Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
يقول إن الأطفال الذين أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة وأبيح لهم الدخول بلا إذن في غير ذلك من الأوقات إذا بلغوا الحلم لم يدخلوا إلا باستئذان في كل وقت، وعلى حكم الرجال. وهذا عام في جميع البالغين من ابن وأخ وأب وغيره لا يجوز لهم أن يدخلوا إلا بإذن. قال الزهري يستأذن الرجل على أمه وفي ذلك نزلت. وروي نحوه عن عمر وابن عباس وغيرهما.
(٦٠) - وقوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء ... ﴾ الآية:
اختلف في تعيينهم. فقيل اللواتي قعدن عن التصرف. وقيل هن اللواتي إذا رأيتهن تستقذرهن، وهو قول ربيعة. وقيل هن اللواتي قعدن عن الولد. قال بعضهم لما كان الغالب من النساء أن ذوات هذا السن لا مذهب للرجال فيهن أبيح لهن ما أبيح لغيرهن وأزيل عنهن كلفة التحفظ المتعب إذ علة التحفظ مرتفعة عنهن.
وقوله: ﴿فليس عليهن جناح ... ﴾ الآية:
قال ابن مسعود وابن جبير: الذي أبيح وضعه لهذه الصنيعة الجلباب الذي فوق الخمار والرداء. قال بعض العلماء: إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها. ثم ذكر تعالى أن استعفافهن عن وضع الجلابيب والتزامهن ما يلزم الشباب من الستر خير لهن وأفضل.
(٦١) - قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون ... ﴾:
اختلف في المعنى الذي رفع الله تعالى فيه الحرج عن الأصناف الثلاثة: العمى والحرج والمرض. فقال ابن زيد هو الحرج في الغزو، أي لا حرج عليهم في تأخيرهم. وقيل هو في معنى المطاعم. واختلف من ذهب إلى ذلك في الحرج فيمن كان؟ فقيل كانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تجتنب الأكل مع أهل الأعذار. فبعضهم كان يفعل ذلك تقذرًا لجولان اليد
стр. 1332
من الأعمى ولانبساط الجلسة من الأعرج ولرائحة المريض، ونحو ذلك. وهي أخلاق جاهلية وكبر، فنزلت الآية مؤدبة. وقيل إن أهل هذه الأعذار كانوا المتحرجين من الأكل مع الناس، ثم اختلف لم، فقيل من أجل عذرهم، فنزلت الآية وقيل إن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو خلفوا أهل العذر في منازلهم وأموالهم فكان أهل العذر يجتنبون أكل مال الغائب فنزلت الآية مبيحة لهم أكل الحاجة من طعام الغائب إذا كان الغائب قد بنى على ذلك. وقيل كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئًا ذهب إلى بيوت قرابته فتحرج أهل الأعذار من ذلك، وقيل إن التحرج المذكور إنما كان من الناس وذلك لما نزلت: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ قالوا: لا مال أعز من الطعام وتحرجوا من الأكل مع أهل الأعذار مخافة عليهم فيقعون في أكل المال بالباطل إذ هم مقصرون عن درجة الأصحاء لعدم الرؤية من الأعمى والعجر عن المزاحمة من الأعرج ولضعف المريض. فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم ففي القول الأول التحرج مرفوع عن أهل الأعذار. وفي الآخر إنما هو مرفوع عن غيرهم من الناس. وفي القول الثاني آخرون. وقد جاء في الحديث ما ظاهره التعارض من ذلك والآية على أحد التأويلات المتقدمة حجة في الجواز. والذي ينبغي أن يقال في الآية أن الحرج مرفوع بها على الأصناف الثلاثة في كل ما يضطرهم إليه العذر. فكل تكليف يتعلق بالبصر فقد سقط عن الأعمى. وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه ولا يمكنه معه فعله سقط عنه تكليفه.
стр. 1333
وقوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم﴾ الآية:
عدد الله تعالى فيها البيوت التي أباح الأكل فيها بغير إذن. فبدأ تعالى ببيت الرجل نفسه إذ لا أخص به منه ولما لم يذكر تعالى من جملة البيوت بيوت الأبناء. قال جماعة من المفسرين إنه داخل في قوله تعالى: ﴿من بيوتكم﴾ لأن بيت ابن الرجل بيته. وهذه الآية تدل على أن للرجل أن يأكل من بيت ابنه من غير إذنه كما يأكل من بيت نفسه لأن له أن يأخذ ماله ويستحله. ثم ذكر بيوت الآباء، فأباح للآباء الأكل منها بغير إذن. ثم ذكر على نحو ذلك بيوت الأمهات ثم ذكر بيوت الإخوان وهم الإخوة ثم ذكر بيوت الأخوات ثم بيوت الأعمام ثم بيوت العمات ثم بيوت الأخوال ثم ذكر بيوت الخالات ثم قال: ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ قيل يعني ما دفعت إليكم مفاتحه لتكون تحت نظركم على ما يأتي ذكره بعد هذا. وقيل المراد ما ملك الرجل من متاع نفسه. وهذا ضعيف لأن ما تقدم من قوله: ﴿بيوتكم﴾ يغني عنه. وقيل معناه ما جزتم وصار في قبضتكم وعند جماعة من المفسرين أنه يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء بالمعروف. ثم قال تعالى: ﴿أو صديقكم﴾ فقرن الله تعالى الصداقة بالقرابة. قال معمر: قلت لقتادة: ألا تشرب من هذا الحب؟ قال أنت لي صديق فما هذا الاستئذان. وقال ابن عباس الصداقة أوكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين: ﴿فمان لنا من شافعين * ولا صديق حميم﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١] واختلف المفسرون في هذه الآية في قوله: ﴿أو بيوت آبائكم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح﴾ هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة وأنه لا يجوز أن يؤكل من بيت أحد إلا بإذنه. واختلفوا في الناسخ، فقال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] وقوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت
стр. 1334
النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقول النبي ﷺ : ((لا يحل من مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)). وقيل بل نسخها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧]. وإذا منعوا الدخول بغير استئذان، كان الأكل أولى أن يمنع إلا بإذن. وقال بعضهم نسخها قوله ﵊: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)) وقوله ﵊ في حديث عمر: ((لا يحلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه)). قال ابن زيد وكانوا في أول أمرهم ليس على أبوابهم غلق فكانت الستور مرخاة فربما جاء الرجل جائع فدخل البيت وليس فيه أحد فسوغه تعالى أن يأكل. ثم الآن صارت الأغلاق على البيوت فلا تحل لأحد أن يفتحها فذهب هذا وانقطع وقال ﷺ : ((لا يحلبن أحد من ماشية أحد إلا بإذنه)). وقيل الآية محكمة. ثم اختلفوا في تأويلها. فقال ابن عباس هي محكمة ناسخة لما أحدث المؤمنون عند نزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وذلك أنهم قالوا قد نهى عن أكل الأموال بالباطل، والطعام من أفضل الأموال فلا يحل لأحد أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن أكل بعضهم عند بعض. فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ... ﴾ الآية إلى آخرها.
ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل الآية على عمومها في الإذن وغير الإذن لأنها أباحت الأكل من هذه البيوت ولم يخص إذنًا من غير إذن إلا أنها خرجت على سبب الإذن، وبين الأصليين في ذلك اختلاف. فقال أبو
стр. 1335
عبيد إنما هو بعد الإذن لأن الناس إنما توقفوا عن الأكل بعد الإذن فأباحه الله تعالى. وقال غيره الأكل جائز بالآية من غير إذن وليس في الآية ذكر الإذن. وقال أكثر أهل التأويل هي محكمة وذلك أنهم كانوا إذا خرجوا مع النبي ﷺ وضعوا مفاتيحهم عند أهل العلة ممن يتخلف وعند قربائهم، فكانوا يأذنون لهم أن يأكلوا منها ويقولون نخشى أن لا تكون أنفسهم طيبة بذلك فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأحله لهم. واعتبار الإذن أيضًا على هذا القول يأتي على الخلاف المتقدم. وما أباح الأكل من بيوت هؤلاء الأصناف بغير إذن فإنما يبيحه إذا كان يسيرًا وعلم أن نفس صاحبه راضية.
وقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا﴾:
أباح بهذه الآية الأكل على انفراد ومع الغير وهذا رد لمذهب قوم من العرب كانت لا تأكل أفرادًا ألبتة. قاله الطبري وكانوا يسمون الذي يأكل وحده الموضع. وكان أحدهم إذا وضع طعامه ليأكل أو حلب لقحته ليشرب نادى من حوله، فإن أجابه أحد وإلا نصب عودًا أو خشبة عوض الأكل معه. وحكي أن رجلًا من العرب نزل واديًا وحلب لقحته ونادى من يشرب منعه، ورجل يسمعه فلم يجبه واختفى له. فأخذ عودًا أو خشبة فنصبها ثم أخذ الإناء ليشرب فخرج ذلك الرجل إليه فقال: يا موضع، اشرب وحدك، فخشي الآخر أن يعلم بذلك فيعير بالشرب وحده فعدا عليه بالسيف فقتله فلما جاء الإسلام نزلت الآية. ومن ذلك قول بعضهم:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلًا فإني لست آكله وحدي
стр. 1336
وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل معه فنزلت الآية مبينة سنة الأكل. ويؤخذ من الآية أيضًا أنه يجوز أن تجتمع الجماعة على طعام لهم فيأكلونه وإن تفاضلوا في الأكل. وقد كان يجوز أن يظن أن ذلك محرم كم حيث لا يستوون في الأكل ولا يستوون في قدر ما طرح بين أيديهم من الطعام. فأباح الله تعالى ذلك. وقد قال ابن عمر في قوم يأكلون تمرًا نهى النبي ﷺ عن القران إلا أن يستأذن الرجل أخاه وهذا كله معا المسامحة، وأما مع المشاحة فلا يجوز. وقد اختلف في النهبة في الطعام يوضع للأكل في الأعراس وما ينتثر على رؤوس الصبيان ونحو ذلك وفي الآية حجة للقول بالجواز لعموم الآية.
قوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾:
اختلف في البيوت المذكورة في الآية ما هي. فقيل المساجد، وهو قول النخعي، والمعنى فسلموا على من فيها من صنفكم فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء: السلام على رسول الله. وقيل يقول: السلام عليكم، يريد الملائكة ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. زاد بعضهم عن الحسن اللهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا. وقيل البيوت هي البيوت المسكونة، وهو قول جابر وابن عباس وغيرهما، والمعنى فسلموا على صنفكم أي ليسلم بعضكم على بعض. وذكر إسماعيل بن إسحاق أن المراد به أن يسلم الرجل
стр. 1337
على نفسه إن لم يكن هناك غيره فيكون المراد على هذا بالبيوت غير المسكونة ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وهذا القول أظهر على لفظ الآية. وقول من قال إن معنى قوله تعالى: ﴿فسلموا على أنفسكم﴾ أي يسلكم بعضكم على بعض فيه تجوز. وأما البيوت فأكثر ما يطلق عرفًا على بيوت السكنى سكنت أو لم تسكن. وقد اختلف فيمن حلف أن لا يدخل بيتًا فدخل المسجد هل يحنث أم لا؟
(٦٢) - قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله﴾:
اختلف في سبب الآية فقيل إنما نزلت في وقت حفر رسول الله ﷺ خندق المدينة وذلك أن بعض المؤمنين كان يستأذن لضرورة وكان المنافقون يذهبون دون استئذان. فأخرج الله تعالى الذين لا يستأذنون عن صنيفة المؤمنين وأمر النبي ﷺ أن يأذن للمؤمن الذي لا تدعوه ضرورة إلى حبسه وهو الذي يشاء وقيل نزلت في عمر بن الخطاب وكان استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له وقال له: ((يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك)) والأمر جامع يريد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لمصلحة. وروي عن مجاهد أن المراد به الجمعة والغزو. وقال الحسن الجمعة الأعياد وكل ما فيه خطبة. ولا شك أن المراد بقوله وإذا كانوا معه: أي مع الرسول. قال الحسن: ولا فرق بين الرسول ومن سواه من الأئمة فيما يلزم من استئذانهم لما في ذلك ن أدب الدين وأدب النفس واختلف في الإمام الذي يستأذن من هو؟ فقيل هو إمام الإمرة. وهو قول مكحول والزهري
стр. 1338
ولا خلاف في الغزو أنه يستأذن إمامه إذا كان له عذر يدعوه إلى الانصراف. واختلف في صلاة الجمعة إذا كان له عذر كالرعاف ونحوه هل يلزمه الاستئذان أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنه يلزمه الاستئذان للوالي إمام إمرة كان أو إمام صلاة. واحتجوا بالآية. وأنكر إسماعيل القاضي أن تكون الآية في ذلك المعنى. وقيل لا يلزمه إلا إن كان إمام إمرة. وقيل لا يلزمه الاستئذان وهو مذهب مالك. وقد مشى بعض الناس دهرًا على استئذان إمام الصلاة. وروي أن هرم بن حيان كان يخطب فقام رجل فوضع يده على أنفه وأشار إلى هرم بالاستئذان فأذن له فلما قضيت الصلاة كشف من أمره أنه ذهب لغير ضرورة فقال هرم: اللهم أخر رجال السوء لزمان السوء.
واختلف في قوله تعالى: ﴿فإذن لمن شئت منهم﴾ هل هو محكم أو منسوخ؟ فالمشهور أنه محكم. وقال قتادة هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لما أذنت لهم ... ﴾ الآية [التوبة: ٤٣].
