← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

بعضهم هذا القول ولست منه على يقين. وقيل إن لفرقة لا تقع بينهما إلا بحكم الإمام فإذا كان ذلك فلا تحل له إبدًا حتى يكذب نفسه، فإن كذب نفسه جلد الحد وكان تقع بتمام لعان الزوج ولا تدخل له أبدًا وزعم أنه قال ذلك من قبل أن الفراق إنما يكون من الرجال. وقيل إن كذب نفسه جلد الحد وردت إليه امرأته. وقيل اللعان تطليقة بائنة وهو قول عبد الله بن حسن. وقيل اللعان لا يقع به فراق وإنما يسقط به النسب والحد وهما على الزوجية كما كانا، وهو قول عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة أخذوا ذلك عنه، وذكره اللخمي عن محمد بن أبي صفرة ومن حجتهم ظاهر الآية إذ ليس فيها ذكر فراق. وهذا القول أضعف الأقوال لما جاء في ذلك من الحديث عن النبي ﷺ وليس في ذلك ما يعارض القرآن. والجمع بين القرآن والحديث ما أمكن أولى من الأخذ بأحدهما والإطراح للآخر. وقال إسماعيل القاضي إنما وقت الفرقة بتمام اللعان من أجل أن الغضب واللعنة قد حقت على أحدهما، واللعن للكفار، فهما وإن لم يكونا بذلك كافرين ولا أحدهما وهو كاذب وهي كاذبة فقد حقت اللعنة، فلا يجوز أن تكون مسلمة تحت ملعون ولا ملعونة تحت مسلم إذا وقع التشبيه بين الكافر وبين الملاعن باللعن قال الله : ﴿ألا لعن الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] الظالمون هنا الكافرون، قال ذلك ترجمان القرآن ابن عباس. واختلف هل ينتفي الولد بغير لعان أم على قولين مرويين عن مالك، فمنع مالك نفيه بغير لعان في أحد قوليه لعموم الآية.

стр. 1297

(١٢) - قوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون﴾: يعني بقوله: ﴿بأنفسهم﴾ أي بإخوانهم. وفي هذه الآية دليل على أن لا يحكم بالظن وأن من عرف بالصلاح لا يعدل لخبر محتمل. وفيه أيضًا دليل على أن القاذف مكذب شرعًا إلا أن يأتي بأربعة شهداء. وأما أمر عائشة رضي الله تعالى عنها فيقطع على التكذيب بقذفها في الغيب وإن لم يقطع في حق غيرها بذلك. وقال أبو الحسن: وقد قال علماؤنا من صدق قذفة عائشة فهو كافر لأنه راد لخبر الله تعالى الدال على كذبهم. وعلى هذا قال أصحابنا قيمن وجد مع امرأة رجلًا فاعترافا بالنكاح أنه لا يجوز تكذيبهما ويجب تصديقهما. وقال مالك يحدان ما لم يقيما بينة على النكاح يخالف به ظاهر هذه الآية، وعليه بني أبو حنيفة جواز دينار درهم بدينارين ودرهمين تحسينًا للظن بالمؤمنين. وقال الشافعي قريبًا منه فيمن أوصى بطبل وله طبلان طبل لهو وطبل حرب أنه يحمل على طبل الحرب تحسينًا للظن بالمؤمنين وحمل أمورهم على ما يجوز. (٢٢)، (٢٣) - قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم ... والسعة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾: نزلت هذ الآية على مشهور الروايات في قصة أبي بكر الصديق ومسطح بن أثاثة ابن بنت خالته وكان أبو بكر ينفق عليه فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه. واعتذر إليه مسطح وقال: كنت أغشى مجلس حسان فأسمع ولا أقول. فقال: لقد

стр. 1298

ضحكت وشاركت فيما قبل، ومن على يمينه. فنزلت الآية وقيل بل نزلت من أجل جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا: والله ما نصل من تكلم في شأن عائشة. فنزلت الآية، والأول أصح. إلا أن لفظ الآية عام بأن لا يحلف أحد على منع فضل لمن كانت صفته هذه. ورأى الفقهاء أن من حلف أن لا يفعل سنة من السنن أو مندوبًا إليه أنها حرمة في شهادته، ومن قول النبي ﷺ : ((أيكم المتآلي على الله أن لا يفعل خيرًا)). وفي الآية دليل على أن الأولى بالإنسان إذا حلف على أمر فرأى غيره خيرًا منه أن يحنث ولا يستمر على اليمين كما قال ﵇: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير)) وفي هذا دليل بطلان قول أبي حنيفة في أن الأيمان تحرم وأن الكفارة وجبت لكون المحلوف عليه محرمًا بحك يمينه، وهذا أبين في هذا المعنى. وقد قال قوم إنه إذا حلف فلا كفارة كفارته أن يفعل ما هو خير، وهذا بعيد وقد قال ﵊: ((فليفعل الذي هو خير وليكفر عن يمينه)). (٢٣) - (٢٤) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يوم تشهد﴾ . اختلفت في هذه الآية. فقيل نزلت في شأن عائشة خاصة هذا الحكم إنما كان لها خاصة دون سائر النساء المؤمنات المحصنات وقال جماعة بل ذلك لأزواج النبي ﷺ دون سائر المؤمنين. واختلف الذين ذهبوا إلى

стр. 1299

هذا هل لمن قذف النبي ﷺ توبة أم لا. فذهب ابن عباس أنه لا تقبل له توبة وتأول عليه ظاهر الآية. ورأى الآية الأخرى: ﴿والذين يرمون المحصنات ... ﴾ إلى قوله ﴿إلا الذي تابوا﴾ في سائر القاذفين. ورأى غيره أن التوبة مقبولة والدليل على ذلك معاتبة الله تعالى من قطع المنفعة عمن كان ينفق عليه من أجل الإفك. وقال قوم إنها في عائشة إلا أن المراد بها كل من كان بالصفة التي وصف الله تعالى فيها، فهي عامة في كل محصنة لم تقارب ثم نزلت بعد الآية التي في صدر السورة التي فيها التوبة. وهذا القول أظهر في الآية من سائر الأقوال. فتحمل على عمومها في وجوب العذاب العظيم واللعنة في الدنيا والآخرة في كل من قذف محصنة إلا أن يتوب، فإن الله تعالى يقبل توبته على ما ورد في آية أخرى. وكما لم تقصر الآية في وجوب الجلد على أصحاب الإفك كذلك لا تقصر الثانية فيما تضمنت من الوعيد على قذف عائشة أو سائر أزواج النبي ﷺ . والمعروفون من أهل الإفك مسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وجلدًا الحد، وعبد الله بن أب علي من ذكر بعضهم. واختلف في حسان فقيل كان منهم وجلد الحد وقيل لم يكن منهم ولا جلد الحد. واختلف في الذي عني منهم بقوله تعالى: ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ [النور: ١١] فقيل عبد الله بن أبي وهو المشهور، وقيل حسان. والأخبار في هؤلاء كثيرة وليس هذا الكتاب بموضع لذلك. (٢٧) - (٢٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين﴾:

стр. 1300

سبب هذه الآية أن امرأة من الأنصار قالت يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والدي ولا ولدي وأنه لا يزال يدخل على رجل من أهلي وأنا على تلك الحال. فنزلت تلك الآية وهي محمولة على العموم في جميع الناس في كل زمان ولهذا قال ابن عباس وغيره إنه لا ينبغي للإنسان أن يدخل البيت الذي يأتيه إلا بعد الاستئناس. وجاء في ذلك عن النبي ﷺ أن رجلًا قال له: أأستأذن على أمي؟ قال: ((نعم)). قال: إنما هي أمي ولا خادم لها غيري. قال: ((أتحب أن تراها عريانة؟ )) قال: لا. قال: ((فأستأذن عليها)) قال زينب امرأة أبي مسعود كان أبو مسعود إذا جاء منزله تنحنح مخافة أن يهجم على ما يكره. وقال ابن عباس تستأذن على أمك وعلى أختك وعلى كل من لا يجوز أن ترى منها عورة. وظاهر الآية وجوب الاستئذان والسلام، إلا أن المشهور من السلام أنه لا يبلغ مبلغ الوجوب. وقد اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿حتى تستأنسوا﴾ فذهب بعضهم إلى أن معناه أن يعلم الداخل أن المدخول عليه لا يكره دخوله، فالاستئناس على هذا شيء يرجع إلى ما في القلب لا إلى النطق باللسان وهو الثقة بالمقصود، ورجح هذا إسماعيل القاضي وتأول عليه حديث عمر بن الخطاب في حديث المشربة. قال إسماعيل ولا بد مع ذلك من الاستئذان. وذهب ابن القاسم في جامع العتيبة إلى أنه التسليم وهو بعيد لأنه تعالى قال: ﴿حتى تسأنسوا وتسلموا﴾ فلو كان كذلك لكان معنى الكلام حتى تسلموا وتسلموا. وذهب جماعة -منهم

