Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
(٢٠٤) - قوله تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾:
محمل هذه الآية عند الأكثر على ظاهر اللفظ ولذلك يحتج به العلماء في المسائل المتقدمة ونحوها. وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاستمعوا وأنصتوا بمعنى اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه. وإذا كان على ما قاله الزجاج فلا حجة فيه لشيء من المسائل المتقدمة والأظهر حمل اللفظ على حقيقته.
(٢٠٥) - قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول﴾:
وقد تقدم الكلام على نحوه في هذه السورة وذكرنا الاختلاف في الذكر هل يكون دون حركة اللسان أم لا. ويدل على أنه لا يراع إلا بحركة اللسان قوله تعالى في هذه الآية: ﴿ودون الجهر من القول﴾.
وقوله: ﴿بالغدو والآصال﴾: اختلف فيه. فقيل معناه: دأبًا في كل يوم وفي أطراف النهاء وقيل هذه الآية كانت في صلاة المسلمين قبل فرض الصلوات الخمس. وقيل بالغدو: صلاة الصبح، والآصال صلاة العصر.
стр. 1017
سورة الأنفال
هذه السورة مدنية كلها في قول أكثر العلماء، وقال مقاتل هي مدنية إلا آية واحدة فهي مكية وهو قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٣٠] وهذه الآية كلها نزلت في قصة وقعت بمكة ويمكن أن تنزل الآية بذلك في المدينة، ولا خلاف أنها نزلت في أمر بدر وأمر غنائمه.
وفيها مواضع من الأحكام والناسخ والمنسوخ.
(١) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾:
اختلف في السؤال عما هو، فقيل عن حكم الأنفال، وقيل إنما سألوه الأنفال نفسها أ، يعطيهم إياها واحتجوا بما قرأه جماعة من الصحابة والتابعين ﴿يسألونك عن الأنفال﴾. وقالوا: ((عن)) في القراءة المشهورة بمعنى ((من)). واختلفوا أيضًا في المراد بالأنفال فقيل الغنائم مجملة وهو قول ابن عباس وغيره وذلك أن سبب الآية ما جرى يوم بدر من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وذلك أنهم افترقوا ثلاث فرق. ففرقة أقامت مع
стр. 1018
رسول الله ﷺ في العريش الذي صنع له وحمته وآنسته. وفرقة أحاطت بعسكر العدو وأسلابهم لما انكشفوا. وفرقة اتبعت العدو فقتلت وأسرت. فلما اجتمع الناس رأت كل فرقة أنها أولى بالمغنم وساءت أخلاقهم في ذلك فنزلت الآية بأن الغنائم لله ولرسوله فكفوا فقسموها حينئذ بالسواء.
وذكر ابن عباس أيضًا في سبب الآية أن رسول الله ﷺ كان قد قال قبل ذلك: ((من قتل قتيلًا أو أسر أسيرًا فله كذا)) فسارع الشباب وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما انجلت الحرب جاء الشباب يطلبون ما جعل لهم ونازعهم الشيوخ فنزلت الآية. ويحتمل عندي على هذا القول إما أن تكون الأنفال الغنائم جملة أو ما ينفله الإمام منها خاصة. ولكن المفسرين ساقوه على أن المراد بالأنفال الغنائم.
وقيل الأنفال في الآية ما يعطيه الإمام لمن رآه من سيف أو فرس أو نحوه، ويروى هذا القول عن ابن عباس أيضًا. ويروى عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ نفل أقوامًا يوم بدر ولم ينفل آخرين فاختلفوا بعد انقضاء الحرب، فنزلت الآية. وقال ابن وهب نزلت في رجلين أصابا سيفًا فاختصما فيه إلى النبي ﷺ فقال لهما: ((هو لي وليس لكما)). ويحتمل على هذين السببين أن تكون الأنفال في الآية ما ينفله الإمام أو جملة الغنائم. وقيل الأنفال ما يجيء به السرايا خاصة. وقيل الأنفال في الآية الخمس.
стр. 1019
قال مهاجرون لن يخرج منا هذا الخمس فقال الله تعالى هو: ﴿لله وللرسول﴾. وقيل الأنفال في الآية ما شرد من أموال المشركين إلى المسلمين كالفرس العابر والعبد الابن ونحو ذلك هو للنبي ﷺ يصنع به ما شاء وكذلك الإمام يصنع به ما شاء وروي عن ابن عباس أيضًا. وقيل الأنفال في الآية ما أصيب من أموال المشركين بعد قسمة الغنيمة هو لله ولرسوله وروي هذا عن ابن عباس أيضًا. وقيل الأنفال الأسارى. والذين ذهبوا إلى أن الأنفال الغنائم اختلفوا في الآية هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة وأن الغنائم إنما كانت للرسول خاصة فعلى هذا فقوله تعالى: ﴿لله﴾ إنما جاء على جهة استفتاح الكلام. واللام في قوله: ﴿للرسول﴾ يحتمل أن تكون ملكًا له يصنع فيها ما يشاء ويحتمل أ، لا يكون لام الملك وإنما يريد أنه متوليها حتى يضعها حيث يشاء. قال بعضهم وأراد الله تعالى بجعله ذلك إليه ﷺ ثم نسخ بقوله: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية [الأنفال: ٤١] وهو قول ابن عباس وغيره.
وذهب قوم إلى أنها محكمة وإنما أخبر الله تعالى أن الغنائم لله من حيث هي رزقه وملكه، وللرسول من حيث هو المبين حكم الله فيها.
стр. 1020
ولا شك في أن جميع الأشياء لله وللرسول. ونزل حكم القسمة خلاف ذلك فلا نسخ في الآية والنفل في لسان العرب هو الزيادة على الواجب كذا قال بعضهم. وقيل النفل العطية ومنه قول الشاعر:
إن تقوى ربنا خير نفل ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأظهر من الأنفال على هذا أنها ما يعطي الإمام للرجل من الغنيمة تحريضًا له على الجهاد أو جزاء على فعل فعله ويحتمل أن تسمى الغنيمة أيضًا نفلًا لأن الغنائم لم تكن مباحة من قبل فكانت كأنها عطية زائدة من الله تعالى. وقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لم تحل الغنيمة لقوم ود الرؤوس من قبلكم كانت تنزل نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾.
وقد اختلف هل للإمام أن ينفل شيئًا من الغنيمة لمن رآه أهلًا لذلك أم لا. فقالت فرقة لا نفل بعد النبي وكأنهم يرون قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله وللرسول﴾ على القول بأن الأنفال ما ينفله الإمام على ظاهره أي إنما ذلك لله وللرسول خاصة ليس لغيرهما. والجمهور على أن النفل باق إلى يوم القيامة وأن الأئمة كالرسول ﷺ في ذلك وأن الله تعالى لم يرد قصرها على ذلك التأويل على الرسول خاصة بل ذلك
стр. 1021
لرسول الله ﷺ ولكل إمام. ثم اختلفوا، فقيل لا ينفل إلا من الخمس لأنه مصروف إلى اجتهاد الإمام والأربعة الأخماس إنما هي للغانمين وهو مذهب مالك. وقيل إنه لا ينفل إلا بعد الخمس من الأربعة الأخماس لأن الله تعالى قد صرف الخمس إلى المذكورين في الآية بعد فلا يخرج عنهم منه شيء وهو قول الأوزاعي وغيره. وقيل ينفل من جملة الغنيمة قبل الخمس وهو قول الشافعي وابن حنبل. وقيل ينفل الإمام متى شاء قبل الخمس أو بعده وهو قول النخعي. ومن حجة هذين القولين قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله وللرسول﴾ ولم يخصص قبل خمس أو بعد خمس.
