Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
ابن عباس، والذي ينبغي أن يقال في هذا أن الخشوع هو التذلل في الجسم والقلب، وإلى هذا ترجع سائر الأقوال إذا حققت هذا الخشوع الذي ذكرناه. قال جماعة من العلماء ليس بفرض في الصلاة بحيث إذا تركه أحد بطلت صلاته ألا ترى أن عمر قال إني لأجهز جيشي وأنا في صلاتي. وروي عنه أنه قال إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة. ولا شك أن الخشوع الباطني مع هذا متروك، ولو كان من الفرائض ما تركه عمر رضي الله تعالى عنه. وقد أطلق بعضهم عليه اسم الفرض.
وقد اختلف السلف في الالتفات في الصلاة فمن كان لا يرى ذلك أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير، ورخصت فيه طائفة منهم أنس بن مالك وبان عمر وغيرهما. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿خاشعون﴾، والالتفات فيه ترك الخشوع. واختلف العلماء في أي موضع يضع المصلي بصره. فقال الكوفيون والشافعي وغيره يضعه موضع السجود. قال الشافعي: وهو أقرب إلى الخشوع. وقال بعضهم هو الخشوع. وقال مالك ومن تابعه يضعه أمامه وليس عليه أن ينظر موضع سجوده، وكره الحد في ذلك. وقال بعضهم يضعه موضع سجوده إن كان قائمًا إلا بمكة في المسجد الحرام فإنه يستحب له أن ينظر إلى البيت. والحجة لمالك أن الخشوع إنما هو كما قال: الإقبال على الصلاة، والسكون وضع بصره أينما وضعه ما لم يزل عن حد السكون.
стр. 1262
(٣) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ اللغو ما سقط من الكلام وهذا يجمع تجنب جميع ما لا خير فيه.
(٤) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ يحتمل أن يراد هنا الزكاة المفروضة، وإلى ذلك ذهب الطبري وغيره. ويحتمل أن يراد بها الزكي من الأعمال.
(٥) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم لفرجهم حافظون﴾ يريد من عف فرجه.
(٦) - وقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ قصر في هذه الآية حلال الوطء على التزويج وملك اليمين. واختلف هل فيه دليل على تحريم المتعة أم لا؟ فذهب جماعة إلى أن لا دليل فيها على ذلك وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة فقال هي محرمة في كتاب الله تعالى وتلا هذه الآية، فرأى المتعة خارجة عن التزويج وملك اليمين الذي لا يحل الوطء إلا بهما. وقد مر الكلام على هذه المسألة في موضعها. وهذه الآية تقتضي تحريم الزنا ومواقعة البهائم ولا خلاف على تحريم ذلك. واختلف في إتيان الرجل يده والاستمناء جملة أحرام هو أو مكروه؟ فحرمه أكثرهم ورآه داخلًا تحت قوله تعالى: ﴿فمن ابتغى رواء ذلك فأولئك هم العادون﴾ واحتجوا بما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أتى يده جاءت يوم القيامة حبلى)) ورخص فيه قوم من الصحابة والتابعين على كراهيته وقالوا إنما هو إزالة شيء من الجسم يخاف ضرره فلا شيء على
стр. 1263
من فعل ذلك ولا يلحقه فيه إثم ولم يروه داخلًا تحت قوله: ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾:
(٥٤) - قوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾:
في هذه الآية مهادنة وهي منسوخة بآية القتال.
(٦٢) - قوله تعالى: ﴿ولا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾:
قد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة فلا معنى في إعادتها.
(٨٤) - قوله تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون﴾:
قال مكي فيها دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم وإظهار الباطل من قولهم ومذهبهم ووجوب الحجج على من خالف دين الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ في هذه الآية مهادنة للكفار ةهي منسوخة بآية السيف.
نسأل الله تعالى العافية والسلامة.
стр. 1264
سورة النور
وهي مدنية وفيها من الأحكام والنسخ مواضع.
(٢)، (٣) - قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾:
وقد تقدم الكلام في سورة النساء على ما نسخته هذه الآية وهي آخر آية نزلت في حد الزاني. وهي الآية ظاهرها العموم في كل زان أو زانية مسلمين كانا أو كافرين. وقد قال بذلك أهل الظاهر وأبو حنيفة، فرأوا أن الكافر حده الجلد بكرًا كان أو ثيبًا، وهو قول المغيرة من أصحاب مالك. وقال الشافعي حد الكافر في الزنا كحد المسلم، إن كان بكرًا جلد مائة جلدة وإن كان ثيبًا رجم، واحتج بعموم الآية وبالحديث عن النبي ﷺ في رجم اليهوديين واعتذر من لم يقل بقول الشافعي عن الحديث. فقال أبو
стр. 1265
حنيفة إنما عليهم بحكم التوراة، وقال مالك رحمه الله تعالى إنما حكم عليهم بالرجم لأنهم لم يكونوا أهل ذمة فكان دمهم مباحًا. إلا أن هذا التأويل يضعفه قتل المرأة. كما ضعف بعضهم تأويل أبي حنيفة بأن يكون النبي ﷺ اقتدى بالتوراة وغير هؤلاء, وهم مالك وأصحابه، رأوا أن المراد بها المسلمون دون المشركين وأن الكافر لا يحد بكرًا كان أو ثيبًا ويرد إلى أهل دينه. قال بعضهم بدليل أنها نزلت ناسخة للآية الواردة في المسلمين وهي قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ الآية [النساء: ١٥]. فقال رسو الله ﷺ : ((خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا)) الحديث.
وظاهرها أيضًا العموم في الأحرار والعبيد وقد قال به أهل الظاهر إلا فيإيناث العبيد فإنهم يرون أنهن خارجات من هذا العموم بقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] فيرون أن العبد يجلد مائة بحكم العموم والأمة خمسين بحكم الآية المخصصة. وأنكر هذا العموم الجمهور إذ فرق بين العبد والأمة في مثل هذا فأجروا على العبد حكم الأمة الثابت لها بالآية التي احتجوا بها، وظاهرها أيضًا العموم في الأبكار والثيبين. وقد قال بذلك أيضًا أهل الظاهر ورأوا أن الثيب يجلد بالآية ثم يرجم بالحديث فجمعوا عليه الحدين. وروي عن علي بن أبي طالب أنه جلد الهمدانية ثم
стр. 1266
رجمها، وقال جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بالسنة. واحتجوا أيضًا بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ : ((خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا الثيب بالثيب جلد مائة والرجم)) ولم يقل غيرهم بذلك العموم فلم يروا الشيئين مرادين بالآية ورأوا أن حديث عبادة منسوخ بما ثبت من حكم رسول الله ﷺ بالرجم دون الجلد في حديث أنس وفي قصة ماعز وقصة العامرية. وهذا الدليل يخصص الظاهر الذي يحتجون به من القرآن. وبعضهم يسمي هذا التخصيص الذي ذكرته نسخًا وبعضهم يقول إن الشيئين يرادان بالآية أيضًا، لكن يقول الناسخ لتلك الآية الثيبين القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه وهو الذي قرأ عمر على المنبر بمحضر الصحابة: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة. والأصح ما ذكرته أولًا. وحديث علي يحتمل أن يكون كتمه الإحصان فلم يعلم به حتى جلدها. والخوارج بإجماعهم يرون الآية عامة في الأبكار والثيبين ولا يرون الرجم ويقولون ليس في كتاب الله تعالى رجم وهو خلاف ما يعتد به. وظاهر الآية أيضًا الجلد دون التغريب وقد قال به أبو حنيفة وذكره بعضهم عن مالك واستدل بالآية قال: ولم يذكر التغريب فكان إثباته زيادة في النص نسخ ولا يصح نسخ القرآن بأخبار الآحاد. ولم ير مالك في المشهور عنه وجميع أصحابه ذلك بل رأوا الجلد ثابتًا بالآية والتغريب ثابتًا بالسنة. وقال ﵊: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)) فجمعوا بينهما ولم يروا الزيادة في النص نسخًا هذا إذا لم تغير الزيادة في الحكم الأول. ولا تغريب
стр. 1267
