← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

واختلف في الحسنة والسيئة ما هما. فقيل الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الكفر. وقيل ذلك لفظ عام في جميع الحسنات والسيئات. وهذا هو الأظهر. والله تعالى الموفق للصواب. (١٦٢) - (١٦٣) - قوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له﴾: استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر فإن الله تعالى أمر به نبيه ﷺ وأنزله في كتابه. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)). وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)) وعن مالك رحمه الله تعالى في قول هذا بين التكبير والقراءة روايتان. (١٦٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾:

стр. 982

جاء عن النبي ﷺ : ((إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه)) اختلف العلماء في تخريج هذا الحديث مع الآية. فقال قوم: معناه أن يوصي الميت به فيعذب حب بفعل نفسه ولا بفعل غيره. هو قول أهل الظاهر وأنكروا قول عائشة رضي الله تعالى عنها في حملها الحديث على ظاهره وإنكارها على ابن عمر روايته حتى قالت: رحم الله أبا عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، الحديث. وأخذوا بقول عمر وابن عمر إن الميت يعذب بما ينح عليه وتأولوه على ما ذكرناه. وقال قوم: معناه أن يمدح الميت بالبكاء عليه كما كان يمدح به في الجاهلية من الفتكات والغارات والغدرات وغير ذلك من الأفعال التي هي عند الله تعالى ذنوب فيعذب هو من أجلها. وقال قوم: معناه أن الميت يتعذب ويتحزن ببكاء أهله عليه ويسوؤه إتيانهم بما يكرهه الله تعالى. فهذه النعوت على هذا القول إنما هو التعذيب من الباكي عليه لا من الله تعالى. وذهب قوم إلى حمل الحديث على ظاهره من أن الميت يعذب ببكاء الحي عليه وأنكروا روايته. وذهبوا إلى أنه لا يعذب أحد بفعل غيره وأن الميت لا يعذب ببكاء أهله عليه وهو قول ابن عباس وإليه ذهبت عائشة وأنكرت الحديث المروي في ذلك واحتجت بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وجاء عنها رضي الله تعالى عنها حديثان في إنكار ذلك أحدهما أن رسول الله ﷺ إنما قال: ((إن الله تعالى يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه)) والثاني أنها قالت: إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها أهلها فقال: ((إنهم ليبكون

стр. 983

عليها وأنها لتعذب في قبرها)) وفي حديث آخر إنما قال رسول الله ﷺ : ((إنه لا يعذب بخطيئته وذنبه وأن أهله ليبكون عليه)) ويبقى الحديث الأول الذي ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها الاعتراض الذي اعترضته هي في حديث ابن عمر بأن الكافر أيضًا لم يعذب بفعل غيره والجواب عنه إنما يعذب باستجابه لذلك لا بذنب غيره. وإذا كان هذا التأويل في الكافر فكذلك يكون في المؤمن ولا ينكر الحديث. واختلف في الصلاة خلف الفاسق هل يجزئ أم لا. وحجة من أجاز قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ واختلف أيضًا في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام. وأنكر بعضهم القول بالارتباط وقال إنه في غاية الفساد لأنه قول بلا دليل بل البرهان يبطله لقوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. وقد أجمعوا أ، طهارة الإمام وقيامه وقعوده وركوعه وسجوده لا ينوب عن نيته ولا نيته شيء من ذلك على المأموم فلا معنى للارتباط. والله تعالى أعلم.

стр. 984

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم سورة الأعراف اختلف فيها، فقيل هي مكية كلها قاله الضحاك وغيره وقيل هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾ إلى قوله تعالى: ﴿من ظهورهم ذريتهم﴾ فإنها مدنية. وفيها مواضع من الأحكام والناسخ والمنسوخ. (٢٠) - قوله تعالى: ﴿ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾: استدل بعض الناس بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من الناس وهي مسألة قد تنازع الناس فيها وكل يتمسك من ذلك بظواهر من الآية. وقال ابن فورك: لا حجة في هذه الآية لأنه يحتمل أن يريد بقوله: ملكين في أنه لا يكون لهما شهوة طعام.

стр. 985

(٢٢) - قوله تعالى: ﴿فلما ذاقا الشجرة﴾: استدل بضعهم بهذه الآية على أن من ذاق الخمر فهو عاص ورد بذلك على من زعم أنه إذا ذاقها فليس بعاص. (٣) قوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾: استدل بعضهم على أن المباح داخل تحت الأمر خلافًا لمن لم ير ذلك. قال: لأن المباحات من جملة ما أنزل الله تعالى وقد أمرنا باتباعه. ويحتمل أن يقال إن اعتقاد الإباحة في المباحات وتميزها عن الأوامر والنواهي واجب وذلك هو المعنى في اتباع ما أنزل إلينا. وقال وكذلك ما أنزل إلينا فيشتمل على ما يتلى وهو القرآن وما لا يتلى وهو السنة والكل من عند الله تعالى فلا يحتمل على هذا نسخ القرآن بالسنة خلافًا لمن منعه. (١٢) - قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾: استدل به بعضهم على أن الأمر إذا تعرى عن القرائن أصله وخلق فيه الكفر خلافًا للمعتزلة ويحتمل بأن يراد بقوله: ﴿أغويتني﴾ حكمت بغوايتي، ويحتمل أن يريد أهلكتني. (٢٦) - (٣٢) - قوله تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة﴾: خاطب الله تعالى بهذه الآية جميع الناس. والمراد من كان من العرب

стр. 986

يتعرى عند الطواف بالبيت. وذكر بعضهم أن الذين كانوا يفعلون ذلك ثقيف وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة وبنو مدلج وعامر أو الحارث ابنا عبد مناف. وهذه كانت عادة رجالهم ونسائهم. قال مجاهد ففيهم نزلت هذه الأربع آيات. وقيل إن الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة قريش. وقيل كان ذلك من عادة قبيلة من اليمن. وقيل كانت العرب تطوف عراة إلا الحمس ومن والاها وهذا أصح ما في الآية. لأن قريشًا وسائر الحمس بعد عام الفيل سنوا سننًا تعظيمًا لحرمتهم منها أن لا يطوفوا عراة. وكان العري غيرهم إما يعيره أحد من الحمس ثوبًا يطوف به وإما أن يتعرى وإما أن يطوف في ثياب ثم يلقيها، وكان هذا الأمر عند العرب قربة. فكانت تقول: نطوف عراة كما خرجنا من بطون أمهاتنا ولا نطوف بثياب قد تدنسنا فيها بالذنوب. وقال بعضهم كانوا إذا حجوا نزعوا ثيابهم فرموا بها ثم طافوا عراة فإذا قضوا نسكهم لم يلبسوها وتركوها ملقاة تدوسها الأرجل حتى تبلى. وكانوا يقولون إنها ثياب قد مارقنا فيها الآثام فلا نعود فيها ويسمون تلك الثياب التي كانوا يلقونها عن ظهورهم اللقا. قال الشاعر: كفى حزنًا كرى عليه كأنه ... لقي بين أيدي الطائفين حريم وكانت المرأة تطوف عريانة حتى إن إحداهن تقول:

стр. 987

اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله قيل والمرأة منهم كانت تتعرى وتشد في حوقيها شيئًا من سيور مطقة تسمى العرب ذلك الرهط. وأنشد البيت المذكور كانت تطوف وعليها رهط فنهى الله عن ذلك. ونودي سنة تسع بأمر رسول الله ﷺ : ((لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان)). (٢٦) - قوله تعالى: ﴿لباسًا﴾: فيه تأويلان: أحدهما: أن يريد فأنزلنا خلقنا كقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ [الحديد: ٢٥] لأن خلق الله تعالى وأفعاله إنما هو في علو في القدر والمنزلة. والثاني: أن يريد أنزلنا ما يكون عنه اللباس وهو المطر فتجاوز المطر إلى اللباس فأوقع الإنزال عليه وهذا يسمى في كلام العرب التدريج ومثله قول الشاعر: الحمد لله العلي المنان ... صار الثريد في رؤوس العيدان وقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ [يوسف: ٣٦].

стр. 988

- وقوله تعالى: ﴿وريشًا﴾: اختلف فيه فقيل هو المال وقيل هو الجمال وقيل الأثاث. والأليق به أن يقال هو عبارة عن سعة الرزق والتمتع في العيش واتخاذ الملابس، وأصله من ريش الطائر. - وقوله تعالى: ﴿ولباس التقوى﴾: اختلف فيه أيضًا فقيل العمل الصالح وقيل الإيمان وقيل السمت الحسن في الوجه وقيل الحياء وقيل الخشية لله تعالى وقيل هو لبس الصوف وخشن الثياب وكل ما فيه تواضع لله تعالى وقيل هو العفاف وقيل هو استشعار تقوى الله تعالى في ما أمر به ونهى عنه وقيل هو السلاح وآلة الجهاد وقيل هو ستر العورة وقيل هو الورع والسمت الحسن في الدنيا. فهذه عشرة أقوال. وقوله: ﴿ذلك خير﴾ أي لباس التقوى خير من الثياب.

стр. 989

- قوله تعالى: ﴿قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم﴾: استدل به كثير من الفقهاء على وجوب ستر العورة. قالوا لأنه تعالى قال: ﴿يواري سوءاتكم﴾ وذلك إشارة إلى وجوب الستر ورد غيرهم هذا الاستدلال وقال إنما ذكر الله تعالى هذا تنبيهًا لعباده على ما أنعم به عليهم من اللباس فقط. واحتج أيضًا من أجب الستر بقوله تعالى: ﴿لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما﴾. وقال من رد هذا الاستدلال إنما ذكر الله تعالى ذلك على جهة التحذير من زوال النعم. قال: وأيضًا فإنما جاء هذا في شرع أدم ﵇ ولم يثبت أن شرعه لازم لنا. وقوله: ﴿سوءاتكم﴾ يحتمل أن العورة من الرجل سوءتان خاصة. وهي مسألة قد اختلف فيها فقيل العورة السوءتان فقط وهو قول داود ومن حجته ما قدمناه لأنه تعالى إنما ذكر مواراة السوءات خاصة فدل على أن

стр. 990

ما عداهما لا تجب مواراته. ورأى إن إطلاق اللفظ إنما يقع على القبل والدبر، وأما المرأة فقصتها أخرى. وقد قال تعالى فيهن: ﴿ولا يبدين زيتنهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]. وقيل العورة منه السوءتان والفخذان وهو قول بعض أصحاب مالك. وقيل ما بين السرة والركبة هي العورة وهو المشهور في المذهب وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وقيل من الركبة إلى الفخذ مع السرة عورة. والحجة لما في المذهب ما جاء في الحديث المبين لكتاب الله تعالى من قوله ﵊: ((ما بين السرة والركبة عورة)) وقوله ﵊ لجرهد: ((غط فخذك فإن الفخذ عورة)) وإن كان قد جاء عن ﵊ ما يعارض ذلك ولكنه ضعيف. وأما عورة المرأة فسنتكلم عليها في سورة النور. (٢٧) - وقوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾: استدل بعضهم بهذه الآية على أن الجن لا يرون لقوله: ﴿من حيث لا ترونهم﴾. قال ومن قال إنهم يرون فهو كافر. وقيل جائز أن يروا لأن الله تعالى إذا شاء أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى. وقد جاءت في رؤيتهم أخبار صحاح.

стр. 991

(٢٩) - وقوله تعالى: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾: اختلف في تأويله فقيل أراد التوجه إلى الكعبة. قاله مجاهد وغيره وقيل أراد إحضار النية إلى الله تعالى في كل صلاة كما تقول وجهت وجهي لله قاله الربيع. فلا يكون الوجه هنا الجارحة بل المراد به المعتقد. وقيل المراد بهذا اللفظ إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض أي حيث كنتم فهو مسجد لكم تلزمكم عند الصلاة إقامة وجوهكم فيه. وقال قوم سببها أن قومًا كانوا لا يصلون إلا في مساجدهم بين قبيلتهم فإذا حضرت الصلاة في غير ذلك من المساجد لم يصلوها فيها. (٣١) - وقوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾: اختلف في الزينة هنا: فقيل: الثياب الساترة، قال مجاهد والسدي. وقال بعضهم: الزينة ما يتجمل به ويدخل فيها ما كان من أخذ الطيب للجمعة والسواك ويدل الثياب وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء. وذكر بعضهم حديثًا في أن معنى قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم﴾ صلوا في النعال. وإذا قلنا إن المراد بالزينة ما يتجمل به ففي

стр. 992

ضمن الأمر بالزينة الأمر بالستر. وظاهر هذا أن أخذ الزينة عند كل مسجد إنما هو للفعل الذي يتعلق بالمسجد وللمسجد تعظيمًا لهما. والفعل الذي يتعلق بالمسجد الاعتكاف والصلاة والطواف وإذا صح أن الأمر بذلك للوجهين جميعًا لم يدل ظاهر ذلك على وجوب ستر العورة في الصلاة مطلقًا مع أن القدر الذي يستر العورة لا يسمى زينة وتجملا. وكثير من الفقهاء رأوا في ذلك دلالة على وجوب ستر العورة مطلقًا ولم يشترطوا المسجد. وقالوا لأن الأمر بذلك عند كل مسجد لم يكن لعين المسجد وإنما كان للفعل الواقع في المسجد وهو على الاعتكاف والصلاة والطواف. وإذا لم يجب الستر للمسجد وإنما وجب لأجل ما عظم له المسجد وهو الصلاة. فقد وجب الستر للصلاة وإذا وجب لها كان شرطًا في صحتها إلا أن الدليل قام على أن الزيادة على ستر العورة التي يقتضيها لفظ الزينة قد قام الدليل على أنها غير واجبة يبقي مقدار الستر واجبًا. وقال بعضهم: عند كل مسجد يريد عند كل موضع سجود إشارة إلى الصلوات. وإذا قلنا إن الآية في الأمر بستر العورة للصلاة فقد اختلف هل سترها فرض من فروض الصلاة أم من سننها. فبين أصحاب مالك في خلاف واحتج من يرى ذلك فرضًا بهذه الآية: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ فأمر بالستر عند الصلاة وهذا مبني على الخلاف في الأمر هل هو على الوجوب أم لا. فأم أن ستر العورة فرض في الجملة فلا خلاف في ذلك. واختلف هل يجب على الإنسان ستر عورته في الخلاء كام يجب في الملأ.