وقيل لا ينفل الإمام إلا من خمس الخمس وهو قول ضعيف. واختلفوا هل يكون النفل قبل الغنيمة فكرهه مالك رحمه الله تعالى، وقالت فرقة إنما ينفل الإمام قبل الغنيمة وأما إذا جمعت الغنائم فلا نفل. وتصوير النفل قبل الغنيمة أن يقول الإمام من فعل كذا فله كذا، ومن قتل قتيلًا فله سلبه، ويقول لسرية إن وصلتم إلى موضع كذا فلكم كذا ومن حجة من لم يكره ذلك عموم قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله وللرسول﴾ على التأويل الذي ذكرناه. وحجة مالك أنه لا يسمى أنفالًا إلا ما قد تعين ونفل. وإذا لم يتعين فليس بنفل مع المخافة على فساد النيات وقد قال تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ [الأنفال: ٦٧]
стр. 1022
وقال تعالى: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ [آل عمران: ١٥٢] واختلفوا في الذي ينفله الإمام ذهبًا أو فضة أو لؤلؤًا ونحو ذلك.
(١٥)، (١٦) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿وبئس المصير﴾:
هذه الآية تقتضي ألا يفر المسلمون من الكفار قل عددهم أو كثر دون مراعاة ضعف. وأن الفرار محظور لأنه تعالى قد نهى عنه ثم توعد عليه ولا معنى للمحظور إلا ذلك. ثم إن الله تعالى أراد أن يخفف عن عباده فحد في قدر العدد الذي لا يجوز لهم الفرار منه حدًا. فقال تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٦٥] فجعل لهم أن لا يفروا من عشرة أمثالهم. واختلف العلماء في هذا هل هو نسخ أو تخصيص عموم. فقيل هو منسوخ وقد كان واجبًا أن لا يفر أحد عن العدو ثم نسخ بهذا. وقال قوم لم يكن قط واجبًا أن يثبت المسلمون لأكثر من عشرة أمثالهم وإنما خرجت الآية مخرج العموم فخصصت بهذه الآية ثم خفف الله تعالى تخفيفًا آخر فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفًا يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ [الأنفال: ٦٦].
واختلف أيضًا في هذا هل هو نسخ أم لا. فقال ابن عباس هو نسخ. وروي عنه أيضًا أنه قال: فرض على المسلمين أن يقاتل الرجل منهم العشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى التخفيف. قال بعضهم فهو تخفيف على هذا لا نسخ. ونظير هذا إفطار الصائم في
стр. 1023
السفر وإذا قلنا إنه نسخ فوجهه أنه تعالى قد حرم بقوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ الآية الفرار من العشرة أضعاف ثم قال تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا﴾ فأحل الفرار من ذلك القدر. هذا وإن لم تعطه الآية بنصها فإن مقتضاها يعطي ذلك ومقتضى هذه الآية الثانية أنه تعالى لم يبح الفرار من الضعف. ولا خلاف أن هذا الحكم كان ثابتًا يوم بدر وإنما اختلفوا في تحريم الفرار بعد يوم بدر. فقيل كان ذلك خاصًا بيوم بدر كان فيه الفرار من الكبائر فأما ما عدا ذلك اليوم فالفرار منه غير محرم وليس من الكبائر. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله تعالى عنهم وقال فيهم يوم حنين: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ [التوبة: ٢٥] ولم يقع على ذلك تعنيف. وعلى هذا القول تكون الإشارة بقوله تعالى: ((يومئذ)) إلى ((يوم بدر)) وهو قول الحسن وقتادة والضحاك وذهب الجمهور إلى أن ذلك المعنى من الآية محكم باق إلى يوم القيامة وأن الفرار من الزحف من الكبائر، وجاء عنه ﷺ ما يؤيد هذا فقال: ((اتقوا السبع الموبقات)) وعد فيها الفرار من الزحف. وإلى هذا يذهب مالك وجميع أصحابه وقد قال ابن القاسم لا تجوز شهادة من فر يوم الزحف. وتكون الإشارة بقوله ((يومئذ)) إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله تعالى ﴿إذا لقيتم﴾ وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في الفرار من الزحف هل هو كبيرة أم لا إنما هو في الفرار من الضعف. فأما الفرار مما زاد عن الضعف فغير كبيرة باتفاق وقد
стр. 1024
قال قوم إن قوله تعالى: ﴿فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره﴾ الآية عام محكم في الأزمان لا يختص بيوم بدر ولا غيره.
وفي العدد لا يختص بعدد دون عدد وذكره النحاس عن عطاء بن أبي رباح. وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث وقال بعض من قال باعتبار العدد في ثبوت الواحد للاثنين خاصة هذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثنتي عشر ألفًا. فأما إذا بلغوا اثنتي عشر ألفًا فلا يجوز لهم الفرار إن زاد عدد المشركين على الضعف لقول رسول الله ﷺ : ((لن يغلب اثني عشر ألفًا من قلة)) فخصص هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية وينسب هذا القول لمحمد بن الحسن وروي عن مالك ما يدل على ذلك في مذهبه وهو قوله للعمري العابد إذ سأله هل له سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام إن كان معك اثني عشر ألفًا فليس لك ذلك وهذا الاستدلال ضعيف إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه لا يجوز الفرار من أكثر من الضعف لأن الحديث لا يعطي بيان حكم شرعي وإنما هو بيان لحكم العرف. وإذا لم يكن ذلك فكيف يخصص به
стр. 1025
عموم الآية. وقد اختلف العلماء في تأويل الضعف الذي ذكره الله تعالى فقيل: هو في العدد، فيلزم المسلمين أن يثبتوا لمثلي عددهم وإن كانوا أشد منهم سلاحًا وأظهر قوة وهو قول لجمهور العلماء. وقيل: هو في الجلد والقوة ويلزم المسلمين أن يثبتوا لأكثر من الضعف إذا كان المسلمون أشد منهم سلاحًا وأكثر منهم قوة ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم. وإن كانوا أقل من الضعف إذا كان المشركون أشد منهم سلاحًا وأكثر منهم قوة وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك.
- والقول الأول أظهر لأن الله تعالى إنما ذكر الضعف في العدد فمن أراد أن يتأوله على القوة كان مخرجًا للآية عن ظاهرها بغير دليل. والتحرف للقتال أن يظهر هربًا وهو منه مكيدة ليكر ونحو ذلك. والتحيز إلى فئة اتفقوا على أنها الجماعة من الناس الحاضرة في الحرب. واختلفوا في المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرًا في الحرب هل التحيز إليه تحيزًا إلى فئة أم لا. ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه إباحة ذلك وأنه تحيز إلى فئة والظاهر أن ذلك ليس بتحيز إلى فئة، بل هو فرار تام ولا يجوز الفرار وإن فر الإمام لقوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال﴾ فعم ولم يخص. واختلف في الرجل يكون في صف المسلمين يريد أن يحمل على الجيش والعدو وحده محتسبًا بنفسه. فمنهم من أجازه واستحسنه ومنهم من كرهه ويروى عن عمرو بن العاص وإليه ذهب مالك في ظاهر قوله واحتج بقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ وبقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وقد قاس ابن شبرمة الأمر بالمعروف
стр. 1026
والنهي عن المنكر عن الآية فجعل تغيير المعاصي كتغيير الكفر وقال: لا يحل للرجل أن يفر من اثنين إذا كانا على منكر وله أن يفر من أكثر منهما. وإن أدى تغيير المنكر إلى أن يتقابل الصفان. فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لا بد من إذن الإمام، وقال آخرون: لا يحتاج إلى استئذان الإمام لأنه يخاف فوات التغيير هذا إذا كان المنكر من آحاد الناس. وأما إن كان الوالي فلا يجوز تغييره بالقتال والخروج. الصبر عليه جائز لما في ذلك من إثارة الفتن.
(١٧) - وقوله تعالى: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾:
فيه رد على من يقول غن أفعال العباد مخلوقة لهم. وسبب الآية أن الناس لما انصرفوا يوم بدر وجعل كل واحد منهم يعد ما فعل فيقول قتلت كذا وفعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك فنزلت الآية.
وقوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ يريد ما كان النبي فعله يومئذ وذلك أنه أخذ ثلاث قبضات من تراب فرمى بها في وجوه القوم فانهزموا عن آخر رمية.
