Полный текст (1 576 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقوله تعالى: ﴿فمن اهتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ [البقرة: ١٧٨] الاعتداء هاهنا هو القتل بعد العفو على الدية، واختلف في العذاب الأليم ما هو؟ فقال مالك وغيره: هو عذاب الآخرة، وأما حكمه في الدنيا فكمن قتل ابتداء أولياؤه بالخيار إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا. وقال غيره عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكن الحاكم الولي من العفو وهو قول قتادة، وعكرمة، والسدي، وروي عن مالك أيضًا. ويشهد لهذا التأويل أيضًا ما روي أن رسول الله ﷺ قال: ((لا أعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية)) وقع في ((تفسير ابن سلام)): وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى بعد العقوبة.
(١٧٩) - قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩] .
معناه: أن القصاص إذا أقيم ازدجر الناس عن القتل ونحوه. وقال العرب: القتل أوقي للقتل، وروي: أنفى وأبقى. وهذا تنبيه على الحكمة في شرع القصاص وإبانة الغرض منه. وخص أولي الألباب مع وجود المعنى في غيرهم لأنهم المنتفون به، كما قال: ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ [النازعات: ٤٥] مع قوله ﴿نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ [سبأ: ٤٦] وقال: ﴿هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢] مع قوله في موضع آخر: ﴿هدى للناس﴾
стр. 142
[البقرة: ١٨٥] وقال في قصة مريم: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا﴾ [مريم: ١٨] وقد اختلف في القصاص هل يكون كفارة للقاتل أم لا؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى ذلك لقوله ﵊: ((الحدود كفارة لأهلها)) ومنهم من ذهب إلى أن ذلك لا يكون كفارة لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما هي منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ولكن في القصاص حياة﴾.
(١٨٠) - قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [البقرة: ١٨٠] .
اختلف الناس في هذه الآية اختلافًا كثيرًا، فذهب قوم إلى أنها منسوخة كلها وذهب قوم إلى أنها محكمة كلها. وذهب قوم إلى أن بعضها منسوخ وبعضها محكم. والذين ذهبوا إلى أنها كلها منسوخة اختلفوا في معناها. فذهب قوم إلى أنها فيمن يرث ومن لا يرث. واختلف الذاهبون إلى أنها فيمن يرث خاصة في الناسخ لها ما هو؟ فذهب قوم إلى أن الإجماع على أن الوصية لمن يرث لا تجوز هو الناسخ لها، وهو معترض بأن الإجماع إنما ينعقد بعد موت النبي ﵇، فالنسخ به لا يصح، وإنما حكي جوازه عن عيسى بن أبان، وهو قول ضعيف. لكنا نقول قد ينعقد على قول الجمهور عن نظر واجتهاد، فهذا القسم لا يصح النسخ به بوجه.
وقد ينعقد عن استناد إلى خبر عن النبي ﷺ بهذا إذا صح مستنده إلى الخبر جاز النسخ به، والناسخ على هذا هو الخبر الذي وقع الإجماع على
стр. 143
معناه، والإجماع في هذه المسألة على أن الوصية لمن يرث لا تجوز، وقد يصح أن يقال أن لم يخل عن الاستناد إلى الخبر عن النبي ﷺ لكنه درس، ويعني الأجماع المقطوع به. وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل عليه وهو قوله ﵊: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت، فهو لأولى عصبة ذكر)) وذهب قوم إلى أن الناسخ لها السنة، وهو قوله ﵊: ((لا وصية لوارث)) وهو قول بعض أهل العلم. وحكى أبو الفرج عن مالك أنه قال: نسخت الوصية للوالدين ما تواتر من قول رسول الله ﷺ : ((لا وصية لوارث)) ونسخت الوصية للأقربين آية المواريث. وهذا القول معترض من أوجه:
أحدها: أنه خبر آحاد نسخ القرآن به على قول الجمهور، وأجاب من أجاز ذلك أنه لا يمتنع من طريق النظر في الأصول، فإن بقاء الحكم مظنون فيجوز أن ينسخ بمثله، وضعف هذا القول مبين في كتب الأصول. وقد قيل إن الإجماع منعقد على تلقي الخبر بالقبول ومثل ذلك يجوز أن ينسخ به الكتاب,
стр. 144
والثالث: أنه وإن تواتر ففي نسخ القرآن به نظر لأن السنة إنما هي مبينة لا ناسخة، وقد روي هذا القول عن الشافعي، وقد تبين في الأصول ضعف هذا القول، فإن الصحيح جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة.
وذهب قوم إلى أن الناسخ لها قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين﴾ الآية [النساء: ٨] وهذا قول ضعيف لأنه لا تعارض بين الآيتين. وذهب قوم إلى أن الناسخ لها آية المواريث، وهو قول مالك في ((الموطأ)) وهذا معترض بأنه ليس بين الآيتين تعارض، ولا ثم أصل في معرفة المتقدمة منهما من المتأخرة، قالوا: فما المان من أن يجتمع الوصية والميراث، وإنما نسخ الشيء بما ينافيه، والله تعالى إنما جعل الميراث بعد الوصية فلا يمتنع أن يأخذ حضه من الوصية ثم يعطي الميراث بعدها، وقد قال الشافعي في كتاب ((الرسالة)): يحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية، ويحتمل أن تكون ثابتة معها -ثم قال- لما قال رسول الله ﷺ : ((لا وصية لورث)) استدللنا به وإن كان حديثًا منقطعًا على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والأقربين.
ووجه هذا القول أن الله تعالى جعل الوصية واجبة ليأخذ كل ذي حق حقه من مال الميت بعد موته، وكان إثبات الحق للوارث من ماله لمكان
стр. 145
القرابة، ولما كان الموصى قد يميل لبعضهم دون بعض، وعلم الله تعالى منه ذلك أطى كل ذي حق حقه بآية المواريث، ولذلك قال النبي ﵊ في الحديث: ((إن الله لم يكل قسم مواريثكم إلى ملك مقرب)) الحديث، إلى أن قال: ((لا وصية لوارث)) فكان الميراث قائمًا مقام الوصية، فلم يجز الجمع بينهما. وأما الذاهبون إلى أن الآية عامة فيمن يرث ومن لا يرث فقالوا: إن الآية منسوخة في حق الوارثين جملة، وأما في حق من ليس بوارث، فإنما نسخ منها الوجوب وبقيت الوصية في حقهم ندبًا. وذكر المهدوي عن ابن عباس وغيره: أنها منسوخة بآية المورايث، فلا وصية للوارث تسقط جملة، ويسقط وجوبها في حق غير الورثة، وذلك بآية المواريث لأنها بينت من له حق المال وليس له غيره، ومن لا حق له واجب، فبقيت الوصية في حقه على الندب. وقال الربيع بن خثيم، وغيره: لا وصية، وقال عروة بن ثابت للربيع بن خثيم: أوصي لي بمصحفك! فنظر الربيع إلى ولده وقرأ: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ ونحو هذا صنع ابن عمر ﵁. وقد اختلف في الوصية للوارث إذا أجازها سائر الورثة هل يجوز ذلك أم لا؟ ففي المذهب أنها تجوز لهم لأن نسخ الوصية إنما كان بسبب غيرهم من الورثة فإذا سلموا صحت. وقالت جماعة من أهل العلم: لا تجوز وإن أجازوها لعموم الحديث: ((لا وصية لوارث)) لا على سبيل الهبة المفتقرة إلى الحيازة. وهكذا إذا أجاز الورثة ما زاد على الثلث.
وأما الذين ذهبوا إلى أن بعضها منسوخ وبعضها محكم فقالوا نسخ
стр. 146
من الآية فرض الوصية للوالدين الوارثين وبقي فرصض الوصية للأقربين الذين لا يرثون محكمًا غير منسوخ. ويعترض هذا القول فإن آية الوصية عامة فيمن يرث ومن لا يرث والذي عارضها خاص فيمن يرث فكيف يكون نسخًا فيمن يرث؟ والجواب عن هذا ما حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس، والحسن وقتادة بأن الآية عامة ولم يقرر الحكم بها برهة، ونسخ منها كل من يرث بآية الفرائض.
