Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
رمضان ناسيًا هل عليه قضاء؟ وكذلك اختلفوا فيمن صلى ناسيًا بجنابته هل عليه إعادة؟ وعموم الآية ما يمكن أن يحتج به في جميع ذلك.
(٦) - قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾:
اختلف في تأويلها، فقيل المعنى إن النبي ﷺ إذا أمر بشيء أو نهى عنه ثم خالفت إلى أمور نفسه كان أمر النبي ﷺ أولى أن يتبعه من أمر نفسه. وقيل معناه إن النبي ﷺ أولى بالحكم من الإنسان مما يحكم به الإنسان في نفسه لوجوب طاعته ﵊ هذا في حق الولاية من قبل المؤمنين. وأما من قلب النبي ﷺ فالذي ينبغي أن يقال فيه إنه الرفق والتلطف والمن والعطف. فمن ذلك ما روي أن النبي ﷺ في صدر الإسلام كان لا يصلي على ميت عليه دين. فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالًا فلورثته ومن ترك دينًا أو ضياعًا فعلي، أنا وليه فاقرأوا إن شئتم: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾)) فالآية على هذا ناسخة للسنة.
قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾:
جعل أزواج النبي ﷺ تشريفًا لهن مثل الأمهات للمؤمنين أي أنهن يجب برهن كما يجب بر الأمهات ويحرم نكاحهن كما يحرم نكاح الأمهات وحجبهن ﵅ بخلاف الأمهات. وقد اختلف هل كان يحرم عليه ﷺ حرائر الكتابيات أم لا؟ واستدل من قال بالتحريم بقوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ولو تزوج ﵇ كافرة لكانت أمًا للمؤمنين.
стр. 1367
قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مسطورًا﴾:
بين تعالى في هذا أن أولي الأرحام أحق بالتوارث مما كانت الشريعة قررته من التوارث بالأخوة والهجرة، فإنه كان في صدر الإسلام بالمدينة توارث بهذين الوجهين، واختلفت الروايات في صفته. فالآية على هذا ناسخة، رد الله تعالى بها المواريث على الأنساب. وقد تقدم الكلام على هذا في سورة الأنفال. وقوله: ﴿في كتاب الله﴾ يحتمل أن يريد القرآن ويحتمل أن يريد اللوح المحفوظ.
وقوله تعالى: ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفًا﴾:
قال قتادة وغيره: يريد الإتيان في الحياة والصلة والوصية عند الموت وهذا كله جائز أن يفعل مع ولي المؤاخاة والهجرة والقريب الذي ليس بوارث وإن كان كافرًا. واختلفوا هل يجوز أن يجعل الكافر وصيًا أم لا؟ فجوز بعض ومنع بعض ورد النظر إلى السلطان بعض منهم مالك رضي الله تعالى عنه. فإن قيل بالمنع فالآية في المؤمنين خاصة، وإلى هذا ذهب مجاهد وابن زيد والرماني وغيره. أو يقال في المؤمنين والكافرين فيما دون إثبات الوصية منهم. ومن أجاز حمل الآية على العموم ولم يخصص منها شيئًا من شيء.
وقوله: ﴿كان ذلك في الكتاب مسطورًا﴾:
يحتمل الوجهين المتقدمين من كتاب الله تعالى أو اللوح المحفوظ.
وقد قال بكل من الوجهين جماعة.
(٢١) - وقوله تعالى: ﴿لقد كان في رسول الله أسوة حسنة﴾:
يحتج به بعض الناس في وجوب التأسي بأفعال النبي ﷺ .
стр. 1368
(٢٨)، (٢٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾:
اختلف في سببها. قيل غيرة عارتها عائشة. وقال ابن زيد وقع بين أزواج النبي ﷺ تغاير ونحو مما شقي هو به فنزلت الآية بسبب ذلك. وقال ابن الزبير: سببها أن النبي ﷺ سأله أزواجه النفقة وتشططن ف تكليفه منها فوق وسعه. وقال قوم سببها أنهن طلبن منه ثيابًا وملابس. وقالت واحدة لو كنا عند غير النبي ﷺ لكان بنا حلي ومتاع. واختلف هل في هذه الآية تخيير لنسائه ﷺ في الطلاق أم لا؟ فهذب بعض إلى أنه لا تخيير فيها، قالوا وإنما أمر رسول الله ﷺ بتلاوتها عليهن وتخييرهن بين الدنيا والأخرة وأمر الطلاق مرجوء فلو اخترن أنفسهن نظر هو كيف يسرحهن وليس فيه تخييرهن في الطلاق لأن التخيير يضمن ثلاث تطليقات وهو قد قال: ﴿وأسرحكن سراحًا جميلًا﴾ وليس مع بت الطلاق سراح جميل. فعلى هذا القول لفظ السراح لا يقتضي البتات. وقالت فرقة بل هي آية تخيير في الطلاق واخترنه فلم يعد ذلك طلاقًا وهو قول عائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته، قالت قد خيرنا رسول الله ﷺ أفكان طلاقًا. وفي رواية أخرى ما خيرناه فلم يعد طلاقًا ووجه القول الأول أن يقال إن هذا التخيير من النبي ﷺ وإن لم يكن فيه ذكر الطلاق فإنه كناية عن الطلاق على شرائطه. وقال بعضهم الآية وإن لم يكن فيها تخيير في الطلاق ففيها إخبار من النبي ﷺ لأزواجه لأنه يطلقهن. وهو إخبار لا خلف
стр. 1369
فيه لأن الله تعالى أمره به فأشبه التخيير في وحوب الطلاق للمخيرة باختيارها نفسها. وأما من غير النبي ﷺ فليس ذلك بتخيير ولا فيه شبهة منه وإنما هو عدة بالطلاق إن اختارته. وهذا أصح ما ينبغي أن يقال في الآية. وقد اختلف في التخيير والتمليك اختلافًا كثيرًا إذا لم يرد فيه نص من قرآن أو أثر. فذهب بعضهم إلى أنه لا تخيير لهما وأن المرأة لا يكون لها شيء من ذلك وإن خيرت أو ملكت. وذهب بعضهم إلى أن نفس التخيير والتمليك طلاق قبلته أو ردته، روي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁. وفرق ربيعة بين التخيير والتمليك فلم ير للتخيير شيئًا ورأى التمليك واحدة بائنة وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب جماعة إلى أن التخيير والتمليك موقوف على جواب الزوجة.
فأما القول الأول فيرده من جهة النظر أنه لو لم يكن له تأثير لما أمر النبي ﷺ وهو لا تأثير له. والآية وإن لم تكن تخييرًا محضًا فهو يشبه التخيير كما قدمنا. وأما الثاني فيرده قول عائشة رضي الله تعالى عنها: فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئًا. والفرق بين التخيير والتمليك غير بين فلا معنى له. وأصحها القول الرابع وهو الذي يعضده النظر ومفهوم الآية. إلا أن الذين ذهبوا إليه اختلفوا فيما يكون قضاء الزوجة. فمنهم من جعل قضاء الزوجة في ذلك بتاتًا. ومنهم من جعله واحدة بائنة، ومنهم من جعله واحدة رجعية، ومنهم من جعله على ما قضت به إن واحدة وإن ثلاثًا، ومنهم من جعله على ما نوى الزوج مع يمينه. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه لا قضاء للمرأة في التخيير إلا بالثلاث وأن لها القضاء في التمليك بما شاءت إلا أن للزوج أن يناكر فيه وليس له أن يناكر في التخيير بعد الدخول. واحتج بعضهم للتخيير بأنه الثلاث فقال إنما كان ذلك لأن معنى التخيير التسريح. قال الله تعالى في آية التخيير ﴿فتعالين
стр. 1370
أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلًا﴾ فمعنى التسريح البتات لأن الله تعالى قال: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهو الطلقة الثالثة. والاحتجاج بالصحيح من هذه الأقوال يطول به الكتاب وليس في الآية ما يقوي الاستدلال به عليه فلا معنى للاشتغال به إذ عرضنا إنما هو سوق دليل من الآية المتكلم عليها.
