← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الصلاة على من عليه دين قبل نزول الآية فلما نزلت الآية صار ذلك على السلطان. قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ سبل الله تعالى كثيرة، إلا انه اتفق العلماء على أن المراد بها ها هنا الغزاة المحتاجون وإن كانوا أغنياء في بلادهم. واختلفوا إذا كانوا أغنياء بالموضع الذي هم به. فقيل لا يعطون، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وقيل يعطون، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وإسحاق. وحجة هذا القول الكتاب والسنة: فالكتاب قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ فإذا غزا الغني فأعطي كان ذلك في سبيل الله. وأما السنة فقول النبي ﷺ : ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة)) وقد ذكر فيهم الغازي وسماه غنيًا. واختلف في الحاج هل يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ فيعطى من الزكاة أم لا يدخل فلا يعطى. فذهب ابن عباس وابن عمر ومحمد بن الحسن إلى أنه في سبيل الله وأن الآية تنطوي عليه وأنه يعطى من الزكاة لذلك. واحتجوا بأن رجلًا وقف ناقة له في سبيل الله فأرادت امرأته أن تحج وتركبها فسألت رسول الله ﷺ فقال: ((اركبيها فإن الحج في سبيل الله)). وذهب الجمهور إلى أنه لا يدخل تحت اللفظ ولا يعطى من الزكاة. قال ابن القصار: والحجة لهذا القول إن كل موضع ذكر فيه سبيل الله فالمراد به الغزو والجهاد: قال تعالى: ﴿يقاتلون في سبيل الله﴾ [براءة: ١١١] وقال تعالى: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله﴾ [براءة: ٢٠] وكذلك آية الصدقة. وأما غير الغزو والحج من سبل الله فلا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ ولا يحمل على العموم في ذلك وإنما هو الغزو أو الغزو والحج هذا هو قول الجمهور من العلماء في ذلك بعضهم على البخاري أن مذهبه حمل اللفظ على العموم في الغزو والحج وغير ذلك لإدخاله في كتابه قول النبي ﷺ : ((فإن الحج في سبيل الله)) وقوله: ((إن خالدًا قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله)). وقال ابن

стр. 1122

عبد الحكم يجوز أن يصرف من الزكاة كل شيء يكون من أمر الجهاد أو يكون منه بسبب مثل مصالحة عدو إذا خيف أو بناء حصن أو حفر خندق أو عمل مجانيق أو حملان أو سلاح أو مراكب للعدو وكراء النواتئة ويعطي منها للجواسيس الذين يأتون بأخبار العدو مسلمين كانوا أو نصارى، ورأى أن ذلك كله داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾. وقوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ هو الرجل المسافر المنقطع به يعطى من الزكاة بقدر كفايته إذا كان محتاجًا أبدًا باتفاق أو غنيًا ببلده ومحتاجًا بموضعه باتفاق. واختلف إن كان غنيًا بموضعه. قال البرقي: قول مالك إنه يعطى وإن كان غنيًا، يريد ببلده. وقال أصبغ يريد بموضعه وبه قال الشافعي فوجه قول أصبغ قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ فعم. وإن قلنا أنه لا يعطى إن كان غنيًا بموضعه وهو الذي عليه الجمهور. فإن كان محتاجًا بموضعه ووجد من يسلفه، قال مالك في كتاب سحنون لا يعطى. وقال ابن القاسم في كتاب محمد يعطى. وقال ابن عبد الحكم ليس عليه أن يستسلف لأنه يخاف تلفه ويبقى الذين في ذمته إلا أن يجد من يسلفه على أنه إن سلم ماله وإلا فهو في حل. وقول ابن القاسم أظهر بعموم قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ يتناول المجتاز ومن يريد السفر، وبه قال الشافعي. وقال العراقي لا تقع إلا على المجتاز. وحجة القول الأول عموم الآية لأن ابن السبيل يقع عليه وإن لم يسلك بعد السبيل لأن يصير إليه كما يسمى الغارم غارمًا وإن لم يغرم بعد. وسمي المسافر ابن السبيل لملازمته إياه كما

стр. 1123

يقال للطائر: ابن ماء لملازمته إياه ونحو ذلك. ولنرجع إلى ما يعم الجميع من الأحكام فنقول: ﴿إنما﴾ في هذه الآية حاصلة فتقضي أن الزكاة لا تعدو هؤلاء الثمانية أصناف. إلا أنه اختلف في كيفية القسمة عليهم هل هو على الاجتهاد أو السواء؟ فذهب مالك وأبو حنيفة وغيرهما إلى أن ذلك على اجتهاد الإمام. وقال الشافعي هي مقسومة على ثمانية أصناف لا يصرف منها سهم على غير أهله، وهو قول بظاهر الآية. ومعنى الآية عند من قال بالقول الأول الإعلام بمن تحل له الصدقة ولم يقصد فيها التسوية في القسمة. واختلف هل يجوز أن توضع في صنف دون صنف أم لا؟ فعند مالك وأبي حنيفة ومن تابعهما أنه يجوز أن توضع له ولو في صنف واحد على قدر الاجتهاد. وعند الشافعي أنه لا يجوز إلا أن تقسم على الثمانية الأصناف ولا يجوز أن يخص منها صنف دون صنف واحتج الشافعي بقوله ﵊ لرجل سأله: ((إن الله تعالى لم يرض في الصدقات بقسم نبي ولا غيره حت قسمها بنفسه فجعلها ثمانية أقسام لثمانية أصناف، فإن كنت واحدًا منها أعطيتك)) وعند أبي ثور أنه إذا قسمها الإمام لا يخل بصنف منها وإن أعطى الرجل صدقته صنفًا ددو نصنف أجزأه ذلك. وعند النخعي أنه إن كان المال كثيرًا قسم على الأصناف كلها وإن كان قليلًا أعطى صنفًا واحدًا. وعند بعض المتأخرين أنه قسم المتصدق قسم في ستة أصناف لأنه ليس ثم عامل ولأن المؤلفة قلوبهم قد انقطعوا، وإن قسم الإمام قسم في سبعة أصناف. فهذه خمسة أقوال أصحها قول مالك، إذ المفهوم من الآية إنما هو الإعلام بموضع الصدقة. فإن قيل فإذا انقسمت الصدقة على ثمانية أصناف وسهم المؤلفة قد انقطع فما يصنع به فهل يرد على سائر الأصناف يقسم عليهم؟ اختلف إن اجتمع في شخص واحد معان من الأصناف الثمانية التي ذكرها الله تعالى هل يستحق لكل صنف منها قسمًا أم لا؟ فعندنا أنه لا يستحق ويدفع إليه على ضرب من الاجتهاد ونهى الشافعي