وأما الذين ذهبوا إلى أنها محكمة كلها فاختلفوا في معناها، فقالت طائفة هي آية عامة فيمن يرث ومن لا يرث، من لا يرث من الوالدين والأقربين، والمراد بها من لا يرث منهم كالوالدين الكافرين والعبدين دون من لا يرث بدليل آية المواريث وقال رسول الله ﷺ : ((لا وصية لوارث)) فالأدلة على أن الوصية للوارث لا تجوز مخصصة لا ناسخة. وقالت طائفة الآية خاصة فيمن لا يرث دون من يرث من الوالدين والأقربين، فالآية على هذا لا تحتاج إلى تخصيص. وقد اختلف الذاهبون إلى أنها محكمة، هل الوصية واجبة للأقربين أو مندوب إليها؟ فقال قوم: إنها مندوب إليها بدليل قوله تعالى: ﴿متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] لأن الواجب لا يقال [فيه] إنه معروف، ويستوي فيه المتقي وغيره.
وذهب قوم إلى أنها واجبة بدليل قوله تعالى: ﴿كتب عليكم﴾ وقال بعضهم وقوله تعالى: ﴿حقًا على المتقين﴾ يؤكد الوحوب. وبدليل قوله ﵊: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده)) وحمل الذين ذهبوا إلى أن الندب هذا الحديث على
стр. 147
طريق الندب واحتجوا بما جاء في بعض طرقه من أنه قال ﵊: ((ما حق امرئ مسلم له شييء يريد أن يوصي به)) قالوا وتعليق الوصية بإرادته نص على سقوط الوجوب، وهذا قول الجمهور.
والوصية في الوجوب أو الندب سواء في حال الصحة أو في حال المرض، وظاهر الآية يقتضي أنها إنما تكون في حال المرض وقد قال به قوم مشيًا على ظاهر الآية، وقد اتفقوا على أن الوصية للأقربين الذين يرثون أفضل منها للأجانب فلا يجوز أن يوصى للأجانب ويتركوا. وقال الناس حين مات أبو العالية: عجبًا له أعتق امرأة من رياح وأوصى بماله لبني هاشم.
وقال الشعبي: لم يكن ذلك له ولا كرامة. واختلفوا إذا أوصى للأجنبين دونهم، فعلى مذهب مالك الذي لا يرى الوصية واجبة هي ماضية حيث جعلها الميت.
وقال طاوس ينقض فعله وترد الوصية إلى قرابته. وقاله جابر بن زيد.
وقال الحسن، جابر بن زيد أيضًا وعبد الملك بن يعلى: يبقى ثلث الوصية حيث جعلها ويرد ثلثاها إلى قرابته. وقيل: يصرف إلى قرابته ثلث الثلث، وهذه الأقوال على القول الأول بأن الآية في الأقربين محكمة، وأنها على الوجوب والوصية قد اتفقوا على أنها لا تجوز بأكثر من الثلث لمن معه ورثة. واختلفوا فيمن لا وارث له سوى بيت المال. فأجاز له أبو حنيفة الوصية بجميع ماله. وقال مالك لا يجوز أكثر من ثلثه لقوله ﷺ لسعد ((الثلث والثلث كثير)) وهذا الحديث مخصص لعموم الآية في الوصية للأقربين، ومن العلماء من استحب ألا يبلغ بالوصية الثلث لقوله ﵊: ((والثلث كثير)) وروي عن ابن عباس أنه قال: لو غض
стр. 148
الناس من الثلث إلى الربع. وأوصى عمر بن الخطاب ﵁ بربع ماله وأبو بكر بخمس ماله. وقال: رضيت في وصيتي بما رضي الله تعالى به لنفسه من النيمة. وتلا: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. وقد استحب جماعة من العلماء الثلث في الوصية لقول رسول الله ﷺ : ((إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم، وزيادة في أعمالكم)). واختلف في قدر المال الذي إذا كان عند الإنسان استحبت له فيه الوصية أو وجبت عليه فيه لاختلافهم في مقدار الخير في قوله تعالى: ﴿إن ترك خيرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] فقال الزهري وغيره: تجب فيما قل وكثر. وقال النخعي: تجب في خمسمائة درهم فصاعدًا. وقال علي ﵁ وقتادة: في ألف درهم فصاعدا. وروي عن علي أيضًا تجب في خمسمائة ألف فما دونها نفقة. وعن عائشة ﵂ في امرأة لها ثلاثة آلاف درهم وأربعة من الولد لا وصية تجب لمالها.
واستدل محمد بن الحسن على أن مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين بهذه الآية. وهذا استدلال لا خفاء في ضعفه والجمهور على خلافه.
وقوله تعالى: ﴿فمن بدله بعدما سمعه﴾ [البقرة: ١٨١]. الضمير في ﴿بدله﴾ عائد على الإيصاء، وكذلك من سمعه، ويحتمل أن يعود الذي في
стр. 149
﴿سمعه﴾ على أمر الله تعالى في هذه الآية، وتدل هذه الآية على أن إثم التبديل لا يلحق الموصي، وتدل أيضًا على أن كل من عليه دين أوصى بقضائه أنه قد سلم من تبعته في الآخرة وإن ترك الموصي، أو الوارث قضاءه فلا تلحقه تبعة. ومن أحكام هذه الآية أن من أوصي إليه بشيء خاص لم يكن وصيًا في غيره خلافًا لأبي حنيفة، فإنه يكون [عنده] كالوكيل المفوض إليه ينظر في ذلك وغيره، والحجة عليه قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعدما سمعه﴾ [البقرة: ١٨١] وهذا من أعظم التبديل. ومنها إذا أوصى الميت بشيء فوصية صحيحة خلافًا لأبي حنيفة والشافعي لقوله تعالى: ﴿فمن بدله بعدما سمعه﴾ الآية. وقد اختلفوا في الوصية للقاتل عمدًا أو خطأ ففي المذهب أنها تصح. وذكر الشافعي أنها لا تصح واحتج أصحاب المذهب أنها تصح. وذكر الشافعي أنها لا تصح واحتج أصحاب المذهب بقوله تعالى: ﴿فمن بدله بعدما سمعه﴾ الآية.
(١٨٢) - وقوله: ﴿فمن خاف من موص جنفًا﴾ [البقرة: ١٨٢] .
اختلف في معنى الخوف هنا فقيل: هو على بابه، فإنه بمعنى خشي وأن المراد المعنى من خشي أن يجنف الموصي، ويقطع ميراث الورثة متعمدًا وهو المراد بقوله ﴿إثما﴾ أو غري متعمد وهو الجنف دون الإثم فوعظه في ذلك، وزجره عنه وأصلح في ذلك ما بينه وبين ورثته، وما بين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه، وهذا قول مجاهد. وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع: المعنى ﴿من خاف﴾ أي علم ومن أتى عليمه عليه بعد موت الموصي خاف أو جنف، وتعمد إذاية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضظراب والشقاق، فلا إثم عليه أي لا يلحقه إثم البدل المذكور. وقيل: وإن كان في
стр. 150
فعله تبديل ما. وقد أفادت هذه الآية أن على الوصي والحاكم والوارث، وكل من وقف على جور في الوصية من جهة الخطأ والعمد ردها إلى العدل فدل ذل على قوله ﴿بعدما سمعه﴾ خاص في الوصية العادلة دون الجائرة.
وفيه الدلالة على جواز اجتهاد الرأي، والعمل على غالب الظن، وفيه الرخصة في الدخول بينهم على وجه الصلاح، مع ما فيه من زيادة أو نقصان من الحق بعدما يكون بتراضيهم. ويؤخذ من الآية أيضًا أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث أن الوصية لا تبطل كلها، وإنما يبطل منها ما زاد على الثلث لقوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٨٢] لأنه تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها، وجعل فيها الوجه الأصلح خلافًا لمن يقول إنها تبطل جملة.
(١٨٣) - قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ الآية [البقرة: ١٨٣] .
اختلف في قوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ هل هو من المجمل أو من العام؟ فذهب بعضهم إلى أنه مجمل لكن السنة بينته.
وذهب بعضهم إلى أنه عام لأن الصوم الإمساك، لكن الشرع قد خصصه بإمساك مخصوص، وعن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة على وجه مخصوص.
