومباشرة الحرام لا تكون طاعة، لكنه أخف من الاستمرار في المعصية فيرتكب للتخلص مما هو أكبر منه؛ بناء على: ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع كبراهما.
القول الثالث: أنه محرم لكنه لا إثم فيه؛ لأنه واجب للتخلص من محرم أكبر منه، وهذا من تعارض المفسدتين، أو تعارض المفسدة والمصلحة.
وهذا وجيه، فلا يلحق به إثم للعذر؛ إذ لا يمكن التخلص من الحرام إلا بمباشرته، ولا يكون طاعة؛ لأنه مباشرة للحرام، ومباشرة الحرام لا تكون طاعة.
* * *
القاعدة التاسعة والخمسون
العقود لا تَرِدْ إلا على موجود بالفعل أو بالقوة، وأما الفسوخ فتَرِد على المعدوم حكما، أو اختيارا على الصحيح.
стр. 192
وقد دل عليه حديث المصراة (١)، حيث أوجب الشارع رد صاع التمر عوضًا عن اللبن بعد تلفه.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في أربعة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - الفرق بين الموجود بالفعل والموجود بالقوة.
٣ - الفرق بين الفسخ الحكمي، والفسخ الاختياري.
٤ - أمثلة القاعدة.
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
تضمنت هذه القاعدة قاعدتين.
القاعدة الأولى: العقود التي يقع بها التعامل بين الناس لا بد أن تكون على أعيان موجودة حال إبرام العقد، أو على موصوف في الذمة يتحقق وجوده عند حلول الوفاء، وإن لم يكن موجودا بالفعل عند إبرام العقد (٢).
القاعدة الثانية: الفسوخ -وهي إلغاء العقود وإبطال آثارها- تقع في المعدوم حكمًا، وتقع فيه اختيارًا (٣)، وقيل: لا تقع في المعدوم اختيارًا (٤).
الموضع الثاني: الفرق بين الموجود بالفعل، والموجود بالقوة:
الموجود بالفعل: هو متحقق الوجود حين إبرام العقد.
стр. 193
والموجود بالقوة: هو المعدوم حين العقد لكنه موصوف في الذمة، متحقق الوجود غالبًا عند وجوب الوفاء.
الموضع الثالث: الفرق بين الفسخ الحكمي، والفسخ الاختياري:
الفسخ الحكمي: هو إلغاء العقد وإبطال أثره بقطع النظر عن رضا من يعنيه ورغبته.
والفسخ الاختياري: هو إلغاء العقد وإبطال أثره ممن يعنيه برغبته واختياره.
الموضع الرابع: أمثلة القاعدة:
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: أمثلة ورود العقد على الموجود فعلًا:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
١ - العقد على بيت معين معلوم.
٢ - العقد على سيارة معينة معلومة.
المبحث الثاني: ورود العقد على موجود بالقوة:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
١ - عقد السلم فإنه عقد على موصوف في الذمة غير موجود وقت العقد، وقد جرت العادة بتوفره وقت وجوب الوفاء.
٢ - العقد على سيارة موصوفة في الذمة غير موجودة وقت العقد وقد جرى العرف والعادة على وجودها عند وجوب التسليم.
٣ - العقد على توريد أثاث منزلي موصوف في الذمة غير موجود وقت العقد، وقد جرت العادة بوجوده وقت وجوب التسليم.
المبحث الثالث: أمثلة الفسخ في الموجود فعلًا:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
стр. 194
١ - من اشترى سيارة فوجدها معيبة؛ فإن له ردها وأخذ الثمن.
٢ - من اشترى بيتًا فوجده معيبًا، فإن له رده وأخذ الثمن.
٣ - من باع أرضًا بسيارة فوجد السيارة معيبة، فإن له ردها واسترجاع الأرض.
المبحث الرابع: أمثلة الفسخ الحكمي:
وفيه مطلبان:
١ - أمثلة الفسخ الحكمي في الموجود.
٢ - أمثلة الفسخ الحكمي في المعدوم.