стр. 1124

في أحد قوليه إلى أنه يعطى للمعاني المجتمعة كلها. وحجة القول الأول ظاهر الآية إذ المفهوم منها أنه إنما يعطى لواحد من تلك الصفات التي ذكر، فمن اجتمعت فيه صفتان أو أكثر لم يراع ذلك وأعطى كما يعطى ذو الصفة الواحدة على الاجتهاد. واختلف هل استحقاق الصدقات كلها بالفقر والحاجة فقط أم بذلك مع غيره. فمنهم من قال بالوجه الأول وزعم أن الله تعالى إنما ذكر الأصناف باختلاف معنى الحاجة فيهم فأكد ذلك وبينه، والوجه الذي لأجله وضع الصدقة فيه واحد على ما قال ﷺ : ((وردها في فقرائهم))، فبين الاستحقاق بهذا الوجه الواحد. فأما العاملون فيأخذون من جهة الفقر لا من جهة المال فهم كالوكلاء للفقراء. وكذلك جوابهم في المؤلفة قلوبهم لأنهم كانوا يأخذون لإعزاز الدين فمع الفقراء يأخذون. ومنهم من قال بالقول الثاني وزعم أن الغارم قد يأخذ مع الغني وكذلك ابن السبيل والغازي. قال أبو الحسن: والأقرب إلى الظاهر هذا القول. واختلف في نقل الصدقة من بلد إلى بلد، فقيل لا تنقل من الموضع الذي أخذت فيه بوجه وهو المشهور من قول الشافعي، وقيل يجوز نقلها على كل وجه وإن كان في الموضع الذي تجبى فيه من يستحقها لم تنقل عنهم وإن لم يكن ثم من يستحقها جاز نقلها إلى من يستحقها، وهو قول مالك، وروي عن الشافعي مثله، وحجة هذا القول قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ فعم إلا أنه إذا وجد فقراء في موضع الصدقة لم ينقل عنهم لأنهم أحق بها وإن نقل الصدقة من موضعها- وفيه من يستحقها- فهل يسقط الفرض أم لا؟ المشهور في المذهب أنه يسقط، وذلك عند الشافعي على قولين الصحيح منهما أنه لا يسقط. وحكى بعض أصحاب مالك أنه قول مالك. قال ابن القصار ولم أجده منصوصًا عنه. والأظهر أنه يسقط

стр. 1125

لعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ فعم. واختلف في قدر ما يعطى الفقير من الصدقة، فروى علي بن زياد وابن نافع عن مالك أن ذلك على قدر الاجتهاد، وقد يقل المساكين وتكثر الصدقة. وروى عنه المغيرة أنه يعطى أقل من النصاب ولا يبلغه. والقول الأول أجرى على ظاهر الآية. وهل يصدق الرجل في أنه واحد من الأصناف التي ذكر الله تعالى أم لا؟ فنقول أما من يدعي الفقر ففيه قولان: أحدهما: أنه يصدق ولا يكلف ببينة، والثاني: أنه لا يصدق إلا ببينة أن يقول مفهوم الآية أن الصدقات إنما هي لمن يعلم من هذه الأصناف. وحجة القول الأول أن هذا من حقوق الله، وحقوق الله تعالى أخف من حقوق الآدميين خاصة فلذلك يصدق في حقوق الله تعالى ولا يصدق في حقوق الآدميين خاصة. وأيضًا فإن الناس في حقوق الآدميين محمولون على الغنى حتى يثبت العدم. وذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠] وإن ادعى أنه ابن سبيل ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يصدق إل ببينة، والثاني: أنه يصدق إن كانت عليه هيئة الفقر. وقال مالك في المجموعة: وأين يجد من يعرفه. وحجة القول الأول مفهوم الآية وإن ادعى أنه شيء من الأصناف الباقية لم يصدق إلا ببينة، ولم أر في هؤلاء خلافًا. وهذه الأصناف التي ذكرها الله تعالى أن الزكاة بينهم تبدأ عليهم كلهم، العاملون منهم ثم الفقراء والمساكين على العتق لأن سد خلة المؤمن أفضل العتق، وغن كان هناك مؤلفة بدئ بهم على من عدى العاملين لأن الإدخال في الإسلام أفضل من سد خلة الفقير. وقد يبدأ بالغرم إذا خشي على الناس. وقد يبدأ بابن السبيل على

стр. 1126

الفقير إذا كان يركه في بقائه أو تأخره عن بلده ضرر، والفقير في وطنه أقل ضررًا. وتحصيل هذا عندي أن العامل يبدأ على الأصناف كلها وإن كان مبدأ في ألفاظ الآية كلها لأن الواو لا تعطي رتبة. وسائر الأصناف يقدم بعضهم على بعض بحسب الاجتهاد وما يرى أنه الأصلح. وقوله تعالى: ﴿فريضة من الله﴾ محدودة. (٧٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾: هذه الآية تقتضي أن يجاهد الكفار والمنافقين إلا أنه يحتمل أن يريد أن يجاهد المنافقين كما يجاهد الكفار بالسيف ويحتمل أن يريد أن يجاهد الكفار بالسيف والمنفقين بدون ذلك باللسان ونحوه. وبحسب هذا الاحتمال اختلف المفسرون فقيل المعنى جاهد الكفار والمنافقين بالسيف فأمر النبي ﷺ بقتال المنافقين كما يقاتل الكفار وأذن له في قتلهم، وعلى ذلك مات النبي ﷺ ، وإلى هذا ذهب الزجاج. وقال ابن مسعود يفعل ذلك إن قدر إلا باللسان، وإليه ذهب ابن عباس. وقيل المعنى جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بإقامة الحدود عليهم وإلى هذا ذهب الحسن بن أبي الحسن، قال: وأكثر ما كانت الخدود تصيب يومئذ المنافقين. فلم ير من ذهب إلى هذين القولين قتال المنافقين ولا قتلهم. ومال إلى هذا بعض

стр. 1127

المفسرين وقال: قتلهم لا يكون إلا إذا جلحوا، وإذا جلحوا فهم كفار ثم قال ما ينقض مذهبه. قال: ووجه ترك رسول الله ﷺ المنافقين بالمدينة أنهم لم يكونوا مجلحين بل كان كل مغموس عليه إذا وقف ادعى الإسلام فكان في تركهم إبقاء وحياطة للإسلام ومخافة أن ينفر العرب إذا سمعت أن محمدًا ﷺ يقتل من يظهر الإسلام. فقال أولًا إنه يترك المنافقين ما لم يجلحوا وأن رسول الله ﷺ تركهم بالمدينة لذل، فالعلة في تركهم إذن ترك التجليح. ثم قال إن تركهم حياطة للإسلام، فعلى هذا إذا لم يحتج إلى حياطة الإسلام لقوته لزم أن يقاتلوا ويقتلوا وإن لم يجلحوا، وهذا مناقض لمذهبه، والقول الأول أحسن على مقتضى الآية لأنه تعالى قرن جهاد المنافقين بجهاد الكفار، وظاهره التسوية في ذلك. فما يجاهد به الكفار يجاهد به المنافقون وذلك السيف إلا أن يتقي في قتالهم شيء على الإسلام فيبقي عليهم ومن فرق بين جهاد وجهاد فقد خرج على الظاهر. وقد مضى ذكر أحكام المنافقين في سورة البقرة فقف عليه. وفي قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾ [براءة: ٦٥] دليل على أن الجاد واللاعب في النطق بكلمة الكفر سواء ودليل على أن الاستهزاء بآيات الله تعالى كفر. قال أبو الحسن: وفي قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر﴾ [براءة: ٧٤] دليل على أن توبة الزنديق مقبولة إذا لم يظهر الكفر لأن النبي ﷺ استبقاهم وقنع بإنكارهم لما قالوه. والذي قالوه هو قول الجلاس بن سويد بن الصامت: إن كان ما جاء به محمد فنحن من الحمير، وقول عبد الله بن أبي: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨].

стр. 1128

(٧٥) - (٧٧) - قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ إلى قوله: ﴿فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾: هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري قيل وفي معتب بن قشير وذلك أن ثعلبة أتى رسول الله ﷺ فسأله أن يدعو له أن يجعل له مالًا. قال: فلو كان لي مال لقضيت حقوقه وفعلت به الخير. ولم يزل به حت دعا له. فاتخذ غنمًا. فنمت له حتى ضاقت بها المدينة، فتنحى عن المدينة، وكثرت غنه فكان لا يصلي الجمعة، ثم كثر حتى تنحى بعيدًا، فترك الصلاة ونجم نفاقه ونزل خلال ذلك فرض الزكاة. فبعث رسول الله ﷺ لمتصدقين فلما بلغوا ثعلبة قال: هذه أخت الجزية ثم قال دعوني حتى أرى رأي. فلما أخبر رسول الله ﷺ بذلك قال: ((ويحه)) ثلاثًا. ونزلت الآية. وبلغ ذلك ثعلبة فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فرعب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه وقال: إن الله تعالى أمرني أن لا آخذ زكاتك. فبقي كذلك حتى توفي رسول الله ﷺ ، ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة. فكلهم يرد ذلك اقتداء بالنبي ﷺ ، وبقي كذلك ثعلبة حتى هلك في مدة عثمان. فقوله تعالى: ﴿فأعقبهم نفاقًا﴾ نص في المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه، والتقدير فأعقبهم الله نفاقًا. وقيل التقدير فأعقبهم البخل نفاقًا. وقوله تعالى: ﴿إلى يوم يلقونه﴾: يقتضي موتهم على النفاق. ولذلك لم يقبل رجوع ثعلبة لشهادة القرآن عليه بالنفاق إلى يوم الملاقاة. وقوله تعالى: ﴿نفاقًا﴾: يحتمل أن يريد نفاق معصية ويحتمل لأن يريد نفاق كفر.

