Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
تجوز مهادنتهم السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة. وهذا القول أليق بظاهر الآية إذا قلنا بأنها محكمة. واختلفوا هل يعقد الهدنة غير الإمام أم لا يعقدها إلى الإمام. والجمهور على أنه لا يعقدها إلا الإمام. وذهب الطبري إلى أنه يجوز أن يعقد بغير إذن الإمام. والدليل على فساد هذا القول أن هذا من مصالح المسلمين فلا بد من نظر الإمام فيه وقد قال تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ الآية، فلم يخاطب بذلك إلا النبي ﷺ ولم يقصر تعالى الخطاب عليه إلا من أجل أن ذلك ليس لغيره وأن يعلم أن النظر في ذلك إنما هو للأئمة.
(٦٥) - (٦٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي﴾:
اختلف في قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ هل هو منسوخ أم محكم. فذهب الجمهور إلى أنه منسوخ وقالوا قد كان واجبًا به ألا يفر المسلمون عن عشرة أمثالهم ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ فأجاز للمسلمين أن يفروا عن أكثر من ضعفهم.
وذهب قوم إلى أن هذا ليس بنسخ وقالوا لم يكن قط واجبًا أن لا يفر المسلمون من عسرة أمثالهم وإنما ذكر الله تعالى ذلك على جهة الندب للمسلمين أن يفعلوه ثم بين تعالى بالآية بعدها الواجب في ذلك، والآية الأولى إلى آخر الأبد مندوب إلى حكمها والقولان مرويان عن ابن عباس وقد اختلف الأصوليون هل يجوز نسخ الأثقل بالأخف أم لا. وهذه الآية حجة لمن أجازه على القول بالنسخ فيها.
стр. 1052
(٦٧) - قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾:
اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة، والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا إنها نزلت والمسلمون قليل فأمر الله فيها بالقتل وعاتب على الأسر وترك القتل، فلما كثر المسلمون واشتدت شوكتهم أنزل الله تعالى التخيير فقال: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] وروي عن ابن عباس. وقال بعضهم كان الله تعالى قد أمر بإكثار القتل بقوله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ١٢] فأبى أصحاب النبي ﷺ يوم بدر إلا أسر بعضهم رغبة في الفداء فصار معصية منهم ومخالفة فنزلت الآية.
والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا فقالت جماعة الآية خبر، أخبر الله تعالى فيها أنه لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، فلما أثخن في الأرض كان له أسرى، والأخبار لا تنسخ. وقيل إن سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ لما جمع أسارى بدر استشار فيهم أصحابه. فقال أبو بكر: يا رسول اله هم قرابتك ولعل الله تعالى أن يهديهم بعد للإسلام فادهم واستبقهم ويتقوى المسلمون بأموالهم. وقال عمر بن الخطاب: لا يا رسول الله بل تضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر. وقال عبد الله بن رواحة: بل نجعلهم في واد كثير الحطب ثم نضرم عليهم نارًا. وقد كان سعد بن معاذ قال وهو مع رسول الله ﷺ في العريش وقد رأى أسارى قد كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال. فأخذ بقول أبي بكر فنزلت الآية تخير أن الأولى والأهيب على سائر الكفار كان القتل.
стр. 1053
(٦٨) - قوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله﴾:
يحتمل أن يكون هذا الوعيد على ما فعلوه من المفاداة وترك القتل. وروي أنهم لكا أسرعوا إلى الغنائم أنزلها الله تعالى. واختلف المفسرون في معنى كتاب من الله، فقيل المعنى لولا أن القرآن الذي صدقتم لما مسكم العذاب لأخذكم هذا الفداء. وقيل الكتاب السابق هو المغفرة لأهل بدر ما تقدم أو تأخر من ذنوبهم. وقيل هو ما كان الله تعالى قضاه في الأزل من إحلال الغنائم والفداء لأمة محمد ﷺ وكانت في سائر الأمم محرمة. وقيل هو أن الله تعالى قضى أن لا يعاقب أحد على ذنب أتاه بجهالة، وهذا قول ضعيف. وقيل هو أن لا يعذب أحد بذنب قبل النهي عنه. وقيل هو ما قضاه الله تعالى من محو الصغائر لا باجتناب الكبائر، وذهب الطبري إلى دخول هذه المعاني كلها تحت اللفظ ولم يخصصه بمعنى دون معنى.
(٦٩) - وقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾:
قال المفسرون أحل الله بهذه الآية لأمة محمد ﷺ ما كان محظورًا على غيرهم من الغنائم لأنها لم تحل لأحد قبل أمة محمد ﷺ وإنما كانت تنزل نار من السماء فتأكلها بدليل قوله ﵊: ((لم تحل لأحد قبلنا)) ويعترض هذا القول في الآية بأن يقال قد كان حكم تحليل الغنم قبل وقعة بدر في السرية التي قتل فيها عمرو بن الحضرمي، فالأحسن أن يقال في الآية أنه إنما أراد فيها إلحاق ما يؤخذ من الأسارى بالغنائم التي تقدم تحليلها وسيأتي الكلام على حكم الأسارى في سورة القتال. وفي الآية
стр. 1054
دليل على جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة لأن إباحة الأكل منها مطلقة لم يخص قبل القسمة أو بعدها.
(٧٢) - (٧٥) - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ إلى قوله: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾:
حكم الله تعالى بهاتين في المهاجرين والأنصار، فإن بعضهم أولياء بعض، فاختلف في مقتضى هذه الآية. فقيل في المؤازرة والمعونة واتصال الأيدي. والآية على هذا القول محكمة. وقيل هي في الميراث وذلك أن المسلمين كانوا يتوارثون بالهجرة فكان الرجل إذا أسلم ولم يهاجر لم يرث أخاه المهاجر. وروي عن ابن عباس أنه قال: آخى النبي ﷺ بين أصحابه فكانوا يتوارثون بذلك. وقال عكرمة أقام الناس زمانًا لا يرث الأعرابي المهاجر ولا المهاجر الأعرابي. والآية على هذه الأقوال منسوخة نسخها قوله تعالى: ﴿وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ على القول بأنها في الميراث أيضًا. وقد اختلف فيها على حسب الاختلاف في الآية المتقدمة. قيل هي من ولاية المؤازرة والمعاونة وليست بناسخة ولا منسوخة، وإليه ذهب مالك رحمه الله تعالى. وقيل هي في ولاية المؤازرة وهي ناسخة كما تقدم. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة لأنها اقتضت توريث جميع القرابات فنسحت بآية المواريث المبينة في سورة النساء. وذهب قوم إلى أنها محكمة وأنها في من يرث ممن جاءه ميراث في كتاب أو سنة وأنها آية مجملة مبينة بغيرها. وذهب أيضًا قوم إلى أنها محكمة عامة في جميع القرابات وعلى هذا ينبني اختلاف العلماء في توريث من لا سهم له في كتاب ولا سنة من ذوي
стр. 1055
الأرحام وليس بعصبة كأولاد البنات وبني الأخوات وبنات الإخوة والعمة والخالة وعمة الأب والعم أخي الأب للأم والجد أبي الأم والجدة أم أبي الأم ومن أدلى بهم. فقالت طائفة إذا لم يكن للميت وارث له فرض مسمى فماله للموالي المعتقين فإن لم يكونوا فلبيت المال ولا يرث أحد من ذوي الأرحام المذكورين، وهو قول أبي بكر وعلي وغيرهم من أهل العلم وأهل المدينة والشافعي. وذهب قوم إلى أنهم يرثون ولا يرث بيت المال مع الرحم شيئًا وهو قول الكوفيين والثوري وأحمد وغيرهم. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه. واحتج من ذهب إلى هذا بقوله : ﴿وأولوا الأرحام﴾ الآية فحملوا الآية على عمومها وهو قول ضعيف بل الآية مجملة والمفسر يقضي عليها فينبغي أن يعتمد عليه. واختلف فيمن أولى بالصلاة على الميت الوالي أو الولي. فذهب مالك وأبو حنيفة وغيرهم إلى أن الوالي أولى.
إلا أن مالكًا قال في الوالي إن كانت إليه الصلاة. وقيل إنما ذلك للوالي الأكبر الذي تؤدي إليه الطاعة فأما غيره من الولاة فلا وإن كانت إليه الصلاة وهو قول مطرف وأصبغ وعبد الحكم. وحجة القول الأول أن الحسين بن على قدم سعيد بن العاص يوم مات أخوه الحسن
стр. 1056
وقال لولا السنة ما قدمتك، وسعيد يومئذ أمير المدينة. وقيل الولي أحق من الوالي جملة وهو قول الشافعي وأبي يوسف واحتج أصحاب الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾.