(٦٣) - وقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾:
اختلف في تأويله، فقيل معناه لا تدعوا رسول الله كدعاء بعضكم بعضًا بالأسماء غير مهتبلين بذلك ولكن ادعوه بأشرف أسمائكم على مقتضى التوقير وذلك أن يقول يا رسول الله، برفق وبر. وهو قول مجاهد وغيره. وقيل المعنى لا تحسبوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض أي دعاؤه عليكم مجاب فاحذروه وهو قول ابن عباس وألفاظ الآية تدفع هذا
стр. 1339
المعنى مع أنه جاء عن النبي ﷺ ما يعضد المعنى الأول. روي أنه كان مرة يمشي إذ صاح رجل بآخر يا أبا القاسم. فرد رسول الله ﷺ رأسه إليه. فقال لم أعنك يا رسول الله. فعند ذلك قال رسول الله ﷺ : ((تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي)) وقد استدل بعض المتأخرين من هذه الآية على أنه يجوز أن يقال في الدعاء: ارحم محمد وآل محمد، كما يقال ذلك لغيره، فأنكر لفظ الرحمة. وهذا ضعيف بل ينبغي أن يجوز ذلك. وقد جاء في الحديث ما يعضده، وذلك أن أعرابيًا قال اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم معنا أحدًا. فقال النبي ﷺ : ((لقد حجرت واسعًا)) فلم ينكر ﷺ إلا التحجير، فدل إقراره على ذلك أنه جائز. وأما الاستدلال بالآية فضعيف وألفاظها تنبئ عنه.
قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ أمر منه تعالى باتباع نبيه والتحذير من مخالفته.
стр. 1340
سورة الفرقان
اختلف فيها هل هي مكية أو مدنية، فقيل هي مكية، وهو قول الجمهور، قيل هي مدنية وفيها آيات مكية قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ [الفرقان: ٦٨] وهو قول الضحاك. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(٣٠) - قوله تعالى: ﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا﴾:
يحتمل ﴿مهجورًا﴾ أن يكون من الهجر، يريد مبعدًا مقصى، وهو قول ابن زيد. ويحتمل أن يريد مقولا فيه هجر إشارة إلى قولهم شعر وكهانة وسحر، وهو قول مجاهد والنخعي. وفي قول ابن زيد تنبيه على تعاهد المصحف وأن لا يطرح في البيوت ولا يقرأ فيه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه ويسلم ما يعضده: قال: ((من علق مصحفًا ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقًا به يقول هذا اتخذني مهجورًا اقض يا رب بيني وبينه)).
стр. 1341
(٤٨) - قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾:
الطهور بناء مبالغة في الظاهر وهو مقتضي عند أكثر الفقهاء الطهارة والتطهير خلافًا لمن لا يرى أنه لا يقتضي إلا الطهارة الخاصة. وقد تقدم الكلام على هذه المعنى.
(٦٣) - قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم﴾:
مدح الله تعالى عباده بالمشي هونًا. فمن الناس من رد الهون إلى أخلاق الماشي ومنهم من رده إلى المشي. ومن رده إلى الأخلاق اختلفوا في العبارات عن تفسيره والمعنى واحد. فقال مجاهد بالحلم والوقار. وقال ابن عباس بالطاعة والعفاف والتواضع. وقال الحسن: حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. ومن رده إلى المشي قال: مشيًا هونًا أي رويدًا. وروي عن الزهري أنه قال سرعة المشي يذهب بها بهاء الوجه. وهذا ضعيف إذ رب ماش هذه المشية وهو خداع مكار. قال بعضهم:
كلهم يمشي رويدًا ... كلهم يطلب صيدًا
وقد كان النبي ﷺ يتكفأ في مشيه كانه يمشي في صبب. وقال زيد بن أسلم: كنت أسأل عن هذه الآية فما وجدت في ذلك شفاء فرأيت في النوم من جاءني فقال: هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض فهذا التفسير راجع إلى الخلق.
стр. 1342
قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾:
الجاهلون عام في الكفار وغيرهم من جاهلي المؤمنين. واختلفوا في معنى سلامًا. فقيل معناه تسلمًا أي براءة وقيل معناه أن يقال لهم قولًا سدادًا أي كلامًا برفق ولين. وقيل إنه يحتمل أن يراد به التحية، قاله بعض شيوخنا المتأخرين. وهذا القول في حق الجاهليين من المؤمنين محكم غير منسوخ لأن حمل جفاء المسلم حسن ما لم يعد بمضرة. ولا بأس أن يسلم عليه بالتحية ويقابل بالقول الحسن. قال بعض شيوخنا وكذلك هي في حق الذمي الآية محكمة لأن الله تعالى قد أذن في ملاينته وبره ولا في احتمال جفائه فإن ذلك لا يجوز لمسلم بحال. وأما الحربيون فالآية منسوخة في حقهم باتفاق وهذا من باب تخصيص العموم، والمفسرون يسمونه نسخًا وقد اختلف المفسرون في ذلك. والذي اعتمد عليه المفسرون أنها منسوخة في الكفار بآية السيف لأنها اقتضت الموادعة والمسالمة. وقد ذكر سيبويه النسخ في هذه الآية في كتابه، وما تكلم على نسخ سواه، ورجحه بأن المؤمنين لم يؤمروا بالسلام على الكفار. وقال المبرد كنا ينبغي أن يقول: لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم.
وجاء في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي وكان من المائلين
стр. 1343
على علي بن أبي طالب قال يومًا بمحضر المأمون وعنده جماعة: كنت رأيت عليًا بن أبي طالب في النوم فقلت له: إنما تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك. فما رأيت في الجواب بلاغة كما يذكر عنه. قال المأمون وبماذا جاوبك؟ قال: كان يقول لي سلامًا سلامًا. قال الراوي وكان إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت فنبه المأمون على الآية من حضره وقال: هو والله يا عم علي بن أبي طالب وقد جاوبك بأبلغ جواب. فخزي إبراهيم واستحيى.
(٦٤) - قوله تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا﴾:
في هذه الآية تحريض على قيام الليل للصلاة. وقال بعض الناس من صلى العشاء الأخيرة وشفع وأوتر فهو داخل في هذه الآية.
(٦٧) - قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾:
اختلف في تأويل الآية فقال بعض المفسرين: الذي لا يسرف هو المنفق في الطاعة وإن أسرف المسرف هو المنفق في المعصية وإن قل إنفاقه، والمقتر هو الذي يمنع حقًا عليه، وهو قول ابن عباس وغيره. وقيل الإسراف أن تنفق مال غيرك، الإقتار التقصير فيما يجب عليك والقوام النفقة بالعدل والاستقامة. والأحسن أن يقال إن هذا كله في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأراد تعالى أن لا يفرط الإنسان حتى يضيع حق
стр. 1344
آخر أو عيالًا ونحو هذا وأن لا يضيق ولا يقتر حتى يجيع العيال ونحو ذلك، وأن يجري في ذلك إلى القوام أي المعتدل وذلك في كل أحد بحسب حاله. وإنما ترك رسول الله ﷺ أبا بكر يتصدق بجميع ماله لأن ذلك له قوام بحسب جلده وصبره. وإلى نحو هذا ذهب النخعي وغيره وقد تقدم الكلام على كثير من أحكامه.