المطلب الأول: أمثلة الفسخ الحكمي في الموجود:
من أمثلة الفسخ الحكمي في الموجود ما يأتي:
١ - إذا أرضعت الزوجة الكبرى الزوجة الصغرى، الرضاع المحرم، فإنه ينفسخ نكاح الصغرى إن كان الرضاع بعد الدخول بالكبرى؛ لأن الصغرى صارت ربيبة للزوج مدخولًا بأمها. وينفسخ نكاح الكبرى إن كانت لم يدخل بها؛ لأنها صارت أمًا للصغرى وهي معقود عليها.
٢ - إذا ملك الزوج زوجته الأمة، فإنه ينفسخ النكاح؛ لأن ملك اليمين أقوى من النكاح، لأنه يملك العين والمنفعة.
بخلاف النكاح فإنه يبيح المنفعة دون العين.
المطلب الثاني: أمثلة الفسخ الحكمي في المعدوم:
من أمثلة الفسخ الحكمي في المعدوم ما يأتي:
١ - إذا تلفت الثمرة على الشجر بآفة سماوية، فإنه ينفسخ العقد حكمًا، لقوله ﷺ : "أرأيت إن منع اللَّه الثمرة بم تأخذ مال أخيك" (١).
стр. 195
٢ - إذا تلفت العين المؤجرة قبل تمام المدة، فإن العقد ينفسخ حكمًا في الباقي لتعذر استيفاء المنفعة المعقود عليها.
المبحث الخامس: أمثلة الفسخ الاختياري:
وفيه مطلبان:
١ - أمثلة الفسخ الاختياري في المعدوم.
٢ - أمثلة الفسخ الاختياري في الموجود.
المطلب الأول: أمثلة الفسخ الاختياري في المعدوم:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
١ - الثمرة المبيعة على الشجر إذا تلفت بفعل أجنبي غير البائع والمشتري، فإنه يخير المشتري بين الفسخ والرجوع على البائع بالثمن، وبين إمضاء العقد والرجوع على المتلف بالقيمة.
٢ - إذا تلف المبيع في مدة الخيار، فإنه يخير البائع -إذا كان المبيع من ضمان المشتري- بين الفسخ وأخذ عوض المبيع وبين إمضاء العقد وأخذ الثمن.
ويخير المشتري -إن كان المبيع من ضمان البائع- بين الفسخ وأخذ الثمن، وبين إمضاء العقد ومطالبة البائع بعوض المبيع.
٣ - إذا اختلف المتبايعان بقدر الثمن والمبيع تالف، فإنهما يتحالفان ويفسخ البيع ويغرم المشتري القيمة على إحدى الروايتين.
والرواية الأخرى القول قول المشتري.
٤ - إذا اشترى ربويًا بجنسه فبان معيبًا، ثم تلف قبل رده، فإن للمشتري الفسخ ويرد البدل ويأخذ الثمن.
المطلب الثاني: أمثلة الفسخ الاختياري في الموجود:
من أمثلة ذلك ما تقدم في المبحث الثالث.
* * *
стр. 196
القاعدة الستون
التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضررًا على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد لم يجز ولم ينفذ إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان، أو نحوه، فيجوز على ذلك الوجه.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - نفوذ الفسخ.
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
تضمنت هذه القاعدة ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: إذا لم يتضمن فسخ العقد الجائز ضررًا جاز (١).
القاعدة الثانية: إذا تضمن فسخ العقد الجائز ضررًا لا يمكن تداركه لم يجز فسخه (٢).
القاعدة الثالثة: إذا أمكن تدارك الضرر المترتب على فسخ العقد الجائز جاز (٣).
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
وفيه خمسة مباحث:
стр. 197
١ - أمثلة العقود الجائزة.
٢ - أمثلة عدم وجود الضرر بالفسخ.
٣ - أمثلة عدم إمكان تدارك الضرر.
٤ - أمثلة إمكان تدارك الضرر.
٥ - أمثلة تضمن الفسخ لضرر غير المتعاقدين.
المبحث الأول: أمثلة العقود الجائزة:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
١ - عقد الوكالة.
٢ - عقود الشركات.
٣ - الولاية على الأقارب والقصر.
٤ - الوظائف الحكومية.
٥ - عقود الجعالة.
٦ - عقود المساقاة.
٧ - عقود المزارعة.
المبحث الثاني: أمثلة عدم تضمن فسخ العقد للضرر:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
١ - فسخ الوصي للوصاية في حياة الموصي؛ لأن بإمكان الموصي حينئذ أن يوصي إلى آخر ولا يفوت عليه بذلك مصلحة.