стр. 1301

مالك- إلى أن الاستئناس في الآية غير التسليم وأنه الاستئذان، إلا أنهم اختلفوا في مطابقة اللفظ للمعنى. فذهب الأكثر إلى أنهما متطابقان، إلا أنهم اختلفوا في كيفية التطابق فذهب جماعة -منهم الزجاج وغيره- إلى أن معنى تستأنسوا في اللغة، تستأذنوا. قال وكذلك جاء في التفسير. والاستئناس الاستعلام بمعنى تستأنسوا: تستعلموا. يريد أهلها أن يدخلوا أم لا قالوا وآنس الشيء في اللغة علمه إما بالقلب وإما بالحس. والاستعلام لا يكون إلا بالصواب لمن في البيت أوبالتنحنح ونحو ذلك ولا معنى للاستئذان إلا ذلك. فاستأذنوا على هذا القول راجع إلى الاستئذان ومعنى لفظه الاستعلام. وذهب جماعة منهم أيضًا إلى أن معناه تستأذنوا ومعنى لفظه الاستعلام. وذهب جماعة منهم أيضًا إلى أن معناه تستأذنوا، إلا أنهم قالوا إنه مأخوذ من الإنس، وإليه ذهب الطبري وقال: وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم مختبرًا بذلك من فيه وهل فيه أحد وليؤذنهم أنه داخل عليهم فيأنسوا إلى إذنهم له بذلك من فيه وهل فيه أحد وليؤذنهم أنه داخل عليهم فيأنسوا إلى إذنهم له في ذلك ويأنسوا إلى استئذانهم إياه. وحكى عن العرب سماعًا اذهب فاستأنس حتى ترى أحدًا في الدار. وهذا يمكن أن يحمل على القول الأول فلا يكون فيه حجة لما ذكره الطبري وكذلك قول عمر: استأنس يا رسول الله، وعمر واقف بباب الغرفة الحديث المشهور يمكن أن يتأول على القولين جميعًا. وذهب قوم إلى أن اللفظ غير مطابق للمعنى وقالوا إنما تستأنسوا وهم من الكاتب على ما جاء عن ابن عباس أنه قال إنما هي حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها وحكى أبو حاتم هذه القراءة حتى تسلموا وتستأذنوا وهو في قراءة عبد الله حتى تستأذنوا وتسلموا. وهذا القول خطأ لأن تستأنسوا قد ثبت

стр. 1302

بين اللوحين ونقلته الكافة نقل التواتر فهو القرآن وغيره ليس بقرآن إذ لم يأت إلا من نقل الآحاد، وما كان كذلك لم يقنع أن يعارض به الثابت بالتواتر مع أنا نجد للثابت بالتواتر معنى صحيحًا. والذي ينبغي أن يقال في قراءة من قرأ تستأذنوا أنها على جهة التفسير. واختلف هل في هذه الآية تقديم وتأخير أم لا؟ فذهب الفراء والكسائي إلى أن فيها تقديمًا وتأخيرًا أن معناها حتى تسلموا وتستأذنوا وهي بمعنى تستأنسوا وإنما قالا ذلك لما ذكرناه من قراءة أبي ومن تابعه على رواية أبي حاتم. وذهب غيرهما أنه لا تقديم ولا تأخير في الآية وأنها على ما قرئت عليه من القراءة المشهورة، فالاستئذان مشروع بالقرآن والسنة. وقد ﵊: ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)) وقد اختلف في كيفية الاستئذان وهي الاستئناس المذكور في الآية. فقيل السلام خاصة على ما روي عن ابن القاسم قال: يسلم ثلاث مرات فإن أذن له وإلا انصرف. وقد بينا ضعف هذا القول. وقال الأكثر إن الاستئذان غير السلام وأنه يجمع بينهما كما جاء في الآية. واختلف فيما يبدأ به السلام أو الاستئذان، فعلى قول الفراء والكسائي يأتي أن يبدأ بالسلام. وكيفية ذلك أن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثلاث مرات. ومن حجة هذا القول إن عمر فيما روى عنه ابن عباس: قال: أتيت النبي ﷺ وهو في مشربة له قلت: السلام عليك يا رسول أيدخل عمر. وما جاء عنه ﵊: ((لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام)) وجاء في الحديث أيضًا أن رجلًا جاء إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1303

فقال: أألج أو أتلج فقال رسول الله ﷺ لأمة له يقال لها روضة: ((قولي لهذا يقول السلام عليكم أأدخل)) فسمعه الرجل فقالها: فقال النبي ﷺ : ((أدخل)) وعلى مذهب من لا يرى في الآية تقديمًا ولا تأخيرًا ويراعى ما ابتدئ به في اللفظ يرى أن يبدأ بالاستئذان قبل السلام، واختار هذا القول بعض المتأخرين. وعلى مذهب من لا يراعي اللفظ ويرى التخيير في ذلك بأن الواو لا ترتيب فيها. وقد اختلفت الروايات في صفة استئذان أبي موسى على عمر بن الخطاب. فروي أنه قال السلام عليكم أدخل، ثلاث مرات. وروي أنه قال يستأذن أبو موسى، يستأذن الأشعري، يستأذن عبد الله بن قيس وقد قال أبو أيوب الأنصاري: قلت يا رسول الله هذا السلام فما الاستئذان؟ قال: ((يتكلم الرجل بتسبيح وتكبير وتنحنح يؤذن أهل البيت)) وإذا قلنا إن الاستئذان مشروع فهل له حد أم لا؟ فقيل أم في الآية فليس فيه دليل على شيء من ذلك بل هي مبيحة للاستئذان جملة دون حد فيه وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((الاستئذان ثلاث فإن أذنوا لك فادخل وإلا فارجع)) وفي حديث آخر أن أبا سعيد قال: كنت جالسًا في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاث فلم يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت وقال النبي ﷺ : ((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فمل يؤذن له فليرجع والله لتقيمن على ذلك بينة أو لأوجعنك)). أفيكم أحد سمعه من النبي ﷺ قال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم. فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك الحديث مفسرًا للآية وإن غاية الاستئذان ثلاث. واختلف في المذهب هل تجوز الزيادة على الثلاث

стр. 1304

إن لم يسمع أن لا؟ فقيل: له أن يزيد، وحجة هذا القول ظاهر الآية إذ لم يأت فيه حد وإنما أطلق لفظ الاستئذان إطلاقًا. وقيل لا يزيد، على هذا يدل مذهب أبي موسى، وحجة هذا القول إن الحديث مفسر للآية، وقيل أنه ... (٢٨) - وقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا فيها أحدًا﴾: يعني بيوت الغير إن لم تكن معمورة. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال: معنى هذه الآية: إن لم يكن لكم فيها متاع. ثم ضعفه الطبري. والإذن على هذا ينبغي أن يكون من أهل البيوت، فإن كان الإذن صبيًا وكان رسولًا جاز. وكذا قال أبو الحسن. (٢٩) - قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتًا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون﴾: سببها أنه لما نزلت آية الاستئذان تعمد قوم فكانوا لا يأتون موضعًا خربًا ولا مسكونًا إلا سلموا واستأذنوا فنزلت الآية. واختلف في المتاع ما هو، فقيل معناه تجارات لكم أي لجماعتكم يبتاع بعضهم من بعض كما قال تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ فأجاز قائل هذا

стр. 1305

أن يدخل هذه البيوت بغير إذن. وقال عكرمة كان ابن عمر يستأذن في مثل هذه متاع البيت من الثياب والبسط وهو الذي يأتي على ما حكى الطبري عن مجاهد وهذ ضعيف جدًا. وقيل هو المنافع عامة أي لكك فيها حاجة فعلى هذا يجوز للرجل أن يدخل البيوت غير المسكونة بلا إذن إذا كان لها إليها حاجة. وعلى القول الأول لا يجوز أن يدخلها إلا أن يكون لها فيها متاع كالبسط والثياب ونحو ذلك، أو تكون بيوتًا موضوعة للتجارة على القول الآخر ولما أباح في هذه الآية دخول الرجل بيتًا غير بيته بغير إذن وهو غير مسكون ونهى في الآية التي قبلها أن يدخل أحد بيتًا غير بيته بغير إذن لم يفرق بين مسكون وغيره، فاختلف في ذلك، فقيل الآية الأولى منسوخة بالأخيرة، وهو قول ابن عباس وقد تكلمنا غير مرة على مثل هذا هل يصح فيه النسخ أم لا، فلا معنى لإعادته. وقيل ليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ بل هما جميعًا محكمتان وأن الآية الأولى يراد بها البيوت التي ليس لها ساكن ولا أرباب وأن الآية الأخرى يراد بها البيوت التي لا ساكن لها. وهذا القول أصح. وقد صرف قوم من أهل العلم في هذه البيوت أمثلة، فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هي الحمامات والفنادق التي في طرق المسلمين. قال مجاهد لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل. وقال عطاء هي الخرب التي يدخلها الإنسان للبول والغائط. وقال ابن زيد والشعبي هي حوانيت القيسرية والسوق. وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم. وهذا القول فاسد بإجماع لأن جوانيت القيسرية مشغولة بأموال الناس فلا يجوز أن يدخلها لا من أذن له ربها بإجماع. وقال محمد بن الحنفية أيضًا أراد تعالى دور