عند مالك وجميع أصحابه على الحرة خلافًا للشافعي، ومن حجتهم ظاهر الآية، ولم يأت ما يزيل ذلك الظاهر. فإن قيل وهو حجة مالك قد جاء هذا الحديث: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)) فكام أزلتم ظاهر الآية في الرجل البكر به فهلا فعلتم ذلك في المرأة البكر؟ قيل قد جاء أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها)) فلو كان التغريب للنساء لأدى ذلك إلى ما نهى عنه ﷺ من في هذا الحديث وفي نفيها تعريض لهتك سترها فكان تركها أولى. والأمة والعبد أيضًا عند مالك وأصحابه لا يغربان. وللشافعي في ذلك قولان، والحجة لمالك قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ ولم يذكر تغريبًا، وقال: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] فلم يذكر تغريبًا فلا يثبت إلا حيث يقوم الدليل مع ظاهر قول النبي ﷺ في حديث أنس في الأمة إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها فكرر الجلد ولم يذكر التغريب. وحد العبد على النصف من حد البكر الحر سواء زان بحرة أو بأمة، خلافًا للأوزاعي في قوله إن زان بحرة رجم وإن زنا بأمة جلد، وهذا فاسد لقوله : ﴿الزانية والزاني﴾ ولم يفرق. واختلف في المجون إذا زنا بعاقلة هل تحد العاقلة أم لا؟ فقال ﴿الزانية والزاني﴾. واختلف أيضًا في الصغير يفجر بكبيرة هل تحد الكبيرة أم لا على قولين. وحجة القول بحدها عموم الآية، ومن حجة من لا يرى الحد أن هذا ليس بزنا فليس بداخل في الآية. واختلف في الكبير يفجر بصغيرة
стр. 1268
هل يحد أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان. وحجة القول بالحد عموم الآية. واختلف في الوط في الدبر هل هو زنى أم لا؟ فعند مالك رحمه الله تعالى أنه زنى يقام فيه الحد وغير لا يراه زنى والكلام في هذا هل اسم الزنى واقع عليه أم هو قياس؟ فإذا كان اسم الزنى واقعًا عليه فالعموم في الآية شامل له. وإن كان قياسًا فهو صحيح إن شاء الله تعالى. واختلف فيمن زنى ببهيمة هل عليه حد أم لا؟ فالمشهور أنه لا حد في ذلك، وفي كتاب ابن شعبان أن الحد فيه واجب، وهذا بعيد لأن فاعل ذلك ليس بزان لأنه معلوم أن الزنى إنما هو بالآدمية، فقد خرج هذا من لفظ الآية بعرف اللفظ فلا حد فيه. واختلف في من زنى بحربية ببلاد الحرب، فالمشهور في المذهب أن عليه الحد وقال أشهب لا حد عليه. وحجة القول الأول عموم الآية. واختلف أيضًا فيمن زنى بنصرانية وإن لم تكن ببلاد الحرب، ففي المذهب أن عليه الحد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وحجة القول الأول عموم الآية. واختلف أيضًا إذا دخل المسلم دار الحرب فزنى بمسلمة وكذلك إذا زنى في عسكر أهل البغي. ففي المذهب أن عليه الحد خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا حد عليه إلا أن يكون على الجيش أميرًا أو في مصر من الأمصار. ودليل القول الأول الآية. واختلف فيمن زنى بأمة له فيها شرك، ففي المذهب أنه لا حد عليه عالمًا كان بالتحريم أو غير عالم. وفي خارج المذهب أن عليه الحد إن كان عالمًا بذلك لأنه زنى وقد حرم الله تعالى الزنا وأوجب فيه الحد. وحجة القول الأول في درء الحد الشبهة التي في وطئه باختلاط ملكه بملك شريكه وقد قال
стр. 1269
عليه الصلاة والسلام: ((ادرأوا الحدود بالشبهات)) فهذا مخصص لعموم الآية. واختلف فيمن زنى بأمة ولده، ففي المذهب أنه لا حد عليه، وذهب داود إلى أن عليه الحد لعموم الآية، وحجة القول الأول الشبهة له في مال ولده وقد قال
﵊: ((أنت ومالك لأبيك)) واختلف فيمن زنى بأمة امرأته، فقال مالك إن عليه الحد، وقال قوم لا حد عليه، وحجة القول الأول عموم الآية وأنه لا شبهة للزوج وأنه لا شبهة للزوج في مال الزوجة. واختلف فيمن زنى بميت، فقال مالك عليه الحد، وقال ابن عبد الحكم لا حد عليه، وحجة مالك عموم الآية. وكذلك اختلفوا في المرأة إذا استدخلت ذكر نائم، فقال مالك رحمه الله تعالى عليها الحد وقال أبو حنيفة لا حد عليها، وحجة مالك أن هذا زنى فهو داخل تحت العموم. واختلف فيمن أكره على الزنا هل عليه حد أم لا على قولين، وحجة القول الأول عموم الآية. واختلف فيمن زنا ولم يعلم أن الزنا حرام، فالمشهور من المذهب أن الحد واجب ولا تسقطه الجهالة وذهب أصبغ إلى أن الحد يسقط بذلك، وروي عن عمر بن الخطاب، والحجة للقول الأول عموم الآية. واختلف فيمن زنا بذات محرم منه، فقال مالك والشافعي عليه الحد، وروي عن البراء بن عازب وجابر أنه يقتل وحجة القول الأول عموم الآية وحجة القول الآخر حديث البراء بن عازب الذي ذكره الترمذي وغيره حين قال في رجل زنا بأمه: أمرني رسول الله ﷺ أن أضرب عنقه وأستبقي ماله وكذلك اختلف فيمن وطئ أمه أو أخته أو بنته بنكاح أو بملك يمين وهو عالم بالتحريم فعند مالك أنه يحد، وقال أبو حنيفة لا يحد لأن النكاح وعقد الملك شبهة، وحجة مالك أنه إذا كان عالمًا بالتحريم فهو زنا والعقد غير مقصود فدخل تحت عموم الآية. وأما أبو حنيفة فالتفت بالتحريم فهو زنا
стр. 1270
والعقد غير مقصود فدخل تحت عموم الآية. وأما أبو حنيفة فالتفت في هذه المسألة إلى صورة العقد ولم يلتفت إلى المقصود وأبعد في هذا النوع من النظر حتى قال فيمن استأجر امرأة ليزني بها أنه لا حد عليه وزاد على ذلك فقال: من أعطى امرأة ذهبًا أو فضة ثم زنا بها أنه لا حد عليه وإن لم يعط ذلك على وجه الإجارة. وهذا تعمق في النظر أدى إلى الزنا المحض فلا يلتفت إليه. واختلف فيمن زنا ثم تاب هل تسقط التوبة عنه الحد أم لا؟ وكذلك في حد السرقة وشرب الخمر. فالمشهور أن الحد لا تسقطه التوبة في شيء من ذلك لقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] الآية ولم يفرق. وذهب الشافعي وأبو حنيفة والثوري وغيرهم بجلد الرجل قائمًا والمرأة قاعدة واحتجوا بحديث النبي ﷺ : ((فرأيت الرجل يمنا على المرأة)) قال مالك ومن تبعه يضرب الرجل والمرأة قاعدين وهما سواء في ذلك ومن حجته قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ فسوى بينهما في الجلد ولم يفرق بين الرجل والمرأة. واختلفوا في مواضع الضرب من جسده بعد أن اتفقوا على تجنب المقاتل والوجه والعورة، فعند مالك أن الضرب لا يكون إلا على الظهر خاصة، وعند الشافعي أن الأعضاء كلها تضرب ما عدا ما اتفق عليه، وعند أبي حنيفة أن الأعضاء كلها تضرب ما عدا الظهر قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما﴾ فأطلق ولم يخص، وحجة مالك قوله ﵊: ((البينة أو حد في ظهرك)) وقول عمر: لأوجعن متنيك. واختلف هل يجرد المحدود أم لا بعد الاتفاق على أن المرأة لا تجرد وتستر بما لا يقيها الضرب. فعند مالك وغيره أنه يجرد، وروي عن النخعي والشعبي وغيرهما أنه لا يجرد
стр. 1271
ويترك عليه قميص، وروي عن ابن مسعود أنه قال: لا يحل في هذه الأمة التجريد. وقال الأوزاعي الإمام مخير إن شاء جرد وإن شاء لم يجرد، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما﴾ والجلد يقتضي مباشرة أبدانهما.
(٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾:
اختلف فيه المفسرون، فقال ابن المسيب وغيره يعني الضرب الشديد، وقال مجاهد وغيره لا تعطل الحدود من أجل الرأفة، وقال سليمان بن يسار نهي عن الرأفة في الوجهين. وقد اختلف في حد الزنا هل يكون كحد الفرية والخمر أم لا؟ فقيل هو مثليهما سواء ضرب غير مبرح وهو قول الشافعي ومالك، وعلى هذا يأتي قول مجاهد في الرأفة. وقيل ضرب الزنا أشد منهما وعليه يأتي القولان الآخران في الرأفة وهما حجة هذا القول. واختلف في حد الفرية والخمر أيضًا هل هما سواء أم حد الفرية أشد، فالمشهور أنهما سواء وهو مذهب الشافعي ومالك، وقيل حد الفرية أشد. وذكر أبو الحسن عن أبي حنيفة وأصحابه الثلاثة أن التعزير أشد الضرب وضرب الزنا أشد من ضرب القذف. وقال الثوري ضرب الزنا أشد من ضرب القذف وضرب القذف أشد من ضرب الخمر. والظاهر يقتضي التسوية ومما يحتج به من قال إن ضرب الزنا أشد من ضرب الخمر والقذف أن رسول الله ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وحد الزنا لا يكون إلا بالسوط وأن القاذف يمكن أن يكون صادقًا والزاني بخلافه فكيف يسوى بينهما بالضرب، وهذا الكلام لا يخفى فساده. واختلف هل يرفع
стр. 1272
الضارب يده حتى يرى بياض إبطيه أم لا؟ فروي عن عمر وعلي أنه لا يفعل ذلك، وروي عن عبد الملك بن مروان أنه أمر بذلك، ومن حجته: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾. والصواب هو القول الأول لأن القصد بذلك إنما هو النكال وبدون ذلك يبلغ المقصود فلا معنى للغلو. واختلف هل يجوز أن يجمع مائة سوط فيضرب بهما ضربة واحدة أم لا؟ فلم يجزه مالك جملة وأجازه أبو حنيفة للصحيح والمريض، وفرق الشافعي بين الصحيح والمريض والضعيف والجلد القوي. فقال يجوز ضرب المريض بذلك وبأطراف النعال وبعثكول النخل وبعذق فيه مائة شمراخ. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ فمفهوم هذا أنه أراد الضرب ولا يفهم منه أنه أراد الشيء الذي يضرب به.