(٣٣)، (٣٤) - قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا يعملون﴾:
стр. 1027
اختلف في نزول هذه الآية فقيل بمكة بعد وقعة بدر حكاية عما مضى. وقيل نزل قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ بمكة إلى قوله تعالى: ﴿أو ائتنا بعذاب أليم﴾ ونزل قوله: ﴿وما لهم﴾ إلى آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب الأليم. ومعنى قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ أن الله تعالى لم يكن ليعذب هذه الأمة وهو فيهم كما لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها. ولا خلاف في هذا بين المفسرين. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ هل هو محكم أو منسوخ. فالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا الآية في المشركين أي أنهم لا يعذبون ما استغفروا ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ [الأنفال: ٣٤] وهو قول عكرمة والحسن وضعف بعضهم النسخ في هذا لأنه خبر. والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في تأويلها اختلافًا كثيرًا. فقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار يعني أهل مكة، والمؤمنون بينهم يستغفرون. فالضمير في قوله: ﴿ليعذبهم﴾ عائد على الكفار. وقوله: ﴿وهم﴾ عائد على المؤمنين وأضمرهم ولم يجد لهم ذكر ففيه ضعف وهو قول الضحاك وابن عباس. وقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار وهم بحالة توبة واستغفار من كفرهم إذ لو وقع ذلك منهم وهو قول قتادة واختاره الطبري.
وقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار وقد علم أن فيهم من يسلم وما لهم ألا يعذبهم إذا أسلم من سبق له الإيمان ويروى هذا عن ابن عباس أيضًا. وقيل المراد بقوله: ﴿وهم يستغفرون﴾ ذرية المشركين يومئذ الذين سبق علم الله تعالى أن يكونوا مؤمنين. فالمعنى وما كان الله ليعذبهم وذريتهم يستغفرون ويؤمنون. فنسب الاستغفار إليهم إذ ذريتهم منهم، ويروى عن مجاهد. وقيل المعنى يستغفرون يسلمون، ويروى أيضًا عن مجاهد.
стр. 1028
وقيل معنى يستغفرون يصلون. وقيل إنهم يقولون في دعائهم: غفرانك ويقولون لبيك لا شريك لك ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار فجعله الله تعالى أمنًا من عذاب الدنيا فالمعنى أن الله لا يعذبهم في الدنيا وهم يستغفرون وهو المشهور من قول ابن عباس وعلى هذا تركيب قول أبي موسى وابن عباس أن الله تعالى جعل من عذاب الدنيا أمنين كون الرسول ﷺ مع الناس والاستغفار، فارتفعت الواحدة وبقي الاستغفار إلى يوم القيامة. والضميران في ما عدا القول الأول عائدان جميعًا على الكفار فهذه سبعة أقوال في الآية.
(٣٨) - (٤٠) -قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين﴾ إلى قوله: ﴿ونعم النصير﴾:
اختلف في المرتد إذا تاب هل يسقط عنه قضاء ما ترك من الصلاة في ردته أم لا. فعندنا أنه يسقط وقال الشافعي لا يسقط وحجتنا عليه قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ فعم. واختلف أيضًا في المرتدين إذا نصبوا للحرب راية فقتلوا وأتلفوا أموالًا ثم تابوا هل يؤاخذون بشيء من ذلك. وقال الشافعي في أحد قوليه إنهم يؤاخذون، حجتنا عليه قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ ولم يفرق فيها بن حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين. وأن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يضمن أحدًا من أهل الردة.
стр. 1029
واختلف في الكافر يسلم بعد وجوب الجزية عليه هل يسقط عنه ما قد وجب عليه منها أم لا؟ فذهب الشافعي إلى أن لا يسقط ويؤخذ به بعد إسلامه. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أن يسقط عنه بعد إسلامه ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وقوله ﵊: ((الإسلام يجب ما قبله)).
وقوله تعالى: ﴿وإن يعودوا﴾ معناه إلى القتال لا إلى الكفر لأنهم لم يزالوا عليه فكيف يعودون إليه.
(٣٩) - وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾:
فرض الله تعالى بهذه الآية على المؤمنين قتال الكفار. واختلف في الفتنة ما هي. فقيل الشرك وقيل البلاء وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين للفئة الباغية. وعلى القول الآخر يكون مقتول الفتن في فسحة. ومن قال إنها الشرك فالآية عنده يراد بها الخصوص في من لا تقبل منه جزية. قال ابن سلام وهي في مشركي العرب.
(٤١) - وقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾:
وقال في سورة الحشر: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ [الحشر: ٦] ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله﴾ [الحشر: ٧] فتضمنت هذه الآية حكم أموال
стр. 1030
الكفار المأخوذة منهم إلا أنه تعالى ذكرها في سورة الأنفال باسم الغنيمة وذكرها في سورة الحشر باسم الفيء وهي قد تؤخذ منهم بقتال وقد تؤخذ بغير قتال وكلا الاسمين قد يجوز أن يطلق في الاستعمال على كل واحد من الوجهين. وقد اضطربت أقوال المفسرين في ذلك اضطرابًا كثيرًا. وتأصيلها أن منهم من قال إن الاسمين جميعًا لمعنى واحد وأن الآيات جاءت في حكم ما أخذ من الكفار بالقتال ثم اختلف هؤلاء.
فقال قوم إن ما في سورة الحشر اقتضى أن يقسم المأخوذ بالقتال على الأصناف المذكورين في السورة دون إخراج الخمس وأن ذلك منسوخ بآية الأنفال وأن الخمس في ذلك هو المقسوم على الأصناف المذكورة خاصة والأربعة الأخماس للغانمين ولم يفرقوا بين الأرض وغيرها وضعف بعضهم هذا القول بالنسخ بأن آية الأنفال نزلت قبل آية الحشر ولا يصح النسخ مع النسخ مع ذلك ومنهم من قال إن ما في الحشر مخصوص في الأرض المغنومة عنوة من الكفار فاقتضى ذلك أنها لا تخمس وأن النظر فيها للإمام ولا يقسم بين الغانمين وأن ما في الأنفال عام في الأرض وغيرها من أموالهم وأن ذلك اقتضى أنها تخمس ويقسم ما بقي بين الغانمين ثم اختلف الذاهبون إلى هذا فقال بعضهم: إن هذا يقتضي تخيير الإمام في إبقاء هذه الأرض وقسمتها بين الغانمين قالوا: وقد قسم
стр. 1031
رسول الله ﷺ أرض خيبر بسبب عموم آية الأنفال. وترك عمر رضي الله تعالى عنه أرض العراق ومصر فلم يقسمها وأنه تأول في ذلك آية الحشر وقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ [الحشر: ١٠] الآية وإلى هذا ذهب أبو عبيد ومنهم من ذهب إلى أن الحشر نسخت آية الأنفال في حكم الأرض خاصة لأن النبي ﷺ بين بفعله في أرض خيبر أنها على عمومها في الأرض وغيرها فنسخت آية الحشر من ذلك الأرض خاصة فلا تقسم على حال وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي ومنهم من قال إن آية الحشر مبينة أ، المراد بآية الأنفال ما عدا الأرض من الغنائم بأن رسول الله ﷺ إنما قسم أرض خيبر لأن الله وعد بها أهل بيعة الرضوان فقال: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه. فأرض خيبر كانت مخصوصة بهذا الحكم دون سائر الأرض المغنومة فلا تقسم الأرض. ومنهم من قال إن آية الأنفال هي الناسخة لآية الحشر فيما اقتضته آية الحشر مع منع القسمة في الأرض فيقسم ولا بد. فتحصل من هذا في الأرض المغنومة بالقتال ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تقسم كسائر الغنائم وهو قول الشافعي.
والثاني: أنها لا تقسم كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وتبقى لأرزاق المسلمين ومصالحهم.