стр. 1306

مكة على القول بأنها غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وقد مر الكلام على ذلك. (٣٠) - (٣١) - قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾: ﴿من﴾ في هذه الآية تحتمل أن تكون لابتداء الغاية لأن البصر مفتاح القلب ولأجل ذلك خص الأمر بغضه. ويحتمل أن تكون للتبعيض وهو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، وذلك أن الإنسان لا يملك أول نظرة وإنما يؤمر بالغض فيما بعد ذلك، فلم يغض إذن بصره جملة إنما غض منه. وقد جاء عن النبي ﷺ ما يؤيد هذا وهو قوله لعلي بن أبي طالب: ((لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة)) الحديث. وقال جرير بن عبد الله البجلي: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: ((اصرف بصرك)) ويحتمل أن تكون ﴿من﴾ لبيان الجنس كأنه قال: غضب، احتمل أن يريد من يدك أو لسانك أو من كذا أو من كذا وأتى بمن لتبين الجنس المنهي عنه. وكيفما كان فقد حصل بهذه الآية الأمر بغض البصر وحفظ الفرج ولم يبين تعالى الأشياء التي يغض عنها البصر والأشياء التي يغض منها الفرج، معلوم بالعادة أن المراد بها المحرم دون المحلل. والأمر في ذلك على الوجوب. فمن الأشياء التي يجب غض

стр. 1307

البصر عنها باتفاق العورات وما تخشى الفتنة منه وإن لم تكن عورة كالنظر إلى وجه المرأة، وقد صرف النبي ﷺ وجه الفضل عن الخثعمية. وما جرت به العادة بأن يكتمه الناس بعضهم عن بعض كالنظر في كتاب الرجل بغير إذن، وقد ورد فيه نهي، والنظر إلى ما عدا هذه الأشياء مباح. وقد يباح أيضًا النظر إلى الأشياء الممنوعة لوجوه وأمور يقتضيها كالنظر إلى المرأة الشابة والغلام عند الشهادة ونحو ذلك، وكالنظر إلى العورة في بعض الأحوال وعند بعض العلماء. وقد اختلف إذا أراد نكاح المرأة هل يجوز أن يقتبلها النظر من كوة؟ فكره ذلك مالك ولم يبحه ومن حجته عموم هذه الآية، حكى عبد الوهاب عن مالك الجواز. وأجاز ذلك ابن وهب وغيره للآثار المروية في ذلك حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا خطب أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه فليفعل)) قال جابر: فلقد خطبت امرأة من بني سلمة فكنت أتخبأ لها في أصول النخل حتى رأيت منها بعض ما يعجبني، فخطبتها فزوجتها وقال ﵊: ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)). وإذا قلنا بجواز ذلك. فقال مالك لا ينظر إلا إلى الوجه الكفين. وأجاز بعضهم القدمين وذكر بعضهم أن مالكًا يشترط إذن المرأة في ذلك. وقال الشافعي لا يحتاج إلى إذنها. ومن الناس من منع النظر جملة. واختلف أيضًا في النظر إلى ما عدا الفرج من الأمة عند الشراء على قولين: أحدهما: أنه يجوز، والثاني: أنه لا ينظر منها عند الشراء إلا إلى كفيها وجهها،

стр. 1308

وعموم الآية حجة لهذا القول، وعلى هذا اختلف فيماتستره الأمة في الصلاة من جسدها، فقيل هي كالرجل عورتها من السرة إلى الركبة خاصة وقيل هي كالحرة في ذلك. (٣٠) - قوله تعالى: ﴿ويحفظوا فروجهم﴾: فيه تأويلان أحدهما: أن يريد ترك الزنا. والثاني: أن يريد ستر العورة. والأحسن في هذا أن يقال إن اللفظ عام لهما فيحمل على عمومه. واختلف في نظر الرجل إلى فرج زوجته وأمته ونظر المرأة إلى فرج زوجها وسيدها. ففي المذهب الجواز، وللشافعي قولان: أحدهما أنه لا يجوز ومن حجته عموم الآية. وحجة القول الأول أن الآية إنما وردت في النظر إلى ما حرم على الرجل وأما ما أحل له -وإن كان عورة- فلا. وبهذه الآية حرم العلماء دخول الحمام بغير مئزر أو بمئزر مع من يدخله بغير مئزر. وأما دخوله للرجال - إذا لم يدخله أحد منهم إلا بمئزر- ففيه قولان: الجواز، وروي عن مالك في الوضوء في العتبية أنه سئل عن الغسل بالماء السخن من الحمام فقال: والله ما دخوله عندي بصواب فكيف يغسل بذلك الماء؟ فوجه الجواز أن العورة فيه مستورة فليس ثم ما يؤمر الإنسان بغض البصر عنه. ووجه الكراهة مخافة التطلع على العورة. وأما دخول النساء مستترات الحمام فاختلف فيه. ففي المختصر منعهن إياه جملة. وقيل يمنعن إلا لعلة من مرض أو غسل من حيض أو نفاس أو شدة برد وما أشبه ذلك. إنما منعهن ذلك لما لم يكن ثم حمامات منفردة، فأما اليوم مع إفرادهن فلا يمنعن. ويأتي على هذا القول الاختلاف في دخولهن بالجواز والكراهة بأنهن في ذلك بمنزلة الرجال فيتحصل فيهن أربعة أقوال. ووجه الجواز أنهن مستترات. فارتفع موضع النهي بقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾. وقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ أمر للنساء بغض البصر كما أمر الرجال به. والكلام في هذه الآية كالكلام

стр. 1309

في الآية التي قبلها. إلا أنه اختلف هل بدن المرأة عورة مستورة عن المرأة كما هو عن الرجل أم لا؟ فذهب عبد الوهاب إلى أنه كذلك، وعلى هذا يتركب القول بمنعهن دخول الحمام. وذهب غيره إلى أنه ليس كذلك وأنه يجوز للمرأة أن تنظر من المرأة إلى ما لا يجوز للرجل أن ينظر من الرجل بدليل قول النبي ﷺ : ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب)). وإذا كان كذلك فليست المرأة مأمورة بغض البصر عن بدن المرأة لأنها عورة له. فعلى هذا ينبغي أن تحمل الآيتان. وقد اختلف في العيب إذا كان بالحرة في غير الفرج هل يبقر عنه الثوب فينظر إليه الرجال أو ينظر إليه النساء، على قولين. حجة المنع ظاهر قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ واختلف أيضًا في بدن الرجل هل هو عورة على المرأة أم لا على قولين. فعلى القول بأنه عورة فالآية مشتملة على أمرهن بغض البصر عنه. وأما بدن الرجل على الرجل فليس بعورة ولذلك لم يقل أحد بمنعهم من الحمام إذا دخلوه بالمئزر. وأما رؤية المرأة الرجال من غير نظر إلى عورة فمباح كما قلنا في نظر الرجال إلى النساء إلا أن يخاف الفتة عليهن. والدليل على ذلك حديث عائشة في نظرها إلى الحبشة وهم يلعبون بالحراب بالمسجد، وقول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: ((اعتري عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين عنده ثيابك)) إلا أنه قد جاء عن النبي ﷺ ما يعارض ذلك ويدل على أنه لا

стр. 1310

يجوز نظر المرأة إلى الرجل. وهو حديث أم سلمة قالت: كنت أنا وعائشة عند النبي ﷺ فدخل ابن أم مكتوم، فقال النبي ﷺ : ((احتجبا منه)) فقلنا إنه أعمى. فقال: ((أفعمياوان أنتما)) وقد تأوله قوم على أنه مخصوص في أزواج النبي ﷺ خاصة. (٣١) - قوله تعالى: ﴿ويحفظن فروجهن﴾: الكلام فيه كالكلام في الآية المتقدمة. إلا أنه اختلف هل يجوز للنساء النظر إلى فرج الحرة إذا ادعى الزوج أن بفرجها عيب؟ فأجازه سحنون ومنعه مالك وغيره. وحجة من أجازه للضرورة بسبب اتهام المرأة في الإنكار. وأما إن كان العيب ببدن المرأة فلا خلاف أنه يجوز نظر النساء إليها للعلة المذكورة. وأما عورات الصبيان فالنظر إليها مستخف، وقد أجاز مالك أن يغسل النساء الصبي الأجنبي ابن سبع سنين ونحو ذلك. وقال ابن الجلاب ابن خمس سنين ونحو ذلك. واختلف أصحابنا في غسل الرجل الصبية الأجنبية بنت أربعة أعوام، وخمس، فأجازه أشهب ما لم تكن تشتهى، وهو قول عيسى بن دينار. وقال ابن القاسم لا يغسلها بحال. وقد ذكر البخاري أن أم خالد أتت النبي ﷺ مع أبيها وعليها قميص أصفر، فقال النبي ﷺ : ((سنه)) قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزجرني أبي، فقال النبي ﷺ : ((دعها)) الحديث. ففيه مباشرة الصبية الصغيرة له ﷺ وذلك كمباشرته هو إياها ولم ينهها، ولو كان حرامًا لنهاها كما نهى الحسن على التمرة الساقطة. وفي بعض الحديث أنه ﷺ أتى بالحسن بن علي ففرج بين فخذيه وقبل زبيبه، وقد حمل أمامة على عاتقه في الصلاة. وذكر صاحب