(٢٨) - وقوله تعالى: ﴿إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾:
أي إن كان عظيم همكن إنما هو التعمق في الدنيا والنيل من نعيمها. وظاهر هذه الآية عندي يدل على أن الذي سأله أزواجه ﷺ إنما هو التوسع لهن في أمور الدنيا كالملابس ونحوها دون الغيرة التي ذهب إليها من ذهب.
وقوله: ﴿أمتعكن﴾ معناه أعطيكن المتاع الذي ندب الله إليه بقوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦]. وأكثر الناس على أنه من المندوب إليه. وقالت فرقة هي واجبة. والسراح الجميل في الآية يحتمل أن يكون ما دون بت الطلاق ويحتمل أن يكون في بقاء جميل المعتقد وحسن العشرة وإن كان الطلاق بتاتًا، وقد تقدم فيه القولان جميعًا.
وأزواجه ﷺ اللواتي نزلت فيهن الآية هن التسع النسوة أمهات المؤمنين اللاتي توفي عنهن ﷺ ، خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر وحفصة بيت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أمية. وأربع من غير قريش: ميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي الخيبرية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية. واختلف هل كان عند النبي ﷺ -عند التخيير- غير هؤلاء أم لا؟ فقيل لم يكن ذلك، وهو الصحيح. وقيل كانت عنده معهن بنت
стр. 1371
الضحاك العامرية واختارت نفسها فذهبت كما وقع في لفظ الآثار المدونة. وصفة تخييره ﷺ أنه لما خرج من إيلائه بالتسعة والعشرين يومًا ونزلت هذه الآية بدأ بعائشة -وكانت أحبهن إليه- فقال: ((إني ذاكر لك أمرًا عليك ألا تعجلي حتى تستأذني أبويك)) ثم خيرها وتلا عليها الآية فاختارته. وتتابع سائر أزواجه ﷺ على رأي عائشة رضي الله تعالى عنهن. وفي الحديث طول إلا أن هذا معناه.
(٣٧) - قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾:
أخذ بعضهم من هذه الآية ومن قول شعيب: ﴿إني أريد أن أنكحك ... ﴾ الآية [القصص: ٢٧] إلى أنه ينبغي أن يكتب في المهور أنكحه إياها، فيقدم ضمير الذكر كما في الآيتين. وهذا غير واجب لأن الزوج مخاطب في الآيتين فلذلك قدك ضميره، وفي المهر الزوجان غائبان فيقدم الكاتب أيهما شاء ولم يبق ترجيح إلا بدرجة الرجال وأنهم القوامون على النساء. وقد تقدم الكلام على هذا.
(٤٨) - قوله تعالى في الكافرين: ﴿ودع أذاهم﴾:
يحتمل وجهين: أحدهما: أن يأمر النبي ﷺ بأن لا يؤذيهم. والثاني: أن يكون بأمره بأن يعرض عن أقوالهم وما يؤذونه به. فعلى التأويل الأول تكون الآية منسوخة بآية السيف.
(٤٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾:
استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿طلقوهن﴾ وبما تقتضيه ثم من المهلة على أن الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح وأن من طلق امرأة قبل نكاحها -وإن عينها- فإنه لا يلزمه. وقال بهذا ما ينيف على ثلاثين بين صاحب وتابع وإمام سمي البخاري منهم اثنين وعشرين. والمشهور في المذهب
стр. 1372
-وعليه طائفة كثيرة من أهل العلم- أن طلاق المعينة قبل النكاح يلزم ولا هي حجة في الآية لمن منع من ذلك لأنه تعالى إنما أخبر بحكم الطلاق إذا وقع بعد النكاح ولم يذكر حكمه إذا وقع قبل ذلك ولا يقتضي نفيًا ولا إثباتًا. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة وعلى مسألة المتعة بما أغنى عن إعادتها هنا. وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]. ولقوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ [الطلاق: ٤] الآيتين. إن هاتين عامتان في المدخول بها في هذه الآية من عموم الآيتين المذكورتين. وقد اختلف هل هذه الآية منسوخة بآية البقرة أو مدنية أو ناسخة لها لأن هذه الآية اقتضت المتعة للمطلقة قبل الدخول فرض لها صداق أم لا. والآية التي في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧] اقتضت أن المطلقة قبل الدخول -وقد فرض لها- ليس لها إلا نصف الصداق. فمن الناس من يرى أن ما في سورة البقرة ناسخ لهذه. وهذا ضعيف لأن هذه الآية عامة في المطلقتين وما في سورة البقرة خاص في إحداهما. ويبعد أن يقال إن الخاص ناسخ للعام، وفيه بين أهل الأصول تنازع. ويأتي على قول من يرى المتعة للمطلقة قبل الدخول فرض لها أو لم يفرض لها أن هذه الآية ناسخة لما في سورة البقرة. وهذا أيضًا يبعد لأن النسخ لا يرجع إليه إلا إذا لم يقدر على الجمع بين الآيتين، والجمع بين هاتين الآيتين ممكن لمن تأمله من أوجه. والذي ينبغي أن يقال في الآيتين أن إحداهما مبينة للأخرى ثم يختلف من وجه التبين على حسب الاختلاف في المتعة. وقد اختلف إذا حصلت الخلوة بين الزوجين وادعت الوطء وأنكر الزوج هل تجب العدة أم لا؟ فالمذهب أنه يجب ولا تسقط باختلافهما لأنه حق لله تعالى. وقال الشافعي في أحد قوليه لا يجب إلا بالمسيس، واحتج أصحابه له بالآية.
стр. 1373
(٥٠)، (٥١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ... ﴾ الآية:
اختلف في تأويلها. فذهب الضحاك وابن زيد إلى أن الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يعطيها مهرها فأباح له كل النساء بهذا الوجه وأباح له ملك اليمين ثم أباح بنات العم والعمة والخال والخالة ممن هاجرن معه. وهذه المذكورات قد انطوى ذكرهن في قوله تعالى: ﴿أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ إلا أنه تعالى خصصهن بعد أن عمهن بالذكر مع غيرهن تشريفًا وتنزيهًا لهن ثم أباح تعالى الواهبات أنفسهن خاصة له. واختلف على هذا القول هل الآية محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة ناسخة لقوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء ن بعد﴾ [الأحزاب: ٥٢] وذهب قوم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ على القول بأن مقتضى هذه الآية القصر على من عنده من النساء. وذهب جماعة إلى أن الإشارة بالأزواج إلى من كان في ملكه ﷺ وأنه تعالى مع ذلك أباح له ملك اليمين وأباح له مع المذكورات بنات عمه وعماته وخالاته وخاله ممن هاجر معه، فلم يدخل هؤلاء على هذا القول في ذكر الأزواج. وأباح الواهبات خاصة له بالأمر على القول الأول أوسع على النبي ﷺ . وعلى القول الثاني أضيق. ويؤيده ما قاله ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يتزوج أي النساء شاء وكان ذلك، فشق على نسائه. فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا من سمي سر نساءه ذلك. وروي عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها
стр. 1374
قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه، فعذرني، ثم نزلت هذه الآية فحرمني عليه بأني لم أهاجر معه وإنما كنت من الطلقاء.