٢ - فسخ صاحب العمل لعقد الجعالة قبل الشروع فيه؛ لأنه لم يوجد عمل من أحد، ولم يفت على أحد مصلحة بهذا الفسخ.
المبحث الثالث: أمثلة عدم إمكان تدارك الضرر:
١ - فسخ ولي الدم للوكالة باستيفاء القصاص، إذا لم يعلم الوكيل إلا بعد تنفيذه؛ فإنه لا يمكن تدارك الضرر الذي حصل على المقتص منه.
стр. 198
٢ - فسخ الوكيل للوكالة في الخصومة، بعدما يتبين له توجه الدعوى على موكله، فإنه سيرتب ضررًا لا يمكن تداركه على الطرف الآخر في تأخير الفصل في الدعوى، والحصول على الحق. ولذا يرى بعض العلماء عدم انفساخ الوكالة في هذه الحالة، وإلزام الوكيل بإنهاء الدعوى.
المبحث الرابع: أمثلة إمكان تدارك الضرر:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
١ - فسخ عقد الجعالة بعد شروع العامل في العمل؛ فإنه يمكن جبر الضرر بإعطاء العامل أجرة المثل.
٢ - فسخ رب المال عقد المضاربة بعد العمل؛ فإنه يمكن جبر الضرر بإعطاء العامل أجرة المثل أو ربح المثل.
٣ - فسخ رب الأرض لعقد المزارعة بعد حرث الأرض وبذرها فإنه يمكن جبر الضرر بإعطاء العامل أجرة المثل, وقيمة ما أنفقه في ذلك.
المبحث الخامس: أمثلة تضمن الفسخ لضرر غير المتعاقدين:
من أمثلة ذلك:
١ - فسخ ولي الدم للوكالة في استيفاء القصاص إذا لم يعلم الوكيل إلا بعد تنفيذه، فإن الضرر في ذلك على المقتص منه وليس على المتعاقدين.
٢ - فسخ رب الأرض للمزارعة بعدما تعاقد المزارع مع طرف ثالث للتنفيذ فإن ضرر الفسخ سيتعدى إليه، وهو ليس أحد طرفي عقد المزارعة.
٣ - فسخ الموكل للوكالة في البيع إذا لم يعلم الوكيل إلا بعد بيعه ما وكل فيه، على القول ببطلان التصرف؛ فإن الضرر سيلحق المشتري من الوكيل.
الموضع الثالث: نفوذ الفسخ:
وفيه ثلاثة مباحث:
стр. 199
١ - نفوذ الفسخ إذا لم يحصل به ضرر.
٢ - نفوذ الفسخ إذا أمكن تدارك الضرر.
٣ - نفوذ الفسخ إذا لم يمكن تدارك الضرر.
المبحث الأول: نفوذ الفسخ إذا لم يحصل به ضرر:
إذا لم يرتب الفسخ ضررًا على أحد المتعاقدين ولا غيرهما نفذ؛ لأنه حق للمتعاقدين وهو لا يرتب ضرارًا فكان نافذًا.
المبحث الثاني: نفوذ الفسخ إذا أمكن تدارك الضرر:
إذا أمكن تدارك الضرر المترتب على الفسخ نفذ؛ لأن منع نفوذ الفسخ لدفع الضرر، وهو مندفع هنا يجبر الضرر فينفذ.
المبحث الثالث: نفوذ الفسخ إذا لم يمكن تدارك الضرر:
وفيه مطلبان:
١ - نفوذ الفسخ.
٢ - ما يترتب على عدم النفوذ.
المطلب الأول: نفوذ الفسخ:
إذا لم يمكن تدارك الضرر المترتب على فسخ العقد لم ينفذ؛ تفاديًا للضرر المترتب عليه.
المطلب الثاني: ما يترتب على عدم النفوذ:
إذا لم ينفذ الفسخ كان العقد ساري المفعول ومرتبًا لآثاره من صحة التصرف، والضمان، ونحو ذلك.
* * *
стр. 200
القاعدة الحادية والستون
المتصرف تصرفًا عامًا على الناس كلهم، من غير ولاية أحد معين، وهو الإمام، هل يكون تصرفه عليهم بطريق الوكالة لهم، أو بطريق الولاية؟ في ذلك وجهان.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - صفة التصرف.