والثالث: أن الإمام مخير فيها بين القسمة والإبقاء وهذان القولان عن مالك رحمه الله تعالى. والذين ذهبوا إلى أنها تقسم على مقتضى آية
стр. 1032
الأنفال تأولوا فعل عمر رضي الله تعالى عنه من إبقاء سواد العراق على أنه استطاب أنفس الغانمين وأرضاهم عن ذلك.
ومنهم من قال إن آية الحشر نزلت في حكم الخمس خاصة ولم يذكر فيها الخمس فهو المراد بها وأن آية الأنفال موافقة لها إلا أنه صرح فيها بذكر الخمس ولم يصرح في آية الحشر، فهو لفظ عام أريد به شيء خاص.
فليس في كتاب الله تعالى على هذه الأقوال حكم لما أخذ من الكفار بغير قتال وإنما ذلك من النبي ﷺ . وذهب قوم إلى أن الاسمين أيضًا بمعنى واحد وأن اللغة تقتضي ذلك وأن الآيتين جاءتا في حكم ما أخذ من الكفار بقتال وبغير قتال وأن المالين في الحكم سواء يؤخذ منهما الخمس حتى في حزمة الجماجم وخراج الأرض وهو الذي يأتي على قول الشافعي، فإن ذلك كله يخمس. والنظر في آية الأنفال وآية الحشر على هذا هو النظر المتقدم إما بالنسخ وإما بالبيان ويكون على هذا حكم المالين متلقى من القرآن. وذهب قوم إلى أن الغنيمة والفيء اسمان لمعنيين وأن الغنيمة ما أخذ من الكفار بقتال والفيء ما أخذ منهم بغير قتال وأن الحكم فيهما مختلف على ظاهر الآيتين. فالغنيمة تخمس على نص آية الأنفال والفيء لا يخمس على ظاهر آية الحشر فلا تعارض على هذا بين الآيتين ولا يفرض فيها نسخ ولا بيان ولا يكون على هذا فيما أخذ من أموال الكفار بغير قتال خمس كان مما جلوا عنه آو جزية أو خراج أرض أو نحو ذلك
стр. 1033
وهو قول الجمهور وبه قال مالك وجميع أصحابه وهو أظهر الأقوال. وذهب قوم -على ما ذكر بعض المتأخرين- إلى عكس هذا القول فزعم أن الغنيمة ما أخذ من الكفار بغير قتال، والفيء ما أخذ منهم بالقتال، قال وهو محتمل في اللسان. وذهب قوم إلى أن آية الحشر وردت في شيء مخصوص بعينه فلا تعارض بينها وبين آية الأنفال وذلك في أموال بني النضير التي أجلوا عنها فجعلها الله تعالى للنبي ﷺ يفعل فيها ما يراه.
وروي عن ابن عباس أن النبي ﷺ أحبس جميعها لنفسه ومصالح المسلمين ولم يقسمها، فتكلم في ذلك قوم فأنزل الله تعالى الآية. وقال ابن زيد لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين تكلم في ذلك بعض الأنصار فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أن في آية الحشر حكمين فقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم ما أوجفتم﴾ [الحشر: ٦] الآية نزلت في مال بني النضير الذي هو خاص بالنبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ الآية [الحشر: ٧] هو في حكم الجزية والخراج بهما للأصناف المذكورين في الآية وروي ذلك عن معمر. وقد اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: ١] أم لا. وقد مر الكلام على ذلك. والقول بانها ناسخة هو قول مجاهد وابن عباس وذلك أن قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ عنهما اقتضى أنه جعل به للنبي ﷺ أن ينفل ما أحرزه بالقتال لم يشاء ولم يكن فيه
стр. 1034
حق لأحد لمن جعله الرسول ﷺ وذلك يوم بدر. ويبين ذلك حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من النبي ﷺ يوم بدر. فقال: ((إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك وقد جعله الله تعالى لي وجعلته لك)) وكذلك قوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] يقتضي أن تكون الغنيمة للغانمين فينزلون فيها على السواء دون إخراج خمس ولا غيره. إلا أن قوله في هذه الآية ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ يبين أن ذلك بعد إخراج الخمس وصرفه في الوجوه المذكورة، ففي هذا بيان الأربعة الأخماس للغانمين. وقال بعضهم هذا مثل قوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما الثلث﴾ [النساء: ١١] فلما ذكر تعالى أن المحيطين بالميراث الأبوان ثم ذكر أن للأم الثلث دل ذلك على أن الثلثين للأب دلالة قطعية. وهذا النوع من الدلالة يسميه الأصوليون مقتضى الخطاب. وكذلك هذه الآية لما ذكر تعال الغانمين واخطبهم ثم أخرج من الغنيمة الخمس للأصناف المذكورين دل ذلك على البقية للغانمين. وهذا الحكم في الفتنة يجري في كل مغنوم إلا ما خصه الدليل مثل المأكول من الغنيمة فإنه مباح للغانمين أكله إذا احتاجوا إليه في الغزو دون أن يشترط فيه إخراج خمس.
ومن ذلك أموال الرهبان اختلف فيها. فذهب جماعة إلى أنها على حكم الغنائم إلا أنه استحب مالك رحمه الله تعالى أن يترك لهم قدر ما
стр. 1035
يعيشون به. وذهب غيره إلى أنها شرك لهم ولا تكون مغنومة والحجة على ام قال تلك الآية، والآية أيضًا عامة في الغانمين إلا ما خصه الدليل. وقد اختلف فيما غنمه النساء والصبان إذا انفردوا بالغنيمة هل تخمس أم لا، وكذلك اختلف في العبيد إذا غنموا كان معهم حر أم لا هل يخمس ما أصابوه من الغنيمة أم لا. وحجة من يرى التخميس في ذلك عموم الآية. وحجة من لا يرى التخميس في ذلك كله أنه يراهم غير داخلين في الخطاب إلا بدليل، وفي هذا خلاف بين الأصوليين.
واختلف في الذميين هل يخمس ما غنموه أم لا؟ ففي المذهب أنه يخمس خرجوا بغير إذن الإمام أو بإذنه. وقال بعض أصحاب مالك إن خرجوا بإذن الإمام فلا خمس وإن خرجوا بغير إذنه ففي ما غنموه الخمس. وقال أبو حنيفة لا خمس في ما غنموه جملة حتى يكونوا جماعة لهم منعة ويأذن لهم الإمام. وقال أبو يوسف إذا كانوا تسعة ففيه الخمس. ودليل من رأى الخمس كله في ذلك عموم الآية. واختلف أيضًا في الطائفة تخرج من البلد فتغنم. ففي المذهب أن ما غنمت يخمس، وقال أبو حنيفة لا يخمس. ودليل المذهب عموم الآية، ودليل أبي حنيفة أنهم غزوا بأنفسهم فأشبهوا المتفرد بالقتال على القول بأنه يستحق السلب فلا يخمس وقال بعضهم المأخوذ من الكفار على جهة التلصص اتفق العلماء على أنه لا يخمس. وظاهر القرآن يقتضي تخميس كل مغنوم. وكذلك اختلف في سلب القتيل هل يخمس أم لا. فقيل هو كسائر الغنيمة يخمس
стр. 1036
ولا ينفرد به القاتل إلا أن يرى الإمام أن يخص به بوجه اجتهاد فله ذلك، ولا يكون إلا من الخمس وهو قول مالك. وقيل السلب للقاتل وهو أحد قولي الشافعي وقيل إن كان السلب يسيرًا فهو للقاتل وإن كان كثيرًا خمس وفعله عمر ابن الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله وكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفًا فخمس ذلك وروي في ذلك حديث عن النبي ﷺ أخرجه أبو داود. وقيل السلب للقاتل ولكنه يخمس وروي نحوه عن عمر بن الخطاب.