(٥٠) - قوله تعالى: ﴿إن وهبت نفسها للنبي﴾:
هذه هي الموهوبة التي خص بها النبي ﷺ . وقد اختلف هل وقع ذلك له ﷺ أم لا؟ فذهب ابن عباس ومجاهد إلى أنه لم يكن عنده ﷺ امرأة إلا بعقد نكاح وبملك يمين، وأما بالهبة فلم يكن عنده منهن أحد.
ويحتج من يذهب إلى هذا بقراءة الجمهور: ﴿إن وهبت﴾ بكسر الهمزة أي إن وقع فهو حلال. وذهب جماعة إلى أنه قد كان عنده ويحتجون بقراءة: ﴿أن وهبت﴾ بفتح الهمزة وفتحها إشارة إلى ما وقع من الواهبات قبل نزل الآية. واختلف الذين ذهبوا إلى وقوع الهبة في نفس الموهوبة من هي؟ فقال ابن عباس-كما حكى الطبري عنه- هي ميمونة بنت الحارث. وقال علي بن الحسين هي أم شريك وقال الشعبي وغيره هي زينب بنت خزيمة أم المساكين وقال عروة إ، خولة أم حكيم بنت الأوقص السلمية هي ممن وهبت نفسها للنبي ﷺ .
стр. 1375
وقوله تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾:
لا خلاف أن الموهوبة كانت خالصة للنبي ﷺ وأنه لا يجوز لغيره. إلا أنهم اختلفوا هل يجوز أن ينعقد النكاح على شروطه بلفظ الهبة أم لا؟ فأجازه ابن القاسم دخل أو لم يدخل. وذكر ابن المواز عنه وعن عبد الملك أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل، وبه قال أبو حنيفة. وقال أشهب وابن وهب وابن عبد الحكم أنه يفسخ وإن دخلت، وبه قال الشافعي. وذكر ابن المواز أنه لم يختلف مالك وأصحابه بأنه يفسخ قبل البناء وليس ذلك بصحيح فمن منعه فلوقوع اللفظ فاسدًا إذ ذلك اللفظ لم يبحه الله تعالى إلا في جهة النبي ﷺ فمن أجازه راعى المعنى.
وقوله تعالى: ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم﴾:
قيل المراد بذلك نكاح أربع نسوة لا يتجاوز أكثر والولي والصداق، ويختلف في الشهود هل يدخلون في الفرض أم لا؟ فمن أجاز عند النكاح بغير شهود إذا أعلن به -وهو مذهب مالك وغيره- لم يرهم داخلين في الفرض. ومن لم يجزه -وهو مذهب الشافعي وغيره- رآهم داخلين في الفرض. وذهب بعض أهل النظر إلى أن الرجم الذي كان يقرأ في سورة الأحزاب داخل في هذه الآية.
(٥١) - وقوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤي إليك من تشاء﴾:
معناه أن الله تعالى فسح لنبيه ﷺ فيما يفعله في جهة النساء. والضمير في ﴿منهن﴾ عائد على ما تقدم ذكره من الأصناف اللائي أحللن للنبي ﷺ حسب الخلاف المذكور في ذلك. واختلف في معنى الإرجاء والإيواء
стр. 1376
المذكورين في الآية ها هنا. فقال مجاهد وقتادة والضحاك أن المعنى في القسم أن تقرب من شئت لا حرج عليك في ذلك. فإذا علمت هذا -وهذا حكم الله وقضاؤه- زالت الأنفة والبغضاء والتغاير عنهن وضرن وقرت أعينهن فكان ﷺ يقسم لهن ما شاء. وهذا على القول بأن سبب هذه الآيات التغاير. وقال أبو زيد وابن عباس: المعنى في الطلاق أن يطلق من شاء ممن حصل في عصمته ويمسك من شاء. قال أبو رزين: كان رسول الله ﷺ قد هم ببعض نسائه فقلن له: أقسم لنا ما شئت. وكان ممن أرجأ سودة وجورية وصفية وأم حبيبة وميمونة. وآوى إليه عائشة وأم سلمة وحفصة وزينب. وقال ابن عباس أيضًا: المعنى من مات من نسائك أو خليت سبيلها فلا إثم على عدة نسائك اللائي عندك شيئًا. وقال الحسن المعنى في تزوج من شاء من النساء وترك من شاء. قال: وكان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يتركها أو يتزوجها. وقال قوم: المعنى في ضم من شاء من الواهبات وتأخر من شاء. والآية كيفما تأولت ففيها توسعة على النبي ﷺ . قال الشعبي: كان نساء قد وهبن أنفسهن إلى النبي ﷺ فدخل ببعضهم وأرجأ بعضهن ولم يقربهن حتى توفي ولم ينكحهن منهن أم شريك. فقالت عائشة: لما قرأها النبي صلى الله عليه سلم قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وذهب علي بن أبي طالب وغيره إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ الآية. قال
стр. 1377
هبة الله: ليس في كتاب الله تعالى ناسخ لقوله: ﴿لا يحل لك النساء﴾ الآية إلا هذه الآية. وليس في كتاب الله تعالى ناسخ لما تقدم المنسوخ سوى هذا وهذا القول باطل من عدة أوجه.
وقوله تعالى: ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾:
يحتمل أن يريد من أردت ممن كنت عزلته وأخرته فلا جناح عليك في رده إلى نفسك. ويحتمل أن يريد: ومن ابتغيت ومن عزلت فلذلك سواء لا جناح عليك في جميعه. وهذا المعنى يحتمل أن يكون من معنى القسم ويحتمل أن يكون من معنى الواهبات. وبكل قد قال قوم. ولم تختلف النقلة في أنه ﷺ عدل في القسمة بين أزواجه حتى مات ولم يمتثل معهن ما أبيح له أخذًا منه بأفضل الأخلاق من غير أن سودة وهبت يومها لعائشة تفهمًا لمسرة رسول الله ﷺ .
(٥٢) - قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رقيبًا﴾:
اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ الذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال أبي بن كعب وغيره: معناها لا يحل لك النساء من بعد الأصناف التي سميت. وهذا على قول من جعل الآية في الأصناف المذكورة غير المطلقة في جميع النساء. وقال مجاهد وأبو
стр. 1378
أمامة بن سهل وأبو رزين وابن جبير: لا يحل له اليهوديات ولا النصرانيات من بعد المسلمات المذكورات. وكذلك قدروا: ﴿ولا أن تبدل بهن﴾ أي ولا أن تبدل اليهوديات والنصرانيات بالمسلمات. قال أمامة لئلا تكون كافرة أمًا للمؤمنين. وفي هذا القول بعد لأنه لم يجز للمسلمات ذكر فيضمرن. وقال الحسن وابن سيرين وغيرهما فكأن الآية ليست بمتصلة بما قبلها. قال ابن عباس وقتادة: لما هجرهن النبي ﷺ شهرًا وآلى منهن ثم خرج وخيرهن اخترن الله ورسوله جازاهن بأن حظر عليه النساء وقنعه بهن وحظر عليه تبديلهن ونسخ بذلك ما أباحه الله تعالى له قبل من التوسعة في جميع النساء. فعلى هذا القول تكون هذه الآية ناسخة للآية المتقدمة على القول بأنها مبيحة للنبي ﷺ جميع النساء. فقد كان له ﷺ أن يتزوج من شاء. وقد تزوج سليمان ﵇ -فيما يذكر عنه- سبعمائة امرأة حرة وكانت له ثلاثمائة أمة مملوكة. وكان لداود ﵇ مائة حرة. وقد روي أن اليهود قال: ما لمحمد شغل إلا التزوج. فحسدوه على ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ... ﴾ إلى قوله: ﴿وآتيناهم ملكًا عظيمًا﴾ [النساء: ٥٤] فروي أن معنى ﴿ملكًا عظيمًا﴾ ما كان لسليمان وداود من النساء. وقيل لما قال: ﴿ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له﴾ الآية [الأحزاب: ٣٨] كان له أن يتزوج من شاء بغير عدد كما كان للأنبياء قبله ثم نسخ ذلك بهذه الآية، قاله محمد بن كعب.