ورجح كل فريق مذهبه. وقوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ متردد بين معان، فيحتمل أن يراد به صفة الصيام في الامتناع
стр. 151
من الأكل بعد النوم، ويحتمل أن يريد العدد أي صيام شهر، ويحتمل أن يريد العدد الوقت، أي شهر رمضان، ويحتمل أن يريد جميع ذلك، ويحتمل أن يريد به تعيين الصيام خاصة ولم يترجح فيه أحد الاحتمالات فهو لفظ مجمل. وقد تجاذبت أهل التفسير هذه الاحتمالات. فذهب كل فريق منهم إلى ما هو الأظهر منها عنده، ولذلك اختلفوا في معنى التشبيه في الآية هل هو منسوخ أو محكم، فذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وذهب بعضهم إلى أنه محكم.
والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ قالوا: إنه كتب على من كان قبلنا أنه من نام بعد المغرب، وقيل: من صلى العتمة لم يأكل، ولم يقرب النساء بقية ليلته، ويومه حتى يمسي، ثم كتب علينا ذلك في هذه الآية، واختلف في الذين من قبلنا من هم؟ فقيل: هم أهل الكتاب، وقيل: الناس كلهم، وقيل: النصارى، كتب عليهم شهر رمضان على أن لا يأكلون ولبا ينكحوا النساء بعد النوم حتى ثقل عليهم في الشتاء فلما رأوا ذلك اجتمعوا وقالوا: نريد عشرين يومًا نكفر بها ما صنعنا، فجعلوا صيامهم خمسين يومًا، فلم يزل المسلمون على ذلك حتى نسخه الله تعالى بقوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ الآية [البقرة: ١٨٧] بسبب عمر ﵁ أو قيس بن صرمة.
стр. 152
والذين ذهبوا إلى [أنه محكم اختلفوا في تأويله فذهب بعضهم إلى أن المراد بالتشبيه أنه كتب علينا شهر رمضان كما كتب على] من قبلنا، قالوا: إلا أن الذين من قبلنا غيروه وزادوا فيه واختلفوا في سبب تغييره، فقال الشعبي: فرض على النصارى رمضان كما كتب علينا فبدلوه لانهم احتاطوا له بزيادة يوم في أوله ويوم في آخره قرنًا بعد قرن حتى بلغوا به خمسين يومًا، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشتوي وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة، والحسن البصري والسدي. وقيل: بل مرض ملك من ملوكهم فنذر إن برئ أن يزيد فيه عشرة أيام ففعل، ثم نذر آخر مثله سبعة، ثم آخر مثله ثلاثة وقال: اجعلوه حين لا حر ولا قر.
قال مجاهد: كتب شهر رمضان على كل أمة. وذهب يعضهم إلى أن التشبيه واقع على الصيام لا على الصفة ولا على العدة وإن اختلف الصيامان بالزيادة والنقصان. وري معناه عن معاذ بن جبل وعطاء وغيرهما، وذهب بعضهم إلى أن معناه كما كتب على الذين من قبلكم أشياء غير رمضان. وذهب قوم إلى أن هذه الآية ناسخة واختلف فيما نسخته فذهب جابر بن سمرة وغيره إلى أنها ناسخة لصيام يوم عاشوراء، وهذا من نسخ السنة بالقرآن لأن النبي ﷺ صامه وأمر بصيامه. وذهب عطاء وغيره إلى أنها ناسخة لما كتب عليهم قبل أن يفرض رمضان وهو ثلاثة أيام من كل شهر.
وذهب معاذ وغيره إلى أنها ناسخة يوم عاشوراء، أو ثلاثة أيام من كل شهر، وكانت قد كتبت عليهم قبل أن يفرض رمضان. وروي عن معاذ قال: أحيل الصوم ثلاثة أحوال، قدم رسول الله ﷺ المدينة أولًا، فجعل يصوم في كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض الصوم
стр. 153
بقوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ فكان يصام من العتمة إلى العتمة ثم نسخ ذلك. وهذا أيضًا عندي من نسخ السنة بالقرآن، لأ، هذه الثلاثة أيام لم ينزل بصيامها قرآن، وإنما صيمت بالسنة إلا أني رأيت بعض المفسرين ينسب لعطاء قولًا مخالفًا لما تقدم عنه، وهو معنى التشبيه كتب عليكم الصيام ثلاثة أيام من كل شهر قال في بعض الطرق: يوم عاشوراء كماكتب على الذين من قبلكم ثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عاشوراء. ثم نسخ هذا بهذه الآية بشهر رمضان فظاهره أن الثابت بهذه الآية صوم ثلاثة أيام كمن كل شهر ويوم عاشوراء ثم نسخ برمضان. فهذا إذا من نسخ القرآن بالقرآن والآية على هذا منسوخة كلها، وبعض من ذهب إلى أن معنى التشبيه منسوخ فيطلق القول بأن الآية كلها منسوخة، وأكثرهم لا يطلق هذا. وهذا مبني على اختلافهم في العبادة إذا نسخ شرط من شروطها هل يقال: إنه نسخ لبعض العبادة لا لأصلها؟ أم يقال إنه نسخ لأصلها؟ فمن رآها نسخًا لأصلها أطلق القول بأن الآية كلها منسوخة ومن لم ير ذلك لم يطلق القول بذلك.
(١٨٤) - قوله تعالى: ﴿أيامًا معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤] .
قيل: ثلاثة أيام، وقيل: رمضان، وقيل: الأيام البيض، وقد روى معاذ أن ذلك كان واجبًا ثم نسخ.
(١٨٤) - قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] .
اختلف في المريض والمسافر هل هما مخاطبان بصيام رمضان أم لا؟
стр. 154
فذهب أكثر من أهل المذهب إلى أنهما مأموران بصيام رمضان مخيران بين صومه وبين صوم غيره. وذهب أهل المذهب إلى أن المسافر مخاطب بالصوم دون المريض. وقال الكرخي وأصحابه: المريض والمسافر غير مخاطبين بالصوم. وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في إضمار ((فأفطر)) في هذه الآية وذلك أن الأكثر ذهب إلى أن هذا من لحن الخطاب وهو ضمير لا يتم الكلام إلا به لأن سياق الكلام يدل عليه، كقوله: ﴿فاضرب بعصاك الحجر فانبجست منه﴾ [الأعراف: ١٦٠] أي فضرب فانبجست. وذهب بعضهم وأكثرهم أهل الظاهر أنه لا يضمر في الكلام وأنه تعالى لم يأمر إلا بأيام أخر، فمن ذهب إلى هذا القول الأول رأى أنهما مخاطبان.
ومن ذهب إلى القول الثاني ذهب إلى خلاف ذلك. وقد اختلفوا على هذا في صيام المسافر رمضان. فذهب أهل الظاهر إلى أن الصوم لا ينعقد فيه وأن من صام فيه قضى أخذًا بظاهر الآية، وهو تلاك الإضمار لم جاء عنه ﵊ أنه قال: ((ليس من البر أن تصوموا في السفر)) وذهب الكرخي إلى أن الواجب أيام أخر لكن لو صام رمضان صح، وكان معجلًا للواب كمن قدم الزكاة قبل الحول، وجمهور العلماء على خلاف هذين المذهبين، ويلزم من ذهب في المسافر المذهبين المتقدمين أن يجعل المريض إن تحامل على نفسه فصام أنه يجزيه صومه إذا منعقد بلا خلاف.
وذكر عبد الوهاب في بعض كتبه: أن بعض الناس خرق الإجماع، فقال: إن المريض أيضًا لا ينعقد صومه. وأما الكرخي فمذهبه في المريض كمذهبه
стр. 155
في المسافر. وإذا قلنا أنهما مخاطبان، فهل يقال إن صوم رمضان واجب عليهم أم لا؟ هذا فيه نظر، وهو مظنة الخلاف، فإن حد الواجب هذا الذي إذا تركه المخاطب عصى، والمريض والمسافر إذا تركا الصيام لم ينسحب عليهما اسم العصيان باتفاق فيحتمل أن يقال: إن الصوم واجب عليهما في رمضان لكن رخص لهما الشرع في تأخيره كالصحيح المقيم إذا تركه سهوًا أو عمدًا. ويحتمل أن يقال إن الصوم لهما في رمضان على سبيل التخيير لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ فكان الواجب أحدهما لا بعينه، وقد اختلفوا هل الصوم أفضل أم الفطر أم هما سواء.