وروى ابن خويزمنداد هذا عن مالك أن الإمام مخير فيه إن شاء خمسه على الاجتهاد كما عمل عمر في حديث البراء وإن شاء لم يخمسه واختاره إسماعيل ابن إسحاق. وحجة الجمهور عن مالك ظاهر الآية وإذا قلنا بمقتضى الآية في أن الأربعة أخماس للغانمين فهل المرأة المقاتلة داخلة في هذا الحكم فيسهم لها أم لا. ذهب الأوزاعي إلى أنه يسهم لها. قال: وقد أسهم لها الرسول ﷺ بخيبر وأخذ المسلمون بذلك. وذهب مالك والليث والشافعي والثوري والكوفيون إلى أنه لا يسهم لها ولكن يرضخ لها واحتجوا بكتاب ابن عباس إلى نجدة وقوله: إن النساء كن يحضرن القتال
стр. 1037
فيداوين المرضى ويجنين من الغنيمة ولم يضرب لهن بسهم. وروى ابن وهب عن مالك أنه لا يسهم لهن ولا يرضخ. وهذا أصح لأنهن لسن فيمن أمر بالقتال ولا لهن فيه غناء مذكور فلم يدخلن في الخطاب بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾. وكذلك اختلف في العبيد والصبيان إذا قاتلوا. فقيل: يسهم لهم وقيل يرضخ وقيل لا يرضخ ولا يسهم والحجة لمن لا يرى لهم شيئًا أنهم عنده لا يدخلون في الخطاب في الآية. وظاهر الآية أيضًا إنما يقتضي الاشتراك في الغنيمة قليلها وكثيرها فلا يجوز إخراج شيء منها قبل القسمة إلا أن يدل عليه دليل من السنة. وقد مر الكلام في السلب والنفل هل يكون من رأس الغنيمة أم لا. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان له من الغنيمة شيء يصطفيه لنفسه قبل القسمة فرس أو بعير أو عبد أو أمة أو نحو ذلك على قدر الغنيمة، وكانوا يسمونه الصفي.
وذكر أن صفية كانت من الصفي. وأجمع العلماء أن ذلك ليس لأحد بعد النبي ﷺ إلا أبا ثور فإنه حكي عنه ما يخالف هذا الإجماع فقال: الآثار ثابتة في الصفي ولا أعلم شيئًا نسخه قال: فيأخذ الإمام الصفي ويجري مجرى النبي ﷺ فيه. وهذا القول يرده ظاهر الآية لأن الله تعالى لم يذكر بعد الغنيمة شيئًا إلا القسمة ومع هذا فإنه لم يذكر عن أحد من الخلفاء أنه فعله، وعلى هذا يتركب الخلاف في الغنيمة هل يملكها الغانمون بنفس الغنم أو يملكونها بالقسمة. وعلى هذا يتركب الخلاف في من زنا بأمة
стр. 1038
من المغنم قبل القسمة هل يحد أم لا. وفيه قولان في المذهب. وذكر تعالى في هذه الآية قسمة الخمس على أصناف كثيرة مخصوصة. وذكر في سورة الحشر قسمة الفيء على تلك الأصناف بعينها فاقتضى ذلك أن حكم الفيء والخمس سواء وه مذهب مالك رحمه الله تعالى. وأما الشافعي فيرى أن خمس الفيء هو الذي يجري مجرى خمس الغنيمة في القسمة من الفيء على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه للمصالح كخمس الخمس، والمصالح هي سد الثغور وعمارة القناطر وأرزاق القضاة ونحو ذلك. والثاني: أن حكمه حكم الخمس من الغنيمة فيكون جملة الفيء مقسومة على خمسة أسهم على ظاهر الكتاب، وهذا القول يقرب من قول مالك رحمه الله تعالى. والثالث: أن يكون للمرتزقة المقاتلين كأربعة أخماس الغنيمة. قال أبو الحسن: إن الله تعالى كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين أضاف الفيء إلى رسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ الآية [الحشر: ٧] فاقتضى ظاهر الآية أ، يجعل بعد إخراج الخمس منه أربعة أخماسه لرسول الله ﷺ كما يختص الغانمون بأربعة أخماس الغنيمة بعد إخراج الخمس منها، لأن الله تعالى قد أضافها للغانمين فقال: ﴿مما غنمتم﴾ وقال: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فاقتضى ظاهر هذا أن يكون كل الغنيمة للغانمين، ثم خص منها البعض فبقي الباقي على أصل الإضافة، وهذا حسن بين. قال ومن جملة الفيء مال المرتد إذا قتل عن الردة. وظاهر القرآن في الخمس والفيء أنهما مقسومان على ستة أسهم
стр. 1039
لأن الله تعالى ذكر ستة أصناف. وقد قال بهذا الظاهر جماعة من أهل العلم وجعلوا أسهم الله تعالى سبل الخير إلا أنهم اختلفوا هل هذه القسمة بالسواء أو بالاجتهاد على قولين. وجعل بعضهم سهم الله تعالى أنه سهم للكعبة فقالوا فيؤخذ سهم الكعبة بالاجتهاد ويقسم الباقي على الخمسة الأصناف الباقين بالسوية وتأول بعضهم الآية على غير ظاهرها فقال: قول الله تعالى المراد به أن يفتتح الكلام بذكر الله تعالى لأن الدنيا وما فيها لله تعالى لا أن لله سهمًا في الغنيمة، قالوا فتبقى القسمة بعد هذا بين خمسة أصناف وهذا قول الشافعي وتأول آخرون أن معنى قوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه وللرسول﴾ أن لهما الحكم في ذلك بين من سمي في الآيتين قالوا فتكون القسمة بين أربعة أصناف ولا أكثر من قرابة الرسول ﷺ واليتامى والمساكين وابن السبيل وهو قول الشافعي أيضًا. وتأول بعضهم أن هذين المثالين لجميع المسلمين يوضعان في منافعهم ويقسمان عليهم ولا يختص به الأصناف المذكورون في الآيتين لكن خصوا بالذكر تأكيدًا لأمرهم، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى. قال أبو إسحاق الزجاج: وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ الآية [النساء: ٢١٥]. وعلى هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما من أحد إلا وله حق في هذا الملا أعطيه أو منعه حتى لو كان راعيًا أو راعية بعدن. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقسم على ثلاثة:
стр. 1040
اليتامى والمساكين وابن السبيل فأسقط ذوي القربى. ومن ذهب إلى هذا لم يحرم على قرابة رسول الله ﷺ الصدقة. ومن حجة من قال بهذا منع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم لذوي القربى. وقد يقال في الجواب عن هذا أنه لم يثبت المنع بل عورض بنو هاشم لأن قريشًا كلها قربى وقيل لم يكن في زمان أبي بكر مغنم.
والذين ذهبوا إلى أن الأصناف المقسوم عليهم الخمس ثلاثة اختلفوا هل المراد بهم من كان من قريش خاصة أو من كان من جميع الناس على قولين. والأظهر من جميع الناس لعموم الآية. وإذا قلنا بثبوت سهم رسول الله ﷺ فإنه كان ثابتًا له في حياته وأما بعد موته فاختلف فيه فقيل هو مردود على أهل الخمس القرابة وغيرهم وقيل مردود على الجيش أصحاب الأربعة أخماس وقيل هو لقرابته بعده ﷺ . وقال من ذهب إلى أن الأنبياء يورثون أنه موروث عنه. وقيل هو موقوف على مصالح المسلمين كأرزاق الجيش وإعداد الكراع والسلاح وبناء الحصون والقناطر وأرزاق القضاة والأئمة ونحو ذلك وهو الذي اختاره أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وقيل هو في الكراع والسلاح وقيل هو للخليفة بعده وهو قول أبي ثور وفي هذا حديث مرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال: ((إذا أطعم الله لنبي طعمة فهي للخليفة بعده)). قال ابن عبد البر وهو حديث لا تقوم به حجة.