стр. 1129

فإذا قيل إن المراد به نفاق كفر، فإنما أقر ثعلبة على ذلك كما أقر سائر المنافقين. وإذا قلنا إنه نفاق معصية فإنما أقر ثعلبة على ذلك ولم تقبل منه الزكاة عقابًا له وهذا خاص بثعلبة. ومن فعل ذلك الوقت مثل فعله أن لا يجوز أن يعاقب اليوم أحد في مثل ذلك بأن لا تؤخذ منه الزكاة فتؤخذ منه كرهًا وإن كان قد جاء عن عمر بن عبد العزيز أن عاملًا كتب إليه أن فلانًا يمنع الزكاة. فكب إليه عمر أن دعه واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين لما يلحقه من المقت في ذلك. وظاهر هذا من عمر أن العقاب عام فيمن فعل فعل ثعلبة، والصحيح ما قدمته. وإنما كان ذلك أيضًا في ثعلبة لقوله تعالى: ﴿إلى يوم يلقونه﴾ فأخبر أن النفاق لا يزول عنه إلى يوم يلقونه ونفاقه إنما كان يمنع الزكاة فلم تقبل منه الزكاة فتبقى عليه تلك القسمة إلى أن يلقى الله . وغير ثعلبة لم يقل فيه ذلك فلا يكون حكمه حكم ذلك الحكم. وذكر بعضهم عن ابن عباس في نزول الآية غير ما تقدم. قال وذلك أن حاطب بن أبي بلتعة لما أبطأ عليه ماله بالشام حلف في مجلس من مجالس الأنصار إذا سلم ذلك لأتصدقن منه ولأصلن منه. فلما سلم بخل بذلك. وقوله تعالى: ﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ يقوم من هذا أن إخلاف الوعد والكذب نفاق. وقد جاء عن النبي ﷺ ما يعضد ذلك. قال: ((ثلاثة من كن فيه كان منافقًا خالصًا: إذا

стр. 1130

حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)) وجاء في بعض الأحاديث زيادة وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال: زوجوا فلانًا فإني قد وعدته، لا ألقى الله بثلث النفاق وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من أهل العلم أن هذه الخصال نفاق ومن اتصف بها فهو منافق إلى يوم القيامة وذهب قوم إلى أنها ليست بنفاق. فقال عطاء بن أبي رباح: قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء. وهذه الأحاديث التي هي في عصر النبي ﷺ للذين شهد الله تعالى عليهم، وهذا الخصال في سائر الأمة معاص باتفاق وذكر الطبري أن الحسن رجع إلى هذا. والقول الأول أظهر لأن الله تعالى قد قال: ﴿نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾ أي أعقبوا بالنفاق منعهم هذه الأشياء، فمن كانت فيه هذه الأشياء فهو منافق. وهذه الآية على ما ذكر ابن لبابة قد احتج بها بعضهم لمذهب مالك في أن الصدقة لا يلزم الحالف بها في يمين، فلا يحكم بها كانت لمعين أو غير معين اختلافًا لمن رأى الحكم بذلك جملة، يريد لأن الذي عهد الله تعالى على الصدقة لم يحكم النبي ﷺ في ماله بشيء حين حنث. فهذا وجه الحجة وهو احتجاج ضعيف لما قدمناه من معنى الآية. وقال أبو الحسن: استدل به قوم على أن من حلف أن فعل كذا فعليه كذا فإنه يلزمه. وظاهره لا يدل عليه لأنه ليس بنذر.

стр. 1131

(٨٠) - قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾: قوله: ﴿استغفر لهم﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الشرط إن تستغفر لهم أو لا تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم، كقول الشاعر: أسيئي بنا أم أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت فلا تكون (أو) على هذا للتخيير ويكون معنى الكلام المنع من الاستغفار وإلى هذا ذهب الطبري ويحتمل أن يكون ذلك على التخيير لرسول الله ﷺ . ويعضد هذا قوله ﷺ لعمر وقد سمعه عمر يستغفر لهم فقال له: يا عمر إن الله خيرني فاخترت ولو علمت إني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت. فإذا كان على جهة الشرط فلا يكون منسوخًا وغذا كان على التخيير ففيه إباحة الاستغفار للمنافقين. وهذا منسوخ لأنه لا يجوز أن يستغفر لهم واختلفوا في الناسخ ما هو؟ فقيل قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ [براءة: ٨٤]. وقوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ يحتمل أن يكون جعل السبعين غاية الكثرة فضرب به المثل. والمعنى إن استغفرت لهم أبدًا فل يغفر الله لهم. فيكون في أول الآية إباحة الاستغفار إن لم يكن جاء على الشرط يوكن في آخرها قد أعلمه أن لا يغفر لهم وإن استغفر. ويحتمل أن يكون جعل السبعين حدًا للمرات التي استغفرها لهم لم تغفر ويبقى ما زاد على السبعين محتملًا أن يغفر به ومحتملًا أن لا يغفر به إلا أن دلالته إنما هي دلالة خطاب. وقد اختلف العلماء في القول به، ولمالك ما يدل على القولين. وقول النبي ﷺ : ((لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر

стр. 1132

لهم لزدت)) دليلًا على أنه لم يقل بدليل الخطاب لأنه لو قال بدليل الخطاب لكان عنده أن الزيادة على السبعين يغفرها. فإذا لم يقل بدليل خطاب الآية كان -أي الزيادة في الاستغفار على السبعين- يغفر له. وهذا أيضًا دليل إذا قيل به منسوخ. وروى جرير عن الضحاك عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما نزل عليه: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ قال: ((لأزيدن على السبعين)). وهذا خلاف ما تقدم عنه وهو النبي ﷺ قول بدليل الخطاب فنسخه الله تعالى بقوله: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر الله لهم لن يغفر الله لهم﴾ [المنافقون: ٦]. وكثير من العلماء لا يرى في هذه الآية نسخًا فيحملون أولها على الشرط ولا يقولون في آخرها بدليل الخطاب. (٨٤) - وقوله تعالى: ﴿لا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾: هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سلول حيث توفي. فروى أنس أن رسول الله ﷺ لما تقدم للصلاة عليه جاء جبريل ﵇ فجذب بثوبه فانصرف رسول الله ﷺ ولم يصل عليه ففي هذا أن رسول الله ﷺ لم يصل عليه. وقيل بل صلى عليه وأن الآية إنما نزلت بعد ذلك. وروي أن ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول جاء رسول الله صلى الله عليه وسلن بعد موت أبيه فرغب في أن يصلي عليه وفي أن يكسوه قميصه الذي يلي بدنه، وقيل إن ابن أبي قبل موته قد كان رغب لرسول الله ﷺ أن يستغفر له

