Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
والعشاء هما زلفتا الليل. وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء وليست الظهر المذكورة في الآية على هذا القول، وإلى نحو هذا ذهب الحسن وغيره. وقيل الطرف الأول الصبح والثاني المغرب والزلف العشاء وليس الظهر والعصر في الآية، وإليه ذهب ابن عباس وروي عن الحسن أيضًا. وقيل الطرف الأول الظهر والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء والصبح. ورجح الطبري أن الطرفين الصبح والمغرب، وهو الظاهر من الآية ورجح بعضهم القول الأول وقال حمل الآية على الصلوات الخمس أولى.
وقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾:
اختلف في الحسنات ما هي؟ فذهب الجمهور إلى أن الحسنات يراد بها الصلوات الخمس، وإلى هذا ذهب عثمان في الآية عند وضوئه على المقاعد وهو الذي تأول ذلك وقيل الحسنات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. والأظهر أن يحمل لفظ الحسنات على عمومه. وأما السيئات فلا خلاف أنه لفظ عام يراد به الخصوص لأن الحسنات لن تذهب كل السيئات وإنما يذهب منها صغائرها كما روي أن
стр. 1157
رسول الله ﷺ قال: ((الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إن اجتنبت الكبائر)). فهذا يبين أن الكبائر لا تذهبها الحسنات. إلا أنه اختلف هل تذهب الحسنات الصغائر أم لا وإن ارتكب معها كبائر أم أنها تذهبها وإن كانت معها كبائر. فأما الحديث فظاهره القول الآخر، إلا أنه ينبغي أن يتأول على مثل ظاهر الآية، والتأويل فيه سائغ أي كفارة لما بينهما من كل ما عدا الكبائر فإنها إن كان بينها كبائر لم تكن بعد كفارة لا بينها على الإطلاق وإنما هي كفارة على الخصوص، فهذا يكون معنى التغيير، وهذا القول أحسن، وهذا كله بشرط المتاب من الصغائر وأن لا يصر عليها. واختلف في سبب هذه الآية: ﴿إن الحسنات﴾ فقيل نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو اليسر بن عمرو ويقال اسمه عباد خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها دون الجماع ثم جاء إلى عمر فشكا إليه فقال: قد ستر الله عليك فاستر على نفسك. فقلق الرجل فجاء أبا بكر فقال له مثل مقالة عمر فقلق الرجل. فأتى رسول الله ﷺ فصلى معه ثم أخبره وقال له اقض فيّ ما شئت. فقال له رسول الله ﷺ : ((لعلها زوجة غاز في سبيل الله)). قال: نعم. فوبخه وقال ما أدري فنزلت هذه الآية، فدعاه رسول الله ﷺ فتلاها عليه، فقال معاذ بن جبل: أله يا
стр. 1158
رسول الله خاصة؟ فقال بل للناس عامة. وقيل بل نزلت قبل ذلك واستعملها رسول الله ﷺ في ذلك الرجل، وروي أن عمر قال ما حكي عن معاذ.
(١١٥) - وقوله تعالى: ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾:
يحتمل أن يقال هي آية موادعة منسوخة بالقتال. وكذلك قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا عل مكانتهم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون﴾ [هود: ١٢١، ١٢٢].
стр. 1159
سورة يوسف ﵇
هي مكية واختلف في سبب نزولها. فقيل إن اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف فنزلت. وقيل إن اليهود أمروا كفار مكة أن يسألوا رسول الله ﷺ عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر. وقيل سبب نزولها تسلية رسول الله ﷺ عما يفعله به قومه. ولم يتكرر من هذه السورة شيء في القرآن كما تكرر قصص الأنبياء وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(٤) - قوله تعالى: ﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾:
قال جماعة من المفسرين: القمر تأويله الأب والشمس تأويلها الأم فاستقرأ بعض الناس من تقديمها وجوب بر الأم وزيادته على بر الأب.
(١٨) - قوله تعالى: ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب﴾:
روي أن إخوة يوسف لما أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب تأمله فلم ير خرقًا ولا أثر ناب، فاستدل بذلك على كذبهم وقال لهم: متى
стр. 1160
كان الذئب حليمًا يأكل يوسف ولا يخرق قميصه. واحتج الفقهاء بهذا في أعمال الأمارات في مسائل كالقسامة بها في قول مالك، إلى غير ذلك.
(١٩) - قوله تعالى: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم﴾:
قاس بعض المفسرين على هذه الآية أحكام اللقيط. وقد اختلف فيه. فقال قوم هو عبد لمن التقطه وقال الجمهور هو حر وولاؤه للمسلمين. وقال قوم هو حر وولاؤه للملتقط. والصواب ما قاله الجمهور لأن الأصل في الناس الحرية لأنهم من آدم وحواء. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: المنبوذ حر. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: اللقيط حر، وتلا قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم﴾ [يوسف: ٢٠]. وموضع الحجة من الآية أنه لو كان عبدًا لمن التقطه ما احتاجوا إلى شرائه وهذا بين. وإن صح أن اللقيط لا ينتقل عن أصل الحرية بالتقاطه فكذلك اللقطة لا تكون ملكًا لمن التقطها، ولا يحل له أكلها بعد التعريف خلافًا لداود في قوله أنه إذا أكلها ملتقطها
стр. 1161
بعد الحول لم يضمنها، وخلافًا في قوله يجوز له أكلها ويضمنها لصاحبها. ويؤخذ من هذه الآية أيضًا أن اللقيط يؤخذ ولا يترك. واختلف في اللقطة هل تؤخذ أو تترك.
(٢٦) - قوله تعالى: ﴿وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه﴾:
يحتج بها من يرى الحكم من العلماء بالأمارات والعلامات فيما لا تحضره البينات كاللقطة واختلف في الوديعة والسرقة وشبههما هل تقبل فيها الصفة أم لا إذا جهل صاحبها؟ ومن هذا النوع إرخاء الستر وشهادة الصبيان في الجراح وذلك دليل لا شهادة. ومن ذلك معاقد الحيطان والنظر إليها عند الاختلاف، ووضع الخشب في الحائط ونحو ذلك.
