Полный текст (1 576 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
اختلف الفقهاء في أشياء من الميتة. ومن ذلك جلدها وردت فيه أحاديث مختلفة منها حديث ميمونة في الشاة الميتة التي مر بها النبي ﷺ فقال: ((أفلا انتفعتم بجلدها؟ )) فقالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، فقال: ((إنما حرك أكلها)) فأباح الانتفاع جملة ولم يذكر الدباغ. وقال في حديث عبد الله بن عكيم: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلمم قبل موته بشهرين فقال: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) فمنع الانتفاع [بجلد الميتة] ولم يذكر دباغًا.
وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) فقد ذكر في هذا الحديث الدباغ، وقد ورد في بعض روايات حديث ميمونة ذكر الدباغ. فمن الناس من اعتمد على حديث ميمونة الذي سقط منه ذكر الدباغ وخصص به عموم الآية أو بين فيه مجملها، ورآه ناسخًا لسائر الأحاديث فأجاز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ وبعده، وهو قول ابن شهاب. وذكر عن الليث نحوه في إجازة بيعه، وقد ذكر عن ابن شهاب أنه
стр. 107
روى الحديث مؤيدًا بالدباغ، ولعله نسي ما رواه. ومنهم من اعتمد على حديث عبد الله بن عكيم الذي سقط منه ذكر الدباغ أيضًا وخص به عموم الآية وبين مجملها، ورآه ناسخًا لحديث ابن عباس في الدباغ ولحديث ميمونة. ومنهم من اعتمد حديث ابن عباس في الدباغ، وخصص به عموم الآية وبين مجملها، وجمع به بين الأحاديث حتى لا تختلف ولا تتعارض.
وهو مذهب الجمهور إلا أنهم اختلفوا في أي الجلود يكون هذا فمنهم من قال: في كل جلد، واعتمداو على عموم قوله ﷺ : ((أيما إهاب)) الحديث المفسر للآية. ومنهم من قال: في كل جلد إلا جلد الخنزير. ومنهم من قال: إلا جلد الكلب، ومنهم من قال: إلا جلد ما لا يؤكل لحمه. ومنهم من قال: لا يؤثر الدباغ إلا في جلود الأنعام خاصة وما عدا ذلك من ميتات الوحوش وغيرها فلا يؤثر فيها. وهذه الأقوال في المذهب.
وقال من استثنى الخنزير إن العموم مخصص بالعادة ولم يكن من عادتهم اقتناء الخنازير حتى تموت فيدبغوا جلودها وقال بعضهم: لا جلد للخنزير. وقال من استثنى الخنزير والكلب: إن الكلب أيضًا لم يكن من عادتهم استعمال جلده. وفي التخصيص بالعادة خلاف بين الأصوليين. قال بعضهم: بل يخصص هذا العموم بقوله ﵇: ((دباغ الأديم ذكاته)). فأحل الدباغ محل الذكاة فوجب أن لا يؤثر الدباغ إلا فيما تؤثر فيه الذكاة. والذكاة إنما تؤثر عندنا فيما يستباح لحمه لأن قصد
стр. 108
الشرع بها استباحة اللحم، فإذا لم يستبح اللحم لم تصح الذكاة، وإذا لم تصح الذكاة لم يصرح الدباغ المشبه به. وقول هذا القائل: إن الذكاة إنما تؤثر فيما يستباح لحمه أصل مختلف فيه، وقد قيل: إنها تؤثر فيما لا يستباح لحمه، فعلى هذا يجيء الخلاف في استعمال جلودها إذا كانت ذكيت، وقد قال بعض من انتصر لهذا القول ف يجلد الخنزير: إن التحريم تأكيد في الخنزير واختص بنص القرآن، فلهذا لم تفعل الذكاة فيه. فلما تقاصر عنه في التحريم ما سواه لم يلحق به تأثير الدباغ، وقد سلك في هذه الطريقة أيضًا أصحاب الشافعي، ورأوا أن الكلب خص من الشارع أيضًا بتغليظ لم يرد فيما سواه من الحيوان فألحق بالخنزير. وقال من قصر ذلك على الجلد ما يؤكل لحمه: إن حديث ميمونة خرج على سبب وهو شاة فيقصر على سببه، ويلحق بهذا السبب البقرة والبعير، وشبه ذلك للإتفاق على أن ذلك حكم الشاة. وقال من قصر ذلك على جلود الأنعام: الإهاب جلد الغنم والبقر والإبل، وما عداه فإنما يقال له جلد، لا إهاب، حكاه المضر بنشميل. وقال إسحاق بن راهويه: هو كما قال النضر، وقال أحمد بن حنبل: لا أعرف ما قال النضر. وقال بن عبد البر: لا يمتنع أن يكون الإهاب اسمًا جامعًا للجلود كلها، ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأن ابن عباس روى حديث شاة ميمونة، ثم روى عموم الخبر في كل إهاب. وقد قال المازري: من سلم أن الجلد حي دخل في ظاهر الآية، وكان ما ورد من الأحاديث بتخصيصه تخصيصًا لعموم القرآن بالآحاد. وفي ذلك اختلاف بين الأصوليين. وفيما قاله نظر، وإن لم تحله الحياة في جزء من الميتة، والجزء من الميتة ميتة، فلا معنى لاعتبار الحياة، هل تحله أم لا؟ واتفق كل من رأى
стр. 109
أن الدباغ مؤثر في جواز الانتفاع على أنه يؤثر في انتساب الطهارة الكاملة سوى مالك، فعنه مثل ذلك، وعنه إنما يؤثر في استعماله في اليابسات دون المانعات، والقول بطهارته في الجميع أحسن لحديث سودة زوج النبي ﷺ قالت: ((ماتت شاة لنا فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنة)) أخرجه البخاري.
وقد اختلف في بيع جلد الميتة، فأجازه الليث قبل الدبغ وبعده، وعليه يأتي قول ابن شهاب، وقيل: لا يجوز لا قبل الدبغ ولا بعده، وهي رواية عن مالك مشهورة، وقيل: لا يجوز قبل الدبغ، ويجوز بعده، وهي رواية عن مالك أيضًا. قال الباجي: في قول مالك إنه لا يجوز قبل الدبغ وبعده: يحتمل أن يكون ذلك على سبيل الاستحباب، ويكون وجه ذلك التعلق بظاهر قوله ﵇: ((هلا انتفعتم بجلدها)) ولم يشترط دباغًا ولا غيره. ومن ذلك عظام الميتة جاز بيعها. واختلف أيضًا في القرن والظلف، فكرهه مالك، وقال: أراه ميتة، وقال ابن المواز: ما قطع منها مما يناله لحم ولا دم وما كان حيًا لا يؤلم فهو حلال أخذه منها حية أو ميتة، وعلى هذا يجري الجواب فيما قطع من الظفر إذا قطع من الأنامل.