وإذا قلنا بثبوت سهم ذوي القربى في حياة رسول الله ﷺ فقد اختلف فيه بعد موته ﷺ . فقيل هو ساقط وهو قول أبي حنيفة في أن الخمس يقسم
стр. 1041
على ثلاثة خاصة. وقيل: هو لقرابة الإمام بعده ﷺ . وقال قتادة كان سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله ﷺ ما كان حيًا، فلما توفي جعل لولي الأمر بعده. وقيل هو لقرابته ﷺ موقوف عليهم إلى يوم القيامة وقد بعثه إليهم عمر بن عبد العزيز، وهذا القول أظهر الأقوال لعموم الآية. وذكر الطبري عن الحسن أنه قال اختلف الناس في سهم رسول الله ﷺ هل هو لقرابته بعد وفاته وساق الخلاف ثم قال: فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين القسمين في الخير والعدة فكان ذلك مدة أبي بكر قال بعضهم ومدة عمر رضي الله تعالى عنه.
واختلف الذين أثبتوا لقرابة رسول الله ﷺ سهمًا من الغنيمة فقال قائلون هو لفقرائهم عوضًا عما حرموا من الصدقة. وقال آخرون هو لفقرائهموأغنيائهم وهو ظاهر عموم الآية. واحتج الذين شرطوا الفقر بذكر اليتامى معهم في الآية وأنه لا يصرف إلى اليتامى إلا إذا كانوا فقراء ولا فرق ثم الذين أثبتوا لهم أسهمًا اختلفوا في كيفية قسمته بينهم. فمنهم من قال يقسم قسمة الغنيمة على السواء ومنهم من قال على قسمة المواريث فإنه مال مستحق بالقرابة. واختلف أيضًا في اعتبار الحاجة مع اليتم فاعتبرها الشافعي في أحد قوليه ولم يعتبرها غيره، وهذا التخصيص من الشافعي لليتيم بالحاجة مثل تخصيص أبي حنيفة للقرابة بالحاجة والمسألة في
стр. 1042
محل الاجتهاد وسياق الآية محتمل لذلك كله. وعلى هذا أيضًا يتركب الخلاف في ابن لسبيل هل يعتبر فيه الحاجة أم لا وقد مضى القول عليه في آية الصدقة. واختلف في تعيين القرابة الذين ذكرهم الله تعالى في الآية اختلافًا كثيرًا فقال قوم هم بني هاشم وهم الذين تحرم علهم الصدقة وهو قول مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة. وقال آخرون يدخل بنو عبد المطلب مع بني هاشم وهو قول الشافعي والحجة لهم حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال: قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القرب لبني هاشم وبني عبد المطلب من الخمس وقال: ((إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد)) وقيل هم بنو هاشم وبنو عبد مناف، زاد بعضهم وبنو قصي وبنو مرة وبنو كعب، زاد بعضهم وبنو لؤي وبنو غالب. قال وهو مذهب أصبغ. وذكر بعضهم عن أصبغ أنه قال آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة عشيرته الأقربون الذين ناداهم رسول الله ﷺ حين نزل عليه قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ١٢٤] وهم آل عبد المطلب وآل هاشم وآل عبد مناف وآل قصي.
قال أصبغ وقد قيل قريش كلها وهذا مصير إلى التعليل بالقرابة خاصة. ومن خصص ذهب إلى التعليل بالنصرة في حديث رسول الله ﷺ واستدلالًا بحديث جبير بن مطعم. وقد ساق المفسرون في أحكام هذه الآية مسائل لا يقوم على أكثرها دليل من ألفاظ الآية مثل هل يحتاج القاتل في أمر السلب إلى بينة على القتل أم لا. فالجمهور على أنه لا بد من شاهدين
стр. 1043
وقيل يجزي شاهد واحد وقيل يعطى القاتل السلب بمجرد دعواه ومثل الذي يكون من السلب فلا خلاف أن السلاح من السلب واختلف في الفرس ولا خلاف أن ما وجد في منطقة القتيل أنه - من دنانير أو جواهر أو نحوها- فليس بسلب. واختلف فيما يتزين به للحرب ويهول به كالتاج والسوارين والأقراط والمناطق المثقلة بالذهب والأحجار. وقال سحنون ليس بشيء من ذلك سلبًا إلا المنطقة ومثل لو قال الإمام من قتل قتيلًا فله سلبه فقتل ذمي قتيلًا إلى غير ذلك. وليس غرضنا في هذا الكتاب إلا ما يقوم عليه دليل من الآية ثم يستقر ملك الغانمين على الغنيمة هل بنفس الغنيمة أم بالقسمة على قولين. واحتج الذين يقولون بنفس الغنيمة بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ الآية، قالوا: فأضاف الغنيمة إليهم إضافة ملك. وقال أهل القول الثاني ليس معنى غنمتم ملكتم وإنما معناه أخذتم من أيدي الكفار وذلك لا يقتضي ملكًا. وللخلاف في هذا فوائد: فمنها إذا زنا الرجل بأمة من المغنم أو سرق من المغنم فهل يحرم أم لا. فمنهم من رأى للإمام أن يدفعه لمصالح المسلمين إن شاء وله أن يمن به على أهله إن شاء وله أن يتركه للغانمين إن شاء. قالوا وقد أقر الرسول ﷺ مكة لأهلها ورد سبي هوازن عليهم. ومنهم من رأى الغنيمة
стр. 1044
ملكًا للغانمين بنفس الغنيمة ولم ير للإمام فيها حكمًا سوى القسمة بين الغانمين، وقالوا إنما الإمام كبعض من حضر الوقعة من الناس إلا ما خصه الله به من الخمس، واعتذر أهل هذه المقالة بأن ما فعله النبي ﷺ في سبي هوازن إنما كان بعد استطابة أنفس الغانمين. واختلف في القوم يغنمون ثم يأتيهم مداد لدار الحرب هل يشركونهم أم لا. فعند أصحاب مالك أنهم لا يشركونهم، وقال أبو حنيفة يشركونهم لأن الغنيمة لا تقسم بدار الحرب. ودليل أصحاب مالك الآية لأنه جعل باقي الغنيمة بعد الخمس للغانمين. ومن جاء بعج تقضي الحرب لم يغنم شيئًا. وقد اختلف هل يفضل الفارس على الراجل أم لا. فذهب مالك أن للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم. وقال أبو حنيفة لا يفضل وإنما للفارس سهمان سهم له وسهم لفرسه. قال أبو الحسن: ليس في الآية دليل على تفضيل الفارس على الراجل بل فيها أنهم سواء ودليل مذهب مالك ما روى ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يسهم للخيل: للفرس سهمان ولفارسه سهم. وقوله تعالى: ﴿غنمتم﴾ يشمل الرقاب والعقار وقد مضى الكلام في العقار، وأما الرقاب فقد جاء فيها من الخيرة للإمام ما جاء، ومال الصدقات الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ الآية، مخالف لمال الفيء عند الشافعي ولهذا أهل عنده فلا يجوز أن تصرف صدقة في أهل الفيء ولا مال الفيء في أهل الصدقة. وأهل الصدقة عنده من لا هجرة له ولا هو من المقاتلة عن المسلمين وأهل الفيء ذوو الهجرة المقاتلون عن المسلمين. وسوى أبو حنيفة بين المالين وجوز صرف كل واحد من المالين في كل واحد من الفريقين. والذي يظهر من قول مالك ﵀ أن يجوز
стр. 1045
صرف الفيء في أهل الصدقة ولا يجوز صرف الصدقة في أهل الفيء وهو ظاهر قول عمر رضي الله تعالى عنه: ما من أحد إلا وله حق في هذا المال حتى لو كان راعيًا أو راعية بعدن.
(٤٥) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا﴾:
في هذه الآية الأمر بالثبات والصبر والذكر لله. قال قتادة افترض الله تعالى ذكره عند الضراب بالسيوف. وظاهر الآية أن يذكر الله تعالى في تلك المواطن سرًا وعلانية، إلا أنه قد جاء في رفع الصوت هنالك الكراهية. قال قيس بن عبادة: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون الصوت عند ثلاث: عند قراءة القرآن وعند الجنازة وعند القتال، وهذا والله أعلم إنما ذكره لأنه يدل على الفشل والخور، فأما إذا شد المسلمون على المشركين شدة واحدة فلا بأس أن يرفعوا أصواتهم لأن ذلك يشد أعضاء المسلمين، وإنما يكره قبل ذلك كما قد جاء عن ابن عباس أنه يكره التلثم عند القتال.