стр. 1057
سورة براءة
هي مدنية إلا قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول ... ﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] آخر السورة.
ولهذه السورة أسماء، قال حذيفة تسمى سورة التوبة، وقال ابن عباس تسمى الفاضحة، وتسمى أيضًا الحافرة لأنها حفرت عن قلوب المنافقين. وقال حذيفة أيضًا هي سورة العذاب. وقال ابن عمر كنا ندعوها المقشقشة وقال ابن زيد كانت تسمى المبعثرة. ويقال لها أيضًا المثيرة، ويقال لها البحوث. وأول آية نزلت منها على ما قال أبو مالك الغفاري: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾ [براءة: ٤١]. وقد كانت هذه السورة تعدل البقرة فنسخت، وكانت تدعى وسورة الأنفال القرينتين. وفيها من الأحكام والناسخ والمنسوخ مواضع أكثر العلماء على أن آخر سورة نزلت بالمدينة براءة ولذلك قل المنسوخ فيها. وروي عن ابن عباس أنه فال: آخر
стр. 1058
سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت آية الكلالة. وحكي أن أعرابيًا سمعها فقال: أظن هذه من آخر ما أنزل. فقيل له لم تقول ذلك فقال أرى أشياء تنقض وعهودًا تنبذ.
(١) - قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ الآية:
هذه الآية اقتضت تقدم عهد بين النبي ﷺ وبين المشركين أن النبي ﷺ نقضه، إلا أنه اختلف في سبب النقض. والجمهور على أنه ما أراده المشركون من النقض. وقال بعضهم سببه أن النبي ﷺ لما أراد أن يحج لقابل أجله وكان المشركون يطوفون بالبيت عراة، والتعري محض شرك وكفر، فاقتضى ذلك نقض العهد. وهذا باطل لأنه لا يجوز لرسول الله ﷺ نقض العهد لهذه العلة فإن من التمكن أن يخلي البيت ساعة طوافه ولا يمكن المشركين من الطواف فيما له استحالة كما طاف في عمرة القضاء وأخلى المشركون له البيت.
(٤) - وقوله تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئًا ولم يظهروا عليكم أحدًا﴾:
يدل على أن الذين تقدم ذكرهم ووقع منهم مظاهرة أو مخاتلة خداع تقتضي نقض العهد والإخلال به. ولذلك قال: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾ الآية [براءة: ٧] فإن قيل فإذا نقض العهد فلم أجلوا أربعة أشهر؟ فالجواب أنه جاز الإمهال تلك المدة لما فيه من المصلحة من تدبر من أمهل وعاقبة أمره وعسى أن يكون ذلك داعية إلى الإسلام وإذا صح هذا فقد اتفق المفسرون لهذه الآية أن هذا التأجيل الأربعة أشهر دخل فيه من كان بينه وبين النبي ﷺ عهد وظهر منه أو تحسس من جهته نقض وكان مدة عهده ينصدم عند انقضاء الأربعة أشهر أو قبلها. واختلف في من كان من هؤلاء عهده يتمادى بعد الأربعة أشهر. فقيل- وهو قول الجمهور- إنه داخل فيمن ضرب له الأربعة أشهر. وقيل من كان عهده
стр. 1059
يتمادى بعد الأربعة أشهر فهم الذين أمر الله تعالى أن يوفى لهم. والأول أصح على ظاهر الآية. وأما من كان له عهد ولم يخف منه نقض فاتفقوا على أنه لم يدخل في التأجيل وأنه كان باقيًا إلى أجله إن كان أجله أطول من الأربعة أشهر لاستثناء الله تعالى إياهم فيما بعد. واختلفوا فيمن لم يكن له عهد من النبي ﷺ هل هو داخل في هذا التأجيل أم لا. فذهب أكثرهم -منهم الضحاك- إلى أنه لم يدخل في ذلك. وذهب بعضهم -منهم السدي- إلى أنهم دخلوا فيه والأول أظهر لقوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم﴾ [براءة: ٤] فإنما ذكر من عوهد بدليل هذا أن من لم يعاهد ليس كذلك.
وقال موسى بن عقبة: كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يكف عن قتال من لم يقاتله لقوله تعالى: ﴿وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا﴾ [النساء: ٩٠] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ الآيات [براءة: ١ - ٥].
(٢) - وقوله تعالى: ﴿فيسحوا﴾:
معناه فقل لهم يا محمد سيحوا في الأرض أي امشوا فيها آمنين هذه المدة. واختلفوا في أول هذه الأربعة الأشهر التي ذكرها الله تعالى.
стр. 1060
فقال ابن عباس وغيره أولها شوال، وحينئذ نزلت الآية وانقضاءها عند انسلاخ الأشهر الحرم، وانقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين يومًا. قالوا فكان أجل من له عهد أربعة أشهر من يوم نزول الآية أجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان. وهذا قول ضعيف لأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع إلا أن يكون سمعت براءة أول شوال ثم كرر إشهارها مع الأذان يوم الحج الأكبر. وقال السدي وغيره بل أولها يوم الأذان وآخرها العشر من ربيع الآخر وهي الحرم استعير لها هذا الاسم لهذه الحرمة وإلا من الخاص الذي رسمه الله تعالى وألزمه فيها. القول الأول أظهر في لفظ الآية لقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ [براءة: ٥] فدل أن بتمام الأشهر الحرم يتم العهد. ويقول أهل القول الثاني أن المعنى فيذلك اقتلوا المشركين الذين لا عهد لهم ألبتة، فكان على هذا أجل من لا عهد له خمسين يومًا وهو مذهب أبي حنيفة.
(٣) - وقوله تعالى: ﴿وأذان من الله﴾:
أي إعلام منه. وقوله تعالى: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ [براءة: ٣] اختلف الناس فيه فقال عمر وابنه وغيرهما هو يوم عرفة، وقيل هو يوم النحر وهو قول أبي هريرة، والقولان عن علي مرويان. وروي عن النبي ﷺ أنه يوم النحر وبهذا يقول مالك. وقال سفيان بن عيينة المراد بقوله الحج الأكبر ها هنا أيام الحج كلها كما تقول يوم صفين ويوم الجمل. وقال مجاهد هي أيام منى كلها. والذي تظاهر به الأحاديث أن عليًا أذن بتلك الآية يوم
стр. 1061
عرفة إثر خطبة أبي بكر ثم رأى أنه لم يعم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها يوم النحر وفي ذلك اليوم بعث معه أبو بكر من يعينه في الأذان بها كأبي هريرة وغيره، وتتبعوا أيضًا أسواق العرب كذي المجاز وغيره.
فبسبب هذا اختلف الناس. واختلف أيضًا لم وصف بالأكبر، فقيل لأنه حج ذلك العان المسلمون والمشركون وصادف أيضًا عيد اليهود والنصارى، وقيل لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود، وقيل الحج الأكبر بالإضافة إلى الحج الأصغر وهو العمرة. وقال الشعبي بالإضافة إلى العمرة في رمضان فإنه الحج الأصغر، وقال مجاهد الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد، وقيل الحج الأكبر يوم النحر والأصغر يوم عرفة وهو قول منذر بن سعيد. قال لأن الناس كانوا يقفون يوم عرفة بعرفة إذا كانت الخمس تقف بالمزدلفة وكان الجمع يوم النحر بمنى فلذلك كانوا يسمونه الحج الأكبر. وذكر بعضهم أن هذا خطأ لأنه لم يقف أحد في حجة أبي بكر بالمزدلفة. وليس كما قال. وقد حكى قوم من المفسرين أن الحمس ومن تبعها وقفوا بالمزدلفة في حجة أبي بكر وكان رسول الله ﷺ قد افتتح مكة سنة ثمان واستعمل عليها عتاب بن أسيد ثم غزا غزوتين: حنينًا والطائف ثم رجع إلى المدينة ثم خرج إلى تبوك ثم رجع في رمضان سنة تسع فأراد الحج ولم يرد أن يحج المشركون يحجون ويطوفون عراة فأمر
стр. 1062
أبا بكر أن يحج بالناس وأنفذه، ثم أتبعه عليًا على العضباء لينادي في الناس بأربعة أشياء: ألا يحج بعد العام عريان مشرك ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته. وفي بعض الروايات ومن كان بينه وبينه عهد فأجله أربعة أشهر يسيح فيها فإذا انقضت فإن الله بريء من المشركين ورسوله وهذه الرواية فيمن يتحسس منه نقض والأول فيمن لم يتحسس منه نقض. وذكر أن العرب قالت يومئذ نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطغى والرضا فلام بعضهم بعضًا وقالوا ما تصنعون. وقد أسلمت قريش فأسلموا كلهم ولم يسح أحد. وحينئذ دخل الناس في دين الله أفواجًا وكان النبي ﷺ قد أمر عليًا أن يقرأ على الناس من أول براءة. قيل أربعين آية وقيل ثلاثين وقيل عشرين وقيل عشر آيات وقيل تسع آيات وقيل ثمان وعشرون آية.