стр. 110
ومذهب أبي حنيفة أنه طاهر على نحو قول ابن المواز. قال بعضهم في توجيه قول مالك أنه مثل الذي أخذ منه ميتة، وأنه تحله الحياة، فإذا فارقته صار ميتة، واحتج لكونه تحله الحياة بقوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٨]، فدل على أن في العظام روحًا؛ لأن إعادة الحياة لا تكون إلا فيما كان حيًا ثم مات. وحجة أبي حنيفة أنه ليس بميتة أنه لا تحله الحياة فتفارقه، فيكون ميتًا، وتأول قوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم)) على أنه أراد أصحاب العظام فجعل هذا من لحن الخطاب، ولا معنى لاعتبار الحياة في العظم لأنه باتفاق جزء من الميتة، وإنما يرجع النظر إلى الانتفاع بالميتة هل يجوز أم لا؟ وما مقصود الآية من ذلك. ومن ذلك شعر الميتة وصوفها كان مما يؤكل لحمها أم لا كشعر بني آدم وشعر الكلب والخنزير. اختلفوا فيه فذهب مالك وأكثر أصحابه والشافعي في أحد أقواله وغيره إلى أنها نجسة. وقال أصبغ: هي طاهرة إلا شعر الحنزير. وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد أقواله: شعور بني آدم طاهرة، وما عداه نجسة، ومأحذ الخلاف في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ هل هو راجع إلى الأكل أو إلى سائر المنافع على الإطلاق؟ أو إلى بعضها على حسب ما يعضد ذلك من الظواهر الواردة في الشرع؟ وقد استدل بعضهم لطهارتها بقوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين﴾ [النحل: ٨٠] فعم ولم يفرق بين شعر الميتة وغيره. قال أبو الحسن: واقتضى أيضًا ظاهر الأية تحريم الانتفاع بدهن الميتة. وروى فيه محمد بن إسحاق عن عطاء، عن جابر قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة أتاه أصحاب الصليب الذين يجمعون الأوداك. قالوا: يا رسول الله إنا نجمع الأوداك وهي الميتة وغيرها وإنما
стр. 111
هي للأدم والسفن. فقال رسول الله ﷺ : ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها)) فبين رسول الله ﷺ أن الله تعالى إذا حرم شيئًا على الإطلاق، أدخل تحته تحريم البيع. وذكر عن عطاء أنه يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، وهذا قول شاذ. وتلقى الشافعي من قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ تحريم لبنها. وأبو حنيفة حكم بطهارة أنفحتها وألبانها، ولم يجعل لموضع الخلقة أثرًا في تنجيس ما جاوره بما حدث فيه خلقه قال: ولذلك يؤكل اللحم بما فيه من العروق مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير، لا غسل لها. ويلزمه على مساق هذا الكلام الحكم بطهارة ودك الميتة، فإن الموت لا يحله أصلًا، ونجاسة الخلقة لا تؤثر في تنجيس ما جاورها. وله أن يقول الودك في حكم الجزء الباقي معه، واللبن خلق خلقًا ينفصل عن الأصل فيحتلب ويستخرج منه، وقد أجازوا الانتفاع بلحم الميتة. قال الشيخ أبو بكر: ينتفع به بأن يطعمه الرجل إلى كلابه. قال ابن المواز: إذا شاء ذلك فإنه يذهب بكلابه إليها، ولا يأتي بالميتة إلى الكلاب. قال أبو الحسن: ودل تحريم الميتة على تحريم الأجنة كما قال أبو حنيفة وخالفه فيها صاحباه مع الشافعي، ومالك يقول: إن تم خلقه ونبت شعره أكل وإلا فلا. وهذا قول سعيد بن المسيب لأنه عند تمام خلقه، تحصل فيه الحياة والذكاة، قبل ذلك لا حياة و [لا ذكاة]، فيبقى على عموم تحريم لحم الميتة، وذلك ضعيف لأنه إذا لم يكن حيًا لم يكن ميتة، والميتة ما زايلتها الحياة. وهذا التضعيف غير صحيح فإنه يصح أن يقال فيه ميتة، وإن لم تحله الحياة لأنه مظنة
стр. 112
الحياة، فإذا حرج قبل أن تحله الحياة ساغ أن يقال فيه ميتة. وقد وردت أخبار في الجنين ((أن ذكاته ذكاة أمه)) على قول الشافعي، ويبعد أن يتأول على أن معناها مثل ذكاة أمه لأنه إذا خرج حيًا وفيه حياة مستقرة فلا يخفى حكم الحياة فلا فائدة في ذكره، وإن أخرج ميتًا فلا تصح فيه الذكاة. وقد روي عن أبي سعيد، وعن النبي ﷺ : أنه سئل عن الجنين يخرج ميتًا؟ فقال: ((كلوه فإن ذكاته ذكاة أمه)) إلا أن هذا الحديث مطلق، وقد ورد مقيدًا بالإشعار في حديث آخر يعني نبات الشعر فيحمل المطلق على المقيد على الصحيح في مذهب أهل الأصول. وروى البراء بن عازب، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قضى في أجنة الأنعام أن ذكاتها ذكاة أمها إذا أشعرت.
وروى الزهري عن ابن كعب بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إذا أشعر الجنين فإن ذكاته ذكاة أمه. والشافعي يقول: نحن نقول بهما جميعًا إلا أنه ذكر الإشعار تنبيهًا على ما هو أولى، وهو الذي لم يشعر لكونه جزءًا من الأم، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((ذكاة الجنين في بطن أمه أشعر أو لم يشعر)) إلا أنه حديث ضعيف.
стр. 113
(١٧٣) - قوله تعالى: ﴿والدم﴾ [البقرة: ١٧٣] .
حرم الله تعالى في هذه الآية الدم جملة من غير تقييد، وقيد ذلك في سورة الأنعام فقال تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فيووجب رد المطلق على المقيد على أصح الأقوال، وقد قال ابن شعبان: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ ناسخ لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾، وهذا قول من يرى بين المطلق والمقيد تعارضًا، ويجعله كالعام والخاص، ويراه نسخًا. وهو قول ضعيف. ومع هذا فإنه غلط لأن سورة الأنعام مكية، وسورة المائدة التي جاء فيها أيضًا ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ الآية [المائدة: ٥] مدنيتان. ولا خلاف أنه لا تنسخ آية مدنية بآية مكية. ويحتمل لأن الله تعالى قيد الدم بالسفح لما في تتبع ما في العروق خلال اللحم من المشقة، ويحتمل أن الله تعالى قيده بذلك ليخرج منه الكبد والطحال، ولذلك قال ﷺ : ((أحلت لنا ميتتان ودمان الكبد والطحال)) وقد اختلف قول مالك في الدم اليسير، والذي هو غير مسفوح، فقال مرة: الدم كله نجس، وسوى بين الدماء كلها، وقال مرة: لا تعاد الصلاة من الدم اليسير، وقد قال تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وإذا قلنا يعفى عن اليسير فهل يسير دم الحيض مثل اليسير من غيره أم لا، ففيه روايتان. واختلف في حد اليسير الذي يعفى عنه اختلافًا كثيرًا من قدر الظفر إلى نصف الثوب. واختلف أيضًا إذا غسل الدم وبقي أثره، فرخصت فيه عائشة، وشدد فيه الكراهية ابن عمر حتى أنه كان إذا وجد دمًا فغسله فلم يخرج دعا بجملين فقطع مكانه. وقال محمد بن مسلمة: المحرم المسفوح قال: وقد جاء عن عائشة ﵂ قالت: لولا
стр. 114
أن الله تعالى قال: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ لاتبع الناس ما في العروق كما اتبعت اليهود الشحم. وقد تطبخ المرقة وفيها الصفرة ويكون على اللحم والدم، فلا تقع في الطعام فلا يؤكل. ودم الشاة قبل أن تذكى حرام قليله وكثيره، كلحمها قبل الذكاة، وكذلك دم كل حيوان لا يؤكل لحمه قليله وكثيره سواء كلحمه. ولا خلاف أن الشاة إذا ذكيت فخرج دمها أنه مسفوح محرم، فإن خرج من الشاة قبل أن تقطع، وقبل أن يظهر منها الدم كالتي تشوى جاز أكلها. واختلف إذا قطعت فظهر لدم. فقال مالك مرة: حرام، وجعل الإباحة فيه مل لم يظهر لأن تتبعه في العروق حرج، وقال مرة: حلال لقوله تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ وكذلك اختلف في دم ما لا يحتاج إلى ذكاة وهو الحوت. فقال الشيخ أبو الحسن القصار: ليس بنجس، وحمل قول مالك بغسله على الاستحسان، وهو قول أبي الحسن القابسي أيضًا. فعلى هذا يكون حلالًا، والمشهور من قول مالك أنه نجس. وهو أظهر لعموم قوله تعالى: ﴿والدم﴾ لأن الدم حرام لا لعلة. فإن كان ذلك الدم سائلًا جاريًا كالذي يكون في بعض الحوت، كان كالمسفوح من حيوان البر، وإن كان غير سائل ولا جاري، جرى على الخلاف في مثله من البري، ويختلف فيما كان من الدم مما ليس له نفس سائلة، فعلى القول بأنه يحتاج إلى ذكاة يحرم ما كان من دمه قبل الذكاة، ويختلف فيما ظهر بعد الذكاة، وعلى القول بأنه لا يحتاج إلى ذكاة يحرم منه ما كان في حال الحياة، فقال أبو إسحاق: هي ميتة، وقد يصلي بها، وقال الباجي: هو دم قد استحال فطهر كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى منه من النجاسات إلى اللحم فيكون طاهرًا، أو كما
стр. 115
يستحيل الخمر إلى الخل، وإنما فارة المسك شيء للحيوان كما يحدث البيض في الطير، وقد أجمع المسلمون على طهارته كذا قال. وقال غيره: أكثر العلماء على طهارة المسك وجواز بيعه، حكي عن بعض التابعين أنه نجس، فلا يجوز بيعه لأنه ميتة ولأنه دم. والدليل على طهارته استعمال النبي ﷺ له، وقوله: ((أطيب الطيب المسك))، ويحتمل أن يقال على قول أبي إسحاق المذكور قيل إن ميتة ودم. إلا أن الشرع أباحه فيخصص بذلك من عموم الآية.