ومن ذلك أن يكون عقد الدين بيد المدين محوًا فيكون القول قوله إنه أدى الدين. ومن ذلك دعوى المرأة الاستكراه وهي متعلقة بالمدعى عليه ومراعاة التعلق به. ومن ذلك مسألة النائرة تقع بين القوم فيدعي بعضهم على بعض القتل أنه يصدق بسبب تقدم النائرة. ومن ذلك دفع شهادة الشهود العدول بنحو ذلك كالشاهدين على الهلال في الصحو قد اختلف في جواز شهادتهما، وقال سحنون فيهما شاهدا سوء. ومن اختلاف الرجل وزوجته في متاع البيت، وقول مالك أنه يحكم
стр. 1162
للرجل بما هو من لباسه وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل. قال إسماعيل القاضي: والعمل بمثل هذا مخالف لقوله ﵊: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) لأنه لم يرد بذلك الحديث إلا الموضع الذي تمكن فيه البينة. قال: فإن قال القائل إن تلك الشريعة لا تلزمنا. قلنا كل ما أنزله الله تعالى علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا وقال تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] فآيات يوسف مقتدى بها، معمول بها، وأنكر أبو الحسن العمل بالعلامات قوال: إنه اتفق على أنه لا يعمل، في غير الزوجين إذا تنازعا في شيء بمثل ما عمل فيها، قال: والأشبه في حديث يوسف أن ذلك كان آية من الله تعالى فليس في ذلك دلالة إلا من جهة خرق الله تعالى العادة في إنطاق الصبي في المهد. قال: وكان شريح وإياس يعملان على العلامات في الحكومات وأصل ذلك هذه الآية. ولعل ذلك فيما طريقه التهمة لا على سبيل بت الحكم، لكن إذا ظهر مثل هذا من العلامة على الدعوى أقر المدعى عليه فحكم عليه بالإقرار. وقد اختلف في الشاهد، فقيل كان ابن عم المرأة التي هم بها يوسف. وقيل رجل من خاصة الملك.
وقيل كان طفلًا في المهد ويضعف هذا أن البخاري ومسلم أنه يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وابن السوداء
стр. 1163
التي دعت له أن يكون كالفاجر الخبيث وأسقط صاحب يوسف. وأسند الطبري إلى ابن عباس أنهم أربعة وزاد صاحب يوسف. وعنه أيضًا أنهم خمسة وزاد فيهم ابن ماشطة فرعون. وذكر ابن فتحون في استدراكه عن ابن عبد البر، مبارك اليمامة وذكر أنه أوتي به الرسول ﷺ حين ولد وقد لف في خرقة فقال من أنا؟ فقال أنت رسول الله. فقال صدقت بارك الله فيك، فسمي مبارك اليمامة، فهم ستة. وقيل الشاهد القميص وهو أضعف الأقوال.
(٤٢) - قوله تعالى: ﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾:
اختلف في البضع ما هو فالأكثر إلى أنه من الثلاثة إلى العشرة. وقيل البضع لا يبلغ العقد ولا نصف العقد وإنما هو من الواحد إلى الأربعة. وقيل البضع من الواحد إلى العشرة وقيل البضع من الثلاثة إلى التسع ويعضد هذا ما روي أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر الصديق في قصة خطرة مع قريش في غلبة الروم لفارس: ((أما علمت أن البضع من التسع إلى الثلاث)). وقيل من الثلاثة إلى السبعة. قال الفراء
стр. 1164
ولا يذكر البضع إلا مع العشرات ولا يذكر مع المائة ولا مع الألف بالقول الأول أخذ مالك رحمه الله تعالى فرأى أن من أقر ببضع إنما يقضى عليه بثلاثة إلا أن يقر بأكثر.
(٤٤) - وقوله تعالى: ﴿قالوا أضغاث أحلام﴾:
قال هؤلاء هذا القول. وقد كانت الرؤيا صحيحة لأن يوسف ﵇ عبرها بسني الخصب والجدب فكا كذلك. وهذا يبطل قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر به فتأول قوله ﵊: ((الرؤيا لأول عابر)) وقوله أيضًا: ((الرؤيا على رجل طائر)) فإذا عبرت وقعت لأن الأقوام قالوا أضغاث أحلام ولم تقع كذلك.
(٥٤)، (٥٥) - قوله تعالى: ﴿وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين * قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾:
سمى الله تعالى فرعون مصر في هذه الآية ملكًا لأنها حكاية اسم كان يطلق عليه ولم يكن حيًا لكان ذلك حكم ما. ولهذا كتب رسول الله ﷺ : ((هرقل عظيم الروم))، ولم يقل ملك الروم ولا كافر لأن ذلك حك له بالملك والكفر. وأما كونه عظيمهم فتلك صفة لا تفارقه، ولو كتب له ﷺ بالملك لتمسك بذلك كتمسك زياد في قوله: شهد والله لي أبو الحسن. ثم قال تعالى: ﴿اجعلني على خزائن الأرض ... ﴾ فسأل يوسف فرعون أن يوليه
стр. 1165
عملًا فولاه. وقد اختلف في طلب الولايات كالقضاء ونحوه مباهاة بذلك وطلب منزلة هل يجوز أم لا؟ فكرهته طائفة لأن طلب المباهاة في الدنيا مكروه، قال الله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين﴾ [القصص: ٨٣] وذهبت طائفة أخرى إلى أن طلبه لذلك غير مكروه لأن طلب المنزلة بما أبيح غير مكروه قالوا وقد رغب نبي الله يوسف إلى فرعون في الولاية والخلافة فقال: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ وهاتان الصفتان تعمان وجوب التثقيف والحياطة لا يدخل معها خلل على عامل. إلا أن المفسرين قد خصصوهما بأشياء ينبغي أن تساق على جهة المثال. قال بعضهم حفيظ لما استودعت عليهم بما وليت، وهو قول عبد الرحمن الأشجعي. ويخرج اللفظ بهذا القول عن التزكية ليوسف وعلى القول الأول فيه التزكية ظاهرة. واختلف في جواز الولاية من قبل الظالم. فذهب قوم إلى جواز ذلك إلا عمل بالحق فيما يولي، واحتجوا بأن يوسف تولى من قبل فرعون ليكون بعدله دافعًا
стр. 1166
لجوره. وذهب طائفة أخرى إلى المنع من ذلك لما فيها من إعانة الظالمين وتزكيتهم بالتقليد لأوامرهم وأجابوا على ولاية يوسف برأيين:
أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحًا وإنما الطاغي فرعون موسى.
والثاني: أنه نظر له في أملاكه دون أعماله. وروي عن مالك رحمه الله تعالى أنه قال: مصر خزانة الأرض، واحتج بهذه الآية.
