← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

المنع، والجواز، والفرق بين أن يقتني الخمر فيخلل أو يتخمر عصير لم يقصد به الخمر فيخلل. فلا يجوز الأول ويجوز الثاني. والدليل لمن أجاز التخليل قوله تعالى: ﴿تتخذون منه سكرا ورزقًا حسنًا﴾ على قول من فسر السكر والرزق الحسن لأنه الخل ونحوه. وإذا قلنا بالمنع من تخليلها فتخللت ففي جواز أكلها ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والفرق بين ما وضعت للخمر وبين ما لم توضع له، والفرق في هذا قول سحنون، والقولان الآخران لمالك. والدليل للجواز ما قدمناه من أن الآية أيضًا على التفسير المذكور، لأنه إذا جعلنا السكر الخل ونحوه من المانع والرزق الحسن جميع ما يؤكل ويشرب من الشجرتين المذكورتين فإطلاق لفظ الاتخاذ على ذلك يدل على جواز التخليل والأكل بعد التخليل من غير تفصيل. (٦٩) - وقوله تعالى للنحل: ﴿ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللًا﴾: يدل على جواز اتخاذ النحل وإن أضر بالشجر لأن الله تعالى قد أباح لها السرح في كل الثمرات وذلل لها السبل. وقد اختلف في النحل يضر بشجر القوم إذا نورت وبكر فهل يمنع صاحبها من اتخاذها عليهم أم لا؟ ففي قول عيسى بن دينار يمنع، وهو قول مطرف في الواضحة. وقال أصبغ لا يمنع، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم وشجرهم أن قدروا وهو قول ابن القاسم. وحجة القول ما قدمناه من دليل الآية، وإن كان ابن حبيب قد اختار قول مطرف. والحمام والدجاج بهذه المنزلة، والخلاف فيها واحد.

стр. 1192

(٧٥) - قوله تعالى: ﴿صرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء﴾: ذكر إسماعيل بن إسحاق أن المراد به عبد بعينه، ويجوز أن يكون عبد الله. والظاهر أنه أي عبد كان. وذكر إسماعيل أنه روي عن ابن عباس أن الآية واردة في رجل من قريش وعبد أسلما، وأن سيده كان ينفق عليه من ماله. والأبكم أيضًا الذي ضرب الله به المثل بعينه لم يكن له مال وكان كلًا على مولاه. والمولى في هذا الموضع المولى من أخ أو ابن عم. وقال بعضهم الأبكم صنم. وقد اختلف في العبد هل يملك شيئًا أم لا على قولين في المذهب. واستدل بعضهم على أنه لا يملك شيئًا بهذه الآية لقوله تعالى: ﴿لا يقدر على شيء﴾ وهو قول الشافعي وأبي حنيفة واستدل آخرون على أنه يملك بقوله ﵊ في الحديث الصحيح: ((من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)) قالوا فقوله: وله مال، لام تمليك. وأول الأولون هذا وقالوا إنما أضافه إليه لما كان المتصرف فيه لأنه متملك له. وهذا كما تقول

стр. 1193

فرس السائس، وباب الدار ونحو ذلك. وضعف أهل القول الثاني الاستدلال بالآية على أن العبد لا يملك، وقالوا إنما ضرب الله تعالى بذلك مثلًا فلا يلزم أن يكون كل العبيد كذلك وإنما فرض عبدًا تكون حاله تلك وضرب به المثل. وأيضًا فلو كان كذلك للزم أن يكون البكم لا يملكون شيئًا لأن المعنى في المسألتين واحد. وقالوا إن ظاهر الحديث أن العبد يملك وما ذكرتموه من الاحتمال فيها غير منكر إلا أنه غير ظاهر. فيحمل على الظاهر حتى يقوم دليل على غيره. وعلى هذا يترتب الخلاف في طلاق العبد هل هو بيده أو بيد سيده؟ وعلى بيع الأمة هل هو طلاق لها أم لا؟ قد استدل بعضهم بالآية على أن الطلاق بيد السيد وأن البيع طلاق، وأنكر آخرون ذلك وضعفوا الاستدلال. (٧٨) - قوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا﴾: استدل بعضهم بهذه الآية على أن الإنسان محمول على الجهل فيما يدعي الجهل فيه من الأمور، خلافًا لمن قال هو محمول على العلم. من ذلك مسألة الصبي الصغير يزوجه أبوه ويشترط عليه شروط الزوجة. فبلغ الصبي قبل أن يدخل ثم دخل فلما طلبته الزوجة بالشروط ادعى أنه لم يعلم بالشروط. فقال بعضهم لا ينفعه ذلك ولا يصدق في أنه لم يعلم. وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يصدق أنه لم يعلم، واستدل بالآية. قال قد سبق جهل الإنسان علمه، وعلمه محدث بعد جهله فهو محمول على الجهل حتى يثبت عليه العلم. (٨٠) - قوله تعالى: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام﴾ إلى قوله: ﴿ومتاعًا إلى حين﴾: استدل بعضهم بهذه الآية على جواز الانتفاع بجلود الأنعام مذكاة

стр. 1194

كانت أو غير مذكاة وكذلك في استعمال أوبارها وأشعارها وأصوافها. والمسألة قد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة فقف عليها. والأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز والبقر، ولم تكن بلادهم بلاد قطن وكتان، فكذلك اقتصر على هذه. وقد يحتمل أنه لم يذكر القطن والحرير والمتان تعريضًا لأنه سرف إذ إنما يلبس الصالحون الصوف. وأيضًا فقد أشار إلى القطن والكتان بقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١]: (٨٢) - قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين﴾: هذه الآية فيها موادعة نسخت بآية السيف. (٩٠) - (٩١) - وقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا﴾: هذه الآية تحتوي على أحكام كثيرة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبغي والأمر بصلة الرحم وحفظ الأيمان. وقد تقدم الكلام على كثير مما تضمنته. (٩٤)، (٩٥) - قوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلًا بينكم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إنما عند الله هو خير لكم﴾: وهذه الآية أيضًا قد تقدم الكلام على كثير من أحكامها. ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا﴾ الآية، نهي عن الرشا وأخذ الأموال على ترك ما يجب على الأحد فعله وهل يجب عليه تركه. (٩٨) - قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾: معنى هذه الآية: فإذا أردت قراءة القرآن، لأنه لم يرد تعالى التعوذ

стр. 1195

بعد القراءة وإنما يبدأ بها ثم بالقراءة. وقد اختلف في التعوذ هل هو واجب قبل القراءة أم لا؟ فالجمهور أنه ليس بواجب وإنما هو مندوب إليه، وحملوا الأمر في الآية على الندب. وذهب عطاء إلى أنه واجب قبل القراءة وحمل الأمر في الآية على الوجوب. واختلف الذين رأوه على الندب هل يتعوذ في الصلاة قبل الفاتحة أم لا؟ فعندنا أنه لا يتعوذ إلا في النفل لمن شاء، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يتعوذ، وحجتها عموم الآية. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة واختلف القائلون بالاستعاذة هل ذلك في كل ركعة أم لا؟ فقيل: يستعاذ في أول ركعة خاصة. وقيل: يستعاذ في ركعة وهو قول ابن سيرين، وحجة هذا القول عموم الآية. واختلف في لفظ الاستعاذة، فقيل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإليه ذهب الأكثرون. وروى جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة قال: ((اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه)) وقال إسماعيل القاضي التعوذ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وما قام هذا المقام. قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾: ذكر قوم من المفسرين أن الآية نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحابهم بالمدينة لستم منا حتى تهاجروا إلينا، وكان فيهم عمار بن ياسر وغيره. فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم على الكفر مكرهين فنزلت الآية: ﴿إلا من أكره