(٤) - وقوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئًا ولا يظهروا عليكم أحدًا﴾:
استثنى بهذه الآية من لم ينقض عهدًا من المشركين وهم الذين بقي من عهدهم تسعة أشهر أي أنهم يتركون على عهدهم لا يكونون كمن نقض العهد فيضرب له أربعة أشهر. وقال قتادة هم قريش الذين عوهدوا من الحديبية، وهذا فاسد لأن قريشًا كانت قد أسلمت يوم الفتح قبل أمر الله تعالى بالأذان بهذه الأشياء.
ثم قال تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ فاختلف المفسرون على من يعود هذا الضمير ﴿إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ فقيل على من ضرب له أربعة أشهر أي أتموا العهد الذي لهم إلى أربعة أشهر وهو قول
стр. 1063
ابن عباس. وقيل يعود على قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا﴾ وهذا مبني على الاختلاف في الضمير إذا تعقب شيئين. ويحتمل أن يعود على الأبعد منهما ويحتمل أن يعود على الأقرب منهما. فمنهم من يحمله على الأقرب وهو الأحسن ومنهم من يحمله على الأبعد، والأحسن في هذه الآية أن يعود على المستثنين. والذي يتحصل من الأحكام في هذه الآية أنه لا يجوز نقض عهد الكفار إلا بنقض ظاهر منهم أ, توقع نقض أو إيهام من مدة العهد مثل أن يقول أقركم ما أقركم الله كما عاهد رسول الله ﷺ أهل خيبر ثم أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه ولا يجوز النقض بالاغتيال بل بإظهار نقض العهد إليهم.
ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿ولم يظاهروا عليكم أحدًا﴾ أن أهل العهد من الكفار إذا ظاهروا قومًا من الأعداء فهو نقض سواء ظاهروا سرًا أو جهرًا.
ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ أن هذه المدة غاية الآجال في استيفاء الحقوق. وقوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ يقتضي أن لا يبقى مشرك له عهد إلا وقد برئ الله منه بالعموم الظاهر. ولا يدخل في هذا العموم اليهود لأنه تعالى إنما برئ من عهد من كان على موادعة في الحرب وكفى عن القتال وهو عهد المشركين من العرب. وأما عهد اليهود فليس كذلك لأنه إنما كان عهد قهر وغلبة وصغار فتخصص بهذا المعنى. ويجوز أن يكون لفظ المشركين محتص بغير أهل الكتاب ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية منهم.
(٥) - وقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾:
هذه الآية هي ناسخة لكل آية مهادنة أو ما جرى مجراها من القرآن.
стр. 1064
وقد ذكر بعضهم أن آيات المهادنة والموادعة المنسوخة بهذه الآية مائة آية وأربعة عشر آية وقد اختلف في هذه الأشهر على أربعة أقوال: أحدها: أنها الأشهر المعلومة: رجب الفرد والثلاث السرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. والثاني: شوال من سنة تسع المحرم من سنة عشر. والثالث: أنها أربعة أشهر من يوم النحر من سنة تسع. والرابع: أنها تمام تسعة أشهر كانت بقيت من عهدهم. فأما الأول ففاسد لأن ترك القتال فيها منسوخ بالإجماع. والثاني باطل لأن الأجل إنما يكون من يوم الإعلام والإنزال. والرابع: باطل أيضًا لأن الله تعالى يقول: أربعة أشهر، وهذا يقول تسعة أشهر. والثالث هو الصحيح لأنه قال: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ فاقتضى ذلك أن تكون المدة عقب الإعلام. وقال بعض من زعم أن الأشهر المذكورة في الآية هي المعلومة التي هي ثلاثة سرد وواحد فرد إنما علق الله تعالى قتال المشركين بانقضائها لأن آخرها الذي هو المحرم كان بانقضائه تنقضي الأربعة أشهر، وهذا قول حسن. وفي الآية أخبار كثيرة من العلماء.
وقد قال الأصم في هذه الآية: أريد بها من لا عهد له من المشركين فوجب أن يمسك عن قتالهم حتى ينسلخ الحرم وهو مدة خمسين يومًا على ما ذكر ابن عباس واقتضت هذه الآية أيضًا أن قتل
стр. 1065
المشركين بعد الأشهر المذكورة. واختلف في هذه الآية لأجل ذلك هل هي محكمة أو منسوخة. فقال قوم هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] قالوا ولا يحل قتال أسير صبرًا فإما أن يمن عليه وإما أن يفادي وهو قول الضحاك وعطاء والسدي والحسن وغيرهم. وقيل بل هي محكمة. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤]. فذهب قوم إلى أنها ناسخة له وأنه لا يجوز في الأسير إلا أن يقتل ولا يجوز أن يمن عليه بالعتق ولا أن يفادى به، وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وذهب قوم بأنها ليست بناسخة لتلك وأن الآيتين محكمتان وهو قول ابن زيد. ثم اختلف على هذا القول في ترتيب الآيتين، فقيل آية براءة في عبادة الأوثان فليس فيهم إلا القتل وآية سورة القتال في أهل الكتاب فقط ففيهم المن والفداء.
قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم﴾ معناه وخذوهم أسرى للقتل أو للمن أو للفداء ثم بين ذلك قوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] وقد نسب جماعة هذا التأويل إلى ابن زيد. فهذه أربعة أقوال في حكم الأسير. أحدها القتل خاصة وقيل المن والفداء خاصة وهو قول، وقيل هو مخير في ذلك، وقيل أما ما في عبدة
стр. 1066
الأوثان فالقتل خاصة وأما أهل الكتاب فالمن والفداء. وفي المسألة قول خامس أنه لا يجوز إلا المن والفداء بالمسلمين فأما بالمال فلا يجوز لأن ذلك تقوية لهم وهو أضعف الأقوال لعموم الآية لأن رسول الله ﷺ قد فعل الوجهين جميعًا ومذهب مالك أن الإمام مخير بين خمس خصال: إما أن يقتل وإما أن يمن فيستعبد أو يعتق أو تعقد له الذمة وتضرب عليه الجزية وإما ان يفادى. وهذان القولان أيضًا على أن الآيتين محكمتان. وذهب بعض المفسرين في ترتيب الآيتين إلى غير هذا وزعم أنه لم يأت عن ابن زيد أكثر من الآيتين محكمتين بل ذكره مكي والمهدوي عن ابن زيد، فقال هذا الزاعم قوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم﴾ إنما هو في المشرك المحارب الذي يتمكن منه وليس للأسير فيها ذكر ولا حكم وإنما هو قول ضعيف لعموم آية السيف إذ لم يخص محاربًا من غير محارب، وآية السيف هي قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ والأظهر في الآيتين الإحكام وإليه يذهب مالك وقد قرره
стр. 1067
رسول الله ﷺ بفعله يوم بدر إذ قتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط صبرًا وهما أسيران وفادى بقوم. واختلف في الحبشة والترك هل يقاتلون إذا أبوا من الإسلام أم على قولين في المذهب والمشهور عن أبن القاسم ومالك أنهم يقاتلون. وقد جاء عن غيرهما ما ظاهره أن لا يقاتلوا لما جاء عن النبي ﷺ : ((اتركوا الحبشة ما تركوكم)) ومن قوله: ((اتركوا الرابضين ما تركوكم الحبشة والترك)) والقول الأول أظهر لعموم قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموههم﴾ ولم يخص وما ذكر من الحديث محتمل فلا يعدل عن ظاهر القرآن بمحتمل. وفي قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ دليل على جواز قتلهم بأي وجه كان إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة ويجوز أن يكون أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين قتل الردة بالإحراق والحجارة والرمي من رؤوس الجبال والتنكيس في الآبار تعلق بعموم الآية، وكذلك على رضي الله تعالى عنه حين أحرق قومًا من أهل الردة تعلق أيضًا بهذا العموم.
