Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
هل تقضى الفرائض في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أم لا؟ فعدن مالك رحمه الله تعالى أنه يصليها متى ذكرها خلافًا لأبي حنيفة. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نام عن صلاة أن نسيها فليصلها إذا ذكرها فأن الله تعالى يقول: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾. قال أبو الحسن: ومن السلف من قال لا تقضى الفائتة إلا في مثل وقتها فإذا فاتت الصبح لأحد صلاها من الغد. فهذا قول بعيد من مقتضى الآية واختلف أيضًا فمن صلى صلاة ثم ذكر بعد صلاة من يوم آخر فصلاها هل يعيد الصلاة الحاضرة التي صلى إذا بقي من وقتها شيء أم لا؟ فقال الشافعي وغيره ليس ذلك عليه. وقال مالك وغيره ذلك عليه واستدل أهل المقالة الأولى بقوله ﷺ : ((من نسي صلاة فليصل متى ذكر)) ولم يقل ليعد ما كان في وقته. والحجة لقول مالك قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ ودل هذا أن وقت الذكر وقت الصلاة المنسية. وإذا اجتمعت صلاتان في وقت واحد فالواجب تقديم الأولى. واستدل مالك بآخر الحديث، واستدل الشافعي بأوله. واختلف فيمن فاتته صلاة الصبح هل يصلي قبلها ركعتي الفجر أم لا؟ فروى ابن وهب عن مالك أنه لا يركع حتى يصلي الفريضة. وقال أشهب وعلي بن زياد يركع، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾، وقوله ﵊: ((من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)) فهذا ينفي فعل صلاة قبلها. واختلف أيضًا هل للصلاة الفائتة أذان أو إقامة على ثلاثة أقوال. فقال مالك والشافعي وغيرهما يقام لها ولا يؤذن. وقال ابن
стр. 1227
حنبل وأبو حنيفة يؤذن ويقام. وقال سفيان لا يؤذن لها ولا يقام. ومن حجة من لا يرى الإقامة قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ لأن ظاهره الإقامة المعلومة وقد اختلف فيما جاء في حديث الوادي من أمر النبي ﷺ أصحابه أن يقتادوا رواحلهم منه وقد فاته وقت الصلاة مع وجوب المبادرة إلى الصلاة الفائتة بإثر الاستيقاظ هل هو منسوخ بهذه الآية أم لا؟ قال ابن دينار وابن وهب هو منسوخ. قال عيسى: نسخه قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ وقوله ﵊: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)). وقال قوم ليس بمنسوخ. واختلفوا في وجه الحديث، فقال بعضهم إنما أمرهم بذلك بما جاء من حديث زيد بن أسلم أن هذا واد به شيطان. وذهب أبو حنيفة إلى تأخير رسول الله ﷺ الصلاة وأمر بالاقتياد إنما كان لأنه انتبه في حين طلوع الشمس إلى أن ترتفع الشمس عن الأفق. وهذا الذي ذكره غير صحيح. وفي هذا الحديث ما يرده لأن في حديث عمران بن حصين: فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس. لا يكون إلا بعد تمكن ارتفاعها.
(١٣٠) - قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾:
اختلف في تأويل الآية فقال أكثر المفسرين هي إشارة إلى الصلوات الخمس. فقيل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقيل غروبها صلاة العصر ومن آناء الليل صلاة والعتمة وأطراف النهار والمغرب والظهر. وقال بعضهم آناء
стр. 1228
الليل المغرب والعشاء وأطراف النهار وحدها وقبل الطلوع الصبح وقبل الغروب العصر. وقال بعضهم في الآية إشارة إلى نوافل، منها آناء الليل ومنها قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر والصبح، والمغرب أطراف النهار والعصر قبل الغروب. وقيل إنما قال وأطراف النهار لأن له أربعة أطراف: وقوف الشمس للزوال، والزوال، وطلوع الشمس وغروبها، فصلاة الظهر في آخر طرف النهار الأول، وزاله طرفه الثاني.
(١٣١) (١٣٢) -قوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واصطبر عليها﴾:
في هذه الآية النهي عن التشوف إلى ما في أيدي الناس. وقد كان ابن الزبير يتمثل بالآية في ذلك.
(١٣٢) - وقوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ أمر بأن يأمر الإنسان أهله بالصلاة، وقد كان عمر يفعل هذا ويتمثل بالآية.
стр. 1229
سورة الأنبياء ﵈ -
هي مكية وفيها مواضع من الأحكام.
(٧٨)، (٧٩) - قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وعلمًا﴾:
تفسير ما جاء في هذه الآية أن داود ﵇ كان من بني إسرائيل وكان يحكم بيت الناس، فوقعت بين يديه هذه النازلة، وكان ابنه سليمان إذ ذاك قد كبر، وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون من باب ويخرجون من آخر. فتخاصم إلى داود ﵇ رجلان: أحدهما له زرع وقيل له كرم ويقال لهما جميعًا حرث والآخر له غنم. وذكر صاحب الحرث أن غنم صاحبه دخلت حرثه فأفسدته عليه فرأى داود أن صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث. واختلف الناس هنا. فقال بعضهم على أن يبقى حرثه بيده. وقال آخرون بل دفع صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث ودفع صاحب الحرث حرثه إلى صاحب الغنم. فلما خرج الخصمان على سليمان تشكى صاحب الغنم.
стр. 1230
فجاء سليمان إلى داود فقال: يا نبي الله إنك حكمت بكذا وكذا، وإني أرى ما هو أرفق بالجميع. فقال وما هو؟ قال: أن يدفع إلى صاحب الزرع الغنم ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. وقيل إنه قال أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث لغنم في تلك لمدة ينتفع بمرافقها من لبن وصف ونسل وغير ذلك، وإذا عاد الحرث إلى هيئته صرف كل واحد مال صاحبه. فقال داود: وفقت يا بني. وقضى بينهما بذلك واختلف هل حكم كل واحد منهما باجتهاد أو بتوقيف ووحي. فذهب الجمهور إلى أن حكمهما إنما كان عن اجتهاد. قال بعضهم: اجتهد داود فلم يصب الأشبه وأصابه سليمان. وقال آخرون بل أخطأ خطأ مغفورًا له. وذهب قوم إلى أنه عن توقيف ووحي، منهم ابن فورك، وحمل قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ أي فهمناه القضاء الفاصل الذي أراد الله تعالى أن يستقر في النازلة. وعلى هذا يكون حكم سليمان ناسخًا لحكم داود على حقيقة النسخ. وهذا تأويل بعيد، بل الأولى أن يحمل على ظاهره من أنه فهمها الله تعالى سليمان فحكم فيها برأيه. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلاف الأصوليين في جواز تعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالاجتهاد. فمنهم من أجازه ومنهممن منعه وأما الوقوع فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: قال به قوم وعلى ذلك يحملون الآية، ونفاه آخرون وتأولوا الآية على مذهبهم، وتوقف قوم إذ لم يثبت فيه قاطع. واختلف الأصوليون هل كل مجتهد في المسائل الضمنية مصيب أم لا اختلافًا كثيرًا. فذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب
стр. 1231
وأنه ليس في الواقعة حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتعين بالظن. وإليه ذهب القاضي. وذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب إلا أنهم رأوا في النازلة المحكوم فيها حكمًا معينًا يتوجه إليه الطلب إذ لا بد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلف المجتهد إصابته فبذلك كان مصيبًا وإن أخطأ ذلك الحكم المعين، بمعنى أنه أدى ما كلف وأصاب ما عليه. وذهب قوم إلى أن المصيب واحد وأن الواقعة حكمًا معينًا. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا القول بعد ذلك في الدليل على ذلك الحكم اختلافًا كثيرًا ليس هذا بموضع ذكره، ومن أبين ما يحتجون به هذه الآية لأنه تعالى قال: ﴿ففهمناها سليمان﴾، قالوا يدل على اختصاص سليمان بإدراك الحق وأن الحق واحد. فأجابت المصوبة عن هذا بأجوبة لا يتبين الانفصال بها منها، وإن قال بل الآية على نقيض مذهبكم أدل لأنه تعالى قال: ﴿وكلا آتينا حكمًا وعلمًا﴾، والباطل والخطأ لا يكون حكمًا. ومن قضى بخلاف حكم الله تعالى لا يوصف بأنه حكم الله سبحانه وأنه الحكم والعلم الذي أنزل الله لا سيما في معرض المدح والثناء. فإن قيل فما معنى قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن يقال لا يلزمنا ذكر ذلك بعد أن أبطلنا نسبة الخطأ إلى داود. والثاني أن يقال معناه أنه فهم الحكم الذي هو أرجح في النازلة. ومنها أنه يحتمل أنهما كانا مأذونًا لهما في الحكم باجتهادهما فحكما وهما محقان. ثم نزل الوحي على وفق اجتهاد سليمان، فصار حكم ذلك حقًا متعينًا بنزول الوحي على سليمان بخلافها لكن لنزوله على سليمان أضيف إليه. ويتعين تنزيل ذلك على الوحي إذ قد نقل المفسرون أن سليمان حكم بأن تسلم الماشية إلى صاحب الزرع حتى ينتفع بدرها ونسلها وصوفها حولًا كاملًا. وهذا إنما يكون حقًا
стр. 1232
وعدلًا إذا علم أن الحاصل منه في جميع السنة ما تلف على صاحب الزرع، وذلك لا يدركه علام الغيوب ولا يدرك بالاجتهاد. ويتعلق بهذه الآية رجوع الحاكم بعض قضائه إلى اجتهاد آخر أرجح منه، فإن داود ﵇ قد فعل ذلك في هذه النازلة. وقد اختلف في ذلك، فقال ابن مطرف وابن الماجشون ذلك له ما دام في ولايته، وهو ظاهر قول مالك. وقال سحنون وابن عبد الحكم ليس له ذلك إذا وافق قولًا. وقال أشهب إن كان ذلك في مال فله نقض الأول إن كان في نكاح أو طلاق أو عتق فليس له نقضه. وحجة القول الأول الآية، وما كان من داود من الرجوع.