فقيل: الصوم أفضل لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ فعم، ولما ورد من صومه ﷺ من أحاديث تدل على ذلك، وهذا أحد قولي مالك والشافعي، وقيل: الفطر أفضل للحديث المتقدم وهو ((ليس من البر أن تصوموا في السفر)) ولقوله ﷺ : ((هي رخصة من الله تعالى فمن شاء الأخذ بها فحسن، ومن شاء أن يصوم فلا جناح عليه)) فمن جعل الفطر حسنًا والصوم لا جناح فيه، ففيه إشارة إلى أن تفضيل الفطر على الصوم، وهذا قول ابن عباس وابن عمر، وإليه ذهب عبد الملك ابن الماجشون، وقيل: بل هما سواء في الفضل لقوله ﷺ للذي سأله عن الصيام [في السفر]: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) وقد ذُكر هذا عن مالك. وقيل أفضلهما أيسرهما هو قول عمر بن عبد العزيز ومجاهد. وهذا الاختلاف عندي إنما هو عند من رأى المسافر مخاطبًا بالصوم ويلزم أن يكون المريض
стр. 156
مثل المسافر فيختلف في أي شيء أفضل له.
(١٨٤) - وقوله تعالى: ﴿من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] .
ويدل على جواز القضاء متتابعًا ومتفرقًا لأنه تعالى ذكر أيامًا منكرة فإذا فرق فقد أدى ما اقتضاه الأمر خلافًا لمن رأى وجوب القضاء متتابعًا.
وذكر ذلك عن مالك، وكذلك يدل على جواز التأخير من غير أن يتحدد بوقت، وهو كالأمر المطلق خلافًا لداود حيث يقول: إن قضاء رمضان يجب على الفور، وأنه إذا لم يصم اليومك الثاني من شوال أثم وإن مات عصى. واختلف فييمن أفطر في رمضان لعذر، فلم يقضه حتى جاءه رمضان آخر وهو صحيح، فعدن مالك أنه يصوم الحاضر، ويقضي الغائب ويطعم، وروي عن ابن عمر أنه يصوم الحاضر ولا يقضي الغائب ويطعم عن كل يوم منه مدًا، وهذا القول مخالف للقياس، ولظاهر قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ لأن اللفظ يتناول الأوقات كلها. وقد اختلفوا في المريض الذي أباح الله تعالى له الفطر من هو؟ فقيل: إن المريض له أن بكل حال إذا كان مريضًا بأي مرض كان لظاهر قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا﴾ وروي عن طريف بن تمام العطاردي أنه دخل على محمد بن سيرين، وهو يأكل في رمضان، فلم يسأله، فلما فرغ قال: إني وجعتني أصبعي هذه وقيل: لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر، وهذا
стр. 157
مذهب الشافعي. وقيل هو الذي لا يقدر على الصيام أو يقدر على جهد ومشقة، وهو مذهب مالك وأصحابه. وقيل: إن قدر بغير جهد ولا مشقة، ولكنه يخاف أن يزيده الصيام في مرضه، فالفطر له جائز، وهذا مذهب أبي حنيفة وهي من رواية أصبغ عن ابن القاسم. ويظهر مثلها من قول مالك في الحامل تكون صحيحة، إلا أنها إن صامت تخاف أن تطرح ولدها. وأنكر بعضهم هذا القول، وقال إن ذلك لا يجوز، لأ، الصوم عليه واجب لقدرته عليه، وما يخشى من زيادة مرضه أمر لا يتيقنه المرض فلا يترك فرضه لشك، وهذا الاعتراض ساقط لمن تأمله. وقال الحسن: إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائمًا أفطر.
والسفر الذي أباح الله تعالى فيه الفطر اتفقوا على أنه سفر الطاعة كالجهاد والحج، ويلحق بهذين سفر صلة الرحم، وسفر المعاش الضروري.
واختلفوا في سفر المباحات كالتجارة والمحرمات على قولين: أحدهما الجواز، والآخر المنع. والقول بالجواز في سفر المباحات أرجح، والقول بالمنع في سفر المحرمات أرجح، وحجة المجيزين للفطر بهذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر﴾ فعم الأسفار ومن لم يجز الفطرلم يحمل الآية على عمومها وخصصها بالقياس. وكذلك اختلفوا في مسافة السفر الذي أباح الله تعالى فيه الفطر، فذهب مالك ﵀ إلى أنه يفطر فيما تقصر فيه الصلاة، واختلفوا في قدر ذلك.
فعن مالك فيه خمس روايات إحداها: يوم وليلة، والثانية: مائة وأربعون ميلًا، والثالثة: يومان، والرابعة: خمسة وأربعون ميلًا، والخامسة: أربعون
стр. 158
ميلًا، وفي المذهب قولتان سوى ما تقدم أحداهما ستة وثلاثون ميلًا والأخرى ثلاون ميلًا. واختلف الناس في غير المذهب في حد ما تقصر فيه الصلاة اختلافًا كثيرًا من مسافة ثلاثة أميال وهذا مذهب أهل الظاهر إلى مسافة ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة. واختلفوا في المرأة تطهر من حيضتها في بعض النهار، والمسافر يقدم والمريض يصح، فقال أبو حنيفة والأوزاعي وغيرهما: يلزمهم كلهم الإمساك بقية النهار وإن قدم المسافر عصرًا، فلا يطأ زوجته لعظم حرمة الشهر، وقال مالك والشافعي، وأبو ثور: يأكلون بقية نهارهم وللمسافر المفطر يقدم أن يطأ زوجته يريد الطاهرة من الحيض في ذلك اليوم. وقال ابن القصار: والحجة لمالك ومن تابعه قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وهؤلاء قد أفطروا فحكم الإفطار لهم باق، والفطر لهم رخصة للمسافر، ومن تمام الرخصة أنه لا يجب عليه أكثر من يوم، فلو أمرنا بإمساك بقية يومه، ثم يصوم يومًا آخر مكانه، لكنا قد منعناه من الرخصة وأوجبنا عليه بدل اليوم أكثر من يوم والله تعالى قال: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ وكذلك الحائض، وحجة من لم يره مجزيًا قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ لأن ظاهر الآية أن على المفطر أيامًا بعدد الأيام التي أفطرها، ولم يفرق بين أن تكوت [تلك]
стр. 159
الأيام شهرًا أو لا تكون. وكذلك اختلفوا إن صام الناس شهرًا ناقصًا للرؤية، ومرض فيه رجل فأفطره فقال قوم منهم الحسن بن صالح: إنه يقضي شهرًا بالشهرين مع مراعاة عدد الأيام والأظهر أنه يقضي تسعة وعشرين يومًا لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ ولم يقل شهرًا من أيام أخر.
وقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ إلى قوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ ظاهر الآية إنما هو في المطيق للصوم دون تكلف و [لا] مشقة. وهي منسوخة في حقه بإجماع.
ويحتمل أن يراد بها المطيق عامًا، وإن كان عن تكلف، ومشقة كأصحاب الأعذار، ثم رفع منها حكم المطيق دون تكلف ولا مشقة، ويحتمل أن يراد بها المطيقون للصوم بالتكليف والمشقة. وأما غير المطيق جملة فيبعد دخوله تحتها، وإن كان بعضهم قد رأى ذلك حتى تؤول الآية على إضمار كانوا كانه تعالى قال: ((وعلى الذين كانوا يطيقونه)) ولأجل هذه الاحتمالات اختلف الناس في الآية فذهب قوم إلى أنها منسوخة، وآخرون إلى أنها محكمة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا في ناسخها من القرآن. فذهب الأكثرون إلى أن ناسخها قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا قول مالك، وهو أصح الأقوال في هذه الآية. وذهب بعضهم إلى أن ناسخها قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ وهذا القول عندي ضعيف، وإليه ذهب ابن أبي ليلى. وقالوا لما نزلت هذه الآية من شاء منهم أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر أفطر وافتدى حتى نسخت.