стр. 1133

ويصلي عليه فأجابه. فلما جاء رسول الله ﷺ ليصلي عليه قام إليه عمر وقال يا رسول الله: أتصلي عليه وقد نهى الله تعالى عن الاستغفار لهم وجعل يعدد أفعال عبد الله. فقال له النبي ﷺ : ((أخر عني يا عمر فإني خيرت ولو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت)) وفي حديث آخر: ((أن قميصي لا يغني عنه من الله شيئًا وأني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي)) كذا في بعض الروايات، يريد منافقي العرب، وفي بعض الروايات من قوله. فسكت عمر وصلى رسول الله ﷺ على عبد الله ثم نزلت هذه الآية بعد ذلك وصلى عليه النبي ﷺ إما لموضع إظهار الإيمان وإما لأنه لم يتحقق كفره ولو تحقق كفره لما صلى عليه. وجاء أنه تاب بهذه الفعلة من رسول الله ﷺ والرغبة في إسلام عبد الله ألف رجل من الخزرج. وجاءت أحاديث شتى تدل على أن رسول الله ﷺ لم يصل على عبد الله منها حديث جابر قال: أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعدما دفن فأمر به فأخرج فوضعه بين ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. واختلف في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا؟ فقيل هب ناسخة لقوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [براءة: ١٠٣] وهذا قول فاسد لأن قوله: ﴿وصل عليهم في غير المنافقين، وهم الذين تابوا. وقوله: ﴿ولا تصل﴾ في المنافقين. وقيل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ وقد تقدم الكلام على هذا. وقيل هي ناسخو لفعل النبي ﷺ ، يريدون من الصلاة على عبد الله بن أبي. وقيل ليس بناسخ وإنما فيه إعلام بحكم ما، وعلى هذا يأتي قول من لم ير أن النبي ﷺ صلى على عبد الله ابن أبي. وقد اختلف في الصلاة على الجنائز هل هي سنة أو

стр. 1134

فرض كفاية على قولين. والأظهر أنه كفاية. قال بعضهم والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم﴾ يعني المنافقين. ودليل هذا وصل على غير المنافقين من المؤمنين. (٩١) - وقوله تعالى بعد هذا: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾: يحتج به في إسقاط الضمان على قاتل البهيمة الطائلة. (١٠٣) - قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾: اختلف في هذه الآية هل هي في الصدقة المفروضة أم في صدقة التطوع؟ فذهب جماعة إلى أنها في صدقة التطوع ورووا أن أبا لبابة والجماعة التائبة معه -وهي المقصودة بقوله تعالى: ﴿خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا﴾ [براءة: ١٠٢]- جاءت رسول الله ﷺ لما تيب عليها فقالت يا رسول الله: إنا نريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا. فقال رسول الله ﷺ : ((إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر الله تعالى)). فتركهم حتى نزلت الآية. فروي أن رسول الله ﷺ أخذ ثلث أموالهم مراعة لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. إلى هذا ذهب ابن عباس وغيره. وذهب جماعة إلى أنها في الصدقة المفروضة. وإذا قلنا بهذا فقوله: ﴿من أموالهم﴾ لفظ عام في الأموال المأخوذ منها الصدقة وفيمن تؤخذ منه الصدقة. وقوله تعالى: ﴿صدقة﴾ لفظ مجمل في القدر المأخوذ ما هو. فينبغي أن يبحث عن عموم الآية ما خص منه وما لم يخص. وعن مجملها بما فسر. أما الأموال فلا خلاف أنه يدخل تحت عمومها الحرث والماشية

стр. 1135

والعين. واختلف في سوى هذه من العروض على ثلاثة أقوال: أبو حنيفة يوجب فيها الصدقة على الإطلاق وداود يسقطها على الإطلاق، ومالك يوجبها على المدير على شروط معلومة من مذهبه. وحجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. وحجة داود قوله ﵊: ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)) ففهم منه أن ذلك خارج عن تلك الأموال لا لعلة وحمل عليه سائر العروض وأما مالك رحمه الله تعالى فحمل الآية على عمومها من عروض التجارة والحرث فلذلك فرق بين المدير وغيره. وأما من تؤخذ منه الصدقة فالآية فيهم محمولة على عمومها، إلا أنه اختلف في الصبيان والمجانين. فمالك يوجب الزكاة في أموالهم على الإطلاق. وأبو حنيفة يسقطها عليهم إلا في الحرث. وابن شبرمة يسقطها إلا في الماشية، وقوم يسقطونها جملة. فحجة مالك عموم الآية وقوله ﵊: ((أمرت أن آخذها من أغنيائهم)) وغير ذلك من العموم. وبمثل هذا يحتج ابن شبرمة، إلا أن أبا حنيفة تناقض بإيجابه الزكاة في حرثها، وابن شبرمة بإيجابه الزكاة في ماشيتها. وحجة مالك ومن تابعه أظهر. واختلف أيضًا في العبيد. فعندنا أنه لا تجب زكاة في أموالهم، والشافعي في أحد قوليه وأصحاب الرأي وسفيان يرون الزكاة في أموالهم

стр. 1136

وأن السيد يخرجها. وأبو ثور يرى مثل ذلك إن كان المملوك مسلمًا، وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه يريان في ماشيتهم خاصة الصدقة يخرجها السيد. وحجة مالك ومن تابعه قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ دل على أنه لم يرد العبد إذ لا يصح أن يقال في مال العبد أنه ماله على الإطلاق إذ لا يجوز له ما يجوز لرب المال في ماله من الهبة والصدقة وما أشبه ذلك بإجماع، وإنما هو ماله على صفة. فإطلاقه ذلك اللفظ دل على أن العبيد لم يدخلوا في عموم المأخوذ منهم. ومن رأى الزكاة في أموالهم رأى عموم الآية منسحبًا عليهم، وما سوى هذين القولين ضعيف. وأما الصدقة التي جاءت مجملة في القرآن فقد بين النبي ﷺ ما المراد بذلك الإجمال. أما في العين فجعل النصاب المأخوذ منه ربع العشر في الورق مائتي درهم وفي الذهب عشرين دينارًا على ما ذكرنا فيما تقدم من أنه قد روي ذلك عنه. وفي الحرث خمسة أوسق وفي الماشية خمس ذود من الإبل وفيها شاة وأربعين شاة من الغنم يؤخذ منها واحدة. وفي ثلاثين من البقر يؤخذ منها تبيع. وفي أربعين مسنة، على خلاف في هذا كله وهو محتاج إلى تفسير واستقصاء طويل ليس هذا الكتاب بموضع له. وقوله تعالى: ﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾ يحتمل أن يكون النبي ﷺ هو المخاطب بذلك فيكون الضمير له. ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿تطهرهم﴾ عائدًا على الصدقة ويكون ﴿وتزكيهم﴾ مسندًا إلى النبي ﷺ .