стр. 1196

وقلبه مطمئن﴾. واتفق العلماء أن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يلزمه شيء من أحكام الكفر عند الله تعالى. واختلفوا في إلزامه أحكام الكفر، فالجمهور على أنه لا يلزمه شيء من أحكام الكفر وأن أحكامه أحكام المؤمن. وذهب محمد بن الحسن إلى أن أحكامه أحكام الكافر فتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلمًا، ومفهوم الآية حجة القول الأول، وهذا في الإكراه في القول. ولا خلاف في أن الإثم فيه مرفوع كما قدمنا، واختلف في الإكراه والعتق والبيع هل هو كالإكراه على النطق بكلمة الكفر أم لا؟ فسوى الشافعي بينهما واستدل أصحابه بالآية على نفي طلاق المكره وعتاقه وكل قول حمل عليه وروى أنه باطل نظرًا لما فيه من حفظ حقه كما امتنع الحكم بنفوذ ردته حفظًا لدينه، فإذا بلغ الخلاف في ذلك معلوم في المذهب، واختلف في الإكراه على الفعل مثل شرب الخمر وأكل الخنزير أو السجود لغير الله تعالى أو الزنا بالمرأة المختارة لذلك المكرهة له على الزنا بها ولا زوج لها، وما أشبه من ذلك مما لا يتعلق به حق لمخلوق. وقيل: الإكراه لا يكون في ذلك إكراهًا ينتفع المكره به وإلى هذا ذهب ابن حبيب، ومن حجة من لا يراه إكراهًا أن الآية إنما نزلت في الإكراه على القول خاصة فتقصر على ما نزلت فيه. ومن حجة أهل القول الثاني أن الإكراه على القول خاصة فتقصر على ما نزلت فيه. ومن حجة أهل القول الثاني أن الإكراه على الفعل كما ذكرنا كالإكراه على القول ينبغي أن يحكم له بحكمه. وأما ما يتعلق به حق لمخلوق كالقتل والغصب ونحو ذلك فلا خلاف أن الإكراه فيه غير نافع، كذا قال

стр. 1197

بعضهم، والخلاف فيه معروف في المذهب وغيره وكذلك اختلفوا في يمين المكره هل يلزمه أم لا؟ واتفقوا أنخوف القتل إكراه. واختلفوا في غير ذلك مما لا يخاف منه على النفس وهو مؤلم، من سجن وقيد ووعيد ونحو ذلك. فالجمهور أن ذلك كله إكراه ولحجة لهذا القول أن الله تعالى قال: ﴿إلا من أكره﴾ فذكر الإكراه مطلقًا، فيحمل على كل ما يكون إكراهًا حتى يقوم دليل على أنه ليس بإكراه وأحكام المكره كثيرة لا يليق ذكرها بهذا المختصر قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾. الميتة: ما مات من حيوان البر مما له نفس سائلة، حتف أنفه. وأما ما لم يكن له نفس سائلة كالجراد والذباب والبراغيث ودود التين وحيوان الفول وما مات من الحوت حتف أنفه أو طفا على الماء -ففي أكله- قولان: أحدهما الجواز والثاني المنع، وما مات من الحوت حتف أنفه من الدواب التي تعيش في الماء وفي البر كالسلاحف والضفادع وحنو ذلك ففيه قولان. ومن منع رأى كل ذلك ميتة واحتج بالآية. وقد مر الكلام على جميع أحكام هذه الآية فلا معنى بإعادته، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ اختلف في الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بآية القتال لأنها اقتضت مهادنة ما وقالت جماعة هي محكمة، والمجادلة بالتي هي أحسن انتهاء إلى أمر الله به. وقال بعضهم من أمكنه أن يجادل الكفار ويرى ذلك دون قتال فعل معه ذلك، والآية على هذا محكمة قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا

стр. 1198

بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾. ذهب أهل التفسير إلى أن هذه الآية نزلت في شأن التمثيل بحمزة يوم أحد. وذهب النحاس إلى أنها مكية. وكان رسول الله ﷺ لما قتل حمزة قال: ((لئن أظفرني الله تعالى بهم لأمثلن بثلاثين منهم)) وفي كتاب النحاس وغيره بسبعين منهم. فقال الناس: إن أظفرنا لنفلعنولنفعلن. فنزلت هذه الآية, وعزم على رسول الله ﷺ بالصبر في هذه الآية بعدها: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ هل هو منسوخ أو محكم. فذهب قوم إلى أنها منسوخة بآية القتال، والجمهور على أنها محكمة. ويروى عن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: ((أما أنا فأصبر كما أمرت، فما تصنعون؟ )) قالوا: نصبر يا رسول الله كما ندبنا.

стр. 1199

سورة سبحان مكية، وقال قوم من المفسرين هي مكية إلا ثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿وإن كانوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك﴾ وقوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليستفزونك﴾ نزلتا حين جاء رسول الله ﷺ وفد ثقيف، وحين قالت اليهود ليست هذه بأرض الأنبياء. وقوله تعالى: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾ وقوله تعالى: ﴿إن ربك أحاط بالناس﴾. وقال مقاتل مثل ذلك. وآية رابعة، قوله تعالى: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله﴾. وقد قال ابن مسعود في هذه السورة وفي الكهف انهن من العناق الأول وهن من تلادي -يريد من كسبه القديم- وفيها مواضع من الأحكام, قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ يدل هذا على صحة القول بأن لا تكليف قبل السمع ولا وجوب قبل إرسال الرسل ولا يحسن ولا يقبح بالعقل شيء، خلافًا لمن يقول من المعتزلة إن العقل طريق إلى معرفة وجوب العبادات وتحرم المحرمات وإباحة المباحات. ثم الأكثرون منهم قالوا: يجوز أن يقتصر بعض المكلفين على دليل العقل دون السمع إذا علم الله تعالى أنه ينهض

стр. 1200

عقله بما كلفه به. وإذا كان كذلك لم يكن في إرسال الرسل إليه فائدة وإنما يرسل الله الرسل إلى من يعلم الله تعالى أنه لا ينهض بعقله فيبعث الله الرسل إليه بأمور سمعية يعلم الله تعالى أنها داعية إلى المستحسنات العقلية وناهية عن المستقبحات العقلية. ومنهم من يقول يجب على الله تعالى إرسال الرسل لأن ذلك أقرب إلى مظاهرة الحجة وأقوى في معنى اللطف وربما قالوا: العبد لا يعرى من مصالح دينه لا يعلمها إلا بالسمع. والمعتزلة يجيبون عن الآية المذكورة ذبًا عن أصل مذهبهم في إيجاب العقل وتحريمه وتحسينه وتقبيحه فبعضهم يقول: المراد بالآية: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ عذاب استئصال في الدنيا فيكون هذا كقوله: ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولًا﴾. وبعضهم يقول المراد بها: وما كنا معذبين حتى نبعث في أمها رسولًا. وهذا كله ظاهر البطلان وخروج عن ظاهر الآية. وقد استدل بعضهم بالآية أيضًا على فساد قول من زعم أن أطفال المشركين يعذبون في الآخرة مع آبائهم، وهو استدلال ضعيف لأن المعنى في الآية: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا فيمن يجوز بعثة الرسل إليه. وأما عذاب أطفال المشركين فإنما هو قضاء سابق عليه من غير جناية. وقد استدل أيضًا على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فأسلم فلا تكليف عليه في ما مضى. قال أبو الحسن: وهو مضمون على قائله ما لم تبلغه الدعوة، ولأبي حنيفة في ذلك خلاف. ويؤخذ من هذه الآية وجوب الأعذار إلى المحكوم عليه فيما يثبت عليه، وهو ما أجمع عليه الفقهاء. (٢٣)، (٢٤) - قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لها أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا * واخفض لها جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾:

