Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
ما روي عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: ((خذ من كل حالم دينار أو عدله من المعافر)) وذهب القاضي أبو الحسن إلى أن حد أكثرها ما فرض عمر رضي الله تعالى عنه ولا حد لأقلها. والمشهور عن مالك أن حد أكثرها ما فرض عمر لا يزيد عليه ولا ينقص منه، وفرض عمر في هذين القولين هو ما ذكرنا عن عمر أولًا. إلا أن مالكًا رأى أن توضع عنهم الضيافة إذا لم يرفى بهم العهد على وجهه. وذكر بعضهم أيضًا عن مالك -وهو قول غير الأكثر- أنه لا يتقدر أكثرها ولا أقلها وأنها موكولة إلى الاجتهاد في الطرفين. وقال الثوري: اختلفت الروايات في هذا عن عمر، فللوالي أن يأخذ أيها شاء إذا كانوا ذمة. والأظهر في هذه الأقوال كلها أيضًا أن هذا على الاجتهاد فما رأى الإمام أن يلزمهم على وجه الاجتهاد والصلاح لزمهم، وهو الظاهر على لفظ الآية إن جعلنا الجزية فيها عامة للجزيتين. وقد اختلف في الجزية هل هي عوض عن حقن الدماء أو عوذ عن المسكن والفرار. فلأصحاب مالك قولان، والأظهر من لفظ الآية أنها عوض عن حقن الدماء لأنه تعالى أمر بكف القتل عند إعطاء الجزية، والقتال فيه إراقة الدم. وبالجزية يدفع ذلك فكأنهم بالجزية حقنوا دماءهم فهي إذن عوض عن حقن الدم. وقد اختلف في الشيخ الفاني هل تؤخذ منه الجزية أم لا؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس عليه جزية لأنه محقون الدم بنهيه ﵊ عن قتل الشيوخ، والجزية إنما تؤخذ ممن يحقن دمه. وفي المذهب أن الجزية تؤخذ منه. فعلى القول بأن الجزية عوض على المسكن خاصة فلا اعتراض فيه. وأما على القول بأنها عوض عن حقن الدم فلا يثبت في حق الشيوخ إلا بالسنة لأمره ﵊ بقبول الجزية ولم يخص. فأم النساء والصبيان والمجانين فلا جزية عليهم، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ فإنما أراد أن يعطي الجزية هنا من هو من أهل القتال فأما من ليس من أهل القتال فلا.
стр. 1087
وأما العبيد فلا جزية عليهم أيضًا لأن الخطاب تضمن من يبقى على حاله في الجزية فلا يباح بقتال ولا غيره، ولا يجتمع الرق والجزية، ولأنه مال من الأموال. وأما الرهبان فقال مالك إن كانوا من الكنائس فتضرب عليهم الجزية لأنه لم ينه عن قتلهم وإن كان من أهل الديارات فلا، لأنه نهى عن قتالهم وهذا من مبتدأ حملها. فأما إن ترهب بعد أن طرأت عليه فلا تزول عنه وكان هذا من مالك رحمه الله تعالى إشارة إلى أن الجزية عوض عن حقن الدم. وذهب أبو حنيفة إلى أن لا جزية على الرهبان جملة. قال بعض المفسرين -بعدما ساق الأجزية على الصبيان والنساء والمجانين ورهبان الديارات-: ومن يراعي أن علة الجزية الإذلال أمضاها في الجميع. يريد أن من رأى ذلك على أوجب الجزية على جميع ما ذكره قبل ذلك من النساء وغيرهم. واختلف في العبد الكافر يعتقه الذمي أو مسلم هل عليه جزية أم لا على ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها: أن عليه الجزية، والثاني: لا جزية عليه، والثالث: إن أعتقه كافر فعليه الجزية وإن أعتقه مسلم فلا، وهذا إذا أعتق في بلاد الإسلام دون بلاد الحرب. والحجة لمن أوجب الجزية عموم قوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ وهذا منهم وهو حر. ويأتي القول الثاني على القول بأنها عوض عن حقن الدماء والفرق استحسان. واختلف في الفقير هل عليه جزية أم لا؟ قال ابن القاسم لا ينقص أحد من أربعة دنانير كان غنيًا أو فقيرًا. وقال أصبغ: يحط بقدر ما يرى م حاله. وقال ابن الماجشون لا يؤخذ من الفقير شيء. وحجة القول الأول ما فعل عمر ولم يفرق بين غني ولا فقير. وحجة سائر الأقوال مراعاة ظاهر الآية في أن الجزية على الاجتهاد. والجزية عندنا إنما تقبل
стр. 1088
ممن كانت تحت قهر المسلمين أمامهم في بلد واحد أو بالقرب ولا يقبل ممن بعد بحيث يخاف أن يمتنعوا، وإن خشي ذلك منهم على القرب لم تقبل إلا أن يهدم سورهم أو يصنع بهم ما يرى أنهم لا يمتنعون بعده، وهذا كله كقوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾. وإذا صولح الكفار على جزية فهل يجب أن تكون مقدرة أم لا؟
فيه لأصحاب الشافعي قولان: قيل تجب، وقيل لا يجب ذكر مقدار الجزية ولكن تنزل على الأشد، قالوا وهل يصح عقدها مؤقتًا؟ فيه قولان ولو قال الإمام أقركم ما شئت إذًا فقولان والقول بالجواز أولى، ولو قال للذميين ما شئتم أنتم لصح. ولو حاصر الإمام قلعة ليس فيها إلا نساء فبذلن الجزية فهل يجب قبولها وترك استرقاقهم؟ ففيه خلاف بين الشافعية أيضًا والأصح أنه لا يجب وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية لأن المأمور بقتالهم إنما هم الرجال المقاتلون وأما وجوب ذكر مقدار الجزية فليس في الآية ما يدل على نفي ولا إثبات. وظاهر جوازها على الإطلاق من غير تحديد. وإذا صولحوا على الجزية فمتى تجب عليهم؟ اختلف في ذلك، فقيل إنها تجب عليهم بأول ما تعقد لهم الذمة ثم بعد ذلك عند أول كل قول وهو مذهب أبي حنيفة وقيل إنها لا تجب إلا بآخر الحول وهو مذهب الشافعي. وليس عن مالك وأصحابه نص في ذلك والظاهر من مذهبه أنها تجب بآخر الحول. وهذا الخلاف يتركب على الخلاف في الجزية هل هي عوض عن حقن الدماء أو عن القرار. فمن رآها عوض عن القرار والمسكن لم يوجب شيئًا إلا بآخر الحول، ومن
стр. 1089
رآها عوض عن حقن الدم أوجبها بأول الحول. واستدل بعضهم على وجوبها بأول الحول بقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ وقال: إن لفظ الإعطاء إذا أطلق الظاهر فيه قبض العطية دون تأخيرها، ولو كان احتماله للوجهين احتمالًا واحدًا لكان قوله : ﴿عن يد﴾ دليلًا على أن المراد به القبض، لأن من قال أعطيت فلانًا عن يد يفهم منه تعجيل العطية ودفعها إلى المعطى قال: وهذا الذي يأتي على مذهب مالك. ورد غيره عليه استدلاله بالآية وقال: لا يصح ذلك لأنه تعالى عم الجزية ولم يخص شيئًا دون شيء فوجب بحق الظاهر أن تكون كلها معجلة فيكون معنى الإعطاء القبض والدفع أو تكون كلها مؤجلة فيكون الإعطاء بمعنى الإيجاب دون القبض والدفع كما في قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١] فلما بطل أن تكون كلها مؤجلة ل يتنجز شيء منها إذ لا يصح في عقل عاقل أن يقول إن ظاهر لفظ الإعطاء قبض بعض المعطى وتأخير بعضه. وإذا لم يصح ذلك بقوله تعالى: ﴿عن يد﴾ لا دليل فيه وإنما معناه عن غلبة وفهر أو إنعام أو أن يدفعوه بأيديهم ولا يرسلوها إذلالًا لهم. قال فالآية حجة على ضدها قال وهذا الخلاف في الجزية الصلحية داخل في الجزية العنوية والذي رد عليه استدلاله بالآية قد زعم أن الخلاف إنما هو في الصلحية خاصة، وليس كذلك ومتى منع الذمي الجزية رجع الأمر بالقتال على أوله وهو مقتضى الآية، ولئن أسلم بعد التزام الجزية ووجد بها عليه إما بأوله أو بآخره. فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها تسقط عنه بدليل قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ ولا خلاف أنهم إذا أسلموا فلا يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون. وذهب الشافعي إلى أنها لا تسقط ويؤخذ بها بعد إسلامه لكنه لا يرى أنها تؤخذ منه على الوجه الذي ذكره الله تعالى وإنما يقول إنها دين عليه وجب بسبب سابق كسائر
стр. 1090
الديون. وأما سقوطها عنه فبما يستقبل بعد إسلامهم فلا خلاف فيه. قال أبو الحسن: وإذا كانت الجزية على مذهب الشافعي دينًا وجب على الذمي بسبب دفع القتل عنه أو بسبب السكنى، فهي طاعة مأمور بها الذمي، والذمي قد أطاع الله تعالى بدفعها ولكن ثواب طاعتهم محبط كثواب الطاعات كلها. وأبو حنيفة لا يرى الجزية واجبة على الذمي ولا طاعة بل يقول إنها تقام عليه عقوبة له وزجرًا عن الكفر وذلك لا يكون طاعة في حقه وإنما طاعة في حقنا.