(٥) - وقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾:
لم يقنع منهم تعالى بالاعتقاد حتى يظهروا الطاعة بالجوارح وذلك أنه اشترط في تحليتهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة أي أن يفعلوا هذه الأشياء مع إيمانهم. وقيل معناه أن يعترفوا يهما لا أن يفعلوهما. وإذا قلنا إنه إنما أراد بعد ذلك من صلاة وزكاة وحنوهما فإنما هي طاعات أوجبها الله تعال فمن تركها ولم يأت بها مع اليمان فقد عصى، وفيها عقوبات على حسب
стр. 1068
ما ورد في الشرع في ذلك. وأما أن يقال إنه كافر بتركها فبعيد في قياس الشرع وإن كانت قد وردت أخبار تدل على تكفير من ترك الصلاة، والسابق من ظاهر الآية مثل ما وردت به الأخبار ولكنه يترك الظاهر لما هو أظهر. ولأجل هذا اختلف فيمن أسلم هل يقنع منه بكلمة الشهادة مع الاعتراف بالطاعة أم لا يقنع منه بكلمة الشهادة مع الاعتراف حتى يصلي.
فمنهم من قال إنه إن نطق بكلمة الشهادة مع الاعتراف بما أظهر فذلك إعلام صحيح وإن رجع بعد ذلك فهو مرتد يقتل كما يقتل المرتد. ومنهم من قال إن صلى ولو ركعة فقد صح إسلامه وإن رجع بعد ذلك فهو مرتد وأما إن لم يصل فلا يكون مرتدًا إن رجع عن إسلامه ولكنه يعاقب وهو قول ابن القاسم من أصحاب مالك والأول قول أصبغ وقاله ابن حبيب أيضًا. ومتى قلنا بصحة إسلامه بالنطق بكلمتي الشهادة مع الاعتراف ثم ترك الصلاة فحكمه حكم المؤمن الأصلي بترك الصلاة وإذا لم نقل بصحة إسلامه بذلك حتى يصلي فهو ما لم يصل لا يحكم عليه في ترك الصلاة بحكم المؤمن الأصلي يترك الصلاة بغير عذر مع إقراره بفرضها -لأن من لا يقر بفرضيتها فلا خلاف في كفره- فقيل هو كافر ينتظر به آخر وقت الصلاة، فإن صلى وإلا قتل وكان ماله لجميع المسلمين وهو قول علي وابن عباس وغيرهما وغليه ذهب ابن حبيب. والثاني أنه ليس بكافر ولكنه يقتل على فعل ذنب من الذنوب لا على كفر ويرثه ورثته المسلمون. وهو قول مالك والشافعي وجماعة سواهما. وقيل إنه لا يقتل بل يضرب ضربًا
стр. 1069
مبرحًا ويسجن حتى يتوب ويرجع ولا يقتل وهو قول ابن شهاب وغيره وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والقول الأول أظهر إلى لفظ الآية، والقول الثاني في القياس والقول الثالث حجته قوله ﵊: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)). واختلفوا أيضًا فيمن لا يؤدي الزكاة مع إقراره بفرضها لأنه إذا لم يقر بفرضها فهو كافر بلا خلاف. فقيل هو كافر وهو قول ابن حبيب، وقيل هو ليس بكافر وهو قول الجمهور، قالوا لكنه يضرب وتؤخذ منه كرهًا إلا أن يمتنع في جماعة فإنهم يقاتلون حتى تؤخذ منهم. والقول الأول أظهر على لفظ الآية، والثاني أولى بالاتباع إذ هو الذي ذهب إليه جماعة الصحابة في قتال أهل الردة.
(٦) - (٧) - قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ إلى قوله: ﴿فاستقيموا لهم﴾:
أمر رسول الله ﷺ في هذه الآية بعد أن أمر بقتال المشركين أن يكون متى طلب منه عهدًا ليسمع القرآن ويرى حال المسلمين فأما أن يسلم وأن ينكص على عقبيه إن يعطيه ما سأل من العهد وهي الإجازة. ثم أمر بتبليغه إلى مأمنه إذا لم يرض الإسلام وأراد الرجوع إلى مأمنه. وقد اختلف العلماء هل هذا الحكم الذي اقتضته الآية محكم أو منسوخ لا يجوز أن يفعل مع المشرك. فذهب جماعة إلى أنه محكم وأن حكم غير الرسول ﷺ من الأئمة بل من
стр. 1070
المجاهدين حكم في ذلك ولا يحل للمجاهدين أن يقتلوا الكافر مع طلبه ذلك وأنها سنة قائمة إلى يوم القيامة، وهو قول الحسن ومجاهد. وقال قوم هو محكم ولكنها كانت في هذه الأربعة أشهر التي ضربت لهم أجلًا ولم يعد إلى غير ذلك الوقت. وإذا قلنا بالقول الأول فلا يحل أن يخلوا المجاهدين من عالم يقوم بالمناظرة وإقامة الأدلة لأنه لا يؤمن أن يكون في الكفار من يطلب ذلك، والأمر في هذه الآية على الوجوب بخلاف الإجارة بغير الغرض المذكور في الآية. وذهب جماعة إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [براءة: ٥] وإلى هذا ذهب الضحاك والسدي.
(٦) - وقوله تعالى: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾:
يعني القرآن.
وقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ تنبيه بأنه إنما أمر بإجارتهم على الوجه المذكور لأنهم لا يدرون ما يدعوهم إليه المسلمون فينبغي أن يعلموا بذلك وحينئذ يقاتلون إن لم يقبلوا لأنه يعلم بذلك أنهم معاقدون، وفي هذه إشارة إلى الدعوة وقد مر الكلام عليها.
(٧) - وقوله تعالى: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾ الآية:
هو استفهام على وجه التعجب والاستبعاد أي كيف يكون عهد عند الله وعند رسول لقوم نقضوا العهد، لكن الذين لم ينقضوا فلهم عهدهم وهم الذين عوهدوا عند المسجد الحرام. واختلف في المعنى بهذا، فقيل قريش وقيل بنو خزيمة بن الديل وقيل قبائل بني بكر لما دخلوا وقت الحديبية في الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين قريش فلم يكن
стр. 1071
نقض إلا قريش وبنو الديل من بني بكر فأمر رسول الله ﷺ بإتمام العهد لمن لم يكن نقض. وقيل المعنى بذلك بخزاعة. وقول من زعم أنهم خزاعة أو قريش مردود لأن قريشًا وخزاعة قد كانوا أسلموا عام الفتح فلم يأت يوم الأذان إلا وهم مسلمون، والأذان بعد الفتح بسنة، قاله الطبري.
(٩) - قوله تعالى: ﴿اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا﴾:
الآية نزلت في الطائفة من الكفار التي وصفها الله تعالى بما ذكر لما أعرضت عن آيات الله وقد أمكنها التمسك بها واختارت الكفر الذي كان في أيديها، وهذه الآية وإن كانت نزلت لما ذكرنها ففيها إشارة إلى تعظيم القرآن وأنه لا يجوز أن يبذل فيه ثمن قليل. واختلف في تعليم القرآن على أجر هل يجوز أم لا. فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجوز ومن حجتهم قوله تعالى: ﴿اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا﴾ وكل ما جعل عوضًا من آيات الله فهو قليل. وما جاء عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين؟ قال: ((درهمهم حرام ونومهم سحت وكلامهم رياء)). وما جاء من أن عبادة ابن الصامت علم رجلًا من أهل الصفة سورة من القرآن فأهدى إليه قوسًا فقال له رسول الله ﷺ : ((إن سرك أن يطوقك الله تعالى طوقًا من نار فاقبله)). وأجاز مالك والشافعي وغيرهم أخذ الأجرة على تعليم القرآن ومن حجتهم أن يقصروا الآية فيما نزلت فيه وما جاء من حديث المتزوج بالقرآن. واختلف أيضًا في
стр. 1072
التزوج بتعليم القرآن أو سورة منه فأجازه الشافعي ولم يجزه أبو حنيفة ولا مالك في المشهور عنه.
ومن حجة من لم يجزه ظاهر الآية ولكنه يشبه النكاح بالمجهول. ومن حجة من أجازه حديث المتزوج المشهور. واختلف أيضًا في أخذ الأجر في الصلاة فلم يجزه أبو حنيفة وأصحابه وأجازه الشافعي واختلف فيه قول مالك، ومن حجة من لم يجزه أيضًا لأنه من نوع بيع آيات الله بثمن.