стр. 1137

وهذا يدل على أنه لا يجوز أن تؤخذ زكاة من كافر لأن التطهير والتزكية لا تصح في الكفار. قوله تعالى: ﴿وصل عليهم ... ﴾ معناه ادع لهم فإن في دعائك لهم سكونًا لأنفسهم. وقيل أراد الصلاة المعلومة صلاة الجنائز وقد تقدم قول من زعم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ [براءة: ٨٤] وبينا فساده. والذين قالوا إن معنى الآية الدعاء، قالوا كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: ((اللهم صل على آل فلان)) بسبب هذه الآية. قال ابن أبي أوفى فأتاه أبي بصدقته فقال: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)). واختلف الناس بحسب هذا هل يجب على الإمام إذا أوتي بالصدقة أن يدعو أم لا؟ فذهب أهل الظاهر إلى وجوب ذلك أخذًا بظاهر القرآن والحديث المذكور. ولم يوجبه الجمهور، وقال ابن القصار: قول الجماعة أولى. وقوله تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ معناه إذا ماتوا. وهكذا يقتضي إطلاق الصلاة في الشريعة ولو ثبت أنه أراد الدعاء لكان خصوصًا للنبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ ولا نعلم هذا في غير النبي ﷺ . ويجوز أن يحمل الأمر على الندب. وبهذه الآية احتج مانع الزكاة على أبي

стр. 1138

بكر بقوله تعالى: ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ فقالوا: لم تكن الزكاة إلا مع صلاة النبي ﷺ التي كانت سكنًا، وصلاة غيره ليست كذلك فلا تجب الزكاة علينا. واختلف في الصلاة على غير النبي ﷺ هل يجوز أن يقال صلى الله على فلان؟ فلم يجزه قوم وذكر ابن عباس، وأجازه الجمهور وحجة إجازتهم الآية والحديث المتقدم. واختلف هل يجب دفع الزكاة في الأموال الظاهرة كالحرث والماشية إلى الإمام أم لا؟ ففي مذهب مالك أنه يجب، وإن فرقها المالك دون الإمام ضمن. وذهب الشافعي في قوله الجديد إلى أن رب المال مخير بين أن يفرقها بنفسه أو يدفعها إلى الإمام فيفرقها. ودليل قول مالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. (١٠٨) - قوله تعالى: ﴿لا تقم فيه أبدًا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾: اختلف في الضمير في ﴿فيه رجال﴾ على من يعود، وفي الرجال. فقيل الضمير عائد على مسجد رسول الله ﷺ ، والرجال جماعة من الأنصار. وروي أن رسول الله ﷺ قال لهم: ((يا معشر الأنصار إني رأيت الله تعالى أثنى عليكم بالطهور فماذا تفعلون؟ )) قالوا يا رسول الله إنا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء ففعلنا نحن كذلك فلما جاء الإسلام لم ندعه. فقال رسول الله ﷺ : ((فلا تدعوه أبدًا)) يريدون بالتطهير الاستنجاء. وقيل الضمير عائد على مسجد قباء، والمراد بنو عمرو بن عوف. وروي أن

стр. 1139

رسول الله ﷺ قال لهم تلك المقالة لهم، وكنى الله تعالى في هذه الآية على الاستنجاء بالتطهر. ففي الآية دليل صحيح على إجازة الاستنجاء بالماء، وهي مسألة قد اختلف أهل العلم فيها. فلم ير قوم منهم الاستنجاء بالماء ورأوه بالأحجار منهم حذيفة وسعد بن مالك والزبير وقال: لعن الله غاسل أسته. وقال ابن المسيب: هل يفعل ذلك إلا النساء. وكان الحسن البصري لا يغسل بالماء. وقال عطاء غسل الدبر محدث. ولم يجز ابن حبيب الاستنجاء إلا بالماء فأما بالأحجار مع وجود الماء فلا وهو قول شذ فيه. أجاز الجمهور الاستنجاء بهما جميعًا، أجازه بالماء للآية المتقدمة والحديث، وأجازوه بالأحجار للحديث وهذا القول أحسنهما، والقول الأول مردود بالآية، والثاني مردود بالحديث، إلا أنهم اختلفوا في الأفضل على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الماء. والثاني: أنه الأحجار. والثالث: الجمع بينهما. فالأحجار لإزالة غير النجاسة والماء لإزالة أثرها. والحجة للقول بتفضيل الماء وهو الذي عليه أكثر المذاهب أن الله تعالى قد ذكر استنجاءهم بالماء ثم قال: ﴿والله يحب المطهرين﴾ أي يجب ذلك ما أوجب الله تعالى فهو الأفضل. وقد جاء عن النبي ﷺ ليلة الجن، والجن يستفتونه على الاستنجاء، فقال ثلاثة أحجار، قالوا وكيف بالماء. قال هو أطهر

стр. 1140

(١١٣) - (١١٤) - قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ إلى قوله: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾: اختلف في الاستغفار ما المراد به في قوله تعالى: ﴿أن يستغفروا للمشركين﴾ فقيل الصلاة، وهو قول عطاء. وقيل هو الدعاء بالمغفرة وهو قول الجمهور. والذين ذهبوا إلى هذا اتفقوا أن من ليس من إيمانه من الكفر كمن مات منهم، ومن نصر الله تعالى عليه من إحيائهم بأنه لا يؤمن كأبي لهب داخل تحت هذه الآية فلا يجوز الاستغفار له. واختلف في الحي من الكفار لا يقطع بأنه لا يؤمن هل هو داخل تحت عموم الآية فلا يجوز الاستغفار له أو ليس بداخل تحت العموم فيجوز الاستغفار له على قولين. واختلف في سبب الآية. فقيل نزلت في قصة أبي طالب حين احتضر دخل عليه النبي ﷺ فوعظه وقال: ((يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها يوم القيامة))، وبالحضرة أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية. فقالا له: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب. فقال أبو طالب والله يا محمد، والله لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك. ثم قال: أنا على ملة عبد المطلب. ومات على ذلك إذ لم يسمع النبي ﷺ ما قال العباس فنزلت: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي مكن يشاء﴾ [القصص: ٥٦] فقال النبي ﷺ : ((لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)). فكان يستغفر له

стр. 1141

حتى نزلت هذه الآية فترك الاستغفار له. وروي أن المؤمنين لما رأوا رسول الله ﷺ يستغفر لأبي طالب جعلوا يستغفرون لموتاهن فلذلك دخلوا في التأنيث والنهي. وقيل نزلت الآية بسبب قول رسول الله ﷺ في المنافقين: ((لأزيدن على السبعين))، وعلى هذين القولين في السبب يترتب القولان في الذي نسخته هذه الآية، وذلك أنه قيل إنها ناسخة لفعل النبي صلى الله عليه وسلن في الاستغفار لأبي طالب. وقيل بل هي ناسخة لقوله ﵊: ((لأزيدن على السبعين)) ومن يرى الاستغفار لأحياء المشركين الذين لم يؤس منهم يقول بالأول، ومن لا يرى ذلك يقول بالقول الثاني. وقيل نزلت بسبب أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف عليها حتى استحرت عليه الشمس وجعل يرغب في أن يؤذن له في الاستغفار، فنزلت الآية ولم يؤذن له، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذ. وقيل نزلت الآية بسبب جماعة من المؤمنين قالوا استغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم لأبيه، فنزلت الآية. وعلى هذين القولين في السبب يترتب القول في الآية أنها ليست ناسخة. وقوله تعالى: ﴿من بعد ما تبين له أنهم أصحاب الجحيم﴾. دليل قوي لمن يجيز الاستغفار لأحياء المشركين الذين لم يؤس من إيمانهم، ومن هذا قول أبي هريرة رحم الله رجلًا استغفر لأبي هريرة وأمه، قيل له ولأبيه، قال لأن أبي مات كافرًا.