стр. 1379
وقال أبي بن كعب والضحاك: المعنى لا تحل لك العمات والخالات ونحوهن وأمر مع ذلك أن لا يتبدل بأزواجه التسع ومنع أن يطلق منهن أو يتزوج غيرهن. وقيل من تزوج حصلت في عصمته أي لا يبدلها بأن يأخذ زوجة إنسان ويعطيه هو زوجته. قال ابن زيد هذا الشيء كانت العرب تفعله. وقد أنكر الطبري وغيره هذا المعنى في الآية. والعرب لم يعرف لها أنها كانت تفعل ذلك. وما وري من حديث عيينة بن حصن من أنه دخل على رسول الله ﷺ وعنده عائشة فقال من هذه الحميراء؟ فقال هذه عائشة فقال عيينة يا رسول الله إن شئت نزلت لك عن سيدة نساء العرب جمالًا ونسبًا فليس بتبديل ولا أرى ذلك وإنما احتقر عائشة لأنها كنت صبية. فالآية على القول بأن مقتضاها القصر على من عنده من النساء، قيل إنها محكمة لم ينسخها شيء، إلا أنه يختلف هل هي ناسخة لما كان قبلها من إباحة جميع النساء أم لا؟ وقيل إنها منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا في الذي نسخها. فقيل نسختها السنة، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له جميع النساء. وهذا القول ضعيف لأن الحديث لو كان صحيحًا لما صح النسخ به لأنه خبر آحاد وخبر الآحاد لا ينسخ به القرآن. وقيل هي منسوخة بالقرآن، واختلفوا في الناسخ فقيل قوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك. وجائز أن ينسخ الشيء ما بعده لأن القرآن بمنزلة سورة واحدة. على أنه قد روي عن ابن عباس أنه نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان وقد أجمع على أن قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠] منسوخ بقوله بما قبله وهو: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذا مثله. وقد مر الكلام على هذا.
стр. 1380
وقيل نسخها قوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ على القول بأنها مبيحة جميع النساء ومما يدل على النسخ أن رسول الله ﷺ تزوج بعد نزول النهي بقول تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ ميمونة ومليكة بنت كعب وصفية بنت حيي وجويرية بنت الحارث.
وقوله تعالى: ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾:
قال ابن عباس نزل ذلك بسبب أسماء بنت عميس أعجبت رسول الله ﷺ حين مات عنها جعفر بن أبي طالب. وفي هذا اللفظ ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾ دليل على جواز النظر من الرجل إلى المرأة التي يريد زواجها، وهي مسألة مختلف فيها. فقيل يجوز من غير اغتفال لها, وقيل يجوز اغتفلها النظر أن لم يغتفلها. وإلى مثل هذا ذهب الشافعي فقال يجوز بأمرها وبغير أمرها. القولان قائمان من المذهب. ومعنى ذلك عندنا أن ينظر إلى وجهها وكفيها خاصة. قال أبو حنيفة: وإلى القدمين. قال داود إلى جميع البدن سوى السوءتين. وقيل لا يجوز شيء من ذلك اغتفلها أو لم يغتفلها. هذه ثلاثة أقوال في جواز النظر. وعلى القول بالجواز ثلاثة
стр. 1381
أقوال فيما يجوز أن ينظر إليهن. والحجة للجواز دليل الآية المتقدم وما جاء من أنه ﷺ أري عائشة في منامه قبل أن يتزوجها في خرقة حرير وتصعيده النظر ﷺ وتصويبه في المرأة التي وهبت نفسها وما ذكر من أن المغيرة بن شعبة أراد زواج امرأة فقال له النبي ﷺ : ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)). وقال ﵊ لأخر: ((وانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا)). قال الحميدي يعني صفراء وقال سهل بن أبي حثمة رأيت محمد بن مسلمة يطارد ثبيتة بن الضحاك على إجار من أجاجير المدينة. فقلت له أتفعل هذا؟ فقال نعم، قال النبي ﷺ : ((إذا ألقى الله تعالى في قلب أحدكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها)) ومن حجة من منع قوله ﵊: ((يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن
стр. 1382
لك الأولى وليست لك الأخرى)). وجمع أهل القول الأول بين الأحاديث، وقد تقدمت هذه المسألة قبل هذا.