(٧٨) - قوله تعالى: ﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾:
النفش بالليل، والهمل بالنهار وقيل في الليل والنهار. وقد رأى بعضهم أن هذه الآية اقتضت تضمين أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار وكذلك سائر الدواب. قال لأن النفش لا يكون إلا بالليل. وهذه مسألة قد اختلف فيها عندنا على أقوال: أحدها: أن كل دابة مرسلة فاحبها ضامن ليلًا كان أو نهارًا يضمن قيمة ما أفسدت كائنًا ما كان، وإلى نحو هذا ذهب عطاء. والثاني: أن صاحبها ضامن ليلًا كان أو نهارًا ولا يضمن بأكثر من قيمة الدابة وهو قول الليث بن سعد. والثالث: أنه ضامن لما أصابت بالليل ما عدا الدماء ولا يضمن ما أصابت بالنهار وهو قول مالك والشافعي. والرابع: أنه غير ضامن ما أصابت ليلًا كان أو
стр. 1233
نهارَا وهو قول أبي حنيفة في أحد قوليه. والخامس: أنه يضمن بالليل دون النهار في الحيطان المخطرة، وأما غير المخطرة فيضمن أرباب الغنم ما أفسد من ليل أو نهار، وهذا القول في كتاب ابن سحنون. والسادس: الفرق بين الأموال والدماء. وضعف أبو الوليد الباجي الحجة بالآية على تضمين أرباب المواشي بالليل، قال: لأنه لو كان في الآية التصريح بالحكم أنه ضمن أهل الماشية التي نفشت لم يكن نفي الحكم بذلك في الراعية بالنهار إلا من دليل الخطاب وليس عندي ذلك دليل صحيح، فكيف والآية لم تتضمن تفسير الحكم ولا ثبوته وإنما فشر ذلك أقوال تفسير ولا حجة فيها. وحجة مالك في التضمين بالليل دون النهار الآية. وقد جاء في الحديث ما يعضدها وذلك أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحائط حفظها بالنهار وإنما ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها. وعن الزهري أن شاة وقعت في كرى حائط فاختصموا إلى شريح، فقال الشعبي: انظروا ليلًا وقعت فيه أو نهارًا، فإن كان بالليل ضمن صاحبها وإن كان بالنهار لم يضمن ثم قرأ: ﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾، فالآية على هذا في التضمين لما أفسدت الماشية بالليل محكمة جاريًا على أحكام شرعنا. واحتج من لم ير التضمين ليلًا كان أو نهارًا بقوله ﵊: ((جرح العجماء جُبار)) وحملوه على العموم ورأوه ناسخًا للآية. وهذا القول ضعيف من أوجه: أحدها: أنه لا يصح النسخ إلا على القول بأن شريعة من قبلنا لازمة لنا. والثاني: أنه لا يصح النسخ إلا على القول بجواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، ومن يسلم أن هذا الحديث متواتر. والثالث: أنه يمكن الجمع بين الآية والحديث فلم يضطر إلى النسخ وذلك أن الحديث عام يحتمل الخصوص، فيحتمل أن يريد بذلك فيما ليس على صاحب العجماء حفظها منه. فأما ما على صاحبها حفظها منه ثم أصابته فليس بجبار. وأما صفة
стр. 1234
التضمين الذي جاء في قصص الآية فمنها ما يحتمل أن يخرج على شرعنا وذلك ما قضى به داود من أن الغنم لصاحب الزرع، فيحتمل أن تكون قيمة الزرع على الرجاء والخوف مثل قيمة الغنم أو أكثر ولا مال لصاحب الغنم غيرها، فلذلك قضى بها لصاحب الزرع. وأما تضمين سليمان فليس بخارج عن مألوف شرعنا. وحكا أبو الحسن أن الحسن صار إلى مثل ما حكم به سليمان من أن تدفع الغنم إلى صاحب الزرع ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. قال وإنما صار إلى ذلك إذ لم ير في شرعنا ناسخًا مقطوعًا به عنده.
(٩٠) - قوله تعالى: ﴿ويدعوننا رغبًا ورهبًا﴾:
اختلف في معناه: فقيل رجاء وخوفًا، وهو قول الجمهور. وقال بعضهم الرغب أن ترفع بطون الأكف نحو السماء والرهب أن ترفع ظهورها. وفي الآية على هذا القول دليل على جواز رفع الأيدي في الدعاء. وقد اختلف في ذلك، وقد مر الكلام على هذا المعنى فلا معنى لإعادته. والله الموفق لا رب سواه.
стр. 1235
سورة الحج
اختلف فيها هل هي مكية أو مدنية، فقيل هي مكية سوى ثلاث آيات، قوله: ﴿هذان خصمان﴾ [الحج: ١٩] إلى تمام ثلاث آيات، قاله ابن عباس وغيره. وقيل هي مكية سوى أربع آيات قوله تعالى: ﴿هذان خصان﴾ إلى تمام أربع آيات، قوله: ﴿عذاب الحريق﴾ [الحج: ٢٢] وروي عن ابن عباس أيضًا. وقيل هي مكية إلا عشر آيات وقيل نزلت بالمدينة وقيل مدنية إلا أربع آيات: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ [الحج: ٥٢] إلى قوله تعالى: ﴿عذاب يوم عقيم﴾ [الحج: ٥٥] فهن مكيات، قاله قتادة وغيره. وقيل هي كلها مدينة قاله الضحاك. وقيل السورة مختلطة فيها مدني ومكي وهو قول الجمهور. وروي عن أنس بن مالك أنه قال: أنزل أول السورة في السفر فنادى رسول الله ﷺ بها فاجتمع إليه الناس فقال: ((أترون أي يوم هذا؟ )) فبهتوا. فقال: ((يوم يقول الله تعالى: يا آدم ابعث بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)). قال فاغتم الناس. فقال رسول الله ﷺ : ((أبشروا فمنكم رجل ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل ... )) إلى سائر الحديث.