стр. 1311

البسيط عن بعض أصحاب الشافعي أن النظر إلى فرج المرأة حرام وإن كان ابن يومه، ورأى تقبيل النبي ﷺ كان وراء ثوب. وقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾: هذه الآية تقتضي نهي النساء عن إظهار الزينة عامة. ثم استثنى تعالى من ذلك ظاهر الزينة وهو ما لا بد من النظر إليه، وذلك المعنى بقوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾. والنهي أيضًا عام في الستر للزينة الباطنة عن جميع الناس إلا من خصص تعالى بالذكر في الآية التي بعد هذه. وقد اختلف السلف في الذي أبيح للمرأة إظهاره بقوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾، فقال ابن مسعود هو الثياب. فعلى هذا يلزم المرأة ستر جميع جسدها ولا يجوز أن تظهر منه شيئًا لا وجهها ولا كفيها ولا غير ذلك، وتكون عورة كلها. وقال الحسن وسعيد بن جبير: الثياب والوجه. وقال سعيد بن جبير أيضًا والأوزاعي وغيرهما: الثياب والوجه والكفان. وقال ابن عباس وغيرهما: الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتح ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وعلى هذا لا يجوز أن تظهر ظهور قدميها وكذلك قال مالك في الصلاة. وقال أبو حنيفة ليس عليها أن تغيب ظهور قدميها في الصلاة، فعلى قوله ليس ذلك بعورة. وعلى هذا يأتي الخلاف فيما يجوز النظر إليه منها عند الشهادة عليها أو عند سبب يوجب النظر إليها. فعلى قول لا يجوز النظر إلى شيء منها ولا يشهد عليها إلا من يعرف صوتها أو من يعرفه بها من يثقه. وعلى قول يجوز إلى الوجه والكفين وهو قول مالك وأصحابه. وعلى قول إلى الوجه والكفين والقدمين. وعلى قول الوجه واليدين والقدمين ونصف الذراع. وقد جاء

стр. 1312

حديث في معنى نصف الذراع عن النبي ﷺ وقد جعل ابن عباس على تقدم الخضاب من الزينة الظاهرة. قال شيخنا أبو بكر بن العربي: هو عند مالك من الزينة الباطنة. وقوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾: سبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالخمر سدلنها من ورائهن كما تصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليها، فأمر الله تعالى بلي الخمر على الجيوب ليستر جميع ما ذكر وقالل عائشة: رحم الله المهاجرات الأول لما نزلت هذه الآية عمدن إلى أكتف المروط فشققنها أخمرة وضربن بها على الجيوب. ودخلت عائشة على حفصة بيت أخيها عبد الرحمن وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك، فشقته عليها وقالت: إنما يضرب بالكثيف الذي يستر. وقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ﴾: المراد بالزينة هنا الزينة الباطنة خاصة، خلاف ما هي في الآية قبلها، ولما ذكر تعالى ما أباح من الزينة الظاهرة أن يراه غير ذي محرم ذكر في هذه الآية الأخرى ما أباح رؤيته من الزينة الباطنة لذي محرم وغيرهم ثم ما أباحه تعالى في هذه الآية ليسوا فيه على استواء بل منهم من له من ذلك ما لا يباح لغيره ممن ذكر في الآية. وقد فسر ابن عباس الزينة المذكورة في هذه الآية بما يشترك فيه جميع المذكورين فقال: ليبدين لهؤلاء المذكورين

стр. 1313

القرطة والقلائد والشروك والسوار ونحوه ثم قال وأما خلخالها ومعضداها ونحوهما فلا تبديه إلا لزوجها. وقد تقدم لابن عباس أن القرطة من الزينة الظاهرة فقد جعلها هنا من الباطنة فانظر ذلك. ثم بدأ بالبعولة وهم الأزواج قال الشاعر: ففدينا البعولة والبنين لأن حرمتهم في الكشف عليها أعلى الحرم لأن النظر إلى كل شيء منها مباح له ولا يشاركه أحد في ذلك. ثم ثنى بالآباء وهم من له عليهن ولادة، وهم دون البعولة فيجوز له النظر إلى كل ما ليس بعورة من بناتهم. ثم ذكر آباء البعولة ثم أبناءهن ثم أبناء البعولة ثم إخوانهن وهم الإخوة. وأكثر ما يكون هذا الجمع للأخ من الصداقة، ثم بني الإخوة ثم بني الأخوات فينبغي أن يكونوا في الكشف دون الآباء على طريق الاستحسان، وأن تختلف أيضًا درجاتهم على حسب القربى. وقد رخص العلماء في تقبيل الرجل كبار الولد وسائر الأهل. فقال مالك رحمه الله تعالى في الذي يقدم من سفره فتلقاه ابنته فتقبله وأخته وأهل بيته، لا بأس بذلك. وقد كان النبي ﷺ يقبل ولده خاصة فاطمة. وكان أبو بكر يقبل عائشة. وفعل ذلك أكثر أصحاب النبي ﷺ . قال إسماعيل القاضي: وهذا إذا كان الولد مأمونًا. ويجوز مثل ذلك للولد أن يقبل أمه إذا كان مأمونًا ولا يجوز ذلك للأخ ومن دونه فمن ذكر في الآية من ذوي الأرحام ثم قال: ﴿أو نسائهن﴾ فقال بعضهم أراد جميع نساء المؤمنين. وقال بعضهم أراد جميع المؤمنات. فعلى القول الأول تكون الكتابية إذا كانت تحت مؤمن ممن أبيح لها النظرة إلى المؤمنات. وعلى القول الثاني لا تكون. وأما المشركات اللائي لسن من نساء المؤمنين فلا يجوز لهن لظاهر الآية على القولين. وقد روي عن عمر ما يعضد ذلك أنه كتب إلى عماله أن لا يترك امرأة من نساء أهل الذمة تدخل الحمام مع المسلمات. واحتج بهذه الآية. وفي كتابه لأبي

стр. 1314

عبيدة بن الجراح أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمام مع نساء المسلمين، فامنع من ذلك وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة. قال فعند ذلك قام أبو عبيدة فابتهل وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها سود الله تعالى وجهها يوم تبيض الوجوه ثم قال: ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ فيدخل في هذا الإماء المؤمنات وغير المؤمنات واختلف في العبيد الذكور البالغين هل هم داخلون تحت العموم فيباح لهم النظر إلى مولاتهم أم لا؟ فقيل المراد ما ملكت أيمانهن من الولادة الأطفال لا الرجال إلا أن يكون الرجل محرمًا. قالوا وإن الظاهر يقتضي خلاف ذلك. لكن قياس الشرع يأبى هذا الظاهر. ورجح هذا القول أبو الحسن. وهو ضعيف لمخالفته الظاهر ولأن الطفل قد ذكر بعد ذلك. وقال ابن المسيب لا يغرنكم ظاهر هذه الآية إنما عنى بها الإماء ولم يعن بها العبيد، وهو قول الشافعي وعطاء ومجاهد وإلى نحو هذا ذهب ابن عبد الحكم فقال: لا يجوز للمكاتب أن يرى شعر سيدته وإن كان وغدًا، ولا يخلو معها في بيت. وذهب ابن عباس في أحد أقواله إلى أن الآية على العموم في الإماء والعبيد وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة فعلى هذا يجوز للعبد أن يرى شعر سيدته وغدًا كان أو غير وغد، وكذلك المكاتب. وإلى نحو هذا ذهب مالك، إلا أنه اشترط أن يكون وغدًا لا منظر له. فهذه ثلاثة أقوال في عبد نفسها. قال إسماعيل القاضي: والقول بأن العبيد داخلون في عموم الآية أعلى. واختلف في عبد

стр. 1315

زوجها أو عبد الأجنبي هل يدخل عليها ويرى شعرها أم لا على قولين: والمشهور منهما المنع. والحجة لجواز ذلك لعبد الزوج قوله تعالى: ﴿ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ [النور: ٥٨]. فـ ﴿الذين﴾ تقع على الذكور، والمخاطبة بالآية للأزواج. ومن حجة جواز ذلك لعبد الزوج قراءة من قرأ: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾. وكذلك الخلاف في العبد الخصي، فمنعه مالك منها مرة إلا أن يكون ملكًا لها ولا منظر له. وأباحه في القول الآخر إذا كان لها أو لزوجها، وإن لم يكن وغدًا، ثم أباحه وإن كان لأجنبي، في قول ثالث. ثم قال تعالى: ﴿التابعين غير أولي الإربة﴾: واختلف المفسرون في تأويل ذلك. فقال بعضهم هو المغفل. وقال الشعبي هو الذي لا إرب له في النساء. وقال عكرمة المخنث الذي لا يقوم له. وقال بعضهم الشيخ الهرم والخنثى والعنين. وقال عطاء هو الذي يتبعك وهمته بطنه. وقال الحسن هو الأحمق. وقال طاووس هو الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة. وهذه الأقوال ينبغي أن تساق على جهة التمثيل لا على أن الآية مقصورة على وجه من تلك الوجوه. والذي ينبغي أن يقال به في الآية أن فيها شرطين في غير ذوي المحارم وهما الاتباع ومعناه أن يتبع لشيء بعطاء على ذلك كالوكيل والمتصرف. والثاني عدم الإربة في الوطء فلا يجوز أن يدخل عليها لغير ضرورة من غير ذوي المحارم إلا من كان فيه هذان الشرطان. ومن لم يكونا فيه فلا يجوز له الدخول عليها. وذهب بعض المفسرين إلى مراعاة الشرط الواحد وهو أن يكون من غير أولي الإربة. وذكر بعضهم شرط الاتباع على ما يعطاه وحده. والأصح ما ذكرته من اعتبار الشرطين. وقد اختلف في دخول الحر الخصي على قولين