(٥٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ... ﴾ إلى قوله: ﴿إن تبدو شيئًا﴾:
هذه الآية تضمنت من أولها إلى قوله: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا﴾ الأدب في أمر الطعام والجلوس. وتضمنت في قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾ الحجابة. قال بعضهم وهذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من رؤية النساء والجلوس معهن. وتضمنت في قوله: ﴿وما كان لكم﴾ إلى آخرها حكم أزواج النبي ﷺ بعده. فأما آية الأدب في الطعام فاختلف في سببها. فجمهور المفسرين على أن سببها أن رسول الله ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها فلما طعموا قعد نفر في ناحية من البيت فثقل على رسول الله ﷺ مكانهم، فخرج ليخرجوا، ومر على حجر نسائه ثم عاد فوجدهم في مكانهم وزينب في البيت معهم، فلما دخل وراءهم انصرف، فخرجوا عند ذلك. قال أنس فأعلم أو فأعلمته فخرج فلما وصل الحجرة أرخى الستر بينه وبينه ودخل. ونزلت الآية في سبب ذلك. وفال قتادة وغيره فيما ذكر بعض المفسرين أن هذا السبب جرى في بيت أم سلمة. والأول أشهر: وقال ابن عباس نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحيلون طعام النبي ﷺ فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون. قال إسماعيل بن أبي حكيم هذا أدب أدَّب الله تعالى به الثقلاء. وقال ابن أبي عائشة:
стр. 1383
فحسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم. وأما آية الحجاب فاختلف في سببها أيضًا. فقال أنس بن مالك وغيره. سببها أمر القعود في بيت زينب، الحديث المذكور قبل. وقال فرقة في بيت أم سلمة. وقال مجاهد سببها أن رسول الله ﷺ أكل معه قوم وعائشة معهم فمست يدها يد رجل منهم فنزلت الآية. وقالت عائشة وجماعة سببها كلام عمر وأنه كلم رسول الله ﷺ في أن يحجب نساءه. فكان رسول الله ﷺ لا يفعل وكان عمر يتابع. فخرجت سودة ليلًا لحاجتها وكانت امرأة تفرع النساء طولًا، فناداها عمر: قد عرفناك يا سودة حرصًا على الحجاب. وقالت له زينب بنت جحش: عجبًا لك يا ابن الخطاب تغرا علينا والوحي نزل في بيوتنا. فما زال عمر يتابع حتى نزلت آية الحجاب. وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه وافقت ربي في ثلاث، منها الحجاب ومقام إبراهيم وعسى ربه إن طلقكن الحديث. وكانت عادة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوها أن يبكر من شاء إلى دار الدعوة ينطرون طبخ الطعام ونضجه في حديث أنس. وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك فنهى الله تعالى المؤمنين عن فعل ذلك في بيت النبي ﷺ . ويدخل تحت هذه النهي سائر المؤمنين. والتزم الناس أدب الله تعالى في ذلك. قال بعضهم لما أنزل الله تعالى في أمهات المؤمنين: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ خصصن بذلك دون سائر الناس. ولا يجوز أن يرون منتقبات. وكن إذا طفن بالبيت يستترن من الناس فلا يشاركن في الطواف. وأمر عمر أن لا يخرج في جنازة زينب بنت جحش إلا ذو محرم مراعاة للحجاب. وكانت قد توفيت في خلافته وما دلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش بالقبة وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة. فصنعه عمر ونادى في الناس أن اخرجوا فصلوا على أمكم. وروي أن ذلك صنع في جنازة السيدة فاطمة بنت النبي ﷺ . والمتاع عام في الجميع
стр. 1384
ما يمكن أن يطلب على عرف السكنى والمجاورة، من الماعون وسائر المرافق للدين والدنيا. وأما آية حكم أزواج النبي ﷺ بعده فاختلف في سببها أيضًا. فروي أنها نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال لو مات رسول الله ﷺ لتزوجت عائشة. فبلغ ذلك النبي ﷺ فتأذى منه. هكذا كنى ابن عباس ببعض الصحابة. وروي عن معمر أنه قال: هو طلحة بن عبيد الله. وروي أن رجلًا من المنافقين قال حين تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة بعد أبي سلمة، وحفصة بعد خنيس بن حذافة السهمي: ما بال محمد يتزوج نساءنا. والله لو ما لأجلنا السهام على نسائه. فنزلت الآية في هذا وحرم الله تعالى نكاح أزواجه من بعده وجعل لهن حكم الأمهات. ولما توفي رسول الله ﷺ وارتدت العرب ثم رجعت تزوج عكرمة بن أبي جهل قتيلة بنت الأشعث بن قيس. وكان رسول الله ﷺ قد تزوجها ولم يبن بها فصعب ذلك على أبي بكر الصديق، فقال له عمر: مهلًا يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه إنه لم يحزها ولا أرخى عليها حجابًا وقد أبانتها منه ردتها مع قومها. فسكن أبو بكر.
(٥٥) -قوله تعالى: ﴿لا جناح عليهن في آبائهن ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واتقين الله﴾:
لما أوجب الله تعالى الحجاب احتمل أن يكون من ذوي المحارم وغيرهم فبين الله تعالى بهذه أن الحجاب إنما هو دون من ذكر فيها من
стр. 1385
القرابات للضرورة المحوجة إلى ذلك. فمن ذلك الآباء والأبناء والإخوة وأبناؤهم وأبناء الأخوات.
وقوله: ﴿ولا نسائهن﴾ دخل فيه الأخوات والأمهات وسائر القرابات من النساء وما يتصل بهن من التصرفات لهن. ويؤيد هذا القول -وهو قول جماعة من أهل العلم- هذه الإضافة المخصصة في قوله تعالى: ﴿نسائهن﴾ وقال ابن زيد وغيره إنما أراد جميع النساء المؤمنات وتخصيص الإضافة إنما هو في الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾:
اختلف في المباح هنا من ملك اليمين ما هو؟ فقيل الإماء دون العبيد. وقيل الإماء والعبيد، وهذا القول أولى بلفظ الآية. ثم اختلف من ذهب إلى ذلك. فقالت فرقة من ملكته من العبيد من ملكه سواهن. وهو أظهر من لفظ الآية. وقالت فرقة بل من جميع العبيد كانت في ملكهن أو في ملك غيرهن. والمكاتب إذا كان عنده ما يؤدي فقد أمر ﷺ بضرب الحجاب دون، وفعلت ذلك أم سلمة مع مكاتبها نبهان. ولم يذكر تعالى الأعمام والأخوال في الإباحة. فاختلف فيهم هل هم ممن يحتجب منهم أم لا؟ فقالت فرقة لم يذكر الله تعالى العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقد قال ﵊: ((الخال أحد الأبوين)) وقال قوم منهم الشعبي وعكرمة لم يذكر الله تعالى لإمكان أن يصفوا لأبنائهم، وكرهوا أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها وقد تقد أكثر هذا في سورة النور. واختلف المفسرون في المعنى الذي رفع فيه الجناح بهذه الآية.
стр. 1386
فقال قتادة هو الحجاب، أي أبيح لهذه الأصناف الدخول على النساء دون حجاب ورؤيتهن. وقال مجاهد: ذلك في وضع الجلباب وإبداء الزينة. ولما رخص في هذه الأصناف وانخرمن الإباحة، عطف تعالى فأمرهن بالتقوى.
(٥٦) - قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾:
اختلف في الضمير في قوله: ﴿يصلون﴾ لمن هو؟ فقالت فرقة لله تعالى ولملائكته. وهو قول من الله تعالى شرف الله تعالى به ملائكته فلا يدفعه الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب عند رسول الله ﷺ : من أطاع الله ورسوله رشد ومن يعصهما فقد ضل. فقال له رسول الله ﷺ : ((بئس الخطيب أنت)) قالوا لأنه ليس لأحد من البشر أن يجمع ذكر الله تعالى مع غيره في ضمير واحد، ولله أن يفعل ما يشاء. وقالت فرقة هو للملائكة خاصة، تقديره أن الله تعالى يصلي على محمد وملائكته يصلون. ودل الظاهر من القول على ما ترك، وليس في الآية اجتماع في ضمير. فعلى هذين القولين لا يجوز لأحد الجمع بين الله تعالى وبين غيره في ضمير ويستدل من ذهب إلى هذا القول بإنكار النبي ﷺ على رجل قال: ما شاء الله وشئت. وقالت فرقة بل الضمير لله تعالى وملائكته وذلك جائز للبشر فعله ولم يقل رسول الله ﷺ : بئس الخطيب أنت، لهذا المعنى، وإنما قاله لأن الخطيب وقف على: ومن يعصهما، وسكت. ومما يؤيد هذا أن في كلام النبي ﷺ في مصنف أبي داود: ومن يعصهما، فجمع ذكر الله تعالى وذكر رسوله في ضمير واحد. وفي كتاب مسلم: بئس الخطيب أنت، وقفه وحمله على الأولى في فصل الضمير وإن كان أقل. ومن يعص الله ورسوله. وهذا يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه أصلح له بعد ذلك
стр. 1387
جميع كلامه لأن فصل ضمير اسم الله تعالى من ضمير غيره أولى لا محلاة. فقال له بئس الخطيب أنت لموضع وقفه وحمله على الأولى في فصل الضمير وإن كانا جميعًا جائزين. وصلاة الله تعالى رحمة منه وصلاة الملائكة دعاء وصلاة المؤمنين دعاء وتعظيم. والصلاة على النبي ﷺ فرض، وأمر الله تعالى بها أمر يحمل على الوجوب. واختلف فيه في الصلاة هل هي فرض أو سنة؟ فذهب الشافعي إلى أنه فرض تفسد الصلاة بتركه، ومن حجة هذا القول عموم الآية لأنه لم يخصص به صلاة من غيرها. وذهب مالك وغيره إلى أنه سنة. واختلف هل يجوز أن يصلي على غير النبي ﷺ أم لا؟ فمل يجزه قوم ورآه مختصًا بالنبي ﷺ لأن الأمر بالصلاة عليه لا يدل على أنه لا يجوز على غيره، واحتجوا أيضًا بما جاء عنه ﷺ من قوله: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) ويرون أن لما نزلت هذه الآية قال له قوم: يا رسول الله، هذا السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك؟ قال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وارحم محمدًا وآل محمد كما رحمت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد)) وفي بعض الأحاديث زيادة ونقص ولكن هذا معناه.