(١٢) - وقوله تعلى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾:
اختلف في الذمي يطعن في الشريعة بأن يكذب النبي ﷺ أو يسبه أو نحو ذلك. فقيل يقتل جملة من غير تفصيل وهو قول الشافعي، وقيل إذا كفر وأعلن بما هو معهود من معتقده وكفره أدب على الإعلان وترك، وإذا كفر بما ليس بمعهود في كفر كالسب ونحوه قتل. وقيل لا يقتل جملة من غير تفصيل وحكي ذلك عن أبي حنيفة قال لأن ما هم عليه من الشرك أعظم. وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتله، وبقتل كعب بن الأشرف وكان معاهدًا. والذين ذهبوا إلى أنه يقتل اختلفوا إذا سب النبي ﷺ ثم أسلم هل يقبلها أم لا على قولين منصوصين في المذهب، والأظهر في هذا كله أن تقبل توبته لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فقاتلوا أئمة
стр. 1073
الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ وقوله تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ أن المتقدم على نكث العهد والطعن في الدين صار رأسًا في الكفر فهو من أئمة الكفر على هذا التأويل؟ وظاهر الآية يقتضي توقف قتاله عن النكث والطعن وكل واحد منهما يبيح ذلك على انفراده. فالمعنى إن نكثوا أيمانهم حل قتالهم وإن لم ينكثوا وطعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم، وهذا التأويل ينبني عليه القول بالقتل.
(٢٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾:
اختلف في وصف الله تعالى لهم بالنجس لم هو. فقال قتادة وغيره لأنهم جنب إذ غسلهم من الجنابة ليس بغسل. وقال ابن عباس وغيره بل معنى الشرك الذي نجسهم كنجاسة الخمر. ومن أهل العلم من صار إلى الحكم بنجاستهم حقيقة حتى ينجسوا الماء بملاقاتهم له. وقال آخرون لم يرد الله تعالى نجاستهم لكن جعلهم كالنجاسة في المنع من قرب المسجد كالمنع في ذلك من النجاسات، فالمراد بذلك
стр. 1074
التشبيه واختلف في إيجاب الغسل على المشرك إذا أسلم، فالجمهور من أهل المذهب على إيجاب الغسل عليه وهذا القول مبني على قول من يرى أن المشرك إنما وصفه الله تعالى بالنجاسة لجنابته. وذهب ابن عبد الحكم إلى أنه لا يجب عليه الغسل وهذا مبني على أن وصفه بالنجاسة إنما هو لمعنى الشرك لا لمعنى الجنابة وروي أيضًا عن مالك وابن القاسم مثله.
واختلف فيمن صافح مشركًا هل يتوضأ أم لا؟ فذهب الحسن إلى أنه يتوضأ -يريد والله تعالى أعلم الوضوء اللغوي- والجمهور على أن ذلك لا يلزم إلا أن يتعلق به نجاسة. وكان الحسن لما وصفهم الله تعالى بالنجاسة حملهم على النجاسة وإن لم تظهر منهم. واختلف في المشركين من هم، فقيل الوثنيون خاصة، وقيل هم الوثنيون وغيرهم من أهل الكتاب ومن الكفار. قال بعضهم وإنما سمي أهل الكتاب مشركين وإن لم يشركوا لأن من كفر بما جاء به محمد ﷺ فقد نسب ما لا يكون إلا من الله تعالى إلى غير الله تعالى فأشرك معه غيره. وفائدة الخلاف في هذا يتبين في صفة مناكحتهم وذبائحهم وغير ذلك. واختلف هل هذه الآية ناسخة لما كان ﷺ صالح به المشركين أن لا يمنع من البيت أحد أم لا على قولين.
стр. 1075
وقد اختلف في دخول أهل الكتاب وغير أهل الكتاب من الكفار المساجد. فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه يمنعون من دخول المسجد الحرام وغيره من المساجد، فحمل المشركين على العموم في الكتابيين وغيرهم أو على غير أهل الكتاب، وقالس عليهم أهل الكتاب وقاس على المسجد الحرام سواه. وتأول الآية التي قبل هذه: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾، وقوله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾، وبمثل هذا كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله واحتج في كتابه بهذه الآية. ويؤكد هذا القول قوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: ٣٢] وذهب الشافعي إلى أن الكفار كلهم يمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة ولا يمنعون من سواه، فحمل المشركين على العموم أو على الخصوص وقاس ولم يقس على المسجد الحرام سواه ولا تأول الآية التي قبل هذه الآية فأجاز دخول أهل الكتاب وغيرهم فيما عدا المسجد الحرام.
ومن حجته أيضًا ربط ثمامة بن أثال في المسجد. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يدخل المشركون الذين ليسوا بأهل كتاب في المسجد الحرام خاصة فقصر المشركين في هذه الآية على من ليس له كتاب كعبدة الأوثان ولم يقس على المسجد الحرام سواه فأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره ودخول عبدة الأوثان في سائر المساجد. وذهب جابر بن عبد الله وقتادة إلى أنه لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبد لمسلم فقصر المشركين على ما عدا هذين النوعين
стр. 1076
ولا يعلم لهما دليل على هذا. وذهب قوم إلى أنه لا يمنع من دخول المسجد الحرام ولا غيره مشرك كتابيًا كان أو غير كتابي ونسبه بعضهم إلى أبي حنيفة وقال الحجة عليه قوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [براءة: ٢٨]، قال/ وإن قال أبو حنيفة معناه لا يقربوه للطواف خاصة والحجة أنه يحمل على ظاهره، وظاهره العموم حتى يدل دليل على التخصيص.
واختلف في المشركين هل يدخلون الحرم أم لا. فالجمهور على أنهم لا يمنعون لأن الله تعالى إنما قصر النهي عن المسجد الحرام خاصة فغاية هذا أن يقاس عليه سائر المساجد. وذهب عطاء إلى أنهم يمنعون من دخوله وقال وصف الله تعالى المسجد بالحرام في منع القرب يقتضي منعه من جميع الحرم. وقوله تعالى: ﴿فلا تقربوا المسجد الحرام﴾ مقتضاه الأمر للمسلمين لمنعهم من قرب المسجد الحرام. وقوله تعالى: ﴿بعد عامهم هذا﴾ يريد عام حج أبي بكر وكان عام تسعة من الهجرة. وقوله: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ معناه أن المسلمين لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارة خافوا على أنفسهم من العيلة -وهي الفقر- فوعدهم الله تعالى بأن يغنيهم من فضله. قال الضحاك يفتح عليهم باب أخذ الجزية من أهل الذمة بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ وقال عكرمة أغناهم بإدرار المطر عليهم.
(٢٩) - قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وهم صاغرون﴾:
هذه الآية تقتضي أن يقاتل أهل الكتاب حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية.
стр. 1077
وعند نزولها نظر رسول الله ﷺ وسار إلى تبوك. وقد اختلف فيها هل هي ناسخة أم لا. فقال قوم هي ناسخة لما في القرار من الترك لقتال المشركين، وقال بعضهم هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ لأن هذه الآية اقتضت أن يقتلوا ولا تؤخذ نمهم جزية، وهذه الأخرى اقتضت أن يقاتلوا إلا أن يؤدوا الجزية. وذهب جماعة إلى أنها ليس بناسخة وأنها مبينة. واختلف في كيفية تبيينها، فقيل إن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ أراد به من ليس من أهل الكتاب، وأراد في هذه الآية أهل الكتاب وقيل قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ عام للصنفين وللأحوال إلا أنه خصص من ذلك العموم بآية الجزية من أدى الجزية خاصة وهو أحسن ما يقال في ذلك. وقوله تعالى: ﴿الذين لا يؤمنون بالله﴾ هم أهل الكتاب كما فسره تعالى بعد ذلك، وأهل الكتاب معترفون بالإيمان بالله تعالى فيحتمل هذا الإيمان ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم لا يؤمنون بكتاب الله وهو كما فسر تعالى بعد ذلك. والثاني: أنهم لا يؤمنون برسوله ﷺ لأن تصديق الرسل إيمان بالرسل. والثالث: أن منهم من يقول في الله تعالى ثالث ثلاثة وعزير ابن الله فلذلك نفى عنهم الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿ولا باليوم الآخر﴾ فيه أيضًا تأويلان: أحدهما: لا يخافون وعيد اليوم الآخر وإن كانوا مقرين بالثواب والعقاب. والثاني: أنهم يكذبون ما وصفه الله تعالى من أنواع العذاب.