стр. 1142

قوله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه﴾: المعنى ليس في استغفار إبراهيم لأبيه حجة أيها المؤمنون لأن استغفاره له إنما كان عن موعدة. واختلف هل كان هذا بعد أو لم يكن. وإنما يكون يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير ذلك كله يوم القيامة وذلك أن إبراهيم يلقاه فيعرفه يتذكر قوله: ﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًا﴾ [مريم: ٤٧] فيقول له الزم حقوي ولن أدعك اليوم لشيء فيلزمه حتى يأتي الصراط فيلتفت إليه فإذا هو قد مسخ ضبعانًا أمردًا فيتبرأ منه حينئذ وهذا قول ضعيف. وذهب الجمهور إلى خلاف هذا وأنه قد كان هذا كله فيما مضى. واختلفوا في هذه الموعدة ما هي، فقيل هي موعدة من إبراهيم ﵇ لأبيه بأن يستغفر له وذلك لقوله تعالى: ﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًا﴾ [مريم: ٤٧] وقيل هي موعدة من إبراهيم ﵇ لأبيه بأن سيؤمن فكان إبراهيم قد قوي طمعه في إيمانه فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نهي عنه بما تبين له منه. واختلف في تبيينه بأنه عدو لله بما كان، فقيل ذلك بموت آزر على الكفر، وقيل ذلك بأنه نهي عنه وهو حي. (١١٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾: هذه الآية متضمنة الأمر بالصدق، إلا أنه قد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أ, يقول خيرًا)) وفي حديث آخر أنه لم يرخص في الكذب إلا في ثلاث: كان يقول: ((لا أعدهن كذبًا: الرجل يصلح بين الناس فيقول قولًا يريد به الصلاح، والرجل يكذب إلى

стр. 1143

زوجته، والمرأة تحدث زوجها والرجل يتقول في الحرب)) واختلف الناس في هذا فأجازت طائفة منهم الكذب وحجتم في هذا القول الحديث ويتأول الآية في الموضع الذي يجب فيه الصدق. ولم تجز طائفة الكذب تصريحًا ولا تعريضًا في جد ولا لعب وهو قول إبراهيم النخعي وابن مسعود. واحتج ابن مسعود لذلك بهذه الآية: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ وأجازته طائفة تعريضًا ولم تجزه تصريحًا وهو قول الجمهور وحجة الطبري. فأما ما وفى به الرجل دمه من الكذب فلا خلاف في جوازه، قال أبو الحسن: وفي هذه الآية دلالة على التأمل في الأول وان لا يتبع منها إلا ما دلت الدلالة عليه وبان صدقه. فأما أن يأخذ تقليدًا دون أن يعلم صدقه فلا. وليس فيه دلالة على رد أخبار الآحاد والظنون لأنها لا تقبل عندنا إلا إذا دل الدليل القاطع على وجوب اتباعها والعمل بها، والدليل الذي يوجب العمل بها معلوم صدقه حقيقة، فيكون الاتباع للصادق تحقيقًا. (١٢٠) - قوله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾: اختلف فيما تقتضيه هذه الآية من عموم النفير مع رسول الله ﷺ هل هو محكم أو منسوخ؟ فذهب جماعة إلى أنه كان ذلك خاصًا برسول الله ﷺ وأما اليوم فلا يلزم ذلك، وهو قول قتادة. وقيل بل كان النفير واجبًا على الأمة كلهم لضعف الإسلام ثم نسخ ذلك لقوة الإسلام بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [براءة: ١٢٢] قوله

стр. 1144

تعالى: ﴿ولا يطئون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا﴾. لفظ عام في كل ما يصنع مما يؤذيهم. واختلف في الزنا بنساء أهل الحرب فل يجزه الجمهور لعموم الظواهر الواردة في ذلك من القرآن والسنة واجازه أبو حنيفة ومحمد، وبعض الناس يحتج لذلك بهذه الآية: ﴿ولا ينالون من عدو نيلًا﴾ إلى كتب لهم به عمل صالح، وهو احتجاج ضعيف. وقال أبو الحسن: استدل قوم بهذه الآية على أن وطأ ديارهم إذا جعل بمثابة النيل منهم والأخذ لأموالهم والقتل لهم والأسر فإن الفارس يستحق سهم الفرس بدخول أرض الحرب لانحيازه الغنيمة وذلك أن وطأ ديارهم يدخل الذل عليهم كما تدخله تلك الأشياء ولذلك قال علي رضي الله تعالى عنه: ما وطئ قوم في عقر ديارهم إلا ذلوا. (١٢٢)، (١٢٣) - قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ إلى قوله: ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾: اختلف في سبب الآية، فقيل سببها إن المؤمنين الذين كانوا بالوادي سكانًا ومبعوثين لتعليم الشرع لما سمعوا قوله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب﴾ [براءة: ١٢٠] أهمهم ذلك فنفروا إلى المدينة إلى رسول الله ﷺ فنزلت. وقيل سببها إنه لما نزلت الآية في المتخلفين قالوا: هلك أهل البوادي. فنزلت هذه الآية مقيمة لعذرهم. والآية على هذين القولين مخصصة لعموم الآية التي قبلها، وقيل هذه الآية مختصة بالبعوث والسرايا نزلت فيهم والآية المتقدمة ثابتة الحكم مع خروج رسول الله ﷺ ، وهذه ثابتة الحكم مع تخلفه أي إذا تخلف أن لا ينفر الناس كافة فيبقى

стр. 1145

هو منفردًا. وإنما ينبغي أن تنفر وتبقى هذه الطائفة في الدين وينذروا النافرين إذا رجع النافرون إليهم، وإلى نحو هذا ذهب ابن عباس. وقال الحسن لتتفقه الطائفة النافرة ثم تنذر إذا رجعت إلى قومها المتخلفة، قال وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية وقيل ليست الآية في معنى الغزو وإنما سببها أن قبائل من العرب -لما دعا رسول الله ﷺ على مضر بالسنين- أصابتهم مجاعة شديدة فنفروا إلى المدينة لمعنى المعاش فكادوا أن يفسدوها. وكان أكثرهم غير صحيح الإيمان وإنما أضر بهم الجوع فنزلت الآية في ذلك. والآية على هذين القولين في غير معنى الآية المتقدمة، فالآية غير ناسخة على ما ذكرنا من الأقوال في سببها، وإلى هذا ذهب الأكثر. وذهب قوم إلى أنها ناسخة لكل ما ورد من إلزام الكافة النفير. وقد استدل قوم بهذه الآية على وجوب العمل بخبر الواحد. قالوا والطائفة نفر يسير كالثلاثة. قال بعضهم ويقع على الواحد. قالوا ولا يحصل العلم بخبر هؤلاء وقد أخبر الله تعالى أنهم ينذرون قومهم، وفي ضمن ذلك قبول إيجاب إنزالهم. وخالفهم غيرهم في ذلك من القدرية ومن تابعهم من أهل الظاهر ورأوا تحريم العمل به واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦] وبغير ذلك مما لا تثبت به حجة. وأنكره أيضًا قوم ولم يروا في الشرع دليلًا على تحريمه ولا على وجوبه. وضعف من أنكر العمل بخبر الواحد الاستدلال بالآية التي ذكرنا بأن قالوا هذا إن كان قاطعًا فهو في وجوب الإنذار لا في وجوب العمل على النذر عند اتحاد المنذر إلى غير ذلك من

стр. 1146

التأويلات الضعيفة. والقول بوجوب العمل به وهو الذي عليه جماهير العلماء وأهل السنة، والحجة على إثباته من الكتاب والسنة والإجماع واضحة، وفي جلبها طول فلذلك نعرض عنها إذ قد بسط ذلك كله غيرنا. واستدل بعضهم بهذه الآية على اشتراط العدد في الراوي. فقال لا يقبل الحديث من أقل من ثلاثة لأن الطائفة أقلها ثلاثة، ومنهم من اشترط اثنين ومنهم من اشترط أربعة. وفي هذه الآية أيضًا دليل على أنه يجب على العام قبول الواحد من أهل العلم وتقليده. وانظر كم عدد الطائفة التي تنفر. وقد قال تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢] واختلف في قدرها. وقال ﵊: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ... )) وهل يراد بها عدد التواتر أم لا؟ وقد اختلف في ذلك. وقوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم﴾ يفيد مكا بلغوا عن الرسول وما يفتون به من اجتهادهم خلافًا لمن لم ير للعام التقليد وألزمه النظر. وفي هذه الآية أيضًا دلالة على وجوب طلب العلم وأنه من فروض الكفاية في بعض وفرض عين في بعض. (١٢٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾: اختلف فيها، فقيل نزلت قبل الأمر بقتال الكفار كافة فهي من التدريج الذي كان في أول الإسلام. ويضعف هذا القول بأن الآية من آخر ما نزل. وقيل كان النبي ﷺ لا يجاوز قومًا من الكفار غازيًا لقوم أبعد منهم، فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى إلى المدينة. وقيل الآية مبينة صور القتال كافة وهي مترتبة مع الأمر بقتال الكفار كافة. واختلف في الإشارة: بالذين يلونكم، إلى من هي؟ فقيل نزلت الآية مشيرة إلى قتال الروم بالشام

стр. 1147

لأنهم كانوا يومئذ العدو الذي يلي إذا كانت العرب قد عمها الإسلام، والعراق بعيدة. ثم لما اتسع الإسلام توجه الفرض في قتال الفرس والديلم وغيرهما من الأمم. وقيل المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب فلما فرغ منه نزلت في الروم وغيرهم. قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. وبعد هذه الآيات ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم استدل به ابن عباس على أنه لا يجوز أن يقال انصرفنا من الصلاة وإنما يقال قضينا الصلاة.