٣ - ما يتفرع عن القاعدة.
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
معنى القاعدة: أن تصرف الحاكم على المحكومين بطريق الولاية عليهم (١).
وقيل: بطريق الوكالة لهم (٢).
الموضع الثاني: صفة التصرف:
اختلف في تصرف الحاكم عن المحكومين على قولين:
القول الأول: أنه بطريق الولاية عليهم، باعتباره واليًا على من يدخل تحت ولايته.
القول الثاني: أنه يتصرف بطريق الوكالة عنهم، باعتباره وكيلًا لكل واحد ممن يدخل تحت وكالته.
الموضع الثالث: ما يتفرع علي الخلاف الوارد في هذه القاعدة:
مما يتفرغ على هذا الخلاف: عزل الحاكم.
стр. 201
فعلى أنه وال: لا يعزل نفسه، ولا ينعزل إلا بعزل أهل الحل والعقد ممن لهم حق التولية والعزل، وعلى أنه وكيل: له أن يعزل نفسه، كالوكيل.
ولعل الأول: أظهر؛ لأن في عزل الحاكم نفسه مفاسد عظيمة يجب أن تتفادى بمنع عزله، ما دام قائمًا بحق الولاية. واللَّه أعلم.
* * *
القاعدة الثانية والستون
فيمن ينعزل قبل العلم بالعزل: المشهور أن كل من ينعزل بموت أو عزل، هل ينعزل بمجرد ذلك أم يقف عزله على علمه؟
على روايتين: وسواء في ذلك الوكيل، وغيره، والإذن للزوجة والعبد فيما لا يملكانه بدون إذن، إذا وجد بعده نهي لما يعلماه مخرج على الوكيل.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في أربعة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - نفوذ العزل قبل العلم به.
٤ - تصرف المعزول بعد العزل.
الموضع الأولى: تحرير القاعدة:
اشتملت هذه القاعدة على قاعدتين.
القاعدة الأولى: كل من ينعزل بمجرد العزل، لا يشترط علمه بالعزل (١).
стр. 202
وقيل: بلى (١).
القاعدة الثانية: النهي عن الفعل بعد الإذن فيه، عزل للمأذون له فيه (٢)
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
وفيه مبحثان:
١ - أمثلة القاعدة الأولى.
٢ - أمثلة القاعدة الثانية.
المبحث الأول: أمثلة القاعدة الأولى:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
١ - الوكيل، فإنه ينعزل بعزل الموكل، ولو لم يعلم بالعزل.
وقيل: لا.
٢ - الموظف، فإنه ينعزل بصدور قرار طي قيده ولو لم يعلم به،
٣ - العامل في المضاربة، فإنه ينعزل بعزل صاحب المال. ولو لم يعلم.
٤ - المودع فلرب المال عزله، وينعزل ولو لم يعلم.
المبحث الثاني: أمثلة القاعدة الثانية:
أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - نهي الزوجة عن الإنفاق بغير إذن الزوج بعد الإذن لها بذلك.
٢ - نهي الصبي المميز عن التصرف بالمال بعد الإذن فيه.
٣ - نهي العبد عن التصرف بالمال بعد الإذن له في ذلك.
стр. 203
الموضع الثالث: نفوذ العزل قبل العلم به:
اختلف في نفوذ العزل قبل العلم به على قولين:
القول الأول: أن العزل ينفذ، ولو لم يعلم به المعزول.
القول الثاني: أن العزل لا ينفذ إلا بعد العلم به.
الموضع الرابع: تصرف المعزول بعد العزل:
وفيه مبحثان:
١ - تصرف المعزول بعد العلم بالعزل.
٢ - تصرف المعزول قبل العلم بالعزل.
المبحث الأول: تصرف المعزول بعد العلم بالعزل:
وفيه مطلبان:
١ - أمثلة تصرف المعزول بعد العلم بالعزل.
٢ - حكم التصرف.
المطلب الأول: أمثلة التصرف بعد العلم بالعزل:
من أمثلة تصرف المعزول بعد العلم بالعزل ما يأتي:
١ - توقيع الموظف لقرارات أو عقود بعد علمه بصدور قرار طي قيده. أو نقله، أو سحب صلاحياته.