قوله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾:
المراد بالآية توبيخ الزناة والغلظة عليهم ليرتدعوا، فلا خلاف أن ما كثرت الطائفة في حضورهم كان أغلظ عليهم. وقد اختلف في أقل ما يجزئ، فقيل عشرة وهو قول الحسن. وقيل ما زاد على الأربعة وهو قول ربيعة. وقيل أربعة جماعة على المذهب وهو قول ابن أبي زيد ورأوا أن هذا كشهادة الزنا. وقيل ثلاثة وهو قول عطاء والزهري وغيرهما. وقيل لا بد من اثنين وحكى ذلك بعضهم عن [] قال وهذا قول مالك المشهور. وقيل يجزئ الواحد. وتسمى طائفة إلى الألف وهو قول مجاهد وقاله ابن عباس، واحتجا بقوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم
стр. 1273
طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] وقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٧]، ونزلت في تقاتل رجلين، وهذا أضعف الأقوال لأن المقصود بحضورهم -كما قلنا- التوبيخ، وإذا كان ذلك فالواحد لا يكفي مع أن الطائفة إذ أطلقت في كلام العرب إنما تقع على جماعة.
وقوله تعالى: ﴿فاجلدوا﴾ هذا أمر عام للإمام وغيره، لكن العلماء اتفقوا على أن الإمام هو الذي يلي ذلك في أمر الرعية. واختلفوا في السيد مع عبده هل يقيم عليه الحدود أم لا؟ فقال الشافعي يقيم الحدود كلها دون الإمام. وقال مالك يقيم عليه حد الزنا والشرب والقذف. وذكر المروزي عن أحمد أنه لا يقيم عليه إلا حد الزنا والشرب والقذف. وذكر المروزي عن أحمد أنه لا يقيم عليه إلا حد الزنا. وقال أبو حنيفة ذلك إلى الإمام لا للسيد. وإذا لم يكن إمام فالظاهر من المذهب أن الرعية لا تقيم الحدود. وذكر أبو الحسن أنه إن أفضى إقامة الحدود من صلحاء الناس إلى هرج وفتنة لم يجز وإن لم يفض جاز وهذا من قوله يقتضي أن الخطاب على العموم. وإذا قلنا إن السيد يقيم على عبده وأمته حد الزنا إنه إذا لم تكن الأمة متزوجة لعبد غيره أو لحر خلافًا للشافعي في اختياره ذلك. واختلف هل للسيد أن يعفو عن الحد لعبده أو أمته، فأجازه الحسن وقال غيره لا منعة له في ذلك كالسلطان سواء، وعموم الآية حجة لهذا.
(٣)، (٤) - قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾:
اختلف في هذه الآية على قولين، أحدهما: أنها منسوخة إلا أن الذين
стр. 1274
ذهبوا إلى هذا اختلفوا فقال سعيد بن المسيب إن هذا حكم كان في الزناة عامًا أن لا يتزوج زان إلا زانية ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] فدخلت الزانية في أيامى المسلمين وقال مجاهد فيما ذكره أبو عبيد إن هذا الحكم إنما كان في نفر مخصوصين كانوا يزنون ببغايا الجاهلية، فلما أسلموا لم يمكنهم الزنا فأرادوا تزوج أولئك النسوة إذ كانوا من عاداتهن الإنفاق على من يتزوجهن، فنزلت الآية بسببهن فحرمت على أولئك النفر نكاح غيرهم من المؤمنين ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾. قال أبو الحسم: دليل النسخ أنه جوز للزاني أن ينكح المشركة وللمشرك أن ينكح الزانية وذلك غير جائز فإنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١] وإذا صح النسخ جاز تزوج الزاني العفيفة والعفيف الزانية. وتزوج الزاني الزانية لعموم قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] وقد أنكر القول بالنسخ شيخنا أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى لوجهين: أحدهما أنا لا ندري أي الآيتين المتقدمة من المتأخرة. والثاني أن قوله: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾ خاص وقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ عام، والعام لا ينسخ الخاص، والثاني أنها محكمة. إلا أن من ذهب إلى هذا اختلفوا في التأويل، فقال ابن عباس وغيره إن النكاح في الآية بمعن الجماع لا بمعنى التزوج، والقصد بالآية على هذا تشنيع الزنا وأنه محرم، واتصال الآية على هذا التأويل بما قبلها حسن فيكون المعنى أن الزاني لا يزني إلا بزانية مثله مسلمة أو مشركة، وكذلك الزانية من المسلمات لا تزني إلا مع زان من المسلمين أو مع مشرك وهذا أحسن ما في الآية. إلا أن الزجاج قد أنكره وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا معنى التزوج. وهذا ليس
стр. 1275
كما قال، وفي القرآن ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] وبينه النبي ﷺ أنه بمعنى الوطء. وقد مر الكلام عليه في سورة البقرة. وقال عبد الله بن عمر وروي عن ابن عباس أيضًا وغيره أن الآية نزلت في قوم مخصوصين كانوا في الجاهلية يزنون ببغايا مشهورات فلما جاء الإسلام أسلموا ولم يمكن تلزنا وكانوا ففقراء أرادوا زواج أولئك النسوة لفقرهم إذ كان من عادة أولئك النساء الإنفاق على من يتزوجهن، فنزلت الآية بسببهن. والإشارة بالزاني إلى أحد أولئك وحمله عليه اسم الزاني الذي كان في الجاهلية. والنكاح في الآية على هذا القول التزوج وفي الآية على هذا التأويل معنى التوجع عليهم والتوبيخ لهم كأنه قال أي مصاب هذا الزاني لا يريد أن يتزوج إلا زانية أو مشركة، أي تنزع نفوسهم إلى هذه الرذائل.
وقوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ أي نكاح أولئك البغايا. فيزعم أهل هذا التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله تعالى على أمة نبينا محمد ﷺ . وحكى الطبري عن ابن عباس في سياق هذا القول أنه كانت لهم بيوت في الجاهلية تسمى المواخير فكانوا يؤجرون فيها وكانت بيوتًا معلومة للزنا فحرم الله تعالى ذلك على المؤمنين.
ومقتضى هذا القول أن الزاني لا يتزوج زانية ولا مشركة، والزانية لا تتزوج زانيًا ولا مشركًا، إلا أنه قال إنها وردت في قوم مخصوصين، والعام إذا خرج على سبب خاص قد اختلف فيه يحمل على عمومه أو يقصر على سببه. وإذا حمل على عمومه فلا يجوز على هذا أن يتزوج الزاني الزانية ويجوز أن يتزوج العفيفة، كذلك العكس. وكذلك روي عن ابن مسعود أنه قال في الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها: إنهما زانيان ما عاشا. وروي مثله عن عائشة وعلي والبراء، وروي عن ابن مسعود أنه إذا تاب حل له أن يتزوج من أولئك البغايا. والبغايا المذكورات: عناق، واسم الذي
стр. 1276
هم بتزوجها دلدل وكان يخرج مع المسلمين من مكة سرًا ففطنت له ودعته إلى نفسها فأبى الزنا وأراد التزوج فاستأذن فيه النبي ﷺ فنزلت الآية. ولما دعته وأبى قالت له: أي تبور والله لأفضحنك. وأم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي ويقال فيها أم مهزم. وحنة القبطية جارية العاص بن وائل. وجارية صفوان بن أمية أم عليط. وجارية عمرو بن هشام بن ربيعة فرسة. وجارية هلال بن أنس فرنتا من ذوات الرايات التي تعرف منازلهن بها. وعلى هذا كانت بالمدينة إماء عبد الله بن أبي وغيرهن. وقال الحسن: معنى الآية على ظاهرها وهي محكمة في الزاني المجلود والزانية المجلودة أي لا يزوج المجلود مجلودة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ﴿لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله﴾.
وقوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ يريد الزنا. وهذا القول يضعفه ذكر المشرك في الآية لأنه لا يحرم على قوله للزاني أن يتزوج مشركة وللزانية أن تتزوج من مشرك، وهذا في غاية البعد. وقد ضعف بعضهم هذا
стр. 1277
القول والحجة به قالوا: وأما الحديث فلا يصح وقال بعضهم إن منسوخ. وللاختلاف في تفسير الآية اختلف في ابتداء تزوج الزاني العفيفة والعفيف الزانية على ثلاثة أقوال: المنع وهو مروي عن الزهري، وهو الذي يأتي على مذهب الحسن في تفسير الآية، وروي عن علي أنه فرق بين رجل وامرأة زنيا قبل أن يدخل بها وربما قال من يقول بهذا إن الآية منسوخة في المشركة خاصة دون الزانية، وهؤلاء يرون عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي لن كعب وابن عمر مثل قولهم. ومن حجة هؤلاء حكم رسول الله ﷺ بالتفريق بين المتلاعنين.