(٥٧) - (٦١) - قوله تعالى: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يتذكرون * وإما تخافن من قوم خيانة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾:
اختلفوا في قوله تعالى: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم﴾ هل هو منسوخ أو محكم. فذهب قوم إلى أنه يقتضي قتل
стр. 1046
الأسارى وأنه لا يجوز استحياؤهم. قال هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤]. وقال قوم آخرون إنه يقتضي ذلك وهو محكم وأنه ناسخ لقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾. وقال آخرون هو محكم وليس بناسخ وهو عام يخصصه قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ الآية [محمد: ٤]، وسيأتي الكلام على هذا بالشبه منه. وقال الشيخ أبو الحسن المقصود بهذا التنكيل بأهل الردة وإحراق بعضهم بالنيران ورمي بعضهم من رؤوس الجبال وطرحهم في الآبار. فأما قوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾، فقيل هي عامة في كل من يخاف منه خيانة إلى آخر الأبد. وقال أكثر المفسرين إن هذه الآية ف بني قريظة، وذهب بعض المتأخرين إلى أنها في ما عدا بني قريظة فيما يستأنف وهو قول ظاهر الفساد. واختلف المفسرون في معنى: تخافن، هنا. فقيل: معناه أن تكون الخيانة متوقعة غير متيقنة، فالخوف على بابه. وقال بعضهم تخاف في هذه الآية بمعنى تعلم. فأمر الله تعالى في هذه الآية نبيه ﵊ إذا شعر من قوم خيانة أن ينبذ إليهم عهدهم أي يلغيه ويحاربهم إذ لم يلتزموا العهد.
وقوله تعالى: ﴿على سواء﴾: اختلف فيه فقيل أي حتى يكونوا في
стр. 1047
استشعار المحاربة سواء وقيل أي على معدلة، وقال الوليد بن مسلم معناه على مهل كما قال تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ الآية [التوبة: ١، ٢]. وقال الفراء المعنى فانبذ إليهم على اعتدال أي بين لهم على قدر ما ظهر منهم لا تفرط ولا تعجل بحرب بل افعل بهم مثل ما فعلوا، فإن قيل قد غزا النبي ﷺ أهل مكة قبل أن ينبذ إليهم عهدهم الذي كان بينه وبينهم، فالجواب أنه ﵊ لم ينبذ إليهم عهودهم بل غزاهم ابتداء لأنهم كانوا قد نقضوا العهد بمعاونة هذيل على جرأتهم على حلفاء رسول الله ﷺ ولذلك جاء أبو سفيان إلى المدينة يسأل تجديد العهد بينه وبين قريش فلم يجبه النبي ﷺ إلى ذلك، فمن أجل ذلك لم يحتج إلى النبذ إليهم إذ كانوا قد أظهروا نقض العهد بنصب الحرب لحلفاء النبي ﷺ .
(٦٠) - وقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾:
أختلف في تفسيره فقيل القوة ذكور الخيل والرباط إناثها وهو قول
стр. 1048
عكرمة. وقيل القوة الرمي، ومن حجتهم حديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: ((إن القوة الرمي ثلاثًا)). وقيل القوة السلاح. وقيل القوة كل ما يتقوى به في الحرب فجمل على عمومه، ورباط الخيل على ما عدا القول الأول وربطها اعتدادها للحرب ذكورًا كان أو إناثًا. والخطاب في هذه الآية عام في الإعداد لمن هو في الثغور. وهذا لا يجوز ارتباط الخيل في غير الثغور.
(٦٠) - وقوله تعالى: ﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾:
اختلف في تفسيره فقيل الإشارة إلى بني قريظة وقيل إلى فارس وقيل إلى المنافقين وقيل بل إلى كل عدو للمسلمين غير الفرقة التي أمر النبي ﷺ أن يشرد بهم من خلفهم. وقيل الإشارة إلى الجن، ورجح الطبري هذا وأسند فيه إلى ما روي أن صهيل الخيل ينفر الجن وأن الشياطين لا تدخل دارًا فيه لحام للجهاد ونحو هذا.
(٦١) - قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾:
اختلف هل هو منسوخ أم محكم، والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ
стр. 1049
اختلفوا في ناسخه وقال ابن زيد وغيره نسخها آية القتال من قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، قالوا ونسخت براءة كل موادعة حتى يقول لا إله إلا الله. وقال ابن عباس نسخها قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون﴾ [محمد: ٣٥].
والذين ذهبوا إلى أنها غير منسوخة قالوا: أما آية القتال فليست بناسخة وإنما يعني بها من لا تجوز مصالحته مثل مشركي قريش ويعني بقوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ من تجوز مصالحته وإن كان قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ عامًا في مشركي العرب وغيرهم بآية براءة مخصصة له ولا معنى لدخول النسخ في هذا. وأما قو ابن عباس فضعيف لأن الآيتين ليس بينهما تعارض. وعلى الاختلاف في هذه الآية اختلفوا في جواز مهادنة الكفار. فلم يجز ذلك طائفة ورأوا الآية منسوخة، وقالوا إنما هو القتال أو الإسلام أو الجزية. وأجازته طائفة أخرى وإن كان على ما يؤديه المسلمون إليهم واحتجوا بالآية ولم يروها منسوخة، وبما روي أنه ﵊ قد كان صالح عيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب على نصف ثمار المدينة حتى شاور الأنصار قالوا: يا رسول الله أهو أمر أمرك الله تعالى به أم الري والمكيدة. قال: ((لا بل هو رأي لما رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أدفعه عنكم إلى يوم)) فقال السعدان: سعد بن عبادة والسعد بن معاذ: والله يا رسول الله إنهم لم يطمعوا فيها منا إلا بشراء أو قرى ونحن كفار فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام ولا نعطيهم
стр. 1050
إلا بالسيف، وشق الصحيفة وأجازته طائفة على غير مال يؤديه المسلمون إليهم وأما بمال فلا يجوز، وهو أحد قولي الشافعي وبه يقول الأوزاعي. وهذا الخلاف عندي إنما هو ما لم يخف على المسلمين أن يصطلحوا. فأما إذا خيف ذلك فجائز مصالحتهم على مال وعلى غير مال. فأما على أن يؤخذ من الكفار فلا خلاف في جوزاه وسيأتي الكلام عليه. وإنما الخلاف إذا كان على أن لا يأخذ منهم شيئًا أو على أن يعطيهم شيئًا، وهذا كله مع الذين يجوزون أخذ الجزية منهم. فأما من لا يجوز أخذ الجزية منهم باتفاق ككفار قريش فلا خلاف أنه لا تجوز مصالحتهم كيف كانت والذين ذهبوا إلى جواز الصلح في المسألة التي ذكرناها اختلفوا في المدة التي تجوز مصالحتهم إليها. فقيل لا يجوز أن يصالحوا أكثر من عشر سنين وما وراء هذا محظور، وهو قول الشافعي. وقيل لا يجوز أكثر من أربع سنين. وقيل لا يجوز أكثر من ثلاث سنين وهذه الثلاثة الأقوال مبنية على الاختلاف في المدة التي هادن عليها رسول الله ﷺ عام الحديبية. وقيل تجوز مهادنتهم إلى مدة قصيرة أو طويلة على حسب ما يعطيه الاجتهاد والنظر في مصلحة المسلمين، ونحو هذا حكى ابن حبيب عن مالك فقال
стр. 1051
تجوز مهادنتهم السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة. وهذا القول أليق بظاهر الآية إذا قلنا بأنها محكمة. واختلفوا هل يعقد الهدنة غير الإمام أم لا يعقدها إلى الإمام. والجمهور على أنه لا يعقدها إلا الإمام. وذهب الطبري إلى أنه يجوز أن يعقد بغير إذن الإمام. والدليل على فساد هذا القول أن هذا من مصالح المسلمين فلا بد من نظر الإمام فيه وقد قال تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ الآية، فلم يخاطب بذلك إلا النبي ﷺ ولم يقصر تعالى الخطاب عليه إلا من أجل أن ذلك ليس لغيره وأن يعلم أن النظر في ذلك إنما هو للأئمة.