٢ - بيع المكتب العقاري للعقار الموكل في بيعه بعد سحب الوكالة.
٣ - تصرف المضارب بشيء من مال المضاربة بعد علمه بفسخ رب المال للمضاربة.
المطلب الثاني: حكم التصرف:
وفيه فرعان:
١ - حكم الإقدام على التصرف.
٢ - نفوذ التصرف.
стр. 204
الفرع الأول: حكم الإقدام على التصرف:
تصرف المعزول بعد علمه بالعزل لا يجوز؛ لأنه تصرف فيما لا ولاية له عليه، وفيما هو ممنوع من التصرف فيه، والتصرف فيما يخص الغير بغير إذنه لا يجوز، لما فيه من الفوضى، وفتح الباب للتعديات بغير حق.
الفرع الثاني: نفوذ التصرف:
تصرف المعزول بعد علمه بالعزل لا ينفذ؛ لأن من شروط نفوذ التصرف، ثبوت ولاية المتصرف على المتصرف فيه، والمعزول لا ولاية له على ما تصرف فيه فلا ينفذ تصرفه فيه.
المبحث الثاني: تصرف المعزول قبل العلم بالعزل:
وفيه مطلبان:
١ - أمثلة التصرف.
٢ - حكم التصرف.
المطلب الأول: أمثلة التصرف:
من أمثلة تصرف المعزول قبل علمه بالعزل ما يأتي.
١ - إصدار القاضي أحكامًا بعد عزله وقبل علمه بالعزل.
٢ - إصدار الموظف قرارات، أو توقيعه لعقود بعد طي قيده، وقبل علمه بذلك.
٣ - تصرف الوكيل بعد عزله وقبل علمه بعزل الموكل له.
المطلب الثاني: حكم التصرف:
اختلف في تصرف المعزول بعد عزله، وقبل علمه بالعزل على قولين.
بناء على الخلاف في نفوذ العزل قبل العلم به.
* * *
стр. 205
القاعدة الثالثة والستون
وهي من لا يعتبر رضاه لفسخ عقد، أو حله لا يعتبرعلمه به ويندرج تحت ذلك مسائل العتق، والطلاق والخلع وفسخ المعتقة تحت عبد، وفسخ المبيع للعيب، والمدلس، وكذلك الإجارة. وفسخ العقود الجائزة بدون علم الآخر.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - تصرف المفسوخ عقده قبل علمه بالفسخ.
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
حاصل هذه القاعدة: أن من لا يشترط رضاه بالحكم لا يشترط علمه به (١).
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - فسخ الموكل للوكالة، فيجوز من غير علم الوكيل؛ لأنه لا يشترط رضاه.
٢ - فسخ الوكيل للوكالة من غير علم الموكل؛ لأنه لا يشترط رضاه.
٣ - الطلاق فيصح ويقع من غير علم الزوجة به.
٤ - فسخ عقد البيع لعيب في المبيع فيصح من غير علم البائع.
الموضع الثالث: تصرف المفسوخ عقده قبل علمه بالفسخ:
وفيه مبحثان:
стр. 206
١ - أمثلة تصرف المفسوخ عقده قبل علمه بالفسخ.
٢ - حكم التصرف.
المبحث الأول: أمثلة تصرف المفسوخ عقده قبل علمه بالفسخ:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
١ - تصرف المشتري بالمبيع بعد فسخ البائع لعقد البيع في مدة الخيار، قبل علمه بالفسخ.
٢ - تصرف الوكيل في محل الوكالة بعد فسخ الموكل لوكالته وقبل علمه بالفسخ.
٣ - تصرف البائع بالثمن المعين بعد فسخ المشتري للعقد لعيب في المبيع، وقبل علم البائع بالفسخ.
المبحث الثاني: حكم التصرف:
تصرف المفسوخ عقده بعد الفسخ لا يصح ولا ينفذ، ولو كان قبل علمه، لأنه لا ولاية له على ما تصرف فيه وذلك شرط لصحة التصرف، ونفوذه.