(٧٢) - قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾:
في هذه الآية -على ما ذهب إليه جماعة من العلماء- جعل وكفالة. والآية تدل على جوازهما. فأما الجعل فقد اختلف في جوازه. وهو أن يجعل الرجل للرجل جعلًا على عمل يعمله له إن أكمل العمل. فأجازه مالك وأصحابه ولم يجزه أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه والأصل في جوازه قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ وهذا جعل محض وإذا قلنا بجوازه فهل ذلك فيما للجاعل فيه منفعة خاصة أو فيما كان له فيه منفعة أو لم يكن فيه؟ قولان في المذهب. والأصل في اشتراط المنفعة الآية لأنها إنما جاءت فيما كان فيه منفعة
стр. 1167
وهو رد الصراع. وإذا اشترطنا المنفعة فهل من شرطها أن لا يحصل منها شيء إلا بتمام المجعول فيه أم لا؟ فالمشهور أن ذلك من شرطها وإلا لم يجز. فقد يتخرج في المذهب قول آخر بإسقاط ذلك الشرط. والأصل في القول الأول الآية لأن الجعل فيها إنما جاء فيما لا منفعة فيه إلا بتمامه. واختلف في ضرب الأجل في الجعل هل يجوز أم لا؟ فالمشهور أنه لا يجوز. وقدم الجواز من قول ابن القاسم على ما تأول ابن أبي زيد والأصل في إطراح الأجل الآية لأنه تعالى قال: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ فسمى الجعل ولم يقدر المدة.
وأما الكفالة فمنها كفالة بمال. وكفال بنفس. فأما الكفالة بالمال فلا اختلاف في جوازها وإنما اختلف في بعض شروطها. والأصل في جواز ذلك قوله تعالى: ﴿وأنا به زعيم﴾ أي كفيل. يعني بما ذكره من حمل بعير. وأما الكفالة بالنفس ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: إجازتها في المال والحدود والقصاص. وهو قول عثمان البتي.
والثاني: أن الكفالة بالنفس لا تجوز في شيء من ذلك وإلى نحو هذا ذهب الشافعي.
والثالث: أنها تجوز في المال ولا تجوز في الحدود وهو قول مالك وأصحابه. والأصل في الكفالة بالنفس قوله تعالى في هذه السورة: ﴿لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقًا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف:
стр. 1168
٦٦] فهذه كفالة بالنفس. وفيها عندي حجة لمن يجيز الكفالة بالنفس في غير المال لأن هذه الآية لم يتعرض فيها لذكر المال، إلا أن الأدلة التي نزع بها من لم يجز الكفالة بالنفس في غير المال أصح وأطهر، وليس هذا الكتاب بموضع بسطها.
وقال أبو الحسن: ظن ظانون أن قوله: ﴿وأنا به زعيم﴾ كفالة، وليس ذلك كفالة إنسان وإنما كفل بذلك عن نفسه وضمنه نعم هو جعالة.
(٧٨) - قوله تعالى: ﴿فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين﴾:
يحتمل هذا معان: أحدها: أن يكون على جهة المجاز كما تقوب لمن تكره فعله اقتلني ولا تفعل كذا، وأنت لا تريد أن يقتلك ولكن مبالغو في استعطافه. وكذلك هذا لم يرد أن يسترق واحدًا منهم مكانه وإنما قالوا ذلك مبالغة. فقال يوسف معاذ الله. فتعوذ من فعل ما لا يجوز. ويحتمل أن يكون حقيقة أي خذ أحدنا مكانه رقًا، فتعوذ يوسف من ذلك. إلا أنه يبعد أن يريدوا استرقاق حر وهم أنبياء. ويحتمل أن يريدوا بذلك الحمالة بالنفس، أي خذ أحدنا مكانه حتى يتصرف إليك صاحبك. ومقصدهم أن يصل بنيامين وهو الذي وجد الصواع في رحله إلى يعقوب. ويعرف يعقوب جلية الأمر ثم يرد إليه. فمنع يوسف ﵇ من ذلك إما أنه لم ير الحمالة بالنفس في الحدود ولم يلزم الحميل عقوبة المحمول
стр. 1169
عنه فيكون هذا حجة لمالك وأصحابه. وإما لأنه لم يرها على أن تلزم الحميل عقوبة المحمول، وهذا لا يلزم إجماعًا.
(٨١) - (٨٢) - قوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون﴾:
قوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ يحتج به في أنه لا تجوز الشهادة بما لا يعلم وقد اختلف قول مالك فيمن دفع إلى شهود كتابًا مختومًا وقال: اشهدوا علي بما فيه، هل يصح تحملهم للشهادة أم لا؟ وكذلك الحاكم إذا كتب كتابًا إلى حاكم وختم وأشهد الشهود بأنه كتابه ولم يقرأ عليهم. فعن مالك في ذلك روايتان. فاستدل القاضي أبو إسحاق لجواز الشهادة بأن رسول الله ﷺ كتب إلى عبد الله بن جحش كتابًا وأمره أن يسير ليلتين ثم يقرأ ما فيه فيتبعه. قال ووجه المنع قوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ وإذا لم يقرؤوا الكتاب لم يشهدوا بما يعلمون فلم تجز شهادتهم. وكذلك اختلفوا إذا عرف الشاهد في العقد إلا خطه هل تجوز شهادته أم لا؟ وكذلك اختلفوا إذا عرف الشهادة ولم يذكر مما في العقد شيئًا هل تجوز شهادته أم لا؟ والخلاف فيه في المذهب. ويمكن أن يحتج على المنع من الشهادة في ذلك كله بالآية المذكورة.
стр. 1170
(٨٢) - وقوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون﴾:
أرادوا: واسأل أهل القرية وأهل العير، فحذف. وقد اختلف الأصوليون هل هذا مجاز أم لا؟ والجمهور منهم على أنه من المجاز، وأنكر بعضهم أن يكون مجازًا وأجاز أن ينطق الله تعالى القرية ولعير لاتساع القدرة. وذكر المفسرون أن القرية مصر. وأما العير فهي الدواب التي يمتار عليها الطعام. ومعنى الآية الاستشهاد بأهل القرية وأهل العير ظاهرها عرفت عدالتهم أو لم تعرف، وهو مذهب أبي حنيفة. فأما مذهب مالك فلا يستشهد إلا عدل لقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] إلا أنه اختلف عندنا في أهل الرفقة يشهد بعضهم على بعض فيما يجري مجرى هذا، هل يشترط فيهم معرفة العدالة أم لا؟ وظاهر المذهب -وهو القياس- أنه لا يجوز أن يقبل إلا عدل لما قدمناه. وذهب ابن حبيب ورواه عن مطرف وابن الماجشون إلى جواز قبول شهادتهم في ذلك إذا توسم فيه أي توسم فيهم الحاكم الحرية والإسلام وزاد الشيخ أبو إسحاق، والمروءة والعدل. واحتج أبو إسحاق لهذا القول بقوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون﴾ وهذا القول إنما هو فيما يختص بمعاملات السفر كما قدمنا. فأما بيع العقار والأموال التي لم تجر العادة ببيعهما في السفر فلا تقبل فيه شهادة أهل الرفقة إذا لم تعرف عدالتهم بوجه. وأما أهل موضع إذا لم يكن فيهم عدل وبعدوا عن العدول فهل تجوز
стр. 1171
شهادة بعضهم لبعض في الأموال أم لا؟ فالذي عليه الجمهور في المذهب - ولا يعرف لمتقدم منهم فيه خلاف- أن شهادتهم لا تجوز لما قدمناه، وهو ظاهر قول ابن حبيب في الواضحة ونقله الباجي. ورأيت قومًا من المتأخرين يحكون عن شيوخهم أنهم كانوا يفتون بجواز الشهادة ممن ذكرناه ويعملونها للضرورة كشهادة أهل الرقة مع المتوسم. ورأيت بعضهم يحتج في ذلك بقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾.