стр. 1236
وفيها من الأحكام والنسخ.
(٢) - قوله تعالى: ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها﴾:
اختلف في الزلزلة المذكورة هل تكون في الدنيا على من تقوم عليه القيامة أم هي يوم القيامة على جميع العالم. فقال الجمهور هي في الدنيا، والضمير في ﴿ترونها﴾ عائد على الزلزلة وقال هؤلاء إن الرضاع والحمل لا يكون إلا في الدنيا، وعضدوا به مذهبهم. وقال قوم هي في يوم القيامة، والضمير في: ﴿ترونها﴾ عائد على الساعة أي يوم ترون ابتداءها في الدنيا، وإن لم يعيدوا الضمير على الزلزلة لئلا يلزمهم أن يكون الحمل والرضاع في يوم القيامة. وقال بعضهم بل هي في يوم القيامة والضمير في: ﴿ترونها﴾ عائد على الزلزلة، وزعموا أن المراد بكل ذات حمل من مات من الإناث وولدها في جوفها ويجعلون المرضعة -والله تعالى أعلم- من كانت مرضعة في الدنيا، واحتج بهذا التأويل من يقول أن المرأة إذا ماتت بجنين في بطنها لم يبقر عليه، وهو قول ابن القاسم، خلاف قول أشهب.
(٥) - قوله تعالى: ﴿فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾:
قال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ -وهو الصادق المصدوق- يقول: ((يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون عليقة مثل أربعين يومًا ثم يكون مضغة أربعين ثم يبعث الله ملكًا فيقول اكتب عمله ورزقه وأجله واكتب شقيًا أو سعيدًا ... )) الحديث. وقوله: ﴿من تراب﴾، يريد آدم من تراب، فأنتم من تراب لأنكم من نسله، ومن كان أصله تربًا فهو ترب. وقوله تعالى: ﴿ثم من نطفة﴾ يريد المني الذي يكون منه الخلق
стр. 1237
وخصه بعضهم ببني آدم وقوله تعالى: ﴿ثم من علقة﴾ يريد الدم الذي تعود النطفة إليه، والعلق الدم العبيط. وقيل العلق الشديد الحمرة فسمي الدم بذلك. وقوله تعالى: ﴿من مضغة﴾ يريد مضغة على قدر ما يمضغ.
قال زهير:
تلجلج مضغة فيها أنيص ... أطلت فهي تحت الكشح داء
وقوله تعالى: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾: قال مجاهد مصورة وغير مصورة، وقال قتادة تامة الخلق وغير تامة الخلق، وقال الشعبي: النطفة والعلقة والمضغة إذا بلغت في الخلق الرابع كانت مخلقة، وإذا نزفها الرحم قبل ذلك كانت غير مخلقة. واختلف في الذي نعت به مخلقة وغير مخلقة. فقيل ذلك من نعت مضغة، وقيل من نعت نطفة، وعلى قول الشافعي من نعت النطفة والعلقة والمضغة. وقد اختلف في الذي تكون به الجارية أم ولد اختلافًا كثيرًا. فذهب ابن القاسم -ورواه عن مالك- إلى أنها تكون أم ولد بالعلقة وقد ذكرنا أن العلقة الدم والمضغة ما فوقها. وقال أشهب لا تكون أم ولد بالعلقة -يريد والله تعالى أعلم- أنها تكون أم ولد بالمضغة فأعلى، وهو قول الأوزاعي وغيره.
وذهب الشافعي إلى أنها لا تكون أم ولد حتى يتم شيء من خلقه، عين أو ظفر أو ما أشبه ذلك، وهو قول أبي حنيفة. والأظهر مذهب مالك
стр. 1238
رحمه الله تعالى لأن الله تعالى قد جعل درجات خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة، والنطفة لما كانت المني لم يجب أن تكون الجارية بها أم ولد لأنها بعد لم يحدث فيها الرحم شيئًا لم يكن من قبل، فإذا صار علقة فقد أحدث الرحم فيها شيئًا لم يكن وتغير اسم النطفة واستعدت للتخليق، فمن حينئذ ينبغي أن تكن الجارية أن ولد. وذكر إسماعيل القاضي عن مالك أن الأمة تكون أم ولد بالمضغة التي يعلم أنها مضغة، واحتج بهذه الآية: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾ قال: وبذلك تحرج المرأة من العدة وبه تعتق أم الولد إذا أسقطته بعد موت سيدها. قال: وأما النطفة والعلقة فهي دم فليس ذلك براءة، وأما إذا تبين من الخلق شيء -وإن قل- فهذا يكفن ويغسل إذا تبين الرأس إلى عجب الذنب، وإن لم يتم الخلق، وهذا قول مالك والحجة فيه القرآن. وقوله : ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾ أخبرنا أن غير المخلقة لها حكم المخلقة بأن يحكم للأمة بحكم أم الولد ولذلك ما جعل في أخلاص المرأة غير عبد أو وليدة إذا تبين بعض الخلق. وذكر أبو الحسن أن الآية تقتضي أن لا تكون المضغة إنسانًا كام اقتضت ذلك في العلقة والنطفة والتراب لأن الله تعالى نبهنا بهذه الآية على كمال قدرته بأن حلق الإنسان من غير إنسان وهي النطفة والمضغة التي لا تخطيط فيها ولا تركيب. فإذا لم يكن إنسانًا جاز أن يقال فيه إنها ليست بحمل كالنطفة.
ويحتمل أن يقال إنه أصل الإنسان الذي انعقد واشتمل عليه الرحم وصار حملًا وليس كالنطفة. وزعم إسماعيل أن قومًا زعموا أن السقط لا تنقضي به العدة ولا تصير به الأمة أم ولد، وزعم أن هذا غلط لأنه تعالى أعلمنا أن المضغة التي هي غير مخلقة قد دخل فيما ذكر من خلق الإنسان. كما ذكر المخلقة ودل على أن كل ما يكون من ذلك إلى خروج الولد من بطن أمه فهو حمل، وقد قال تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] قال وهذا لا حجة فإن الله تعالى لم يذكر أنه
стр. 1239
حمل وإنما نبه على قدرته بأن خلقها مما ذكر فلم تدخل النطفة ولا العلقة والا المضغة المخلقة في اسم الإنسان، فليس بشيء من ذلك ولدًا.
وقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أدجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فالمراد به ما سمي ولدًا. واستدل إسماعيل بن إسحاق أيضًا على أنه يرث بهذا، وه وقول غلط لأنه إنما يعتبر ميراثه عند الولادة حتى لو طلقها منذ أربع سنين وأتت بولد وعلم أنه في تلك الحالة نطفة ورث أيضًا. ولو انفصل عنها وقد تكامل خلقه لم يرث وانقضت به العدة. فهما حكمان متباينان وأحكام الجنين كثيرة وليس هذا موضع ذكرها، وإن كان بعضهم قد ذكر في هذا الموضع من أحكامه كثيرًا كاختلاف الناس في الصلاة عليه ما لم يستهل، إلى غير ذلك فأعرضت عنها لما ذكرته، وسائر الآيات قد مر الكلام على أحكامها في مواضعها.