(٦٨) - (٦٩) - قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ إلى قوله: ﴿إلا من تاب﴾:
قد تقدم الكلام على أحكام هذه الآية.
(٧٢) - قوله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾:
الزور كل الباطل، فأعظمه الشرك وبه فسر الضحاك وابن زيد. ومنه الغناء وبه فسر مجاهد. ومنه الكذب وبه فسر ابن جريج. ويشهدون على القولين الأولين من المشاهدة، وعلى القول الثالث من الشهادة لا من المشاهدة. فالمراد الشهادة بالزور، وهو قول علي بن أبي طالب وغيره.
وقوله: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾:
اللغو كل ما يسقط من قول أو فعل، ويدخل فيه الغناء وجميع اللهو وغير ذلك مما قارنه. ويدخل فيه سفه المشركين وأذاهم للمؤمنين وذكر
стр. 1345
النساء وغيره من المنكر. كرامًا معناه معرضين مستحيين يتجافون عن ذلك ويصبرون على الإذن فيه. روي أن عبد الله بن مسعود سمع غناء فأسرع في مشيه وذهب فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ((لقد أصبح ابن أم عبد كريمًا)) وقرأ الآية. وأما إذا مر المسلم بمنكر فكرهه أن يغيره، وحدود التغيير تختلف باختلاف الأحوال.
стр. 1346
سورة الشعراء
هي مكية كلها في ما قاله الجمهور. وقال مقاتل منها مدنية الآية التي يذكر فيها الشعراء وقوله تعالى: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل﴾.
(٢٢٤) - (٢٢٧) - قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم فيكل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾:
اختلف في الاشتغال بالشعر. فرآه الجمهور كالكلام، حسنه كحسنه وقيبحهكقبيحه، وهذا نص قول الشافعي ويعضد هذا قوله ﵊ من الاستشهاد به في مواضع جملة ما لا ينكر. ولم يجز قوم الاشتغال بشيء منه قليلًا كان أو كثيرًا واحتجوا بالآية المتقدمة وبأحاديث منها أنه ﵊ كان إذا افتتح الصلاة يستعيذ من الشيطان الرجيم وهمزه ونفثه ونفخه وفسروه بأن نفثه الشعر ونفخه الكبر وهمزه المنونة. ومنها قوله ﵊: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خيرًا له من أن يمتلئ شعرًا)) ومنها أنه ﷺ قال لما نزل إبليس
стр. 1347
إلى الأرض قال: ((يا رب اجعل لي قرآنا)). قال الشعر. ومنها أنه روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: من قال ثلاثة أبيات من الشعر من تلقاء نفسه لم يدخل الفردوس. ومنها أن ابن مسعود قال: الشعر من أمر الشيطان. ومنها أنهم قالوا أن الحسن كان لا ينشد شعرًا. قال الطبري: وهذه أخبار واهية لا يجوز الاحتجاج بها والصحيح في ذلك ما قد عارضها من الأخبار وذكر عن عمر وعلي وجلة الصحابة أنهم ينشدون الأشعار. وقال أهل التأويل يتبعهم غواة الناس ومردة الشياطين ويروون شعرهم لأن الغاوي لا يتبع إلا غاويًا مثله.
(٢٢٥)، (٢٢٦) - وقوله: ﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾:
أي يمدحون ويذمون بما ليس في الممدوح والمذموم فهم كالهائم على وجهه والهائم المخالف للقصد. عن أبي عبيدة: وأنهم يقولون ما لا يفعلون أي يكذبون. والمراد بقوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾: ابن رواحة وحسان وكعب بن مالك، هكذا روي عن ابن عباس.
﴿وذكروا الله كثيرًا﴾ قال ابن عباس في خلال كلامهم. وقال ابن زيد في شعرهم. وقيل لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله. ﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ يعني ردوا على الكفار الذين كانوا يهجون النبي ﷺ . قال الطبري: ولا خلاف أن حكم الاستثناء مخالف للمستثنى منه فوضح أن المذموم من الشعراء غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ممدوحون غير مذمومين.
стр. 1348
سورة النمل
مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ.
стр. 1349
سورة القصص
وهي مكية إلا قوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ [القصص: ٨٢].
نزلت هذه الآية بالجحفة وقت هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، قاله ابن سلام وغيره. وقال مقاتل فيها من المدني: ﴿الذين آتيناهم الكتاب ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥]. وأطلق مكي القول على هذه السورة لأنها مكية ولم يخصص منها شيئًا وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(١٧) - قوله تعالى: ﴿قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرًا للمجرمين﴾:
احتج جماعة من أهل العلم بهذه الآية في المنع من خدمة أهل الجور ومعونتهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تتناول ذلك. نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره.