(٣٤) - قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾:
اختلف في هذه الآية هل يعني بها الكفار أو المسلمون أو كلاهما. فذهب قوم إلى أنها في أهل الكتاب لأنها مذكورة بعد قوله تعالى: ﴿إن كثيرًا من الأحبار والرهبان﴾ الآية. وذهب قوم إلى أنها في كل كافر. وذهب قوم إلى أنها في المسلمين أو في المسلمين والكفار. واختلفوا بعد ذلك في حق المسلم هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب عمر بن عبد العزيز إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [براءة: ١٠٣] فأتى فرض الزكاة على هذا طله فصار حك الآية على هذا القول: أي لا تكنزوا مالًا، أي لا تجمعوه وأنفقوه في سبيل الله فنسخ بالآية المذكورة. وذهب الأكثر إلى أنه محكم، واختلفوا في تأويله فقال كثير منهم هو المال الذي تؤدى زكاته وإن كان على وجه الأرض وأما المدفون إذا أخرجت زكاته فليس بكنز كما قال ﷺ : ((كل ما أديت زكاته فليس بكنز)) فالمراد بالنفقة
стр. 1091
على القول الزكاة، وهو قول ابن عباس وابن عمر. وقال علي بن أبي طالب عشرة آلاف درهم فما دونها نفقة وما زاد عليها فهو كنز وإن أديت زكاته. وقال أبو ذر وغيره ما فضل من مال الرجل على حال نفقته فهو كنز. وهذان القولان يقتضيان الذم في حبس المال لا في منع زكاته فقط، والآية على قول من قالها محكمة وعلى قول عمر بن عبد العزيز منسوخة. واتفق أئمة الفتوى على قول ابن عمر وابن عباس احتج الطبري بذلك. فقال: الدليل على أن كل ما أديت زكاته فليس بكنز إيجاب الله تعالى على لسان نبيه ﷺ في خمس أواق ربع عشرها فإذا كان هذا فرض الله تعالى فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ الوفاء إذا أديت زكاته فليس بكنز ولا يحرم على صاحبه اكتنازه لأنه لم يتوعد الله عليه بالعقاب وإنما توعد الله تعالى بالعقاب على كل ما لم يؤد زكاته، وليس في القرآن بيان ذلك القدر من الذهب والفضة الذي إذا جمع بعضه إلى بعض استحق جميعه الوعيد إذا لم يؤد حق الله تعالى منه. فأما يؤخذ بوقف رسول الله ﷺ وفي هذه الآية على القول بأنها في الزكاة المفروضة فرض زكاة الذهب قال بعضهم ولم يأت من النبي ﷺ في زكاة الذهب ما جاء عنه في زكاة الفضة ولكن جاء فرض زكاة الذهب في هذه الآية إذ لم يأت في الخبر ولكن جاء عنه ﵊ ألفاظ تعم الذهب والورق مثل قوله: ((من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة بلهزمتيه-يعني شدقيه- ثم يقول له أنا كنزك)) ثم تلا النبي ﷺ : ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠].
وإنما جاء عنه نصًا زكاة الرقة مثل قوله: ((في الرقة ربع العشر وليس
стр. 1092
فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة)) وإنما لم يأت عنه ﷺ قدر زكاة الذهب مخصوصًا. فاختلف العلماء بحسب ذلك في الذي أوجب الله تعالى إخراج الزكاة فيه من الذهب بالآية فاعتبرت طائفة في ذلك عشرين مثقالًا وذلك أنه كان صرف الدينار في زمن النبي ﷺ عشرة دراهم، والخمس الأواقي التي أوجب النبي ﷺ فيها ربع العشر وزنها مائتا، والمائتا درهم صرف عشرين مثقالًا، فكما وجب في الخمس الأواقي ربع عشرها كذلك وجب في العشرين مثقالًا التي هي عدلها ربع عشرها، ثم لم يراعوا بعد ذلك زاد الصرف أو نقص، واعتبرت طائفة ذلك أيضًا إلا أنهم قالوا ننظر قيمة الذهب في كل وقت. فإن كانت قيمة مائة درهم جبت فيه الزكاة كان الذهب أكثر من عشرين أو أقل، وإن لم تكن قيمته أقل من مائتي درهم فلا زكاة فيه كان الذهب أكثر من عشرين أو أقل وهو قول عطاء وطاووس والزهري. وذهب الحسن إلى أنه ليس فيما دون أربعين دينارًا صدقة، وهو قول شاذ. فهذه ثلاثة أقوال في تفسير النفقة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية على القول بأن المراد بها الزكاة وهو الصحيح، أصحها القول بأن النصاب عشرون. وقد جاء في ذلك عن النبي ﷺ حديث منصوص. وذكر الباجي في قول عمر رضي الله تعالى عنه في الرقة إذا بلغت خمس أواق ربع العشر أن الرقة اسم للورق والذهب. قال بعض أصحابنا وذكر قول بعضهم أيضًا الرقة اسم للورق، وهو أظهر. فهذا القول
стр. 1093
في نصاب الذهب. وأما نصاب الفضة التي أوجب الله تعالى فيها الزكاة أيضًا فمائتا درهمًا بلا خلاف لما جاء عن النبي ﷺ في ذلك من النصوص. وقد تتوزع فيمن نزلت فيه الآية.
قال زيد بن وهب مررت بالربذة فإذا أبو ذر. فقلت ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب وقلت: نزلت فينا وفيهم فكان بيني وبينه في ذلك تنازع فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة. فقدمتها فكبر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت وكنت قريبًا. فلذلك أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت.
(٣٦)، (٣٧) - قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ إلى قوله: ﴿سوء أعمالهم﴾:
قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا﴾ قد كان يحتمل أن يريد بهن السنة الشمسية أو القمرية لكن قوله تعالى: ﴿منها أربعة حرم﴾ خلصت لأن يقال إنما أراد شهور السنة القمرية وهي العربية لأن العرب هي التي كانت تعتقد حرمة هذه الأشهر الأربعة الحرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وتقدم طرف من هذا الكلام على هذه
стр. 1094
الثلاثة. واختلف لم أخبر الله تعالى أن عدة الشهور عند الله اثني عشر شهرًا؟ فقيل تخفيفًا لأمرها وليس عدد الحرم منها. وقيل إنما أخبر الله تعالى بذلك لأن العرب ق كانت تجيء سنتهم من ثلاثة عشر شهرًا وذلك إن كان يحل لهم المحرم ويحرم لهم صفر وذلك من فعل النساء يستقبلون سنتهم من صفر ويسمونه المحرم ثم يسمونه سائر الشهور كذلك بغير أسمائها فكانت السنة تأتيهم على الحقيقة من ثلاثة عشر شهرًا أولها المحرم المحلل، وهذا قول مجاهد وغير فلذلك قال تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ اختلف في الضمير في فيهن هل يعود على الأقرب إليه وهي الأربعة أشهر أم على الأبعد منه وهي الإثني عشر شهرًا؟ فإذا عادت على الأبعد فالمعنى لا تظلموا أنفسكم في الدهر كله فيكون هذا محكمًا بلا خلاف. وإذا قلنا إنه يعود على الأربعة أشهر الحرم فهل هو محكم أم لا؟ فيه قولان: أحدهما أنه محكم. والذين قالوا هذا اختلفوا في المعنى.
فقيل المعنى أنه نهى عن الظلم في هذه الأشهر تشريفًا لها بالتخصيص بالذكر وإن كان منهي عنه في كل زمان وهو قول قتادة. وقيل معنى فيهن: بسببهن ومن أجلهن في أن يحلوا أحرمها ويعدلوها بالأحرمة له وهو قول الحسن. والثاني أنه منسوخ، قال من زعم ذلك: المعنى لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال ثم نسخ بفرض القتال. ومما يعضد هذا القول ما حكى الطبري من أن رسول الله ﷺ كان يحرم القتال في هذه الأشهر لما أمر الله تعالى في ذلك حتى نزلت براءة. وقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ معناه جميعًا. واختلف في هذا هل هو منسوخ أيضًا أم لا؟ فقيل هو منسوخ لأن الفرض بهذه الآية قد كان توجه على الأعيان ثم نسخ ذلك بعد وجعل فرض
стр. 1095
كفاية. وقيل بل هو محكم ولا يقتضي فرض الجهاد على الأعيان ولم يعلم ذلك في شرع النبي ﷺ قط وإنا معنى الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة، ثم قيدها بقوله تعالى: ﴿كما يقاتلونكم كافة﴾. فبحسب قتالهم لنا وإجماعهم علينا يكون فرض اجتماعنا بهم وقتالهم.
وقوله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به ... ﴾.