(٢٥) - قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواه العاكف فيه﴾:
نزلت هذه الآية عام الحديبية حين صدر رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام. وقد اختلف في المراد بقوله: ﴿والمسجد الحرام﴾ فقيل نفس المسجد خاصة، وهو الذي ذهب إليه إسماعيل القاضي واحتج له بنص الآية وقال جماعة: المسجد الحرام أراد به مكة كلها، لكن قصد بالذكر المهم المقصود من ذلك وقد اتفق العلماء على أن الناس سواء في نفس المسجد الحرام لنص الآية، واختلفوا في سائر مكة. فذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وغيرهما إلى الأمر في ذلك كالأمر في المسجد الحرام
стр. 1240
وأن القادم فيها له النزول حيث وجد وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى، وعلى هذا كان الأمر في الصدر الأول، قاله ابن باسط وكانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل منهم بابًا فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق بابًا في وجه حاج بيت الله؟ فقال: أنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه فاتخذ الناس أبوابًا. وقال علقمة بن ثعلبة: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وما تدعي رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى لم يسكن، وحجة هذا القول ظاهر الآية. وقال الجمهور -منهم مالك وغيره- ليس ذلك كالمسجد الحرام، ولأهلها الامتناع بها والاستبداد، وعلى هذا العمل اليوم. ورجح هذا القول إسماعيل القاضي وقال: لم تزل الدور لأهل مكة غير أن المواساة تجب إذا كانت الضرورة. ولعل عمر رضي الله تعالى عنه فعل ذلك على هذا الطريق. وهذا الخلاف متركب على الخلاف في فتح مكة هل كان عنوة أم غير عنوة؟ فذهب مالك وأبو حنيفة والثوري إلى أنه كان عنوة. وذهب الشافعي وغيره إلى أنه كان أمانًا والأمان كالصلح. والذين ذهبوا إلى أنه عنوة اختلفوا فقال بعضهم: من على أهلها بها فلم تقسم ولا يسبى أهلها لما عظم الله تعالى من حرمتها. وقال بعضهم إنما أقرت للمسلمين وهذا الخلاف في مذهب مالك، وعلى هذا يأتي الخلاف في بيع دور مكة وكرائها. فمن رأى فتحها عنوة وأنها أقرت للمسلمين لم يجز شيئًا من ذلك ومنعه. وعلى هذا يأتي قول عمر رضي الله تعالى عنه ومن تابعه، وهو أحد أقوال مالك رحمه الله تعالى. ومن رأى أنها مؤمنة أو فتحت عنوة إلا أنها من بها على أهلها أجاز ذلك كله، وهو ظاهر مذهب ابن القاسم وأحد أقوال مالك. وعن مالك في المسألة قولان
стр. 1241
آخران: أحدهما الكراهية لذلك مطلقًا. والثاني: الكراهية له في أيام الموسم خاصة، فتحصل عن مالك في ذلك أربع روايات: المنع والإجازة والكراهية والكراهية في أيام الموسم خاصة. وقال إسماعيل القاضي: وتلول قوم في بيوت مكة ما ذكرناه، يعني ما من كون العاكف والبادي فيها سواء. قال: والقرآن يوجب أنه المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك. وقد حكي أن عمرًا اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنًا، فهذا منه إجازة للبيع. وظاهر قوله ﵊: ((وهل ترك لنا عقيل منزلًا)) يقتضي أن لا اشتراك أنها متملكة على التأويلين في ذلك. إذ قيل معناه أنه ورث جميع منازل أبي طالب وغيره. وقيل معناه باع منازل بني هاشم حين هاجروا. والعاكف المقيم بمكة، والبادي أهل البادية ومن سلكها من أهل العراق وسائر الأمصار.
(٢٥) - قوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد﴾:
قال بعضهم التقدير: من يرد فيه إلحادًا بظلم، والباء زائدة. ويحتمل أن يقدر: برد فيه بمعنى فعل يصل بحرف جر كأنه قال: ومن يأت فيه بإلحاد بظلم، ولا تكون الباء فيه زائدة. وأصل الإلحاد الميل. وقد اختلف في المراد به، فقيل جميع ما يقال فيه ظلم لأن كل ظلم ميل، حتى أن عبد الله بن عمر كان يتوقى معاتبة أحد بمكة حتى
стр. 1242
يخرج إلى الحل. وقيل الإلحاد جميع المعاصي ولعظم حرمة المكان توعد الله تعالى علانية السيئة فيه ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب بذلك إلا بمكة. إلى هذا ذهب جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود وغيره وقال ابن مسعود: الإلحاد في الآية الشرك. وقال أيضًا هو استحلال الحرام وحرمته. وقال مجاهد هو العمل السيئ فيه. وقال عبد الله بن عمر: وقول لا والله بلى والله بمكة من الإلحاد. وروي عن عمر أنه قال: هم المحتكرون للطعام بمكة. والإلحاد بالظلم يعم جميع المعاصي فينبغي أن يحمل على عمومه ولا يخصص به شيء دون شيء إلا على جهة المثال.
(٢٦) - (٢٨) - قوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر ... ﴾ إلى قوله: ﴿فكلوا﴾:
القائمين هنا المصلون. وذكر تعالى من أركان الصلاة الركوع والسجود خاصة إذ هما أعظم أركانها. وربما استدل بعضهم بهذه الآية على جواز صلاة الفريضة في الكعبة. وقد مر الكلام على المسألة.
وقوله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ ظاهره أنه خطاب لإبراهيم ﵇ لأنه مسوق على قوله: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ الآية وروي عن ابن عباس في ذلك أن إبراهيم عند هذا الأمر نادى يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا وأمر أن تحجوه. فلم يبق إنس ولا جن إلا قال: لبيك اللهم لبيك. وروي عن علي مثل ذلك. وعلى هذا يقولون إن رسول الله ﷺ حج قبل الهجرة حجتين، فسقط الفرض عنه بذلك، وهذا بعيد فإنه قد ورد في شرعه: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]
стр. 1243
فلا بد من وجوبه عليه بحكم الخطاب في شرعه. وإن قيل إنما خاطب من لم يحج كان تحكمًا وتخصيصًا بلا دليل ويلزم عليه أن لا يجب في هذا الخطاب على من حج على دين إبراهيم. وهذا غاية في البعد. وفي تقديمه تعالى ذكر الرجال -جمع راجل- على الراكبين دليل على أن المشي في ذلك أفضل من الركوب، وقد قاله ابن عباس وإسحاق. والذي يذهب إليه مالك والشافعي أن الركوب أفضل. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن فرض الحج على طريق البحر ساقط إذ لم يذكره الله تعالى في الآية. وقد قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرًا. وهذا الاستدلال ليس بلازم في الآية لأنه لا بد لمن أتى مكة من أحدى هاتين الحالتين: الترجل والركوب، لأنها ليست على ضفة البحر، فالآية جارية على ظاهرها، وقد مر الكلام أيضًا على هذه المسألة. واختلف في المنافع في الآية، فقال أكثرهم هي التجارة، وقال بعضهم: وفي هذا دليل على إباحة التجارة في الحج. وقال قوم أراد بالمنافع الأجر وسائر الآخرة. وقال قوم بعموم الوجهتين وقال إسماعيل القاضي المنافع أعمال الحج مثل شهود عرفة والمزدلفة ومنى وطواف الإفاضة ونحو ذلك لأن الله تعالى إنما قال: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ ولا يصح أن تكون إجابة هذه الدعوة إلا للحج، فلو كانت منافع التاجرة لكانوا فد أجابوا لغير ما دعوا إليه،
стр. 1244
فإنما دعوا لمنافع خاصة لله ثم رخص لهم بعد ذلك في التجارة حين توقى الناس أن يتشاغلوا بها في الحج فأنزل الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨] فأرخص لهم في ذلك. وقد كانت الجاهلية لا يستحلون التجارة في الحج. واختلف في ذكر اسم الله ما هو. فقيل هو بمعنى حمده شكره على نعمته في الرزق ويؤيد قوله ﵊: ((إنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى)) وقيل المراد ذكر اسم الله على النحر والذبح. واستدل بعضهم من ذكره تعالى في هذه الآية الأيام دون الليالي على أن الذبح في الليل لا يجوز وهو مشهور مذهب مالك، وأجاز ذلك الشافعي وغيره، وقد مر الكلام على هذه المسألة وعلى الأيام المعلومات والمعدودات بما أغنى عن ذكره هنا.