стр. 1078
وقوله تعالى: ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ما أمر الله تعالى بنسخه من شرائعهم. والثاني: ما أحله لهم وحرمه عليهم.
وقوله تعالى: ﴿ولا يدينون دين الحق﴾ فيه أيضًا تأويلان: أحدهما: ما في التوراة والإنجيل من اتباع الرسول وهذا قول الكلبي. والثاني: الدخول في دين الإسلام وهو قول الجمهور.
وقوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ فيه تأويلان أيضًا: أحدهما: من أبناء الذين أوتوا الكتاب. والثاني: أنهم من الذين بينهم الكتاب لأنهم في اتباعه كإتيانه.
وقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ فيه تأويلان أيضًا: أحدهما: حتى يدفعوا الجزية، ,الثاني: حتى يضمنوها. وفي الجزية تأويلان أيضًا أحدهما أنها من الأسماء المجملة، والثاني أنها من الأسماء العامة. والجزية تؤخذ من الكفار سميت بذلك لأنها جزاء على الكفر. وقيل هي مشتقة من الاجتزاء الذي بمعنى الكفاية، أي أنها تكفي من يوضع ذلك فيه من المسلمين أو تجزئ عن الكافرين عصمتهم.
وقوله تعالى: ﴿عن يد﴾ فيه ست تأويلات: أحدها: عن غنى وقدرة. والثاني: أن يعتقدوا أن لهم في أخذها منهم يدًا عليهم. والثالث: أن يريد سوق الذمي لها بيده لا مع الرسول ليكون ذلك إذلالًا له. والرابع: أن يريد عن قوة منكم عليهم وقهر. والخامس: أن يريد أن ينفذوها ولا يؤخروها كما تقول بعثه يدًا بيد. والسادس: أن يريد عن استسلام منهم وانقياد.
وقوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها: إذلالًا مستكينون، ,الثاني: أن تجري عليهم أحكام الإسلام، والثالث: -وجاء هذا عن عكرمة- أن يكون قابضها جالسًا والدافع من أهل الذمة قائمًا. وهذه
стр. 1079
الآية تعطي بدليل الخطاب ترك أخذ الجزية من غير أهل الكتاب، وقد اختلف في ذلك، فقيل تؤخذ من جميعهم وحكي عن مالك قريب منه. وقيل تؤخذ من جميعهم غير مشركي قريش وهو المروي عن مالك. وقيل تؤخذ من جميعهم ما عدا مشركي العرب، وهو قول أبي حنيفة وإليه ذهب ابن حبيب وابن وهب. وقيل تؤخذ الجزية مما عدا أهل الكتاب وهو قول الشافعي وإلي ذهب ابن الماجشون. فيمن ذهب إلى قول الشافعي هذا احتج بدليل خطاب الآية وبه احتج الشافعي. والحجة عليه أن النبي ﷺ كان يقول لأمراء السرايا: ((إذا لقيتم العدو فدعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا فالجزية فإن أعطوا وإلا فقاتلوهم)). ولم يخص مشركًا دون مشرك فرفع هذا الحديث دليل خطاب الآية وخبر الآحاد إذا عارض دليل خطاب الآية فمن أهل العلم من يقدم الحديث ومنهم من يقدم دليل الخطاب. وقد توهم أن هذه الآية في جميع الكفار وأنهم أصناف، منهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وهؤلاء غير أهل الكتاب أيضًا وقوله تعالى: ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ من صفة غير أهل الكتاب أيضًا، وقوله تعالى: ﴿ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب﴾ هو وصف أهل الكتاب. وذكروا أن ظاهر هذا يقتضي أخذ الجزية من أصناف الكفار إلا ما قام دليل الإجماع عليه في حق مشركي العرب. قال بعضهم وهذا القول باطل وإنما هي صفات كلها لصنف واحد وهم أهل الكتاب ولو كان على ما توهموا لكان والذين لا يدينون دين الحق فإن قيل حذف الذين وبقي
стр. 1080
المعنى على ما كان عليه قيل لهم هذا لا يجوز لما فيه من حذف الموصول وبقاء الصلة. واختلف في المجوس هل تؤخذ منهم جزية أم لا، فمن ذهب إلى أنهم أهل كتاب -وهو يروى عن علي رضي الله تعالى عنه وهو أحد قولي الشافعي- فيرى أخذ الجزية منهم بنص القرآن، ويروى أنه بعث فيهم نبي يقال له زرادشت. ومن لم يرهم أهل كتاب فجمهورهم يقول أخذ منهم الجزية لقول النبي ﷺ : ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) فيوجب أخذ الجزية منهم بالسنة ويراها قاضية على دليل خطاب الآية. ومنهم من لا يرى أخذ الجزية منهم ويقدم دليل الخطاب على ما جاء من السنة أو يتأول السنة، وقد ذكره اللخمي عن ابن الماجشون وقال لا تؤخذ الجزية من مجوس العرب وتقبل من غير مجوس العرب، وإليه ذهب ابن وهب قال وقد قبلها النبي ﷺ من مجوس هجر ولم يقبلها من غيرهم.
وقد حكى بعضهم الإجماع في أن المجوس تقبل منهم الجزية، وليس بصحيح لما قدمناه. واختلف في الكتابيين من العرب هل تؤخذ منهم جزية جملة أيضًا، وعند الشعبي أنهم إن كانوا قد دانوا بذلك الدين بعد نزول القرآن فلا تقبل منهم جزية وإن كانوا قد دانوا به قبل نزول
стр. 1081
القرآن فتقبل منهم الجزية، وحجتنا قوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ فعم. فأما أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى باتفاق فلا خلاف في جواز أخذ الجزية منهم لنص هذه الآية. وأما هل يلزمنا أخذها نمهم والكف عنهم إذا بذلوها لنا أم لا فرأيت لبعض أشياخ الأندلس وحكاه عن أشياخه أن ذلك ليس بلازم لنا وأن الإمام مخير في ذلك، قال والذي يدل على ذلك ما رواه أبو هريرة وهو قوله ﵊: ((يوشك أن ينزل فيكم عيسى ابن مريم حكمًا مقسطًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)) وموضع الدليل من الحديث قوله ﵊: ((ويضع الجزية))، إذ أجمعوا أن معناه أنه لا يقبل أي إلا الإسلام أو السيف. وعيسى ﵇ ليس ينزل بشرعه القديم ولا بشرع جديد وإنما ينزل بتنفيذ شرع نبينا ﷺ ، فلو كان قبول الجزية في شرعنا حقًا علينا لما أبى ﵇ من قبول الجزية إذا بذلت له على شروطها ولكنها حق لنا فلذلك لم يقبلها ﵇ واستمر القتال على القتال حتى يدخل الناس في الإسلام. والذي عندي أن هذا باطل. وقد حكى جماعة من أشياخنا الإجماع على وجوب قبول الجزية نمهم على شروطها المعلومة، وأما استدلاله بالحديث فضعيف لأنه وإن كان عيسى ﵇ إنما ينزل بشريعة نبينا محمد ﷺ فمن شريعته أن لا يقبل عيسى الجزية من اليهود ولذلك قال نبينا محمد ﷺ ذلك فيجب علينا نحن أن نقبل الجزية بشريعته ﵊ ويجب على عيسى
стр. 1082
عليه السلام أن لا يقبلها بشريعة محمد ﷺ أيضًا مع أن هذا الحديث حديث آحاد ودليل القرآن أقوى منه.
وقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ هذا هو الدليل على قبول الجزية لأن دليل خطابه فإذا أعطوا الجزية فكفوا عنهم ونحو ذلك.