وقال ابن عباس: إنما نزلت هذه الآية رخصة للشيوخ والعجز خاصة إذا
стр. 160
أفطروا وهم يطيقون الصوم، ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ الآية، والذاهبون إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها، فذهب بعضهم إلى أن المراد بها المشايخ والعجائز، والمراضع والحوامل، فيكون المعنى، وعلى الذين يطيقونه بتكلف ومشقة. وروي هذا عن ابن عباس في رواية وعلى هذا يأتي ما روي عنه، وعن عائشة أنهما قرأ: ((وعلى الذين يُطوَّقُونَه)) بمعنى يكلفونه وعن عائشة أيضًا وطاوي وعمرو بن دينار أنهم قرؤوا ((يطوقونه)) أي يتكلفونه وروي عن ابن عباس ((يطيقونه)) وقرأت فرقة ((يطيقونه)) وذهب بعضهم إلى أن الآية وردت عامة في هؤلاء، والصحيح والمقيم فيخصص من ذلك الصحيح المقيم بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وبعضهم يعبر عن هذا بالنسخ وهذا مما اختلف [فيه أرباب الأصول] وإنما يصح أن يقال فيه نسخ إذا تقرر في الشرع أن المراد بلفظ العموم، وعلى هذا قال الشافعي في الآية ظاهرها أن الذين يطيقونه إذا لم يصوموا أطعموا، ونسخ في حق غير الحامل والمرضع وبقي حقهما ظاهرهما. ومن أجل مراعاة عموم هذا اللفظ قال علي ﵁ في المريض والمسافر أنه يفطر، ويطعم لكل بوم مسكينًا صاعًا. وقال: وذلك قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر﴾ يمنع دلالة قوله بعد ذلك: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ على المسافر والمريض لأن ما عطف على الشيء غيره لا محالة. وذهب بعضهم إلى أن المعنى بالآية وعلى الذين يطيقونه وهم بحالة الشباب، ثم استحالوا بالشيخوخة فلا يستطيعون الصوم
стр. 161
وذكر بعضهم عن مالك أن الآية عنده هي فيمن يدركه رمضان، وعليه صوم من المتقدم، فمن كان يطيق في تلك المدة الصوم، فتركه فعليه الفدية. وقد أنكر أبو حنيفة هذا التأويل، فلذلك لم ير على من أخر قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر فدية. والتقدير في هذا الآية وعلى الذين يطيقونه فأفطروا لأن الفدية إنما تتوجه على الإفطار. وروي عن عكرمة أنه كان يقرأ ((وعلى الذين يطيقونه)) فأفطروا، ويترتب على ما ذكرناه من الاحتمالات اختلاف في أحكام جمة من ذلك: أنهم قد اختلفوا في إيجاب الإطعام على الشيخ الذي يطيق الصوم بعد اتفاقهم على أن الصوم ساقط فلا قضاء لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ فذهب بعضهم إلى أن الإطعام غير واجب وإنما هو مستحب.
وروي أنه مضطر بعذر موجود فلم يلزمه إطعام كالمريض والمنسافر، وذهب بعضهم إلى وجوب الإطعام عليه وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي، وإليه هب من رأى الآية محكمة وأن الشيخ داخل تحت عمومها. وعن مالك في ذلك الروايتان، إلا أن رواية الاستحباب نص عليه، وكذا عنه رواية الإيجاب تخريج. واختلف في المراضع والحوامل إذا ضعفن على الصيام، وخفن على أنفسهن وولدهن ماذا عليهن؟ فذهب قوم إلى أنهن يفطرن ويقضين إذا فطمن أولادهن ويطعمن عن كل يوم مسكينًا، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل. وروي عن مالك وذهب آخرون إلى أنهن يفطرن ولا يقضين ولكن يطعمن وهذا
стр. 162
قول ابن عمر، وسعيد بن جبير، وابن عباس. وذهب آخرون إلى أنهن يقضين ولا يطعمن وهذا قول عطاء، والنخعي، وحسن، وربيعة، والزهري، والأوزاعي، وإلي حنيفة، والثوري. وروى عبد الله بن الحكم مثله عن مالك، وابن القصار. وهو قول أشهب. وذهب بعضهم إلى التفرقة بين الحبلى والمرضع قالوا في الحبلى أنها تفطر، وتقضي ولا إطعام عليها. وفي المرضع أنها تفطر وتقضي وتطعم، وهو قول الليث، وإليه ذهب مالك.
قعن مالك إذًا ثلاث روايات بعد ثبوت قوله على أن القضاء عليهن فمرة أوجب الإطعام عليهن ومرة لم يوجبه، ومرة فرق بين المرضع والحامل.
قال أبو عبيد: وكل هؤلاء إنما تأول الآية ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ فمن أوجب القضاء والإطعام معًا ذهب إلى أن الله تعالى حكم في تارك الصوم من غير عذر بحكمين، فجعل الفدية في آية والقضاء في أخرى، فلما لم يوجد ذكر الحامل المرضع، مسمى في واحدة منهما جمعهما عليهما احتياطًا لهما وأخذ بالثقة، وأما الذين رأوا أن يطعما ولا يقضيا فإنهم رأوا أنهما ليسا من أهل السفر ولا من المرضى الذبن فرضهم القضاء ولكنهما ممن كلف الصيام وطوقه وليس بمطيق، فهم أهل الفدية ولا يلزمهم سواها لقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾ والقراءات المتقدمة تعضد هذا القول. قال: وأما الذين أوجبوا عليهما القضاء بالإطعام فذهبوا إلى أن الحمل والصيام علتان من العلل كالمرض. وقال أبو الحسن: الجمع بين الفدية والصيام لا وجه له لأن الله تعالى قد سمى ذلك فدية، والفدية ما يقوم مقام ما تعذر عليه، فالواجب في الأصل أحد شيئين، من فدية أو من صيام، فكيف يجوز الاستدلال به على إيجاب الجمع بينهما على الحامل
стр. 163
والمرضع؟ ففي ظاهر القرآن على هذا حجة لمن قال بالفدية دون القضاء.
وأيضًا فإن الآية في الأصل دالة على التخيير بين الفدية والصوم فلا يجوز أن تتناول الحامل والمرضع لأنهما غير مخيرتين، لأنهما إما أن يخافا فعليهما الإفطار بلا تخيير أو لا يخافا فعليهما الصوم بلا تخيير، ولا يجوز أن تتناول الآية فرقتين بحكم يقتضي ظاهره إيجاب الفدية ويكون المراد به في أحد الفريقين وفي الفريق الآخر أما الصيام على الإيجاب بلا تخيير أو الفدية بلا تخيير، وقد تناولها لفظ الآية على وجه واحد فقد ثبت بهذا أن الآية تتناول الحوامل والمرضع. وقد اختلف في الصنف الذي يكفر به من أفطر متعمدًا في رمضان، فقال ابن حبيب: يكفر بالعتق أحب إليّ فإن لم يجد فبالصيام، فإن لم يستطع فبالإطعام. وقال أشهب: يكفر بأي الأصناف المذكورة شاء. وقال أبو مصعب: أما الكفارة بالأكل والشرب فبالإطعام خاصة، وأن العتق والصيام في الفطر بالجماع. وروي عن مالك الكفارة بالأصناف الثلاثة، وأنه استحب البداية بالإطعام، ثم بالصوم، ثم بالعتق. وذكر ابن القاسم عن مالك أن الكفارة من الوجهين جميعًا بالإطعام.
قال ابن القاسم: ولا يعرف مالك غير الإطعام. وقد قال الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ فجعل الكفارة صنفًا واحدًا. فظاهر هذا الاحتجاج أن الآية ثابتة الحكم فيمن أفطر متعمدًا من غير عذر، وأن عليه الفدية بالطعام، وأما القضاء وقدر الطعام فمأخوذ من أدلة أخرى ويكون تقدير الآية على هذا: وعلى المقيمين الذين يطيقون الصوم إن أفطروا لغير عذر الفدية بالطعام. وإن قلنا إ، الآية اقتضت كما قاله أكثر العلماء أن الصائم كان لن أن يفطر، ويفتدي على الجواز فلا خلاف أن هذا الحكم
стр. 164
منسوخ كما قالوا. وأما حكم الفدية لمن وقع ذلك منه بالطعام فثابت محكم، وقد وردت أحاديث عن النبي ﷺ في الكفارة بثلاثة أشياء: عتق وصوم شهرين وإطعام ستين مسكينًا. واختلفت تلك الأحاديث هل تلك الكفارات على الترتيب أو على التخيير؟ واختلف العلماء بحسب ذلك، ولما كان الصوم والعتق زائدتين على ما جاء في الآية من الإطعام، أخذ كثير من العلماء بالزائد، واقتصر بعضهم على الإطعام حسب اختلاف أهل الفدية مد لكل مسكين وقال قوم: عشاء وسحور. وقال قومٌ: قوت يوم.