стр. 1148

سورة يونس ﵇ اخلتف فيها فقيل: مكية كلها. وقال مقاتل هي مكية إلى آيتين وهي قوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ [يونس: ٩٤] نزلت بالمدينة. وقال الكلبي هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به﴾ [يونس: ٤٠] نزلت في اليهود بالمدينة وقال قوم نزل من أولها نحو أربعين بمكة ونزل سائر السورة بالمدينة، وفيها مواضع من النسخ. (٤١) - قوله تعالى: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم﴾: اختلف فيها هل هي منسوخة أو محكمة؟ فقال جماعة -منهم ابن زيد- هي منسوخة بآيات القتال وقال جماعة هي محكمة، واختلفوا في تأويلها. فقال بعضهم المعنى عندي: فلي ثواب عملي ولكم ثواب

стр. 1149

عملكم. وقال بعضهم هو إعلام من الله تعالى لأنهم لا يؤمنون أبدًا. والمعنى: لي عملي المكتوب في اللوح المحفوظ ولكم عملكم المكتوب فيه. (١٠٨) - (١٠٩) - قوله تعالى: ﴿وما أنا عليكم بوكيل﴾ وقوله: ﴿واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾: اختلف هل هما منسوختان أو محكمتان؟ فذهب جماعة -منهم ابن زيد- إلى أنهما منسوختان بالقتال. وذهب غيره إلى أنهما محكمتان وأن النبي ﷺ ليس بوكيل على مراقبة أسرارهم ونحو ذلك، وإذا لم يزل مأمورًا بالصبر على ما يلحقه من الأذى والشدائد. (١٥) - قوله تعالى: ﴿قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله﴾: يستدل به من منع نسخ الكتاب بالسنة لأنه تعالى قال: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ [يونس: ١٥] وهذا بعيد لأن الآية إنما وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظمًا، ولم يكن الرسول ﷺ قادرًا على ذلك، ولم يسألوه تبدل الحكم دون اللفظ. وأيضًا فإن الذي يقوله الرسول ﷺ إذا كان وحيًا لم يكن من تلقاء نفسه بل كان من تلقاء الله . (٥٩) - وقوله تعالى: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله إليكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا قل آلله أذن لكم﴾: يستدل بها نفاة القياس. وهذا بعيد، فإن القياس دليل الله تعالى فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى حد من وجود دلالة نصها الله تعالى

стр. 1150

على الحكم. فإن خالفوا في كون القياس دليلًا لله تعالى فهو خروج عن الغرض. (٨٧) - وقوله تعالى: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾: قال ابن عباس: كانوا خائفين من الظهور فأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبلة فيصلوا في بيوتهم. وفيه دليل على أن الصلاة في المساجد أفضل إلا لعذر.

стр. 1151

سورة هود ﵇ اختلف فيها، فقيل هي مكية كلها، وقيل هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به﴾ [هود: ١٢] وقوله تعالى: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ [هود: ١٧] نزلت في ابن سلام وأصحابه، وقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤] نزلت في شأن الثمار، فهذه الثلاث مدنية، قاله مقاتل. وفيها مواضع من الأحكام والناسخ والمنسوخ. (١٥) - قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها﴾: اختلف فيها هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب الأكثر إلى أنها محكمة وأنها عامة يراد بها الخصوص، فيكون التقدير نوفي إليهم أعمالهم فيها إن شئنا ونحو ذلك وذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا فيها ما نشاء لمن نريد﴾ [الإسراء: ١٨] والقول بالنسخ ضعيف جدًا. فإن إرادة الله تعالى لا يخلو عنها شيء.

стр. 1152

واختلف فيمن هي الآية، فقيل هي في الكفرة خاصة وليست على عمومها، وهذا قول قتادة والضحاك. وقيل هي في الكفرة وأهل الرياء من المؤمنين، وهو قول مجاهد، وإليه ذهب معاوية حين حدثه سيافه شفي بن نافع الاصبحي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في الرجل المتصدق والمجاهد والمقتول والقائم بالقرآن ليله ونهاره رياء أنهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. فلما حدثه شفي بهذا بكى معاوية وقال: صدق الله ورسوله، وتلا: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا﴾ ومعنى هذه الآية راجع إلى قوله ﵊: ((إنما الأعمال بالنيات)). ويدل أيضًا على أن من توضأ تبردًا أو تنظفًا لا يجزئ أن يصلي به. وفي هذا كله اختلاف. (٤٥) - وقوله تعالى: ﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي﴾: فسمى ابنه من أهله وهذا يدل على أن من أوصى لأهله دخل تحته ابنه ومن يضمه منزله وهو من عياله وقال تعالى: ﴿ونجيناه وأهله

стр. 1153

من الكرب العظيم﴾ [الصافات: ٧٦] فسمى جميع من ضمه منزله أهله. وقوله ﵇: ((إن ابني من أهلي الذين وعدتني أن تنجيهم، فأخبر الله أنه ليس من أهله الذين وعد أن ينجيهم)). وقد قيل لم يكن ابنه حقيقة وظاهر القرآن يدل على خلافه. وفيه دليل أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من النسب. (٦٥) - قوله تعالى: ﴿فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾: قاس بعض الناس على هذا التلوم للمحكوم عليه. فرأى أن يضرب له الأجل ثلاثة أيام في التلوم. وكذلك قاس بعضهم عليه الرجل في غرم الثمن في الشفعة ولم ير بعضهم هذا القياس صحيحًا لأن هذه الثلاثة الأيام التي ضربها الله تعالى في الآية توقيف على الخزي وتنكيل لهم، وما يضرب في التلوم والشفعة إنما هو على طريق التوسع والرفق فافترق الحكمان فلا يصح القياس. (٨٧) - قوله تعالى: ﴿قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾: اختلف في قوله تعالى: أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ فقيل بخس الكيل والميزان الذي تقدم ذكره في السورة وقيل هو تبديل السكك التي يقصد بها أكل أموال الناس. وقيل هو منعهم الزكاة، وقيل هو قطعهم الدنانير والدراهم، وهذه مسألة اختلف فيها فلم يجز قطعها جملة قوم وهو أحد قولي مالك، ولم يجز قوم قطع الصحاح منها خاصة. فأما