стр. 1201

تضمن هذه الآية الحض على بر الوالدين. وقد جاء في ذلك من الأحاديث ما لا يحصى ولا ينبغي أن يخصص شيء من الآيات بنوع من البر دون نوع إلا أن يؤتى به على جهة المثال, وقد قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخوخة الغائط والبول فلا تعزرهما وتقل لهما أف. ولو لم يكن من الآية إلا قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ لاكتفى بذلك في الحض على بر الوالدين لأنه تعالى لئن كان قد نهى في ذلك عن القليل فبالضرورة يكون ما فوقه من الضرب والشتم أحرى بالنهي عنه، وهذا من إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به على القطع، وقد يسمى هذا بفحوى اللفظ، وقد يسمى بمفهوم الموافقة. وقد اختلف الأصوليون في تسمية هذا قياسًا، والأظهر أن لا يسمى بذلك. وقد اختلف فيمن كان بينه وبين أبيه خصومة فأراد أن يحلفه. فقيل يحلفه ولا يكون بذلك عاقًا، وهو قول مالك وقول ابن الماجشون وظاهر قول ابن القاسم وأصبغ. وقيل يحلفه ويحده في حق يقع له عليه، ويكون عاقًا بذلك ولا يعذر فيه بجهل، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم. وقيل لا يمكن من أن يحلفه ولا من أن يحده لأنه من العقوق، وهو مشهور مذهب مالك، وهو أظهر الأقوال لقوله تعالى: ﴿ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا﴾، ولما جاء من أنه ﵊ قال: ((ما بر والديه من شدد النظر إليهما أو إلى أحدهما)). وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يمن للولد على والده وللمملوك على سيده))،

стр. 1202

ويشهد لصحته قوله ﵊: ((أنت ومالك لأبيك)). وكذلك اختلف في القصاص من الوالد للولد والنظر في المثلين واحد؟ وقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل﴾ مما يحتج به الأصوليون على من أنكر وجود المجاز في القرآن. وقوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾ فيه جواز الدعاء للأبوين على الإطلاق إلا أنه قد اختلف المفسرون فيها. فذهب قوم -منهم قتادة- إلى أنها منسوخة لأنها اقتضت الاستغفار للآباء المشركين، وذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ [التوبة: ١١٣]. وذهب جماعة إلى أنها محكمة، واختلفوا في التأويل. فذهب قوم إلى أنه يجوز أن يستغفر للآباء المشركين إذا كانوا أحياء، فخصصوا الآية بالأحياء من الآباء. وقيل الآية عامة استثنى منها الكفار بقوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ وبقيت في المؤمنين. ولا يجوز الاستغفار للكفار أحياء ولا أمواتًا. وقد اختلف في بر الأب والأم هل هما سواء فيهما أم بر الأم أفضل. فالأكثر على أن بر الأم أفضل. إلا أنه زعم الليث بن سعد أن لها ثلثي البر. وفي حديث أبي هريرة ما يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر، وهو أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: من أحق الناس بحق الصحبة؟ قال: ((أمك)). قال: ثم من؟ قال: ((أمك)). قال: ثم من. قال: ((أمك)). قال له إن أبي من بلاد السودان وكتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك. قال طع أباك ولا تعص أمك. فدل قول مالك على أنهما في البر متساويان ولو كان لأحدهما عنده

стр. 1203

فضل لأمر بالمصير إلى أمره. وفي الآية حجة لهذا القول لأنه تعالى أمر بالدعاء لهما ولم يفضل أحدهما بزيادة في الدعاء فدل ذلك على استواء المنزلة. وزعم المحاسبي أن تفضيل الأم على الأب في البر إجماع. (٢٦) - (٢٩) - قوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فتقعد ملومًا محسورًا﴾: اختلف في ﴿ذا القربى﴾ فقيل هم القرابة. أمر الله تعالى بصلتهم، خوطب بذلك النبي ﷺ ، والمراد جميع الأمة. وقيل هم قرابة النبي ﷺ خاصة أمر رسول الله ﷺ بإعطائهم حقوقهم من بيت المال. والأول أصح ويعضده عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى. ثم في سائر الآية الأمر بحفظ المال وترك إضاعته والقصد في إنفاقه. وقد اختلف فيمن تصدق بجميع ماله وهو صحيح غير مدين. فقيل ذلك جائز، والحجة له حديث أبي بكر حين تصدق بماله كله، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي والجمهور. وقيل لا يجوز ذلك وهو مردود، وروي ذلك عن عمر أنه رد على غيلان بن سلمة نساءه وكان طلقهن. وكان قد أقسم ماله بين بنيه، فرد ذلك كله. وقيل يجوز من ذلك الثلث ويرد الثلثان. وحجة هذا القول أن النبي ﷺ رد صدقة كعب بن مالك كله إلا الثلث وهو قول مكحول والأوزاعي. وقيل كل عطية

стр. 1204

تزيد على النصف ترد إلى النصف روي ذلك أيضًا عن مكحول. ومن حجة من لم ير الصدقة بالمال كله قوله تعالى: ﴿ولا تبذر تبذيرًا﴾ وقوله سبحانه: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾. (٣٣) - قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا﴾: قوله تعالى: ﴿مظلومًا﴾ أي بغير حق. والولي القائم بالدم وهو من ولد الميت أو ولده الميت أو جمعه وأباه أب. واختلفت الرواية عن مالك في النساء هل لهن مدخل في الدم مع المعصية أم لا؟ وإذا قلنا لهن مدخل في ذلك ففي أي شيء لهن مدخل من ذلك أيضًا؟ روايتان: إحداهما في القود دون العفو، والأخرى في العفو دون القود. وقيل فيهم جميعًا. وقوله تعالى: ﴿فقد جهلنا لوليه سلطانًا﴾ حجة لمن يرى للمرأة مدخلًا في أمر الدم لأنها ولي. والآية غير مقيدة فتحمل على كل من يقع عليه اسم ولي. وذكر إسماعيل القاضي أن قوله: ﴿لوليه﴾ يدل على خروج المرأة عن مطلق لفظ الولي. قال فليس للمرأة قصاص ول اعفو. قال لأن لفظ الولي مذكر وهو واحد. وأنكر هذا الاستدلال أبو الحسن وزعم أن المراد بالولي الوارث ولأنه لفظ جنس يستوي فيه المذكر والمؤنث. والسلطان لفظ مجمل يحتمل الحجة والدية والقود ويحتمل الجمع. وقد اختلف فيه، فقيل المراد به التخيير بين القود والدية وهو قول الشافعي، وقيل القود. وعن مالك رحمه الله تعالى في ذلك روايتان.