(٥٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾:
لما كانت عادة العرب التبذل في الاحتجاب وكن يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيًا إلى نظر الرجل إليهن أمر الله رسوله أن يأمرهن بإدناء الجلابيب ليقع بسرتهن الفرق بين الحرائر والإماء فيعرف
стр. 1388
الحرائر بسترهن. وروي أنه كان في المدينة قوم يجلسون على الطريق لرؤية النساء ومعارضتهن فنزلت الآية. وقال الحسن وأبو مالك: كان النساء يخرجن في حاجتهن بالليل فيظن المنافقون أنهن إماء فيؤذونهن فنزلت الآية. والجلباب ثوب أكبر من الخمار، وقيل هو الرداء. واختلف في صورة إدنائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها. وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها. وقال الحسن ذلك أن تغطي نصف وجهها.
وقوله: ﴿ذلك أدنى أن يعرفن﴾:
أي يفرق بين الحرائر والإماء فإذا عرفن لم يقابلهن بأذى من المعارضة مراقبة لمرتبة الحرية. وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي. وقال بعضهم كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء من المذاهب وكان السفهاء ربما تعرضوا لهن وربما ظنوا الحرة أمة فعبثوا بها فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ... ﴾ الآية وذلك قبل نزول الحجاب. وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت قنعها بالدرة محافظة على زي الحرائر.
стр. 1389
سورة سبأ
وهي مكية. واختلف في قوله تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ... ﴾ [سبأ: ٦].
فقالت فرقة هي مكية والمراد المؤمنون بالنبي ﷺ . وقالت فرقة هي مدنية والمراد من أسلم من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأشباهه. وفيها مواضع.
(١٣) - قوله تعالى: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل﴾:
اختلف في التماثيل ماذا كانت. فقيل من زجاج ونحاس وأشياء ليست بحيوان.
وقال الضحاك كانت تماثيل من حيوان وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع. يريد نسخته شريعتنا. وحكى مكي في الهداية أن فرقة تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية.
стр. 1390
(٢٥) - قوله تعالى: ﴿قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون﴾: فيها مهادنة وهي منسوخة بآية السيف.
(٥٣)، (٥٤) - قوله تعالى: ﴿وقد كفروا به من قبل ... ﴾ ثم قال في آخر الآية: ﴿إنهم كانوا في شك مريب﴾:
احتج بهذه الآية بعض المفسرين على أن الشاك كافر ورد بها على من زعم أنه ليس بكافر وأن الله تعالى لا يعذب على الشك.
стр. 1391
سورة فاطر
مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ سوى موضع واحد.
(١٢) - قوله تعالى: ﴿وتستخرجون حلية تلبسونها﴾:
فيه دليل على أنه من حلف أن لا يلبس حليًا حنث بلبس اللؤلؤ خلافًا لأبي حنيفة.
стр. 1392
سورة يس ﷺ
مكية. إلا أن قومًا قالوا إن قوله تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ [يس: ١٢]، نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلون إلى جوار مسجد رسول الله ﷺ والآية على هذا مدنية. والصحيح أن الآية إنما نزلت بمكة ولكنها احتج بها عليهم في المدينة. ووافقها قول النبي ﷺ في المعنى. فمن هنا زعم من زعم أنها في بني سلمة. ولهذه السورة فضائل منها ما جاء في الحديث من أنه: ((من قرأها فكأنما قرأ القرآن عشر مرات بغير يس، ومن قرأها عند موته سقي من أنهار الجنة، ومن قرأها في أول نهاره فمات في آخره مات شهيدًا، وكذلك من قرأها في ليلة)) وقال ابن أبي كثير بلغنا أنه من قرأها ليلًا لم يزل في فرج حتى يصبح. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((لكل شيء قلب وأن قلب القرآن يس)) وروت عائشة عنه ﵊ أنه قال: ((إن في القرآن سورة تشفع لقارئها ويغفر لمستمعها وهي يس)) وفيها مواضع.
стр. 1393
(٦٩) - قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾:
استدل بعضهم بهذه الآية على ذم الشعر لأن الله تعالى رفع منزلة نبيه ﷺ . وقد كان ﷺ لا يقول الشعر ولا يزنه وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم كسره. وإنما يحرز المعاني فقط. من ذلك أنه أنشد يومًا بيت لطرفة:
ستبيح لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك من لم تزوده بالأخبار
وأنشد وقد قيل له من أشعر الناس فقال الذي يقول:
ألم ترياني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها وإن لم تطيب طيبًا
وأنشد يومًا:
أتجعلوا نهبي ونهب العبـ ... ـيد بن الأقرع وعيينة
وروي أنه أنشد بيت ابن رواحة:
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
وقال الحسن: أنشد النبي ﷺ : كفا بالإسلام والشيب للمرء ناهيًا.
فقال أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: نشهد أنك رسول الله إنما قال الشاعر: كفا الشيب. وإصابته الوزن أحيانًا لا يوجب أنه يعلم الشعر. وكذلك قد أتى أحيانًا في نثر كلامه ما يدل على الوزن كقوله يوم حنين: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)). وكذلك يأتي في آيات من القرآن
стр. 1394
وفي كل كلام، وليس ذلك بشعر. ويؤكد حدة من كره الشعر قول عائشة: كان الشعر أبغض الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسم وكان يتمثل بشعر بني قيس طرفة فيكسره، فقال له أبو بكر ليس هكذا قال الشاعر فقال: ((ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي)) وقد ذهب قوم إلى أن الشعر لا عيب فيه. قالوا إنا منعه الله تعالى من التحلي بهذه الحلية ليجيء القرآن من قلبه أعذب، فإنه لو كان له إدراك بالشعر لقيل في القرآن هذا من تلك القوة. قال بعضهم وليس الأمر كذلك. وقد كان ﵊ من الفصاحة والبيان في المرتبة العليا ولكن كلام يبين بإعجازه ووصفه عن كل كلام. وإنما منع الله تعالى عنه وزن الشعر ترفيعًا له عما فيه التخييل وتزويق القول وأما القرآن فهو ذكر للحقائق والبراهين فما هو بقول شاعر. وقد مضى من الكلام على هذا طرف في سورة الشعراء.
(٧١)، (٧٢) - قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾:
استدل بعض الناس بهذه الآية على رد قول من زعم أنه لا يحل أكل الخيل والحمير. قال وقد أخبر الله تعالى أنها للأكل والركوب. وهذا استدلال ضعيف لأن الله تعالى إنما ذكر في الآية الأنعام، والخيل والحمير لا يقع عليها ذلك الاسم فكيف يدخل معها في الحكم إلا على ما حكى الطبري من أن الأنعام تقع اسمًا على الخيل والبغال والحمير وجميع البهائم التي تقع بها فيصح الاحتجاج بالآية على ذلك.