(١٧٣) - قوله تعالى: ﴿ولحم خنزير﴾ [البقرة: ١٧٣] .
خص اللحم بالذكر، ولم يقل حرم الخنزير كما قال: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ لأنه معظم ما يقصد، وفيه مراغمة الكفار الذين يتدينون بأكل لحمه، وهو مثل تحريمم قتل الصيد مع تحريم جميع الأفعال في الصيد، وكالنص على تحريم البيع إذا نودي للصلاة؛ لأنه أعظم ما يبتغون به منافعهم، وقال بعضهم: خص لحم الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك، وليعم الشحم، وما هناك من الغضاريف غيرها. وحكم الجلد حكم اللحم في الأكل. وقد اختلف في الانتفاع به بعد الدبغ في المذهب، فالمشهور أنه ينتفع به. وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: لا ينتفع به ولو بعد الدباغ بخلاف
стр. 116
جلد الميتة. يريد بذلك أن النص وقع في جلد الميتة ولم يرد في جلد الخنزير. وكذلك اختلف في الانتفاع بشعره. فقال ابن القاسم: لا بأس ببيعه، وهو كصوف الميتة. وقال أصبغ: لا خير فيه، وليس كصوف الميتة، وهو كالميتة الخالصة، وكل شيء منه محرم حيًا وميتًا. وقال اللخمي: والأول أحسن لقوله تعالى: ﴿ولحم خنزير﴾ فلم يدخل الشعر في التحريم.
ويختلف الانتفاع بشحوم الميتة للاستصباح وما أشبهه. فقال ابن سحنون: لا يحل بيع الشحم ولا ملكه. قال سحنون: والناس مجمعون على تحريم بيعه. واللبن محرم لأن القصد اجتناب أكله جملة. واختلف في أكل خنزير الماء فأجازه ربيعة وكرهه يحيى بن سعد. وروى ابن الجلاب أنه مكروه.
وقاله ابن حبيب. وقال ابن القاسم: لم يكن مالك يجيبنا فيه بشيء ويقول: أنتم تقولون خنزير -يريد والله أعلم- التعلق بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ ولا سيما على من راعى في العموم موضوع اللفظ دون عرف استعماله. ومن راعى عرف استعماله دون موضوعه توقف عن الجواب، أو حكم بما لم يدخل تحت عرف الاستعمال بالكراهة، فقال ابن القاسم: إني لأتقيه ولو أكله رجل لم أره حرامًا. ووجه القول بجوازه قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ الآية [المائدة: ٩٦] وقوله ﵊: ((الحل ميتته)) وكذلك اختلف في إنسان الماء وكلب الماء الجواز والكراهة.
(١٧٣) - قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣] .
أُهل معناه صيح، ومنه الاستهلال، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك باستعمالهم حتى عبروا بالإهلال عن النية، ألا ترى أن علي بن أبي طالب ﵁ راعى النية في الإبل
стр. 117
التي نحرها غالب أبو الفرزدق، فقال: إنها مما أهل لغير الله به فتركها.
وذكر في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للعبها عرسًا فذبحت جزورًا، فقال الحسن: لا يحل أكلها، فإنها إنما ذبحت لصنم. وقال ابن عباس وغيره: المراد بقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ ما ذبح للأنصاب والأوثان. وقد اختلف فيما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم ولكنائسهم فكرهه مالك، وابن القاسم وحرمه سحنون واجازه ابن وهب وعيسى بن دينار. ووجه الكراهة قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ فكره ذلك خيفة أن يكون مرادًا بالآية ولم يحرمه لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] ولاحتمال أن يكون المراد بالآية الأخرى غير الكتابي، وأما سحنون فرأى الآية متناولة له فلذلك حرمه، وأجازه من أجازه لأنه من طعامهم الذي يأكلونه. وقد قال اللخمي: الصحيح أنه حلال والمراد بما ((أهل به لغير الله)) ما ذبح على النصب، وهي الأصنام، وهي ذبائح المشركين. قال أصبغ: وأهل الكتاب ليسوا أصحاب أصنام. وكذلك الخلاف فيما سمي عليه المسيح أو ميكائيل وما ذبح للصليب بمنزلة ما ذبح للكنيسة. وسيأتي بقية أحكام ذبائحهم في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣].
اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿فمن اضطر﴾، فقيل غلب أو أكره.
стр. 118
وقيل: معناه ضمه إليه عدم أو غرث [أي جوع]. وكذلك احتلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ [البقرة: ١٧٣].
قال قتادة وغيره: غير قاصد فسادًا ولا متعديًا بأن يجد عن هذه المرحمات مندوحة ويأكلها. وقال مجاهد وغيره: المعنى غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم. وقال السدي: غير باغ: أي متزيد على إمساك رمقه وإبقاء قوته، ولا عاد أي متزود. وقيل: ((عاد)) مقلوب عائد.
وبحسب هذه الاحتمالات التي تجاذبها المفسرون اختلف العلماء في العاصي بسفره هل يحل له أكل الميتة أم لا؟ إذا اضطر؟ فالمشهور عند مالك أنه يحل له ذلك، وفرق بينه وبين القصر والفطر. وروى زياد بن عبد الرحمن الأندلسي، عن مالك: أن العاصي بسفره يقصر الصلاة ويفطر في رمضان ويأكل الميتة إذا اضطر. فسوى بين ذلك كله وبه قال أبو حنيفة. وقال ابن حبيب ومالك: إنه لا يحل أكل الميتة من ضرورة، وعن الشافعي القولان. ويشهد للقول بحلية ذلك له قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩] وعموم قوله تعالى: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام: ١١٩] قال أبو الحسن: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا. كذا قال. وفي ((البسيط)) عن الشافعي هل يجب الأكل؟ ولا يجب ويجوز الاستسلام قولان. وقد قال مسروق: من اضطر إلى الميتة ولم يأكلها، فمات دخل النار. قال ابن عبد البر: فهو
стр. 119
فرض عليه، عليه جماعة من علماء السلف والخلف. وأما ظاهر الآية فإن فيها رفع الحرج في الأكل، وهو يدل على الإباحة لا على الوجوب، لكن الوجوب على القول به يتلقى من وجه آخر. قال أبو الحسن: ليس أكل الميتة من رخص السفر أو متعلقًا به، بل هو من نتائج الضرورة سفرًا أو حضرًا، وهو كالإفطار للحاضر المقيم إذا كان مريضًا، كالتيمم للحاضر والمسافر عند عدم الماء وهو الصحيح عندنا. وقال ابن حبيب: إذا وقع الاضطرار في الحواضر فيسأل ولا يأكل الميتة، وهذا من باب تخصيص العموم بالعادة. واختلف في قدر ما يأكل المضطر منها؛ ففي ((الموطأ)) أنه يأكل حتى يشبع، وقال ابن حبيب وعبد العزيز بن الماجشون: يأكل ما يقيم رمقه. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وحكاها القاضي أبو محمد رواية، وقد قيل: من تغدى لم يتعش، ومن تعشى لم يتغد. وروى ابن حبيب نحوه عن الماجشون. وتوجيه هذين القولين مما تقدم بين. واختلف في هذا الشرط من الاضطرار في إباحة هذه المحرمات، هل يعود على جميعها أو على ماعدا الخنزير، فقيل: هو عائد على الكل. وقيل: هو عائد على ما عدا الخنزير.