стр. 1205

وقوله تعالى: ﴿فلا يسرف في القتل﴾ وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك لا يقتل غير قاتله ولا يمثل به. (٣٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ إلى قوله: ﴿مسئولًا﴾: قوله تعالى: ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ يريد بأن يأخذ الوصي منها شيئًا أو أخذ بالمعروف. وقال مجاهد التي هي أحسن التجارة. وخص اليتيم به لأنه إليه أحوج وقد مر الكلام على هذا المعنى في سورة النساء كاملًا. وقوله: ﴿حتى يبلغ أشده﴾ هي غاية لإمساك مال اليتيم عنه. ومعنى الأشد: قوة العقل وكمال التجربة وحسن النظر، وذلك لا يكون إلا مع البلوغ. وذكر أبو الحسن عن الرازي أن إيناس الرشد عند البلوغ لأشد لا يعتبر، ولو اعتبر في ذلك في الآية كما قال تعالى: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا﴾ [النساء: ٦] وأنكر أبو الحسن ذلك وزعم أنه لا بد من اعتبار الرشد مع الأشد، والأشد في الآية البلوغ وقد مضى الكلام على هذا أيضًا. واختلف في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾ هل هو منسوخ أو محكم؟ فذهب قوم إلى أنه منسوخ. وروى عن قتادة أنه قال: كانوا من هذا على جهد حتى نزل: ﴿وأن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وهو صحيح. وذهب الأكثر إلى أنه محكم لا نسخ فيه لأن قوله تعالى: ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ يعطي المخالطة التي في الآية الأخرى. وهذا هو الصحيح.

стр. 1206

وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد﴾، ﴿وأوفوا الكيل﴾ [الإسراء: ٣٥] وقد مضى معنى هذا كله في ما تقدم. (٣٦) - قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾: هذه الآية بالجملة تنهى عن قول الزور والقذف وما أشبه ذلك من الأول من الأقوال، ويحتج به نفاة القياس. (٥٣) - قوله تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾: اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿التي هي أحسن﴾ فقيل: قول لا إله إلا الله، فعلى هذا يريد بعبادي جميع الخلق. وقيل المجاورة الحسنة، قال الحسن: يرحمك الله ويغفر لك، وعلى هذا يكون عبادي خاصًا بالمؤمنين وتكون الآية كقوله عليه الصلاة السلام: ((وكونوا عباد الله إخوانًا)) ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذه في الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة وقالوا في معناها: إن الله تعالى أمر المؤمنين فيما بينهم بحسن الأدب وخفض الجناح وإلانة القول ونحو ذلك. وذهب قوم إلى أنها منسوخة وقالوا في معناها إنما أمر الله فيها المؤمنين بإلانة القول للمشركين بمكة أيام المهادنة. وسبب الآية أن عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفرة فسبه عمر وهم بقتله فكاد أن يثير فتنة فنزلت الآية ثم نسخت بآية القتال. والقول في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك عليهم وكيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤] كالقول في هذه. (٦٦) - قوله تعالى: ﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله﴾: قوله: ﴿لتبتغوا من فضله﴾ كلام يعم التبخر وطلب الأجر من حج أو

стр. 1207

غزو ونحوه. وقال بعضهم: لا خلاف في جواز ركوبه لحج أو غزو أو معاش. واختلف في كراهيته للثروة وتزيد المال. وقد جاء في حديث أم حرام بنت ملحان ما يدل على جواز ركوبه في الغزو وقد روي عنه ﵊ أنه قال: ((البحر لا أركبه أبدًا)) وقد مر الكلام على هذه المسألة بأوفى من هذا. (٧٨) - (٧٩) - قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾: واختلف في قوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر﴾ بعد الاتفاق على أنه في الصلوات المفروضة. فقيل يشتمل على الصلوات الخمس، ودلوك الشمس زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته والإشارة به إلى المغرب والعشاء. وقرآن الفجر يريد به صلاة الصبح. وقيل لا يشتمل على كل الصلوات الخمس ولكن دلوك الشمس غروبها والإشارة به إلى المغرب، وغسق الليل الإشارة به إلى العتمة، وقرآن الفجر صلاة الصبح ولم تقع إشارة - على هذا القول- إلى الظهر والعصر. واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ على أن

стр. 1208

الصلاة لا تكون إلا بقرآن. وقوله تعالى: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ اختلف فيه، فقيل معناه تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار حسبما جاء به الحديث المشهور. وقال محمد بن سهل بن عسكر يشهده الله وملائكته. وقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾، والتهجد عند العرب السهر، ضد الهجود. واختلف المفسرون فيه، فقيل هو السهر بعد نومه وقيل هو ما كان بعد العشاء الأخيرة. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿نافلة لك﴾. فقيل -وهو قول ابن عباس وغيره- زيادة لك في الفرض. قالوا وكان قيام الليل على النبي صلى الله عليه فرضًا. فعلى هذا لقول يكون الأمر في الآية على الوجوب. وقيل -وهو قول مجاهد وغيره- لفظ نافلة على بابه من معنى الزيادة، وكان ذلك للنبي ﷺ لأنه مغفور له، فلم يكن فعله ذلك يكفر عنه شيئًا من الذنوب لأن الله تعالى كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان له نافلة أي فضلًا وزيادة. وأما غيره فهو كفارة له، وليس له نافلة لأن النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عام الحديبية فإنما كانت نوافله واستغفاره فضائل في العمل وقربًا أشرف من نوافل أمته، لأن نوافل أمته إما أن تجبر بها فرائضهم، وإما أن تحط بها خطاياهم. وقد يتصور من لا ذنب له يتنفل فيكون تنفله فضلًا كنصراني أسلم وصبي احتلم. وضعف الطبري هذا وعضد قول ابن عباس. وتحتمل الآية قولًا ثالثًا، وهو أن يكون على طريق الندب في التنفل، وخوطب بها

стр. 1209

النبي ﷺ ، والمراد هو وأمته كالخطاب في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة﴾. (١١٠)، (١١١) - قوله تعالى: ﴿ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله﴾: اختلف في سبب نزولها، فقيل سببها أن المشركين سمعوا رسول الله ﷺ يدعو: ((يا الله، يا رحمن)) فقالوا كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحج وهو يدعو إلهين، قاله ابن عباس وغيره. وقيل تهجد رسول الله ﷺ فقال في دعائه: ((يا رحمن، يا رحيم)) فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمان، فقال ذلك السامع: ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة؟ فنزلت الآية، قاله مكحول وغيره وقد مر الكلام على ما في هذه الآية من الأحكام والنسخ. وقوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلًا﴾ اختلف في الصلاة ما هي في هذه الآية. فقال ابن عباس وعائشة وغيرهما: هي الدعاء. واختلف الذين قالوا هذا هل الآية محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وهو قول ابن عباس وذهب قوم إلى أنها محكمة. وقال ابن عباس أيضًا وغيره هي قراءة القرآن في الصلاة، فالتقدير على هذا: ولا تجهر بقراءة صلواتك. قالوا والسبب أن رسول الله ﷺ جهر بالقراءة فسمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله ﷺ بالوسط ليسمع أصحابه المصلين معه ويذهب عنه أذاء المشركين. وقالت عائشة أيضًا: الصلاة يراد بها في هذه الآية التشهد، وإلى نحو هذا ذهب ابن سيرين،