стр. 993

فلم يوجبه الجمهور ورأوا أن المنع من الكشف إنما هو من أجل الناس وإذا لم يكونوا جاز. وذهب قوم إلى أنه يجب ومن حجتهم ما يقتضيه قوله تعالى: ﴿يواري سوءاتكم﴾ وسائر الآيات نزلت بستر العورة وذلك على العموم حتى يدل دليل على التخصيص. وأيضًا فإن قوله تعالى في أثناء الكلام في الشيطان أنه ﴿يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ دليل على ذلك. لأنه إن كانت العلة في الستر خوف الرؤية في الخلاء رؤية الشيطان موجودة فينبغي أن لا ينكشف. واختلف في المرأة تصلي بغير قلادة أو قرطين. فلم يجزه قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. وقد احتج مالك بالآية أيضًا في كراهية الصلاة في مساجد القبائل بغير أردية. - وقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾: أمر تعالى بترك ما التزمته العرب من تحريم الودك واللحم في أيام المواسم. وقوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا﴾ قد خصصه بعض المفسرين بأشياء. والصواب أن يحمل على عمومه في المحظور والمباح فمن تلبس بشيء من الحرام فهو مسرف بأول تلبسه, من تلبس بمباح فمن اقتصد فحسن ومن أفرط بزيادة أو نقصان فهو إسراف منهي عنه. ولذلك وقف النبي ﷺ بالموصى على الثلث. وقد اختلف من هذا في مسألة وهي صدقة الرجل بجميع ماله هل تجوز أم لا؟ فأجازه مالك ولم يجزه سحنون

стр. 994

والحجة لمن لم يجزه قوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا﴾ وهذا إسراف وقوله تعالى: ﴿والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وهذا القول قد رجحه بعضهم لتعلقهم بظاهر الآي. (٣٢) - وقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾: زينة الله تعالى هي ما سنته الشريعة. وفي قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله﴾ دليل على جواز لباس كل ما يتزين به إلا ما خصصه الشرع. فمن ذلك لباس الحرير، وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: الجواز والمنع والجواز للنساء والمنع للرجال وهو المشهور. وإذا قلنا بمنعه للرجال فهل يباح له في الحرب أو للحكة فيه قولان. ومن ذلك لباس الخز وقد اختلف فيه أيضًا فأجازه قوم وكرهه آخرون. وروي عن مالك جوازه وأنه كان يلبسه. ومن ذلك الثوب فيه على الحرير وقد اختلف فيه أيضًا. ومن ذلك الفرش المصورة والنمارق والستور ونحو ذلك وفيه خلاف. وبظاهر الآية يحتج من أجاز شيئًا من ذلك. ﴿والطيبات﴾ اختلف فيها. فقيل المحللات وقيل المستلذات وهو قول الشافعي. وأن ما ساق الشافعي إلى هذا تحريم المستقذرات كالوزغ وغيره وشرط من قال بهذا في المستلذات أن تكون من الحلال. وقد تقدم الكلام على نحو هذا. (٣٣) - وقوله تعالى بعد هذا: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾: والفواحش القبائح البينة القبح. لأن العرب تقول قبيح فاحش فهو لفظ عام عطف عليه بعض ما يدخل تحت لفظه. وأيضًا فإن الإثم والبغي لفظان

стр. 995

عامان قد يقعان على الفواحش فيحتمل أن يقال إنما جيء بذلك على جهة التوكيد وإن كان المعنى واحدًا كما قال تعالى: ﴿وغرابيب سود﴾ [فاطر: ٢٧] وقال الشاعر: من دونها الناي والبعد ويحتمل أن يقال الإثم والخمر والبغي التطاول على الناس، وعطف الخاص على العام كما قال تعالى: ﴿فيها فاكهة ونحل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨] ويحتمل أن يقال أراد بالفواحش الزنا وبالإثم الخمر وبالبغي التطاول على الناس فتكون هذه الألفاظ كلها علاقة أريد بها شيء خاص. وقد قال ذلك بعض المفسرين وقال بعضهم الفواحش: الكبائر والإثم: الصغائر ثم عطف على الأمرين ما يدخل لا فيهما وهو البغي بغير الحق. والمراد به أن يتجاوز من طلب الأمر الذي يحسن طلبه فإذا تجاوز فهو مذموم. وقد مر الكلام على قول من زعم أن الإثم الخمر والقول به في هذه الآية ضعيف. فإن هذه السورة مكية ولم يأت التحريم للخمر إلا في المدينة بعد أحد. لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أحد وماتوا شهداء وهي في أجوافهم، وأيضًا إن تسمية الخمر إثم إنما هو ضعيف وبيت الشعر الذي أنشد في ذلك قد قيل إنه مصنوع وإن صح فهو على حذف مضاف.

стр. 996

(٥٥)، (٥٦) - قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾: أمر تعالى في هذه الآية بالدعاء ثم قرن بذلك صفات وهو قوله: ﴿تضرعًا﴾ وقوله: ﴿وخفية﴾. فالتضرع يقتضي الجهر بالدعاء لأنه إنما هو مع إعمال شيء من الجوارح في الطلب، والخفية أي في النفس خاصة. وقال بعض العلماء: التضرع والخفية في معنى السر جميعًا وقد أثنى تعالى على ذلك فقال: ﴿إذ نادى ربه نداء خفيًا﴾ [مريم: ٣] وقال ﵊: ((خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي)) وعلى الاختلاف في هذا التأويل اختلف السلف في الأفضل. فقيل الخفي هو الذي استحسن جماعة في الدعاء وكرهوا الجهر به فقالوا الذكر بالقلب أفضل. وروي عن عائشة: ((لأن أذكر الله تعالى في نفسي أحب إلي من أن أذكره بلساني سبعين مرة)). وقال آخرون ذكر الله تعالى باللسان أفضل، روي ذلك عن ابن مسعود. قال الطبري: والصواب أن إخفاء النوافل أفضل وقد استدل أصحاب أبي حنيفة على أن إخفاء التأمين في الصلاة أولى من الجهر بهذه