(٨٤) - (٨٦) - قوله تعالى: ﴿وتولى عنهم وقال يا أسفى وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم * قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين * قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾:
هذه الآية تعطي إباحة البكاء عمن يموت للإنسان. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه نص في مواطن على جواز ذلك منها في دفن ابنه إبراهيم، قال: ((تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب)). ومنها في موت ابن لابنته. قال الراوي فدفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها شنة ففاضت عيناه. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله ما هذا؟ قال: ((رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء)). ومنها حديث أنس قال: شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ وهو على القبر وعيناه تدمعان وقال ﵊ لعمر إذ نهى النساء عن البكاء: ((ادعهن يا عمر فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب)). وكره البكاء من أخذ
стр. 1172
بظاهر الحديث: ((أن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه)) وإليه ذهب عمر وابن عمر. وقد مر الكلام عليه. وهذا الذي ذكرناه هو البكاء دون النوح. فأما مع النوح فلا يجوز باتفاق. وقد نهى النبي ﷺ عنه في غير ما حديث. واختلف العلماء فيمن يستحق اسم الصبر بعد قولهم بجواز البكاء من غير نوح. فقال قوم هو الذي يكون في حال المصيبة مثله قبلها ولا يظهر منه حزن في جارحة ولا لسان. وجاء مثل هذا عن ابن مسعود والصلت بن أشيم وشريح وابن شبرمة وربيعة. وقال قوم هو الصبر المحمود وهو التسليم للقضاء والرضا به وترك بثه للناس. فأما جزع القلب وحرق القلب ودمع العين فلا يخرج العبد من معاني الصابرين إذا لم يتجاوز به إلى ما لا يجوز له فعله بأن النفوس مجبولة على الجزع من المصائب، وحكي هذا عن جماعة من السلف منهم الحسن. وقال طلحة بن مطرف: لا تشك مرضك ولا مصيبتك. قال: وأنبئت أن يعقوب ابن إسحاق صلى الله عليهما دخل عليه جار له فقال له: يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من العمر ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله تعالى به من فقد يوسف. فأوحى الله تعالى إليه: يا يعقوب
стр. 1173
أتشكوني إلى خلقي؟ قال: يا رب خطيئة فاغفرها. قال: غفرتها لك. فكان ذلك أسيل: ﴿قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ ولما مات سعيد بن أبي الحسن بكى عليه الحسن حولًا. فقيل له: يا أبا سعيد تأمرنا بالصبر وتبكي. قال الحمد لله الذي جعل هذه الرحمة في قلوب المؤمنين يرحم بها بعضهم بعضًا، تدمع العين ويحزن القلب وليس ذلك من الجزع إنما الجزع ما كان من اللسان واليد. الحمد لله الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف وبالًا عليه، وقد بكى عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن. وحكي أنه يفارق الحزن قلب يعقوب ثمانين سنة، فما جاء في الآية من أمر يعقوب حجة لمن يرى من يفعل ذلك صابرًا.
(٨٨) - قوله تعالى: ﴿قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين﴾:
قوله: ﴿مسنا وأهلنا الضر﴾ يتخرج منه شكوى المسغبة والحاجة لمن يرجى أن يكون سببًا لكشفها لأن الله تعالى لم يعاقبهم على شكواهم تلك. وقوله: ﴿فأوف لنا الكيل﴾ دليل على أن الكيل إنما هو على البائع. وقد اختلف في ذلك قول مالك، ففي قوله القديم أن على المبتاع الكيل. وعنه بعد ذلك أن الكيل على البائع، وهو الصحيح. لأن عليه أن يوفي ما باع ويبرزه عن ملكه بالوزن. واحتج مالك لهذا القول بهذه الآية: ﴿فأوف لنا الكيل﴾. وكذلك الوزان والعداد والمزرع.
стр. 1174
وقوله تعالى: ﴿وتصدق علينا﴾ اختلف فيه: فقيل كانت الصدقة غير محرمة على أولئك الأنبياء وإنما حرمت على نبينا محمد ﷺ ، قاله ابن عيينة. وقيل بل كانت محرمة على جميع الأنبياء، واحتجوا بقوله ﵊: ((إنا معشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة))، قالوا في الآية إن قولهم: ﴿وتصدق علينا﴾ تجوزًا واستعطافًا منهم في المبالغة كما تقول لمن تساومه في ثمن سلعة: هبني من ثمنها جزء ونحو ذلك. فلم تقصد أن يهبك وإنما حسست له الانفعال حتى يرجع إلى غرضك. وقيل المعنى في ذلك وتصدق علينا بصرف أخينا إلى أبيه. وقيل فيه غير هذا من التأويلات.
وقوله تعالى: ﴿إن الله يجزي المتصدقين﴾:
قال بعض المفسرين: قيل هي من المعاريض التي هي مندوحة عن الكذب وذلك أنهم كانوا يعتقدونه كافرًا على غير دينهم ولو قالوا له إن الله تعالى يجزيك بصدقتك في الآخرة كذبوا، فقالوا له لفظًا يوهمه أنهم أرادوه له وهم يصح لهم إخراجه بالتأويل. وهذا الذي ذكرناه
стр. 1175
حجة لمن يرى المعاريض. وقد تقدم الكلام على هذا الفصل مستوفيًا. وفي هذه الآية عندي إباحة سؤال الكافر ومبايعته وإحسان القول إليه إذا خيف منه.