стр. 1350
(٢٧) - قوله تعالى: ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرًا فمن عندك﴾:
هذه الآية لا كلام فيها على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا. وأما على قول من لا يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا -وهو مذهب أكثر الأصوليين- فيحتاج إلى نظر. وقد قال مكي: فيها خصائص في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول المدة وجعل المهر إجارة ودخل ولم ينقد شيئًا. الذي يقال في هذا أنه يحتمل أن أمر النكاح عرض على موسى مجملًا، فلما أجاب موسى إلى المصاهرة وقع التعيين، أو لعل هذا كان جائزًا في شريعة موسى النكاح بغير تعيين ويكون مفوضًا إلى الولي أو إلى الزوج ولا يمنع من ذلك مانع. إلا أن هذا الوجه الآخر مرفوع بشريعتنا والأول مبقي على حكمه. وأما المدة، فليس في ألفاظ الآية ما يدل على ترك مراعاتها بل الأمر مسكوت عنه. فإما أن يكون معلومًا عندهم ولم يذكر في الآية، وإما أن يكون مسكوتًا عنه عندهم أيضًا كما وقع في الآية. وإذا كان كذلك فهو من يوم العقد كسائر عقود الإجارات والأكرية وذلك في شريعتنا محكم معمول به. أو لعله كان في تلك الشريعة إسقاط تعيين وقت الإجارة جائزًا ثم رفع في شريعتنا وأما النكاح بالأجرة فبين في الآية وقد جاء في شريعتنا وزانه وهو إنكاح النبي ﷺ التي وهبت نفسها له الرجل الذي سأله إنكاحها منه ولم يكن عنده إلا آيات يحفظها فأمره أن يعلمها ما عنده من القرآن ويتزوجها بذلك. فهذا تزويج بإجارة. إلا أنه اختلف هل ذلك باق في شريعتنا اليوم مثل ما كان عليه أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنه غير باق وأن ذلك كان خاصًا بالنبي ﷺ . وذهب بعضهم أيضًا إلى مثل ذلك
стр. 1351
إلا أنه قال إن منسوخ. وذهب جماعة إلى أنه محكم وأن ما كان في شريعة من قبلنا من ذلك جاز في شريعتنا. ولهذا اختلف في النكاح بالأجرة على أربعة أقوال. فقيل إنه مكروه وإن وقع مضى. وإليه ذهب أصبغ ورواه عن ابن القاسم وهو ظاهر قول مالك. وقيل إنه ممنوع. وقيل إ، كان معه نقد جاز وإن لم يكن نقد لم يجز. وقيل هو جائز من غير تفصيل. وأما النقد فلا ينبغي أن يعترض به لأن الإجارة إذا كانت هي الصداق، ولم يدخل حتى صنع ما استؤجر فيه، فقد وقع النقد. ولو دخل قبل ذلك فالدخول بغير نقد ليس بحرام عندنا إذا كان في أصل العقد صداق وإنما هو مختلف فيه بالكراهة والجواز. وقد تقدم الكلام على نحو هذا. ولفظ الآية في قوله تعالى: ﴿أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ يدل على جواز أن يكتب في الصداق أنكحه إياها. وقد اختلف في الاختيار من ذلك. فبعضهم يختار أنكحه إياها ويحتج بلفظ الآية. وبعضهم يختار أنكحها إياه، لأنه إنما يملك النكاح عليها لا عليه. وقد استدل مالك بهذه الآية على إنكاح البكر بغير استئمار. قال لأنه لم يذكر فيها استئمارًا. واحتجاج مالك رحمه الله تعالى بالآية يدل على أن شريعة من قبلنا لازمة لنا على مذهبه إذا لم يكن توجه الخطاب إلينا دون من قبلنا قول الله : ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٣٢] لأنه أمر بإنكاح الأيامى من الأحرار والعبيد ولم يذكر في ذلك استئمارًا ولا خص أبًا من غيره. فوجب بظاهر هذه الآية أن لا يستأمر الأب ولا غيره من الأولياء الأيامى من
стр. 1352
الأحرار وهن اللواتي لا أزواج لهن، كما لا يستأمر السيد عبده ولا أمته في النكاح إذ جاءت الآية في ذلك كله مجيئًا واحدًا، فخصصت السنة من ذلك من عدا الأب من الأولياء. وتخصص أيضًا كذلك الأب في ابنته الثيب وبقي الأب في ابنته البكر على عموم الآية يزوجها دون استئمار كما يزوج السيد عبده وأمته. وقد تقدم الكلام على هذا بما فيه شفاء إن شاء الله تعالى. واختلف الناس في المنكح لموسى ﵇ من هو. فقيل شعيب النبي وقيل ابن أخ شعيب واختلفوا في اسمه، فقيل ثروان وقيل يثرون وقيل هو رجل صالح ليس من شعيب بنسب. وقيل إن المرأتين إنما أرسلهما عمهما وهو كان صاحب الغنم وهو المزوج، لكن عبر بالأب عن العم في جميع الأمر إذ هو بمثابته. واختلف في الزوجة من المرأتين من كانت. فقيل الكبرى وقيل الصغرى. وقال النقاش كانتا توأمتين وولدت الأولى قبل الأخرة بنصف نهار. واختلف في اسم المتزوجة. فقيل صفورة وقيل صوريا وقيل غير ذلك. واختلف في الداعية لموسى إلى أبيها من كانت منهما. فقيل الكبرى، وقيل الصغرى.
(٥٥) - قوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾:
اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة وقالوا إنما هي قول حسن ومخاطبة جميلة، وذكر الأكثر أنها منسوخة. واختلفوا في تأويلها فمنهم من رآها كلها في مهادنة الكفار وأن
стр. 1353
السلام فيها بمعنى التسليم قالوا فهي منسوخة بآية السيف. ومنهم من رأى أيضًا الآية في المهادنة ورأى أن السلام في الآية بمعنى التسليم وأنها مبيحة للسلام على الكفار. قالوا نسخها نهي النبي ﷺ عن ابتداء الكفار بالسلام ولا يكفي على هذا القول في نسخ جميع معنى الآية على ما فيها من المهادنة. ومن هذا القول أيضًا أن خبر الآحاد نسخ القرآن، وهذا مما يجوز على قول الجمهور. فالصحيح من القولين في الآية أنها كلها منسوخة بآية السيف.
стр. 1354
سورة العنكبوت
مكية. قال بعض المفسرين إلا العشر الآيات التي في صدرها فإنها مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(٨) - قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم ... ﴾ الآية:
سيأتي الكلام على هذه الآية في سورة لقمان.
(١٥) - قوله تعالى: ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة﴾:
استدل بعضهم بهذه الآية على أن ساكن الدار يدعى صاحبها وإن لم تكن له ملكًا.
(٤٦) - قوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾:
اختلف هل هي محكمة أو منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا فذهب ابن زيد إلى أنها محكمة يراد بها من آمن من أهل الكتاب لأنه قال: ((لا تجادلوا المؤمنين منهم إذا سلموا)) لعلهم يحدثون بالشيء فيكون كما قالوا فذلك أنهم كانوا يفسرون التوراة بالعربية. روي عن
стр. 1355
رسول الله ﷺ أنه قال: ((لا تصدقوهم فيما يقولون ولا تكذبوهم)).
وقوله: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾:
أي إلا من أقام على الكفر فإنه يجادل ولا يقبل منه قول. وذهب مجاهد إلى أنها محكمة يراد بها ذوو العهد ألا يجادلوا، وإنما يجادل من لم يعط الجزية ويقاتل. وذهب قتادة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩].
(٤٨) - قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وما كنت تتلوا من قبله من قرآن ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾:
اختلف هل كتب النبي ﷺ أم لا؟ فذهب الشعبي إلى أنه كتب. قال ما مات النبي ﷺ حتى كتب ومن حجته أنه عليه الصلاة السلام رأى صحيفة لعيينة بن حصن فأخبر بمعناها. ومن ذلك حديثه ﷺ في كتب اسمه في صحيفة المهادنة يوم الحديبية. خرج البخاري أنه قال لعلي: ((أرني اسمي)) فمحاه وكتب بيده وإلى هذا ذهب الباجي في المسألة المشهورة. والأصح من القول أنه ﷺ لم يكتب وحجة ذلك الآية وأكثر النقلة عليه.
стр. 1356
سورة الروم
مكية وفيها من الأحكام.
(٣٨) - (٣٩) - قوله تعالى: ﴿فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فأولئك هم المضعفون﴾:
(٣٨) - قوله: ﴿فآت ذا القربى حقه﴾: قال مجاهد وقتادة هو قريب الرجل وصلة الرحم فرض من الله جل ذكره. وقال قتادة إذا لم تعط ذا قاربتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته.
وقيل القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ المذكورون في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١]. والمراد بإيتاء المساكين وابن السبيل في الآية مواساتهم بالمال وغيره.