стр. 997

الآية لأنه دعاء. والدليل عنه ما روي في تأويل قوله تعالى: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩] قال كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله تعالى داعين. وقد يجاب عن هذا بأن إخفاء الدعاء في غير الصلاة أفضل لأنه أبعد عن الرياء. وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة فإظهاره أولى لأنه إظهار شعائر وحق يندب إلى إظهاره، وهذا كله على القول بأن قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم﴾ في الدعاء المعروف. وقد قيل معنى ادعوا: اعبدوا تضرعًا وخفية أي باستغاثة واعتقاد وذلك في القلوب. وقوله تعالى: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عامًا. وأنواع الاعتداء بالدعاء كثيرة كالجهر الكثير المفرط. وقد قال ﷺ لقوم: ((ارفقوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمًا ولا أعمى ولا غائبًا)) ومنها الدعاء في معصية أو الدعاء في محال ونحو ذلك. وهذا الأمر بالدعاء أمر ندب. وعبر بعضهم عنه بأنه واجب. وقد اختلف في الدعاء هل فيه منفعة أم لا على ثلاثة أقوال: قيل لا منفعة فيه جملة ولا يغني عن الإنسان شيئًا وإنما هو عبادة تعبدنا الله تعالى وأوجبها علينا بقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ ونحو ذلك من الآي كما أمر بالصلاة ونحوها من العبادات. واحتجوا أيضًا بقوله ﷺ : ((جف القلم بما هو كائن)). وقيل الدعاء على الإنسان واجب وهو يرد القضاء واحتجوا بقوله ﵊: ((لا يرد على الإنسان واجب القضاء إلا إثر دعاء)) ومن حجتهم قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]. وقيل هو واجب ولا يستجاب منه إلا ما وافق القدر. وضعف بعضهم هذ القول

стр. 998

وقال إنه راجع إلى القول الأول. ورجحه أبو سليمان الخطابي وقال هو الصحيح. وهو مذهب أهل السنة والجماعة وبه يجمع بين الأحاديث الواردة في الدعاء على اختلافها. والكلام في هذه المسألة كالكلام على سائر أعمال الطاعات من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك وطلب الفائدة فيها مع القدر السابق بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقد اختلف في رفع الأيدي في غير الصلاة، ففي المذهب قولان: الكراهة والجواز. فمن أجازه رآه من التضرع الذي أباحه الله تعالى والزيادة في الخشوع. ومن كرهه رآه من التضرع في الدعاء الذي نهى الله تعالى عنه. ورأى ابن عمر قومًا رافعي أيديهم في الصلاة فقال: من يتناول هؤلاء فوالله لو كانوا على رأس أطول جبل ما ازدادوا من الله قربًا. وإلى هذا ذهب جبير بن مطعم وابن المسيب. والذين أجازوا الرفع اختلفوا في الكيفية. فقيل ظهورهما مما يلي الوجه وبطونهما مما يلي الأرض. وإلى هذا ذهب مالك في المشهور عنه. وروي عن النبي ﷺ في ذلك حديث. وقيل بطونهما بما يلي الوجه. وروي عنه ﷺ أنه قال: ((إذا سألتم الله تعالى فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها)) وقال بعضهم إن كل ذلك واسع ومن حجتم عموم قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم﴾ ولم يخص صفة من صفة. اختلفوا في الرفع إلى أين. فقيل إلى الصدر وقيل إلى الوجه. وجاء عن النبي ﷺ أنه كان

стр. 999

يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه. ولم يحد بعضهم في ذلك حدًا ورأى الأمر واسعًا ومن حجته عموم الآية. فأما مسح الوجه في الدعاء فيأتي على قول من لا يرى رفع اليدين أن لا يمسح. ويحتمل على قول من رأى اليدين أن يقول يمسح على وجهه وقد جاء عن النبي ﷺ الأمر بالمسح على الوجه فقال: ((إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم)) فهذا منه ﵊ إشارة إلى أنه من التضرع الذي أمر الله تعالى به فقال: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾. (٥٦) - وقوله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾: فهي عامة لا ينبغي أن تخصص بشيء من الإفساد دون شيء. وقد قال الضحاك هي مخصصة ومعناها لا تغوروا الماء المعين ولا تقطعوا الشجر المثمر ضررًا. ولعل هذا منه على جهة المثال. وقد ورد أن قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض. وقيل تجارة الحكام من الفساد في الأرض وقال بعضهم المراد ولا تشركوا في الأرض بعد أن أصلحها الله تعالى ببعثة الرسل وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد ﷺ .

стр. 1000

(٨٠) - (٨٤) - قوله تعالى: ﴿ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليهم مطرًا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾: الفاحشة هنا إتيان الرجال في أدبارهم ولم يكن هذا قط إلا في قوم لوط. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ وروي أنهم كانوا يأتون بعضهم بعضًا, وروي أنهم كانوا يأتون الغرباء وحكي أن إبليسًا كان أصل عملهم بأن دعاهم إلى نفسه وهذه الأمة التي يعزى إليها لوط ﵇ كانت تسمى سدوم. ولا اختلاف بين الأمة في تحريم هذا الفعل. واختلف في حد من فعله من الفاعل والمفعول به. فقال أبو حنيفة لا حد فيه وإنما فيه التعزير ويستودع السجن حتى يموت. وقال الشافعي حده حد الزاني ويعتبر فيه الإحصان من غير الإحصان. وروي عن مالك مثله. وقيل الحد فيه التحريق بالنار، وقد حرق أبو بكر رجلًا يسمى الفجاءة حين عمل عمل قوم لوط. وذهب مالك ﵀ في المشهور عنه إلى أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا. والحجة لمالك أنه تعالى عاقبهم بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل وهو المراد بقوله في هذه السورة: ﴿وأمطرنا عليهم مطرًا﴾. إنما

стр. 1001

كان المطر حجارة ويؤيد هذا قوله في آية أخرى: ﴿وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل﴾ [الحجر: ٧٤] فإذا كان الله تعالى عاقبهم بالرجم بالحجارة في ذلك الوقت ولم يكن بد من حد في ذلك كان العقاب الذي عاقب به تعالى في ذلك الوقت أولى من إحداث عقاب آخر. ويؤيد هذا ما جاء عن النبي ﷺ : ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول)) فأما إن لاط الرجل بنفسه فأولج في دبره فعندنا أنه لا حد فيه وأنه يعزر. وقيل يقتل كما لولا بغيره وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل كالزاني في الإحصان وهو أيضًا أحد أقوال الشافعي والحجة لمالك أن الآية نزلت في قوم يفعلون ببعضهم بعضًا فينبغي أن يقتصر بالعقوبة النازلة في ذلك على موضعها ولا يتعدى إلى غيرها إلا أن يدل دليل. وأما وطء أدبار الزوجات فقد مر الكلام عليه في سورة البقرة وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تحريم إيتاء النساء في أدبارهن بقوله تعالى: ﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢]. قال لأن مأتى الذكر إنما هو موضع واحد فعاب قوم لوط لوطًا وآله بأنهم يتنزهون عن ذلك الموضع. فإن قيل إن التطهر إنما هو واقع على اجتناب المحرم دون الموضع قيل له إنما لم يجزر للتحريم ذكر وإنما قال يتطهرون فهو إتيان الموضع، فيكون معنى يتطهرون على قول هذا القائل يتطهرون عن الأدبار أي يتنزهون وهو قول