стр. 1316

مرويين عن مالك. والأصح أن لا يجوز دخوله كما ذكرنا إلا أن يجتمع فيه الشرطان. وفي الصحيحين أن مخنثًا كان يدخل على أزواج النبي ﷺ يقال له هيت فقال لعبد الله بن أبي أمية: إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فاسأل رسول الله ﷺ بادية ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال النبي ﷺ حين سمع ذلك منه: ((لا يدخل هذا علكن)) فلم ينكر ﷺ دخوله قبل ذلك وأنكره حين سمع كلامه ونهى عن دخوله. وفد اختلف الأصوليون في النهي على ما يحمل ابتداء هل هو على التحريم حتى يتبين أن المراد به الكراهة أو على الكراهة حتى يتبين أن المراد التحريم؟ وإلى أنه على الكراهة في الحديث ذهب اللخمي. ثم قال تعالى: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾: يريد بالطفل الذين لم يراهقوا، وبالذين لم يظهروا على عورات النساء على ما قال بعضهم الذين لم يطأوا النساء. وعلى ما قال بعضهم الذين لم يدروا ما عورات النساء. وهذا أحسن وإن كان القولان يرجعان إلى معنى واحد، فأباح الله تعالى للمذكورين في هذه الآية على اختلاف درجاتهم في الاطلاع على النساء من غير ضرورة واختلف هل يجوز أن يرى الرجل شعر ختنته أم لا على قولين. وسئل عن ذلك سعيد بن جبير فتلا قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ ثم قال: لا أراها فيهن. واختلف في العم والخال هل تضع المرأة خمارها عندهما أم لا؟ وكرهه الشعبي وعكرمة واحتج بأنهما لم يذكرا في الآية قالا: لأنهما ينعتانها لأبنائهما. ومن رأى العم والخال من الآباء أجاز ذلك. وذكر إسماعيل القاضي عن الحسن والحسين أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين. وقال أحسب أنهما في ذلك إلا أن أبناء البعولة لم يذكروا

стр. 1317

في الآية التي في أزواج النبي ﷺ وهي قوله تعالى: ﴿لا جناح عليهن في آبائهن﴾ [الأحزاب: ٥٥] وكان ابن عباس يقول: إن رؤيتهما لهن تحل ويحتج بآية النور. وقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾: قال الطبري: زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة واتخذت جذعًا فجعلت ذلك في سياقها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجذع فنزلت هذه الآية. وإسماع صوت هذه الزينة أشد تحريكًا للشهوة من ابتدائها. ذكره الزجاج. (٣٢) - (٣٣) - قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب﴾: الأيامى الذين لا أزوجا لهم رجالًا كانوا أو نساء. قال الشاعر: لله در على أيم منهم وناكح. والمخاطبون بهذه الآية في إنكاح الأيامى هم الأولياء. وقيل كل أحد كان وليًا أو مأذونًا له. والأول أظهر لأن المقصود من الخطاب ترك الفضل والمنع وذلك يقتضي الاختصاص بالأولياء والحاكم، فإن هؤلاء الذين يجب عليهم التزويج دون الأجانب. وعلى القولين ففي الآية دليل على عدم استقلال المرأة بالإنكاح. واستدل بعضهم على ذلك أيضًا بما يعقب قوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ في قوله: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ قالوا فكما لم يصح للعبد والأمة ولاية كذلك الأيامى المعطوف عليهما ذلك القول. وقد اختلف في المرأة هل

стр. 1318

يجوز لها أن تتزوج بغير ولي أم لا فمنع جملة في المذهب وأجيز جملة في الثيبات والأبكار البوالغ وهو قول أبي حنيفة. وأجيز في الثيبات ومنع في البكر وهو قول أهل الظاهر. واعتبر أبو يوسف إذن الولي خاصة فهذه أربعة أقوال أجراها على الأصول القول الأول. وفي هذه الآية دليل عليه كما قدمنا. وإذا قلنا بذلك فقد فسر النبي ﷺ منتهى هذه الآية إذ الآية تحتمل أن يزوج الولي الأيم شاءت أو أبت، ويحتمل أن يكون بأمرها، فقال ﵊: ((الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها)) فجعل الأيم أحق بنفسها أي أن الولي لا يزوجها إلا بإذنها. ثم قال: ((والبكر تستأذن في نفسها)) أي لا يعقد الولي أيضًا إلا بإذنها، وهي داخلة تحت قوله ﵊: ((الأيم أحق بنفسها)) وقد كان ذلك يغني عن هذا، إلا أنه لما اختلفت سورة الإذن منها أعاد ذكرها فقال: ((والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها))، فجعل إذنها الصمات بخلاف غيرها من الأيامى. وهذا في غير البكر ذات الأب فإن الأب يعقد عليها ولا يحتاج إلى إذن بدليل قوله ﵊ في بعض رواية هذا الحديث: ((واليتيمة تستأمر في نفسها))، وهذا هو تحصيل مذهب مالك رحمه الله تعالى في الآية والحديث. وقد تعلق بعضهم -وهو قول داود الأصبهاني- بظاهر الحديث فلم يجز للأب ولا لغيره إنكاح البكر صغيرة كانت أو كبيرة إلا بإذنها. ورأى بعضهم أن له ذلك في الصغيرة من

стр. 1319

الأبكار دون البالغة. ووجه تعلق هذين القولين ما جاء في الحديث من قوله ﵊: ((والبكر تستأذن في نفسها)) فتأوله كل فريق على رأيه. وروي عن الحسن أن الأب يزوج البكر والثيب بغير إذنهما وإن كرهتا. فهذه أربعة أقوال في ذات الأب أعدلها قول مالك رحمه الله تعالى. وظاهر الآية يقتضي أن ذلك نكاح للأولياء ولم يشترط الإذن، إلا أن الدليل القاطع دل على أن المالكات أمورهن من نساء ومن لا أب لها من غير المالكات أمورهن لا يزوجن إلا بإذنهن وبقي الغير تحت العموم حتى يخصص بدليل قاطع. (٣٢) - قوله تعالى: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾: يريد الذين يصلحون للنكاح منهم ذكورهم وإناثهم. والمخاطبون بإنكاحهن السادة، ولا خلاف في هذا. وقد اختلف هل للسيد أن يجبر عبده وإماءه على النكاح أم لا؟ ففي المذهب أن له أن يجبر إذا لم يرد ضررًا. وحكي عن أبي حنيفة مثله، وهو أحد قولي الشافعي. وفي أحد قولي الشافعي أنه لا يجبرهما، قاله أبو ثور واستحسنه المروزي، وقال أصحاب الرأي يكره أمته ولا يكره عبده، فهذه ثلاثة أقوال أصحها القول الأول دليله قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ ولم يشترط رضاهم. وقد تعترض هذه الحجة بأنه يلزم مثل ذلك في الأيامى الأحرار لأن الأمر في الآية ورد فيها ورودًا واحدًا. وقد قال النخعي كانوا يكرهون المملوكين على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب واختلف هل يجبر السيد

стр. 1320

على إنكاح العبد إذا طلب منه ذلك أم لا؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يجبر، وقال الشافعي يجبر ومن حجته قوله تعالى: ﴿وأنكحوا﴾ فأمر بإنكاحهم. والحجة للقول الأول مبسوطة في غير ما كتاب من كتب المذهب، والذي يقال في الآية إن الأمر فيها أمر عام فهو يختلف بظاهر الآية ومنهم ومن لا يلزم له ذلك بحسب ما تخصص به العموم في القياس أو الأثر. وقوله تعالى: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾: وعد تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طلب رضا الله تعالى. وقد قال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: عجبي لمن لا يطلب الغنى بالنكاح، وذكر الآية. واحتج بعضهم بهذه الآية على أنه لا يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرًا لا يقدر على النفقة لأن الله تعالى قال: ﴿يغنهم الله من فضله﴾ ولم يفرق بينهم، وهو قول بعض العلماء. وهذا الانتزاع ضعيف وليست الآية بحكم فيمن عجز عن النفقة وإنما هي وعد بالإغناء كما قد وعد به مع التفرق في قوله تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلًا من سعته﴾ [النساء: ١٣٠] ثم قال تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يعنيهم الله من فضله﴾ فأمر كل من يتعذر عليه النكاح بأي وجه كان أن يستعفف عما حرمه الله تعالى. ثم لما كان أغلب الموانع من النكاح عدم المال وعده الإغناء من فضله. وقال قوم من المفسرين أن المراد بالنكاح هنا ما ينكح به من المهر والنفقة وحملهم على ذلك قوله تعالى: ﴿حتى يغنيهم الله من فضله﴾ والقول الأول أظهر لعموم ما قالوه وغيره. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة، قال: ولا يفهم منه التحريم بملك اليمين لأن من لا يقدر على