كانت العرب كلها تحج البيت وتعظم الشهور الحرم الأربعة التي حرمها إبراهيم ﵇ وكانوا يحجون في ذي الحجة حتى حدث النسيء بسبب أنهم كانوا لا يقاتلون في شهر حرام. ولما احتاجوا للقتال فيه أحلوا الشهر الحرام وحرموا الحلال ليواطئوا عدة الشهور الحرم فكان أول من فعل ذلك قد أحل المحرم وحرم صفر. وحج النبي ﷺ -وقد عاد المحرم إلى ما كان عليه من التحريم- فأنزل الله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله ... ﴾ الآية. وأخبر أن النسيء كفر وأن الأشهر الحرم أربعة: ثلاثة منها متوالية، وأن صفر لا يقام مقام المحرم، ورفع ما كانوا يفعلونه بهذه الآية. واختلف فيمن فعله من العرب أولًا. فقيل القلمس: وهو حذيفة بن عبيد بن فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن كنانة، ثم ابنه عباد ثم أمية بن قلع ثم ابن عوف بن أمية ثم أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإسلام، وهذا قول ابن إسحاق. ومن هذا قول شاعرهم:
стр. 1096
ومنا منسي الشهور القلمس
وقيل غيره، وأشعارهم في هذا كثيرة. قال الأبهري: وكانوا يسمونه -يعني المحرم وصفر- الصفرين. وكان القلمس يحل في الشهر الحرام دماء طي وخنعم لأنهما كانا لا يريان الحج من بين سائر العرب. ثم اختلف كيف كانوا يصنعون في سائر شهور السنة من السنة هل كانوا يبقونها على أسمائها أم كانوا يغيرونها أيضًا؟ فقيل إنهم كانوا يغيرونها يسمون صفر المحرم لأجل تحريمه ثم يسمون ربيعًا الأول صفرًا وربيعًا الأخير ربيعًا الأول وهكذا آخر الشهور، وهذا هو القول الذي قدمناه من أنهم كانوا يجعلون المحرم ويحرمون صفر بدلًا منه ويتركون الشهور على أسمائها المعهودة، فإذا كان من قابل حرم المحرم على أصله وأحل صفرًا مشت الشهور مستقيمة. ورأى من قال ذلك أن هذه كانت حالة القوم. وقال قوم في معنى الآية إن رؤساء بني كنانة وغيرها كانوا يؤخرون الحج في كل سنة عن وقته شهرًا فيوقعونه في المحرم بعد ذي الحجة ثم في السنة الأخرى في صفر، فبين الله تعالى أ، هذا الصنع كفر. وقد اختلف في قوله ﵊: ((إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض)) فقيل لأن العرب كانوا قد تمسكوا بملة إبراهيم ﵇ في تحريم الأشهر الحرم وكانوا ينسئون الشهر الحرام إلى الذي يليه إذا احتاجوا إلى القتال فيه، وينتقلون هكذا من شهر إلى شهر حت اختلط الأمر عليهم فصادفت حجة النبي ﷺ تحريمهم قد طابق الشرع وكانوا في تلك السنة قد حرموا ذا الحجة بالاتفاق على الحساب الذي قلناه، فأخبر ﷺ أن الاستدارة صادقت ما حرم الله به يوم خلق السماوات والأرض. وقيل كانت العرب
стр. 1097
تحج عامين في كل شهر فصادفت حجة أبي بكر ذا القعدة من السنة التاسعة وصادفت حجة النبي ﷺ ذا الحج فلهذا أشار بالاستدارة. وذهب الخوارزمي إلى أن الله سبحانه أول ما خلق الشمس أجراها في أول برج الحمل وكان الزمن الذي أشار إليه النبي ﷺ صادف حلول الشمس في الحمل. وهذا قول فاسد. وقد عدل على ما ذكر بعض المتأخرين فلم يوجد كذلك. واختلف في قول النبي ﷺ : ((لا عدوى ولا هامة ولا صفر)) ما أراد بقوله ولا صفر؟ ففي بعض الأقوال أنه أراد ما كان من النسيء ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله ... ﴾ الآية، أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها بالشهور العربية دون الشهور التي تعتبرها الروم والفرس وغيرها. وفد خصص الله تعالى منها الأربعة الحرم وليس يظهر لهذا التحصيص معنى سوى تحريم المقاتلة, وقد نسخ ذلك أو تحريم القتل حتى أن الدية تغلظ فيها على قول بعض العلماء.
(٣٨)، (٣٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ إلى قوله: ﴿أليمًا﴾:
هذه الآية نزلت عتابًا لمن تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وكانت في عام تسعة من الهجرة غزا فيها الروم في عشرين ألفًا بين راكب وراجل وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين كثير ومنافقون.
стр. 1098
والعتاب في الآية إنما هو لمن عدى المنافقين وخص الثلاثة: كعب بن مالك هلال ابن أمية ومرارة بن الربيع بالتشديد في العتاب وفي التذنيب لما كانوا عليه من النصيحة لرسول الله ﷺ ، وكونهم من أهل بدر وممن كان يقتدى به وكان تخلفهم لغير علة.
وقوله: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا﴾ اختلف فيه هل هو منسوخ أم لا؟ فقال ابن عباس وهي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [براءة: ١٢٢] وكذلك قال الحسن وعكرمة فيها وفي قوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا﴾ الآية [براءة: ١٢٠] أنهما منسوختان بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾. وقال جماعة هي محكمة وهو من باب العموم والخصوص ولا نسخ.
(٤١) - قوله تعالى: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾ الآية:
هذا أمر من الله تعالى بالنفير في الغزو. وقد اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فقال بعضهم: هذا أمر عام لجميع الناس تعين به الفرض على الأعيان ثم نسخ بقوله وعلا: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ روي ذلك عن حسن وعكرمة. وقال أكثر العلماء بل هو خاص ورد بلفظ عام والأمر في نفسه موقوف على فرض الكفاية ولم يقصد بالآية فرضه على الأعيان. وقال بعضهم هو عام لجميع الناس ولا نسخ فيه والمراد به وجوب النفور إلى رسول الله ﷺ إذا دعا إلى الجهاد وأمر به، وهو الأصح. وقال بعضهم هو أمر عام لا
стр. 1099
نسخ فيه، والمراد نفير الكل عند الحاجة وظهور الكفر. وظاهر الآية يدل أن ذلك على جهة الاستدعاء وفي هذا نظر. إذ يقال كيف يوجب الاستدعاء شيئًا لم يجب قبل الاستدعاء؟ وقد يجاب عن هذا بأن الإمام إذا عين قومًا وخرجهم إلى الجهاد كان النفير عليهم لا لمكان الجهاد لكن طاعة للإمام. وإذا كان في أهل الثغور كفاية فقد قال قوم من أهل العلم أنه يجب على الإمام أن يغزو في الجهات الأربع في كل سنة يظهر بهم النكاية في العدو وإذا حصلت الكفاية بقوم سقط الفرض عن الباقين.
وقوله تعالى: ﴿خفافًا وثقالًا﴾: الخفة والثقل مستعاران لمن يسهل عليه الجهاد ومن يصعب عليه وهو له ممكن. وأما من لا يمكنه فهو عن الآية خارج كالأعمى ونحوه. وقد روي أن ابن أم مكتوم جاء إلى النبي ﷺ فقال له أعلي أن أنفر؟ فقال له نعم، حتى نزلت: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ [النور: ٦١، والفتح: ١٧] وهذا يدل من فعله ﵊ على حمل العموم على ظاهره حتى يدل دليل على التخصيص. وهي مسألة نزاع بين العلماء وذد اختلف الناس في تفسير الخفة والثقل بعد أن خصصوها بأشياء، وحقيقة القول فيهاما قدمنا من حمله على العموم. فقيل الخفيف الغني والثقيل الفقير وقيل الخفيف الشاب والثقيل الشيخ وقيل الخفيف النشيط والثقيل الكسلان وقيل المشغول الثقيل ومن لا شغل
стр. 1100
له هو الخفيف وقيل الذي له ضيعة ثقيل ومن لا ضيعة له خفيف وقيل الشجاع هو الخفيف والجبان هو الثقيل وقد كان بعكس ذلك. وقيل الراجل هو الثقيل والفارس هو الخفيف وقد قيل بعكس ذلك. وهذه الأقوال إنما يصلح أن يؤتى بها على جهة المثال. وقد قال أبو طلحة: ((ما أسمع الله عذر أحدًا وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات)) وقال أبو أيوب: ((ما أجدني أبدًا إلا خفيفًا أو ثقيلًا)) وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلًا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له يا عم: إن الله تعالى قد عذرك. فقال يا ابن أخي إنما قد أمرنا بالنفير خفافًا وثقالًا، وعن المقداد بن الأسود أنه رأى بحمص على تابوت صراف وقد فصل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو. فقال له لقد عذرك الله فقال أتت علينا سورة البعوث: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾.