(٧٨)، (٧٩) - قوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ الآية:
فيه دليل على استعمال القياس والاعتبار والتعلق بالأولى لأن الإعادة
стр. 1395
أهون من ابتداء الخلق. فمن صح منه الابتداء فالإعادة عليه أولى بالصحة. واستدل قوم من أصحاب الشافعي بالآية على أن في العظام حياة. وضعف غيره هذا الاستدلال بأن الحياة قد تكون بمعنى النمو، وذلك موجود في العظام حقيقة. وأما حياة الحس فلا تتحقق في العظام.
стр. 1396
سورة الصافات
مكية وفيها مواضع.
(١٠١) - (١٠٧) - قوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾:
قصة إبراهيم مع ابنه الذبيح ﵉ حجة لأهل السنة في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. قال فقد أمر بفعل واحد ولم يعص في البدار إلى امتثاله ثم نسخ عنه قبل إيقاعه. وأنكر المعتزلة جواز هذا النسخ واستعصت عليهم قصة سيدنا إبراهيم ﵇ حتى تعسفوا في تأويلها وتفرقوا فرقًا وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه:
أحدها: أن كان ذلك منامًا لا أمرًا. وهذا باطل لأن منام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به. فلقد كانت نبوة بعض الأنبياء بمجرد المنام. ويدل على كونه أمرًا قول ولده: ﴿افعل ما تؤمر﴾ ولو لم يؤمر لكان كاذبًا ولأنه لا يجوز قصد الذبح بمنام لا أصل له.
والثاني: أنه أمر لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم بالذبح، ولو لم يكن مأمورًا به. وهذا باطل لأن علام
стр. 1397
الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار. وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب.
والثالث: أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله عنقه نحاسًا أو حديدًا فلم ينقطع، فانقطع التكليف بالتعذر. وهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالشرط لا يثبت عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه انقلب عنقه حديدًا فكيف يكون أمرًا بما يعلم امتناعه.
والرابع: أن المأمور به إنما هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. وهذا محال إذ لا يسمى ذلك ذبحًا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى فداء بعد الامتثال.
والخامس: جحود النسخ وأنه ذبح امتثالًا فالتأم واندمل. والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل أو إسحاق على الخلاف في ذلك ليس بمذبوح. واختلفوا في كون إبراهيم ذابحًا. فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام. وقال قوم لم يكن ذابحًا، لأن ذابح لا مذبوح له محال. وهذا القول أيضًا محال لأن الفداء كيف يحتاج إليه بعد الالتئام ولو صح ذلك لاشتهر، ولم ينقل ذلك قط وإنما هو من اختراع القدرية. فإن قيل أليس قد قال: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ فالتصديق غير التحقيق والعمل. ولأهل السنة مما يحتجون به في مذهبهم غير هذه الآية. من ذلك ما جاء من فرض الصلاة أنها خمسين ثم نقلت إلى خمس قبل أن يعمل بها. ومنها قوله تعالى: ﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢] ثم قال: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ [المجادلة: ١٣] فنسخ قبل الفعل. ومنها قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] فنسخ قبل الفعل. وموضع هذه المسألة إنما هو كتب الأصول لا كتب الفروع. وقد ضعف بعض شيوخنا كلام المعتزلة وأهل السنة في هذه المسألة وزعم أنه لا يدخلها نسخ قبل
стр. 1398
الامتثال، ولا تحتاج المعتزلة إلى الاعتذار. قال لأن الذبح إنما كان برؤيا وللرؤيا أسماء وكنى، وإنما تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل.
فما رأى إبراهيم ﵇ في المنام أنه يذبح ولده -ورؤيا الأنبياء وحي- بادر إلى الأخذ بالظاهر وشرع في امتثال هذا الأمر. فلما فعل ذلك أوحى الله تعالى إليه أن: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وفدي الابن بذبح أي بكبش إذ كان ذبح الابن عند الله تعالى كناية عن ذبح الكبش. فليس في الآيتين على هذا نسخ وإنما فيها التبيين للرؤيا وأن المراد بذبح الابن ذبح الكبش، فكنى عن الكبش بالابن وصار بعد ذلك الذبح سنة إلى يوم القيامة. ولما كان الذبيح إسماعيل ﷺ فعل ذلك بنوه من لدنه إلى وقتنا هذا، ولو كان الذبيح إسحاق ما ترك اليهود الذبح يوم النحر بوجه ولو على حال. وقد احتج قوم من العلماء بهذه الآية في مصيرهم إلى أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة. وأنكر غيرهم هذا الاستدلال ورأوا أن نذر ذبح الولد معصية فلا يكون فيه فداء بخلاف ذبح إبراهيم لولده فإنه كان ممتثلًا لأمر الله تعالى فيه، ثم فداه الله تعالى بالذبح تفضلًا منه، والفرق بين.
(١٤١) - قوله تعالى: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾:
فيه دليل على أن الحكم بالقرعة على ما تقدم في نظيره في آل عمران. وقد مر الكلام عليه بما فيه الكفاية.
стр. 1399
سورة ص
وهي مكية. وروي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءتها وسئل عن ذلك فقال: بلغني أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز له العرش.
وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(١٧) - قوله تعالى: ﴿اصبر على ما يقولون﴾:
في هذه الآية مهادنة وهي منسوخة بما نزل في المدينة من الأمر بالقتال.
(٢٦) - قوله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾:
استدل بعض الناس بهذه الآية على احتياج الأرض إلى خليفة من الله تعالى. وليس ذلك بلازم من الآية.
(٢١) - قوله تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾:
ذكر المفسرون أن ظن داود واستغفاره ومغفرة الله تعالى له لأجل أنه رأى امرأة فأعجبته فأخرج زوجها في الغزو فقتل فتزوجها. وقال بعضهم لم يتزوجها ولكنه سأله أن ينزل له عنها. وهذا على قول من يجوز على الأنبياء الكبائر. وذهب بعض العلماء إلى أن الآية على ظاهرها في النكاح حقيقة
стр. 1400
وأن داود ظن أنه آتاه الله من الملك فلذلك استغفر وغفر له.
(١٨) - قوله تعالى: ﴿يسبحن بالعشي والإشراق﴾:
تأول ابن عباس قوله تعالى: ﴿والإشراق﴾ على صلاة الضحى. وروي عنه أنه قال لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى قرأت: ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾. وعلى صلاة الضحى أيضًا تقول ابن عباس قول الله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾ [النور: ٣٦]. وذكر المحققون الذين يرون تبرئة الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم من الكبائر أن داود ﵇ كان قد قدم على خطبة امرأة قد خطبها غيره ويقال هو أوريا فمال قوم المرأة إلى داود، ولم يكن داود بذلك عالمًا ولكن قد كان يمكنه أن يعرف ذلك. وقد كان لداود ﵇ عدد من النساء، وذلك الخاطب قبله لا امرأة له. فنبه الله تعالى داود على ما فعل بما ذكر من تسور الملكين وتعريضهما له بأمر النكاح لفهم قدر ما فعل، فيعدل عن ذلك ويستغفر ربه من هذه الصغيرة. ففي هذا دليل على جواز الصغائر على الأنبياء، وفيه تلطف في رد الإنسان عن مكروه صنعه وأن لا يؤخذ بعنف ما أمكن. وفيه جواز المعاريض من القول. وقد استدل بعضهم على جواز قضاء القاضي في المسجد خلافًا لم كرهه. ويؤيد دليل الآية فعل النبي ﷺ والخلفاء في القضاء فيه.