قالوا: لأن الخنزير لا تصح فيه ذكاة فلا تصح فيه رخصة اضطرار، والقول الأول أبين لاتصال الشرط بالجملة وربطه بها بالفاء. ولو قيل: إنه راجع إلى أقرب مذكور لكان أوجه، ولكنه لم يقل وإن وجد المضطر خنزيرًا أو ميتة احتمل أن يقال يتخير لقوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣] ولم يفرق، واحتمل أن يقال يأخذ من الميتة ويترك الخنزير. لأنه لا تصح فيه
стр. 120
ذكاة، واختلف في ميتة بني آدم هل هي داخلة تحت العموم من قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ حتى يكون قول ﴿فمن اضطر﴾ إلى آخره راجعًا لجميع ذلك أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يجوز للمضطر أكل لحم بني آدم وإن خاف الموت، فهو على هذا داخل في عموم لفظ الميتة، بدليل قوله ﵇: ((كسر عظم بني آدم ميتًا ككسره حي)) ولأن ذلك يؤدي إلى أكل لحوم الأنبياء وهتك حرمتهم. وذهب الشافعي إلى أنه يجوز أكله للمضطر، ورأى العموم منسحبًا عليه. وقد اختلف فيمن أكل الميتة والخنزير من غير ضرورة، فقيل: يعزر لأنه لم يرد فيه حد فلا يحد ويعزر لأنه أتى محرمًا. وقال الأوزاعي: يضرب ثمانين أقل الحدود. وهذا ضعيف لأن القياس لا دخل له في الحدود عند المحققين. وقد اختلف في جواز شرب الخمر، والبول للمضطر إليه؛ فجعله بعضهم مثل الميتة في ذلك، وقال بعضهم: لا يجوز شربهما للمضطر، وليس مثل الميتة لأن الله ذكر الرخصة للمضطر مع تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وذكر تحريم الخمر، ولم يذكر مع ذلك رخصة للمضطر، فالواجب ألا يتعدى الظاهر إلى غيره، والذي يروى عن مالك في هذا أنه لا يشرب الخمر لأنها لا تزيده إلا عطشًا. وهو قول الشافعي. فظاهر قول مالك أنها لو أزالت العطش لجاز شربها حملًا على الميتة. وكذلك اختلف في التداوي بها. ولا خلاف أنه لو عض بلقمة أن له أن يدفعها بها. وقد اختلف إذا وجد
стр. 121
الميتة وطعام الغير فقيل: الميتة أولى، وقيل: الطعام أولى، وقيل: يخير.
وكذلك الخلاف إذا وجد الميتة، ولحم الصيد وقد صاده محرم فظاهر الآية أن الميتة هي المباحة له في هذه الأحوال، وهو قول مالك. وقال الشافعي: لحم الصيد أولى وإن لم يجد ميتة ووجد طعامًا لرجل وهو مضطر، فقالوا: إنه يأكل مه قياسًا على إباحة الميتة والدم ولحم الخنزير، واختلف هل يضمن أم لا؟ على قولين في المذهب، وحد هذا الاضطرار الذي يبيح أكل الميتة هو أن يخاف الهلاك على نفسه. قال الشافعي: أو مرضًا مخوفًا في نفسه، فإن كان مخوفًا لطوله وعسر علاجه ففيه لأصحابه وجهان، والآية محتملة.
(١٧٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليمن القصاص في القتلى الحر بالحر﴾ الآية [البقرة: ١٧٨] .
معنى قوله تعالى ﴿كتب﴾ فرض، وقيل: إخبار عما كتب في اللوح المحفوط، وسبق به القضاء. ومعنى فرض القصاص وجوب تنفيذه على الحاكم إذا طلبه ولي المقتول، ووجوب انقياد القاتل إلى ذلك، ووجوب انقياد الولي إليه. وألا يتعدى قاتله إلى غيره كما كانت العرب تتعدى وتقتل بقتيلها غيره من القبيلة. وليس معنى الفرض فيه أنه لازم لا يجوز سواه لأن العفو جائز باتفاق بدليل قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ [البقرة: ١٧٨] فهي الآية معرفة أن القصاص هو الغاية عند المشاحة، وأصل هذه اللفظة في اللغة من قص الأثر، ومنه قوله تعالى: ﴿قصيه﴾ [القصص: ١١]، وقول الشاعر:
كأن لها في الأرض نسيًا تقصه ... على أمها وإن تحدثك تبلت
стр. 122
فلما كان القاتل يتبع أثره ويسلك فيه سمي قصاصًا، وهو مصدر قاصصته قصاصًا مفاعلة من اثنين. وقد اختلف في سبب هذه الآية، فقال الشعبي: إن العرب كان أهل العزة منهم إذا قتل عبد منهم قتلوا به حرًا، وإذا قتلت منهم امرأة قتلوا بها رجلًا، فنزلت الآية في ذلك ليعلم الله تعالى بالتسوية ويذهب أمر الجاهلية. وقيل: إن قومًا تقاتلوا قتال العمية، ثم قال بعضهم: نقتل بعبيدنا أحرارًا فنزلت الآية، وقيل: إن قبيلتين من الأنصار، وقيل من غيرهم، تقاتلوا فقتل من هؤلاء رجالًا ونساء وعبيدًا، فأمر رسول الله ﷺ أن يصلح بينهم، ويقاصصهم بعضهم من بعض على استواء الأحررا بالأحرار، والنساء بالنساء، والعبيد بالعبيد.
واختلف في مقتضاها، فمنهم من قال: إنها منسوخة، وروي ذلك عن ابن عباس أن الآية نزلت ((ألا يقتل الرجل بالمرأة ولا المرأة بالرجل)) ولا يدخل صنف على صنف، وأن ذلك الحكم منسوخ. واختلف الذاهبون إلى هذا في الناسخ. فقال ابن عباس وغيره: الناسخ له قوله تعالى في المائدة: ﴿أن النفس بالنفس﴾ وهذا لا يصح إلا على القول بأن شريعة من قبلنا شريعة لازمة لنا. وقال بعضهم: الناسخ له قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾ الآية [الإسراء: ٣٣]، ومنهم من قال إن الآية محكمة لا تقتضي ذلك، وأنها مجملة فسرتها آية المائدة، وإن قوله هنا: ﴿الحر بالحر﴾ [البقرة: ١٧٨] يعم الرجال والنساء. وروي عن ابن عباس فيما ذكره أبو عبيد. وعن مجاهد وغيره وإلى نحو ذلك ذهب مالك ﵀، فقال:
стр. 123
أحسن ما سمعنا في هذه الآية أن يراد بها الجنس من الأحرار الذكور والإناث، والجنس من العبيد الذكور والإناث، ثم أعيد ذكر الأنثى بالأنثى تأكيدًا وتهممًا لإذهاب أمر الجاهلية، وينبني على مذهب من يرى أن الخاص إذا عارضه عام موافق له في الحكم لم يكن تخصيصًا، وجعل ذكره على سبيل تأكيد ذلك الخاص، وهو قول يحسن ها هنا إذا الإجماع منعقد على أن المرأة تقتل بالرجل والرجل بالمرأة، ومنهم من قال: إن الآية محكمة نزلت مبينة حكم المذكورين لتدل على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبدًا، أو عبد حرًا، أو ذكر أنثى، أو أنثى ذكرًا، فإنه إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها القصاص قتلوا صاحبهم، ووفوا أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا استحياءه استحيوه، وأخذوا منه دية المرأة، وإن قتلت المرأة رجلًا فإن أراد أولياؤه القتل قتلوا المرأة وأخذوا نصف الدية، وإن أرادوا استحياءها استحيوها وأخذوا دية صاحبهم. وإذا قتل الحر العبد فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد، وإن شاء اسحيى وأخذ قيمة العبد، روي هذا عن علي بن أبي طالب ﵁، وعن الحسن بن أبي الحسن البصري، وقد أنكر ذلك عنهما أيضًا. وذكر ابن عبد الوهاب عن عطاء نحو هذا أيضًا من قتل الرجل بالمرأة، وذكر غيره عن عثمان البتي نحوه، وذكر أبو الحسن نحوه عنه أنه إذا قتلت المرأة رجلًا قتلت وأخذ من مالها نصف الدية، وإن قتلها الرجل فعليه القود ول يرد عليه شيء. وهذه أقوال ضعيفة تردها العمومات ولا تخصص، وليس في شيء منها ضم الدية إلى القصاص، وقد قال ﵇: ((من قتل له قتيل فهو بخير
стр. 124