(٣٩) - قوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من ربًا ليربوا في أموال الناس ... ﴾:
قال ابن عباس وغيره نزلت في هبة الثواب أي فليس له أجر ولا عليه إثم. وقيل في الآية غير ذلك مما إذا نظر رجع إلى هذا القول. ويحتمل أن تكون الآية في النهي عن الربا في التجارات. وقد قال السدي:
стр. 1357
نزلت هذه الآية في ربا ثقيف لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش.
وقوله: ﴿وما أوتيتم من زكاة﴾ أي من غير عوض. ويحتمل أن يريد الزكاة المفروضة.
(٥٢) - قوله تعالى: ﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾:
انظر الكلام على مثل هذا في سورة النحل.
стр. 1358
سورة لقمان
هذه السورة مكية. قال قتادة غير آيتين، أولهما: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ... ﴾ إلى آخر الآيتين. وقال ابن عباس إلا ثلاث آيات أولهن: ﴿ولو أنما في الأرض﴾ إلى آخر ثلاث آيات. وفيها مواضع من الأحكام.
(٦) - قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾:
اختلف في سببها. فقيل نزلت بسبب قريشي اشترى جارية مغنية لتغني بهجاء النبي ﷺ . ولم يسم بعضهم القرشي، وسماه بعضهم فقال هو ابن خطل. وروي أن النبي ﷺ قال: ((شراء المغنيات وبيعهن حرام)). وقرأ هذه الآية وقال في هذا المعنى نزلت، وبهذا فسر ابن عباس وغيره الآية. وقيل نزلت في النضر بن الحارث لأنه اشترى كتب رستم وأسفندياز وكان يخلف رسول الله ﷺ فيحدثهم بتلك الأباطيل ويقول: أنا أحسن الناس حديثًا من
стр. 1359
محمد. وقيل الشراء في الآية مستعار وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بالإسلام وخوضهم في الأباطيل. وأحسن ما تفسر به الآية -إن كانت خرجت على سبب- أن لهو الحديث كل ما يلهي من غناء وخناء ونحوه. فكل ما ألهى محرم بهذه الآية ونحوها. ولا خلاف أن الغناء بالآلة محرم وإنما اختلف فيه بغير آلة. وظاهر الآية تحريمه إلا أن يتأول. فقال مكحول من كانت له جارية مغنية فمات لم أصل عليه لقول الله : ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ إلى قوله: ﴿عذاب﴾. ورجح أبو الحسن القول بأن لهو الحديث ما قاله الحسن إنه الكفر والشرك، وما قاله غيره من قصة النضر بن الحارث ونحو ذلك وأبعد أن يكون الغناء. قال لأن الغناء لا يطلق عليه أنه حديث ولا أنه إضلال عن الدين. وقد تقدم الكلام على كثير من معاني هذه الآية.
(١٤)، (١٥) - قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه ... ﴾ إلى قوله: ﴿ثم إلي مرجعكم﴾:
في هذه الآية وجوب بر الوالدين. وقد تقدم الكلام عليه.
(١٤) - وقوله: ﴿وفصاله في عامين﴾ إشارة إلى تقدير مدة الرضاع فعبر عنه بغايته. والناس متفقون على تحديد العامين في مدة الرضاع في باب النفقات والأحكام المتعلقة. وأما في تحريم اللبن فقد مر الكلام عليه مستوعبًا.
(١٥) - قوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ... ﴾ الآية:
стр. 1360
نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وذلك أنه حين أسلم حلفت أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية أن لا تأكل ولا تشرب حتى يرجع إلى دين قومه، فلج سعد في الإسلام، وكانت إذا أفرط عليها الجوع والعطش فتحوا فاها وصبوا فيه ما يمسك رمقها فلما طال عليها ورأت سعدًا لا يرجع أكلت، فنزلت الآية. قاله سعد بن أبي وقاص. ولما تقدم في الآية ما يقتضي طاعة الوالدين مطلقًا، واحتمل أن يطاعا ولو في معصية، بين الله تعالى أن الآية على غير ذلك وأنهما لا يطاعان في الكفر ونحوه من المعاصي. فقال تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ... ﴾ الآية فعلى هذا تلزم طاعتهما في المباحات، وأما المندوبات -كالجهاد إذا كان على الكفاية وإجابة الأم في الصلاة إذا خيف عليها هلكة مع إمكان الإعادة أو المشي إلى الصلاة في جماعة ونحو ذلك- فالأكثر على أنها تلزم طاعتهما في ذلك كله. وخالف الحسن فقال: إن منعته أمه من شهود العشاء الأخيرة شفقة فلا يطعها والأول أجرى على ظاهر الآية. وكذلك اختلف في تأخيره الحج إن لم يأذن له في أحد الأبوين.
وقوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾:
يعني الأبوين الكافرين، أي صلهما وادعهما برفق. ومن ذلك حديث أسماء بنت أبي بكر حين قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: ((نعم)). وقد قال العلماء إن الابن تلزمه نفقة أبويه وإن كانا كافرين. قاله مالك وغيره.
стр. 1361
سورة السجدة
هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا لا يستوون﴾ [السجدة: ١٨] إلى تمام ثلاث آيات. وقال جابر بن عبد الله ما كان رسول الله ﷺ ينام حتى يقرأ: الم السجدة، وتبارك الذي بيده الملك. وفيها موضعان من الأحكام والنسخ.
(١٦) - قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع ... ﴾ الآية.
اختلف في تأويل الآية، فقال أنس بن مالك أراد بهذه الآية الصلاة بين المغرب والعشاء وقال عطاء وغيره أراد صلاة العشاء الأخيرة. وقال الضحاك هو أن يصلي العشاء والصبح في جماعة. وقال ابن عباس عني بذلك ملازمة ذكر الله تعالى، كلما استيقظوا ذكروا الله إما في صلاة وإما في قيام وإما في قعود على جنوبهم. وقال الجمهور أراد بها التجافي في صلاة النوافل بالليل، وبه قال مالك رحمه الله تعالى. وهذا التأويل أظهر وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ يذكر فيها قيام الليل ثم يستشهد بهذه الآية.
стр. 1362
ورجح الزجاج هذا القول بأنهم جوزوا بإخفاء فدل على أن العمل إخفاق أيضًا وهو قيام الليل. وقد قال عبد الله بن رواحة:
يبيت تجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ قيل يعني الزكاة المفروضة. وقيل النوافل والصدقات غير المفروضة. وهذا القول أظهر لأنه أمدح.
(٢٣) - قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا﴾:
في هذه الآية مهادنة الكفار. وهذا مما نسخته آية الجهاد.