والكراهة وهو المشهور في المذهب فإن وقع جاز، وسبب الكراهة إشكال ظاهر الآية.
والجواز وهذا أيضًا في المذهب وروي عن الزهري وعليه يأتي قول من رأى النسخ في الآية ورأى النكاح فيها بمعنى الوطء. ومن حجة أهل هذا القول أيضًا عموم قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية [النساء: ٣].
واختلف في الزاني يتزوج الزانية كان زنى كل واحد منهما بصاحبه أو بغيره، على حسب الاختلاف في المسألة الأولى المنع وهو قول ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة. وهذا يرده تأويل الحسن في الآية ويعضده تأويل عبد الله بن عمر.
والكراهة والجواز وهما المشهوران. وعلى القول بأنه لا يمنع فلا بد من الاستبراء إن أراد الزواج خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وقولهما إنه ليس
стр. 1278
بواجب. وحجتنا قوله ﵊: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره)).
واختلف في الرجل تزني امرأته تحته هل ينفسخ نكاحه أم لا؟ فالمشهور أنه لا ينفسخ، وقيل ينفسخ وحكي عن الحسن وأبي عبيد. وقال بعضهم وهو قول أهل البصرة. وكذلك اختلف إذا زنى الرجل هل يحرم على المرأة أم لا؟ فعند أهل البصرة أنه يحرم وقال غيرهم لا يحرم وعلى هذا يأتي تفسير الحسن للآية، وقد تقدم ما يوهن تفسيره ويقوي سواه. ومن الدليل للقول المشهور قوله ﷺ للرجل الذي قال له إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال: ((طلقها)) قال: إني أحبها. قال: ((أمسكها)). وقد تأول بعضهم: إن امرأتي لا ترد يد لامس، أن معناه لا ترد طالب ماله من محتاج أو سارق ونحو ذلك، وأنشدوا على هذا:
ألستم لئامًا ترودن جاركم ... ولولاهم لم تمنعوا كف لامس
وفي قوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ دليل على أنه لا تحريم على الكافرين وأنه لا اعتراض لنا في زناهم وفسوقهم وفجورهم إذا قدرنا على أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله. وإذا لم يحرم الله علهم الزنا فلا خطاب عليهم في تحليل ولا تحريم حتى يدخلوا في الإسلام فإن احتج محتج بقوله تعالى: ﴿وطعامكم حل لهم﴾ [المائدة: ٥] فقيل إنما معناه حل لكم أن تطعموهم منه.
(٤) - (٦) - قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾:
نزلت في القذف والرمي أصله من الرمي بالحجارة والسهام ثم استعير
стр. 1279
للقذف لما بينهما من الشبهة. وقال قال امرؤ القيس: وجرح اللسان كجرح اليد. فكأنه تعالى قال والذين يقذفون المحصنات. القذف أيضًا الرمي. وقال تعالى: ﴿ويقذفون من كل جانب * دحورًا﴾ [الصافات: ٨، ٩] وتقول العرب: فلان بين حاذف وقاذف. إلا أنه قد خص في إطلاق أهل الشرع بالرمي في الزنا ولا خلاف في صريح ذلك أنه داخل في حكم الآية. واختلف في التعريض بالزنا هل يجري مجرى الصريح في ذلك أم لا؟ فمالك يجب الحد والشافعي وكافة العلماء على خلافه. ووجه قول مالك حمل المفهوم على الصريح كحمله عليه في ألفاظ الشرع، وقال الشافعي لما كان التعريض في الخطبة ليس كالصريح حملنا التعريض بالقذف عليه وهو أولى لقوله ﵊: ((ادرأوا الحدود بالشبهات)) والمحصنات هنا أهل العفة باتفاق. واختلف في الحرية والإسلام هل هما داخلان تحت لفظ المحصنات مع العفة أم لا على ما يأتي تفسيره. واتفقوا أن التزويج لا مدخل له في هذه الآية. واختلف في سبب نزول هذه الآية. فقال سعيد بن جبير سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وقيل بل نزلت بسبب ما قيل في القذف عامًا لا في تلك النازلة واختلف أيضًا في الآية هل هي في النساء خاصة -والرجال داخلون فيها بالمعنى- أم هي في
стр. 1280
الرجال والنساء سواء؟ فقيل هي في النساء لقوله: ﴿والمحصنات﴾ وهذا لا يكون إلا في النساء. وخصهم الله تعالى بالذكر إذ كان رميهم بالفاحشة أنكر في النفس وأشنع، وقذف الرجل داخل في حكم الآية بالمعنى والإجماع، وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخل شحمه ودماؤه وغضاريفه ونحو ذلك من أعضائه في ذلك المعنى وبالإجماع، ومثل قوله تعالى في الإماء: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] والعبيد مثلهن باتفاق. ومثله قوله ﵊: ((من أعتق شركًا له في العبد)) والأمة مثله باتفاق. وقد اختلف هل يسمى مثل ذلك قياسًا أم لا؟ وقيل بل الآية في الرجال والنساء وأن المعنى فيها: والذين يرمون الأنفس المحصنات، فهي تعم بلفظها النساء والرجال. وقوله تعالى: ﴿والذين يرمون﴾ عام في كل بالغ عاقل مسلم أو نصراني. إلا أنه اختلف في العبد هل هو مخصص من هذا اللفظ أم لا. فذهب ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز ومن قال بقولهما إلى أنه غير مخصص من لفظ الآية وأن حده في القذف ثمانون جلدة كما نص في الآية، وبه قال الأوزاعي. وذهب الجمهور إلى أنه مخصص منها بقوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾ [النساء: ٢٥] وأن حده نصف حد الحر أربعون.
وقوله تعالى: ﴿والمحصنات﴾ أراد باللفظ أهل العفة وقد اتفقوا على أن من قذف -من ثبت عليه الزنا- بالزنا الذي قد ثبت أنه لا حد عليه لأن العفة من ذلك لم تقع بوجه. واختلفوا إذا قذفه بزنا آخر غير الذي ثبت عليه. فالمشهور أنه لا حد على القذف، وقيل يحد لأن سقوط العفة في ذلك لم تعلم، وإلى نحو هذا ذهب أبو ثور. والقول الأول أصح لأن العفة بظاهر هذا الزنا الثابت قد سقطت ولا حد على من قذف غير عفيف بقوله
стр. 1281
تعالى: ﴿المحصنات﴾. فعلى المشهور يكون لفظ المحصنات في الآية فيمن لم تعرف له غير العفة أبدًا. وعلى القول الثاني يكون اللفظ في ذلك وفيمن لم تعرف صحة ما روي به وإن لم يعلم متصل العفة. وظاهر الآية العفاف في المسلمين والكافرين وأنه من قذف أهل الكفر فعليه الحد. وقد قيل بذلك على ما ذكرت بعض المتأخرين. وقد قال بذلك الظاهر قوم منهم ابن المسيب، ورأيت له في الذي يقذف النصرانية ولا ولد مسلم أنه يحد. ورأيت لغيره في النصرانية تحت المسلم أنه إذا قذفها جلد الحد. والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية المقذوفون من المسلمين وأن الكفار مخصوصون من عمومها بالقياس على الفاسق المليء وهذا إذا جعلنا الإحصان العفة خاصة. وأما إن جعلنا لعفة والإسلام فليس للآية عموم يحتج به في ذلك. وظاهر الآية على أيضًا على العموم في الأحرار والعبيد وانه من قذف منهم أحدًا كان عليه الحد. وقد قال بذلك بعض أهل الظاهر داود ومن تابعه. والذي عليه الأكثر أن المراد بالآية الأحرار جون العبيد وأنه لا حد على من قذف مملوكًا وأنهم مخصوصون من ذلك العموم، قال بعضهم لقوله ((أرخ حد المماليك وأهل الذمة إلى يوم القيامة)). ومعناه الحدود التي لهم وهذا كما قلنا على القول بأن الأحصان في الآية العفة خاصة أو العفة والإسلام خاصة. وأما إن فسر اللفظ بذلك وبالحرية جميعًا فلا عموم
стр. 1282
له يحتج به. وظاهر الآية أيضًا العموم في البالغين وغيرهم وأنه من قذف منهك أحدًا فعليه الحد، وقد قيل ذلك على ما حكاه بعض المتأخرين. ورأيت لإسحاق أن الغلام إذا كان يطأ مثله حد قاذفه والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية البالغون وأن الذين لم يبلغوا مخصوصون من عموم الآية بقوله ﵊: ((رفع القلم عن ثلاثة)) فذكر الصبي حتى يحتلم. إلا أنه اختلف في المذهب في بلوغ النساء ما هو، فالمشهور أنه إمكان الوطء، وقال ابن عبد الحكم وابن الجهم الحيض، وهذا القول أجرى مع الظاهر. وظاهر الآية العموم في الأحمق وغيره وأنه من قذف الأحمق عليه الحد وقد قال بذلك بعض المتأخرين. والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية العقلاء وأن ماع داهم فلا حد على قاذفهم إذا قذفهم بما يكون في حال زوال عقولهم وأنهم مخصوصون من عموم الآية بقوله ﵊: ((رفع القلم عن ثلاث)) فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق، وظاهر الآية أيضًا العموم في الممكن من الوطء وغير الممكن مثل المجبوب ومن جرى مجراه، وأن من قذف مجبوبًا فعليه الحد وقد قال بذلك ابن حنبل وإسحاق البتي. والذي عليه الأكثر أن المراد بالآية المتمكنون من الوطء وأنهم مخصوصون من عموم الآية بالقياس على الصبي وأنه من قذف مجبوبًا لا حد عليه. واختلف فيمن أقر على نفسه بالزنا ثم رجع بعد ذلك هل يحد للقذف أم لا؟ فالمشهور أنه لا حد عليه لأن الله