стр. 1002

مجاهد. وقيل معناه يتطهرون عن حالنا وعادتنا أي يتنزهون وعلى هذا لا تكون فيه حجة. (١٨٠) - قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾: السبب فيها أن أببا جهل سمع بعض أصحاب النبي ﷺ يقرأ ويذكر الله تعالى في قراءته ومرة يذكر الرحمان ونحو ذلك فقال: محمد يزعم أن إلهه واحد وهو إنما يعبد آلهة كثيرة. فنزلت هذه الآية والأسماء هنا بمعنى المسميات لا خلاف، ووصف تعالى أسماءه بالحسنى ومعناه الحسنة فيحتمل أن يريد بالحسنة ما أطلقه الشرع عليه خاصة، ويحتمل أن يريد ما يحسن أن يسمى به جاء به شرع أو لم يجيء. وبحسب هذا اختلف العلماء فيه. فذهب الجمهور إلى أنه لا يسمى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسول الله ﷺ وأجمعت الأمة عليه. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: أو على معناه وأما ما لم يكن فيه شيء من ذلك فلا يجوز عند هؤلاء أن يسمى به. وذهب قوم إلى أنه ما لم يستحل أن يكون من أوصافه تعالى ولم يرد به منع في الشريعة فجائز أن يطلق عليه كما يطلق عليه ما أذن الشرع فيه وهو قول أبي بكر الباقلاني. قال بعضهم

стр. 1003

والحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ فأثبت كون أسماءه حسنى ولا حسن إلا ما ورد الشرع به. والآية محتملة كما قدمناه فلا وجه ينفي الاحتمال عنها. وبين متأخري الأصوليين الذين لا يطلقون على الله تعالى من الأسماء إلا ما أطلقه الشرع. واختلفوا في ما ورد من طريق الآحاد من أسماء الله عن النبي ﷺ هل يطلق عليه أم لا. والذي اختاره الحذاق إطلاقه وهو الصحيح، لأنا إذا جعلنا خبر الواحد شرعًا جب قبوله وهو الذي عليه الجمهور فيجوز إطلاقه لأنه مما ورد به الشرع وقد قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وهذا من الأسماء الحسنى فيجوز إطلاقه. واختلف في ما جاء في القرآن أيضًا من نسبة أفعال إلى الله تعالى مثل قوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ [آل عمران: ٥٤] ونحو ذلك هل يجوز أن يشتق منها اسم فاعل لله تعالى أم لا. فذهب الجمهور إلى أنه لا يتعدى ذلك ولا يسمى إلا بما سمى الله تعالى به نفسه وهو لم يسم نفسه بذلك وكذا يقول الباقلاني فيما يستحيل من صفته من ذلك أنه لا يجوز أن يطلق عليه لقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ وما يستحيل في صفته فليست من الحسنى. وذهب قوم إلى جواز إطلاق ذلك مقيدًا بسببه. فيقال الله مستهزئ بالكافرين وماكر بالماكرين. وأما إطلاق ذلك دون تقييد فممنوع باتفاق وكان هؤلاء لما رأوا في كلام العرب أن الفعل إذا نسب إلى أحد فاسم الفاعل منه مضمون قياسًا مطردًا في كلامهم ورأوا أن هذا لم ينسبه تعالى إلى نفسه إلا وقد أباح أن يستعمل منه اسم الفاعل في الشيء الذي ذكره. وقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ ليس يقتضي انحصار أسماء الله تعالى إلى عدد بل

стр. 1004

إطلاقه كذلك يقتضي أنها غير محصورة. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة)). وفي حديث آخر: ((لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة وهو وتر يحل الوتر)). واختلف في هذا الحصر، فذهب قوم إلى أنه لا اسم لله تعالى أكثر مما جاء في هذا الحديث إذ لو كان له غيرها لم يكن لتخصيصه هذا العدد فائدة وحملوا قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ ان المراد بها تلك الأسماء وخرجها كلها بعضهم من القرآن ولم يسلم له بعضهم ذلك وذهب آخرون إلى أن أسماء الله تعالى لا تنحصر في عدد واختلفوا في توجيه الحديث. فقال بعضهم معنى الحديث أن الأسماء التي شرع الدعاء بها هي التسعة والتسعون وأما غيرها فلم يشرع بها دعاء، قالوا لأن الحديث مبني على قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وهو قول أبي الحسن الأشعري وجماعة من أهل العلم. وقال ابن الطيب ليس بالحديث دليل على أن ليس لله تعالى أكثر من تسعة وتسعين اسمًا على وجه التعظيم لله تعالى لكن ظاهر الحديث يقتضي أن من أحصى تلك التسعة والتسعين اسمًا على وجه التعظيم لله تعالى دخل الجنة وإن كانت له

стр. 1005

أسماء أخرى وتكون الآية على هذا القول على عمومها أعني قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ وقوله تعالى: ﴿فادعوه بها﴾ أمر معناه الإباحة. وقوله: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾: اختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم. فقال ابن زيد معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم، فالآية منسوخة بالقتال. وقيل الآية على وجه الوعيد والتهديد كقوله: ﴿ذرني ونم خلقت وحيدًا﴾ وقوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ [الحجر: ٣] فهي محكمة. (١٩٩) - قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالرف وأعرض عن الجاهلين﴾: اختلف هل هو منسوخ أو محكم. والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ اختلفوا في الناسخ. فقيل هو منسوخ بالزكاة وذلك أنه ﷺ أمر أولًا قبل نزول الزكاة أن يأخذ ما عفا أي ما أتى به وهو قول ابن عباس والضحاك. قال الضحاك نسحت الزكاة كل صدقة في القرآن. وقيل هي منسوخة بالأمر بالقتال والغلظة لأن النبي ﷺ أقام بمكة عشر سنين لا يقاتل أحدًا ثم أمر بالقتال والغلظة فنسخ العفو وهو قول ابن زيد. والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في التأويل. فقيل المراد بالعفو هنا الزكاة المفروضة وسميت عفوًا لأنها قليل من كثير وهو قول مجاهد. وقيل المراد بها شيء من فضل المال عن ظهر غنى يعطى سوى الزكاة وهو قول القاسم