стр. 1210

فقالكان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك. إذا قلنا إن المراد بالصلاة قراءة الصلاة فما معنى ترك الجهر بها، وإتيان المخافتة اختلف فيه. فقيل أن لا يرفع الصوت جدًا ولا يخفض جدًا. وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يسر قراءته وكان عمر يجهرها فقيل لهما في ذلك فقال أبو بكر: إنما أنا أناجي ربي وهو علم حاجتي. وقال عمر أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر ارفع أنت قليلًا وقيل لعمر أخفض أنت قليلًا. وقيل المعنى ولا تحسن صلاتك في الجهر ولا تسئها في السر بل اتبع طريقًا وسطًا يكون دائمًا في كل حالة، قاله ابن عباس والحسن وغيره. وقيل المعنى النهي عما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع الصوت أحيانًا، فيرفع الناس معه ويخفض أحيانًا. يسكت من خلفه، قاله ابن زيد. وقيل المعنى: ولا تجهر بصلاة النهار ولا تخافت بصلاة الليل، وهكذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((صلاة النهار عجمًا أي أتبع من امتثال الأمر كما رسم لك)) قاله ابن عباس. وكان الأبين أن يقول بين ذينك، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر كما قال تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة﴾ [البقرة: ٤٥] ولم يقل وإنهما. وأراد: وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلًا.

стр. 1211

سورة الكهف هي مكية كلها في قول الأكثر. وذهب قوم إلى أنه من أول السورة إلى قوله: ﴿جرزًا﴾ نزل بالمدينة. وقد روي عن النبي ﷺ ما يدل أنها من أفضل السور قال: ((ألا أخبركم بسورة عظمها بين السماء والأرض ولمن جاء بها من الأجر مثل ذلك؟ )) قالوا: أي سورة هي يا رسول الله؟ قال: ((سورة الكهف، من قرأ بها يوم الجمعة غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام)). وفي رواية: ((من قرأها أعطي نورًا بين السماء والأرض ووقي بها فتنة القبر)) وفيها مواضع من الأحكام. (١٤) - قوله تعالى: ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض﴾: قوله: ﴿إذ قاموا﴾ يحتمل أن يريد بين يدي الكفار ويحتمل أن يريد بالقيام عزمهم على الهروب إلى الله تعالى. وبهذه

стр. 1212

الألفاظ تعلقت الصوفية في القيام والقول. وهذا تعلق ضعيف لا تثبت به حجة. (١٩) - قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعامًا ... ﴾: الآية أصل في جواز الوكالة وصحتها. ولا خلاف في جوازها في البيع والشراء وحفظ المتاع وقبض الحقوق ودفعها والنظر في الأموال. واختلف في جوازها في الخصومات، فأجازها الجمهور من الغائب والحاضر والمرأة والرجل، وقال أبو حنيفة لا تصح إلا من غائب أو مريض أو امرأة غير بارزة. وذكر بعضهم عنه في الغائب أنه الذي تكون غيبته مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا. واستدل بعض الفقهاء على إبطال هذا القول وتصحيح القول الأول بالآية. والاستدلال بهذه الآية في ذلك ضعيف. وقال أبو الحسن: تدل هذه الآية عل جواز خلط دراهم الجماعة والشراء بها والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة وإن كان فيهم من يأكل أكثر وأقل. وهو الذي سماه الناس المناهدة، ويفعلونه في الأسفار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم ... ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. (٢٣)، (٢٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا * إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾: نزلت هذه الآية معاتبة للنبي ﷺ على قوله -إذ سأله اليهود عن ذي القرنين وخبر موسى وعن الروح- غدًا أخبركم، ولم يستثن في ذلك. واحتبس عنه الوحي خمسة عشر يومًا حتى شق ذلك عليه وأرجف به الكفار، فنزلت الآية، وأمر أن لا يقول غدًا أخبركم بشيء إلا أن يعلقه بمشيئة الله . واللام في قوله: ﴿لشيء﴾ بمنزلة: في، أو كأنه

стр. 1213

قال لأجل شيء. وقوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾ في الكلام محذوف تقديره إلا أن يقول الله إن شاء وحنو ذلك. وقال بعضهم إلا أن يشاء الله استثناء من قوله: ﴿ولا تقولن﴾ وهذا قول فاسد بين الفساد فإن قيل: أي معنى للاستثناء وال يتصور أن يفعل أحد فعلًا أن يشاء الله، فذكر ذلك وترك ذكره سواء؟ فالجواب أن فائدة الاستثناء رفع ما يوهم اللفظ من الفعل لا محالة وإذا لم يذكر الاستثناء فاللفظ يوخم أنه يفعل لا محالة ولذلك وجب اليمين بهذه الكفارة وسقطت إذا سرح بالاستثناء، ومن أجل هذا أيضًا وجب أن يكون الاستثناء متصلًا، وإن انفصل لن يؤثر. وأما المعتزلة القائلون بأن الإنسان يفعل الشيء وإن لم يشأ الله فلا معنى للاستثناء على قولهم، إلا أنهم أجابوا عن هذا بأن معنى الاستثناء: إلا أن يشاء الله أن يقطعني عنه باخترام أو موت، فيخرج بهذا كون المخبر أو الحالف قاطعًا على الفعل. وإن وضع الحالف موضع الاستثناء بالمشيئة بما هو في معناها مثل أن يقول إلا أن يريد الله وإلا أن يقضي الله وإلا أن يقدر الله، فقد اختلف هل يصح به الاستثناء أم لا؟ فأما ابن القاسم فقال لا يصح لأن الاستثناء بالمشيئة قد كان القياس أ، لا يقع لأنه لا يفعل أحد منها إلا بالمشيئة على مذهب أهل السنة. وكذلك الاستثناء بما كان في معناها من تلك الألفاظ المذكورة. لكن الإجماع والسنة أخرجا الاستثناء بالمشيئة من ذلك فقصر الاستثناء عليها وبقي سائر الألفاظ الأخرى على ما يوجبه القياس. وذهب عسى بن دينار إلى أن الاستثناء بتلك الأشياء نافع كالاستثناء بالمشيئة إذ لا فرق بينهما. وهذا كله إذا حلف الحالف بالله على فعل ما وصرف

стр. 1214

الاستثناء إلى الفعل، وإن صرفه إلى اسم الله تعالى لم ينفعه. قوله تعالى: ﴿واذكر بك إذا نسيت﴾ اختلف فيه، فقال ابن عباس والحسن معنها استثن ولو بعد مدة إذا نسيت الاستثناء. وقيل معناه إذا غضبت. وقيل معناه إذا تركت ذكر ربك. وإذا قلنا إن المراد بالآية الاستثناء فهل ذلك في اليمين أم في غير اليمين؟ اختلف في ذلك، إلا أن ظاهر قوله تعالى: ﴿زلا تقولن لشيء ... ﴾ الآية. أن المراد في غير اليمين وإلى أن ذلك في الوقت الذي ينتفع فيه بالاستثناء على عشرة أقوال. فذهب مالك وغيره إلى أنه لا ينتفع إلا أن يكون متصلًا باليمين. وقال عطاء: له أن يستثني في قدر حلب الناقة الغزيرة. وقال الحسن وطاووس: له أن يستثني ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: له ذلك ما لم يقم أو يتكلم. وقال ابن حنبل: له ذلك ما دام في الأمر. وقال إسحاق مثله إلا أن يكون ثم سكوت ثم يعود إلى الأمر. وقال ابن جبير له ذلك بعد أربعة أشهر. وقال مجاهد: له ذلك بعد سنتين. قال ابن عباس: يصح له الاستثناء. فقيل أراد سنة. وقيل أراد أبدًا، وقال أبو العالية له