стр. 1283
تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وهذا لم يرم أحدًا. واختلف في المرمي به الذي يجب فيه حد القذف ما هو، فعند مالك والشافعي أنه الزنا واللواط، وعند أبي حنيفة الزنا خاصة وهذا بناء منه على أصله فيأن اللواط لا يجب به الحد وإنما يجب به التعزير, وحدة القول الأول قوله تعالى: ﴿والذين يرمون﴾، والزنا يراد به القذف. ومن يرمي باللواط فقد قذف، ولفظ الآية تعمه. واختلف فيمن قذف أحدًا ببهيمة، فقال ابن شهاب عليه الحد، والمشهور أنه لا حد فيه لأن الآية على ما فهم منها إنما جاءت في الآدميين لا في البهائم. واختلف فيمن قذف ابنه أو ابن ابنه هل عليه حد أم لا على قولين في المذهب. قال ابن المنذر: وظاهر الآية يدل على الحد وليس مع من أزال الحد في هذا حجة. واختلف فيمن قال لآخر يا فاعلًا بأمه أو فعلت بأمك، فالمشهور أن عليه الحد، وقال أصحاب الرأي لا حد عليه في الوجهين. وحجة الأول ظاهر الآية وأن هذا قاذف بلا خلاف. واختلف في القوم في دار الحرب يقذف بعضهم بعضًا، فالمشهور أن على القاذف منهم الحد وقال أصحاب الرأي لا يحد. وقال ابن المنذر يحد على ظاهر الآية. واختلف فيمن قذف رجلًا بالزنا فحد له ثم عاد له فقذفه هل يحد له أيضًا على قولين في المذهب. ووجه القول بالحد عموم الآية. واختلف فيمن قذف جماعة هل يحد لكل واحد منهم حدًا أم حدًا واحدًا لجميعهم. فذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله ومن تابعهما إلى أنه يحد حدًا واحدًا قذفهم في كلمة واحدة أو مفترقين في مجالس شتى. وقال الشافعي لكل واحد حد، وقال عطاء وغيره إن كان القاذف بكلمة واحدة
стр. 1284
فحد واحد، وإن كان قذف هذا ثم هذا كان لكل واحد منهم حد. وذكره بعضهم عن مالك رحمه الله تعالى. وقال عروة بن الزبير وغيره إن جاؤوا جميعًا حدوا حدًا واحدًا وإن جاؤوا مفترقين حد لكل واحد منهم، وهو قول المغيرة فيمن قذف أناسًا في أوقات شتى، واستدل بعضهم من الآية على تصحيح القول الأول بأن قال قاذف المحصنة قاذف لها وللذي زان بها ولم يوجب الله تعالى عليه إلا حدًا واحدًا مع قوله أيضًا: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وهي جماعة. واختلف في القذف هل يتعلق به حق الله تعالى أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتعلق به فلا يجوز فيه العفو بلغ الإمام أو لم يبلغه وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه تدل رواية أشهب عن مالك. ويأتي على هذا أن حد القذف يقيمه الإمام إذا انتهى إليه، رفعه إليه صاحبه أو أجنبي. والثاني: أنه لا يتعلق به حق الله ولصاحبه أن يعفو بلغ الإمام أو لم يبلغه وهو أحد قولي مالك وقول الشافعي. والثالث: أنه حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام فإذا بلغ الأمام صار حقًا لله تعالى، وهو أحد قولي مالك. وحجة القول بأن لله تعالى فيه حقًا أنهم قد اتفقوا على أن الزنا من حقوق الله لا يجوز فيه العفو فقسنا عليه القذف لأن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وقال: ﴿الزانية والزاني﴾ فوجب إجراء الأمرين على الظاهر لأنه لم يشترط العفو. وفي هذا حدة أخرى أن المخاطبة بالجلد إنما هي للولاة فذلك يدل على أن لله تعالى فيه حقًا ولا يجوز فيه العفو.
(٤) - قوله تعالى: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾:
شدد الله تعالى بها على القاذف سترًا على عباده وزجرًا عن أذاهم. وحكم هذه الشهادة التي ذكرها الله تعالى هي أن تكون على معاملة بالغة
стр. 1285
كالورود في المكحلة. واختلف هل يراع فيها أن تكون في موطن واحد أم لا؟ فراعاه الأكثر ولم يراعه ابن الماجشون وأبو حنيفة ومن حجتهما ظاهر الآية إذ لم يفرق بين موطن واحد ومواطن، وحجة القول الأول قياس المواطن على الأزمنة إذ لم يختلفوا فيها واختلف هل من شرطها أن يأتي الشهداء مجتمعين أم لا؟ فرأى ذلك مالك وقال عبد الملك تقبل شهادتهم مجتمعين أو مفترقين، ومن حجة هذا القول ظاهر الآية إذ لم يذكر الله تعالى في الشهداء اجتماعًا أو افتراقًا. واختلف إن شهد للقاذف أقل من أربعة هل يحد الشهود أم لا؟ فعند مالك والشافعي وغيرهما أنهم يحدون هم وهو. وقال أبو حنيفة وابن حنبل وغيرهما الشهود ليسوا بقذفة فلا يجلدون ومن حجة هؤلاء أن يقولوا مفهوم الآية أنه إن شهد أقل من أربعة لم تجز شهادتهم على المقذوف ولم يبرأ القاذف ويجلد، فمقتضى هذا أن الشهود لا يجلدون. وحجة القول الأول أنهم قد صاروا قذفة إذ لم تكمل بهم الشهادة. واختلف أيضًا إذا شهد أربعة بالزنا أحدهما زوجها. ففي المذهب أن الزج يلاعن ويحد الشهود وهو أحد قولي الشافعي، وقال أيضًا أنهم لا يجلدون، وقال أبو حنيفة تقبل شهادتهم وتحد المرأة، وهذا إذا جاء مع الشهود مجيء الشهادة من غير أن يتقدم منه إليها قذف. والدليل على المخالف للمذهب قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ الآية. وظاهره يقتضي أن يأتي بأربعة شهداء سواه. وكذلك الخلاف إذا شهد أربعة فساق فردت شهادتهم. فقال أبو حنيفة وغيره لا يحدون، والجمهور على أنهم يحدون، قال أبو الحسن: وظن أصحاب أبي حنيفة أيضًا أنه إذا أتى بأربعة شهداء على الصفة المذكورة أنه لا يحد، بخلاف ما إذا أتى بأربعة شهداء محدودين أو كفارًا وعبيدًا فلا يسقط الحد عنه. قال وهذا التفصيل تحكم مع أن إطلاق الشهداء يقتضي الذي يحصل بهم الصدق ويقبل
стр. 1286
قولهم. واختلف أيضًا إذا شهد ثلاثة وشك الرابع هل يحد من شهد أم لا؟ كالخلاف فيما تقدم ومما يعضد القول في حد الشهود مع القاذف في جميع ما ذكرناه ما فعل عمر بن الخطاب في أمر المغيرة بن شعبة وذلك أنه شهد عليه بالزنا أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه نافع وسماه بعضهم عبد الله وزياد أخاوهما لأم وهو مستلحق معاوية وشبل بن معبد البجلي. فلما جاؤوا لأداء الشهادة توقف زياد ولم يؤدها كالملة فجلد عمر الثلاثة المذكورين.
وقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ المعنى فاجلدوا كل واحد منهم. وقد تقدم في الجلد وهيئته بما أغنى عن إعادته. وقوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ أمر تعالى أن لا تقبل للقاذفين شهادة، وهذا اللفظ يقتضي مدة حياتهم.
وقوله تعالى: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ حكم تعالى بأنهم فاسقون أي خارجون عن طاعة الله تعالى. فهذه ثلاثة أحكام في القاذف: الجلد ورد الشهادة والتفسيق. ثم استثنى تعالى فقال: ﴿إلا الذين تابوا﴾ فاستثنى من تاب وأصلح من بعد القذف ووعدهم بالرحمة والغفران. فالاستثناء غير عامل في
стр. 1287
جلده القذف بإجماع. وعامل في فسقه بإجماع. واختلف في عمله في رد الشهادة فقال أبو حنيفة وغيره لا يعمل الاستثناء في رد الشهادة وإنما يزول فسق عند الله تعالى ولا تقبل شهادته ولو تاب على حال من الأموال فرد الاستثناء إلى أقرب مذكور في الآية، وهو مذهب جماعة من الأصوليين. وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في رد الشهادة فإن تاب القاذف قبلت شهادته، فرد الاستثناء إلى الجملتين، وهو مذهب جماعة من الأصوليين أيضًا. وقد سمى بعضهم هذا الاستثناء نسخًا وليس نسخًا باتفاق.