стр. 1006

وسالم. وقيل المراد بها خذ العفو من أخلاق الناس ليس المراد بها المال وهو قول عبد الله وعروة ابني الزبير وروي عن ابن الزبير وروي عن مجاهد. ومن هذا قول حاتم الطائي: خذي العفو مني تستديمي خليقتي ... ولا تنطقي في صورتي حين أغضب وقوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ المعنى واقض فيه بكل ما عرفته النفوس مما لا يرده الشرع، وقد روي أنه ﷺ قال لجبريل: ((ما هذا العرف الذي أمر الله تعالى به، فقال: لا أدري حتى أسأل العالم فرجع إلى ربه فسأله فقال له يا محمد: أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك)) وهذه الأشياء التي جاءت في الحديث غايات والمعنى هذه فما دونها من أفعال الخير، فالعرف متردد بين أن يراد به أفعال الخير وبين أن يراد به العوائد الجارية بين الناس مما لا يردها الشرع. واللفظ مشترك بينهما. والقول بالعرف الجاري بين الناس في التنازع أصل مختلف فيه. وأصحاب مالك رحمه الله تعالى يحتجون بهذه الآية كثيرًا في إثباته فمن ذلك مسألة النقد إذا ادعى الزوج بعد

стр. 1007

الدخول أنه دفعه وأنكرت الزوجة. فذهب مالك إلى أن القول قول الزوج لأن العرف بذلك كان جاريًا بالمدينة. وكذلك حيث ما جرى ذلك العرف. وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يراعى العرف في ذلك والقول قولهما. وقالت جماعة كل امرأة دخلت على زوجها فذلك قطع لصداقها إلا أن يكون لها عليه بعد الدخول بينة أو كتاب وإلا فبيمينه وورثتهما بمنزلتهما في الاختلاف. واحتج أصحاب مالك على مذهبنا بالآية المتقدمة. ومنها مسألة متاع البيت إذا اختلف فيه الزوج والزوجة فإن كان مما يصلح لهما جميعًا فعندنا أنه للرجل مع يمينه وقد قيل وهو بينهما بعد أي ما لهما وهو قول المغيرة وابن وهب. وروي عن ابن القاسم. وقيل إن كان الرجل حيًا فهو له وإن كان ميتًا فهو للمرأة وهو قول أبي حنيفة. وقيل هو للمرأة على كل حال وهو قول ابن عبد الحكم. وقيل تعطى جهازًا مثلها ومما بقي فهو للرجل وهو قول أبي يوسف. واحتج أصحابنا لقولهم بأنه لما كان لكل واحد منهما يد في الدار نظرنا لمن يشهد له العرف بقوة دعواه فيكون أحق لقوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾، وقوله في قصة يوسف ﵇: ﴿أن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو

стр. 1008

من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٧]. وأما ما كنا يصلح للرجل خاصة وللمرأة خاصة فعندنا أنه يكن لمن يصلح له، وفي اليمين قولان. وقيل جميع متاع البيت بينهما نصفين وهو قول زفر والشافعي ووقع لابن حبيب في المبسوطة ويقيل متاع البيت كله للرجل إلا الدرع والخمار وشبيهه وهو قول ابن أبي ليلى. وقيل ما أغلقت عليه بابها فهة لها إلا الطيلسان والقميص ونحوه وهو قول الحسن. وقيل ثياب الرجل له وثياب المرأة لها وما تناكرا فيه فهو للذي في يده وهو قول حماد. وقيل ما سوى ثياب الرجل والمرأة فهو بينهما وهو قول ابن حنبل. وقيل جميع متاع البيت للرجل مع يمينه وهو قول المخزومي في المبسوطة. وذكر بعضهم عن الحسن وما جرى عليه أصحابنا في المسألة العرف ويحتجون بالآية. ومنها مسألة الحيازة فعندنا أنه من حاز شيئًا عشر سنين فهو له كما جاء في الحديث ولا ينتفع القائم إذا كان حاضرًا لتلك الحيازة بإثبات الشيء المحوز له، خلافًا للشافعي في قبول بينة المدعي وإبطاله الحيازة. وحجتنا أن كل دعوى يبطلها العرف فهي غير مقبولة بقوله : ﴿وأمر بالعرف﴾. ومنها مسألة السقف إذا تنازعا فيه صاحب العلو والسفل. فعندنا أنه لصاحب السفل وقال الشافعي هو بينهما. ودليلنا العرب والاحتجاج عليه.

стр. 1009

ومنها إذا تنازع اثنان في حائط بين دارين. ففي المذهب أنه يحكم به لمن يشهد له العرف مثل أن يكون قد فعل فيه ما يفعل الملاك في أملاكهم من الرباط والمعاقل والقمط ووجوه الأجر واللبن وما أشبه ذلك. وقال الشافعي لا يحكم بذلك بل يكون بينهما وقاله أبو ثور وزاد بعد أيمانهما. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾. وقد حكم النبي ﷺ في مثل هذه المسألة بما ذكرنا أنه مذهبنا. وكذلك إذا كان لأحدهما على الحائط جذوع والآخر لا جذوع له عليه حكم به عندنا لصاحب الجذوع قليلة كانت أو كثيرة. وقال أبو حنيفة إن كانت عدة جذوع حكم له به، فأما الجذع والجذعان فلا يعتبر بهما. وقال الشافعي لا يعتبر بالجذوع. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ والعرف يقتضي أن الإنسان لا يتصرف إلا في ملكه كما لو بنى. ومن ذلك إن تنازع رجلان في بيع أو إجارة ونحوهما وادعى أحدهما الصحة وادعى الآخر فسادًا كان الفساد الذي ادعاه عرفًا جاريًا بين الناس. فالمشهور من القول إن القول قول مدعي الصحة. ومن أصحاب مالك من قال يكون القول قول مدعي عرف الفساد

стр. 1010

وتفسخ المعاملات. ومسائل العرف كثيرة لا تحصى كمسألة الاختلاف في النقد في البيوع ونحوها وإنما نأتي من المسائل بطرق ليستدل به على ما بقي. - قوله تعالى: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾: اختلف فيه فقيل هو محكم ومن ذلك حديث الحر بن قيس حين أدخل عمه عيينة بن حصن على عمر فجهل عليه فاحتج بالآية الحر على عمر فوقف عندها. وبدليل قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] أي في احتمالك وصبرك فاستعذ بالله. وقيل هو منسوخ، قال ابن زيد: قوله تعالى: ﴿خذ العفو﴾ إلى قوله: ﴿الجاهلين﴾ إنما أمر النبي ﷺ بذلك مداراة لكفار قريش ثم نسخ ذلك بآية القتال. (٢٠٤)، (٢٠٥) - قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون * واذكر ربك في نفسك﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولا تكن من الغافلين﴾: اختلف في سبب نزول هذه الآية. فقيل إنها نزلت بسبب فتى من الأنصار كان يقرأ في الصلاة والنبي ﵊ يقرأ فأمروا بترك القراءة معه في الصلاة. وقيل إنها نزلت في الخطبة لم تكن إلا بالمدينة. وبمثل هذا الوجه أيضًا يضعف القول الأول. وقيل إنها نزلت من أجل أن أصحاب