(١٠١) - قوله تعالى: ﴿توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾:
اختلف هل في هذه الآية تمني الموت أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه ليس فيها تمني موت وأن معناها توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين متى توفيتني. فالآية على هذا محكمة بلا خلاف. وقيل فيها تمني معنى الموت. وقال ابن عباس: لم يتمن الموت نبي قط غير يوسف. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا هل الآية منسوخة أم محكمة؟ فذهب جماعة إلى أن حكمها باق وأن يوسف تمنى الموت تشوقًا إلى ربه، قالوا وهذا جائز أن يتمنى الإنسان الموت إما تشوقًا أو خوفًا على دينه، فأما لضر نزل به فلا. وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله ﵊: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)) وهذا ضعيف لأن خبر الآحاد لا ينسخ به القرآن. وأيضًا فإن في الحديث لضر نزل به، وليس في الآية ضر نزل بيوسف ﵇. فإن أرادوا أن الآية محمولة على ذلك وأن الحديث نسخها فهذا تحكم ظاهر الفساد. وإن أرادوا أن تمني الموت لا يجوز عمله على أي حال كان، وإن إباحته منسوخة بالحديث فليس كذلك لأنه قد قيد في الحديث ولم يقيد في الآية. فتحمل الآية على ما يصح ويحمل الحديث في الذي جاء فيه، وقد روي عن النبي ﷺ في بعض دعائه: ((وإذا أردت بالناس
стр. 1176
فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)) وقال ﵊: ((يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه ليس به الدين ولكن ما يرى من البلاء والفتن)). فقوله ليس به الدين يدل على إباحة ذلك، وأن لو كان على الدين. وقد دعا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالموت فقال: اللهم قد رق عظمي وانتشرت رعيتي فتوفني غير مقصر ولا عاجز. وقد دعا به علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز. فهذا كله دليل على إباحة الدعاء بالموت إذا لم يكن لضر نزل. والضر الذي ينزل يراد به ضر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك. وكل ما ذكرناه في هذه السورة فإنما يصح على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا ما لم يرد ناسخ.
стр. 1177
سورة الرعد
اختلف في هذه السورة، فقيل هي مكية، قاله سعيد بن جبير وغيره. وقيل هي مدنية. وقيل هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا﴾ [الرعد: ٣١] ذكر ذلك عن قتادة وقيل هي مكية إلا آيتين: قوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا﴾ وقوله: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣]. وقيل هي مدنية غير قوله تعالى: ﴿ولو أن قرآنًا﴾ حكي ذلك عن قتادة. وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وفيها من الأحكام.
(٨) - قوله تعالى: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار﴾:
قوله تعالى: ﴿وما تغيض﴾ معناه وما تنقص، وذلك أنه من معنى
стр. 1178
قوله: ﴿وغيض الماء﴾ [هود: ٤٤] وهو بمعنى النضوب وهو هنا بمعنى زوال شيء عن الرحم. ثم اختلف المفسرون في هذه الزيادة والنقصان. فقيل غيض الرحم وإراقتها الدم على الحمل. وإذا كان ذلك ضعف الولد في البطن وشحب، فإذا بلغت الحامل تسعة أشهر لم تضع ويبقى الولد في بطنها زيادة عن الزمان يكمل فيها من جسمه وصحته ما نقص بإراقة الدم. وهذا هو معنى قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قاله مجاهد. وقيل غيضه نضوب الدم منه وإمساكه بعد عادة إرساله بالحيض، فيكون قوله تعالى: ﴿وما تزداد﴾ بعد ذلك جاريًا مجرى تغيض على غير مقابله. بل تغيض الرحم هو بمعنى الزيادة فيه. وقيل غيض الرحم إسقاطها الولد والزيادة أن تضعه كاملًا في مدة كاملة، وهو قول الضحاك. وقيل غيض الرحم ما يسقط قبل التسعة وما تزداد ما تضع بعد التسعة ففي هذه الآية تفسير على دليل مجاهد أن الحامل تحيض، وهي مسألة اختلف فيها. فذهب مالك والشافعي إلى أنها قد تحيض على الحمل، فما تراه المرأة من الدم وهي حامل من الدم ليس بحيض. قالوا ولو كان حيضًا لما صح استبراء الأمة بحيضة وهو إجماع. وحجة القول الأول الآية. وقد روي عن مالك ما يدل أن الحامل لا تحيض. وفي هذه الآية أيضًا دليل على أن الحمل قد يوضع لأقل من تسعة أشهر ولأكثر، إلا أنهم أجمعوا
стр. 1179
على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣].
واختلفوا في أكثره، فقال ابن عبد الحكم أكثره تسعة وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم: أكثره حولان. وقال قوم أكثره ثلاثة أعوام، وإليه ذهب الليث بن سعد.
وقال الشافعي -وهو ظاهر قول مالك في غير موضع- أكثره أربعة أعوام. وقال ابن القاسم أكثره خمسة أعوام، وروي عن مالك. وقال مالك في رواية أشهب عنه: أكثره سبعة أعوام وأن ابن عجلان ولدت امرأته لسبعة أعوام. وحجة هذا القول الآية على ما قدمناه. وروي أن الضحاك بن مزاحم بقي حولين في بطن أمه، قال: ولدت وقد نبتت ثناياي. وروي أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر. وذكر أن مالكًا وضعته أمه لسنتين وقيل لثلاث سنين.
стр. 1180
سورة إبراهيم ﵇
هي مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة وهما قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩]. وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وفيها من الأحكام مواضع.
(٢٢) - قوله تعالى: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق وودعتك فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾:
أقام بعض الناس من هذا الموضع إبطال القول بالتقليد جملة وهو مذهب حذاق الأصوليين خلافًا للحشوية والتعليمية الذين ذهبوا إلى أن طريق معرفة الحق التقليد، وأن ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام.
стр. 1181
وهو انتزاع حسن لأنهماتبعوا الشيطان بمجرد دعواهم ولم يطلبوا منه برهانًا. فحكى الله تعالى قول الشيطان تقبيحًا لذلك الفعل منهم وأجابتهم بغير أسبابه، فدل هذا أنه لا يقلد أحد بمجرد دعواه.