واختلفوا في صفة توبة القاذف التي ذكر الله تعالى، فقيل لا تكون إلا بأن يكذب نفسه بالقذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع وتابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة نفيع من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وهو قول الشعبي وغيره. وقيل توبته صلاح حاله وندمه على ما فرط منه وإن لم يكذب نفسه، وهو قول مالك. وهذا القول أصح لأن أصل التوبة الإنابة والرجوع من حال المعصية إلى حال الطاعة ومن ندم على ما فرط، وصلحت حاله، فهو رجوع منه. وقد قال تعالى: ﴿إلا من تاب﴾ ولم يخصص رجوعًا من رجوع. واختلف على القول بإجازة شهادته في أي شيء تجوز؟ فالمشهور عن مالك أنها تجوز في كل شيء بإطلاق، وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء. وقال سحنون من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته فيه. وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنا فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنا ولا في قذف ولا في لعان وإن كان عدلًا، وروي هذا عن مالك. والقول الأول أصح لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك﴾ الآية فعم ولم يخص قبول شهادتهم في شيء دون شيء. واختلف
стр. 1288
متى تسقط شهادة القاذف؟ فقيل بنفس القذف، وهو قول ابن الماجشون وأصبغ، وبه يقول الشافعي. وقيل لا تسقط حتى يقام عليه الحد وهو قول مالك وأكثر أصحابه وبه يقول أبو حنيفة وهذا هو الصحيح لأن الله تعالى إنما نهى عن قبول شهادتهم إذا لم يأتوا بأربعة شهداء، وللقاذف الإتيان بالشهداء ما لم يحد، فهذا نفي أن شهادته لا تسقط إلا بإقامة الحد عليه، وما لم يقع عليه الحد فلم يتبين فسقه لاحتمال أن يأتي بالشهداء أو يعفو عنه المقذوف أو يقوله بما رماه به من الزنا. واحتج بذلك إسماعيل القاضي بترتيب ترك قبول الشهادة بعد الجلد. وفيه نظر.
(٦) - (٩) - قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين جاؤوا بالإفك ... ﴾:
اختلف في سبب هذه الآية. فقيل قصة عويمرالعجلاني الذي قال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد رجلًا مع امرأته أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال: ((قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها)) فلاعن رسول الله ﷺ بينهما ثم قال: ((انظروها فإن جاءت به أسحم أديفح العينين عظيم الإليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها. وإن جاءت به أحيمر كأنه وحدة فلا أراه إلا كاذبًا)). فالت فجاءت به على النعت المكروه. فقال رسول الله ﷺ : ((لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن)). والقصة طويلة وهو مشهورة، وفي ألفاظ الحديث اضطراب. وقيل سببها قصة هلال وذلك أنه لما نزلت الآية المتقدمة: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ عم ظاهرها الأزواج وغيرهن. وقال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن ان أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء. فوالله لآتي بهم حتى يفرغ من حاجته. وفي بعض الأحاديث: والله لأضربنه
стр. 1289
بالسيف غير مصبح. فقال رسول الله ﷺ : ((ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ )) قالوا لا أكلمه يا رسول الله فإنه رجل غيور ما تزوج فينا قط إلا عذراء ولا طلق امرأة فاجترأ أحد منا أن يتزوجها. وفي بعض الأحاديث، فقال رسول الله ﷺ : ((أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير من سعد، والله أغير مني)) فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية الرافقي فرمى زوجته بشريك بن سحماء البلوي فعزم رسول الله ﷺ على ضربه حد القذف، واجتمعت الأنصار فقالوا ابتلينا بما قال سعد يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين، فبينما هم كذلك إذ نزلت الآية فلاعن رسول الله ﷺ بينهما في المسجد. وقيل لكل واحد منها عند الخامسة: اتق الله فإن عذاب الله تعالى أشد عذاب وأنها الموجبة التي توجب عليك العذاب. فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم ولجت. وفرق رسول الله ﷺ بينهما، وولدت غلامًا كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميرًا بمصر. والحديث أطول من هذا ولكن اختصرته كما فعلت بالأول وهذا القول في الآية أشهر.
وقد قيل في هذه الآية إنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية وهذا ليس بنسخ وإنما تخصيص عموم.
قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ هذه الآية عامة لكل زوجين إلا من خصص منهما بدليل كالكافرين إلا أن يرضيا بأحكامنا. وظاهرهما أنهما سواء في الأحرار والعبيد، وقد قال بذلك الظاهر مالك والشافعي وغيرهما
стр. 1290
ولم يقل به أبو حنيفة ورأى أنه لا لعان بين هذين. قال لأن المراد بالآية من تجوز شهادته من الأزواج لأن الله تعالى استثناهم من الشهداء بقوله تعالى: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ فسماهم شهداء بذلك إذ المستثنى من جنس المستثنى منه، وقال: ﴿فشهادة أحدهم﴾ فدل على أن اللعان شهادة والعبد لا تجوز شهادته وليس ذلك بصحيح لأن الاستثناء منقطع والمعنى فيه: ولم يكن لهم شهداء غير قولهم الذي ليس بشهادة، كما قالوا الصبر حيلة من لا حيلة له والجوع زاد من لا زاد له. فاللعان يمين وليس بشهادة وإنما أخذ من باب الشهادة بالعين والقلب فسمى شهادة لهذه العلة، فالخلاف يرجع إلى أن اللعان هل هو يمين أو شهادة؟ وظاهرها أيضًا العموم في المحدودين في القذف وغير المحدودين، وقد قال به مالك والشافعي وغيرهما في ذلك ولم يقل به أبو حنيفة، فرأى أنه لا يلاعن المحدود في القذف وعلته في ذلك ما قدمته أيضًا. ومما يرد عليه به من قوله إنه يرى اللعان للفاسق المعلوم بالفسق وشهادته لا تجوز، وكذلك الأعمى شهادته عنده لا تجوز. وظاهر الآية العموم في الصغيرة التي لا تحمل والكبيرة اليائسة وأنه من قذف زوجته -وإن كانت يؤمن عليها الحمل- لاعن وإلا حد. وقيل يلاعن. وحكي عن ابن الماجشون لا حد على من قذف من لم تبلغ. قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل.
واختلف أيضًا إذا كان الزوج خصيًا أو مجبوبًا، فقيل يلاعن لعموم الآية، وقيل لا يلاعن. يعني قائل هذا لأن صدقهما ظاهر. واتفق في المذهب على أن الآية دالة على وجوب اللعان بادعاء رؤية لا مسيس بعدها من غير ظاهرة الحمل، وبإنكار الوطء جملة أو منذ مدة لا تلحق في مثلها الأنساب. واختلف في نفي الحمل إذا ادعى الزوج قبله الاستبراء. فالمشهور أن اللعان يجب بذلك. وحكي عن مالك أنه قال مرة أن الولد لا ينفى
стр. 1291
بالاستبراء لأن الحيض يأتي على الحمل. وقاله أشهب في كتاب محمد وقاله المغيرة أيضًا. والقول أصح على ظاهر الآية لأن هذا قد رمى زوجته. وعن مالك في الاستبراء قولان: أحدهما: أنه حيضة، والثاني: أنه ثلاث حيضات.
واختلف أيضًا في وجوب اللعان في نفي الحمل مجردًا دون ادعاء الاستبراء على قولين مرويين عن مالك. فمن الحجة للقول باللعان عموم الآية والقول بنفي اللعان في ذلك أظهر لما يعضده من النظر. واختلف أيضًا في وجوب اللعان بادعاء رؤية الزنا على حامل بينة الحمل على ثلاثة أقوال مروية عن مالك: أحدها إيجاب الحد ولا لعان. والثاني: إيجاب اللعان وسقوط النسب به. والثالث: إيجاب اللعان وثبوت النسب، وهذا القول أظهر لعموم الآية. واختلف أيضًا فيمن قذف الزوجة فلانًا مجردًا دون أن يقرن بذلك ادعاء رؤية أو نفي حمل هل فيه لعان أم لا على قولن مرويين عن مالك. ووجه القول باللعان عموم الآية. واختلف فيمن ادعى رؤية ثم مس بعدها. ففي المذهب أنه يحد ولا يلاعن. وقال الباجي يلاعن على مذهب الشافعي. ومن حجة هذا القول عموم الآية والقول الأول أظهر من جهة النظر. وفي المذهب أنه لا يلاعن بذلك إلا أن يقذفها. والقول الأول أظهر لأن من نفى حملًا فقد قذف. واختلف هل يلاعن وهي حامل أم حتى تضع على قولين مرويين عن مالك. وحجة القول باللعان عموم الآية. واختلف فيمن نفى حملًا وادعى مع رؤية وأقام البينة على من زنى بها هل يسقط اللعان أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يسقط اللعان من أجل الحمل.