(٦٥) - (٦٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي﴾:
اختلف في قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ هل هو منسوخ أم محكم. فذهب الجمهور إلى أنه منسوخ وقالوا قد كان واجبًا به ألا يفر المسلمون عن عشرة أمثالهم ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ فأجاز للمسلمين أن يفروا عن أكثر من ضعفهم.
وذهب قوم إلى أن هذا ليس بنسخ وقالوا لم يكن قط واجبًا أن لا يفر المسلمون من عسرة أمثالهم وإنما ذكر الله تعالى ذلك على جهة الندب للمسلمين أن يفعلوه ثم بين تعالى بالآية بعدها الواجب في ذلك، والآية الأولى إلى آخر الأبد مندوب إلى حكمها والقولان مرويان عن ابن عباس وقد اختلف الأصوليون هل يجوز نسخ الأثقل بالأخف أم لا. وهذه الآية حجة لمن أجازه على القول بالنسخ فيها.
стр. 1052
(٦٧) - قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾:
اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة، والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا إنها نزلت والمسلمون قليل فأمر الله فيها بالقتل وعاتب على الأسر وترك القتل، فلما كثر المسلمون واشتدت شوكتهم أنزل الله تعالى التخيير فقال: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] وروي عن ابن عباس. وقال بعضهم كان الله تعالى قد أمر بإكثار القتل بقوله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ١٢] فأبى أصحاب النبي ﷺ يوم بدر إلا أسر بعضهم رغبة في الفداء فصار معصية منهم ومخالفة فنزلت الآية.
والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا فقالت جماعة الآية خبر، أخبر الله تعالى فيها أنه لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، فلما أثخن في الأرض كان له أسرى، والأخبار لا تنسخ. وقيل إن سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ لما جمع أسارى بدر استشار فيهم أصحابه. فقال أبو بكر: يا رسول اله هم قرابتك ولعل الله تعالى أن يهديهم بعد للإسلام فادهم واستبقهم ويتقوى المسلمون بأموالهم. وقال عمر بن الخطاب: لا يا رسول الله بل تضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر. وقال عبد الله بن رواحة: بل نجعلهم في واد كثير الحطب ثم نضرم عليهم نارًا. وقد كان سعد بن معاذ قال وهو مع رسول الله ﷺ في العريش وقد رأى أسارى قد كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال. فأخذ بقول أبي بكر فنزلت الآية تخير أن الأولى والأهيب على سائر الكفار كان القتل.
стр. 1053
(٦٨) - قوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله﴾:
يحتمل أن يكون هذا الوعيد على ما فعلوه من المفاداة وترك القتل. وروي أنهم لكا أسرعوا إلى الغنائم أنزلها الله تعالى. واختلف المفسرون في معنى كتاب من الله، فقيل المعنى لولا أن القرآن الذي صدقتم لما مسكم العذاب لأخذكم هذا الفداء. وقيل الكتاب السابق هو المغفرة لأهل بدر ما تقدم أو تأخر من ذنوبهم. وقيل هو ما كان الله تعالى قضاه في الأزل من إحلال الغنائم والفداء لأمة محمد ﷺ وكانت في سائر الأمم محرمة. وقيل هو أن الله تعالى قضى أن لا يعاقب أحد على ذنب أتاه بجهالة، وهذا قول ضعيف. وقيل هو أن لا يعذب أحد بذنب قبل النهي عنه. وقيل هو ما قضاه الله تعالى من محو الصغائر لا باجتناب الكبائر، وذهب الطبري إلى دخول هذه المعاني كلها تحت اللفظ ولم يخصصه بمعنى دون معنى.
(٦٩) - وقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾:
قال المفسرون أحل الله بهذه الآية لأمة محمد ﷺ ما كان محظورًا على غيرهم من الغنائم لأنها لم تحل لأحد قبل أمة محمد ﷺ وإنما كانت تنزل نار من السماء فتأكلها بدليل قوله ﵊: ((لم تحل لأحد قبلنا)) ويعترض هذا القول في الآية بأن يقال قد كان حكم تحليل الغنم قبل وقعة بدر في السرية التي قتل فيها عمرو بن الحضرمي، فالأحسن أن يقال في الآية أنه إنما أراد فيها إلحاق ما يؤخذ من الأسارى بالغنائم التي تقدم تحليلها وسيأتي الكلام على حكم الأسارى في سورة القتال. وفي الآية
стр. 1054
دليل على جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة لأن إباحة الأكل منها مطلقة لم يخص قبل القسمة أو بعدها.
(٧٢) - (٧٥) - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ إلى قوله: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾:
حكم الله تعالى بهاتين في المهاجرين والأنصار، فإن بعضهم أولياء بعض، فاختلف في مقتضى هذه الآية. فقيل في المؤازرة والمعونة واتصال الأيدي. والآية على هذا القول محكمة. وقيل هي في الميراث وذلك أن المسلمين كانوا يتوارثون بالهجرة فكان الرجل إذا أسلم ولم يهاجر لم يرث أخاه المهاجر. وروي عن ابن عباس أنه قال: آخى النبي ﷺ بين أصحابه فكانوا يتوارثون بذلك. وقال عكرمة أقام الناس زمانًا لا يرث الأعرابي المهاجر ولا المهاجر الأعرابي. والآية على هذه الأقوال منسوخة نسخها قوله تعالى: ﴿وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ على القول بأنها في الميراث أيضًا. وقد اختلف فيها على حسب الاختلاف في الآية المتقدمة. قيل هي من ولاية المؤازرة والمعاونة وليست بناسخة ولا منسوخة، وإليه ذهب مالك رحمه الله تعالى. وقيل هي في ولاية المؤازرة وهي ناسخة كما تقدم. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة لأنها اقتضت توريث جميع القرابات فنسحت بآية المواريث المبينة في سورة النساء. وذهب قوم إلى أنها محكمة وأنها في من يرث ممن جاءه ميراث في كتاب أو سنة وأنها آية مجملة مبينة بغيرها. وذهب أيضًا قوم إلى أنها محكمة عامة في جميع القرابات وعلى هذا ينبني اختلاف العلماء في توريث من لا سهم له في كتاب ولا سنة من ذوي
стр. 1055
الأرحام وليس بعصبة كأولاد البنات وبني الأخوات وبنات الإخوة والعمة والخالة وعمة الأب والعم أخي الأب للأم والجد أبي الأم والجدة أم أبي الأم ومن أدلى بهم. فقالت طائفة إذا لم يكن للميت وارث له فرض مسمى فماله للموالي المعتقين فإن لم يكونوا فلبيت المال ولا يرث أحد من ذوي الأرحام المذكورين، وهو قول أبي بكر وعلي وغيرهم من أهل العلم وأهل المدينة والشافعي. وذهب قوم إلى أنهم يرثون ولا يرث بيت المال مع الرحم شيئًا وهو قول الكوفيين والثوري وأحمد وغيرهم. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه. واحتج من ذهب إلى هذا بقوله : ﴿وأولوا الأرحام﴾ الآية فحملوا الآية على عمومها وهو قول ضعيف بل الآية مجملة والمفسر يقضي عليها فينبغي أن يعتمد عليه. واختلف فيمن أولى بالصلاة على الميت الوالي أو الولي. فذهب مالك وأبو حنيفة وغيرهم إلى أن الوالي أولى.
إلا أن مالكًا قال في الوالي إن كانت إليه الصلاة. وقيل إنما ذلك للوالي الأكبر الذي تؤدي إليه الطاعة فأما غيره من الولاة فلا وإن كانت إليه الصلاة وهو قول مطرف وأصبغ وعبد الحكم. وحجة القول الأول أن الحسين بن على قدم سعيد بن العاص يوم مات أخوه الحسن
следующие страницы →