النظرين أن يقتص أو يأخذ الدية)) ولم يذكر التخيير في ضم الدية إلى القصاص، وقال أبو الحسن: وقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨] ظن الظانون أن أول الكلام تام في نفسه، وأن الخصوص بعده في قوله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ لا يمنع التعلق بعموم أوله. وهذا غلط فإن الثاني ليس مستقلًا دون تقدير البناء على الأول [إذ قول القائل الحر بالحر والعبد بالعبد لا يفيد حكم القصاص إلا على وجه البناء على الأول] وتقديره: كتب عليكم القصاص وهو الحر بالحر قصاصًا، والعبد بالعبد قصاصًا، فوجب بناء الكلام عليه، والذي قاله ممكن إلا أن الأظهر ما قلناه، ومقتضى القصاص يعطي تساوي الحالات من حرية وإسلام، وإسلام وذكورة، ونحو ذلك، إلا أنه ورد في الشرع عمومات لم تخصص حالًا من حال كقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله: ﴿ومن قتل مظلومًا﴾ الآية [الإسراء: ٣٣]، وقوله ﵇: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين)) الحديث، ونحو ذلك، ولذلك وجب قتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، وألا يعتبر تساوي الحال في الذكورة والأنوثة. وأجمع المسلمون عليه أخذًا بالعموم، وإنما وقع الخلاف في الدية مع القتل، وهو قول مرغوب عنه، ولا دليل في هذه الآية على الصحيح من القول فيها على أنه لا تقتل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى، لما ورد أنها مذهبة لما كان عليه العرب في الجاهلية من التعدي في القصاص حتى كانوا إذا قتل منهم حر من القبيلة العزيزة حرًا من القبيلة المعزوزة، لم يسلموه للقصاص، وبذلوا موضعه عبدًا أو امرأة، وإن قتل عبد من المعزوزة
стр. 125
عبدًا من القبيلة العزيزة حرة بحرة لم يرضوا بالقصاص منها وطلبوا موضع العبد حرًا، وموضع المرأة رجلًا فأمر الله عباده المؤمنين ألا يمتثلوا ذلك وأن يقتلوا الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى باانثى، لأن الأنثى لا يقتل بها الرجل إن قتلها، ولا أن العبد لا يقتل الحر إن قتله. ولا جائز أن يكون معنى الآية غير هذا. وتأويل مالك في الآية أيضًا جيد قوي، فعلى هذا يقتل الحر بالحر والحرة بالحرة والعبد بالأمة، والأمة بالعبد، وكذلك الزوجة بالزوج، إلا أن الليث بن سعد قال: إذا جنى الرجل على امرأته عقلها، ولم يقتص منه، فكأنه رأى النكاح ضربًا من الرق فأورث ذلك شبهة في القصاص. وأما تساوي الحال في الحرية والعبودية وذلك إذا قتل الحر العبد فاختلف هل يعتبر أم لا؟ ففي المذهب أنه يعتبر فلا يقتل الحر بالعبد ولا الأمة ولا الحرة بالعبد ولا بالأمة. وقال قائلون من علماء السلف -وهو داود والثوري-: يقتل بالعبد له كان أو لغيره. وقال أبو حنيفة: يقتل بعبد غيره ولا يقتل بعبد نفسه. والحجة للمذهب لقوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يقتل حر بعبد)) والعلة في ذلك نقصان المرتبة، وحجة من رأى القتل التعلق بالعمومات الواردة في القصاص، ورووا عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: ((من قتل عبدًا قتلناه، ومن جدع عبدًا جدعناه)) والاحتجاج بهذا العموم قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] ونحو ذلك ضعيف لأن
стр. 126
العالم إذا عارضه خاص على وفق حكمه وحمله على البيان والتخصيص أظهر من حمله على التاكيد، وقد اختلف فيه الأصوليون. وأما حديث سمرة فضعيف وقد عارضه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: ((أن رجلًا قتل عبده متعمدًا فجلده النبي ﷺ ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين.
ويحتمل خبر سمرة أنه كان قد أعتقه، ثم قتله أو جدعه فسماه عبدًا استصحابًا للاسم السابق. ولهم أن يقولوا أخبركم حكاية الحال فيحمل على أنه كان كافرًا أو أباح له دم نفسه. وأما العبد إذا قتل الحر فلا خلاف أنه يقتل به إن اختاره الولي لأن دم الأعلى يكافئ دم الناقص ويزيد عليه، فإذا قتل الناقص بالأعلى لم تؤخذ عنه زيادة على ما كان يلزمه. وقال بعضهم: إن الحر إذا كان يقتل بالحر لاستوائهما في مرتبة الحكم فيه، هذا سواء بسواء.
وأما تساوي الحال في الكفر والإسلام وذلك إذا قتل المسلم كافرًا، فاختلف
стр. 127
فيه هل يعتبر أم لا؟ ففي المذهب أنه يعتبر فلا يقتل المسلم ولا المسلمة بالكافر ولا بالكافرة. وقال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالذمي تمسكًا بالعمومات. قال أبو الحسن: ترك الشافعي العمومات في قتل المسلم بالكافر لأنها منقسمة. فمنها قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ومساق ذلك يدل على الاختصاص بالمسلم إذا قتل المسلم فإنه قال: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ ولا يكون الكافر أخًا للمسلم، وقال: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾ ولا حجة فيه فإنا نجعل لوليه سلطانًا وهو طلب الدية ومنها قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ وهو إخبار عن شريعة من قبلنا ولا يلزمنا ذلك إلا ببيان من شرعنا جديد غير أن العموم ليس يسقط ببعض ما ذكرنا بالكلية إلا أنه يضعف. وقال بعض المتأخرين: لا يجب أن يحمل قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية [المائدة: ٤٥] على عمومها في قتل الحر بالعبد والحرة بالأمة، والمسلم بالكافر والمسلمة بالكافرة، لأن الآية إنما أريد بها الأحرار والمسلمون، والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يخاطبنا بها في شرعنا وإنما أخبر تعالى أنه كتبها في التوراة على موسى بن عمران، وهم أهل ملة واحدة، ولم يكن لهم ذمة ولا عبيد لأن الاستعباد إنما أبيح للنبي ﷺ وخص به هو وأمته من بين سائر الأمم. قال رسول الله ﷺ : ((أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وظهورًا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت جوامع الكلم، وبعثت للناس كافة)) لقول الله : ﴿يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقوله أيضًا في الآية: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥]
стр. 128
يدل على ما قلناه من أن الآية إنما أريد بها المسلمون الأحرار لأن العبد لا يتصدق بدمه، لأن الحق في ذلك لسيده، والكافر لا تكفر عنه صدقته ولو صححنا هذه العمومات وفرضنا هذه الآية أن النفس بالنفس فس شرعنا لوجب أن يخصص العموم المقتضي قتل الحر بالعبد، والحرة بالأمة بقوله : ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ الآية [البقرة: ١٧٨] ويخصص من ذلك قتل المسلم بالكافر لقوله ﷺ : ((لا يقتل مسلم بكافر)) وقد تقدم في غير ما موضع في هذا التخصيص من الخلاف، ومما احتج به عبد الوهاب، وكأنه رآه مخصصًا للعموم قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وقوله ﷺ : ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)) الحديث. ومما احتج به من قال بالعموم ورأى قتل المسلم بالكافر الذمي ما رواه البيلماني، ومحمد بن المنكدر، من أن النبي ﷺ أقاد مسلمًا بكافر، وقال: ((أنا احق من وغى بذمته)). وحديثهما مرسل لم يلقيا رسول الله ﷺ .
стр. 129
وكذلك تأول قوله ﵊ في خطبته يوم فتح مكة، وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلًا من هذيل بذحل الجاهلية. فقال ﵇ في خطبته: ((ألا كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده)) على أنه عنى بالكافر فيه الحربي والمعاهد إلى مدة ولم يعن الذمي لأنه مذكور مع قوله ﵇: ((كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين)) في خطاب واحد من حديث عمرو بن شعيب، قال: فهو كلام يفسر بعضه بعضًا. وذكر عن أهل المغازي إن عقد الذمة على الجزية إنما كان بعد فتح مكة فلم يكن يومئذ ذمي ينصرف
стр. 130
الكلام إليه، وإنما كان ثم ضربان: أهل عهد حرب إلى مدة فانصرف الكلام إلى الضربين، وورد هذا الحديث أيضًا في خطبة الوداع، بيطل هذا التأويل جملة، ومما يبطل هذا القول أيضًا أنه لم يرد ما يخصص العموم لتخصص قتل المسلم بالذمي بقياسه على الحربي والمعاهد المتفق عليهما، وإن كان في التخصيص بالقياس خلاف.