стр. 1401
(٢٤) - قوله تعالى: ﴿وخر راكعًا وأناب﴾:
لم ير الشافعي في هذا الموضع سجدة خلافًا لمالك رحمه الله تعالى فقال بعضهم لعل الشافعي لم ير ذلك لأجل أنها شريعة من قبلنا أو لأنها توبة نبي فليس فيها دلالة على الأمر بالسجود لنا. وهذا كله ضعيف. وقد روي عن النبي ﷺ أنه سجد فيها.
(٣٣) - قوله تعالى: ﴿فطفق مسحًا بالسوق والأعناق﴾:
اختلف في المسح في هذه الآية ما هو، فقيل مسحها بيده تكريمًا لها ومحبة كما فعل رسول الله ﷺ بفرسه، وهو قول ابن عباس وغيره. وقيل أراد بالمسح هنا الغسل بالماء. وقيل كان وسمًا في السوق والأعناق يوسم حبس في سبيل الله. وقيل إن المسح هنا بمعنى القطع، وقيل أنه قطع سوقها وأعناقها. وقال بعضهم قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة فرس فمن نسل تلك المائة كل ما يوجد اليوم من الخيل. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا لم فعل ذلك بها؟ فقيل لمجاعة كانت بالناس فعقرها لهم ليأكلوها وكان لحوم الخيل لهم إذ ذاك حلالًا. قال بعضهم وقد ذبحت الصحابة فرسًا وأكلوه، رواه مسلم عن جابر. وقيل بل فعل ذلك عقابًا للبهائم من أجل أنها شغلته عن صلاة العشي وهي صلاة العصر حتى غابت الشمس. فعلى هذا القول يكون هذا الأمر الذي كان منهاجًا له ﷺ منسوخًا في شريعتنا لأنه لا يجوز عندنا معاقبة البهائم. قال بعضهم: فإن قيل العرقبة تعذيب وذلك لا يجوز، قلنا بل ذلك جائز في شريعتنا إذا أراد أ، لا يمكن أحدًا من الانتفاع. وقد قال الحسن: قطع سوقها وأعناقها فعوضه الله تعالى خيرًا منها الريح تحري بأمره رخاء حيث أصابه. فهذه شريعة بائنة منعها الله
стр. 1402
تعالى في شرعنا بما ثبت من النهي عن قتل البهائم صيدًا وعن إفساد المال وأن فتن. وهذا الحديث في النهي عن قتل البهائم فيما اجتمعت الأمة على معناه فجاز نسخ القرآن به.
(٤٤) - قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾:
روي أن أيوب ﵇ لما مرض كانت زوجته تختلف إليه مدة مرضه فيلقاها الشيطان -في صورة طبيب مرة في وصورة ناصح مرة أخرى وعلى غير ذلك- فيقول لها: لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني لبرئ. لو ذبح عناقًا للصنم الفلاني لبرئ، ويعرض عليها وجوهًا من الكفر فكانت ربما عرضت ذلك على أيوب، فيقول لها: لقيت عدو الله في طريقك. فلما أغضبته بهذا ونحوه حلف لئن برئ ليضربنها مائة سوط. فلما برئ أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثًا فيه مائة قضيب، والضغث القبضة الكبيرة من القضبان ونحوها من الشكيس الرطب فيضرب بها ضربة واحدة فيبر يمينه. وهذا الحكم قد ورد مثله في شرعنا عن نبينا محمد ﷺ في رجل عليه حد زنا وكان زمنًا فأمر ﷺ أن يضرب بعذقة نخلة فيها شماريخ مائة فيضرب بها مائة ضربة. واختلف الناس هل هذا الحكم باق لم ينسخ؟ فذهب جماعة إلى أنه حكم باق محكم وأن من حلف ليضربن عبده مائة سوك يبر بجميعها وضربه بها ضربة واحدة، وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وزفر وعطاء، وذهب أكثر العلماء إلى ترك القول به، وهو قول مالك وأصحابه. إلا أن الذين ذهبوا إلى ذلك اختلفوا هل ذلك منسوخ بشريعتنا أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه منسوخ في شريعتنا وأن الحدود والبر في الأيمان لا يقع إلا بإتمام عدد الضربات. قال بعضهم: والناسخ لذلك من شريعتنا قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢] والذي يجلد بالضغث جلدة واحدة لم يجلد مائة جلدة وإنما جلد جلدة
стр. 1403
واحدة، وكتاب الله أولى أن يقتدى به. وذهب بعضهم إلى أنه كان ذلك الحكم خاصًا بأيوب ﵇ لا يشاركه فيه غيره. فعلى هذا لا يتصور في الآية نسخ، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى وقال أبو بكر بن العربي لما قال النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) ركب مالك رحمه الله تعالى عليها اليمين فاعتبر فيها النية أيضًا، ولعل أيوب ﵇ اقتضت يمينه ما أمر به من جمع الضغث. والذي أراه أن يمينه على أية صفة تصورت فإن الخالف يبر بجمع مائة سوط والضرب بها مرة واحدة. والأيمان إنما يراع فيها الأرفق بالناس ولا يؤخذ فيها بالتغليظ لما فيه من التنفير عن الدين والوقوع في المحظور وذلك قوي جدًا في الأيمان التي أخذ بها الناس. وقد قال مالك إمام الأئمة في قوله الحلال عليه حرام أنه إن حاشى زوجته بقلبه لم يلزمه فيها حنث وليس يبقى تحت اليمين بعدها شيء. فإن سائر الأعيان المحرمة -غير الزوجة- لا يحرم شيء منها بهذه اليمين. فيبقى اليمين لغوًا وتكون نيته في استثناء الزوج بقلبه رفعًا لليمين.
وفي الآية أيضًا دليل على أن للرجل أن يضرب زوجته وأن له أن يحلف ولا يستثني.
стр. 1404
سورة الزمر
وهي مكية إلا آيات اختلف في تعيينها. فقيل هي ثلاث آيات نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب وهي: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ... ﴾ [الزمر: ٥٣] الآيات. قالت فرقة بل إلى آخر السورة.
وقيل فيها قدر سبع آيات. وليس فيها أحكام ولا نسخ.
стр. 1405
سورة غافر
وهي مكية وقد روي في بعض آياتها أنها مدنية. وذلك ضعيف. وقد روى أنس عن النبي ﷺ أنه قال في الحواميم إنها ديباج القرآن وقال ﵊: ((مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب)) وفيها موضعان:
(٧) - قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ... ﴾ الآية.
هذه الآية فسرت المجمل من قوله تعالى في سورة الشورى ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى: ٥] لأن هذه الآية جاءت عامة في استغفار الملائكة لأهل الأرض مؤمنهم وكافرهم فخصصت هذه الآية بقوله تعالى فيها: ﴿للذين آمنوا﴾ الكافرين وبقيت الآية في الاستغفار للمؤمنين. هذا أحسن ما يقال في الآية. وهذا الاستغفار هو بمعنى قوله تعالى في غير هذه الآية: ﴿كان على ربك وعدًا مسؤلًا﴾ [الفرقان: ١٦] أي سألته الملائكة. وبعض الناس -وهو وهب بن منبه- يقول إن هذه الآية
следующие страницы →