(٢٥) - قوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾:
اختلف المفسرون في الحين كم هو في هذه الآية. فقال ابن عباس وعكرمة وغيرهما سنة. وقال الحسن -وروي عن ابن عباس وعكرمة أيضًا- ستة أشهر. وقال ابن المسيب شهران، وقال الضحاك وغيره عن ابن عباس: كل حين أي غدوة وعشية ومتى أريد جناها. فمن راعى أن ثمر النخلة وجناها إنما يأتي على كل سنة قال بالقول الأول. ومن راعى وقت جذاذ النخل إلى حملها في الوقت المقبل قال بالقول الثاني. ومن راعى مدة الجني في النخل قال بالقول الثالث. وأما القول الرابع فضعيف لأن الشجرة ليست أبدًا تأتي أكلها غدوة وعشيًا، ومتى أريد جناها. وبحسب الاختلاف في مقدار الحين هنا اختلف فيمن خلف أن لا يكلم فلانًا حينًا. فذهب مالك وجماعة غيره إلى أنه لا يكلمه سنة، واحتجوا بالآية. وذهب قوم إلى أنه لا يكلمه ستة أشهر وتأولوا الآية على مذهبهم وهو قول أبي حنيفة، وذكر أنه قاله اتباعًا لعكرمة. وقال قوم لا يكلمه شهرين. وتأولوها أيضًا على مذهبهم. ويأتي على المذهب الرابع في تفسير الآية قول رابع وهو أن لا يكلمه يومًا واحدًا. وحكي عن سعيد بن المسيب أنه بلغه قول عكرمة في الحين أنه ستة أشهر، فقال انتقرها عكرمة. فقيل إنه يحتمل المدح والذم. فعلى المدح يكون استخرجها واستنبط علمها من
стр. 1182
كتاب الله ، أصلها من النقر، وهو البحث عن الشيء. والانتقار أيضًا بمعنى الاختصاص. قال طرفة: ألا ترى الأديب فينا ينتقر. فكأنها على هذا التأويل اختص بها عكرمة وتفرد بعلمها، وما أشبه ذلك من الكلام. وعلى الذم يكون المعنى أفتى بها من قبل نفسه واختص بقول فيها لم يتابع عليه أو نحو هذا من الكلام. وأصل الحين في لغة العرب المدة من الزمن غير معلومة. إلا أنه قد ينضاف إليها من الكلام ما يدل على تحديها كهذه الآية ونحوها. وقد قيل إن الحين أيضًا أربعون سنة. وأما الشافعي فرأى الحين لفظًا مجملًا لم يوضع لمعنى معين. وقال تعالى: ﴿ليسجننه حتى حين﴾ [يوسف: ٣٥] وعنى به ثلاثة عشر سنة. وقال تعالى: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ [ص: ٨٨] يعني يوم القيامة.
(٣١) - قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿وعلانية﴾:
قد مر الكلام على معاني هذه الآية في غير ما موضع. والله الموفق لا رب غيره.
стр. 1183
سورة الحجر
مكية وفيها مواضع من النسخ والأحكام.
(٣) - قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾:
هذه الآية فيها وعيد وتهديد ومهادنة ما، فهي منسوخة بآية السيف. وفي هذه الآية جاء حديث الرافضين الذي في صدر الأمالي ومقتضاه أنه ارتد ونسي القرآن إلا هذه الآية.
(٧٢) - قوله تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾:
في هذه الآية شرف للنبي ﷺ لأن الله تعالى أقسم بحياته ولم يفعل ذلك مع أحد سواه، قاله ابن عباس. واختلف في لعمري ولعمرك هل هي يمين يلزم من حلف بها أن يكفر أم ليست بيمين ولا يلزم الحالف بها كفارة. والجمهور هي يمين يلزم الحانث بها الكفارة ومن حجته هذه الآية لأن الله
стр. 1184
تعالى قد أقسم بها. قال ابن حبيب ينبغي أن يصرف لعمرك في الكلام اقتداء بهذه الآية. وهذا من ابن حبيب جنوح إلى قول الحسن. وكذلك اختلف في لعمر الله هل يجوز أن يقسم بها وهل فيها كفارة على من حلف فيها أم لا على قولين في المذهب، والأشهر الجواز وأن فيها الكفارة لأن العمر البقاء والحياة، وبذلك فسرت هذه الآية. والبقاء والحياة صفتان من صفات الله تعالى فيجوز القسم بها. وقد كره قوم الحلف بغير الله. قال أبو الحسن: وقد ورد فيه خبر وإن لم يقو إسناده، وكرهوا أيضًا أن يقول: وحق الكعبة، وحق الرسل.
(٨٥) - قوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾:
وهذه الآية تقتضي مهادنة ونسختها آية السيف. قاله قتادة.
(٩٤) - قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾:
هذه الآية تقتضي مهادنة. والناسخ لها آية السيف. قاله ابن عباس.
стр. 1185
سورة النحل
هي مكية سوى ثلاث آيات من آخرها نزلت بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله ﷺ من أحد وذلك لما قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه ومثل به المشركون. فقال النبي ﷺ : ((لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم)) فأنزل الله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم ... ﴾ إلى آخر السورة [النحل: ١٢٦ - ١٢٨]. وما نزل بين مكة والمدينة فهو مدني. وهذه السورة كانت تسمى سورة النعم لما عدد الله تعالى فيها من نعمه على عباده وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(٥) - (٨) - قوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾ إلى قوله: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾:
الأنعام: الإبل والبقر والغنم. والدفء: السخانة بالأكسية التي تعمل
стр. 1186
منها ونحوها. وقيل الدفء النسل وقال الحسن الدفء ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها. واستدل به قوم على جواز الانتفاع بها في خالتي حياة الحيوان وموته. وقال بعضهم ليس هذا الاستدلال بصحيح لأن الله تعالى قرن ذلك مع الأكل من الأنعام. فقال: ﴿ومنها تأكلون﴾ فدل ذلك على إباحة هذه الثلاثة أشياء بشرط الذكاة. والأثقال الأمتعة. وقيل المراد بها هنا الأجسام كقوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: ٢] أي أجساد بني آدم.
وقوله: ﴿إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ... ﴾ الآية. إلى بلد توجبهم إليه بحسب اختلاف أغراض الناس. وقيل المراد مكة، قاله ابن عباس وغيره. وفي الآية على هذا حض على الحج. وقد اختلف في ركوب البقر. وفي الآية دليل على جوازه لقوله تعالى: ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس﴾ [النحل: ٧] فعم الأنعام كلها. وأما الحمل عليها دون الركوب فلا أعرف في جوازه خلافًا.
وقوله: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] لا خلاف في جواز ركوب هذه ما لم تكن جلالة. واختلف في الجلالة منها هل يجوز ركوبها أم لا؟ وعموم الآية دليل على جوازه. وكذلك اختلف في ركوب الجلالة من الإبل، وعموم الآية أيضًا دليل على جوازه. وتخصيصه
стр. 1187
تعالى الخيل والبغال والحمير بالركوب دليل على أنه لا يجوز أكلها، وهذا كله الذي يسميه الأصوليون دليل الخطاب، وبينهم في القول به خلاف وعلى ذلك اختلفوا في أكلها على ثلاثة أقوال: المنع والكراهة -والقولان في المذهب- والجواز، وبالتحريم قال أصحاب أبي حنيفة، واحتج بعضهم بالآية وزعم أن فيها دلالة على ذلك. وبالجواز قال أصحاب الشافعي وأنكروا دلالة الآية، وقالوا إنما لم يذكر الله تعالى الأكل منها كما ذكره في الأنعام لأنها لا تعد لذلك عرفًا وإنما تؤكل إذا أصابتها زمانة. واختلف في ركوب الإبل، والجمهور على إباحته وحجتهم عموم الآية.