стр. 1215

ذلك أبدًا، وروي مثله نصًا عن ابن عباس. واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ وبما جاء عنه ﵊ أنه قال: ((والله لأغزون قريشًا)) ثم سكت، ثم قال: ((إن شاء الله)). والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى، وقد أبطل الناس سائر الأقوال وأبطلوا حججها بما يضيق هذا الكتاب عن بسطه، فمن أراد طلبه في مظانه قال الطبري: وأعلم أحدًا ممن يقول ينفع الاستثناء بعد مدة، يقول بسقوط الكفارة قال: ويرد ذلك قوله ﵊: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأتي الذي هو خير)) فلو كان الاستثناء على ذلك أن يدخل به الحالف في رتبة المستثنين بعد مدة حلفه خاصة. وذهب جماعة إلى أن مذهب ابن عباس سقوط الكفارة وألزموا كل من يقول بجواز الاستثناء بعد مدة القول بإسقاط الكفارة، والقول بإسقاط الكفارة أصح على قول من يقول في جواز الاستثناء بعد مدة لظاهر الآية إذا حملت على ذلك. والاستثناء في المشهور إنما هو عامل في اليمين بالله تعالى. واختلف في اليمين بغير الله من طلاق أن عتاق أو مشي إلى مكة ونحو ذلك هل ينفع فيه الاستثناء أم لا؟ ففي المذهب إنه لا ينفع، وذهب الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما إلى أنه ينفع. وإذا حمل قوله تعالى: ﴿إني فاعل ذلك غدًا * إلا أن يشاء الله﴾ على اليمين فهو حجة لمن حمله على اليمين مطلقًا بما كانت، ورأى الاستثناء نافعًا في ذلك. إلا أن الأظهر ما قدمناه. وقال بعض الشيوخ المتأخرين اختلف في اليمين في الطلاق أنه يصح فيه الاستثناء بالمشيئة أم لا على قولين، والأصح منهما في النظر أنه يصح فيه إذا صرف الاستثناء إلى الفعل لا إلى نفس الطلاق لأنه علق

стр. 1216

الطلاق بصفة لا يصح أن توجد وهي أن تفعل شيئًا والله تعالى لا يشاؤه. قوله تعالى: ﴿ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدًا﴾: هذه الآية تتضمن الرد على المنجمين والمتكهنين والطبعيين وغيرهم ممن يخوض في هذه الأشياء.

стр. 1217

سورة مريم ﵍ هذه السورة مكية باتفاق إلا السجدة فاختلف فيها. فقيل مكية، وقيل مدنية، وفيها مواضع من الأحكام. (٥) - (٦) - قوله تعالى - حكاية عن زكريا ﵇: ﴿فهب لي من لدنك وليًا * يرثني ويرث من آل يعقوب﴾: اختلف الناس في هذه الوراثة المطلوبة ما هي؟ فأكثر المفسرين على أنها وراثة المال، وقال قوم بل وراثة الدين، أي من يقوم بالدين من بعده. وقد اختلف في وراثة الأنبياء، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يورثون، وذهب قوم إلى أنهم يورثون واحتجوا بهذه الآية على التفسير الأول، وبقوله تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾ [النمل: ١٦]. وافترق الجمهور في رد ما ذهب إليه هؤلاء في الآية على فرق، منهم من ذهب إلى التفسير الثاني، ومنهم من قال الآية على ظاهرها وقال هذه شريعة قد كانت ونسختها شريعة محمد ﷺ لأنه قد جاء عنه ﵊: ((إنا معشر الأنبياء لا

стр. 1218

نورث ما تركناه صدقة)) والقول بأن الأنبياء لا يورثون هو الصحيح ويؤيده ذكر العاقر في الآية. (١٧) - قوله تعالى -يعني مريم-: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا﴾: في هذه الآية الوحي إلى النساء. وقد اختلف هل يجوز أن تكون المرأة نبية أن لا؟ بعد اتفاقهم على أن لا تكون رسولًا. واحتج من أجاز ذلك بهذه الآية ورأى أن مريم كانت نبية، ورد الآخرون هذا القول وقالوا لم تكن مريم نبية وإنما كلمها مثال بشر ورؤيتها للملك كام رؤي جبريل في صفة دحي وفي سؤاله عن الإيمان والإسلام. (٤٧) - قوله تعالى - حكاية عن قول إبراهيم ﵇ لأبيه الكافر-: ﴿قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًا﴾: اختلف في معنى تسليمه عليه. فقال قوم تحية مفارق، وأجازوا تحية الكافر وأن يبدأ بها. وقال الجمهور: السلام في الآية بمعنى المسالمة لا بمعنى التحية ولم يروا ابتداء الكافر بالسلام، وهذا القول أصح ويؤيده قوله ﵊ في أهل الكتاب: ((لا تبدأوهم بالسلام واضطروهم إلى ضيق الطرق)).

стр. 1219

(٧١) - قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًا﴾: اختلف في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ هل هو قسم أم لا؟ فقيل هو مقسم عليه مردود على قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم﴾ [مريم: ٦٨]، وقيل هو مقسم عليه والقسم محذوف، والتقدير: والله إن منكم إلا واردها، فحذف القسم كثير في كلام العرب، ومثله قوله تعالى: ﴿لمن ليبطئن﴾ [النساء: ٧٢]. وقال قوم لا قسم في قوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾. وإذا لم يكن على هذا القول قسم فما معنى قوله ﵊: ((ألا تحلة القسم إلا بشيء الذي لا يناله معه مكروه))، وأصله من قول العرب: ضربه تحليلًا وضربه تعزيرًا إذا لم يبالغ في ضربه. وأصله من تحليل اليمين، وهو أن يحذف ثم يستثني استثناء متصلًا ثم جعل ذلك مثلًا لكل شيء يقل وقته. وقال بعضهم: الصحيح أن هذا قسم منه تعالى على ورود الناس النار وبينه ﵊: ((من مات له ثلاثة من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم)) وقد جاء هذا مفسرًا في حديث آخر: ((من حرس ليلة من وراء المسلمين متطوعًا لم يأجره السلطان لم ير النار تمسه إلا تحلة القسم)). قال تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ وقد قرئ: ﴿وإن منهم إلا واردها﴾ ... على إرادة الكفار. واختلف العلماء على

стр. 1220

قراءة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾. فمنهم من حمل ذلك على الكفار. وقال الجمهور: بل المخاطب جميع العالم ولا بد لهم من الورود. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا في كيفية ورود المؤمنين. فمنهم من قال: ورود دخول لكنها لا تعدو عليهم ثم يخرجهم الله تعالى منها بعد معرفتهم بحقيقة ما نجوا منه. وكان من دعاء بعضهم: اللهم أدخلني النار سالمًا وأخرجني منها غانمًا. وجاءت في هذه أحاديث عن النبي ﷺ تعضده. وقال قوم بل ورود إشراف واطلاع لا دخول. واختلف الذين ذهبوا إلى أنه ورود دخول. فرأى جمهورهم الآية محكمة وأنه لا ينجو منها قوم واحتجوا بما جاء عنه ﵊ أنه قال: ((لا يدخلن النار أحد من أهل بدر الحديبية)) قالت حفصة: وأين قول الله : ﴿وإن منكم إلا واردها﴾؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ثم ينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم)) رجح الزجاج هذا القول لقوه تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء: ١٠١]. وذهب بعضهم إلى أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ وهذا أضعف الأقوال لأنه ليس بموضع نسخ. وتحقيق القول في هذه المسألة