стр. 1321

النكاح لعدم المال لا يقدر على شراء الجارية غالبًا. (٣٣) - قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا﴾: أمر تعالى في هذه الآية السادة أن يكاتبوا مملوكيهم إذا طلبوا ذلك إليه وعلم السادة فيهم خيرًا. وسبب هذه الآية أن غلامًا سأل مولاه الكتابة فأبى عليه فنزلت الآية. قال بعضهم والغلام حويطب بن عبد العزى وهو الذي كان سأل حويطباء وقال بعضهم الغلام صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة. وقد اختلف في هذا الأمر بالكتابة هل هو على الوجوب أو على الندب؟ ففي المذهب أنه على الندب. وفي غير المذهب لعطاء وداود وغيرهما أنه على الوجوب واختاره الطبري وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب لأنس بن مالك في سيرين حين سأل الكتابة فتلكأ أنس، فقال له لتكاتبه أو لأوجعنك بالدرة فعلى هذا بلزم الرجل إذا طلب عبده منه الكتابة أن يكاتبه ويجبر على ذلك كله خلافًا للقول الأول. واحتج أهل القول الأول في ذلك لأمرين: أحدهما: قياس الكتابة على البيع، قالوا فكا لو سأله البيع لم يلزمه، كذلك إن سأله الكتابة لأنه بيع، وحملوا بهذا الدليل بالآية الأمر على الندب. وإطلاق المحتج بهذا أن الكتابة بيع، وفيه نظر. لأن كسب العبد لسيده فكيف يبيع ماله بماله؟ وقد قال كثير من العلماء بأنهما من باب العتق. والقولان في المذهب. وقال بعضهم الكتابة

стр. 1322

غدر ومخالفة للقياس الأصول. فالأصل فيها الحظر، والأمر إذا صدر بعد الحظر فهو محمول على الإباحة. وفي هذا القول ضعف لأنا لا نعلم قط أن الكتابة محظورة ثم أبيحت. واختلف هل للسيد أن يجبر عبده على الكتابة إن لم يتبع ذلك منه على قولين منصوصين في المذهب. ومن حجة القول بسقوط الجبر أن الله تعالى إنما أمر بالكتابة إذا ابتغاها العبد، فدليل هذا أنه إذا لم يبتغها لم بتغ أن يكره عليها. واختلف في الخير المذكور في الآية ما هو؟ فقيل المال ولم ير من قال هذا أن يكاتب العبد إلا إذا علم أن له مالًا يؤدي منه أو من اتجر فيه. وروي عن ابن عمر وسلمان أنهما أبيا من كتابة عبدين رغبًا في الكتابة ووعدًا باسترقاق الناس. فقال كل واحد منهما لعبده: أتريد أن تطعمني أوساخ الناس. وقيل هو الصلاح في الدين، وإليه ذهب عبيدة السلماني. وقيل هو القوة على الأداء وهو قول مالك، وهو أظهر الأقوال وقد اختلفت الرواية عن مالك في كتابة الصغير فأجازه في قول وكرهه في آخر إلا أن يفوت بالأداء. وعلى اختلاف قوله في إسلام المراهق يختلف في كتابته. ومذهب الشافعي أن الكتابة لا تصح إلا من البالغ العاقل. والأظهر من القولين المنع على قول مالك، ومذهبه في أن الخير القوة على الأداء وذلك في الأغلب معدوم في الصغار. واختلف أيضًا قوله في كتابة الأمة التي لا صنعة لها، وبجوازه قال الشافعي، وهو ظاهر الآية إن كانت لها قوة على الأداء بخدمة أو غيرها وبه قال ابن المنذر واحتج

стр. 1323

بحديث بريرة وإنما منع من ذلك من منع لما روي من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا تكلف الأمة الكسب فأنها تكسب بفرجها. واختلف في حال المكاتب إذا كوتب، فقيل هو عبد ما بقي عليه درهم، وهو قول جمهور الناس. وقيل هو عبد حتى نصف الكتابة، فإذا أداها فهو حر. وروي عن عمر وعلي بن أبي طالب. وقيل هو عبد حتى يؤدي ثلث كتابته وروي عن ابن مسعود أيضًا. وقيل إذا أدى عتق منه بقدر قيمته فهو حر، وروي عن ابن مسعود أيضًا. وقيل إذا أدى عتق منه بقدر ما أدى، وقيل هو حر بعقد الكتابة ويلزمه الأداء والقول الأول أظهر الأقوال على مفهوم الآية لأنه تعالى أمر بالكتابة وهو أن يؤخذ منه مال على أن يعتق، فهذا أمر مفهوم أنه لا يتم إلا بالوفاء بشروطه. وقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ هذا أمر بأن يعان المكاتب على مكاتبته. واختلف في هذا الأمر لمن هو؟ فقيل للناس أجمعين وهو مذهب النخعي والحسن وبريرة وقيل لولاة الأمور، وهو قول زيد بن أسلم. والأمر على هذين القولين أمر ندب. وقيل بل الخطاب لسادة المكاتبين، واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل هو أمر إيجاب أو أمر ندب. ففي المذهب أنه امر ندب فلا يحكم على السيد به. وعند الشافعي أنه

стр. 1324

واجب يحكم به على السيد وعلى ورثته. والقول الأول أظهر لتكون الآية متشاكلة فيكون أولها ندبًا وآخرها ندبًا، فكما لا تجب على السيد الكتابة لا يجب عليه الوضع. وقد رد إسماعيل القاضي على الشافعي فقال: كيف تكون الكتابة ندبًا والإيتاء واجبًا؟ وكيف يكون الأصل ندبًا والفرع واجبًا؟ قال أبو الحسن هذا غير واجب ألا ترى أن النكاح غير واجب وإذا نكح الرجل وجب عليه أشياء بنسبة ذلك. وقوله تعالى: ﴿وآتوهم﴾: معناه أعطوهم. فقال بعضهم إنه يعطيهم السادة من أموالهم من غير الكتابة ما يستعين به المكاتبون من غير أن يوضع عنهم من الكتابة شيء. وقيل معناه الحط من الكتابة. وقيل معناه أن يعطوا من الزكاة لقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله﴾ والأظهر من إطلاق هذا اللفظ أنه الزكاة وإن كانت الأموال كلها يجوز أن يطلق عليها هذا اللفظ. ومال الكتابة لما وجب لحق الله تعالى ولغرض الحرية حسن أن يقال فيه مال الله فاللفظ محتمل لهذه الوجوه. وأكثر العلماء حملوه على الحط من الكتابة، ثم اختلفوا في قدر ما يوضع منها. فروي عن علي أنه استحب ربع الكتابة. قال الزهراوي وروي ذلك عن النبي ﷺ . وقال ابن راهويه مثل ذلك قال: ويجبر عليه وتلا الآية. قال وأجمع أهل التأويل على أنه ربع. وروي عن ابن مسعود والحسن أنهما استحسنا الثلث. وروي عن قتادة العشر. وروي عن بعضهم أنه كان يختار أن يوضع على المكاتب آخر نجومه. وقيل يوضع عنه من كتابته شيء ولم يحد.

стр. 1325

وهو قول ابن جبير والثوري والشافعي. قال الشافعي: والشيء أقل ما يقع عليه اسم شيء ويجبر عليه. وإلى نحو هذا ذهب مالك في ترك الحد فيه إلا أنهلا يرى الجبر عليه كما قدمنا. والحجة لعدم الحد في ذلك قوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله﴾ ولم يحد. فدل أن ذلك موكول إلى الاجتهاد. واختلف هل يكون الوضع في أول الكتابة أو آخرها؟ فرأى عمر أن يكون ذلك من أول النجوم مبادرة إلى الخير خوف ألا يدرك آخرها. ورأى مالك وغيره أن يكون الوضع في آخر نجم وهو قول عبد الله بن عمر ولم يحد في هذا قوم أول الكتابة من آخرها تعلقًا بظاهر الآية واعلم أن الكتابة لفظ شرعي ولم تكن قبل ورود الشرع على ما هي في الشرع. لأن الشرع جعلها على وجه المخصوص وقيدها بشروط مخصوصة، فهي كلفظ الصلاة والصيام في الشرع. ومن أهل العلم من قال تقتضي بلفطها التأجيل فلا تكون إلا مؤجلة. ومنهم من قال لا يعقد ذلك من ظاهر لفظها لأن الشيء قد يكتب ولا تأجيل فيه وقد يكتب مع التأجيل فالظاهر لا يدل على الأجل. فعلى هذا القول تجوز الكتابة حالة. واختلفوا في صورة الكتابة، فقال بعضهم هي أن يكاتبه على درهم معلومة فيعتق بالأداء في وقته. وقال بعضهم بل لا بد أن تقول في عقد الكتابة: فإذا أديت إلي فأنت حر. فتجمع بين العقد وبين تعليق الحرية بالصفة لأن عنده أن العقد بين السيد وبينه لا يصح وتعليقه له بهذه الصفة لا يصح فلا بد من ضم ذلك إليه. ولم يختلفوا في أن الكتابة رخصة لأنا لو خلينا والعقد لكان عقدها باطلًا، لأن من المكاتب إزالة سلكه بملكه. قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ وروي عن ابن عباس وغيره أن سبب هذه الآية أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت له جاريتان إحداهما تسمى معاذة والأخرى مسيكة فكان يكرههما على الزنا ويضربهما عليه ابتغاء العقد عليه والولد. وقيل: كان اسم إحدى الجاريتين