стр. 1011

رسول الله ﷺ كانوا يتكلمون في المكتوبة بحوائجهم ويضجون عند آية الرحمة والعذاب ويجيب أحدهم إذا سئل ونحو هذا. فنزلت الآية أمرًا بالاستماع والإنصات في الصلاة. وقيل كان أناس يكثرون اللغط والشعب عند قراءة رسول الله ﷺ ويمنعون غيرهم من سماعها تعنيتًا وعنادًا على ما حكى الله تعالى عن الكفار: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: ٢٦]. فأمر الله تعالى المسلمين بأن يكونوا عند نزول الوحي بخلاف هذه الحالة وأن يستمعوا ومدح الله تعالى الجن على ذلك فقال: ﴿إذ صرفنا إليك نفر من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩]. وهذه الآية وإن كانت وردت على سبب مخصوص ففيها نظر هل يقتصر على سببها أو يحمل على كل ما يقتضيه لفظها إلا ما دل دليل على تخصيصه. وإلى تعميمها ذهب كثير من العلماء فاحتجوا بها في مسائل متفرقة منها ترك الكلام في الصلاة وقد استدل بها بعضهم على وجوبه، وقد تقدم الخلاف فيه هل هو فرض أم سنة عند قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبينا المذاهب فيه فلا

стр. 1012

معنى لإعادة الكلام عليه وقد اختلف في القراءة هل هي واجبة في الصلاة أم لا. فذهب قوم إلى أن القراءة ليست بواجبة منهم ربيعة والحسن وعبد العزيز بن أبي سلمة واحتجوا بما روي عن علي بن أبي طالب من أنه لا إعادة على من ترك القراءة في الصلاة إذا كان الركوع والسجود حسنًا. وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من أنه صلى بالناس المغرب فلم يقرأ فيها فلما انصرف قيل له: ما قرأت. قال: وكيف الركوع والسجود؟ قالوا: حسن. قال: فلا إذا. وقد أنكر مالك ﵀ عنه ذلك عن عمر. وروي أنه أعاد. وذهب الجمهور إلى أن القراءة في الصلاة واجبة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قالوا لأن معناه في الصلاة. وأما الإنصات في الخطبة فاختلف فيه. فعندنا أنه واجب وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه ليس بواجب. وذكر ابن المنذر عن جماعة من التابعين إنهم كانوا يتكلمون والإمام يخطب. وذهب الطبري إلى أنه واجب إلا في خطبة العيدين. واحتج من ذهب إلى القول الأول بقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾، وبما جاء من أنها نزلت في الخطبة. وعلى هذا تأول الآية سعيد بن جبير فقال فيها: الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة

стр. 1013

وفيما يجهر به الإمام في الصلاة. ومما يعضد هذا التأويل في الآية قوله ﵊: ((إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)). وأما القراءة مع الإمام في الصلاة فاختلف فيها على أقوال: فذهب قوم إلى أنه لا يقرأ المأموم جملة أسر الإمام أو جهر وأنه يعصي بالقراءة وروي عن علي ﵁ أنه قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة وعن زيد بن ثابت أنه قال من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له وهو قول أبي حنيفة في ترك القراءة. وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه تلزمه القراءة أسر الإمام أو جهر فيقرأ معه في الإسرار بأم القرآن والسورة وفي الجهر بأم القرآن خاصة لقوله ﵊: ((لا صلة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). وذهب مالك ومن تابعه إلى أنه لا يقرأ مع الإمام في الجهر بوجه. قال بعضهم ولو قرأ ما أثمناه. ويقرأ في السر على جهة الاستحباب. وروي عن الشافعي مثله. وعند ابن وهب وأصبغ أن القراءة معه في السر غير مستحبة وهو قول ثالث للشافعي.

стр. 1014

وقيل إن المأموم يقرأ بفاتحة الكتاب خاصة أسر الإمام أو جهر وقيل يقرأ معه في الجهر والسر إلا أنه لا يجهر مثله بالقراءة. وقد ذهب بعضهم إلى أن المأموم يتحرى وقت سكوت الإمام فيقرأ. وكان لرسول الله ﷺ سكتتان في صلاته: سكتة بعد التكبير وسكتة بعد قراءة الفاتحة، وهذا قول بعض من يذهب إلى الجمع بين الآية والحديث والذي يحتج به من يرى سقوط فرض القراءة على المأموم وهو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة هذه الآية: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قالوا فوجب الاستماع والإنصات إلا ما استثنى من ذلك. وقد نص بعض أهل العلم الحجة بظاهر هذه الآية واعتقد بعضهم أنها نص في الفرض قالوا ولا سبيل إلى ترك النص بأخبار الآحاد الدالة على القراءة. وضعف ذلك بعضهم ولم ير للآية تعلقًا بشيء من ذلك وحملها على الإنصات والاستماع لما نزل من الوحي على النبي ﷺ حسب القول الذب قدمناه في ذلك ورأوا أن المأموم يقرأ إلا أنه يندب له أن لا يجهر بالقراءة خلف الإمام إذا جهر حتى لا يشغل عليه القراءة. والذين رأوا الآية حجة عارضوا بينها وبين قوله ﵊: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وبغير ذلك من الأحاديث الواردة من قراءة المأموم. وبحسب ذلك اضطربت أقوالهم إلا أنه يعترض على من يقول لا يقرأ المأموم في صلاة السر بأن المأموم إذا لم يسمع ما يقرأه

стр. 1015

الإمام لأجل إسراره فمن أين يلزمه الاستماع والإنصات وإنما يجب الامتناع إذا وجب الاستماع. وقد أجاب عن ذلك بعضهم أن قال: الأصل في القراءة في الصلاة الجهر ليتدبر المستمع في آيات القرآن ويتعظ بها. وإنما السر لعارض وهو أن المنافقين كانوا يلغطون في قراءة رسول الله ﷺ ويكثرون الثول ليلبسوا عليه وعلى من خلفه. وقد أخبر الله تعالى بذلك حيق قال: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: ٢٦]. وإن كان الأصل في الجهر للتدبر والاتعاظ فلا بعد في زوال العلة وبقاء الحكم. وهذا الجواب ليس بشيء فإنه لو كان كذلك لما أسر في بعض الصلوات وجهر في بعضها فإن قيل كان الكفار ينتشرون في صلاة النهار فلذلك أسر فيها، قيل يبطل هذا بصلاة الجمعة وصلاة العيدين. ثم إن صلاة الليل منها ما يسر للعلى التي ذكروها وقد قال قوم إن معنى الإنصات المأمور به في الآية أن لا يجهر بالقراءة منازعًا الإمام وإذا أخفى ذلك لم يخرج عن الإنصات. وقيل بل المراد به السكوت حتى لا يقرأ البتة إلا عند فراغ الإمام.