وقال سفيان الثوري: نصف صاع من قمح وصاع من تمر أو زبيب.
وقراءة من قرأ: ((فدية طعام مسكين)) بالإفراد مبينة الحكم في اليوم، وقراءة من قرأ: ((طعام مساكين)) أو ((فدية طعام المساكين)) بالجمع لا يدرى منها كم منهم في اليوم، فإن قلت: كيف أفردوا المسكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمع كما جمع المطيقون؟ فالجواب أن الإفراد حسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل واحد مسكينًا. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأريعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤] فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل واحد منهم ثمانون.
(١٨٤) - وقوله تعالى: ﴿فمن تطوع به فهو كفارة له﴾ [البقرة: ١٨٤] .
قال ابن عباس وطاوس والسدي: المراد من أطعم مسكينين فصاعدًا.
وقال غيرهم: المعنى من زاد الإطعام مع الصوم. وقال ابن شهاب: من زاد
стр. 165
في الإطعام على المد. وقد احتج بعض الفقهاء في صوم يوم الشك تطوعًا، وذلك أن مالكًا يجيزه، ومحمد بن مسلمة، والشافعي يكرهان تعمده، وبعض الناس يذهب إلى أنه لا يجوز صومه على وجه، قالوا وحجة مالك رحمه الله تعالى، قوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرًا فهو خير له﴾ إلخ، وهذا الاحتجاج يدل على أن الخير في الآية يدل عند من احتج بها عام في جميع أنواع الخير.
(١٨٤) - قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤] .
قرأ أبي بن كعب: ﴿والصوم خير لكم﴾.
(١٨٤) - وقوله: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٤] .
يقتضي الحض على الصوم أي: فاعلموا ذلك وصوموا.
(١٨٥) - وقوله تعالة: ﴿شهر رمضان﴾ [البقرة: ١٨٥] .
ذهب يعض الناس إلى أنه لا يقال رمضان، ولا جاء رمضان، ولا خرج رمضان، وإنما يقال شهر رمضان في ذلك كله كما قال الله تعالى، ورووا في ذلك حديثًا، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقولوا رمضان، وقولوا شهر رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله )
стр. 166
وذكر أبو الطيب الطبري أنه يقال: صمت رمضان لأن المعنى معروف فإذا وصف بالمجيء، لم يقل جاء رمضان حتى يقال جاء شهر رمضان للإشكال الذي فيه، والصواب أن ذلك كله جائز، وقد روي من غير ما طريق صحيح، وقد قال رسول الله ﷺ : ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)) وليس في قوله: ((شَهْرُ رَمَضَانَ)) تحريج في أن يقال رمضان، وقد قرئ ((شهرَ رمضانَ)) بالنصب على الإغراء أو على الصرف أو على البدل من قوله: ﴿أيامًا معدودات﴾ ورفعه إما على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي ذلكم الصيام شهر رمضان أو بدل من الصيام، أو مبتدأ إنما هـ على قول من جعل الصيام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، ومن قال غير ذلك مما قدمته جعل الصيام هنالك رمضان.
(١٨٥) - قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] .
اختلف في تأويله فذهب بعضهم إلى أن الشهر منصوب على الظرف وأن المفعول محذوف والتقدير، فمن شهد منكم المصر في الشهر فليصم. وذهب بعضهم إلى أن المعنى من حضر دخول الشهر، وكان مقيمًا في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو لا، وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفره، وإلى هذا القول ذهب علي وابن عباس،
стр. 167
وعبيدة السلماني، وسويد بن غفلة، وأبو مجلز. وهو قول مردود بسفر النبي ﷺ في رمضان وإفطاره فيه وهو بالكديد. وقال ابن المنذر: وإنما أمر الله تعالى من شهد الشهر كله أن يصوم، ولا يقال لمن شهد بعض الشهر إنه شهد الشهر كله، والنبي ﷺ الذي أُنزل عليه الكتاب وأوجب عليه بيان ما أنزل عليه، قد سافر في رمضان وأفطره في سفره.
وذهب الجمهور إلى أن المعنى من شهد أول الشهر أو آخره فليصم ما دام مقيمًا. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المعنى من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون، ولا مغمى عليه فليصم، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر، فلا قضاء عليه لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جن أول الشهر أو آخره فإنه يقضي أيام جنونه.
والشافعي ممن خالف في هذا، فروي عنه [أنه قال]: إن أفاق بعد أنقضاء الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في بعضه لم يقض ما فات وصام ما بقي منه. وقد روي عنه أيضًا مثل قول أبي حنيفة. ومالك ﵀ قد خالفهما جميعًا فذهب إلى أنه يلزمه القضاء أفاق قبل انقضاء الشهر أو بعده، واعتمد على عموم قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ الآية. وقال أصحابه: وهذا شهد الشهر مريضًا فيلزمه عدة من أيام أخر. وقال أبو الحسن: يحتمل أن يكون قوله: ((شهد الشهر)) مغمى عليه وكذلك يدل على أن من أفاق من الجنون بعد مضي شهر فلا قضاء عليه عندنا خلافًا لمالك فإنه قال فيمن بلغ وهو مجنون فمكث ثم أفاق فإنه يقضي صيام تلك
стр. 168
السنين. ومالك يحمل قوله ﴿فمن شهد منكم الشهر﴾ على شهوده بالإقامة وترك السفر دون ذكر ما ذكره غيره من شهوده بالتكليف، وأبو حنيفة يقول لا يمكن أن يراد بالآية شهود جميع الشهر، فتقدير الكلام عنده؛ فمن شهد منكم بعض الشهر فليصم ما لم يشهد منه، وهذا بعيد جدًا. ولمالك أن قيول قوله ﴿شهد﴾ بمعنى أدرك ذلك الزمان فلزمه الصوم لزومًا في الذمة. ويتعلق بهذه الآية مسائل منها أنه إذا التبست الشهور على أسير أن تاجر في بلاد العدو أو غيره، فاجتهد فصام، فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
- أحدها: أن يوافق رمضان.
- والثانية: أن يوافق ما قبل رمضان.
- والثالثة: أن يوافق ما بعده.
فإن وافق رمضان فإنه يجزيه عند الجمهور. وذهب الحسن بن صالح إلى أنه لا يجزيه. وحجة الإجزاء قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا قد شهده وصامه. وأما إن وافق ما قبله مثل أن يوافق شعبان فلا يجزيه عند مالك وأكثر أصحابه وعلى أحد قولي الشافعي. وقال بعض أصحاب تالشافعي ليس إلا قول واحد مثل قولنا أنه لا يجزيه، وحجة عدم الإجزاء قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا لم يشهد الشهر، فلم يلزمه أن يصومه. وأما إن وافق ما بعده فيجزيه قولًا واحدًا.
ومنها الضوم هل يجوز أن ينوب فيه أحد عن أحد، فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد. وذهب أهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي -وقد حكي عن الشافعي- أنه يصوم عند وليه.
стр. 169
وحجة من ذهب إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وجب على المكلف أن يصومه أو يقضيه بنفسه، فانتفى بذلك أن يصوم غيره عنه.
ومنها من سافر بعد طلوع الفجر فهل يجوز له الفطر أم لا؟ فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يفطر. وقال أحمد، وإسحاق، والمزني: يجوز له الفطر. وحجة من ذهب إلى أنه لا يفطر، قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا شاهده، فعليه صومه، وإذا نوى الصوم في الحضر سافر قبل طلوع الفجر جاز له أن يفطر وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز له أن يفطر والحجة للقول الأول: ﴿أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. ومنها أنه إذا رأى أحد الهلال لزمه الصوم في نفسه. وذهب بعض التابعين إلى أنه لا يلزمه الصوم إلا بحكم الإمام. وحجة القول الأول: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾.
(١٨٥) - قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وهذه اللم يجوز أن تكون متعلقة بما قبلها، ويجوز أن تكون اللام لام الأمر، ويكون المعنى أو في مرضه، وفليكمل عدة الأيام التي أفطر فيها.
وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلدة ثلاثين يومًا لرؤية وأهل بلدة تسعة وعشرين يومًا لرؤية، أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يومًا قضاء يوم. وقال أصحاب الشافعي: إذا كانت المطالع من البلدان يجوز أن تختلف. وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ولتكملوا
стр. 170
العدة﴾ وقد ثبتت برؤية أهل البلدان العدة ثلاثون يومًا فيجب أن تكمل ومخالفهم [يحتج] بقوله ﵇: ((صوموا بالرؤية وأفطروا بالرؤية)) والقولان لمالك في المذهب ويرويان عنه.