* * *
القاعدة الرابعة والستون
من توقف نفوذ لصرفه، أو سقوط لضمان، أو الحنث عنه على الإذن فتصرف قبل العلم به، ثم تبين أن الأذن كان موجودًا، هل يكون كتصرف المأذون له، أو لا؟ فيه وجهان.
ويتخرج عليها صور:
منها: لو تصرف في مال غيره بعقد أو غيره، ثم تبين أنه كان أذن له، فهل يصلح، أم لا؟ .
على وجهين.
стр. 207
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - حكم التصرف.
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
معنى هذه القاعدة: أن التصرف بعد الإذن قبل العلم به، كالتصرف بعد العلم به (١).
وقيل: لا (٢).
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - تصرف من وكل في شيء قبل العلم بالوكالة له فيه.
٢ - إصدار الموظف لقرارات، أو توقيعه لعقود ليست من صلاحياته بعد أن جعلت من صلاحياته قبل علمه بجعلها من صلاحياته.
٣ - حكم القاضي في قضية ليست في ولايته، بعد أن جعلت من ولايته، قبل أن يعلم أنها جعلت من ولايته.
٤ - خروج الزوجة من بيتها من غير إذن زوجها، وقد علق طلاقها على ذلك، وكان خروجها بعد أن أذن لها بالخروج، وقبل أن تعلم بالإذن.
٥ - إذا تصرف الغاصب في المغصوب بعد أن أباحه له المغصوب منه، وقبل علمه بالإباحة.
стр. 208
٦ - من أفطر يظنه في النهار فبان في الليل.
الموضع الثالث: حكم التصرف:
وفيه مبحثان:
١ - حكم الإقدام على التصرف.
٢ - نفوذ التصرف وإعمال الإذن.
المبحث الأول: حكم الإقدام على التصرف:
الإقدام على التصرف فيما يتوقف التصرف فيه على الإذن قبل العلم بالإذن لا يجوز؛ لأنه انتهاك لحرمة الغير وتعد على حقوقه، وهو وسيلة إلى الفوضى، وفتح لباب التعديات.
المبحث الثاني: نفوذ التصرف وإعمال الإذن:
اختلف في نفوذ التصرف ممن أذن له فيه قبل علمه بالإذن وإعمال الإذن فيما يتوقف على الإذن.
فقيل: يصح التصرف ويعمل بالإذن كما لو علم به المتصرف.
وقيل: لا ينفذ التصرف، ولا أثر للإذن قبل العلم به.
* * *
القاعدة الخامسة والستون
وهي من تصرف في شيء يظن أنه لا يملكه، فتبين أنه كان يملكه.
وفيه الخلاف أيضًا.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - توضيح القاعدة.
стр. 209
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - نفوذ التصرف.
الموضع الأول: توضيح القاعدة:
المراد بهذه القاعدة: من تصرف في شيء وهو يظن أنه لا يملك التصرف فيه، ثم تبين بعد التصرف أن ما تصرف فيه كان وقت التصرف فيه يملك التصرف فيه.
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
١ - من باع ملك غيره، ثم تبين بعد عقد البيع أن ما باعه كان قد وهب له قبل أن يبيعه.
٢ - من باع ملك مورثه يظنه حيًّا ثم تبين أنه قد مات قبل عقد البيع وأنه قد ورث ما باعه قبل بيعه.
٣ - من واجه زوجته بالطلاق، يظنها أجنبية.
الموضع الثالث: نفوذ التصرف:
اختلف في نفوذ هذا التصرف على قولين:
القول الأول: أنه ينفذ (١) بناء على أن العبرة بالواقع ونفس الأمر، لا بما في اعتقاد المكلف، والواقع أن ما تصرف فيه يملك التصرف فيه، فينفذ.
القول الثاني: أنه لا ينفذ (٢) عملًا بالنية؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٣).
* * *
стр. 210
القاعدة السادسة والستون
لو تصرف مستندًا إلى شيء ثم تبين خطره فيه، وأن السبب المعتمد غيره، وهو موجود، فهو نوعان:
أحدهما: أن يكون الاستناد الى ما ظنه صحيحًا، فالتصرف صحيح، مثل أن يتطهر من حدث يظنه ربحًا ثم يتبين أنه نوم، أو يستدل على القبلة بنجم يظنه الجدي ثم يتبين أنه نجم آخر مسامت له.