стр. 1016

(٢٠٤) - قوله تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾: محمل هذه الآية عند الأكثر على ظاهر اللفظ ولذلك يحتج به العلماء في المسائل المتقدمة ونحوها. وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاستمعوا وأنصتوا بمعنى اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه. وإذا كان على ما قاله الزجاج فلا حجة فيه لشيء من المسائل المتقدمة والأظهر حمل اللفظ على حقيقته. (٢٠٥) - قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول﴾: وقد تقدم الكلام على نحوه في هذه السورة وذكرنا الاختلاف في الذكر هل يكون دون حركة اللسان أم لا. ويدل على أنه لا يراع إلا بحركة اللسان قوله تعالى في هذه الآية: ﴿ودون الجهر من القول﴾. وقوله: ﴿بالغدو والآصال﴾: اختلف فيه. فقيل معناه: دأبًا في كل يوم وفي أطراف النهاء وقيل هذه الآية كانت في صلاة المسلمين قبل فرض الصلوات الخمس. وقيل بالغدو: صلاة الصبح، والآصال صلاة العصر.

стр. 1017

سورة الأنفال هذه السورة مدنية كلها في قول أكثر العلماء، وقال مقاتل هي مدنية إلا آية واحدة فهي مكية وهو قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٣٠] وهذه الآية كلها نزلت في قصة وقعت بمكة ويمكن أن تنزل الآية بذلك في المدينة، ولا خلاف أنها نزلت في أمر بدر وأمر غنائمه. وفيها مواضع من الأحكام والناسخ والمنسوخ. (١) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾: اختلف في السؤال عما هو، فقيل عن حكم الأنفال، وقيل إنما سألوه الأنفال نفسها أ، يعطيهم إياها واحتجوا بما قرأه جماعة من الصحابة والتابعين ﴿يسألونك عن الأنفال﴾. وقالوا: ((عن)) في القراءة المشهورة بمعنى ((من)). واختلفوا أيضًا في المراد بالأنفال فقيل الغنائم مجملة وهو قول ابن عباس وغيره وذلك أن سبب الآية ما جرى يوم بدر من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وذلك أنهم افترقوا ثلاث فرق. ففرقة أقامت مع

стр. 1018

رسول الله ﷺ في العريش الذي صنع له وحمته وآنسته. وفرقة أحاطت بعسكر العدو وأسلابهم لما انكشفوا. وفرقة اتبعت العدو فقتلت وأسرت. فلما اجتمع الناس رأت كل فرقة أنها أولى بالمغنم وساءت أخلاقهم في ذلك فنزلت الآية بأن الغنائم لله ولرسوله فكفوا فقسموها حينئذ بالسواء. وذكر ابن عباس أيضًا في سبب الآية أن رسول الله ﷺ كان قد قال قبل ذلك: ((من قتل قتيلًا أو أسر أسيرًا فله كذا)) فسارع الشباب وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما انجلت الحرب جاء الشباب يطلبون ما جعل لهم ونازعهم الشيوخ فنزلت الآية. ويحتمل عندي على هذا القول إما أن تكون الأنفال الغنائم جملة أو ما ينفله الإمام منها خاصة. ولكن المفسرين ساقوه على أن المراد بالأنفال الغنائم. وقيل الأنفال في الآية ما يعطيه الإمام لمن رآه من سيف أو فرس أو نحوه، ويروى هذا القول عن ابن عباس أيضًا. ويروى عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ نفل أقوامًا يوم بدر ولم ينفل آخرين فاختلفوا بعد انقضاء الحرب، فنزلت الآية. وقال ابن وهب نزلت في رجلين أصابا سيفًا فاختصما فيه إلى النبي ﷺ فقال لهما: ((هو لي وليس لكما)). ويحتمل على هذين السببين أن تكون الأنفال في الآية ما ينفله الإمام أو جملة الغنائم. وقيل الأنفال ما يجيء به السرايا خاصة. وقيل الأنفال في الآية الخمس.

стр. 1019

قال مهاجرون لن يخرج منا هذا الخمس فقال الله تعالى هو: ﴿لله وللرسول﴾. وقيل الأنفال في الآية ما شرد من أموال المشركين إلى المسلمين كالفرس العابر والعبد الابن ونحو ذلك هو للنبي ﷺ يصنع به ما شاء وكذلك الإمام يصنع به ما شاء وروي عن ابن عباس أيضًا. وقيل الأنفال في الآية ما أصيب من أموال المشركين بعد قسمة الغنيمة هو لله ولرسوله وروي هذا عن ابن عباس أيضًا. وقيل الأنفال الأسارى. والذين ذهبوا إلى أن الأنفال الغنائم اختلفوا في الآية هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة وأن الغنائم إنما كانت للرسول خاصة فعلى هذا فقوله تعالى: ﴿لله﴾ إنما جاء على جهة استفتاح الكلام. واللام في قوله: ﴿للرسول﴾ يحتمل أن تكون ملكًا له يصنع فيها ما يشاء ويحتمل أ، لا يكون لام الملك وإنما يريد أنه متوليها حتى يضعها حيث يشاء. قال بعضهم وأراد الله تعالى بجعله ذلك إليه ﷺ ثم نسخ بقوله: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية [الأنفال: ٤١] وهو قول ابن عباس وغيره. وذهب قوم إلى أنها محكمة وإنما أخبر الله تعالى أن الغنائم لله من حيث هي رزقه وملكه، وللرسول من حيث هو المبين حكم الله فيها.

стр. 1020

ولا شك في أن جميع الأشياء لله وللرسول. ونزل حكم القسمة خلاف ذلك فلا نسخ في الآية والنفل في لسان العرب هو الزيادة على الواجب كذا قال بعضهم. وقيل النفل العطية ومنه قول الشاعر: إن تقوى ربنا خير نفل ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأظهر من الأنفال على هذا أنها ما يعطي الإمام للرجل من الغنيمة تحريضًا له على الجهاد أو جزاء على فعل فعله ويحتمل أن تسمى الغنيمة أيضًا نفلًا لأن الغنائم لم تكن مباحة من قبل فكانت كأنها عطية زائدة من الله تعالى. وقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لم تحل الغنيمة لقوم ود الرؤوس من قبلكم كانت تنزل نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾. وقد اختلف هل للإمام أن ينفل شيئًا من الغنيمة لمن رآه أهلًا لذلك أم لا. فقالت فرقة لا نفل بعد النبي وكأنهم يرون قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله وللرسول﴾ على القول بأن الأنفال ما ينفله الإمام على ظاهره أي إنما ذلك لله وللرسول خاصة ليس لغيرهما. والجمهور على أن النفل باق إلى يوم القيامة وأن الأئمة كالرسول ﷺ في ذلك وأن الله تعالى لم يرد قصرها على ذلك التأويل على الرسول خاصة بل ذلك
следующие страницы →