стр. 1221

على مذهب أهل السنة الذين لا يرون إنفاذ الوعيد واجبًا، إذ المراد بالآية عصاة المؤمنين إذا شاء الله أن ينفذ وعيده فيهم. وأما على قول المعتزلة الذين يرون إنفاذ الوعيد فيكون العصاة مخلدين في النار، تعالى الله عن ذلك. وأما على قول الخوارج المكفرين بالذنوب فحالهم في ذلك حال الكفار، تعالى الله سبحانه عن ذلك. وكلهم يتأول الآية على مذهبه، والصحيح ما ذكرنا. وأما على قول المرجئة فيرون الآية في الكفار لأن من قال: لا إله إلا الله، لا يدخل عندهم النار. (٥٨) - قوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا﴾: اختلف المفسرون هل هذا في الصلاة أم لا؟ فقال الحسن إنه في الصلاة وقيل في غير الصلاة. واختلف هؤلاء في المراد بآيات الرحمن. فقال الأصم: المراد بآيات الرحمن كتبه المتضمنة لتوحيده وحججه، وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها ويبكون عند ذكرها. وروي عن ابن عباس أن المراد بها القرآن خاصة وأنهم يسجدون ويبكون عند تلاوته. ففي قوله هذا دلالة على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء، ولو كان كذلك لما كان رسول الله ﷺ مختصًا بإنزاله عليه. واحتج الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارئ. قال أبو الحسن: وهذا بعيد لأن هذا الوصف شامل لكل آية من آيات الله تعالى وهي طريقة الأنبياء من تعظيم الله تعالى وتعظيم آياته فلا دلالة فيه على وجوب ذلك عند سماع آيات مخصوصة. وإذا قلنا إن الآية معناها في الصلة ففيها دلالة على وجوب السجود في الصلاة وجواز البكاء فيها وأنه لا يفسد الصلاة، فتدبره.

стр. 1222

(٩٢)، (٩٣) - قوله تعالى: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا *" إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾: فيه دليل على أن العبودية والبنوة لا تجتمع لأنه تعالى رد بهذه الآية إضافة الطفرة إليه الولد سبحانه، فدل على أن الولد لا يكون مملوكًا لأبيه، فإذا لمكه أعتق عليه. فإذا كان ذلك في الابن فالأب أولى. وهذه مسألة قد اختلف فيها، أعني عتق الأقارب جملة. فأنكره جماعة من أهل الظاهر وتعلقوا بقوله ﵊: (لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكًا فيعتقه)) وأثبته الجمهور واختلفوا فيه. ففي المذهب ثلاثة أقوال المشهور منها عن مالك: أن العتق يحتص بعمودي النسب والأخوة. والثاني: أنه يختص بعمودي النسب خاصة، ذكره ابن خويزمنداد. والثالث: يتعلق بذوي الأرحام المحرمة، ذكره ابن القصار. وبما حكاه ابن خويزمنداد قال الشافعي، وبما ذكره ابن القصار قال أبو حنيفة. فأما حجة من أنكر العتق بالحديث فضعيفة لأنه وإن كان أضاف العتق إلى الأب فليس المعنى أن ذلك باختياره بل أضاف العتق إليه لأنه كان عن أمر يكتسبه ويفعله وهو الشراء. وقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((من ملك ذا رجم محرم عليه فهو حرام)). وأما ما حكاه ابن القصار فحجته هذا الحديث. ومن حجة القول المشهور: أما في عتق البنوة فالآية التي ذكرناها وأم عتق الأبوة فقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣]. وأما عتق الأخوة فلقوله تعالى: ﴿إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ [المائدة: ٢٥] وبهذا تعلق اصحاب مالك في المسالة.

стр. 1223

قالوا فلما استحال ملكه نفسه استحال ملكه أخاه لأنه ليس المراد بالملك في الآية ملك العبودية وإنما يراد ملك الطاعة والانقياد، فلهذه الآي وقع الاقتصار في المذهب على عتق عمودي النسب والإخوة لا أكثر. وكان الحديث في عتق ذوي الأرحام لم يثبت عند من ذهب إلى ذلك. قال إسماعيل القاضي في كتابه: إلا أن نقول إذا اشترى الوالد الولد فإن ملكه له يثبت لأنه لو لم يثبت لم يصح الشراء ولا بد من تصحيح الشراء ليزول ملك البائع ولا يزول ملكه إلا بصحة ملك المشتري، لكن لا يملكه الوالد إلا بقدر ما يصح به الانتقال وذلك لضرورة تصحيح الشراء ثم بعد ذلك يمتنع بثبوت مالك الوالد عليه لأنه لا يصح ملكه إياه. وقد قال بعض علمائنا: إن شراء الولد لا يثبت للوالد ملكًا وإنما هو عقد عتق، ولا يقال إن الملك يثبت في زمان ويحصل العتق بعده في زمان آخر، لكن العتق يحصل مقارنًا للشراء ويكون الشراء عقد عتق.

стр. 1224

سورة طه ﷺ هي مكية وفيها من الأحكام مواضع. (١٢) - قوله تعالى: ﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾: اختلف في المعنى الذي أمر له بخلع النعلين. فقيل لأنهما كانتا من جلد حمار غير ذكي. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ . وقالت فرقة بل كانت من جلد بقرة ذكي فأمر بخلعها لينال بركة الوادي المقدس بأن تمس التربة قدماه. وقيل بل أمره أن يتواضع لعظم الحال التي كان فيها، والعرف عند الملوك أن تخلع النعال تواضعًا فأمر موسى بذلك على هذا الوجه ولا يبالى كانت النعال من ذكي أو غيره. ويختلف في جواز دخول المساجد بالنعال. وظاهر الآية يدل على وجوب نزعها في المساجد. وهذا القول الثاني في تفسيرها. والحجة في جواز ذلك ما ثبت من أن النبي ﷺ كان يصلي في تعليه ويدخل بها مسجده والمسجد الحرام. وإذا قلنا إنهما

стр. 1225

كانتا مكن جلد حمار ميت فمعناه أنه كان غير مدبوغ على القول بأن دباغ الأديم طهوره على ما جاء عنه ﵊. ويحتمل أن يقال كان مدبوغًا على القول بأن الدباغ لا يطهر أو على القول بأن ذلك كان في شريعة موسى ﵇ على أنه لا يطهره الدباغ ونسخ في شريعتنا. وفي اشتراط هذا القائل في جلد الحمار أنه من حمار ميت نظر لأن الحمار لا يجوز أكله في مشهور مذهب العلماء لما جاء من النهي عن ذلك. وإذا لم يجز أكلهفهل تعمل فيه الذكاة أم لا؟ فيه نظر. وقد اختلفوا في ذلك، وإذا لم تعمل فيه الذكاة فهو ميتة ذكي أو لم يذك. فلا معنى لذلك الشرط. (١٤) - قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾: اختلف في اللام التي في: ﴿لذكري﴾ فقيل هي لام سبب، واللفظ على هذا يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يريد لتذكرني فيها فيكون المصدر على هذا مضافًا إلى المفعول، ويحتمل أن يريد لأذكرك في عليين بها فيكون المصدر على هذا مضافًا إلى الفاعل. وقيل اللام بمنزلة عند. كأنه قال أقم الصلاة عند تذكرها، ورجح هذا بعض المتأخرين ورأى احتجاج النبي ﷺ في حديث الوادي عاضدًا لذلك وهو قول ينبئ عن ظاهره اللفظ. وقرأ قوم للذكرى وقم لذكري وقوم للذكر. وقد اختلف