والثاني: ألا يكون ما ظنه مستندًا صحيحًا، مثل أن يشتري شيئًا ويتصرف فيه، ثم يتبين أن الشراء كان فاسدًا، وأنه ورث تلك العين.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - حكم التصرف.
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
تضمنت هذه القاعدة قاعدتين:
القاعدة الأولى: من استند في تصرفه (خطأ) على مستند صحيح غير المستند المعتمد الذي كان يقصد الاستناد عليه، وذلك المستند موجود صح تصرفه (١).
القاعدة الثانية: من استند في تصرفه خطأ على مستند غير صحيح، غير المستند المعتمد الذي كان يقصد الاستناد عليه وذلك المستند موجود لم يصح تصرفه (٢).
стр. 211
وقيل: بلى (١).
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
وفيه مبحثان:
١ - إذا كان المستند الذي بنى عليه الحكم صحيحًا.
٢ - إذا كان المستند الذي بنى عليه الحكم غير صحيح.
المبحث الأول: أمثلة ما إذا كان المستند الذي بنى عليه الحكم صحيحًا:
من أمثلة ذلك ما يأتي:
١ - من توضأ من حدث يظنه بولًا، فبان أنه مذي، وذلك أن المذي مستند صحيح لوجوب الوضوء.
٢ - أن يستدل على القبلة بنجم يظنه الجدي ثم يتبين أنه نجم آخر مسامت له، فالنجم الذي استند إليه المستدل على القبلة صالح للاستناد إليه؛ لأنه في جهة الجدي، والجدي هو المعتمد للاستدلال على القبلة؛ لأن محله ثابت.
٣ - من باع ملك غيره يظنه ملكه، ثم تبين أن ما باعه قد وهب له.
٤ - من نوى بوضوئه التجديد ناسيًا حدثه، فإن التجديد يصح الاستناد عليه في فعل الوضوء له، فالمستند الذي بنى عليه التصرف وهو الملكية صحيح.
المبحث الثاني: أمثلة ما إذا كان المستند الذي بني عليه التصرف غير صحيح:
من أمثلة هذا النوع ما يأتي:
١ - أن يشتري شيئًا ويتصرف فيه، ثم يتبين أن الشراء كان فاسدًا وأنه ورث العين التي تصرف فيها: فالسبب الذي بنى عليه التصرف وهو الشراء الفاسد غير صحيح.
стр. 212
٢ - تصرف الغاصب بالمغصوب بناء على أنه تملكه بالغصب ثم يتبين بعد التصرف أن الغاصب قد ملك ذلك المغصوب بهبة أو إرث قبل أن يتصرف فيه؛ فالسبب الذي بنى عليه التصرف وهو تملك المغصوب بالغصب غير صحيح.
٣ - من شفع في شقص بناء على عقد بيع فاسد ثم تبين أن العقد الذي بنيت عليه الشفعة قد ألغي وبيع الشقص بيعًا صحيحًا قبل أن يطلب الشفيع الشفعة. فالبيع الذي استند عليه في طلب الشفعة غير صحيح، ولكن هناك مستندًا آخر يصح بناء الشفعة عليه، وهو البيع الثاني الصحيح.
الموضع الثالث: حكم التصرف:
وفيه مبحثان:
١ - إذا كان المستند الذي بنى عليه التصرف صحيحًا.
٢ - إذا كان المستند الذي بنى عليه التصرف غير صحيح.
المبحث الأول: إذا كان المستند الذي بنى عليه التصرف صحيحًا:
إذا كان المستند الذي بنى عليه التصرف صحيحًا، فالتصرف صحيح بلا خلاف. لصحة المستند الذي بني عليه.
المبحث الثاني: إذا كان المستند الذي بني عليه التصرف غير صحيح:
إذا كان المستند الذي بني عليه التصرف غير صحيح احتمل أن يكون التصرف صحيحًا؛ بناء على المستند الصحيح.
واحتمل أن يكون التصرف غير صحيح، بناء على فساد المستند الذي بني عليه.
والأظهر الصحة؛ لوجود المسوغ، وهو المستند الصحيح الذي لم يعلم به المتصرف؛ لأن العبرة بالمعاملات بما في الواقع ونفس الأمر لا بما في اعتقاد المكلف.