(١٨٥) - قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥] .
حض على التكبير في يوم العيد في الطريق والجلوس، وهو سنة فيهما. وذهب أبو حنيفة إلى كراهة ذلك يوم الفطر، والآية حجة عليه. وقد اختلف الناس في حد التكبير الذي أمر الله به ما هو، وفذهب ابن عباس إلى أنه يكبر بتكبيره. وقال قوم يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام إلى الصلاة وهو قول الشافعي. وقال مالك هو من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج الإمام. وقال سفيان هو التكبير يوم الفطر.
واختلفوا أيضًا في كيفية اللفظ اختلافًا كثيرًا إذ لم يخص الله تعالى ذلك بلفظ معين ولا بقدر مؤقت، فمنهم من قال التكبير لفظان؛ إن شاء: الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد. وإن شاء قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثلاثًا. فأيهما قال جاز والأول أحسن. وهذا مذكور عن أصحاب مالك. والذي يروى عن مالك والشافعي: الله أكبر ثلاثًا.
ومنهم من قال: لا يجزيه إلى التكبير الأول وهو أبو حنيفة. ومنهم من يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا. وروي عن ابن عباس ﵁: الله أكبر، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، ولله الحمد. وروي عنه أيضًا: الله أكبر، الله أكبر كبيرا، الله أكبر
стр. 171
كبيرا، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد. وروي عن ابن عمر: الله أكبر، والله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا سريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ومن العلماء من يكبر ويهلل ويسبح أثناء التكبير. وذهب ابن عبد الحكم إلى أنه ليس فيه شيء مؤقت، والآية حجة على من ذكرأثناء التكبير تهليلًا وتسبيحًا، وحجة لمن يرى إلا التكبير.
(١٨٧) - قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ [البقرة: ١٨٧] .
اتفقوا على أن هذه الآية ناسخة، واختلفوا في المنسوخ هل كان ثابتًا بالسنة أو القرآن؟ فذهب بعضهم إلى أنهم كانوا في أول الإسلام إذا نام أحدهم ليلة الصيام لم يحل له الأكل ولا الجماع بعد ذلك، فنسخ ذلك هذه الآية. وذهب أبو العالية، وعطاء إلى أنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾. وقوله تعالى: ﴿أحل﴾ يقتضي أنه كان محرمًا قبل ذلك.
(١٨٧) - وقوله: ﴿ليلة الصيام﴾ [البقرة: ١٨٧] .
الليلة هنا اسم جنس، ولذلك أفردها ومثل هذا في كلام العرب كثير. و ﴿الرفث﴾ في الليلة كناية عن الجماع وأصله في غيرها الفحش من القول. وقال أبو إسحاق: الرفث كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبلة ولمس وجماع. وقال بعضهم: أو كلام في هذه المعاني. و ((اللباس))
стр. 172
أصله في [اللغة] الثياب، ثم شبه التباس الرجل بالمرأة وامتزاجهما بذلك كما قال النابغة:
إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تداعت فكانت عليه لباسا
وقيل: لباس سكن أي يسكن بعضهم إلى بعض.
(١٨٧) - وقوله: ﴿وباشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧] .
والمباشرة عبارة عن إمساس البشرة فيقع تحتها الجماع، والقبلة، والجس باليد. وقال بعضهم إن وقوعه على الجماع مجاز، وليس بصحيح لما قدمته، بل هو واقع عليه بالحقيقة، فأباح الله تعالى بهذه الآية جميع أنواع المباشرة إلى تبين الفجر، ثم وقع المنع بعد ذلك في الجماع. وهل يجب الاعتزال عن القبلة أم لا؟ ثلاثة أقوال، ويفرق في الثالث بين الشيخ والشاب. واتفقوا على أنها لا يقع بها فطر منا يقع بالجماع ما لم يقترن بها إنزال. وإذا فسرت المباشرة بالجماع لم يمتنع من القبلة إلا مع خوف الإنزال. والمراد بالأمر الإباحة لا الإيجاب ولا الندب كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾.
(١٨٧) - وكذلك قوله: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وقد اختلف في معناه، فقيل ابتغوا الولد، وقيل: ابتغوا ليلة القدر، وقيل: ابتغوا الرخصة والتوسعة، وقيل: ابتغوا الثواب، وقرئ ((واتبعوا الخيط)) استعارة وتشبيه لرقة البياض، ورقة السواد الخافي فيه.
стр. 173
ومن ذلك قول أبي داود:
فلما بصرن به غدوة ... ولاح من الفجر خيط أنارا
وقال بعض المفسرين: الخيط اللون، والمراد في ما قال جميع العلماء بياض النهار، وسواد الليل. والخيط الأسود، هو السواد الذي كان في الموضع الذي يظهر فيه الخيط الأبيض. وقد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس ويره: إن جماعة من المسلمين اختانوا أنفسهم وأصابوا النساء بعد النوم أو بعد العشاء على الخلاف منهم عمر بن الخطاب جاء ارمأته فأرادها، فقالت له: قد نمتُ، فظن أنها تعتل فوقع بها، ثم تحقق أنها كانت نامت. وكان الوطء بعد نوم أحدهما ممنوعًا، فذهب عمر، فاعتذر عند رسول الله ﷺ . وجرى نحو هذا لكعب بن مالك الأنصاري فنزلت الآية فيهما بذلك. وقال السدي: جرى له هذا في جارية. وحكى النحاس، ومكي: أن عمر ناك ثم وقع بامرأته. وروى في سببها أن صرمة بن قيس، ويقال صرمة بن مالك، ويقال قيس بن صرمة، ويقال أبو صرمة بقي كذلك دون اكل حتى غشي عليه في نهاره المقبل، وذلك أنه كان أتى أهله ليلًا فقال: هل عندكم ما نفطر عليه؟ فقالوا له: تصبر حتى نصنع لك شيئًا تفطر عليه، وكان شيخًا كبيرًا فأصابه الجوع فحرم عليه الطعام. فبقي ليلته يتململ، ثم أصبح. فاشتد عليه الجوع فأنزل الله تالى الرخصة، وأباح الأكل والشراب والجماع، إلى طلوع
стр. 174
الفجر المعترض في الأفق يمينًا وشمالًا. ومقتضى هذه الآية أنه تعالى حرم بالنهار ما أباحه بالليل وهو أشياء ثلاثة الأكل والشرب والجماع، وما عدا هذه الثلاثة موقوف على الدليل، ولذلك ساغ الخلاف فيه، وفمن ذلك من تقيأ عامدًا، اختلف فيه هل هو مفطر فيجب عليه القضاء أم لا؟
فمن يراعي فحوى الآية ومقتضاها لم يوجبه، ومن لم يراع ذلك استدل بما جاء عن النبي ﷺ : ((من استقاء فعليه القضاء)) وأوجب عليه القضاء ورآه مفطرًا، والقولان لأصحاب مالك، ويرويان عن الشافعي.
ومن ذلك المحتجم اختلف هل هو مفطر أم لا؟ لأجل فحوى الآية وما ورد من قوله ﵊: ((أفطر الحاجم والمحجوم))
стр. 175
وقد وري عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ احتجم صائمًا.
ومن ذلك الغيبة، والجمهور على أنها لا تفطر لما قدمناه. وقال الأوزاعي تفطر لقوله ﷺ : ((من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)) خرجه البخاري.
(١٨٧) - قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧] .
اختلف العلماء في هذا التبين ما حده؟ فذهب الجمهور إلى أنها الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة، وهو مقتضى حديث ابن مسعود، وسمرة بن جندب. وذهب أبو بكر وعثمان بن عفان، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وطلق بن علي، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش، وغيرهم، إلى أنه تبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال.
وذكر عن حذيفة أنه قال: تسحرت مع رسول الله ﷺ وهو النهار إلا
стр. 176
أن الشمس لم تطلع. وروي عن علي بن أبي طالب؛ أنه صلى الصبح بالناس ثم قال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
وروي عن أبي بكر؛ أنه نظر إلى الفجر قد تبين، ثم تسحر في الثالثة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم أقام بلال الصلاة.