ودليل مثال هذا الخطاب قد قال به أكثر المنكرين لدليل الخطاب، وأصر على إنكار القول به أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم، وقالوا هذا نطق بما قبل الغاية وسكوت عما بعد الغاية فيبقى على ما كان قبل النطق، وتردد فيه القاضي وقال قد كنا نظرنا في كتب إبطال حكم الغاية فيبقى على ما كان قبل النطق والقول بها أصح عندنا. فمن قال بدليل خطاب هذه الآية فحسبه ذلك حجة في وجوب قبول الجزية والكف عند ذلك وبعد ذلك يستظهر بالحديث ومن لم يقل به فاستناده في وجوب قبول الجزية الأحاديث التي تكاد أن تخرج عن الحصر في أمر ﷺ سراياه بقبول الجزية إذا بذلت أم كيف أن الإجماع صحيح في ذلك. واختلف هل يترك أهل الكفر مع أهل الإسلام في موضع واحد وإن أدوا الجزية ولأهل الإسلام قوة على إجلائهم والاستغناء عنهم كان لهم عقد صلح أم لا. فذهب جماعة إلى أنهم يتركون في جميع البلاد جزيرة العرب كانت أو غيرها وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب بعضهم إلى أنهم يجلون من جميع البلاد التي للمسلمين. وذهب قوم إلى أنهم
стр. 1083
يجلون من جزيرة العرب خاصة وهو قول الشافعي قال لا يمنعون من الاجتياز بها مسافرين ولا يقيمون أكثر من ثلاثة أيام. وأما مكة وحرمها فلا يدخلونها لا مقيمين ولا مجتازين، وإن دفن بها ذمي ينبش قبره. وفي وجوب نبشه قولان. وقيل بل يجلون من كل البلاد التي اختطها المسلمون ولم تكن لأهل الكتاب فزل عليهم المسلمون وهو قول يحيى بن آدم.
فأما القول الأول فحجته دليل خطاب الآية لأنه يقتضي الكف عنه بأداء الجزية، وفي الكف عنه أن لا يجلوا. وتأولوا ما جاء من الأحاديث ما يخالف ذلك. وحجة القول الثاني -وإليه ذهب الطبري- ما جاء عن النبي ﷺ فيقوله عند موته: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)) ولم يقر دينين بأرض العرب. وقال ليهود خيبر ((أقركم ما أقركم الله))، وكان شطر القضاء فيهم. قال عمر بينا نحن في المسجد وخرج رسول الله ﷺ فقال: ((انطلقوا بنا إلى يهود)) فخرج حتى جئنا بيت المدارس فقال: ((أسلموا تسلموا واعلموا أن الأرض لله ولرسوله وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله)). قال الطبري: وإنما خص النبي ﷺ جزيرة العرب بالذكر لأن الإسلام لم يكن يومئذ ظهر في غيرها ظهور قهر، فكل بلد ظهر فيه الإسلام وجب أن يصنع فيه ما قال رسول الله ﷺ في جزيرة العرب. قال الطبري:
стр. 1084
ينبغي أن يؤجلوا في الخروج ثلاثة أيام بلياليها كالذي فعل الأئمة الأبرار عمر وغيره. وقد حكى أن منادي علي كان ينادي كل يوم: لا يثبتن بالكوفة يهودي ولا نصراني ولا مجوسي ألحقوا بالحيرة. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تصلح قبلتان في أرض)). فهذا حديث عام في كل أرض. قال فالواجب على إمام المسلمين إذا أقر بعض أهل الكتاب في بعض المسلمين لعمارة أو غيرها من الحاجة إليهم أن لا يدعه في حضرهم معهم أكثر من ثلاثة أيام وأن يسكنهم خارجًا من مصرهم كالذي فعل عمر وعلي أن يمنعهم اتخاذ الدور والمساكن في أمصارهم، فإن اشترى منهم مشتر في مصر من المسلمين دارًا أو ابتنى مسكنًا فالواجب على الإمام بيعها عليه. وحجة القول الأول الاعتصام بدليل خطاب الآية إلا في الذي جاء فيه نص الحديث وهي جزيرة العرب وأما القول الرابع فضعفه الطبري وقال قد جاء عن ابن عباس لا يسألنكم أهل الكتاب في أمصاركم، فلم يخص بذلك مصر إسكانه أهل الإسلام دون غيرهم بل عم بذلك جميع أمصارهم. وقد اتفق على أن جزيرة العرب ما أخذ من بجر عبادي إن مارًا إلى الساحل إلى سواحل اليمن، إلى جدة، إلى القلزم، مارًا إلى الصحاري، إلى حدود العراق، ويدخل في هذه الحدود كلها وهي مكة والمدينة واليمامة ونجد ومحالفها ووجد والطائف وخيبر من محالف المدينة. وهل يدخل اليمن في ذلك؟ ففيه خلاف. واختلف في وادي القرى وتيما وفدك هل هي من جزيرة العرب أم لا؟
(٢٩) - وقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾:
ظاهر هذا أنه يريد الجزية التي يعطونها صلحًا منهم لنا، فأما الجزية
стр. 1085
التي يعطونها عنوة فليست بداخلة في الآية وإن كان يحتمل أن يريد بالجزية الصلحيةوالعنوية أي قاتلوهم حتى يدفعوها إليكم إما صلحًا وإما عنوة. فإذا كان هذا فالجزيتان جميعًا مقبولتان في نص القرآن، وعلى الوجه الأول -وهو الأظهر- تكون الجزية الصلحية بنص القرآن والأخرى بالسنة الثابتة في ذلك. فأما الصلحية فال حد لأكثرها باتفاق، واختلف هل لأقلها حد أم لا؟ فالجمهور على أنه لا حد لها وإنما هو باجتهاد الإمام، وذهب قوم إلى أن لأقلها حدًا إذا بذلوه لزم الإمام قبوله. واختلفوا في قدر ذلك، فقال الشافعي دينار، وقال بعض المتأخرين الذي يأتي على المذهب أن أقله ما فرضه عمر على أهل العنوة يريد أربعة دنانير وأربعين درهمًا وأرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام. والأظهر على لفظ الآية أنه ليس بذلك حد وإنما فيه اجتهاد الإمام ومن حضره لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ فأطلق اللفظ ولم يخص بشيء وإنما وكله إلى الاجتهاد. وأما الجزية العنوية فاختلف في قدرها على أقوال. فذهب أبو حنيفة إلى أن أكثرها وأقلها مقدار صنف أهل الجزية ثلاثة أصناف: أغنياء يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهمًا، وأوساط يؤخذ منهم أربعة وعشرون درهمًا، ومن دون ذلك يؤخذ منهم اثنتي درهمًا، ومنع من اجتهاد الإمام فيها وحجته أن ذلك مروي عن عمر أنه فعله في أهل السواد.
وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة الأقل بدينار ولا يجوز الاقتصار على أقل منه وغير مقدرة الأكثر وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الولاة، ودليل ذلك
стр. 1086
ما روي عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: ((خذ من كل حالم دينار أو عدله من المعافر)) وذهب القاضي أبو الحسن إلى أن حد أكثرها ما فرض عمر رضي الله تعالى عنه ولا حد لأقلها. والمشهور عن مالك أن حد أكثرها ما فرض عمر لا يزيد عليه ولا ينقص منه، وفرض عمر في هذين القولين هو ما ذكرنا عن عمر أولًا. إلا أن مالكًا رأى أن توضع عنهم الضيافة إذا لم يرفى بهم العهد على وجهه. وذكر بعضهم أيضًا عن مالك -وهو قول غير الأكثر- أنه لا يتقدر أكثرها ولا أقلها وأنها موكولة إلى الاجتهاد في الطرفين. وقال الثوري: اختلفت الروايات في هذا عن عمر، فللوالي أن يأخذ أيها شاء إذا كانوا ذمة. والأظهر في هذه الأقوال كلها أيضًا أن هذا على الاجتهاد فما رأى الإمام أن يلزمهم على وجه الاجتهاد والصلاح لزمهم، وهو الظاهر على لفظ الآية إن جعلنا الجزية فيها عامة للجزيتين. وقد اختلف في الجزية هل هي عوض عن حقن الدماء أو عوذ عن المسكن والفرار. فلأصحاب مالك قولان، والأظهر من لفظ الآية أنها عوض عن حقن الدماء لأنه تعالى أمر بكف القتل عند إعطاء الجزية، والقتال فيه إراقة الدم. وبالجزية يدفع ذلك فكأنهم بالجزية حقنوا دماءهم فهي إذن عوض عن حقن الدم. وقد اختلف في الشيخ الفاني هل تؤخذ منه الجزية أم لا؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس عليه جزية لأنه محقون الدم بنهيه ﵊ عن قتل الشيوخ، والجزية إنما تؤخذ ممن يحقن دمه. وفي المذهب أن الجزية تؤخذ منه. فعلى القول بأن الجزية عوض على المسكن خاصة فلا اعتراض فيه. وأما على القول بأنها عوض عن حقن الدم فلا يثبت في حق الشيوخ إلا بالسنة لأمره ﵊ بقبول الجزية ولم يخص. فأم النساء والصبيان والمجانين فلا جزية عليهم، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ فإنما أراد أن يعطي الجزية هنا من هو من أهل القتال فأما من ليس من أهل القتال فلا.