واختلف أيضًا هل يقتل الحر الكافر بالعبد المسلم قصاصًا، والعبد المسلم بالحر الكافر أيضًا ففي المذهب: أنه لا يقتل. وذهب بعضهم إلى أنه يقتل أحدهما بالآخر لأن المماثلة موجودة ففي كل واحد شرف ونقص.
وهذا لا يلزم ويرده قول الله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ واختلف في جنايات العبيد بعضهم على بعض في النفس والجراحات على أربعة أقوال:
أحدها: قول مالك والشافعي بإيجاب القصاص بينهم فيها.
والثاني: نفي القصاص فيها وهو قول ابن مسعود وجماعة من التابعين، وبعض فقهاء العراقيين قياسًا على الصغير والمجنون.
والثالث: إيجاب القصاص في النفس دون الجراح وهو قول أبي حنيفة، واحتج له الطحاوي بحديث عمران بن حصين: أن عبدًا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء، وقيل بعكس ذلك. فأتوا رسول الله ﷺ فلم يقتص لهم منه. قال: واستعملنا في النفس بالنفس قوله ﷺ : ((تتكافؤ دماؤهم)).
والرابع: إيجاب القصاص إلا أن يكون المالك واحدًا.
стр. 131
والصحيح قول مالك والشافعي لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ الآية.
وأبعد هذه الأقوال نفي القصاص، لأنه خلاف الآية الخاصة والعامة وفياسه على الصغير والمجنون بعيد، لأن القلم يرتفع عنهما بخلاف العبد وقوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾ لا يسوغ فيه تأويل إلا القصاص، وإن ذهب قائل ذلك إلى قصر الآية على سببها التي وردت فيه فقد أبعد، وأخرج الآية عن وجه الاحتجاج بها في الأحكام.
واختلف هل يقتل الأب بابنه قصاصًا؟ ففي المذهب له يقتل به في العمد الذي لا شبهة فيه مثل أن يضجعه فيذبحه، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل به في ذلك. وقال عطاء، وإسحاق، وأشهب: وأما إن قتله على حد ما برمي أو بضرب فيقتله ففي المذهب فيه قولان. أحدهما: أنها لا يقتل به، والآخر: لا يقتل به وتغلظ الدية، ووجه تعلق من رأى القتل الأخذ بالعمومات في القصاص. ولعله لا يقبل أخبار الآحاد في مقابلة عمومات القرآن، ومن تلك الأخبار ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يقتل والد بولده)) وحكم به
стр. 132
عمر بن الخطاب ﵁ بمحضر من الصحابة واشتهر عندهم فكان كقوله: ((لا وصية لوارث)) في الاشتهار. وروى سعيد بن المسيب نحو هذا الحديث عن عمر أيضًا.
وروى ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقاد والد بولده)) وحجة من لم ير القتل العتماد على هذه الأحبار وتخصيص العموم بها، وفهموا من قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٨] ألا يقتل الأب بمن وليه ابنه إذا قتله الأب، فإذا لم يقتل به يقتل بالابن لأن حق القصاص في الحالتين جميعًا وبنوا عليه أيضًا أنه لا يقتله إذا كان مشركًا ورأوا أنه نهى رسول الله ﷺ حنظلة عن قتل أبي عامر الراهب عن قتل أبيه، وكان مشركًا مجاربًا لله ولرسوله، كان مع قريش يقاتل النبي ﷺ يوم أحد. وكذلك لو قذفه لم يحد على هذا القول. واختلف أيضًا في الجد هل هو مثل الأب أو لا؟ وتوجيه الخلاف هذا ظاهر مما تقدم. واختلف في الجماعة تقتل الواحد هل
стр. 133
تقتل به أم لا؟ ففي المذهب أنها تقتل به. وقال محمد بن جرير: لا تقتل. وقال داود: وعليهم الدية. وذهب ابن الزبير ومعاذ إلى أن للولي أن يقتل واحدًا من الجماعة من شاء, ويأخذ الدية من الباقين، وظاهر الآية في القصاص حجة لمالك على من أبطل القصاص جملة، وعلى من جعل القصاص دية فإنه تعالى قال: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ولم يخص واحدًا بواحد ولا جماعة بواحد ولم يذكر في شيء من ذلك كله دية.
وكذلك اختلف في الواحد يقتل جماعة ففي المذهب أنه يقتل بجميعهم. وقال الشافعي يقتل بواحد منهم وتكون عليه دية الباقين، وظاهر الآية في القصاص خاصة. واختلف في الرجلين يقتلان الرجل أحدهما عمدًا والآخر خطأ. ففي المذهب أن العامد يقتل، وعلى المخطئ نصف الدية وظاهر الآية يرد هذا القول يوجب مؤاخذة القاتل بجنايته وأن لا يؤثر خطأ صاحبه في حقه.
واختلف فيمن قتل رجلًا خنقًا أو طرحه في بئر، أو ألقاه من أعلى جبل أو سطح، أو سقاه سمًا أو جره إليه جرًا فالجمهور على إيجاب القصاص. وقال أصحاب الرأي: لا قصاص فيه، وعلى عاقلة القاتل الدية قالوا: وإن كان خناقًا خنق غير واحد معروفًا بذلك فعليه القود. قال ابن المنذر: وهذا القول خلاف الكتاب والسنة، وإذا جاز أن يكون قاتلًا في آخر مرة فهو قاتل في أول مرة.
واختلف أيضًا فيمن قتل بشيء من هذا لا بحديد هل يقاد منه بمثل القتلة التي قتل أم لا؟ ففي المذهب أنه يقاد منه بمثل الذي قتل به إلا أن يكون قتله بنار أو سم، فاختلف في ذلك، وكذلك في القتل أيضًا بالعصا. وقال أبو حنيفة لا يقاد إلى بالحديد، وظاهر قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ مراعاة لمثل ذلك كله. وكذلك قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم
стр. 134
فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقد جاء في الحديث أن يهوديًا ذدخ رأس امرأة فضدخ رسول الله ﷺ رأسه. واحتلف في المستحق بقتل العمد، فقيل: القود ولا تجب الدية إلا بالتراضي، وقيل: التخيير بين القود والدية. وعن مالك فيها روايتان، عن الشافعي قولان.
قال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ وقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليكم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا﴾ الآية [الإسراء: ٣٣] ذلك كله يدل لأحد قولي الشافعي على الآخر وهو أنه يتعين القود في العمد لأنه تعالى قال: ﴿النفس بالنفس﴾ وإن ثبت تخيير، فالواجب أحد الأمرين، فلا يجوز أن يقال إن القصاص واجب بالقول المطلق بل الواجب أحد الأمرين، مثاله: إذا قيل ما الواجب في الحنث باليمين؟ فلا يجوز أن يقال: إنه العتق والكسوة أو الإطعام بل نقول: أحد هذه الخلال الثلاثة لا بعينه. فإذا لم يكن المال واجبًا بالقتل وجب القود على الخصوص. وروي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قتل في عميًا أو رميًا يكون بينهم بحجر أو بسوط أو بعصا فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمدًا فقود كله من حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) ولو كان الواجب أحدهما لما اقتصر على ذكر القود لأنه غير جائز أن يكون له أحد سببين فيقتصر النبي ﷺ بالبيان على أحدهما
стр. 135
دون الآخر، ويحتج للقول الآخر بقوله تعالى: ﴿فمن عفي له أخيه شيء﴾ الآية [البقرة: ١٧٨] وهي تحتمل معان: أحدها: أن ولي المقتول إذا أُعطي شيئًا من المال فليقبله وليتبعه بالمعروف ولؤد القاتل إليه بإحسان فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك عليه من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة كما قال عقب ذكر القصاص في سورة المائدة، ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥] فندبه إلى العفو والصدقة، وكذلك ندبه بما ذكره في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني لأنه بدأ بذكر عفو الجاني بإعطاء الدية، ثم أمر الولي بالاتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان.