стр. 1154

المقطوع فأجازوا قطعها وهو أحد قولي مالك ولم يجز قوم قطعها إلا عند الحاجة إليها كقطع الثياب. حكي بعضهم هذا على أنه للمذهب. وأجاز قوم قطعها جملة، واحتج بعضهم من لم يجز القطع بالآية المذكورة وما جاء عنه ﵊ من النهي عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم والسكة الدراهم المضروبة، وأصلها الحديدة التي تطبع عليها الدراهم فسميت الدراهم بها لأنها ضربت بها. واختلف في الذين لم يجيزوا القطع في وجه ذلك، فقيل لما في الدراهم والدينار من ذكر الله فكره قرضها لذلك، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. قال أبو داود: قلت لأحمد معي درهم صحيح وقد حضر سائل أأكسره؟ قال: لا. وقيل بل المعنى فيه كراهية التدنيق وذمه. وكان الحسن يقول لعن الله الدانق. وأول من أحدث الدانق فلان، ما كانت العرب تفعله ولا أبناء الفرس. وقيل إنما لم يجز لأنه يضع من قيمته وقد نهى عن إضاعة المال. والذين أجازوا القطع تأولوا الآية على غير ذلك أو تأولوها عليه ولم يروها لهم لازمة لأنها إنما جازت في شرع غيرنا، وتأولوا حديث النبي ﷺ فقال بعضهم: إنما نهى عن كسره على أن يعاد تبرًا، فأما أن يرصده لنفقته فلا، وإلى هذا ذهب محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة وقال بعضهم إن

стр. 1155

المغابنة كانت تجري بها في صدر الإسلام عددًا لا ورقًا. وكان بعضهم يكسرها ويأخذ أطرافها قرضًا بالمقراض وكان ذلك سبب النهي، فرجع هذا القول إلى أنه إنما نهى عن ذلك خوف التدليس، فإذا أمن أجاز. ولا خلاف أنه إذا دلس به لم يجز قطعه. وقد روي مثل هذا في قصة الآية. وقال بعضهم قد يكون ذلك أيضًا بأن يكسره فيتخذ منه أواني وزخر ونحوها فلذلك نهى عنه. (١١٣) - (١١٥) - قوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾: قد يمكن أن يستدل بهذه الآية في المنع من الاستعانة بالمشركين في الحرب وفي معونة بعضهم على بعض. وقد تقدم الكلام في هذا. ويمكن أيضًا أن يستدل به في منع استعمال الكفار في مصالح المسلمين مثل أن يكونوا كتابًا أو قسامًا أو نحو ذلك. وقد منعه مالك رحمه الله تعالى. ومثل أن يكون شريكًا أو وكيلًا على بيع أو شراء ونحو ذلك. وقد كرهه مالك أيضًا. ويستدل به أيضًا على النهي عن مجالسة الظلمة ومؤانستهم والإنصات إليهم وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ [الأنعام: ٦٨]. (١١٤) - قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾ . لم يختلف أحد بأنه يراد بالصلاة هنا الصلاة المفروضة. واختلف في صلاة طرفي النهار والزلف من الليل ما هي؟ فقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء، قاله مجاهد وروي عن النبي ﷺ أنه قال في المغرب

стр. 1156

والعشاء هما زلفتا الليل. وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء وليست الظهر المذكورة في الآية على هذا القول، وإلى نحو هذا ذهب الحسن وغيره. وقيل الطرف الأول الصبح والثاني المغرب والزلف العشاء وليس الظهر والعصر في الآية، وإليه ذهب ابن عباس وروي عن الحسن أيضًا. وقيل الطرف الأول الظهر والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء والصبح. ورجح الطبري أن الطرفين الصبح والمغرب، وهو الظاهر من الآية ورجح بعضهم القول الأول وقال حمل الآية على الصلوات الخمس أولى. وقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾: اختلف في الحسنات ما هي؟ فذهب الجمهور إلى أن الحسنات يراد بها الصلوات الخمس، وإلى هذا ذهب عثمان في الآية عند وضوئه على المقاعد وهو الذي تأول ذلك وقيل الحسنات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. والأظهر أن يحمل لفظ الحسنات على عمومه. وأما السيئات فلا خلاف أنه لفظ عام يراد به الخصوص لأن الحسنات لن تذهب كل السيئات وإنما يذهب منها صغائرها كما روي أن

стр. 1157

رسول الله ﷺ قال: ((الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إن اجتنبت الكبائر)). فهذا يبين أن الكبائر لا تذهبها الحسنات. إلا أنه اختلف هل تذهب الحسنات الصغائر أم لا وإن ارتكب معها كبائر أم أنها تذهبها وإن كانت معها كبائر. فأما الحديث فظاهره القول الآخر، إلا أنه ينبغي أن يتأول على مثل ظاهر الآية، والتأويل فيه سائغ أي كفارة لما بينهما من كل ما عدا الكبائر فإنها إن كان بينها كبائر لم تكن بعد كفارة لا بينها على الإطلاق وإنما هي كفارة على الخصوص، فهذا يكون معنى التغيير، وهذا القول أحسن، وهذا كله بشرط المتاب من الصغائر وأن لا يصر عليها. واختلف في سبب هذه الآية: ﴿إن الحسنات﴾ فقيل نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو اليسر بن عمرو ويقال اسمه عباد خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها دون الجماع ثم جاء إلى عمر فشكا إليه فقال: قد ستر الله عليك فاستر على نفسك. فقلق الرجل فجاء أبا بكر فقال له مثل مقالة عمر فقلق الرجل. فأتى رسول الله ﷺ فصلى معه ثم أخبره وقال له اقض فيّ ما شئت. فقال له رسول الله ﷺ : ((لعلها زوجة غاز في سبيل الله)). قال: نعم. فوبخه وقال ما أدري فنزلت هذه الآية، فدعاه رسول الله ﷺ فتلاها عليه، فقال معاذ بن جبل: أله يا

стр. 1158

رسول الله خاصة؟ فقال بل للناس عامة. وقيل بل نزلت قبل ذلك واستعملها رسول الله ﷺ في ذلك الرجل، وروي أن عمر قال ما حكي عن معاذ. (١١٥) - وقوله تعالى: ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾: يحتمل أن يقال هي آية موادعة منسوخة بالقتال. وكذلك قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا عل مكانتهم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون﴾ [هود: ١٢١، ١٢٢].

стр. 1159

سورة يوسف ﵇ هي مكية واختلف في سبب نزولها. فقيل إن اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف فنزلت. وقيل إن اليهود أمروا كفار مكة أن يسألوا رسول الله ﷺ عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر. وقيل سبب نزولها تسلية رسول الله ﷺ عما يفعله به قومه. ولم يتكرر من هذه السورة شيء في القرآن كما تكرر قصص الأنبياء وفيها مواضع من الأحكام والنسخ. (٤) - قوله تعالى: ﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾: قال جماعة من المفسرين: القمر تأويله الأب والشمس تأويلها الأم فاستقرأ بعض الناس من تقديمها وجوب بر الأم وزيادته على بر الأب. (١٨) - قوله تعالى: ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب﴾: روي أن إخوة يوسف لما أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب تأمله فلم ير خرقًا ولا أثر ناب، فاستدل بذلك على كذبهم وقال لهم: متى

стр. 1160

كان الذئب حليمًا يأكل يوسف ولا يخرق قميصه. واحتج الفقهاء بهذا في أعمال الأمارات في مسائل كالقسامة بها في قول مالك، إلى غير ذلك. (١٩) - قوله تعالى: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم﴾: قاس بعض المفسرين على هذه الآية أحكام اللقيط. وقد اختلف فيه. فقال قوم هو عبد لمن التقطه وقال الجمهور هو حر وولاؤه للمسلمين. وقال قوم هو حر وولاؤه للملتقط. والصواب ما قاله الجمهور لأن الأصل في الناس الحرية لأنهم من آدم وحواء. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: المنبوذ حر. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: اللقيط حر، وتلا قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم﴾ [يوسف: ٢٠]. وموضع الحجة من الآية أنه لو كان عبدًا لمن التقطه ما احتاجوا إلى شرائه وهذا بين. وإن صح أن اللقيط لا ينتقل عن أصل الحرية بالتقاطه فكذلك اللقطة لا تكون ملكًا لمن التقطها، ولا يحل له أكلها بعد التعريف خلافًا لداود في قوله أنه إذا أكلها ملتقطها
следующие страницы →