стр. 1363
سورة الأحزاب
مدنية. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(٤) - قوله تعالى: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللاتي تظاهرون منهن ... أمهاتكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والله يقول الحق﴾:
اختلف في سبب الآية، فقيل إن بعض المنافقين قال: إن محمدًا له قلبان لأنه كان في الشيء فنزع في غيره ثم عاد إلى شأنه الأول. فقالوا ذلك عنه فنهاهم الله تعالى عنه وقيل بل بسبب أنه كان في قريش في بني فهد رجل منهم يدعي أن له قلبين وأنه أذكى من محمد ﷺ وكان يدعى ذا القلبين. فلما وقعت هزيمة بدر طاف لبه وحدث أبا سفيان كالمختبل، فنزلت الآية بسببه نفيًا لدعواه. واختلف في اسم ذلك الرجل فقيل أبو معمر، وقيل عبد الله بن خطل. وإنما جاء هذا اللفظ في الآية مقدمًا توطئة لما بعده وذلك أن بعده: إن الأزواج المتظاهر منهن لا يكن أمهات وأن الأدعياء لا يكونون أبناء. فأراد تعالى أنه كما لا يكون لرجل قلبان في
стр. 1364
جوفه؛ كذلك لا يكون الأزواج أمهات ولا الأدعياء أبناء. وذلك أن العرب كانوا إذا حرم أحدهم زوجته جعلها عليه كامه ويعتقدون في الأدعياء أنهم أبناء، فأبطل الله تعالى ذلك، وأنزل أحكام الظهار إذا وقع، وسيأتي الكلام عليه في سورة المجادلة إن شاء الله تعالى. ونفى أن يكون الأدعياء أبناء، وذلك بسبب زيد بن حارثة وكان يدعى زيد بن محمد؛ وذلك أنه كان عبدًا لخديجة فوهبته لرسول الله ﷺ ، وذلك قبل البعثة، وأعتقه رسول الله ﷺ . فاختار البقاء مع النبي ﷺ على حريته، فقال النبي ﷺ : ((يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه)) فرضي بذلك أبوه وعمه وانصرفا.
وقوله: ﴿ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ تأكيد للقول.
(٥) - ثم قال تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم .. ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح﴾:
فأمر بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب وأن لا يدعوهم إلى من تبناهم كما كان يفعل أولًا فمن جهل ذلك فيه كان مولى وأخًا في الدين. فقال الناس: زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة وغير ذلك. ذكر الطبري أن أبا بكر قرأ هذه الآية ثم قال: أنا ممن لا يعرف أبوه فأنا أخوكم في الدين ومولاكم. قال الراوي عنه: ولو علم أن أباه حمار لانتمى إليه. وأهل الحديث يقولون في أبي بكرة: نفيع بن الحارث وهذه الآية ناسخو لما قد كان قبلها جائزًا في السنة من تنمية الرجل المتبنى إلى متبنيه بالبنوة كما ينسب إلى أبي الصلب وذلك إنه قد كان النبي ﷺ أقر ذلك حتى نزلت
стр. 1365
الآية. فهذا من نسخ السنة بالقرآن. وبين الأصوليين فيه تنازع.
(٥)، (٦) - قوله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين﴾:
اختلف في الخطأ والعمد في الآية ما هو؟ فقالت فرقة: خطأهم كان فيما سلف من قولهم ذلك. وهذا ضعيف؛ لأنه لا يتصف بشيء، لأنه خطأ إلا بعد النهي. وقال الجمهور: الخطأ ما كان من غير قصد. ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل الآية على العموم أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنها خاصة، وأن رفع الحرج إنما هو جري على العادة من نسبة زيد إلى محمد، وغير ذلك مما يشبهه، وأن الجناح في التعمد، إلى نحو ذلك، وهو قول قتادة وغيره. وذهب قوم إلى أنها عامة في كل شيء يتعمده فاعله وهو مما لو تعمده لزمه حكم. على هذا يأتي اختلاف الفقهاء فيمن حلف أن لا يفارق غريمه حتى يقضي، فقضاه ثم وجد فيما قضاه زائدًا أو ناقصًا. وفيمن حلف أن لا يسلم على رجل فسلم عليه وهو لا يعلم. فذهب عطاء وغيره إلى أنه لا يحنث من فعل ذلك غير متعمد وحجته عموم الآية وقوله ﵊: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) وقوله: ((ما أخشى عليكم الخطأ وإنما أخشى عليكم العمد)) وأكثر الفقهاء يرون الحنث في ذلك ونحوه ويحملون عموم الآية في الأحاديث على الخصوص. وكذلك اختلفوا فيمن أفطر في
стр. 1366
رمضان ناسيًا هل عليه قضاء؟ وكذلك اختلفوا فيمن صلى ناسيًا بجنابته هل عليه إعادة؟ وعموم الآية ما يمكن أن يحتج به في جميع ذلك.
(٦) - قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾:
اختلف في تأويلها، فقيل المعنى إن النبي ﷺ إذا أمر بشيء أو نهى عنه ثم خالفت إلى أمور نفسه كان أمر النبي ﷺ أولى أن يتبعه من أمر نفسه. وقيل معناه إن النبي ﷺ أولى بالحكم من الإنسان مما يحكم به الإنسان في نفسه لوجوب طاعته ﵊ هذا في حق الولاية من قبل المؤمنين. وأما من قلب النبي ﷺ فالذي ينبغي أن يقال فيه إنه الرفق والتلطف والمن والعطف. فمن ذلك ما روي أن النبي ﷺ في صدر الإسلام كان لا يصلي على ميت عليه دين. فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالًا فلورثته ومن ترك دينًا أو ضياعًا فعلي، أنا وليه فاقرأوا إن شئتم: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾)) فالآية على هذا ناسخة للسنة.
قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾:
جعل أزواج النبي ﷺ تشريفًا لهن مثل الأمهات للمؤمنين أي أنهن يجب برهن كما يجب بر الأمهات ويحرم نكاحهن كما يحرم نكاح الأمهات وحجبهن ﵅ بخلاف الأمهات. وقد اختلف هل كان يحرم عليه ﷺ حرائر الكتابيات أم لا؟ واستدل من قال بالتحريم بقوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ولو تزوج ﵇ كافرة لكانت أمًا للمؤمنين.
стр. 1367
قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مسطورًا﴾:
بين تعالى في هذا أن أولي الأرحام أحق بالتوارث مما كانت الشريعة قررته من التوارث بالأخوة والهجرة، فإنه كان في صدر الإسلام بالمدينة توارث بهذين الوجهين، واختلفت الروايات في صفته. فالآية على هذا ناسخة، رد الله تعالى بها المواريث على الأنساب. وقد تقدم الكلام على هذا في سورة الأنفال. وقوله: ﴿في كتاب الله﴾ يحتمل أن يريد القرآن ويحتمل أن يريد اللوح المحفوظ.