والعفو على هذا التأويل بمعنى اليسر والسهولة قال الله تعالى: ﴿خذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩] أي ما سهل من الأخلاق، وقال ﵊: ((أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله)) يعني تسهيل الله تعالى على عباده ((فمن)) على هذه الآية يراد به الولي و ((الأخ)) يراد به القاتل و ((الشيء)) هي الدية، والأخوة على هذا أخوة الأسلام ويحتمل أن يراد بالأخ على هذا [التأويل] المقتول أي سهل له قود أخيه المقتول فتكون الأخوة أخوة قرابة وإسلام. قال أبو الحسن: وهذا التأويل خلاف الظاهر من وجهتين:
أحدهما: أن العفو من القصاص يقتضي العفو عنه من مستحقه بإسقاطه.
والثاني: أن الضمير في ((له)) يجب أن ينصرف إلى من عليه القصاص
стр. 136
لأنه الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿كتب عليكم﴾ والولي لا ذكر له فيما تقدم فينصر الضمير إليه من له. والمعنى الثاني: ما قاله ابن عباس قال: كان القصاص في بني إسرائيل ولك تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ إلى قوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ قال ابن عباس: فهو أن تقبل الدية في العمد وعلى هذا أن يتبع بمعروف وعلى هذا أن يؤدي بإحسان ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ مما كان كتب على من كان قبلكم ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ قال بعد قبوله الدية. فأخبر ابن عباس أن الآية نزلت ناسخة لما كان على بني إسرائيل من حظر قبول الدية، ومبيحة للولي قبولها إذا بذلها القاتل تخفيفًا من الله تعالى. والمقصود من هذا المعنى أن الذي قاله تعالى أنه كتب لم يعنِ أنه كتب على وجه لا يمكن إسقاطه برضى من كتب له، فإذا جاز إسقاطه رغب في إسقاطه من جهة من عليه القصاص بالمال وتنزيل ألفاظ المعنى كتنزيلها في المعنى الأول سواء إذا المعنيان متقاربان.
والمعنى الثالث: ما روي عن الشعبي أنها نزلت في حيين من العرب تقاتلوا فقتل من هؤلاء وهؤلاء، فقال أحد الحيين لا نرضى حتى نقتل بالمراة الرجل، وبالرجل الرجلين، فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ((القتل، بواء)) أي سواء. فاصطلحوا على الديات وتقاضوا فيها وفضل لبعضهم على بعض شيء. قال سفيان بن حسين راوي الحديث. فمعنى
стр. 137
قوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ أي فمن فصل [له] على أخيه شيء فليتبعه بالمعروف وليؤد له الآخر بإحسان. والعفو هنا الفضل من قولهم عفا الشيء إذا كثر ومنه قوله تعالى: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا﴾ [الأعراف: ٩٥] أي كثروا. وقال النبي ﵇: ((أعفوا اللحى)).
والمعنى الرابع: هو قول علي ﵁، والحسن بن أبي الحسن البصري في الفضل بين دية المرأة ودية الرجل، والحر والعبد، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع لالمعروف. وهذا المعنى قريب من الثالث، وكان الآية من أولها بين فيها الحكم إذا لم تتداخل الأنواع، ثم بين الحكم إذا تداخلت.
والمعنى الخامس: أن يعفو ولي الدم عن مال بغير رضى القاتل وهو أحد القولين المتقدمين وعليه ظاهر قوله ﵇: ((من قتل له قتيل فه بخير النظرين)) الحديث. ((فمن)) على هذا يراد بها القاتل و ((عفي)) يتضمن عافيًا هو ولي الدم ويكون الأخ هو المقتول. ويصح أن يكون الولي على هذا، وشيء هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية وهو قول ابن عباس أيضًا والعفو في هذا على بابه، ويقال لمن قال بهذا التأويل: العفو لا يكون مع أخذ المال، إلا أن النبي ﵇ قال: ((العمد
стр. 138
قود إلا أن يعفو الأولياء)) فأثبت له أحد شيئين من قتل أو عفو ولم يثبت له مالًا فإن قيل: إنه عفي عن الدم ليأخذ المال كان عافيًا، ويتأول لفظ الآية، قيل له: لو كان الواجب أحد شيئين لجاز أيضًا أن يكون عافيًا بتركه المال، وأخذه القود فلا ينفك الولي في اختيار أحدهما من عفو قتل أو أخذ مال. وهذا بعيد ويجاب عن هذا بأن يقال: العفو يؤذن بالتخفيف والترفق بالعدول إلى القتل لا يظهر فيه شيء من ذلك، فلا يكون عفوًا، والعدول إلى أخذ المال يظهر فيه التخفيف والترفق بسقوط القتل، ويسوغ أن يقال فيه عفو. ويقال لهؤلاء هذا ينفيه الظاهر من وجه آخر وهو أنه إذا كان الواي هو العافي بتركه القود وأخذه المال فإنه لا يقال عفا له عن الدم وإنما يقال عفا عنه إلا بتعسف فيقيم اللام مقام ((عن)) أو بحمله على أنه عفا له عما لزم فيضر حرفًا غري مذكور ولأن ﴿من أخيه شيء﴾ يقتضي التبعيض والعفو المذكور إنما هو عن جميع الدم لا [عن] شيء منه، فمتى حمل على الجميع كان مخالفًا لمقتضى الكلام، ويشهد للقول الآخر بأن المستحق بالقتل إنما هو القود. قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية [المائدة: ٤٥]. وقوله ﷺ في قصة الربيع حين كسرت ثنية جارية
стр. 139
((كتاب الله هو القصاص)) فأخبر أن موجب الكتاب القصاص وأن قوله: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ محكم ظاهر المعنى. وقوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ ظاهر محتمل لمعان ومتشابه. فيجب رده إلى المحكم.
والمعنى السادس: أنهم قالوا في الدم بين جماعة إذا عفا بعضهم تحول أنصباء الآخرين مالًا. وقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ يدل على وقوع العفو عن شيء من الدم لا عن جميعه فيتحول نصيب الشركاء مالًا فعليهم اتباع القاتل بالمعروف عليه الأداء بالإحسان، وهذا الذي ذكره هو أحد القولين في المذهب في العفو عن الدم بعد ثبوته بالبينة أو بالقسامة أن من عفا سقط حقه، ومن لم يعف صار حقه ما بقي من الدية أن لو كان الواجب دية. وذهب ابن الماجشون إلى أن الدية والدم يبطلان ولا يكون لمن بقي شيء من الدية، ولا قصاص وقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من شيء﴾ الآية [البقرة: ١٧٨] يدل على أن دية العمد على القاتل لا على العاقلة كما قال النبي ﷺ : ((لا تحمل العاقلة عمدًا أو لا عبدًا)) وهي غير مؤقتة ولا معلومة، قالوا: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ و ﴿شيء﴾ يقع على القليل والكثير، فإن اصطلحوا على الدية بينهم فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن تكون مربعة. وذهب الشافعي إلى أنها مثلثة، كدية سب العمد. وقد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا دية للعمد أصلًا. وهذا القول مع ظاهر الآية. واختلف إذا وقفت كذلك هل تكون حالة او منجمة في ثلاث سنين على قولين في المذهب والاظهر من لفظ الآية انها على الحلول وقاتل العمد إذا عفي عنه أو سقط القصاص عنه، لأن الدم لا يتكافأ ففي
стр. 140
المذهب أنه يضرب منه ويسجن سنة، سواء كان المقتول حرًا أو عبدًا أو ذميًا. واختلف فول مالك إذا قتل عبد نفسه. وقال الشافعي: إذا عفي عنه خلي ولم يضرب ولم يحبس لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فابتاع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ الآية. ولم يذكر الله تعالى حبسًا ولا ضربًا ولا حجة في هذا للشافعي لأنه دليل على سقوط حق الله تعالى فلا. وقد روي عن علي ﵁ أن رجلًا قتل عبده، فجلده رسول الله ﷺ ، ونفاه سنة ومحا سهمه، ولم يقده لأنه انتهك حرمة الله تعالى، وحرمة الآدمي، فإذا سقط حق الآدمي، بقي حق الله تعالى كالزاني.