стр. 1292
وذهب قوم إلى أنه يسقط لعموم الآية. واختلف إذا قال لزوجته: زنيت، قبل الزوجية. ففي المذهب أنه لا يحد ولا يلاعن. وقال أبو حنيفة يلاعن. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ولم تكن هذه زوجة. واختلف في لعان الأخرس والخرساء إن فهم عنهما بإشارة أو كتابة. ففي المذهب أنه يصح. وقال أبو حنيفة والشافعي لا يصح. ودليل القول الأول عموم الآية. وقد اختلف في الأعمى يقذف. فقال ابن القاسم يلاعن لعموم الآية، وقاله مالك أيضًا. وروي عن مالك أيضًا أنه لا يصح أن يلاعن لعموم إلا أن يقول لمست فرجها في فرجه. واختلف إذا رمى زوجته برجل مخصوص سماه هل يحد حد القذف لذلك الرجل مع لعان زوجته أم لا؟ فالجمهور على أنه يحد. وقال الشافعي لا يحد لأن الله تعالى قد صدقه في نفس الواقعة مع إيمانه فصار ذلك شبهة في درء الحد عنه مع أنه لم يأت في الحديث أن النبي ﷺ حد الذي قذف شريك بن السمحاء بامرأته. وفي صفة اللعان اضطراب كثير. اختلف هل تقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو، ولا بد أوله أن يقتصر على: أشهد بالله. فالمشهور أنه يقول أشهد بالله. وفي كتاب ابن المواز أنه يزيد: الذي لا إله إلا هو. والأول أظهر على لفظ الآية لأنه تعالى قال: ﴿أربع شهادات بالله﴾ ولم يزد. وكذلك اختلف في الحالف في الأموال. واختلف أيضًا هل له أن يحلف بصفة من صفات الله تعالى كقوله: أشهد بعلم الله. ففي كتاب محمد أنه يجزيه. وعلى أصل أشهب أنه لا يجزيه لأنه قال إذا حلف في الأموال قال: والله، ولم يزد. أو قال: والذي لا إله إلا هو، لم يجزه. والحالف بالذي لا إله إلا هو حالف بالذات، فإذا لم يجزه اليمين عنده به لم يجزه اليمين بالصفة. والذي يأتي على أصل أشهب أليق بظاهر الآية لأنه تعالى إنما ذكر أن الشهادة في ذلك إنما هي بالله. واختلف أيضًا إذا قال: أشهد بالرحمن أو باسم من أسماء الله تعالى ما عدا اسم الجلالة. ففي شرح الرسالة أن النظر يقتضي أنه لا يجوز إلا ما نص عليه، وهذا خلاف لقول مالك لأنه أجاز اللعان بالصفة فأحرى أن تجوز بالأسماء وهو المراد بالقرآن أن يحلف به، وليس بمقصور على هذا الاسم لله. وقد قال ﵊: ((من كان حالفًا فليحلف بالله
стр. 1293
أو ليصمت)) ولا اختلاف في أن الحالف بالرحمن حالف بما يجوز له وداخل فيما أباح النبي ﷺ الحلف به. واختلف إذا قال: أقسم بالله وام يقل أشهد. ففي شرح الرسالة ذلك أن النظر يقتضي أن لا يجوز إلا ما نص عليه في ذلك. والظاهر قول مالك أنه لا يجوز وأنه المراد بالقرآن لأن الحكم إنما هو للمعاني لا للألفاظ.
(٦) - قوله تعالى: ﴿إنه لمن الصادقين﴾:
اختلف إذا لم يقله الحالف، فأجاز ابن القاسم أن لا يثبته الحالف في لعانه وأثبته في كتاب محمد، وهو أحسن لورود القرآن به. وفي البخاري قال: أمرهما النبي ﷺ أن يلاعنا بما في القرآن. واختلف إذا جعل مكان: إني لمن الصادقين، ما كذبت عليها أو مكان اللعنة الغضب أو مكان الغضب اللعنة. فعلى ما في كتاب محمد يجزيه، وعلى ما حكى عبد الوهاب لا يجزيه لمخالفته القرآن. والأول أظهر لمراعاة المعاني. واختلف إذا كان اللعان على رؤية هل يلزمه أن يقول بعد قوله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني زنا كالمردود في المكحلة، أم له أن يقتصر على قوله لرأيتها تزني. فالمشهور جواز الاختصار على لرأيتها تزني. وقال في كتاب محمد يقول كما يقول الشهود أن الله تعالى قد سماها شهادة فيجب أن يقول كما يقول الشهود. وهذا الذي ذكرناه بقوله الملاعن عن أربع مرات كما جاء في الآية فإن أتى بدون أربع شهادات لم تقع الفرقة وإن حكم بها الحاكم خلافًا لأبي حنيفة
стр. 1294
في قوله إن اتى بثلاث وقعت الفرقة إن حكم بها الحاكم. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ الآية ثم يقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين وقد مر ذكر الخلاف في رضع الغضب موضع اللعنة أو اللعنة موضع الغضب فلا معنى لإعادته. وتقول المرأة أربع مرات أيضًا مثل ما قال الرجل إلا في موضعين: أحدهما: أنها تقول في موضع: إني لمن الصادقين، إنه لمن الكاذبين، وفي الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وتقول في نفي الزنا: ما رآني أزني وليس عليها أن تزيد كالمردود في المكحلة. واختلف في نفي الحمل كيف يكون بعد الشهادة، فالمشهور أنه يقول لزنت وتقول هي ما زنيت، وفي كتاب محمد: ما هذا الحمل مني. وعلى هذا تقول هي أنه لمنه. وقال ابن شعبان: قال بعض أصحابنا وتقول إني استبرئت. واختلف في الموضع الذي يلتعن فيه فقالوا في المسجد وعند الإمام. وقال عبد الملك في المسجد أو عند الإمام -يريد أيهما كان- وهذا أظهر على لفظ الآية لعدم التخصيص فيها. واختلف أيضًا في الوقت فقال ابن القاسم بمحضر الناس دبر كل صلاة. وفي كتاب محمد أي ساعة شاء الإمام من النهار وعلى إثر المكتوبة أحب إلي. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كان عندنا بعد العصر وأي ساعة شاء الإمام لاعن، وبعد العصر أحب إلي. وقال ابن شعبان بعد الصبح أو بعد العصر والأظهر في هذا كله على لفظ الآية نفي التحديد لأن الآية ليس فيها تخصيص وقت إلا أن كونه دبر الصلوات أحسن لقوله سبحانه: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله﴾ وأما تخصيص دبر كل صلاة العصر منها فلقوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا﴾ فأخرج البخاري ومسلم أنها نزلت فيمن حلف بعد العصر لقد أعطى فيها ما لم يعط. واختلف إذا بدأت المرأة باللعان قبل الرجل هل
стр. 1295
يجزيها أم لا؟ فقال ابن القاسم في كتاب محمد يجزيها، وهو قول أبي حنيفة. وقال أشهب تعيد الأيمان بعد لعان الرجل ولا يجزيها ذلك. وحجته قوله تعالى: ﴿ويدرؤوا عنها العذاب ... ﴾ الآية وهذا يقتضي أن يكون لعانها بعد أن يحق عليها بلعان الزوج العذاب حتى تدرأه. واختلف في اللعان هل يلزم أن يكون بإذن الإمام أم يجوز أن يكون بغير إذنه؟ فالذي عليه المشهور أن الله تعالى قد سمي التلاعن شهادة، والشهادة لا تكون إلا عند الإمام. واختلف إذا نكل أحد الزوجين عن اللعان، ففي المذهب أن على الناكل حد القذف إن كان الزوج، وحد الزنا إن كانت المرأة الناكلة. وذهب أهل العراق إلى أنهما إذا نكل أحدهما لم يحد وحبس حتى يلاعن، ويرد هذا قوله تعالى: ﴿ويدرؤا عنها العذاب﴾ يريد حد الزنا. وتأول بعضهم أن العذاب هو السجن لقوله تعالى: ﴿إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾ ولم يعرف ما احتج به لأن العذاب الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية هو غير السجن، وما قاله أهل العراق في هذه المسألة يخالف قولهم في النكول عن اليمين عن اليمين في القذف. وقولهم إنه يقضي به ما ادعى ثم لا يحكمون على المرأة بنكولها، وقد أنزل فيها من القرآن مكان أنزل. واختلف في وقوع الفرقة باللعان، فقيل هو فسخ يقع بتمام اللعان وإن لم يفرق بينهما الإمام، وهذا هو المشهور في المذهب. ولابن نافع أنه يستحب للملاعن أن يطلق ثلاثًا عند الفراغ من اللعان من غير أن يأمره الإمام بذلك كما فعل عويمر، فإن لم يفعل أغنى عن ذلك ما مضى من سنة المسلمين أنهما لا يتناكحان أبدًا. وذهب ابن لبابة إلى أنه لم يطلق طلق عليه الإمام ثلاثًا ولم يمنعه من مراجعتها بعد زواج، وقال إنه ظاهر الحديث فلا يعدل عنه. وقيل فراق اللعان ثلاث تطليقات وتحل له بعد زوج وذكر
стр. 1296
بعضهم هذا القول ولست منه على يقين. وقيل إن لفرقة لا تقع بينهما إلا بحكم الإمام فإذا كان ذلك فلا تحل له إبدًا حتى يكذب نفسه، فإن كذب نفسه جلد الحد وكان تقع بتمام لعان الزوج ولا تدخل له أبدًا وزعم أنه قال ذلك من قبل أن الفراق إنما يكون من الرجال. وقيل إن كذب نفسه جلد الحد وردت إليه امرأته. وقيل اللعان تطليقة بائنة وهو قول عبد الله بن حسن. وقيل اللعان لا يقع به فراق وإنما يسقط به النسب والحد وهما على الزوجية كما كانا، وهو قول عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة أخذوا ذلك عنه، وذكره اللخمي عن محمد بن أبي صفرة ومن حجتهم ظاهر الآية إذ ليس فيها ذكر فراق. وهذا القول أضعف الأقوال لما جاء في ذلك من الحديث عن النبي ﷺ وليس في ذلك ما يعارض القرآن. والجمع بين القرآن والحديث ما أمكن أولى من الأخذ بأحدهما والإطراح للآخر. وقال إسماعيل القاضي إنما وقت الفرقة بتمام اللعان من أجل أن الغضب واللعنة قد حقت على أحدهما، واللعن للكفار، فهما وإن لم يكونا بذلك كافرين ولا أحدهما وهو كاذب وهي كاذبة فقد حقت اللعنة، فلا يجوز أن تكون مسلمة تحت ملعون ولا ملعونة تحت مسلم إذا وقع التشبيه بين الكافر وبين الملاعن باللعن قال الله : ﴿ألا لعن الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] الظالمون هنا الكافرون، قال ذلك ترجمان القرآن ابن عباس. واختلف هل ينتفي الولد بغير لعان أم على قولين مرويين عن مالك، فمنع مالك نفيه بغير لعان في أحد قوليه لعموم الآية.