стр. 1087
وأما العبيد فلا جزية عليهم أيضًا لأن الخطاب تضمن من يبقى على حاله في الجزية فلا يباح بقتال ولا غيره، ولا يجتمع الرق والجزية، ولأنه مال من الأموال. وأما الرهبان فقال مالك إن كانوا من الكنائس فتضرب عليهم الجزية لأنه لم ينه عن قتلهم وإن كان من أهل الديارات فلا، لأنه نهى عن قتالهم وهذا من مبتدأ حملها. فأما إن ترهب بعد أن طرأت عليه فلا تزول عنه وكان هذا من مالك رحمه الله تعالى إشارة إلى أن الجزية عوض عن حقن الدم. وذهب أبو حنيفة إلى أن لا جزية على الرهبان جملة. قال بعض المفسرين -بعدما ساق الأجزية على الصبيان والنساء والمجانين ورهبان الديارات-: ومن يراعي أن علة الجزية الإذلال أمضاها في الجميع. يريد أن من رأى ذلك على أوجب الجزية على جميع ما ذكره قبل ذلك من النساء وغيرهم. واختلف في العبد الكافر يعتقه الذمي أو مسلم هل عليه جزية أم لا على ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها: أن عليه الجزية، والثاني: لا جزية عليه، والثالث: إن أعتقه كافر فعليه الجزية وإن أعتقه مسلم فلا، وهذا إذا أعتق في بلاد الإسلام دون بلاد الحرب. والحجة لمن أوجب الجزية عموم قوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ وهذا منهم وهو حر. ويأتي القول الثاني على القول بأنها عوض عن حقن الدماء والفرق استحسان. واختلف في الفقير هل عليه جزية أم لا؟ قال ابن القاسم لا ينقص أحد من أربعة دنانير كان غنيًا أو فقيرًا. وقال أصبغ: يحط بقدر ما يرى م حاله. وقال ابن الماجشون لا يؤخذ من الفقير شيء. وحجة القول الأول ما فعل عمر ولم يفرق بين غني ولا فقير. وحجة سائر الأقوال مراعاة ظاهر الآية في أن الجزية على الاجتهاد. والجزية عندنا إنما تقبل
стр. 1088
ممن كانت تحت قهر المسلمين أمامهم في بلد واحد أو بالقرب ولا يقبل ممن بعد بحيث يخاف أن يمتنعوا، وإن خشي ذلك منهم على القرب لم تقبل إلا أن يهدم سورهم أو يصنع بهم ما يرى أنهم لا يمتنعون بعده، وهذا كله كقوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾. وإذا صولح الكفار على جزية فهل يجب أن تكون مقدرة أم لا؟
فيه لأصحاب الشافعي قولان: قيل تجب، وقيل لا يجب ذكر مقدار الجزية ولكن تنزل على الأشد، قالوا وهل يصح عقدها مؤقتًا؟ فيه قولان ولو قال الإمام أقركم ما شئت إذًا فقولان والقول بالجواز أولى، ولو قال للذميين ما شئتم أنتم لصح. ولو حاصر الإمام قلعة ليس فيها إلا نساء فبذلن الجزية فهل يجب قبولها وترك استرقاقهم؟ ففيه خلاف بين الشافعية أيضًا والأصح أنه لا يجب وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية لأن المأمور بقتالهم إنما هم الرجال المقاتلون وأما وجوب ذكر مقدار الجزية فليس في الآية ما يدل على نفي ولا إثبات. وظاهر جوازها على الإطلاق من غير تحديد. وإذا صولحوا على الجزية فمتى تجب عليهم؟ اختلف في ذلك، فقيل إنها تجب عليهم بأول ما تعقد لهم الذمة ثم بعد ذلك عند أول كل قول وهو مذهب أبي حنيفة وقيل إنها لا تجب إلا بآخر الحول وهو مذهب الشافعي. وليس عن مالك وأصحابه نص في ذلك والظاهر من مذهبه أنها تجب بآخر الحول. وهذا الخلاف يتركب على الخلاف في الجزية هل هي عوض عن حقن الدماء أو عن القرار. فمن رآها عوض عن القرار والمسكن لم يوجب شيئًا إلا بآخر الحول، ومن
стр. 1089
رآها عوض عن حقن الدم أوجبها بأول الحول. واستدل بعضهم على وجوبها بأول الحول بقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ وقال: إن لفظ الإعطاء إذا أطلق الظاهر فيه قبض العطية دون تأخيرها، ولو كان احتماله للوجهين احتمالًا واحدًا لكان قوله : ﴿عن يد﴾ دليلًا على أن المراد به القبض، لأن من قال أعطيت فلانًا عن يد يفهم منه تعجيل العطية ودفعها إلى المعطى قال: وهذا الذي يأتي على مذهب مالك. ورد غيره عليه استدلاله بالآية وقال: لا يصح ذلك لأنه تعالى عم الجزية ولم يخص شيئًا دون شيء فوجب بحق الظاهر أن تكون كلها معجلة فيكون معنى الإعطاء القبض والدفع أو تكون كلها مؤجلة فيكون الإعطاء بمعنى الإيجاب دون القبض والدفع كما في قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١] فلما بطل أن تكون كلها مؤجلة ل يتنجز شيء منها إذ لا يصح في عقل عاقل أن يقول إن ظاهر لفظ الإعطاء قبض بعض المعطى وتأخير بعضه. وإذا لم يصح ذلك بقوله تعالى: ﴿عن يد﴾ لا دليل فيه وإنما معناه عن غلبة وفهر أو إنعام أو أن يدفعوه بأيديهم ولا يرسلوها إذلالًا لهم. قال فالآية حجة على ضدها قال وهذا الخلاف في الجزية الصلحية داخل في الجزية العنوية والذي رد عليه استدلاله بالآية قد زعم أن الخلاف إنما هو في الصلحية خاصة، وليس كذلك ومتى منع الذمي الجزية رجع الأمر بالقتال على أوله وهو مقتضى الآية، ولئن أسلم بعد التزام الجزية ووجد بها عليه إما بأوله أو بآخره. فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها تسقط عنه بدليل قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ ولا خلاف أنهم إذا أسلموا فلا يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون. وذهب الشافعي إلى أنها لا تسقط ويؤخذ بها بعد إسلامه لكنه لا يرى أنها تؤخذ منه على الوجه الذي ذكره الله تعالى وإنما يقول إنها دين عليه وجب بسبب سابق كسائر
стр. 1090
الديون. وأما سقوطها عنه فبما يستقبل بعد إسلامهم فلا خلاف فيه. قال أبو الحسن: وإذا كانت الجزية على مذهب الشافعي دينًا وجب على الذمي بسبب دفع القتل عنه أو بسبب السكنى، فهي طاعة مأمور بها الذمي، والذمي قد أطاع الله تعالى بدفعها ولكن ثواب طاعتهم محبط كثواب الطاعات كلها. وأبو حنيفة لا يرى الجزية واجبة على الذمي ولا طاعة بل يقول إنها تقام عليه عقوبة له وزجرًا عن الكفر وذلك لا يكون طاعة في حقه وإنما طاعة في حقنا.
(٣٤) - قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾:
اختلف في هذه الآية هل يعني بها الكفار أو المسلمون أو كلاهما. فذهب قوم إلى أنها في أهل الكتاب لأنها مذكورة بعد قوله تعالى: ﴿إن كثيرًا من الأحبار والرهبان﴾ الآية. وذهب قوم إلى أنها في كل كافر. وذهب قوم إلى أنها في المسلمين أو في المسلمين والكفار. واختلفوا بعد ذلك في حق المسلم هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب عمر بن عبد العزيز إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [براءة: ١٠٣] فأتى فرض الزكاة على هذا طله فصار حك الآية على هذا القول: أي لا تكنزوا مالًا، أي لا تجمعوه وأنفقوه في سبيل الله فنسخ بالآية المذكورة. وذهب الأكثر إلى أنه محكم، واختلفوا في تأويله فقال كثير منهم هو المال الذي تؤدى زكاته وإن كان على وجه الأرض وأما المدفون إذا أخرجت زكاته فليس بكنز كما قال ﷺ : ((كل ما أديت زكاته فليس بكنز)) فالمراد بالنفقة
следующие страницы →