وقوله تعالى: ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨] المعنى فالواجب اتباع أو الحكم اتباع ونحو ذلك. قال أبو محمد: هذا سبيل الواجبات كقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأما المندوب فيأتي منصوبًا كقوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد: ٤] وقد روي: ((فاتباعًا بالمعروف)) وهذا الذي ذكره أبو محمد منزع لا تقتضيه العربية. وقد حض الله تعالى في هذه الآية على حسن الاقتضاء وحسن القضاء.
وقوله: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ [البقرة: ١٧٨] إشارة إلى ما كانت عليه بنو إسرائيل من القصاص خاصة، وقد ذكر بعضهم هذا في الناسخ والمنسوخ.
стр. 141
وقوله تعالى: ﴿فمن اهتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ [البقرة: ١٧٨] الاعتداء هاهنا هو القتل بعد العفو على الدية، واختلف في العذاب الأليم ما هو؟ فقال مالك وغيره: هو عذاب الآخرة، وأما حكمه في الدنيا فكمن قتل ابتداء أولياؤه بالخيار إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا. وقال غيره عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكن الحاكم الولي من العفو وهو قول قتادة، وعكرمة، والسدي، وروي عن مالك أيضًا. ويشهد لهذا التأويل أيضًا ما روي أن رسول الله ﷺ قال: ((لا أعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية)) وقع في ((تفسير ابن سلام)): وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى بعد العقوبة.
(١٧٩) - قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩] .
معناه: أن القصاص إذا أقيم ازدجر الناس عن القتل ونحوه. وقال العرب: القتل أوقي للقتل، وروي: أنفى وأبقى. وهذا تنبيه على الحكمة في شرع القصاص وإبانة الغرض منه. وخص أولي الألباب مع وجود المعنى في غيرهم لأنهم المنتفون به، كما قال: ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ [النازعات: ٤٥] مع قوله ﴿نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ [سبأ: ٤٦] وقال: ﴿هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢] مع قوله في موضع آخر: ﴿هدى للناس﴾
стр. 142
[البقرة: ١٨٥] وقال في قصة مريم: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا﴾ [مريم: ١٨] وقد اختلف في القصاص هل يكون كفارة للقاتل أم لا؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى ذلك لقوله ﵊: ((الحدود كفارة لأهلها)) ومنهم من ذهب إلى أن ذلك لا يكون كفارة لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما هي منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ولكن في القصاص حياة﴾.
(١٨٠) - قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [البقرة: ١٨٠] .
اختلف الناس في هذه الآية اختلافًا كثيرًا، فذهب قوم إلى أنها منسوخة كلها وذهب قوم إلى أنها محكمة كلها. وذهب قوم إلى أن بعضها منسوخ وبعضها محكم. والذين ذهبوا إلى أنها كلها منسوخة اختلفوا في معناها. فذهب قوم إلى أنها فيمن يرث ومن لا يرث. واختلف الذاهبون إلى أنها فيمن يرث خاصة في الناسخ لها ما هو؟ فذهب قوم إلى أن الإجماع على أن الوصية لمن يرث لا تجوز هو الناسخ لها، وهو معترض بأن الإجماع إنما ينعقد بعد موت النبي ﵇، فالنسخ به لا يصح، وإنما حكي جوازه عن عيسى بن أبان، وهو قول ضعيف. لكنا نقول قد ينعقد على قول الجمهور عن نظر واجتهاد، فهذا القسم لا يصح النسخ به بوجه.
وقد ينعقد عن استناد إلى خبر عن النبي ﷺ بهذا إذا صح مستنده إلى الخبر جاز النسخ به، والناسخ على هذا هو الخبر الذي وقع الإجماع على
стр. 143
معناه، والإجماع في هذه المسألة على أن الوصية لمن يرث لا تجوز، وقد يصح أن يقال أن لم يخل عن الاستناد إلى الخبر عن النبي ﷺ لكنه درس، ويعني الأجماع المقطوع به. وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل عليه وهو قوله ﵊: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت، فهو لأولى عصبة ذكر)) وذهب قوم إلى أن الناسخ لها السنة، وهو قوله ﵊: ((لا وصية لوارث)) وهو قول بعض أهل العلم. وحكى أبو الفرج عن مالك أنه قال: نسخت الوصية للوالدين ما تواتر من قول رسول الله ﷺ : ((لا وصية لوارث)) ونسخت الوصية للأقربين آية المواريث. وهذا القول معترض من أوجه:
أحدها: أنه خبر آحاد نسخ القرآن به على قول الجمهور، وأجاب من أجاز ذلك أنه لا يمتنع من طريق النظر في الأصول، فإن بقاء الحكم مظنون فيجوز أن ينسخ بمثله، وضعف هذا القول مبين في كتب الأصول. وقد قيل إن الإجماع منعقد على تلقي الخبر بالقبول ومثل ذلك يجوز أن ينسخ به الكتاب,
стр. 144
والثالث: أنه وإن تواتر ففي نسخ القرآن به نظر لأن السنة إنما هي مبينة لا ناسخة، وقد روي هذا القول عن الشافعي، وقد تبين في الأصول ضعف هذا القول، فإن الصحيح جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة.
وذهب قوم إلى أن الناسخ لها قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين﴾ الآية [النساء: ٨] وهذا قول ضعيف لأنه لا تعارض بين الآيتين. وذهب قوم إلى أن الناسخ لها آية المواريث، وهو قول مالك في ((الموطأ)) وهذا معترض بأنه ليس بين الآيتين تعارض، ولا ثم أصل في معرفة المتقدمة منهما من المتأخرة، قالوا: فما المان من أن يجتمع الوصية والميراث، وإنما نسخ الشيء بما ينافيه، والله تعالى إنما جعل الميراث بعد الوصية فلا يمتنع أن يأخذ حضه من الوصية ثم يعطي الميراث بعدها، وقد قال الشافعي في كتاب ((الرسالة)): يحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية، ويحتمل أن تكون ثابتة معها -ثم قال- لما قال رسول الله ﷺ : ((لا وصية لورث)) استدللنا به وإن كان حديثًا منقطعًا على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والأقربين.
ووجه هذا القول أن الله تعالى جعل الوصية واجبة ليأخذ كل ذي حق حقه من مال الميت بعد موته، وكان إثبات الحق للوارث من ماله لمكان
стр. 145
القرابة، ولما كان الموصى قد يميل لبعضهم دون بعض، وعلم الله تعالى منه ذلك أطى كل ذي حق حقه بآية المواريث، ولذلك قال النبي ﵊ في الحديث: ((إن الله لم يكل قسم مواريثكم إلى ملك مقرب)) الحديث، إلى أن قال: ((لا وصية لوارث)) فكان الميراث قائمًا مقام الوصية، فلم يجز الجمع بينهما. وأما الذاهبون إلى أن الآية عامة فيمن يرث ومن لا يرث فقالوا: إن الآية منسوخة في حق الوارثين جملة، وأما في حق من ليس بوارث، فإنما نسخ منها الوجوب وبقيت الوصية في حقهم ندبًا. وذكر المهدوي عن ابن عباس وغيره: أنها منسوخة بآية المورايث، فلا وصية للوارث تسقط جملة، ويسقط وجوبها في حق غير الورثة، وذلك بآية المواريث لأنها بينت من له حق المال وليس له غيره، ومن لا حق له واجب، فبقيت الوصية في حقه على الندب. وقال الربيع بن خثيم، وغيره: لا وصية، وقال عروة بن ثابت للربيع بن خثيم: أوصي لي بمصحفك! فنظر الربيع إلى ولده وقرأ: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ ونحو هذا صنع ابن عمر ﵁. وقد اختلف في الوصية للوارث إذا أجازها سائر الورثة هل يجوز ذلك أم لا؟ ففي المذهب أنها تجوز لهم لأن نسخ الوصية إنما كان بسبب غيرهم من الورثة فإذا سلموا صحت. وقالت جماعة من أهل العلم: لا تجوز وإن أجازوها لعموم الحديث: ((لا وصية لوارث)) لا على سبيل الهبة المفتقرة إلى الحيازة. وهكذا إذا أجاز الورثة ما زاد على الثلث.
وأما الذين ذهبوا إلى أن بعضها منسوخ وبعضها محكم فقالوا نسخ
следующие страницы →