(١٤) - قوله تعالى: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا﴾ إلى قوله: ﴿ولعلكم تشكرون﴾:
وقد مر الكلام على جميع أحكام هذه الآية إلا قوله تعالى: ﴿وتستخرجون منه خلية تلبسونها﴾. يريد بالحلية الجوهر والمرجان والصدف والصوف البحري ونحو ذلك مما يخرج من البحر، فأباح لباسها. وقد اتفق أهل العلم على إباحة التحلي بالجوهر للنساء بدليل هذه الآية لأنه تعالى قال: ﴿تلبسونها﴾ فأباح لباسها، والجوهر من جملة ذلك، ودليل آخر غير الآية. واختلفوا في إباحة ذلك للرجال بالآية يستدل على إباحته. وقد احتج بهذه الآية أبو يوسف ومحمد والشافعي فيمن حلف لا يلبس حليًا فلبس لؤلؤًا فإنه يحنث بتسمية الله تعالى إياها حليًا. وأبو حنيفة لا يرى
стр. 1188
ذلك لأن الحلي إذا أطلق لا يفهم منه في المتعارف اللؤلؤ. وذلك مكابرة منه.
(١٦) - قوله تعالى: ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾:
في هذه الآية دليل على جواز الاهتداء بالنجوم في الطرق والأوقات حتى عول الناس على ذلك في التحسير احتياطًا للصوم، وإن كان الله تعالى لم يكلفنا إلا بالشيء البين الذي يشترك في معرفته العامة والخاصة وهو تبين الفجر لكن الناس احتاطوا لخوفهم أن يؤكل في النهار وعولوا في الاحتياط لذلك على المنازل. وقد اختلف العلماء هل هذا الإمساك قبل الفجر واجب أم لا؟ وقوله: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ يقع على الكواكب والشمس والقمر، وقد صرح الشرع بوجوب الاهتداء بالهلال في أمر الشهور. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال في الهلال: ((فإن غم عليكم فأقدروا له)) فاختلف العلماء في تخريج قوله: فأقدروا له. فقيل معناه أن يكمل عدد الشمس ثلاثين. واحتج من ذهب إليه بالحديث الذي جاء مفسرًا في ذلك وقيل معناه أن ينظر إذا غم القمر ليلة الشك إلى سقوطه من الليلة الثانية، فإن سقط بمنزلة واحدة، وهي ستة أسباع ساعة علم أنه من الليلة الماضية فيقضي صوم ذلك اليوم. وإلى هذا ذهب
стр. 1189
الطحاوي. قال ولكن هذا منسوخ لقوله ﷺ : ((فإن غم عليكم فأكملوا المدة ثلاثين)). وقيل معناه أن ننظر إلى ما قبل الشهر الذي غم الهلال عند آخره من الشهور. فإن كان توالى شهران أو ثلاثة كاملة عمل على أن هذا الشهر ناقص فأصبح الناس صيامًا. وإن كانت توالت ناقصة عمل على أن هذا الشهر كامل وأصبح الناس مفطرين إذ لا يتمادى أربعة أشهر ناقصة ولا كاملة إلا في النادر. وإن لم يتوال قبل الشهر الذي غم الهلال في آخره شهران فأكثر ناقصة ولا كاملة احتمل أن يكون الشهر ناقصًا، وأن يكون كاملًا واحدًا فوجب أن يكون عدده ثلاثين يومًا كما جاء في الحديث الآخر. وهذا في الصوم. فأما الفطر فإذا غم هلال شوال فلا يفطر بالتقليد الذي يغلب على الظن فيه أن رمضان ناقص. وقيل معناه أنه إذا مر لشعبان تسعة وعشرون يومًا نظر، فإن رؤي الهلال فذلك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة أصبح ناظره مفطرًا. وإن حال دون منظره سحاب وقترة أصبح صائمًا ثم لا يفطر إلا مع الناس، وهو قول ابن عمر. وقيل -وهو قول مطرف بن الشخير وأحد قولي الشافعي- معناه إذا التبس الهلال حسب له بحساب المنجمين، واحتج من ذهب إلى هذا بهذه الآية: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾. ورد الجمهور هذا القول وتأولوا الآية على أن المراد بها الاهتداء في الطرق في البر والبحر، وقالوا أيضًا لو كان التكليف يتوقف على حساب التنجيم لضاق الأمر فيه إذ لا يعرف ذلك إلا قليل من الناس، والشرع مبني على ما يعلمه الجماهير. وأيضًا فإن الأقاليم على مذاهبهم مختلفة، ويصح أن
стр. 1190
يرى في إقليم دون إقليم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الصوم عند أهلها ولا يلزم قومًا ما يثبت عند قوم.
(٦٧) - (٦٩) - قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾:
اختلف في السكر ما هو فقيل هو ما يسكر. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل الآية محكمة أو منسوخة؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة، إنما اقتضت تحليل الخمر فنسخت بآية المائدة في تحريم الخمر. وذهب جماعة إلى أنها محكمة وأن الآية ال تعطي تحليل السكر وإنما تعطي أنهم يتخذون منها ذلك على أنه حلال لهم. وقيل السكر ما يطعم، ورجح الطبري هذا القول. وقيل السكر ما سد الجوع. وقيل السكر المائع من هاتين الشجرتين كالخل والرف والنبيذ، وهو قول مجاهد والشعبي أيضًا. والآية على هذه الأقوال الثلاثة محكمة بلا خلاف. واختلف في الرزق الحسن ما هو فقال: من زعم أن السكر الخمر هو جميع ما يشرب ويؤكل حلالًا من هاتين الشجرتين، وهو قول ابن عباس وابن جبير وإبراهيم والشعبي أيضًا. وقال من ذهب إلى أن السكر المانع كما ذكرنا هو العنب والتمر. ولا اختلاف في أن الخمر إذا تخللت من ذاتها أنها تؤكل. واختلف هل يجوز تخميرها أم لا على ثلاثة أقوال:
стр. 1191
المنع، والجواز، والفرق بين أن يقتني الخمر فيخلل أو يتخمر عصير لم يقصد به الخمر فيخلل. فلا يجوز الأول ويجوز الثاني. والدليل لمن أجاز التخليل قوله تعالى: ﴿تتخذون منه سكرا ورزقًا حسنًا﴾ على قول من فسر السكر والرزق الحسن لأنه الخل ونحوه. وإذا قلنا بالمنع من تخليلها فتخللت ففي جواز أكلها ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والفرق بين ما وضعت للخمر وبين ما لم توضع له، والفرق في هذا قول سحنون، والقولان الآخران لمالك. والدليل للجواز ما قدمناه من أن الآية أيضًا على التفسير المذكور، لأنه إذا جعلنا السكر الخل ونحوه من المانع والرزق الحسن جميع ما يؤكل ويشرب من الشجرتين المذكورتين فإطلاق لفظ الاتخاذ على ذلك يدل على جواز التخليل والأكل بعد التخليل من غير تفصيل.