стр. 1297
(١٢) - قوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون﴾:
يعني بقوله: ﴿بأنفسهم﴾ أي بإخوانهم. وفي هذه الآية دليل على أن لا يحكم بالظن وأن من عرف بالصلاح لا يعدل لخبر محتمل. وفيه أيضًا دليل على أن القاذف مكذب شرعًا إلا أن يأتي بأربعة شهداء. وأما أمر عائشة رضي الله تعالى عنها فيقطع على التكذيب بقذفها في الغيب وإن لم يقطع في حق غيرها بذلك. وقال أبو الحسن: وقد قال علماؤنا من صدق قذفة عائشة فهو كافر لأنه راد لخبر الله تعالى الدال على كذبهم. وعلى هذا قال أصحابنا قيمن وجد مع امرأة رجلًا فاعترافا بالنكاح أنه لا يجوز تكذيبهما ويجب تصديقهما. وقال مالك يحدان ما لم يقيما بينة على النكاح يخالف به ظاهر هذه الآية، وعليه بني أبو حنيفة جواز دينار درهم بدينارين ودرهمين تحسينًا للظن بالمؤمنين. وقال الشافعي قريبًا منه فيمن أوصى بطبل وله طبلان طبل لهو وطبل حرب أنه يحمل على طبل الحرب تحسينًا للظن بالمؤمنين وحمل أمورهم على ما يجوز.
(٢٢)، (٢٣) - قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم ... والسعة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾:
نزلت هذ الآية على مشهور الروايات في قصة أبي بكر الصديق ومسطح بن أثاثة ابن بنت خالته وكان أبو بكر ينفق عليه فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه. واعتذر إليه مسطح وقال: كنت أغشى مجلس حسان فأسمع ولا أقول. فقال: لقد
стр. 1298
ضحكت وشاركت فيما قبل، ومن على يمينه. فنزلت الآية وقيل بل نزلت من أجل جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا: والله ما نصل من تكلم في شأن عائشة. فنزلت الآية، والأول أصح. إلا أن لفظ الآية عام بأن لا يحلف أحد على منع فضل لمن كانت صفته هذه. ورأى الفقهاء أن من حلف أن لا يفعل سنة من السنن أو مندوبًا إليه أنها حرمة في شهادته، ومن قول النبي ﷺ : ((أيكم المتآلي على الله أن لا يفعل خيرًا)). وفي الآية دليل على أن الأولى بالإنسان إذا حلف على أمر فرأى غيره خيرًا منه أن يحنث ولا يستمر على اليمين كما قال ﵇: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير)) وفي هذا دليل بطلان قول أبي حنيفة في أن الأيمان تحرم وأن الكفارة وجبت لكون المحلوف عليه محرمًا بحك يمينه، وهذا أبين في هذا المعنى. وقد قال قوم إنه إذا حلف فلا كفارة كفارته أن يفعل ما هو خير، وهذا بعيد وقد قال ﵊: ((فليفعل الذي هو خير وليكفر عن يمينه)).
(٢٣) - (٢٤) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يوم تشهد﴾ .
اختلفت في هذه الآية. فقيل نزلت في شأن عائشة خاصة هذا الحكم إنما كان لها خاصة دون سائر النساء المؤمنات المحصنات وقال جماعة بل ذلك لأزواج النبي ﷺ دون سائر المؤمنين. واختلف الذين ذهبوا إلى
стр. 1299
هذا هل لمن قذف النبي ﷺ توبة أم لا. فذهب ابن عباس أنه لا تقبل له توبة وتأول عليه ظاهر الآية. ورأى الآية الأخرى: ﴿والذين يرمون المحصنات ... ﴾ إلى قوله ﴿إلا الذي تابوا﴾ في سائر القاذفين. ورأى غيره أن التوبة مقبولة والدليل على ذلك معاتبة الله تعالى من قطع المنفعة عمن كان ينفق عليه من أجل الإفك. وقال قوم إنها في عائشة إلا أن المراد بها كل من كان بالصفة التي وصف الله تعالى فيها، فهي عامة في كل محصنة لم تقارب ثم نزلت بعد الآية التي في صدر السورة التي فيها التوبة. وهذا القول أظهر في الآية من سائر الأقوال. فتحمل على عمومها في وجوب العذاب العظيم واللعنة في الدنيا والآخرة في كل من قذف محصنة إلا أن يتوب، فإن الله تعالى يقبل توبته على ما ورد في آية أخرى. وكما لم تقصر الآية في وجوب الجلد على أصحاب الإفك كذلك لا تقصر الثانية فيما تضمنت من الوعيد على قذف عائشة أو سائر أزواج النبي ﷺ . والمعروفون من أهل الإفك مسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وجلدًا الحد، وعبد الله بن أب علي من ذكر بعضهم. واختلف في حسان فقيل كان منهم وجلد الحد وقيل لم يكن منهم ولا جلد الحد. واختلف في الذي عني منهم بقوله تعالى: ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ [النور: ١١] فقيل عبد الله بن أبي وهو المشهور، وقيل حسان. والأخبار في هؤلاء كثيرة وليس هذا الكتاب بموضع لذلك.
(٢٧) - (٢٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين﴾:
стр. 1300
سبب هذه الآية أن امرأة من الأنصار قالت يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والدي ولا ولدي وأنه لا يزال يدخل على رجل من أهلي وأنا على تلك الحال. فنزلت تلك الآية وهي محمولة على العموم في جميع الناس في كل زمان ولهذا قال ابن عباس وغيره إنه لا ينبغي للإنسان أن يدخل البيت الذي يأتيه إلا بعد الاستئناس. وجاء في ذلك عن النبي ﷺ أن رجلًا قال له: أأستأذن على أمي؟ قال: ((نعم)). قال: إنما هي أمي ولا خادم لها غيري. قال: ((أتحب أن تراها عريانة؟ )) قال: لا. قال: ((فأستأذن عليها)) قال زينب امرأة أبي مسعود كان أبو مسعود إذا جاء منزله تنحنح مخافة أن يهجم على ما يكره. وقال ابن عباس تستأذن على أمك وعلى أختك وعلى كل من لا يجوز أن ترى منها عورة. وظاهر الآية وجوب الاستئذان والسلام، إلا أن المشهور من السلام أنه لا يبلغ مبلغ الوجوب. وقد اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿حتى تستأنسوا﴾ فذهب بعضهم إلى أن معناه أن يعلم الداخل أن المدخول عليه لا يكره دخوله، فالاستئناس على هذا شيء يرجع إلى ما في القلب لا إلى النطق باللسان وهو الثقة بالمقصود، ورجح هذا إسماعيل القاضي وتأول عليه حديث عمر بن الخطاب في حديث المشربة. قال إسماعيل ولا بد مع ذلك من الاستئذان. وذهب ابن القاسم في جامع العتيبة إلى أنه التسليم وهو بعيد لأنه تعالى قال: ﴿حتى تسأنسوا وتسلموا﴾ فلو كان كذلك لكان معنى الكلام حتى تسلموا وتسلموا. وذهب جماعة -منهم
следующие страницы →