стр. 1101
(٤٣) - (٤٥) - قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ إلى قوله: ﴿يترددون﴾:
نزلت هذه الآية بسبب قوم من المنافقين استأذنوا دون عذر، منهم عبد الله بن أبي ورفاعة بن التابوت والجد بن قيس ومن تبعهم. فمنهم من قال: ائذن لي ولا تفتني. ومنهم من قال: ائذن لي في الإقامة. فأذن لهم رسول الله ﷺ استبقاء وأخذًا بالمساهلة وتوكلًا على الله تعالى. وقال مجاهد إن بعضهم قال: نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإن لم يأذن قعدنا. وهذا الإذن مما صنعه رسول الله ﷺ برأيه واجتهاده. واختلف هل في الآية عتاب له على ذلك أم لا؟ وقال بعضهم عتاب له في الإذن ولذلك قال تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ فيما يلحقه من هذا وقد ذكر العفو، قبل العتاب وإكرامًا له.
وقال عمرو بن ميمون الأودي إن رسول الله ﷺ صدع برأيه في قصتين دون أن يؤمر بشيء فيهما: أحدهما هذه وقصة أسارى بدر فعاتبه الله تعالى فيهما وقال بعضهم ليس في الآية عتاب بل قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ استفتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك الله. ولم يكن منه ﵊ ذنب يعفى عنه فيه لأن أمر الاستنفار وقبول الاعتذار مصروف لاجتهاده وهذا أظهر. لأن هذا إنما هو من أمور الدنيا. ولا خلاف أن له أن يجتهد برأيه في أمور الدنيا كقصة آبار النخل ونحو ذلك. وقد اختلف في هذه الآيات هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى في سورة النور: ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ الآية
стр. 1102
[النور: ٦٢] لأن في آية النور إباحة الإذن في الانصراف عن الحرب. وفي الآية التي نحن فيها حظره إلا بعذر بين فنسخ ذلك. وقال نحو هذا ابن عباس وعكرمة والحسن. وهذا القول يقتضي أن آية النور نزلت بعد آية التوبة لأن النسخ لا يكون إلا كذلك. وقد زعم قوم من المفسرين أن هذا غلط وأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله ﷺ وهم في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات فأباح الله تعالى له أن يأذن، فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى. فعلى هذا آية النور نزلت قبل آية التوبة ولا يصح النسخ بذلك.
وذهب جماعة إلى أن الآيات محكمة وأنها تعيين للمنافقين حين استأذنوا النبي ﷺ في القعود على الجهاد بغير عذر وعذر الله تعالى المؤمنين فقال: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ [النور: ٦٢] وهذا القول أصح من الأول ويعضده الاعتراض الذي ذكرناه على الأول.
(٥١) - قوله تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾:
تحتمل هذه الآية أن يكون معنى التوكل فيها مقرونًا مع السعي والابتغاء لا أنه تعالى يريد توكلًا دون سعي. ويحتمل أن يريد توكلًا خالصًا دون سعي من الإنسان مع ذلك. وقد اختلف العلماء في التوكل في الرزق دون السعي فيه فلم يره أكثر العلماء لأنه وإن كانت الآية عندهم محتملة بالقول الآخر فيما جاء عن رسول الله ﷺ في ذلك قد أذهب ذلك الاحتمال وخلص الاحتمال الآخر لأنه ﷺ سعى وطول عمره في إظهار أمر الله تعالى. وظاهر يوم أحد بين درعين فهذا منه ﷺ توكل مع سعي وهذا إن لم يكن في الرزق فقد جاء في الرزق قوله تعالى: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا﴾ [مريم: ٢٥] وقال عليه الصلاة
стр. 1103
والسلام في الطير: ((تغدو خماصًا وتروح بطانًا)). وقال له رجل أرسل ناقتي وأتوكل قال: ((بل اعقلها وتوكل)) فرأوا لمن يمكنه التحرك في الحلال أن يتحرف ولو أن يحتطب ونحو ذلك. وذهب بعض الناس إلى أن الرجل الجلد إذا بلغ من التوكل إلى أن يدخل دارًا أو بيتًا تجهل فيه حاله ويبقى في ذكر الله تعالى متوكلًا على الله يقول: إن كان لي رزق فسيأتي الله به، وأن كان رزقي قد تم مت، أن ذلك حسن بالغ أعلى الدرجات. ولهذا اختلف في المسألة فأجازها قوم لمن لا يجدها بغيته، وحظرها آخرون إلا لمن اضطر إليها كالميتة وحظرها آخرون جملة ومن حجتهم قول النبي ﷺ : ((لا تسأل الناس شيئًا)). وأن هذا هو التوكل للحظر، وقد أمر الله تعالى بالتوكل فليكن على وجهه، ومن سأل فلم يتوكل. واختلف الذين رأوا له السعي والتطلب إن اضطر إلى أكل المحرمات كالميتة وسؤال الناس وما أمكنه من ذلك أيهم أفضل صبره عن ذلك وإن مات، أو أخذه منها لإبقاء رمقه، على قولين. وهذا بعد اتفاقهم على أن كل ذلك مباح له. وتأول الآية من يرى الصبر أفضل على أن معنى التوكل فيها هو التوكل مع السعي فيما عدا المحظورات. فأما مع أكل المحظورات فليس ثم توكل. وقول من زعم أن أخذه من ذلك أفضل مبني على القول بأنه واجب على الإنسان إحياء نفسه.
(٥٣) - قوله تعالى: ﴿قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم إنكم كنتم قومًا فاسقين﴾:
سبب هذه الآية أن الجد بن قيس قال لرسول الله ﷺ : ائذن لي ولا تفتني فأذن له. قال إني أعينك بمالي. فنزلت الآية وقد اختلف في
стр. 1104
الكافر يفعل في حال كفره شيئًا من أفعال البر كصلة الرحم ونحو ذلك هل يثاب عليه في الآخرة أم لا؟ على قولين. واحتج من لم ير له ثوابًا بهذه الآية. ومن حجة من يرى له ثوابًا أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله أرأيت أمورًا كنت تحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة هل لي فيها أجر؟ فقال ﷺ : ((أسلمت على ما سلف لك من خير)) ومن حجتهم أيضًا حديث أبي طالب أنه في ضحضاح من نار. والكلام في هذا طويل وفيما ذكرناه غنية.
(٦٠) - قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فريضة من الله﴾:
هذه الآية نزلت في تعيين من يجوز له أخذ الزكاة، فالصدقات في الآية هي الزكاة المفروضة. والذين سمى الله فيها هم الذين توضع فيهم الزكاة وعددهم في ظاهر الآية ثمانية. ونحن نتكلم على ما يخص كل واحد منهم ثم نتكلم على ما يعم الجميع. فأما الفقير والمسكين فقد اختلف فيهما اختلافًا كثيرًا. فقيل هما اسمان لشيء واحد والذي يملك شيئًا يسيرًا لا يكفيه إلا أن وصف بصفتين لتأكيد أمره فعلى هذا القول عدد من تقسم عليهم الزكاة في الآية سبعة، وإلى هذا القول مال ابن الجلاب. وقيل بل
стр. 1105
هما لمعنيين، ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا في الفرق بينهما على عشرة أقوال.
فقيل الفقير أحسن حالًا من المسكين لأنه الذي له البلغة من العيش والمسكين هو الذي لا شيء له واحتجوا بقول الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... . . . . . . . . . . . . .