وروي عن الاعمش أنه قال: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت.
وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
والقول الأول هو الذي شهدت له الآثار الصحاح وما جرى عليه كلام العرب في حتى إذا كانت عائية وما بعدها ليس من جنس ما قبلها نحو قوله تعالى: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] وروي عن عدي بن حاتم أنه قال: لما نزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ عمدت إلى عقالين أسود وأبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي. فغدوت إلى رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: ((إن وسادك لعريض)) وروي أنه قال: ((إنك لعريض القفا إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)) وقيل نزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل ﴿من الفجر﴾، فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما. فأنزل الله تعالى: ﴿من الفجر﴾ فعلموا إنما يعني الليل والنهار.
ولا يجوز أن يستدل بهذا على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة فإنه
стр. 177
لا يجوز أصلًا. ويحتمل أن تكون العبارة بالخيط الأبيض مجازًا سابقًا في لغة قريش دون غيرها، فأشكل على قوم آخرين حتى تبين لهم بقوله ﴿من الفجر﴾.
ويحتمل لأن يكون قد قال: ﴿من الفجر﴾ أولًا، ولكنه احتمل أن يريد لأجل عدي وقال النبي ﵇: ((إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)) وحدة القول الثاني في التبين. وقد ذكر الطحاوي حديث حذيفة المتقدم وقال: فدل حديث حذيفة: أن وقت الصيام طلوع الشمس، وأن ما قبل طلوع الشمس في حكم الليل. وهذا محتمل عندنا أن يكون بعدما أنزل الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ وقبل أن ينزل ﴿من الفجر﴾ ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿من الفجر﴾ وذهب ذلك على حذيفة وعلمه غيره.
فعمل حذيفة بما علم وذلك أنه روي عنه أنه لما طلع الفجر تسحر، ثم صلى، وعلم غيره الناسخ فصار إليه. ومن علم شيئًا أولى ممن لم يعلم. ودل ما ذكرنا على أن الدخول في الصيام من طلوع الفجر، وعلى أن الخروج منه بدخول الليل إذا كان قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ غاية للم يدخلها في الصيام. وقد اختلفوا إذا شك في الفجر الصادق هل يجوز الأكل أم لا؟ فذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يجوز فإن أكل فعليه القضاء. وقال ابن حبيب: هو استحباب. وقال جماعة من أهل العلم -هو مذهب ابن عباس- أنه يأكل ما شك في الفجر حتى يتبين على ظاهر قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم﴾ الآية.
وقال ابن الماجشون: تبينه هو العلم به وليس الشك علمًا به. ولكن الاحتياط ألا يأكل في الشك. وقال اللخمي: هي ثلاثة أقوال في المذهب: الكراهة، والمنع، والجواز. وهو مذهب ابن حبيب.
стр. 178
وأما إذا شك في الغروب فلا يأكل باتفاق لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وهذا أمر يقتضي الوجوب و ﴿إلى﴾ غائية. والليل الذي يتمت به الصيام مغيب قرض الشمس. وقد اتفقوا على أن آخر النهار مغيب الشمس. واختلفوا في أوله فذهب بعضهم إلى أنه الفجر. وإليه ذهب الخليل. وذهب بعضهم إلى أنه من طلوع الشمس. فقال قوم: إنه من النهار وقال قوم: إنه من الليل. وقال ثوم: إنه وقت متوسط ليس بليل ولا نهار. فإن أكل وهو شاك في المغيب، فقد اختلفوا فيما ذا عليه.
فالمشهور من المذهب أن عليه القضاء والكفارة. وحجتهم قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ ومن أكل شاكًا لم يترك الصيام إلى الليل لأنه إنما أراد الله تعالى تيقن الليل لا الشك فيه. وفي ((ثمانية أبي زيد)) عليه القضاء فقط قياسًا على الفجر، وهو ظاهر قول مالك ﵀، على ما ذهب إليه [ابن] القصار وعبد الوهاب. وإن كان غيرهما قد تأول قوله على غير ذلك. وقال الحسن وإسحاق: لا قضاء عليه كالناسي. واختلف الناس في الوصال، فذهب جماعة من العلماء إلى أنه مباح كيف كان وأن معنى نهي النبي ﷺ عنه إنما هو رحمة لأمته وإبقاء عليهم، فمن قدر فلا حرج. وذهب ابن حنبل وابن وهب، واسحاق إلى أنه جائز من سحر إلى سحر واحتجوا بحديث النبي ﵇: ((لا تواصلوا، وأيكم أراد أن
стр. 179
يواصل فليواصل حتى السحر)) وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري؟ وجماعة غريهم إلى أنه مكروه على كل حال لمن قدر عليه، ولم يجيزوه لأحد، وحجتهم نهي النبي ﷺ عنه قوله ﷺ : ((إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم)) ورأت عائشة ﵂ أن قوله تعالى: ﴿أتموا الصيام إلى الليل﴾ يقتضي النهي عن الوصال. وقال المازري: إن حمل قوله ((فقد أفطر الصائم)) على أن المراد به صار مفطرًا فيكون دلالة على أن زمان الليل يستحيل الصوم فيه شرعًا. وقال بعض العلماء: إن الإمساك بعد الغروب لا يجوز، كإمساك يوك الفطر ويوم النحر.
وقال بعضهم ذلك جائز وله أجر واحتجوا بحديث الوصال.
وقد اختلفوا فيمن أصبح جنبًا وهوصائم على سبعة أقوال: فذهب فقهاء الأمصار إلى أنه يجزيه صيام ذلك اليوم. وقال ابن حبيب: إن نسي جنابته فلم يغتسل لها ذلك اليوم أو أيامًا يصومها، فصيامه تام [ويقضي الصلاة] وظاهر هذا أن المتعمد لرتك الاغتسال بخلاف الناسي، وقد سوى بينهما أشهب، فقال: وإن تعمد ترك الاغتسال، وأقام على جنابته يومه ذلك، وأيامًا، فإن صيامه تام لأن الطهارة إنما هي للصلاة لا للصيام.
وذهب قوم إلى أنه يستحب له القضاء. وذهب الحسن، وسالم فيمن أصبح جنبًا إلى أنه يتم صومه ويقضيه. وروي مثله عن أبي هريرة. وذهب
стр. 180
أبو هريرة في أشهر أقواله عند أهل العلم إلى أنه لا يقضي. وذهب طاوس وعروة بن الزبير إلى أنه إذا علم بجنابته، ثم نام حتى يصبح، فإنه مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح فصيامه يجزيه. وقد روي هذا أيضًا عن أبي هريرة. وذهب قوم إلى أنه إن علم به قبل الفجر، فهو مفطر وإن لم يعلم به إلا بعد الفجر، أتم صيامه وقضى، وذهب قوم إلى أنه إن علم بها قبل الفجر استحب له القضاء، وإن لم يعلم فصيامه تام لا يؤمر فيه بالقضاء. وذهب النخعي إلى أنه يجزيه في التطوع لا في الفرض.
(١٨٧) - ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ إلى قوله ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧] .
حجة لفقهاء الأمصار، ومن ذهب مذهبهم في هذه المسألة لانه تعالى أباح الجماع والأكل والشرب إلى طلوع الفجر، ومن وطئ إلى طلوع الفجر فلا يمكنه أن يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فقد بقي جنبًا إلى أن دخل عليه النهار، ولولا أن هذا جائز لما أباح الله له الجماع إلى وقت طلوع الفجر ولحرمة عند آخر جزء من الليل بمقدار ما يتسع للغسل. والدليل القائم من هذه الآية هو الذي يسميه الأصوليون إشارة اللفظ، ويعنون به ما يتسع له اللفظ من غير قصد إليه. وبعض من يخالف هذا يقول: إنما أبيح الأكل إلى الفجر لا الجماع فإنه لم يقل باشروهن إلى أن يتبين، وإنما جعله غاية للأكل والشرب الذي هو أقرب مذكور، والحائض
فيما ذكرناه بمنزلة الجنب.
وصوم رمضان لا يصح إلا بنية خلافًا لداود لقوله ﵊: ((إنما الأعمال بالنيات)) وهل تجزى مع طلوع الفجر؟ وروي عن مالك أنها لا تجزي. وقال عبد الوهاب تجزي. قال اللخمي: وهو أحسن لقول الله
следующие страницы →