стр. 1226

هل تقضى الفرائض في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أم لا؟ فعدن مالك رحمه الله تعالى أنه يصليها متى ذكرها خلافًا لأبي حنيفة. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نام عن صلاة أن نسيها فليصلها إذا ذكرها فأن الله تعالى يقول: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾. قال أبو الحسن: ومن السلف من قال لا تقضى الفائتة إلا في مثل وقتها فإذا فاتت الصبح لأحد صلاها من الغد. فهذا قول بعيد من مقتضى الآية واختلف أيضًا فمن صلى صلاة ثم ذكر بعد صلاة من يوم آخر فصلاها هل يعيد الصلاة الحاضرة التي صلى إذا بقي من وقتها شيء أم لا؟ فقال الشافعي وغيره ليس ذلك عليه. وقال مالك وغيره ذلك عليه واستدل أهل المقالة الأولى بقوله ﷺ : ((من نسي صلاة فليصل متى ذكر)) ولم يقل ليعد ما كان في وقته. والحجة لقول مالك قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ ودل هذا أن وقت الذكر وقت الصلاة المنسية. وإذا اجتمعت صلاتان في وقت واحد فالواجب تقديم الأولى. واستدل مالك بآخر الحديث، واستدل الشافعي بأوله. واختلف فيمن فاتته صلاة الصبح هل يصلي قبلها ركعتي الفجر أم لا؟ فروى ابن وهب عن مالك أنه لا يركع حتى يصلي الفريضة. وقال أشهب وعلي بن زياد يركع، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾، وقوله ﵊: ((من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)) فهذا ينفي فعل صلاة قبلها. واختلف أيضًا هل للصلاة الفائتة أذان أو إقامة على ثلاثة أقوال. فقال مالك والشافعي وغيرهما يقام لها ولا يؤذن. وقال ابن

стр. 1227

حنبل وأبو حنيفة يؤذن ويقام. وقال سفيان لا يؤذن لها ولا يقام. ومن حجة من لا يرى الإقامة قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ لأن ظاهره الإقامة المعلومة وقد اختلف فيما جاء في حديث الوادي من أمر النبي ﷺ أصحابه أن يقتادوا رواحلهم منه وقد فاته وقت الصلاة مع وجوب المبادرة إلى الصلاة الفائتة بإثر الاستيقاظ هل هو منسوخ بهذه الآية أم لا؟ قال ابن دينار وابن وهب هو منسوخ. قال عيسى: نسخه قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ وقوله ﵊: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)). وقال قوم ليس بمنسوخ. واختلفوا في وجه الحديث، فقال بعضهم إنما أمرهم بذلك بما جاء من حديث زيد بن أسلم أن هذا واد به شيطان. وذهب أبو حنيفة إلى تأخير رسول الله ﷺ الصلاة وأمر بالاقتياد إنما كان لأنه انتبه في حين طلوع الشمس إلى أن ترتفع الشمس عن الأفق. وهذا الذي ذكره غير صحيح. وفي هذا الحديث ما يرده لأن في حديث عمران بن حصين: فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس. لا يكون إلا بعد تمكن ارتفاعها. (١٣٠) - قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾: اختلف في تأويل الآية فقال أكثر المفسرين هي إشارة إلى الصلوات الخمس. فقيل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقيل غروبها صلاة العصر ومن آناء الليل صلاة والعتمة وأطراف النهار والمغرب والظهر. وقال بعضهم آناء

стр. 1228

الليل المغرب والعشاء وأطراف النهار وحدها وقبل الطلوع الصبح وقبل الغروب العصر. وقال بعضهم في الآية إشارة إلى نوافل، منها آناء الليل ومنها قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر والصبح، والمغرب أطراف النهار والعصر قبل الغروب. وقيل إنما قال وأطراف النهار لأن له أربعة أطراف: وقوف الشمس للزوال، والزوال، وطلوع الشمس وغروبها، فصلاة الظهر في آخر طرف النهار الأول، وزاله طرفه الثاني. (١٣١) (١٣٢) -قوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واصطبر عليها﴾: في هذه الآية النهي عن التشوف إلى ما في أيدي الناس. وقد كان ابن الزبير يتمثل بالآية في ذلك. (١٣٢) - وقوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ أمر بأن يأمر الإنسان أهله بالصلاة، وقد كان عمر يفعل هذا ويتمثل بالآية.

стр. 1229

سورة الأنبياء ﵈ - هي مكية وفيها مواضع من الأحكام. (٧٨)، (٧٩) - قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وعلمًا﴾: تفسير ما جاء في هذه الآية أن داود ﵇ كان من بني إسرائيل وكان يحكم بيت الناس، فوقعت بين يديه هذه النازلة، وكان ابنه سليمان إذ ذاك قد كبر، وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون من باب ويخرجون من آخر. فتخاصم إلى داود ﵇ رجلان: أحدهما له زرع وقيل له كرم ويقال لهما جميعًا حرث والآخر له غنم. وذكر صاحب الحرث أن غنم صاحبه دخلت حرثه فأفسدته عليه فرأى داود أن صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث. واختلف الناس هنا. فقال بعضهم على أن يبقى حرثه بيده. وقال آخرون بل دفع صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث ودفع صاحب الحرث حرثه إلى صاحب الغنم. فلما خرج الخصمان على سليمان تشكى صاحب الغنم.

стр. 1230

فجاء سليمان إلى داود فقال: يا نبي الله إنك حكمت بكذا وكذا، وإني أرى ما هو أرفق بالجميع. فقال وما هو؟ قال: أن يدفع إلى صاحب الزرع الغنم ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. وقيل إنه قال أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث لغنم في تلك لمدة ينتفع بمرافقها من لبن وصف ونسل وغير ذلك، وإذا عاد الحرث إلى هيئته صرف كل واحد مال صاحبه. فقال داود: وفقت يا بني. وقضى بينهما بذلك واختلف هل حكم كل واحد منهما باجتهاد أو بتوقيف ووحي. فذهب الجمهور إلى أن حكمهما إنما كان عن اجتهاد. قال بعضهم: اجتهد داود فلم يصب الأشبه وأصابه سليمان. وقال آخرون بل أخطأ خطأ مغفورًا له. وذهب قوم إلى أنه عن توقيف ووحي، منهم ابن فورك، وحمل قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ أي فهمناه القضاء الفاصل الذي أراد الله تعالى أن يستقر في النازلة. وعلى هذا يكون حكم سليمان ناسخًا لحكم داود على حقيقة النسخ. وهذا تأويل بعيد، بل الأولى أن يحمل على ظاهره من أنه فهمها الله تعالى سليمان فحكم فيها برأيه. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلاف الأصوليين في جواز تعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالاجتهاد. فمنهم من أجازه ومنهممن منعه وأما الوقوع فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: قال به قوم وعلى ذلك يحملون الآية، ونفاه آخرون وتأولوا الآية على مذهبهم، وتوقف قوم إذ لم يثبت فيه قاطع. واختلف الأصوليون هل كل مجتهد في المسائل الضمنية مصيب أم لا اختلافًا كثيرًا. فذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب
следующие страницы →