(٢٨) - (٣٠) - قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾:
قوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾: أمر إباحة بالأكل من الهدايا. وقد اختلف العلماء فيما يؤكل من الهدي الواجب مما لا يؤكل. فذهب مالك إلى أنه يؤكل منها كلها إذا بلغت محلها إلا من ثلاثة أنواع: جزاء الصيد ونسك الأذى ونذر المساكين. وذهب أحمد وغيره إلى أنه يؤكل منها إذا بلغت محلها إلا من جزاء الصيد والنذر، وروي عن الحسن مثله. وذهب الحسن أيضًا في رواية عنه إلى أنه يؤكل من جزاء الصيد ونذر المساكين.
стр. 1245
وروي عن الشافعي أنه لا يؤكل من الواجب شيء. وقال أبو حنيفة: يؤكل من هدي القران والتمتع ولا يؤكل سوى ذلك واحتج ابن القصار لمالك بقوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾ ولم يخص واجبًا من واجب ولا تطوع، فهو عام في جواز الأكل إلا ما قام الدليل عليه من الثلاثة الأشياء المذكورة لأنها وجبت للمساكين فلا يجوز له الرجوع ولا الأكل منها كالكفارات. واختلفوا في هدي التطوع، فعند أصحاب مالك أنه إن لم يبلغ محله لم يؤكل وإن بلغ أكل. وذهب جابر بن زيد إلى أنه لا يؤكل وإن بلغ محله، وإن أكل غرم. وذهب قوم إلى جواز أكله وإن عطب قبل محله، وقاله ابن عمر وعائشة. ومن حجة من يجيز الأكل عمومًا عموم الآية، وما عطب من هدي واجب قبل بلوغ محله جاز أكله لأن عليه بدله فلا فائدة في منعه أكله. وقد اختلف الناس في الأكل من الأضاحي ومما يجوز أكله من الهدايا. فاستحب قوم الأكل منها، وهو قول مالك والليث وغيرهما، وخير قوم من غير استحباب، منهم عطاء ومجاهد. وذهب قوم إلى أن من لم يأكل فقد عصى ويأتي على هذا أن الأكل منها واجب. وكان من تأول هذا يحمل أمره تعالى بالأكل على الإيجاب ومن استحب ذلك حمله على الندب ومن خير فيه رآه على الإباحة. ويؤيده أنه قد روي أن المشركين كانوا يأكلون ضحاياهم فرخص
للمسلمين في ذلك. فإن قلنا إنه يستحب له الأكل من أضحيته فماذا يأكل منها؟ فوسع الجمهور أن يأكل ما شاء ومما شاء من أضحيته من غير تفصيل. وذهب قوم إلى استحباب الأكل من الكبد. قال الزهري: من السنة أن يأكل أولًا من الكبد وروي عن علي أنه ذبح أضحيته فشوى كبدها وتصدق بسائرها ثم أخذ رغيفًا بيده والكبد بيده الأخرى فأكل. وقال قوم يستحب أن يأكل
стр. 1246
من أضحيته الثلث هو وأهل بيته. والقول الأول أظهر لعموم الآية.
(٢٨) - قوله تعالى: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾:
أمر بأن يطعم منها المساكين. وقد اختلف في التصدق منها، فرأى قوم أن من لم يفعل ذلك فقد عصى، ويأتي على هذا أن التصديق منها واجب. وذهب قوم إلى أن التصديق منها مستحب، وكأن من ذهب إلى القول الأول حمل قوله تعالى: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ أمرًا على الإيجاب، ومن ذهب إلى القول الثاني حمله على الندب. وما الذي يستحب الصدقة منها؟ ذهب الأكثر إلى استحباب من غير تحديد. وذهب ابن مسعود وابن عمر وغيرهما إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ويأكل بالثلث ويطعم جيرانه الثلث. واستحب قوم الصدقة بالأكثر. والقول الأول أظهر لعدم التحديد في شيء من الآية. قال أبو الحسن: قوله: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ يدل على أنه لا يجوز أكل الجميع ولا التصدق بالجميع. وقد اختلف العلماء في الأكل من الهدايا والأضاحي بعد ثلاث. فحرمه قوم واحتجوا بما روي عنه ﵊ أنه نهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث. قال بعضهم وإليه ذهب ابن عمر وعلي. وذهب الجمهور إلى
стр. 1247
إجازة أكلها وادخارها. واحتج بعضهم بأن أحاديث النهي في ذلك منسوخة بأحاديث الإباحة. وقال بعضهم ليس في الأحاديث في ذلك ناسخ ولا منسوخ وأن ذلك مفسر في الحديث لأنه قال: ((إنما نهيتكم من أجل الدافة)) وكان نظرًا منه ﵊ لمعنى، فإذا زال المعنى سقط الحكم، ومتى رأى ذلك الإمام نظرًا عهد بمثل ما عهد به النبي ﷺ توسعة على المحتاجين. وقال بعضهم قوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾ ناسخ لفعلهم من ترك الادخار واختلف في العقيقة، فذهب الحسن البصري وأهل الظاهر إلى أنها واجبة وتأولوا قوله ﵊: ((على الغلام عقيقة)) وذهب قوم إلى أنها سنة ندب إليها وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما وعليه يتأولون أحاديث العقائق كلها. وذهب قوم إلى أنها مباحة، وذهب قوم إلى أنها بدعة لا تجوز وينسب إلى أبي حنيفة، وأصحابه ينكرونه. ومن الناسمن رأى هذه الآية -وهي آية الأضحى- ناسخة للعقيقة وهو قول محمد بن الحسن. وقال بعضهم ذبح الضحايا ناسخ
стр. 1248
لكل ذبح وقال بعضهم كانت ذبائح الإسلام أربعة: أضحية وهدي وعقيقة ورجبية -وهي ذبيحة كانت تذبح في رجب- وفي صحيح مسل عن النبي ﷺ أنه قال: ((على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة)) وقال جماعة من أهل العلم هي منسوخة بقوله ﷺ : ((لا فرع ولا عتيرة. أتدرون ما العتيرة؟ هي الرجبية)) وأجمعت طائفة على نفيها.
(٢٩) - قوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾:
التفث ما يأتيه المحرم بعد حله مما كان محظورًا عليه كالحلق والتقصير وإزالة الشعث ونحوه من إقامة الخمس من الفطرة التي جاءت في الحديث، وفي مقتضى ذلك قضاء جميع المناسك إذ لا يكون قضاء التفث إلا بعد ذلك. وقد اختلف في غير الحاج هل عليه أن يترك إلغاء التفث عن نفسه أيام الحج أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يحرم عليه تقليم الأظافر ولا قص الشارب ونحو ذلك. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها كان النبي ﷺ يهدي في المدينة فافتلوا قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنب المحرم ومذهب ربيعة وأحمد وإسحاق وابن المسيب المنع من ذلك أخذًا بقوله ﵊: ((من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره شيئًا حتى يضحي)) والحديث في مسلم. وفيه أيضًا: ((فإن كنا في الحمام فأطلي بعضهم)). فقال بعضهم إن
стр. 1249
ابن المسيب يكره هذا وينهى عنه في الأضحى. فلقيت ابن المسيب فذكرت ذلك له. فقال يا ابن أخي: هذا حديث نسي وترك حدثتني أم سلمة قالت: قال النبي ﷺ ، وذكرت الحديث، ومذهب الشافعي أن ترك التقليم والقص مندوب إليه وحمل الحديث على ذلك وحكي أيضًا عن مالك ورخص فيه أصحاب الرأي.
وقوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾: قال مجاهد: يعني الحج والعمرة، وما ندر الإنسان من شيء يكون فيهما. وقال ابن عباس: هو نحر ما نذروا من البدن وقال القشيري: هو رمي الجمار، وأصله من رمي جمرة العقبة خاصة إذ بها يتحلل من الإحرام. وقد يجوز أن يدخل في معناها غيرها. وقال: قوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ يدل على وجوب إخراج النذر وإن كان دمًا أو هديًا أو غيره. ويدل على أن النذر لا يجوز أن يؤكل منه. وقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ اختلف في هذا الطواف ما هو. فقيل هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: ولا خلاف بين المتأولين في ذلك وقيل هو طواف الوداع ذكره الطبري. وقوله تعالى: ﴿ومن يعظم حرمات الله﴾: الحرمات المقصودة هنا هي الأفعال المشار إليها في الآية قبل: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع المحترمة، قاله ابن زيد وغيره.
стр. 1250
(٣٠) - قوله تعالى: ﴿وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾:
وقد مر الكلام عليه فيما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ اختلف فيمن هذه. فقيل هي لبيان الجنس، فيكون على هذا القول رجس الأوثان فقط هو المنهي عنه في هذه الآية وتبقى سائر الأرجاس منهسًا عنها في غير هذا الموضع. وقيل هي لابتداء الغاية أنه تعالى قد نهاهم عن جميع الرجس ثم بين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم إذ عبادة الأوثان جامعة لكل رجس وفساد. ويظهر أن الإشارة إلى ما كانوا يذبحونه لأوثانهم.
قوله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ الزور لفظ عام في كل باطن من كذب وكفر وغيرهما. وروي عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: ((عدلت شهادة الزور بالشرك)) ثم تلا هذه الآية وهذا يرد على طائفة من أهل الظاهر يقال لهم الخطابية يجيزون شهادة الزور.
(٣٢) - (٣٤) - قوله تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإلهكم إله واحد﴾:
الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء أشعر الله به تعالى وأعلم. وقد اختلف ما المراد بها في الآية. فقيل الهدي والأنعام المشعرة. ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بها والمغالاة في ثمنها، وإليه ذهب ابن عباس وغيره وقد أنكر القاضي أبو إسحاق هذا القول وإنما هي جميع الشعائر. قال: ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج: ٣٦] فأخبر الله تعالى أن البدن من الشعائر. ومن قال بالقول الأول يريد أن يجعل البدن جميع الشعائر، قال ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى﴾ وذلك يقتضي أن يكون أجلًا مؤقتًا كالوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ورمي الجمار. وقيل الشعائر مواضع الحج ومعالمه
стр. 1251
كالبيت والصفا والمروة ومنى وعرفة والمزدلفة وغير ذلك، وإليه ذهب ابن عمر وغيره. وقد روي عن زيد بن أسلم أنه قال: الشعائر ست: الصفا والمروة والجمار والمشعر الحرام وعرفة والركن. والحرمات خمس: الكعبة الحرام والبيت الحرام والشهر والحرام والمسجد الحرام والمحرم حتى يحل. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الأول في المنافع المذكورة في الآية ما هي، فقال مجاهد وغيره: أراد أن للناس في أنعامهم منافع من الصوف واللبن وغير ذلك ما لم يبعثها ربها هديًا، وإذا بعثها لم يحل له شيء من ذلك. وبعثها هو الأجل المسمى. وقال عطاء وغيره: لكم في الهدي المبعوث منافع من الركوب والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها. ولأجل هذا الخلاف في التفسير يختلف الفقهاء في مسائل. فمن ذلك ركوب الهدي، أجازه مالك من غير فدح ولم يجزه أبو حنيفة إلا عند الضرورة. قال: فإن نقصها للركوب تصدق بمقدار ما نقصها. فأجازه أهل الظاهر جملة من غير تفصيل وبه يقول أحمد وإسحاق. وأوجب بعضهم ركوبها لقوله ﷺ في الحديث المشهور لسائق البدنة: ((اركبها)). ومن ذلك لبن الهدي، كرهه مالك ولا يعذر في فعيلها، وأجازه بعضهم عند الضرورة وأجازه بعضهم من غير تفصيل. وقال أبو حنيفة إن نقصها الشرب فعليه قيمة ذلك، وقد نسبه بعضهم للشافعي. والآية على هذا التأويل الواحد حجة أيضًا لمن أجاز شيئًا من ذلك. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الثاني في المنافع أيضًا ما هي، فقالت فرقة: المنافع التجارة وطلب الرزق. وقالت فرقة المنافع كسب الأجر والمغفرة، والأجل على هذا القول الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة.
стр. 1252
وقوله تعالى: ﴿ثم محلها﴾ معناه ثم أخر هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه فاقتضى هذا أن الحاج بعد هذا الطواف قد حل له كل شيء من ممنوعات الحج. وقد اختلف فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة. فقال الشعبي وأبو حنيفة يحل له كل شيء إلا النساء. وقال إسحاق في أحد قوليه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد. وقال مالك يحل له كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، وهذا أليق بظاهر الآية لأنها تقتضي أن الذي يتم به الحج الطواف وتلك الأشياء لا تجوز قبل تمام الحج فينبغي أن لا تحل إلا بعد الطواف. واحتج مالك رحمه الله تعالى في الموطأ بهذه الآية على صحة قول عمر رضي الله تعالى عنه في طواف الوداع: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن آخر النسك الطواف بالبيت. قال القاضي أبو إسحاق وقوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ فإذا طاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حل بالبيت. قال الباجي: وهذا الذي قاله يحتاج إلى تأمل لأنه يحتمل أن يريد به حل من الإحلال، ويحتمل أن يريد حل من الحلول وهو الوصول. وظاهر اللفظ إنما يقتضي أن الشعائر تنتهي إلى البيت العتيق، إما أن يكون الطواف به أحد الشعائر وإما أن يكون نهايتها وتمامها فثبت بهذا أن طواف الوداع مستحب خلافًا لأبي حنيفة أنه واجب.
(٣٦) - قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كذلك سخرها لكم﴾:
اختلف في البدن ما هي، فقيل هي ما أشعر من إبل وبقر، قاله عطاء وغيره، سميت بذلك لأنها تبدن أي تسمن. وقيل بل هذا اسم خاص بالإبل ولا تكون البدن إلا منها وهو قول مالك، وهو أظهر لأن عرف هذا اللفظ
стр. 1253
أن يكون للإبل. واختلف هل تقع على الإناث منها خاصة أو على الذكور والإناث، فذهب مالك إلى أنه يقع على الذكور والإناث واحتج بعموم الآية. وذهب غيره إلى أنها لا تكون إلى في الإناث، وتعجب مالك منه.
وقوله تعالى: ﴿صواف﴾ جمع صافة أي قيامًا مصطفة. وقرئ صوافي جمع صافية أي خالصة لوجه الله تعالى. وقرئ صوافن جمع صافنة وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. والصوافن من الخيل الرافع أحد يديه فراهية، وقيل أحد رجليه. واختلف في البدن كيف تنجر. فقيل تنحر قيامًا وهو قول مالك، قال إلا أن تصعب. وروي عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته قال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمد ﷺ ، ويشهد لهذا القول دليل الآية لقوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت إلى الأرض، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وقيل تنحر قائمة وباركة وهو قول أبي حنيفة والثوري. وقيل تنحر باركة وهو الذي استحب عطاء. واختلف هل تعقل أيضًا عند النحر أم لا؟ فذهب ابن عمر وغيره إلى أنها تعقل يدها الواحدة وتقوم على الثلاث. وذهب عطاء إلى أنها تنحر معقولة وهي باركة. وذهب مالك إلى أنها ال تعقل إلا أن تمتنع، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. ومن حجة من يرى العقل قراءة من قرأ صوافن بالنون ومن حجة من لا يراه القراءة المشهورة صواف أي قيامًا. والذين رأوا العقل اختلفوا أي يد تعقل فقال قتادة: معقولة اليد اليمنى، وقال مجاهد اليسرى وحجة هذا القول ما جاء عن جابر أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوامها.
وقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ قد مر الكلام على
стр. 1254
معناه. واختلف في القانع والمعتر، فقال ابن عباس القانع الذي يقنع لما أعطيه وهو في بيته، والمعتر هو الذي يعترض لك أن تطعمه شيئًا ولا يسألك. وقال أيضًا القانع الذي يقنع بما أعطيه والمعتر الذي يعتر بك فيسألك. وقيل القانع السائل والمعتر المعترض من غير سؤال. وقيل بعكس هذا القول. وقيل القانع الجار وإن كان غنيًا والمعتر الي يعترض ولا يسألك. وقيل القانع الفقير والمعتر الزائر. قال مالك وهو أحسن ما سمعت. وفيها أقوال غير هذه وأكثرها تتداخل فلذلك أعرضت عن جلبها. وقد أقام بعضهم من هذه الآية ومن الآية التي قبلها: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ أن الهدي أثلاث. وقال جعفر بن محمد عن أبيه أطعم القانع والمعتر ثلثًا وأهلي ثلثًا والبائس والفقير ثلثًا. وأقام بعضهم منها أن الهدي أرباع. قال ابن المسيب: ليس لصاحب الهدي منه إلا الربع. وهو والله تعالى أعلم ممن يقول ذلك على جهة الاستحسان.
(٣٩) - قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾:
هذه الآية ناسخة للمنع من القتال. وروي عن ابن عباس أنه قال: هي أول آية نزلت في القتال وروي عنه أنها نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1255
إلى المدينة. وقال أبو بكر الصديق: لما سمعتها علمت أنه سيكون قتال. واختلف في الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠] أم لا؟ قال ابن يزد هي ناسخة لها. وأنكر ذلك غيره. وقال إنها تهديد ووعيد بمنزلة قوله : ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ [الحجر: ٣] وقوله: ﴿ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ [الأنعام: ٩١] وليس فيه نسخ، وهذا قول حسن.
(٤٦) - قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾:
استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن العقل في القلب وردوا بذلك قول من زعم أنه في الدماغ، وهو قول مالك وليس في الآية حجة واضحة لأنه لا ينكر أن يكون العقل لا يدرك شيئًا إلا بسلامة القلب. فمن شروط إدراكه صحته. فعلى ذلك يكون إضافة العقل إليه مع أن هذه المسألة مما يصعب الاحتجاج على تصحيحها بالسمع لأنها معقولة.
(٥٢) - قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾:
استدل بعض الناس بقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي لأنه تعالى أطلق الرسالة عليهم جميعًا. فقال: ﴿وما أرسلنا﴾ والذي عليه الجمهور أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول ورأوا أن الرسالة فيهما تختلف وأنها جاءت في الآية مبهمة. ورسالة الرسول الوحي ورسالة النبي إيقاع الشيء في نفسه دون وحي. وقوله تعالى: ﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ اختلف في
стр. 1256
معنى تمنى فقيل أراد والأمنية إرادة، والمعنى أن الشيطان ألقى ألفاظه بسبب ما تمناه رسول الله ﷺ من معاينة قومه وكونهم متبعين له. قالوا فلما تمنى رسول الله ﷺ في ذلك ما لم يقضه الله تعالى وجد الشيطان السبيل فألقى ما ألقى من اللفظ. وسيأتي تفسيره. وقيل تمنى: تلا، والأمنية التلاوة. وقال تمنى كتاب الله تعالى أول ليلة وآخره لاقى حمام المقدر. وقيل تمنى والأمنية الحديث. ومعنى ألقى في حديثه أي في تطوره وخاطره ما توهمه أنه صواب ثم نبهه الله تعالى على ذلك. والذي ألقاه الشيطان في أمنيته ﷺ أنه حين قرأ: ﴿والنجم﴾ [النجم: ١] في مسجد مكة قد حضر المسلمون والمشركون حتى بلغ إلى قوله: ﴿أفرأيت اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] فألقى الشيطان: تلك الغرانقة الأولى وأن شفاعتهم لترتجى. فقال الكفار هذا محمد قد ذكر آلهتها بما يزيد وفرحوا بذلك فلما انتهى إلى السجدة سجد الناس أجمعون إلا أمية بن خلف فإنه أخذ قبضة من تراب فرفعها إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. وقيل هو الوليد بن المغيرة وقيل هو أبو أحيحة سعيد بن العاص. ثم اتصل الخبر بمهاجرة الحبشة أن أهل مكة اتبعوا محمدًا ففرجوا بذلك. فأقبل بعضهم فوجد ألقية الشيطان قد نسخت وأهل مكة قد وقعوا في فتنة. واختلف في صورة الإلقاء، فالذي عليه الأكثر أن النبي ﷺ تكلم بتلك الألفاظ وأن الشيطان أوهمه حتى خرجت على لسانه. وروي أن جبريل ﵇ نزل بعد ذلك فدارسه ﴿والنجم﴾ فلما قالها رسول الله ﷺ قال له جبريل: لم آتك بهذا. فقال رسول الله ﷺ : ((افتريت على الله وقلت ما لم
стр. 1257
يقل)) فتفجع واغتم، فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أن هذا لا يجوز عليه ﷺ قالوا: وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ وقرب صوته من صوت النبي ﷺ حتى التبس الأمر على المشركين وقالوا قرأها محمد، ونحو هذا قد روي عن أبي المعالي. وقال ابن حزم: الحديث الذي فيه: ((وأنهن لهن الغرانيق العلا وأن شفاعتهم لترتجى)) كذب بحت لم يصح نقله فلا معنى للاشتغال به. وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية، فإن المراد به الأماني الواقعة في النفس. وقد تمنى النبي ﷺ إسلام عمه أبي طالب ولم يرد الله أن يسلم. وتمنى غلبة العد يوم أحد ولم يرد الله تعالى ذلك. فهذه هي الأماني التي ذكرها الله تعالى.
قلت وقد احتج بالآية والحديث من يجيز وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا حجة فيه لضعفه وما تحمل الآية من التأويل، والنسخ في هذا الموضع الإزالة.
(٥٨) - قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقًا حسنًا﴾:
سببها أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن
стр. 1258
عبد الأسد اختلف الناس في المقتول والميت في سبيل الله. فقال بعضهم المقتول أفضل. فنزلت الآية مسوية بينهم في الفضل. وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب قوم إلى أنهما سواء في الفضل واحتجوا بالآية. قال بعضهم وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل وليست الآية قاضية بتساويهم في الفضل. وقال بعضهم هما شهيدان ولكن للمقتول مزية ما أصابه في ذات الله تعالى. ومما يعضد القول الأول أن فضالة كان أميرًا برودس على ربع من الأرباع فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوفى فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل فقال أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه، فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اقرأوا قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله﴾.
(٦٨) - قوله تعالى: ﴿وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون﴾:
هذه الآية مهادنة خالصة نسختها آية السيف.
(٧٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾:
أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بعبادته وخص الركوع والسجود بالذكر تشريفًا للصلاة. واستدل به بعضهم على أن من نسي ركعة أو سجدة وجب عليه أن يجبرها. واختلف الناس هل في هذه الآية سجدة أم لا؟ ومذهب مالك أن لا يسجد فيها.
(٧٧) -قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾:
ندب إلى فعل المعروف جملة من غير تخصيص شيء. وصيغة قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ صيغة يظن بها العموم وهي إلى الإجمال
стр. 1259
أقرب، فالذي يظن به العموم يتمسك في إيجاب الوتر بها مصيرًا إلى أن ظاهر الأمر من الوجوب. والخير اسم عام والأظهر أنه لا حجة فيه وأنه أقرب إلى الاحتمال لكثرة ما أخرج بالأدلة المخصصة عنه. وأشباه هذا في القرآن والحديث كثير.