فجعل للفقير حلوبة وقال تعالى: ﴿أو مسكينًا ذا متربة﴾ [البلد: ١٦] أي من لصق بالتراب من سوء حاله. وأيضًا فإن المسكين مفعيل من السكون مبالغة في وصفه بذلك أي لا حركة له كالميت. وقيل لأعرابي: فقير أنت. قال: لا والله بل مسكين. أي أسوأ حالًا من الفقير، وإلى هذا القول ذهب ابن السكيت ويونس وأبن قتيبة، وحكى ابن القصار أنه قول أصحاب مالك وإليه ذهب أبو حنيفة. وقيل المسكين أحسن حالًا
стр. 1106
من الفقير لأنه الذي له البلغة من العيش، والفقير الذي لا شيء له واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩] فجعل لهم سفينة. وبقوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧٣] فإن الفقير المكسور الفقار. ومن كثر فقاره فلا حياة له. ويقول الشاعر:
هل لك من أجر عظيم تؤجره ... تغيث مسكينًا كثيرًا عسكره
عشر شياه سمعه وبصره
فجعل له عشر شياه. وإلى هذا القول ذهب الأصمعي والأنباري وهو قول الشافعي. ورجح جماعة القول الأول وردوا ما احتج به الآخرون فقالوا: أما قوله تعالى: ﴿فكانت لمساكين﴾ [الكهف: ٧٩] فلا حجة فيه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه سماهم مساكين ترجمًا وإن لم يكونوا مساكين في الحقيقة فسماهم بذلك مجازًا على جهة التحريم. ويبين هذا ما وري عن النبي ﷺ أنه قال: ((مسكين مسكين من لا زوجة له)). قالوا يا رسول الله: وإن كان ذا مال. قال: ((نعم وإن كان ذا مال)) وقيل لقيلة يا مسكينة عليك السكينة، وقال ﵊: ((اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين ونعوذ بالله من الفقر)). والثاني: أن يكون أضاف السفينة إليهم على غير جهة الملك كما أن العرب قد تفعل مثل هذا كثيرًا ولكن إذا كان من ذلك الشيء بسبب. ولما كان هؤلاء
стр. 1107
عاملين فيها نسب السفينة إليهم كما يقال هذه الدابة لفلان السائس، وكما قال تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦] كما قال الفرزدق:
وأنتم لهذا الدين كالقبلة التي ... إن يصل الناس يهدي ظلالها
في قول من جعل الضمير عائدًا إلى القبلة لا إلى الناس، ولا ظلال على الحقيقة للقبلة وإنما الظلال لمن يصلي إليها. والثالث: ما جاء من أنه قد قرئ لمساكين بالتشديد للسين. وتفسيره على وجهين: أحدهما: أن يعني بهم دباغي المسوك وإليه ذهب جماعة من المفسرين. والثاني: أن يكون من الإمساك. إلا أن المشهور من هذا أمسك ومسك لغة قليلة. وأما قوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣] فبين أنه لا حجة فيه إذ ليس يخرج من الآية أنه لا شيء له وأن له شيئًا. وسنتكلم على هذه الآية في موضعها إن شاء الله تعالى. وأما قولهم إن الفقير المكسور الفقار فلا حجة فيه لأنه قد يجوز أن لا يكون من ذلك. ويكون من قولهم فقرت البعير إذا حززته بحديدة ثم وضعت على موضع الحز الحديد وعليه وتر لتذله وتروضه. فيكون الفقير إنما سمي فقيرًا لأن الدهر قد أذله وفعل به ما يفعل بالبعير الضعيف. وأما العشر شياه لو وهبت له لكانت سمعه وبصره فحذف ما لا يتم المعنى إلا به بدلالة الكلام عله. واعترض أهل القول الثاني احتجاج أهل القول الأول بيت الراعي: أما الفقير
стр. 1108
الذي كانت حلوبته، فإنه إنما سماه فقيرًا بعد ان صار لا حلوبة له. وإنما ذكر أنه كانت له حلوبة لا أنه له الآن وهذا ضعيف يرده معنى الشعر لأنه يصف مصدقين جاروا في الصدقة وأخذوا حلوبة هذا الفقير. وهل هو حظ أهل اللغة ومن تابعهم من أهل الكلام على الفقير والمسكين وبما قالوه يفسرون الآية وهي ثلاثة أقوال، وللمفسرين فيها أقوال أخرى. وذهب الضحاك إلى أن الفقراء هم المهاجرون، والمساكين من لم يهاجروا. وقال النخعي نحوه. قال سفيان: لا نعطي فقراء الأعراب شيئًا. وعلى هذا القول قد انقطع صنف واحد من الثمانية وهم الفقراء فلم يبق إلا المساكين إذ لا هجرة بعد الفتح. وذهب عكرمة إلى أن الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الذمة. قال: ولا تقولوا للفقراء المسلمين مساكين. وروي أيضًا عن ابن عباس والضحاك. وذهب بعضهم إلى أن الفقير من لا مال له ولا حرفة، سائلًا كان أو متعففًا، ويحكى هذا عن الشافعي أيضًا. وذهب قتادة إلى أن الفقير الذمن المحتاج والمسكين الصحيح المحتاج. وذهب ابن عباس وغيره إلى أن الفقراء هم الذين يتصاونون والمساكين الذين يسألون ولا يتصاونون، وروي هذا عن علي بن زياد عن مالك وروي أيضًا عن عكرمة. وقال مالك أيضًا في المجموعة: الفقير الذي يحرم الرزق والمسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له. ومن حجة هذا القول قوله ﵊: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس)).
стр. 1109
وذهب عبيد الله بن الحسن إلى أن المسكين الذي يخضع ويستكن وإن لم يسأل. والفقير الذي يتحمل ويقبل الشيء سرًا. فهذه سبعة أقوال لأهل التفسير. فالصدقة لا يجوز دفعها لغني ليس من الأصناف الستة الذين عهدهم الله تعالى بعد الفقراء والمساكين باتفاق لدليل الآية. فإن اجتهد الرجل في صدقته فدفعها إلى غني وهو يراه غير غني فلا تجزئه في المشهور من المذهب وتجزئه عند ابن القاسم في أحد قوليه وأبي حنيفة. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ فلم يجعل فيها نصيبًا للأغنياء فمن أعطاها لغني فكأنه لم يعطها فلا تجزئه وهذا بخلاف ما لو فعله الإمام. واختلف في القوي على الاكتساب هل يجوز له أخذ الصدقة أم لا؟ فذهب مالك والجماعة سواه إلى أنه يجوز له. وذهب يحيى بن عمر إلى أنه لا يجوز ولا تجزئ معطيها وجعل القوة كالغنى وهو قول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وإسحاق. واحتجوا بقول النبي ﷺ : ((لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي)) وفي آخر: ((ولا لقوي مكتسب)). وحجة القول الأول عموم قوله تعالى: ﴿للفقراء والمساكين﴾ أما الحديث: ((ولذي مرة سوي)) فإنه مخصوص. واختلف في الغنى الذي يحرم معه أخذ الصدقة فقيل هو الكفاية وإن كان دون نصاب لقوله ﵊: ((من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا)) وهو المشهور عن مالك وإليه ذهب الشافعي. وقيل إن هذا
стр. 1110
الحديث- وهو حديث الأوقية- منسوخ بقوله ﵊: ((من سأل وله خمس أواق فقد سأل إلحافًا)). وقيل هو النصاب، ومن كان له دون النصاب فقد حلت له الصدقة. وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة للحديث: ((أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها على فقرائكم)) ورواه المغيرة عن مالك وقاله المغيرة وهو قول عبد الملك وقيل الكفاية فمن كان له أكثر من نصاب ولا كفاية خلت له، وإن كان له أكثر من نصاب ولا كفاية فيه فأحرى أن لا تكون له كفاية فيما دون النصاب. فكان هذ القول اعتبر فيه الكفاية مع النصاب. وقيل هو وجود قوت اليوم، الغداء والعشاء. واحتج من قال هذا بقول النبي ﷺ : ((من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار)) قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: ((قدر ما يغذيه ويعشيه)) وقال من رد هذا الحديث منسوخ. وقال بعضهم المعنى فيه غداء وعشاء على دائم الأوقات. فإذا كان عنده ما يكفيه لمدة طويلة فقد حرمت عليه المسألة. وقيل هو أربعون درهمًا لقوله ﵊: ((من سأل وله أوقية ... )) وهو قول أبي عبيد، وقيل هو خمسون، وقد ضعفت جماعة هذا الحديث. فهذه ستة أقوال أسداها القول باعتبار الكفاية لأن من ليس له ما يكفيه فهو فقير أو مسكين. وقد أحل الله تعالى لهما الصدقة بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء
стр. 1111
والمساكين﴾ قال بعضهم: وكل من حد في الغناء حدًا أو لم يحد فإنما هو بعد ما لا غنى له عنه من دار يحلها أو خادم وهو محتاج إليها ولا فضلة في ثمنها، ومن كان كهذا فالفقهاء مجمعون على أنه يأخذ من الصدقة ما يحتاج إليه. واختلف هل يجوز صرف الصدقة إلى الذمي أم لا؟ فعندنا أنه لا يجوز وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز واستدل بعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... ﴾ ولم يخص. ودليلنا قوله ﵊: ((خذ الصدقة من أغنيائهم وردها في فقرائهم)) وهذه الإضافة لا بد لها من اختصاص. وقد ثبت أنه لم يرد القبيلة ولا البلد فعلم أن المراد المسلم وعندنا أنه لا يجوز دفع الرجل صدقته لمن تلزمه نفقته خلافًا لأبي حنيفة في ذلك تعلقًا بعموم الآية. وحجتنا أنهم إذا كانت تلزمهم نفقتهم فليسوا بفقراء بعد. فمن وضع الصدقة فيهم فقد وضعها في غير موضعها، كذا ذر بعضهم الخلاف في هذه المسألة. ورأيت بعضهم حكى الاتفاق على أنه لا يجوز دفع الصدقة إليهم، وأما دفعها لمن لا تلزمه نفقته من أقاربه، فعن مالك فيه روايتان: الجواز والكراهة. وذكر أنه رؤي مالك يعطي زكاته أقاربه. وحجة الجواز عموم الآية، وليسوا بأغنياء لأن نفقتهم لا تلزم. وإذا قلنا إنه يعطي قرابته فمن أحق هم أو جيرانه الفقراء؟ أما إن كان قريبه حاضرًا معه فهو أولى وإن كان غائبًا غيبة تقصر في مثلها الصلاة. فقيل هو أولى من الجار وقيل الجار أولى وظاهر الآية التسوية لأنه إنما جعل السبب في الأخذ الفقر، فإذا تساووا في ذلك استووا في جواز الأخذ. واختلف في الزوجة هل يجوز أن تدفع صدقتها إلى زوجها؟ فمنع مالك من ذلك، وذكر ابن القصار أن ذلك عند شيوخه