* * *
стр. 213
القاعدة السابعة والستون
من استحق الرجوع بعين أو دين بفسخ أو غيره، وكان قد رجع إليه ذلك الحق بهبة أو إبراء ممن يستحق عليه الرجوع، فهل يستحق الرجوع عليه ببدله، أم لا؟
في المسألة وجهان: ولها صور.
منها: لو باع عينًا ثم وهب ثمنها للمشتري، أو أبرأه منه، ثم بان بها عيب يوجب الرد.
ومنها: لو تقايلا في العين بعد هبة ثمنها أو الإبراء منه.
ومنها: لو أصدق زوجته عينًا فوهبتها له، ثم طلقها قبل الدخول.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - الرجوع بالبدل.
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
معنى هذه القاعدة:
أن من أبرئ من عوض أو وهب له، ثم رد المعوض عنه بعيب أو غيره استحق الرجوع على المبرئ أو الواهب بما أبرئ منه أو وهب له (١).
وقيل: لا يرجع (٢).
الموضع الثاني: أمثلة القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما يأتي:
стр. 214
١ - إذا وهب البائع الثمن للمشتري بعد قبضه، أو أبرأه منه، ثم رد المشتري المبيع بعيب، فإن للمشتري أن يرجع على البائع بقدر الثمن الذي وهبه له، أو أبرأه منه، عند من يرى ذلك.
٢ - إذا أصدق زوجته عينًا فوهبتها له، ثم طلقها قبل الدخول. فإن له أن يرجع عليها ببدل نصف الصداق، عند من يرى الرجوع.
٣ - إذا تقايل المتعاقدان بعد أن أبرأ البائع المشتري من الثمن، فإن للمشتري أن يرجع على البائع بما أبرأه منه.
٤ - إذا قضى الضامن الدين عن المضمون عنه ثم وهب الدائن الدين للضامن كان له أن يرجع به على المضمون عنه.
الموضع الثالث: حكم الرجوع:
اختلف في الرجوع على قولين:
القول الأول: جواز الرجوع؛ لأن العوض الموهوب أو المبرأ منه استحق بطريق الهبة أو الإبراء، وليس في مقابل العوض فيبقى ما يقابل المعوض بحاله فيصح الرجوع به.
القول الثاني: عدم استحقاق الرجوع؛ لأن محل الرجوع وهو العوض قد وصل إلى مستحقه بطريق الهبة أو الإبرار فلم يبق شيء يستحق الرجوع فيه.
ولعل القول الثاني هو الأولى؛ لأن القول بالرجوع قد يحمل الناس على عدم الإبراء خشية الرجوع فيقف ذلك في طريق الإحسان وفعل المعروف.
* * *
القاعدة الثامنة والستون
إيقاع العبادات أو العقود، أو غيرهما مع الشك في شرط صحتها، هل يجعلها كالمعلقة على تحفيق ذلك الشرط، أم لا؟
هي نوعان:
стр. 215
أحدهما: ما يشترط فيه النية الجازمة، فلا يصح إيقاعه بهذا التردد، ما لم يكن الشك ظنًّا يكفي مثله في إيقاع العبادة أو العقد، كغلبة الظن بدخول الوقت، وطهارة الماء، أو الثوب، ونحو ذلك.
ومن أمثلة ذلك ما إذا صلى يظن نفسه محدثًا فتبين متطهرًا.
النوع الثاني: ما لا يحتاج الى نية جازمة، فالصحيح فيه الصحة.
ومن أمثلته إذا نكحت امرأة المفقود قبل أن يجوز لها النكاح ثم تبين أنه كان جائزًا، ففي الصحة وجهان.
الشرح:
البحث في هذه القاعدة في ثلاثة مواضع:
١ - تحرير القاعدة.
٢ - أمثلة القاعدة.
٣ - حكم الفعل.
الموضع الأول: تحرير القاعدة:
تضمنت هذه القاعدة ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: إيقاع الفعل مع الشك في تحقق شرطه، إن كان مما تشترط فيه النية الجازمة غير صحيح (١).
القاعدة الثانية: غلبة الظن كاليقين ما لم يتبين خلافه (٢).
القاعدة الثالثة: ما لا تشترط النية الجازمة لصحته، يجوز إيقاعه مع الشك في تحقق شرطه (٣).