(٧٨) - قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾:
اختلف في الجهاد هنا ما هو، فقيل هو قتال الكفار، وقيل بل أعم من هذا بل جهاد النفس وجهاد الظلم وجهاد الكفار وغير ذلك. وأمر الله تعالى عباده أن يفعلوا ذلك في ذات الله تعالى حق فعله. واختلف في قوله تعالى: ﴿حق جهاده﴾ هل هو منسوخ أم لا؟ فقال بعض العلماء في ذلك وفي قوله تعالى: ﴿حق تقاته﴾ هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] وذهب قوم إلى أنه ليس بمنسوخ وذلك أن المراد بهذه الأوامر فعل ما استطيع عليه. فقوله في الآية الأخرى ﴿ما استطعتم﴾ إنما هو تبيين لما أهمل في غيرها وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] في موضعه.
стр. 1260
سورة المؤمنين
وهي مكية. وفيها من الأحكام والنسخ مواضع.
(٢) - (٧) - قوله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فمن ابتغى رواء ذلك فأولئك هم العادون﴾:
وسبب قوله تعالى: ﴿والذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ أن المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يمنة ويسرة، فنزلت الآية وأمروا أن يكون بصر المصلي قبل قبلته أو بين يديه، وفي الحرام إلى الكعبة. وقيل إن رسول الله ﷺ كان يلتفت في صلاته إلى السماء فنزلت الآية واختلف المفسرون أيضًا في الخشوع ما هو؟ فقيل هو الإقبال عليها والسكون فيها وهو قول مالك وجماعة سواه. وقيل الخشوع في القلب وأن لا تلتفت في صلاتك وهو قول على بن أبي طالب. وروى بعضهم عن ما يعضد هذا وهو أنه رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع هذا لخشعت جوارحه. وقيل خاشعون يعني خائفون ساكنين، وهو قول
стр. 1261
ابن عباس، والذي ينبغي أن يقال في هذا أن الخشوع هو التذلل في الجسم والقلب، وإلى هذا ترجع سائر الأقوال إذا حققت هذا الخشوع الذي ذكرناه. قال جماعة من العلماء ليس بفرض في الصلاة بحيث إذا تركه أحد بطلت صلاته ألا ترى أن عمر قال إني لأجهز جيشي وأنا في صلاتي. وروي عنه أنه قال إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة. ولا شك أن الخشوع الباطني مع هذا متروك، ولو كان من الفرائض ما تركه عمر رضي الله تعالى عنه. وقد أطلق بعضهم عليه اسم الفرض.
وقد اختلف السلف في الالتفات في الصلاة فمن كان لا يرى ذلك أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير، ورخصت فيه طائفة منهم أنس بن مالك وبان عمر وغيرهما. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿خاشعون﴾، والالتفات فيه ترك الخشوع. واختلف العلماء في أي موضع يضع المصلي بصره. فقال الكوفيون والشافعي وغيره يضعه موضع السجود. قال الشافعي: وهو أقرب إلى الخشوع. وقال بعضهم هو الخشوع. وقال مالك ومن تابعه يضعه أمامه وليس عليه أن ينظر موضع سجوده، وكره الحد في ذلك. وقال بعضهم يضعه موضع سجوده إن كان قائمًا إلا بمكة في المسجد الحرام فإنه يستحب له أن ينظر إلى البيت. والحجة لمالك أن الخشوع إنما هو كما قال: الإقبال على الصلاة، والسكون وضع بصره أينما وضعه ما لم يزل عن حد السكون.
стр. 1262
(٣) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ اللغو ما سقط من الكلام وهذا يجمع تجنب جميع ما لا خير فيه.
(٤) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ يحتمل أن يراد هنا الزكاة المفروضة، وإلى ذلك ذهب الطبري وغيره. ويحتمل أن يراد بها الزكي من الأعمال.
(٥) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم لفرجهم حافظون﴾ يريد من عف فرجه.
(٦) - وقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ قصر في هذه الآية حلال الوطء على التزويج وملك اليمين. واختلف هل فيه دليل على تحريم المتعة أم لا؟ فذهب جماعة إلى أن لا دليل فيها على ذلك وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة فقال هي محرمة في كتاب الله تعالى وتلا هذه الآية، فرأى المتعة خارجة عن التزويج وملك اليمين الذي لا يحل الوطء إلا بهما. وقد مر الكلام على هذه المسألة في موضعها. وهذه الآية تقتضي تحريم الزنا ومواقعة البهائم ولا خلاف على تحريم ذلك. واختلف في إتيان الرجل يده والاستمناء جملة أحرام هو أو مكروه؟ فحرمه أكثرهم ورآه داخلًا تحت قوله تعالى: ﴿فمن ابتغى رواء ذلك فأولئك هم العادون﴾ واحتجوا بما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أتى يده جاءت يوم القيامة حبلى)) ورخص فيه قوم من الصحابة والتابعين على كراهيته وقالوا إنما هو إزالة شيء من الجسم يخاف ضرره فلا شيء على
стр. 1263
من فعل ذلك ولا يلحقه فيه إثم ولم يروه داخلًا تحت قوله: ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾:
(٥٤) - قوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾:
في هذه الآية مهادنة وهي منسوخة بآية القتال.
(٦٢) - قوله تعالى: ﴿ولا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾:
قد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة فلا معنى في إعادتها.
(٨٤) - قوله تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون﴾:
قال مكي فيها دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم وإظهار الباطل من قولهم ومذهبهم ووجوب الحجج على من خالف دين الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ في هذه الآية مهادنة للكفار ةهي منسوخة بآية السيف.
نسأل الله تعالى العافية والسلامة.
стр. 1264
سورة النور
وهي مدنية وفيها من الأحكام والنسخ مواضع.
(٢)، (٣) - قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾:
وقد تقدم الكلام في سورة النساء على ما نسخته هذه الآية وهي آخر آية نزلت في حد الزاني. وهي الآية ظاهرها العموم في كل زان أو زانية مسلمين كانا أو كافرين. وقد قال بذلك أهل الظاهر وأبو حنيفة، فرأوا أن الكافر حده الجلد بكرًا كان أو ثيبًا، وهو قول المغيرة من أصحاب مالك. وقال الشافعي حد الكافر في الزنا كحد المسلم، إن كان بكرًا جلد مائة جلدة وإن كان ثيبًا رجم، واحتج بعموم الآية وبالحديث عن النبي ﷺ في رجم اليهوديين واعتذر من لم يقل بقول الشافعي عن الحديث. فقال أبو
стр. 1265
حنيفة إنما عليهم بحكم التوراة، وقال مالك رحمه الله تعالى إنما حكم عليهم بالرجم لأنهم لم يكونوا أهل ذمة فكان دمهم مباحًا. إلا أن هذا التأويل يضعفه قتل المرأة. كما ضعف بعضهم تأويل أبي حنيفة بأن يكون النبي ﷺ اقتدى بالتوراة وغير هؤلاء, وهم مالك وأصحابه، رأوا أن المراد بها المسلمون دون المشركين وأن الكافر لا يحد بكرًا كان أو ثيبًا ويرد إلى أهل دينه. قال بعضهم بدليل أنها نزلت ناسخة للآية الواردة في المسلمين وهي قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ الآية [النساء: ١٥]. فقال رسو الله ﷺ : ((خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا)) الحديث.
وظاهرها أيضًا العموم في الأحرار والعبيد وقد قال به أهل الظاهر إلا فيإيناث العبيد فإنهم يرون أنهن خارجات من هذا العموم بقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] فيرون أن العبد يجلد مائة بحكم العموم والأمة خمسين بحكم الآية المخصصة. وأنكر هذا العموم الجمهور إذ فرق بين العبد والأمة في مثل هذا فأجروا على العبد حكم الأمة الثابت لها بالآية التي احتجوا بها، وظاهرها أيضًا العموم في الأبكار والثيبين. وقد قال بذلك أيضًا أهل الظاهر ورأوا أن الثيب يجلد بالآية ثم يرجم بالحديث فجمعوا عليه الحدين. وروي عن علي بن أبي طالب أنه جلد الهمدانية ثم
следующие страницы →