стр. 1112
على وجه الكراهة، فأن فعلت أجزأها. وأجازها أشهب إذ لم يرجع إليها شيئًا من ذلك في نفقتها. وعن أبي حنيفة والشافعي الروايتان. وحجة الجواز قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ فعم. وأما الزوج فلا يجوز له أن يدفع صدقته إلى زوجه لأن نفقتها تلزمه إلا على ما ذكرنا من قول أبي حنيفة في هذا الأصل، وإن كان بعضهم قد حكى الإجماع على أن ذلك لا يجوز. واختلف هل تحل الصدقة لآل النبي ﷺ أم لا؟ -وآله وقد تقدم الكلام في تحديدهم-. فقيل لا تحل لهم الصدقة المفروضة ولا التطوع. واحتج الذين ذهبوا إلى هذا بأن ﵊ رأى الحسن قد أخذ تمرة من الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي ﷺ : ((كخكخ)) ليطرحها. ثم قال: ((أما علمت أنا لا نأكل الصدقة)) وقال تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه من أجر إلى المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣] قالوا ولو جاز أن يأخذ منها شيئًا هو أو آله لوجدوا سبيلًا إلى أن يقولوا إنما يدعونا إليه ليأخذ أموالنا ويعطيها أهل بيته، ولكان ذلك كالأجرة. وإلى هذا القول ذهب أبو يوسف في أحد قوليه وأبو حنيفة في أحد قوليه، وإليه ذهب مالك في كتاب ابن حبيب وابن حبيب. وقيل الصدقات كلها حلال لآل محمد ﷺ وهو أحد قولي أبي حنيفة وذكره الباجي عن الأبهري. وذكر الطحاوي أن حجة أبي
стр. 1113
حنيفة في ذلك أن الصدقات إنما كانت محرمة عليهم من أجل ما نفل لهم من الخمس من سهم ذي القربى فلما انقطع عنهم ذلك ورجع إلى غيرهم بموت رسول الله ﷺ حل لهم بذلك ما كان حرم عليهم. وقيل تحل لهم صدقة التطوع وتحرم عليهم المفروضة، وهذا مروي عن مالك، وإلى هذا ذهب ابن القاسم. وحجة هذا القول عموم الآية في المفروضة. وخصصوا الأحاديث في تحريم التطوع. وحكى الباجي عن القاضي أبي الحسن أن بعض أصحابهم يقول: تجوز لهم الصدقة الواجبة دون التطوع لأن المنة تقع في صدقة التطوع. وقيل تحل لصدقة لهم بعضهم من بعض ولا تحل لهم من غيرهم، وذكره الطبري عن أبي يوسف وهذا قول ضعيف يرده عموم الآية من غيرهم، وذكره الطبري عن أبي يوسف وهذا قول ضعيف يرده عموم الآية والآثار. فهي خمسة أقوال أصحها في الاعتبار الفرق بين صدقة الفرض والتطوع لجريه على ظاهر الآية ومع الأثر. واختلف في موالي النبي ﷺ هل تحل لهم الصدقة أيضًا أم لا؟ فأجازها ابن القاسم لهم وقد حكي ذلك عن مالك والشافعي ومنع من ذلك مطرف وابن الماجشون وابن نافع، وإليه ذهب الكوفيون والثوري واحتجوا بما جاء عنه ﵊ من قوله: ((إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ومولى القوم منهم)). وبقوله ﵊: ((إن الصدقة لا تحل لنا ولا لموالينا)) وحجة الأول عموم الآية. ويتأولون الأحاديث فيحمل ﵊ منهم أي في النصرة والصلة ونحو ذلك. ويحمل الحديث الآخر على أنه أراد بالموالي بني العم. واختلف إذا كان للرجل على معسر دين هل له أن يتركه ويقطعه من صدقته أم لا؟ فقيل له ذلك، وقيل لا يجيء ذلك جملة، وقيل إن كان ممن لو رفعه
стр. 1114
إلى الحاكم أمكن أن يؤديه جاز، وإلا لم يجز لأنه قد نوى. والأظهر أن لا يجزئ -وهو قول مالك أيضًا- لأن مفهوم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات﴾ أنت يعطى لأحد هؤلاء الأصناف فتصلح بذلك حاله، وإذا كان معسرًا فترك له ما عليه من حاله بعد شيء. وقوله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾ هم جباتها وسعاتها يدفع إليهم الإمام من الصدقة أجرة معلومة بقدر عملهم وإلى هذا ذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة لا يجوز لقوله ﵊: ((فأردها على فقرائهم)) ودليلنا قوله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾. ومن الناس من لا يرى للعامل إلا الثمن مما عمل تعلقًا بظاهر قسمة القرآن ولا يزاد على ذلك شيء وإن كانت أجرته تزيد على ذلك خلافًا لما قدمناه من مذهب مالك والشافعي. ومنهم من يرى أن يدفع إليه الثمن فإن أجرته أكملت له من خمس الغنيمة، وهذان القولان مبنيان على الخلاف في كيفية القسمة فهذه أربعة أقوال في أجرة العامل أصحها ما ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى وعليه ينبغي أن تحمل الآية. واختلف هل يجوز أن يكون العامل من ذوي القربى أم لا؟ فعندنا أنه يجوز ذلك، وقال الشافعي لا يجوز، ودليلنا عموم الآية. واختلف في العبد والنصراني هل يستعملان عليها. فقال محمد لا يجوز ذلك لأنه لا حق لهما في الزكاة فإن استعملا وفات انتزع ما أخذا وأعطيا من الفيء. وأجاز ذلك أحمد بن نصر وعلى نحوه يدل مذهب ابن عبد الحكم، وحجة هذا القول عموم قوله تعال: ﴿والعاملين عليها﴾ ولم يفرق. وأما الغني فيجوز استعماله، والأصل في جواز ذلك قوله ﵊: ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق
стр. 1115
على المسكين وأهدى المسكين للغني)) فذكر فيهم العامل. وقال تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾ ولم يخص غنيًا من غيره. وقد استدل بعضهم في نصرة أحد قولي الشافعي. ومذهب أبي حنيفة في وجوب دفع الزكاة إلى العمال لأن ذكر العاملين في الآية يدل على وجوب دفع الزكاة إليهم وأنه لا يتضمن أن العمال إذا كانوا أعطوا نصيبهم، فأما إذا لم يكونوا فليس في الظاهر أنه لا بد منهم كما أنه ليس في الظاهر أنه لا بد من رقاب وغارم ومؤلفة. وجعل الله للعاملين أجرة من الصدقة يدل على جواز أخذ الأجرة لكل من اشتغل بشيء من أعمال المسلمين. واختلف في أرزاق القضاة، فكرهها جماعة وأجازها جماعة، واحتج أبو عبيد في جوازه بهذه الآية. فقال: قد فرض الله تعالى للعامل على الصدقة وجعل لهم منها حقًا لقيامهم فيها وسعيهم وكذلك القضاة يجوز أن يجعل لهم أجرة على عملهم وكذلك من شغل بشيء من أعمال المسلمين فله أن يأخذ الرزق على عمله بدليل الآية. وقد كان زيد بن ثابت يأخذ على القضاء الأجر وروي ذلك عن ابن شريح وغيرهما.
وقوله تعالى: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ الذين يعطون استيلافًا. وقد اختلف في سهمهم هل هو ثابت يجب أن يعطوه، هكذا قال الحسن البصري. وقيل انقطعت المؤلفة بعد رسول الله ﷺ ، وروي ذلك عن الشعبي. وكذلك قال أصحاب الرأي فلا يعطون شيئًا أبدًا وإليه ذهب مالك.
стр. 1116
وقيل انقطع فإن احتاج المسلمون إلى ذلك أعطوا سهمهم وإلى هذا ذهب ابن حنبل وهو قول ابن شهاب وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الشافعي وهو قول عبد الوهاب ومن زعم أن سهمهم باق لا يغير احتج بالآية. ومن قال إنه انقطع اختلفوا متى انقطع؟ فقيل انقطع بموت رسول الله ﷺ وهو ظاهر قول الشافعي. وقيل لم يزالوا على ذلك بعد موت رسول الله ﷺ إلى صدر من خلافة أبي بكر. وقيل لم يزالوا على ذلك إلى صدر من خلافة عمر ثم قال هو أو أبو بكر لأبي سفيان: قد أغنى الله عنك وعن غربائك، إنما أنت رجل من المسلمين، وقطع ذلك عنهم. ثم اختلفوا في الحجة على الانقطاع. فزعم قوم أنه منسوخ ولم يذكر ناسخًا وهو قول ضعيف وإلى نحو هذا ينحو قول من يرى أن ذلك يعود يومًا ما إن احتيج إليه. واختلفوا في المؤلفة قلوبهم من هم؟ فقيل هو الكافر يؤلف بالعطاء ليدخل في الإسلام، وقيل هو المسلم الحديث العهد بالإسلام يؤلف بالعطاء ليثبت على الإسلام. وقيل هو الرجل من عظماء المشركين يسلم فيعطى ليستألف غيره بذلك من قومه ممن لم يدخل في الإسلام. والأظهر من الآية أن المراد من أسلم ولم يجتمع قلبه على الإسلام وحده، بل فيه شعب من الكفر فيراد أن يجتمع قلبه على الإسلام وحده وتزال شعب الكفر منه فأما من لم يسلم بعد فإذا يؤلف من قلبه ولم يفترق بعد منه شيء. وممن من كان من المؤلفة قلوبهم: أبو سفيان بن حرب وأبو سفيان ابن الحارث والحارث ابن
стр. 1117
هشام وصفوان بن أمية وهو الذي قال: حضرت حنينًا مع رسول الله ﷺ وام أحد من الخلق أبغض إلي منه فما زال يعطيني حت ما كان أحد من الخلق أحب إلي منه، وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام ومالك بن عوف والأقرع وعيينة والعباس بن مرداس والعلاء بن جارية الثقفي.
وقوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ يريد في عتق الرقاب. وقد اختلف في تفسير ذلك، فقيل يريد ابتداء عتق الرقاب وذلك أن يشتري من مال الصدقة رقابًا كاملة وتعتق، وإلى هذا ذهب مالك. وقيل هم الكاتبون ولا يجوز أن يعتق من الزكاة رقبة كاملة وهو قول أبي حنيفة والشافعي والليث. وقيل الآية تجمع الرقاب الكاملة والمكاتبين فيوضع النصف في الرقاب الكاملة والنصف
стр. 1118
في المكاتبين، وهو قول الزهري، ودليله قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ وإطلاقه هذا اللفظ يقتضي رقبة كاملة. وأما قول أبي حنيفة والشافعي فتحكم على الآية إلا أن يستند إلى دليل آخر غير الآية. وأما قول الزهري فله تعلق بعموم الآية. واختلف الذين رأوا الآية في الرقاب الكاملة هل يعان بها المكاتب أم لا؟ فقيل لا يعان جملة وهو المشهور من قول مالك، وقيل يعان جملة. وقيل يعان في آخر كتابته ولا يعان في أثنائها. وهذا القول من رواية ابن القاسم وابن نافع عن مالك. وحجة هذا القول أن الذي يعين في آخر الكتابة كأنه أعتق جملته لأنه بذلك عتق فدخل تحت قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾. وحجة القول بأنه لا يعان جملة أن إطلاق لفظ الرقاب يقتضي رقبة كاملة. وحجة من قال يعان حمل لفظ الآية على العموم أي أن يوضع سهم منها في الرقاب. ومن أعان مكاتبًا فقد وضع سهمًا في الرقاب. واختلف على القول بإباحة ذلك في المكاتب جملة إن عجر المكاتب هل يرد ذلك من عند السيد أم لا؟ على قولين. والأظهر منهما الرد لأنه يخرج عن الذي حد الله تعالى من وضعه في رقبة. واختلف هل يعتق منه مدبر أم لا؟ على قولين. ذكر ابن شعبان أن لا يعتق. وقد قيل إنه لا بأس أن يعتق منه، والأول أجود لأن المدبر ليس برقبة تجوز في الرقاب الواجبة لأنه قد خرج عن اسم الرقبة الذي قال الله : ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢، والمجادلة: ٣]. ومما يعضد هذا إطلاق لفظ الرقاب في قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ وهذا يقتضي رقبة كاملة.
واختلف في عتق بعض عبد على ثلاثة أقوال تقوم من المذهب:
стр. 1119
أحدها: أنه لا يجوز جملة. والثاني: أنه يجوز جملة. والثالث: أنه لا يجوز إذا لم يتم بما فعل عتق العبد ويجوز إذا تم بما فعل عتق العبد، وإلى هذا ذهب مطرف. وحجة المنع جملة إطلاق بعض الرقاب في الآية. واختلف في عتق العبد المعيب على قولين في المذهب. أحدهما لا يجزئ وهو قول أصبغ والمشهور في المذهب. والثاني أنه يجزئ وهو قول أحمد بن نصر. وحجة القول الأول أيضًا إطلاق بعض الرقاب لأنه يقتضي أيضًا رقبة سالمة. وحجة من أجاز عموم اللفظ. واختلف أيضًا في عتق من يجب على الرجل عتقه إذا ملكه هل يجزئ أم لا؟ وحجة من أجاز عموم الآية، ومالك لا يجيز ذلك لأن المنفعة إنما هي لرب الزكاة فكأنه لم يخرجها عنه. واختلف هل يعطى منها الرجل ليعتق عبده عن نفسه على قولين في المذهب مرويين عن مالك. وحجة القول بإجازة ذلك عموم الآية. واختلف هل يفدى منها أسير أم لا على قولين في المذهب أيضًا. فذهب أصبغ إلى أنه لا يفدى، وقال ابن حبيب وابن عبد الحكم يفدى. وحجة القول بأنه لا يفدى مفهوم إطلاق الآية وأنه إنما أراد بذلك من لو اشتراه الإنسان لما عتق عليه. والأسير لا يمكنه تملكه فليس برقبة. واختلف في ولاء المعتق من الزكاة، فقيل لجماعة المسلمين وهو قول الجمهور وقال أبو عبيد للمعتق، وقال الحسن وابن حنبل وإسحاق يجعل ما تركه في الرقاب. وقال عبيد الله بن الحسن يجعل ماله في بيت ماله في بيت الصدقات وحجة القول الأول أنه إذا كان الولاء له فكأنه ل يخرج عنه لأن منفعته له، وإنما مفهوم الآية أن تخرج منفعته إلى غيره.
وقوله تعالى: ﴿والغارمين﴾: اختلف في صفتهم. فقيل هم الذين فدحهم الدين وإن كان لهم ما يؤدون منه ديونهم، وإلى نحو هذا ذهب ابن حبيب. وقيل هم الذين لا يجدون وفاء لقضاء ديونهم أو تكون معهم أموال
стр. 1120
بإزاء ديونهم فيعطون ما يقضون به ديونهم، وإلى هذا ذهب عبد الوهاب. والقول الأول أصح لأن الغارم اشتقاقه من الغرم وهو أن يعطي الرجل ما عليه، والغارم الذي يلزمه أن يغرم.
وإنما سمي غارمًا وإن لم يغرم بعد على ما يصير إليه. وكل من فدحه الدين فهو غارم. وقد قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ فعم ولم يخص. وكذلك قال ﵊: ((لا تحل صدقة لغني إلا لخمسة)) وذكر فيهم الغارم وهو المحتمل بحمالة ولم يخص وهذا إذا تدين الإنسان في واجب أو مندوب إليه أو مباح. وأما إن تداين في مكروه أو محظور ويجمع ذلك التداين في معصية فاختلف فيه هل يكون من الغارمين أم لا؟ فالجمهور على أنه ليس من الغارمين ولا يقضى عنه ذلك الدين. وقال ابن عبد الحكم إذا حسنت حاله أعطي لأنه غارم، وحجة هذا الأخذ بعموم الآية. والجمهور خصصوا الآية بما عدا تداين المعصية. واختلف فيمن عليه الزكاة فرط فيها ولم يخرجها ناسيًا أو عامدًا حتى تلف ماله ثم أتى يطلب مع فرط فيها ولم يخرجها ناسيًا أو عامدًا حتى تلف ماله ثم أتى يطلب مع الغرامين ما يؤدي منه زكاته على قولين: أحدهما: أن ذلك له، والثاني: أنه لا يعطي فلا يقضي من الزكاة زكاة. ودليل القول الأول أن ذلك دين عليه يؤخذ منه ويحكم به عليه، ومن كان كذلك فهو غارم وقد قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ فعم ولم يخص زكاة ولا غيرها. واختلف هل يقضى منها دين ميت أم لا؟ فقال ابن المواز لا يقضي منها. وقال ابن حبيب يقضي وهو من الغارمين وحجته عموم الآية، قال وقد كان امتنع النبي ﷺ من
стр. 1121
الصلاة على من عليه دين قبل نزول الآية فلما نزلت الآية صار ذلك على السلطان. قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ سبل الله تعالى كثيرة، إلا انه اتفق العلماء على أن المراد بها ها هنا الغزاة المحتاجون وإن كانوا أغنياء في بلادهم. واختلفوا إذا كانوا أغنياء بالموضع الذي هم به. فقيل لا يعطون، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وقيل يعطون، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وإسحاق. وحجة هذا القول الكتاب والسنة: فالكتاب قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ فإذا غزا الغني فأعطي كان ذلك في سبيل الله. وأما السنة فقول النبي ﷺ : ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة)) وقد ذكر فيهم الغازي وسماه غنيًا. واختلف في الحاج هل يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ فيعطى من الزكاة أم لا يدخل فلا يعطى. فذهب ابن عباس وابن عمر ومحمد بن الحسن إلى أنه في سبيل الله وأن الآية تنطوي عليه وأنه يعطى من الزكاة لذلك. واحتجوا بأن رجلًا وقف ناقة له في سبيل الله فأرادت امرأته أن تحج وتركبها فسألت رسول الله ﷺ فقال: ((اركبيها فإن الحج في سبيل الله)). وذهب الجمهور إلى أنه لا يدخل تحت اللفظ ولا يعطى من الزكاة. قال ابن القصار: والحجة لهذا القول إن كل موضع ذكر فيه سبيل الله فالمراد به الغزو والجهاد: قال تعالى: ﴿يقاتلون في سبيل الله﴾ [براءة: ١١١] وقال تعالى: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله﴾ [براءة: ٢٠] وكذلك آية الصدقة. وأما غير الغزو والحج من سبل الله فلا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ ولا يحمل على العموم في ذلك وإنما هو الغزو أو الغزو والحج هذا هو قول الجمهور من العلماء في ذلك بعضهم على البخاري أن مذهبه حمل اللفظ على العموم في الغزو والحج وغير ذلك لإدخاله في كتابه قول النبي ﷺ : ((فإن الحج في سبيل الله)) وقوله: ((إن خالدًا قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله)). وقال ابن
стр. 1122
عبد الحكم يجوز أن يصرف من الزكاة كل شيء يكون من أمر الجهاد أو يكون منه بسبب مثل مصالحة عدو إذا خيف أو بناء حصن أو حفر خندق أو عمل مجانيق أو حملان أو سلاح أو مراكب للعدو وكراء النواتئة ويعطي منها للجواسيس الذين يأتون بأخبار العدو مسلمين كانوا أو نصارى، ورأى أن ذلك كله داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾.
وقوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ هو الرجل المسافر المنقطع به يعطى من الزكاة بقدر كفايته إذا كان محتاجًا أبدًا باتفاق أو غنيًا ببلده ومحتاجًا بموضعه باتفاق. واختلف إن كان غنيًا بموضعه. قال البرقي: قول مالك إنه يعطى وإن كان غنيًا، يريد ببلده. وقال أصبغ يريد بموضعه وبه قال الشافعي فوجه قول أصبغ قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ فعم. وإن قلنا أنه لا يعطى إن كان غنيًا بموضعه وهو الذي عليه الجمهور. فإن كان محتاجًا بموضعه ووجد من يسلفه، قال مالك في كتاب سحنون لا يعطى. وقال ابن القاسم في كتاب محمد يعطى. وقال ابن عبد الحكم ليس عليه أن يستسلف لأنه يخاف تلفه ويبقى الذين في ذمته إلا أن يجد من يسلفه على أنه إن سلم ماله وإلا فهو في حل. وقول ابن القاسم أظهر بعموم قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ يتناول المجتاز ومن يريد السفر، وبه قال الشافعي. وقال العراقي لا تقع إلا على المجتاز. وحجة القول الأول عموم الآية لأن ابن السبيل يقع عليه وإن لم يسلك بعد السبيل لأن يصير إليه كما يسمى الغارم غارمًا وإن لم يغرم بعد. وسمي المسافر ابن السبيل لملازمته إياه كما
стр. 1123
يقال للطائر: ابن ماء لملازمته إياه ونحو ذلك. ولنرجع إلى ما يعم الجميع من الأحكام فنقول: ﴿إنما﴾ في هذه الآية حاصلة فتقضي أن الزكاة لا تعدو هؤلاء الثمانية أصناف. إلا أنه اختلف في كيفية القسمة عليهم هل هو على الاجتهاد أو السواء؟ فذهب مالك وأبو حنيفة وغيرهما إلى أن ذلك على اجتهاد الإمام. وقال الشافعي هي مقسومة على ثمانية أصناف لا يصرف منها سهم على غير أهله، وهو قول بظاهر الآية. ومعنى الآية عند من قال بالقول الأول الإعلام بمن تحل له الصدقة ولم يقصد فيها التسوية في القسمة. واختلف هل يجوز أن توضع في صنف دون صنف أم لا؟ فعند مالك وأبي حنيفة ومن تابعهما أنه يجوز أن توضع له ولو في صنف واحد على قدر الاجتهاد. وعند الشافعي أنه لا يجوز إلا أن تقسم على الثمانية الأصناف ولا يجوز أن يخص منها صنف دون صنف واحتج الشافعي بقوله ﵊ لرجل سأله: ((إن الله تعالى لم يرض في الصدقات بقسم نبي ولا غيره حت قسمها بنفسه فجعلها ثمانية أقسام لثمانية أصناف، فإن كنت واحدًا منها أعطيتك)) وعند أبي ثور أنه إذا قسمها الإمام لا يخل بصنف منها وإن أعطى الرجل صدقته صنفًا ددو نصنف أجزأه ذلك. وعند النخعي أنه إن كان المال كثيرًا قسم على الأصناف كلها وإن كان قليلًا أعطى صنفًا واحدًا. وعند بعض المتأخرين أنه قسم المتصدق قسم في ستة أصناف لأنه ليس ثم عامل ولأن المؤلفة قلوبهم قد انقطعوا، وإن قسم الإمام قسم في سبعة أصناف. فهذه خمسة أقوال أصحها قول مالك، إذ المفهوم من الآية إنما هو الإعلام بموضع الصدقة. فإن قيل فإذا انقسمت الصدقة على ثمانية أصناف وسهم المؤلفة قد انقطع فما يصنع به فهل يرد على سائر الأصناف يقسم عليهم؟ اختلف إن اجتمع في شخص واحد معان من الأصناف الثمانية التي ذكرها الله تعالى هل يستحق لكل صنف منها قسمًا أم لا؟ فعندنا أنه لا يستحق ويدفع إليه على ضرب من الاجتهاد ونهى الشافعي
стр. 1124
في أحد قوليه إلى أنه يعطى للمعاني المجتمعة كلها. وحجة القول الأول ظاهر الآية إذ المفهوم منها أنه إنما يعطى لواحد من تلك الصفات التي ذكر، فمن اجتمعت فيه صفتان أو أكثر لم يراع ذلك وأعطى كما يعطى ذو الصفة الواحدة على الاجتهاد. واختلف هل استحقاق الصدقات كلها بالفقر والحاجة فقط أم بذلك مع غيره. فمنهم من قال بالوجه الأول وزعم أن الله تعالى إنما ذكر الأصناف باختلاف معنى الحاجة فيهم فأكد ذلك وبينه، والوجه الذي لأجله وضع الصدقة فيه واحد على ما قال ﷺ : ((وردها في فقرائهم))، فبين الاستحقاق بهذا الوجه الواحد. فأما العاملون فيأخذون من جهة الفقر لا من جهة المال فهم كالوكلاء للفقراء. وكذلك جوابهم في المؤلفة قلوبهم لأنهم كانوا يأخذون لإعزاز الدين فمع الفقراء يأخذون. ومنهم من قال بالقول الثاني وزعم أن الغارم قد يأخذ مع الغني وكذلك ابن السبيل والغازي. قال أبو الحسن: والأقرب إلى الظاهر هذا القول. واختلف في نقل الصدقة من بلد إلى بلد، فقيل لا تنقل من الموضع الذي أخذت فيه بوجه وهو المشهور من قول الشافعي، وقيل يجوز نقلها على كل وجه وإن كان في الموضع الذي تجبى فيه من يستحقها لم تنقل عنهم وإن لم يكن ثم من يستحقها جاز نقلها إلى من يستحقها، وهو قول مالك، وروي عن الشافعي مثله، وحجة هذا القول قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ فعم إلا أنه إذا وجد فقراء في موضع الصدقة لم ينقل عنهم لأنهم أحق بها وإن نقل الصدقة من موضعها- وفيه من يستحقها- فهل يسقط الفرض أم لا؟ المشهور في المذهب أنه يسقط، وذلك عند الشافعي على قولين الصحيح منهما أنه لا يسقط. وحكى بعض أصحاب مالك أنه قول مالك. قال ابن القصار ولم أجده منصوصًا عنه. والأظهر أنه يسقط
стр. 1125
لعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ فعم.
واختلف في قدر ما يعطى الفقير من الصدقة، فروى علي بن زياد وابن نافع عن مالك أن ذلك على قدر الاجتهاد، وقد يقل المساكين وتكثر الصدقة. وروى عنه المغيرة أنه يعطى أقل من النصاب ولا يبلغه. والقول الأول أجرى على ظاهر الآية. وهل يصدق الرجل في أنه واحد من الأصناف التي ذكر الله تعالى أم لا؟ فنقول أما من يدعي الفقر ففيه قولان: أحدهما: أنه يصدق ولا يكلف ببينة، والثاني: أنه لا يصدق إلا ببينة أن يقول مفهوم الآية أن الصدقات إنما هي لمن يعلم من هذه الأصناف. وحجة القول الأول أن هذا من حقوق الله، وحقوق الله تعالى أخف من حقوق الآدميين خاصة فلذلك يصدق في حقوق الله تعالى ولا يصدق في حقوق الآدميين خاصة. وأيضًا فإن الناس في حقوق الآدميين محمولون على الغنى حتى يثبت العدم. وذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠] وإن ادعى أنه ابن سبيل ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يصدق إل ببينة، والثاني: أنه يصدق إن كانت عليه هيئة الفقر. وقال مالك في المجموعة: وأين يجد من يعرفه. وحجة القول الأول مفهوم الآية وإن ادعى أنه شيء من الأصناف الباقية لم يصدق إلا ببينة، ولم أر في هؤلاء خلافًا. وهذه الأصناف التي ذكرها الله تعالى أن الزكاة بينهم تبدأ عليهم كلهم، العاملون منهم ثم الفقراء والمساكين على العتق لأن سد خلة المؤمن أفضل العتق، وغن كان هناك مؤلفة بدئ بهم على من عدى العاملين لأن الإدخال في الإسلام أفضل من سد خلة الفقير. وقد يبدأ بالغرم إذا خشي على الناس. وقد يبدأ بابن السبيل على
следующие страницы →