(٦٩) - وقوله تعالى للنحل: ﴿ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللًا﴾:
يدل على جواز اتخاذ النحل وإن أضر بالشجر لأن الله تعالى قد أباح لها السرح في كل الثمرات وذلل لها السبل. وقد اختلف في النحل يضر بشجر القوم إذا نورت وبكر فهل يمنع صاحبها من اتخاذها عليهم أم لا؟ ففي قول عيسى بن دينار يمنع، وهو قول مطرف في الواضحة. وقال أصبغ لا يمنع، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم وشجرهم أن قدروا وهو قول ابن القاسم. وحجة القول ما قدمناه من دليل الآية، وإن كان ابن حبيب قد اختار قول مطرف. والحمام والدجاج بهذه المنزلة، والخلاف فيها واحد.
стр. 1192
(٧٥) - قوله تعالى: ﴿صرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء﴾:
ذكر إسماعيل بن إسحاق أن المراد به عبد بعينه، ويجوز أن يكون عبد الله. والظاهر أنه أي عبد كان. وذكر إسماعيل أنه روي عن ابن عباس أن الآية واردة في رجل من قريش وعبد أسلما، وأن سيده كان ينفق عليه من ماله. والأبكم أيضًا الذي ضرب الله به المثل بعينه لم يكن له مال وكان كلًا على مولاه. والمولى في هذا الموضع المولى من أخ أو ابن عم. وقال بعضهم الأبكم صنم. وقد اختلف في العبد هل يملك شيئًا أم لا على قولين في المذهب. واستدل بعضهم على أنه لا يملك شيئًا بهذه الآية لقوله تعالى: ﴿لا يقدر على شيء﴾ وهو قول الشافعي وأبي حنيفة واستدل آخرون على أنه يملك بقوله ﵊ في الحديث الصحيح: ((من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)) قالوا فقوله: وله مال، لام تمليك. وأول الأولون هذا وقالوا إنما أضافه إليه لما كان المتصرف فيه لأنه متملك له. وهذا كما تقول
стр. 1193
فرس السائس، وباب الدار ونحو ذلك. وضعف أهل القول الثاني الاستدلال بالآية على أن العبد لا يملك، وقالوا إنما ضرب الله تعالى بذلك مثلًا فلا يلزم أن يكون كل العبيد كذلك وإنما فرض عبدًا تكون حاله تلك وضرب به المثل. وأيضًا فلو كان كذلك للزم أن يكون البكم لا يملكون شيئًا لأن المعنى في المسألتين واحد. وقالوا إن ظاهر الحديث أن العبد يملك وما ذكرتموه من الاحتمال فيها غير منكر إلا أنه غير ظاهر. فيحمل على الظاهر حتى يقوم دليل على غيره. وعلى هذا يترتب الخلاف في طلاق العبد هل هو بيده أو بيد سيده؟ وعلى بيع الأمة هل هو طلاق لها أم لا؟ قد استدل بعضهم بالآية على أن الطلاق بيد السيد وأن البيع طلاق، وأنكر آخرون ذلك وضعفوا الاستدلال.
(٧٨) - قوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا﴾:
استدل بعضهم بهذه الآية على أن الإنسان محمول على الجهل فيما يدعي الجهل فيه من الأمور، خلافًا لمن قال هو محمول على العلم. من ذلك مسألة الصبي الصغير يزوجه أبوه ويشترط عليه شروط الزوجة. فبلغ الصبي قبل أن يدخل ثم دخل فلما طلبته الزوجة بالشروط ادعى أنه لم يعلم بالشروط. فقال بعضهم لا ينفعه ذلك ولا يصدق في أنه لم يعلم.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يصدق أنه لم يعلم، واستدل بالآية.
قال قد سبق جهل الإنسان علمه، وعلمه محدث بعد جهله فهو محمول على الجهل حتى يثبت عليه العلم.
(٨٠) - قوله تعالى: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام﴾ إلى قوله: ﴿ومتاعًا إلى حين﴾:
استدل بعضهم بهذه الآية على جواز الانتفاع بجلود الأنعام مذكاة
стр. 1194
كانت أو غير مذكاة وكذلك في استعمال أوبارها وأشعارها وأصوافها. والمسألة قد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة فقف عليها. والأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز والبقر، ولم تكن بلادهم بلاد قطن وكتان، فكذلك اقتصر على هذه. وقد يحتمل أنه لم يذكر القطن والحرير والمتان تعريضًا لأنه سرف إذ إنما يلبس الصالحون الصوف. وأيضًا فقد أشار إلى القطن والكتان بقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١]:
(٨٢) - قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين﴾:
هذه الآية فيها موادعة نسخت بآية السيف.
(٩٠) - (٩١) - وقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا﴾:
هذه الآية تحتوي على أحكام كثيرة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبغي والأمر بصلة الرحم وحفظ الأيمان. وقد تقدم الكلام على كثير مما تضمنته.
(٩٤)، (٩٥) - قوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلًا بينكم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إنما عند الله هو خير لكم﴾:
وهذه الآية أيضًا قد تقدم الكلام على كثير من أحكامها. ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا﴾ الآية، نهي عن الرشا وأخذ الأموال على ترك ما يجب على الأحد فعله وهل يجب عليه تركه.
(٩٨) - قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾:
معنى هذه الآية: فإذا أردت قراءة القرآن، لأنه لم يرد تعالى التعوذ
стр. 1195
بعد القراءة وإنما يبدأ بها ثم بالقراءة. وقد اختلف في التعوذ هل هو واجب قبل القراءة أم لا؟ فالجمهور أنه ليس بواجب وإنما هو مندوب إليه، وحملوا الأمر في الآية على الندب. وذهب عطاء إلى أنه واجب قبل القراءة وحمل الأمر في الآية على الوجوب. واختلف الذين رأوه على الندب هل يتعوذ في الصلاة قبل الفاتحة أم لا؟ فعندنا أنه لا يتعوذ إلا في النفل لمن شاء، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يتعوذ، وحجتها عموم الآية. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة واختلف القائلون بالاستعاذة هل ذلك في كل ركعة أم لا؟ فقيل: يستعاذ في أول ركعة خاصة. وقيل: يستعاذ في ركعة وهو قول ابن سيرين، وحجة هذا القول عموم الآية. واختلف في لفظ الاستعاذة، فقيل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإليه ذهب الأكثرون. وروى جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة قال: ((اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه)) وقال إسماعيل القاضي التعوذ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وما قام هذا المقام.
قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾:
ذكر قوم من المفسرين أن الآية نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحابهم بالمدينة لستم منا حتى تهاجروا إلينا، وكان فيهم عمار بن ياسر وغيره. فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم على الكفر مكرهين فنزلت الآية: ﴿إلا من أكره
следующие страницы →