стр. 1326

زينب والأخرى معاذة، ومعاذة هي أخت خولة التي جادلت النبي ﷺ في زوجها. وقيل: إنها كانت أمة واحدة اختلف في اسمها قيل: مسيكة وقيل: معاذة، فكان عبد الله يأمرها بالزنا والكسب فشكت ذلك إلى النبي ﷺ فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين. وقوله تعالى: ﴿إن أردن تحصنا﴾. اختلف إلى ما رجع هذا الشرط. فقيل: لأنه لا يتصور إكراههن إلا إذا لم يردن الزنا، وهو التحصن، وأم إذا أردنه فلا يتصور الإكراه. وقيل: هو متعلق بقوله تعالى قبل هذا: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ وقيل: الشرط ملغى، والأول أظهر وأحسن. وهذه الآية تدل بإطلاقها على تحريم الإكراه على الزنا وعلى تحريم أخذ العقد وهو المراد بنهيه ﵊ عن مهر البغي. وفيها دليل أيضًا على أن الإكراه يصح في الزنا وعلى أن المكرهة لا إثم عليها من حيث قال: ﴿فإن الله من بعد إكراههن لغفور رحيم﴾. قوله تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾. قال الضحاك: الصبح والعصر. وقال ابن عباس: أراد ركعتي الضحى والعصر وأن ركعتي الضحى لفي كتاب الله تعالى وما يغوص عليها الأغواص، ثم قرأ الآية، وقد اختلف في هذه الصلاة: فلم يرها قوم وقالوا: إنها بدعة فرووا عن ابن مسعود أنه كان لا يصليها وعن عبد الرحمن بن عوف مثل ذلك. ورووا عن ابن عمر أنه قال فيها: بدعة قال مرة نعمة البدعة. وسئل أنس عنها فقال: الصلوات خمس. ورآها قوم واستحبوها وعليه يدل قول عائشة: ما ترك ﷺ سبحة الضحى قط وإني لأستحبها وروي عنها أنها قالت: لو نشر أبواي من قبرهما ما تركتهما. وعليه تدل الآية على تفسير ابن عباس. وجاء عن أبي هريرة أنه قال: أوصاني رسول الله ﷺ بثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى وقوم على وتر. وذهب قوم من السلف إلى أنها تصلى في بعض الأيام دون بعض ورووا عن ابن سعيد أنه قال:

стр. 1327

كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها، وروي عن ابن عباس وابن عمر نحو ذلك. قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾. اختلف في المراد بالذين ملكت أيمانكم. فقيل: المراد بهم النساء من الإماء خاصة وهو قول عبد الرحمن السلمي قال: وسئل الرجال أن يستأذنوا في كل وقت. وذكر بعضهم عن ابن عمر نحوه. وقيل: المراد بها الرجال خاصة وهو المشهور من قول ابن عمر. وقيل: المراد به الرجال والنساء جميعًا، ورجح ذلك الطبري، وقال أبو الحسن: لا يدخل في هذا العموم العبيد البالغون لأنه يستوي في وجوب الاستئذان عليهم هذه الأوقات الثلاث وغيرها من حيث يحمر عليهم النظر إلى عورة سيدهم وإلى بدن سيدتهم، لا يدخل في العموم أيضًا الأطفال لأن المعنى من ذلك قد حصل من قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾. وقوله تعالى: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم﴾. يريد الأطفال الذين لم يبلغوا إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة وقوله: ﴿ثلاث مرات﴾ الآية. أمر تعالى أن لا يدخل من تقدم ذكره ممن يملك، والأطفال على أهليهم في هذه الأوقات الثلاث حتى يستأذنوا لأن هذه الأوقات مضنة انكشاف العورة، وهي عند الصباح لأن الناس في ذلك الوقت عراة في مضاجعهم، وقد ينكشف النائم وقت القائلة -وهي الظهيرة- لأن النهار يظهر فيها إذا علا واشتد حره، وبعد العشاء لأنه وقت التعري للنوم والتبدل للفراش. وأما في غير هذه الأوقات فالعرف بين الناس فيها التحرز والتحفظ فلا حرج في دخول هذه الصفقة بغير إذن إذ هم طوافون يمضون ويجيؤون ألا يجد الناس بدًا من ذلك. قال إسماعيل القاضي ويجزئ منهم التسليم وفي الرد إذن، ومن يجوز له الدخول بالاستئذان من غير المذكورين.

стр. 1328

في هذه الآية أن يكون حكمه في هذه الأوقات كما تقدم. واختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب الأكثر إلى أنه محكمة، ثم اختلفوا فقال بعضهم هي على طريق الندب وهو قول أبي قلابة. وقال أكثرهم هي على طريق الإيجاب، وروي عن الشعبي أنه قال ليست بمنسوخة، فقيل له إن الناس لا يعملون بها، قال الله المستعان، وروي هذا القول عن ابن عباس. وذهب ابن المسيب وابن جبير إلى أنها منسوخة ولم يذكروا ناسخها. وهذا ضعيف، والأصح أنها محكمة. وروي عن ابن عباس أنه قال: كان العمل بها واجبًا إذا كام القوم لا أغلاق لهم ولا ستور، فلما صارت لهم الأغلاق والستور ترك العمل بها. فإن أعاد الأمر إلى ما كان عليه عاد الحكم هذا معنى قوله. فالآية على قوله محكمة إلا أنها إذا كنتا لعلة، فحيث وجدت العلة وجد الحكم، وإذا زالت العلة زال الحكم. والذي ينبغي أن يقال في هذا إنها محكمة بغير علة كانت ثم أبواب وستور أو لم تكن، ينبغي أن يستأذن. وفي تخصيص هذه الأوقات الثلاثة -بأنها مظنة الانكشاف- دليل على أنها مظنة النوم لأن الانكشاف أكثر ما يكون مع النوم. ودليل على أن النوم في غير هذه الأوقات مثل النوم بعد صلاة الصبح ومثل النوم بعد العصر ومثل النوم بعد المغرب، وليس كالنوم في الأوقات المذكورة في الآية. وقوله تعالى: ﴿من قبل صلاة الفجر﴾: يعني من قبل صلاة الصبح. ففي هذا دليل على أن صلاة الصبح ليس بوقت انكشاف لا ينبغي النوم فيه. وقد روي ما يعضد هذا عن عبيد الله بن عمير أن عبد الله بن الزبير قال له: يا عبيد أما علمت أن الأرض

стр. 1329

حجت إلى ربها من نوم العلماء بالضحى مخافة الغفلة عليهم. وروي عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الصبحة تمنع بعض الرزق)) وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: النوم ثلاثة: فنوم خرق ونوم خلق ونوم حلق. فأما نوم خرقة فنومة الضحى يقضي الناس حوائجهم وهو نائم. وأم نومة خلق فنومة القائلة. وأما نومة حمق فنومة حين تحضر الصلاة. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال في هذه النومة: ((محيرة منخرة محفرة)). فهذه الأحاديث كلها مع دليل الآية حجة في أنه لا يجوز النوم في ذلك الوقت. وفي العتبية عن مالك أنه سئل عن النوم بعد الصبح فقال: ما أعلم حرامًا. فظاهر قوله إجازة النوم في ذلك الوقت، ولم يصح عنده -والله أعلم- شيء من الأحاديث، فلذلك أجازه. وفي قوله تعالى: ﴿وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة﴾: يريد القائلة، دليل على أن النوم في هذا الوقت جائز وأنه في غير ذلك الوقت من النهار ليس كذلك. وقد اختلف في ذلك فكرهه بعضهم لما روي من أن رسول الله ﷺ أرسل عليًا في حاجة بعد أن صلى الظهر بالصهباء فرجع وقد صلى النبي ﷺ العصر فوضع النبي ﷺ رأسه في حجر علي فلم يحركه حتى غابت الشمس فقال النبي ﷺ : ((اللهم إن عبدك عليًا احتبس نفسه على نبيه فرد عليه شرقها)) قالت أسماء فطلعت الشمس حتى وقفت على الجبال وعلى الأرض ثم قام علي رضي الله تعالى عنه فتوضأ وصلى العصر ثم غابت. وفي قوله تعالى: ﴿ومن بعد صلاة العشاء﴾:

стр. 1330

دليل على النوم في هذا الوقت وهو المعروف المباح. وقد جاء من الآثار ما يعضد ذلك. وروي عن عليه الصلاة السلام أنه كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها. وكان عمر بن الخطاب يضرب الناس على الحديث بعد العشاء ويقول: اسمروا أول الليل ونوموا آخره. وقال سلمان الفارسي إياكم وسمر أول الليل فأنه مهدنة للآخرة فمن فعل ذلك فليصل ركعتين قبل أن يأوي إلى فراشه. وكان إبراهيم وابن سيرين يكرهان الكلام بعد العشاء وهذا في السمر لغير العلم وأفعال البر. وأما السهر لهذا فجائز. وقد روي عن النبي ﷺ أنه سهر بعدها غير مرة. قال عمر كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر الليلة كلها في أمر من أمور المسلمين وأنا معه. وجاء في بعض الحديث أن رسول الله ﷺ كره السمر إلا لمصل أو مسافر أو مذاكر وفي الآية -على ما قدمنا- دليل على أن النوم قبل العشاء ليس كالنوم بعدها، وقد اختلف فيه. فكان ابن عمر يكاد يسب الذي ينام قبل العشاء. وكرهه أنس وعمر وأبو هريرة وابن عباس وغيرهم، وهو قول مالك في العتبية والكوفيين، رخصت فيه طائفة. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان ربما نام قبل العشاء وكان ابن عمر ينام ويوكل من يوقظه. وعن أبي موسى وعبيدة مثله. وعن ابن سيرين وعروة أنهم كانوا ينامون نومة الصلاة، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك، وقال به بعض الكوفيين واحتج له الطحاوي. وقوله تعالى: ﴿ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن﴾: فيه دليل على أن الموالي في الاستئذان في الدخول على العبيد في هذه الأوقات مثل ما على العبيد. (٥٩) - وقوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ الآية:

стр. 1331

يقول إن الأطفال الذين أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة وأبيح لهم الدخول بلا إذن في غير ذلك من الأوقات إذا بلغوا الحلم لم يدخلوا إلا باستئذان في كل وقت، وعلى حكم الرجال. وهذا عام في جميع البالغين من ابن وأخ وأب وغيره لا يجوز لهم أن يدخلوا إلا بإذن. قال الزهري يستأذن الرجل على أمه وفي ذلك نزلت. وروي نحوه عن عمر وابن عباس وغيرهما. (٦٠) - وقوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء ... ﴾ الآية: اختلف في تعيينهم. فقيل اللواتي قعدن عن التصرف. وقيل هن اللواتي إذا رأيتهن تستقذرهن، وهو قول ربيعة. وقيل هن اللواتي قعدن عن الولد. قال بعضهم لما كان الغالب من النساء أن ذوات هذا السن لا مذهب للرجال فيهن أبيح لهن ما أبيح لغيرهن وأزيل عنهن كلفة التحفظ المتعب إذ علة التحفظ مرتفعة عنهن. وقوله: ﴿فليس عليهن جناح ... ﴾ الآية: قال ابن مسعود وابن جبير: الذي أبيح وضعه لهذه الصنيعة الجلباب الذي فوق الخمار والرداء. قال بعض العلماء: إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها. ثم ذكر تعالى أن استعفافهن عن وضع الجلابيب والتزامهن ما يلزم الشباب من الستر خير لهن وأفضل. (٦١) - قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون ... ﴾: اختلف في المعنى الذي رفع الله تعالى فيه الحرج عن الأصناف الثلاثة: العمى والحرج والمرض. فقال ابن زيد هو الحرج في الغزو، أي لا حرج عليهم في تأخيرهم. وقيل هو في معنى المطاعم. واختلف من ذهب إلى ذلك في الحرج فيمن كان؟ فقيل كانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تجتنب الأكل مع أهل الأعذار. فبعضهم كان يفعل ذلك تقذرًا لجولان اليد

стр. 1332

من الأعمى ولانبساط الجلسة من الأعرج ولرائحة المريض، ونحو ذلك. وهي أخلاق جاهلية وكبر، فنزلت الآية مؤدبة. وقيل إن أهل هذه الأعذار كانوا المتحرجين من الأكل مع الناس، ثم اختلف لم، فقيل من أجل عذرهم، فنزلت الآية وقيل إن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو خلفوا أهل العذر في منازلهم وأموالهم فكان أهل العذر يجتنبون أكل مال الغائب فنزلت الآية مبيحة لهم أكل الحاجة من طعام الغائب إذا كان الغائب قد بنى على ذلك. وقيل كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئًا ذهب إلى بيوت قرابته فتحرج أهل الأعذار من ذلك، وقيل إن التحرج المذكور إنما كان من الناس وذلك لما نزلت: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ قالوا: لا مال أعز من الطعام وتحرجوا من الأكل مع أهل الأعذار مخافة عليهم فيقعون في أكل المال بالباطل إذ هم مقصرون عن درجة الأصحاء لعدم الرؤية من الأعمى والعجر عن المزاحمة من الأعرج ولضعف المريض. فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم ففي القول الأول التحرج مرفوع عن أهل الأعذار. وفي الآخر إنما هو مرفوع عن غيرهم من الناس. وفي القول الثاني آخرون. وقد جاء في الحديث ما ظاهره التعارض من ذلك والآية على أحد التأويلات المتقدمة حجة في الجواز. والذي ينبغي أن يقال في الآية أن الحرج مرفوع بها على الأصناف الثلاثة في كل ما يضطرهم إليه العذر. فكل تكليف يتعلق بالبصر فقد سقط عن الأعمى. وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه ولا يمكنه معه فعله سقط عنه تكليفه.

стр. 1333

وقوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم﴾ الآية: عدد الله تعالى فيها البيوت التي أباح الأكل فيها بغير إذن. فبدأ تعالى ببيت الرجل نفسه إذ لا أخص به منه ولما لم يذكر تعالى من جملة البيوت بيوت الأبناء. قال جماعة من المفسرين إنه داخل في قوله تعالى: ﴿من بيوتكم﴾ لأن بيت ابن الرجل بيته. وهذه الآية تدل على أن للرجل أن يأكل من بيت ابنه من غير إذنه كما يأكل من بيت نفسه لأن له أن يأخذ ماله ويستحله. ثم ذكر بيوت الآباء، فأباح للآباء الأكل منها بغير إذن. ثم ذكر على نحو ذلك بيوت الأمهات ثم ذكر بيوت الإخوان وهم الإخوة ثم ذكر بيوت الأخوات ثم بيوت الأعمام ثم بيوت العمات ثم بيوت الأخوال ثم ذكر بيوت الخالات ثم قال: ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ قيل يعني ما دفعت إليكم مفاتحه لتكون تحت نظركم على ما يأتي ذكره بعد هذا. وقيل المراد ما ملك الرجل من متاع نفسه. وهذا ضعيف لأن ما تقدم من قوله: ﴿بيوتكم﴾ يغني عنه. وقيل معناه ما جزتم وصار في قبضتكم وعند جماعة من المفسرين أنه يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء بالمعروف. ثم قال تعالى: ﴿أو صديقكم﴾ فقرن الله تعالى الصداقة بالقرابة. قال معمر: قلت لقتادة: ألا تشرب من هذا الحب؟ قال أنت لي صديق فما هذا الاستئذان. وقال ابن عباس الصداقة أوكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين: ﴿فمان لنا من شافعين * ولا صديق حميم﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١] واختلف المفسرون في هذه الآية في قوله: ﴿أو بيوت آبائكم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح﴾ هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة وأنه لا يجوز أن يؤكل من بيت أحد إلا بإذنه. واختلفوا في الناسخ، فقال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] وقوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت

стр. 1334

النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقول النبي ﷺ : ((لا يحل من مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)). وقيل بل نسخها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧]. وإذا منعوا الدخول بغير استئذان، كان الأكل أولى أن يمنع إلا بإذن. وقال بعضهم نسخها قوله ﵊: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)) وقوله ﵊ في حديث عمر: ((لا يحلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه)). قال ابن زيد وكانوا في أول أمرهم ليس على أبوابهم غلق فكانت الستور مرخاة فربما جاء الرجل جائع فدخل البيت وليس فيه أحد فسوغه تعالى أن يأكل. ثم الآن صارت الأغلاق على البيوت فلا تحل لأحد أن يفتحها فذهب هذا وانقطع وقال ﷺ : ((لا يحلبن أحد من ماشية أحد إلا بإذنه)). وقيل الآية محكمة. ثم اختلفوا في تأويلها. فقال ابن عباس هي محكمة ناسخة لما أحدث المؤمنون عند نزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وذلك أنهم قالوا قد نهى عن أكل الأموال بالباطل، والطعام من أفضل الأموال فلا يحل لأحد أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن أكل بعضهم عند بعض. فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ... ﴾ الآية إلى آخرها. ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل الآية على عمومها في الإذن وغير الإذن لأنها أباحت الأكل من هذه البيوت ولم يخص إذنًا من غير إذن إلا أنها خرجت على سبب الإذن، وبين الأصليين في ذلك اختلاف. فقال أبو

стр. 1335

عبيد إنما هو بعد الإذن لأن الناس إنما توقفوا عن الأكل بعد الإذن فأباحه الله تعالى. وقال غيره الأكل جائز بالآية من غير إذن وليس في الآية ذكر الإذن. وقال أكثر أهل التأويل هي محكمة وذلك أنهم كانوا إذا خرجوا مع النبي ﷺ وضعوا مفاتيحهم عند أهل العلة ممن يتخلف وعند قربائهم، فكانوا يأذنون لهم أن يأكلوا منها ويقولون نخشى أن لا تكون أنفسهم طيبة بذلك فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأحله لهم. واعتبار الإذن أيضًا على هذا القول يأتي على الخلاف المتقدم. وما أباح الأكل من بيوت هؤلاء الأصناف بغير إذن فإنما يبيحه إذا كان يسيرًا وعلم أن نفس صاحبه راضية. وقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا﴾: أباح بهذه الآية الأكل على انفراد ومع الغير وهذا رد لمذهب قوم من العرب كانت لا تأكل أفرادًا ألبتة. قاله الطبري وكانوا يسمون الذي يأكل وحده الموضع. وكان أحدهم إذا وضع طعامه ليأكل أو حلب لقحته ليشرب نادى من حوله، فإن أجابه أحد وإلا نصب عودًا أو خشبة عوض الأكل معه. وحكي أن رجلًا من العرب نزل واديًا وحلب لقحته ونادى من يشرب منعه، ورجل يسمعه فلم يجبه واختفى له. فأخذ عودًا أو خشبة فنصبها ثم أخذ الإناء ليشرب فخرج ذلك الرجل إليه فقال: يا موضع، اشرب وحدك، فخشي الآخر أن يعلم بذلك فيعير بالشرب وحده فعدا عليه بالسيف فقتله فلما جاء الإسلام نزلت الآية. ومن ذلك قول بعضهم: إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلًا فإني لست آكله وحدي
следующие страницы →