وقوله تعالى: ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفًا﴾:
قال قتادة وغيره: يريد الإتيان في الحياة والصلة والوصية عند الموت وهذا كله جائز أن يفعل مع ولي المؤاخاة والهجرة والقريب الذي ليس بوارث وإن كان كافرًا. واختلفوا هل يجوز أن يجعل الكافر وصيًا أم لا؟ فجوز بعض ومنع بعض ورد النظر إلى السلطان بعض منهم مالك رضي الله تعالى عنه. فإن قيل بالمنع فالآية في المؤمنين خاصة، وإلى هذا ذهب مجاهد وابن زيد والرماني وغيره. أو يقال في المؤمنين والكافرين فيما دون إثبات الوصية منهم. ومن أجاز حمل الآية على العموم ولم يخصص منها شيئًا من شيء.
وقوله: ﴿كان ذلك في الكتاب مسطورًا﴾:
يحتمل الوجهين المتقدمين من كتاب الله تعالى أو اللوح المحفوظ.
وقد قال بكل من الوجهين جماعة.
(٢١) - وقوله تعالى: ﴿لقد كان في رسول الله أسوة حسنة﴾:
يحتج به بعض الناس في وجوب التأسي بأفعال النبي ﷺ .
стр. 1368
(٢٨)، (٢٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾:
اختلف في سببها. قيل غيرة عارتها عائشة. وقال ابن زيد وقع بين أزواج النبي ﷺ تغاير ونحو مما شقي هو به فنزلت الآية بسبب ذلك. وقال ابن الزبير: سببها أن النبي ﷺ سأله أزواجه النفقة وتشططن ف تكليفه منها فوق وسعه. وقال قوم سببها أنهن طلبن منه ثيابًا وملابس. وقالت واحدة لو كنا عند غير النبي ﷺ لكان بنا حلي ومتاع. واختلف هل في هذه الآية تخيير لنسائه ﷺ في الطلاق أم لا؟ فهذب بعض إلى أنه لا تخيير فيها، قالوا وإنما أمر رسول الله ﷺ بتلاوتها عليهن وتخييرهن بين الدنيا والأخرة وأمر الطلاق مرجوء فلو اخترن أنفسهن نظر هو كيف يسرحهن وليس فيه تخييرهن في الطلاق لأن التخيير يضمن ثلاث تطليقات وهو قد قال: ﴿وأسرحكن سراحًا جميلًا﴾ وليس مع بت الطلاق سراح جميل. فعلى هذا القول لفظ السراح لا يقتضي البتات. وقالت فرقة بل هي آية تخيير في الطلاق واخترنه فلم يعد ذلك طلاقًا وهو قول عائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته، قالت قد خيرنا رسول الله ﷺ أفكان طلاقًا. وفي رواية أخرى ما خيرناه فلم يعد طلاقًا ووجه القول الأول أن يقال إن هذا التخيير من النبي ﷺ وإن لم يكن فيه ذكر الطلاق فإنه كناية عن الطلاق على شرائطه. وقال بعضهم الآية وإن لم يكن فيها تخيير في الطلاق ففيها إخبار من النبي ﷺ لأزواجه لأنه يطلقهن. وهو إخبار لا خلف
стр. 1369
فيه لأن الله تعالى أمره به فأشبه التخيير في وحوب الطلاق للمخيرة باختيارها نفسها. وأما من غير النبي ﷺ فليس ذلك بتخيير ولا فيه شبهة منه وإنما هو عدة بالطلاق إن اختارته. وهذا أصح ما ينبغي أن يقال في الآية. وقد اختلف في التخيير والتمليك اختلافًا كثيرًا إذا لم يرد فيه نص من قرآن أو أثر. فذهب بعضهم إلى أنه لا تخيير لهما وأن المرأة لا يكون لها شيء من ذلك وإن خيرت أو ملكت. وذهب بعضهم إلى أن نفس التخيير والتمليك طلاق قبلته أو ردته، روي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁. وفرق ربيعة بين التخيير والتمليك فلم ير للتخيير شيئًا ورأى التمليك واحدة بائنة وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب جماعة إلى أن التخيير والتمليك موقوف على جواب الزوجة.
فأما القول الأول فيرده من جهة النظر أنه لو لم يكن له تأثير لما أمر النبي ﷺ وهو لا تأثير له. والآية وإن لم تكن تخييرًا محضًا فهو يشبه التخيير كما قدمنا. وأما الثاني فيرده قول عائشة رضي الله تعالى عنها: فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئًا. والفرق بين التخيير والتمليك غير بين فلا معنى له. وأصحها القول الرابع وهو الذي يعضده النظر ومفهوم الآية. إلا أن الذين ذهبوا إليه اختلفوا فيما يكون قضاء الزوجة. فمنهم من جعل قضاء الزوجة في ذلك بتاتًا. ومنهم من جعله واحدة بائنة، ومنهم من جعله واحدة رجعية، ومنهم من جعله على ما قضت به إن واحدة وإن ثلاثًا، ومنهم من جعله على ما نوى الزوج مع يمينه. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه لا قضاء للمرأة في التخيير إلا بالثلاث وأن لها القضاء في التمليك بما شاءت إلا أن للزوج أن يناكر فيه وليس له أن يناكر في التخيير بعد الدخول. واحتج بعضهم للتخيير بأنه الثلاث فقال إنما كان ذلك لأن معنى التخيير التسريح. قال الله تعالى في آية التخيير ﴿فتعالين
стр. 1370
أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلًا﴾ فمعنى التسريح البتات لأن الله تعالى قال: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهو الطلقة الثالثة. والاحتجاج بالصحيح من هذه الأقوال يطول به الكتاب وليس في الآية ما يقوي الاستدلال به عليه فلا معنى للاشتغال به إذ عرضنا إنما هو سوق دليل من الآية المتكلم عليها.
(٢٨) - وقوله تعالى: ﴿إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾:
أي إن كان عظيم همكن إنما هو التعمق في الدنيا والنيل من نعيمها. وظاهر هذه الآية عندي يدل على أن الذي سأله أزواجه ﷺ إنما هو التوسع لهن في أمور الدنيا كالملابس ونحوها دون الغيرة التي ذهب إليها من ذهب.
وقوله: ﴿أمتعكن﴾ معناه أعطيكن المتاع الذي ندب الله إليه بقوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦]. وأكثر الناس على أنه من المندوب إليه. وقالت فرقة هي واجبة. والسراح الجميل في الآية يحتمل أن يكون ما دون بت الطلاق ويحتمل أن يكون في بقاء جميل المعتقد وحسن العشرة وإن كان الطلاق بتاتًا، وقد تقدم فيه القولان جميعًا.
وأزواجه ﷺ اللواتي نزلت فيهن الآية هن التسع النسوة أمهات المؤمنين اللاتي توفي عنهن ﷺ ، خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر وحفصة بيت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أمية. وأربع من غير قريش: ميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي الخيبرية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية. واختلف هل كان عند النبي ﷺ -عند التخيير- غير هؤلاء أم لا؟ فقيل لم يكن ذلك، وهو الصحيح. وقيل كانت عنده معهن بنت
следующие страницы →