← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

(٢٤) - قوله تعالى: ﴿وخر راكعًا وأناب﴾: لم ير الشافعي في هذا الموضع سجدة خلافًا لمالك رحمه الله تعالى فقال بعضهم لعل الشافعي لم ير ذلك لأجل أنها شريعة من قبلنا أو لأنها توبة نبي فليس فيها دلالة على الأمر بالسجود لنا. وهذا كله ضعيف. وقد روي عن النبي ﷺ أنه سجد فيها. (٣٣) - قوله تعالى: ﴿فطفق مسحًا بالسوق والأعناق﴾: اختلف في المسح في هذه الآية ما هو، فقيل مسحها بيده تكريمًا لها ومحبة كما فعل رسول الله ﷺ بفرسه، وهو قول ابن عباس وغيره. وقيل أراد بالمسح هنا الغسل بالماء. وقيل كان وسمًا في السوق والأعناق يوسم حبس في سبيل الله. وقيل إن المسح هنا بمعنى القطع، وقيل أنه قطع سوقها وأعناقها. وقال بعضهم قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة فرس فمن نسل تلك المائة كل ما يوجد اليوم من الخيل. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا لم فعل ذلك بها؟ فقيل لمجاعة كانت بالناس فعقرها لهم ليأكلوها وكان لحوم الخيل لهم إذ ذاك حلالًا. قال بعضهم وقد ذبحت الصحابة فرسًا وأكلوه، رواه مسلم عن جابر. وقيل بل فعل ذلك عقابًا للبهائم من أجل أنها شغلته عن صلاة العشي وهي صلاة العصر حتى غابت الشمس. فعلى هذا القول يكون هذا الأمر الذي كان منهاجًا له ﷺ منسوخًا في شريعتنا لأنه لا يجوز عندنا معاقبة البهائم. قال بعضهم: فإن قيل العرقبة تعذيب وذلك لا يجوز، قلنا بل ذلك جائز في شريعتنا إذا أراد أ، لا يمكن أحدًا من الانتفاع. وقد قال الحسن: قطع سوقها وأعناقها فعوضه الله تعالى خيرًا منها الريح تحري بأمره رخاء حيث أصابه. فهذه شريعة بائنة منعها الله

стр. 1402

تعالى في شرعنا بما ثبت من النهي عن قتل البهائم صيدًا وعن إفساد المال وأن فتن. وهذا الحديث في النهي عن قتل البهائم فيما اجتمعت الأمة على معناه فجاز نسخ القرآن به. (٤٤) - قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾: روي أن أيوب ﵇ لما مرض كانت زوجته تختلف إليه مدة مرضه فيلقاها الشيطان -في صورة طبيب مرة في وصورة ناصح مرة أخرى وعلى غير ذلك- فيقول لها: لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني لبرئ. لو ذبح عناقًا للصنم الفلاني لبرئ، ويعرض عليها وجوهًا من الكفر فكانت ربما عرضت ذلك على أيوب، فيقول لها: لقيت عدو الله في طريقك. فلما أغضبته بهذا ونحوه حلف لئن برئ ليضربنها مائة سوط. فلما برئ أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثًا فيه مائة قضيب، والضغث القبضة الكبيرة من القضبان ونحوها من الشكيس الرطب فيضرب بها ضربة واحدة فيبر يمينه. وهذا الحكم قد ورد مثله في شرعنا عن نبينا محمد ﷺ في رجل عليه حد زنا وكان زمنًا فأمر ﷺ أن يضرب بعذقة نخلة فيها شماريخ مائة فيضرب بها مائة ضربة. واختلف الناس هل هذا الحكم باق لم ينسخ؟ فذهب جماعة إلى أنه حكم باق محكم وأن من حلف ليضربن عبده مائة سوك يبر بجميعها وضربه بها ضربة واحدة، وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وزفر وعطاء، وذهب أكثر العلماء إلى ترك القول به، وهو قول مالك وأصحابه. إلا أن الذين ذهبوا إلى ذلك اختلفوا هل ذلك منسوخ بشريعتنا أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه منسوخ في شريعتنا وأن الحدود والبر في الأيمان لا يقع إلا بإتمام عدد الضربات. قال بعضهم: والناسخ لذلك من شريعتنا قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢] والذي يجلد بالضغث جلدة واحدة لم يجلد مائة جلدة وإنما جلد جلدة

стр. 1403

واحدة، وكتاب الله أولى أن يقتدى به. وذهب بعضهم إلى أنه كان ذلك الحكم خاصًا بأيوب ﵇ لا يشاركه فيه غيره. فعلى هذا لا يتصور في الآية نسخ، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى وقال أبو بكر بن العربي لما قال النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) ركب مالك رحمه الله تعالى عليها اليمين فاعتبر فيها النية أيضًا، ولعل أيوب ﵇ اقتضت يمينه ما أمر به من جمع الضغث. والذي أراه أن يمينه على أية صفة تصورت فإن الخالف يبر بجمع مائة سوط والضرب بها مرة واحدة. والأيمان إنما يراع فيها الأرفق بالناس ولا يؤخذ فيها بالتغليظ لما فيه من التنفير عن الدين والوقوع في المحظور وذلك قوي جدًا في الأيمان التي أخذ بها الناس. وقد قال مالك إمام الأئمة في قوله الحلال عليه حرام أنه إن حاشى زوجته بقلبه لم يلزمه فيها حنث وليس يبقى تحت اليمين بعدها شيء. فإن سائر الأعيان المحرمة -غير الزوجة- لا يحرم شيء منها بهذه اليمين. فيبقى اليمين لغوًا وتكون نيته في استثناء الزوج بقلبه رفعًا لليمين. وفي الآية أيضًا دليل على أن للرجل أن يضرب زوجته وأن له أن يحلف ولا يستثني.

стр. 1404

سورة الزمر وهي مكية إلا آيات اختلف في تعيينها. فقيل هي ثلاث آيات نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب وهي: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ... ﴾ [الزمر: ٥٣] الآيات. قالت فرقة بل إلى آخر السورة. وقيل فيها قدر سبع آيات. وليس فيها أحكام ولا نسخ.

стр. 1405

سورة غافر وهي مكية وقد روي في بعض آياتها أنها مدنية. وذلك ضعيف. وقد روى أنس عن النبي ﷺ أنه قال في الحواميم إنها ديباج القرآن وقال ﵊: ((مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب)) وفيها موضعان: (٧) - قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ... ﴾ الآية. هذه الآية فسرت المجمل من قوله تعالى في سورة الشورى ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى: ٥] لأن هذه الآية جاءت عامة في استغفار الملائكة لأهل الأرض مؤمنهم وكافرهم فخصصت هذه الآية بقوله تعالى فيها: ﴿للذين آمنوا﴾ الكافرين وبقيت الآية في الاستغفار للمؤمنين. هذا أحسن ما يقال في الآية. وهذا الاستغفار هو بمعنى قوله تعالى في غير هذه الآية: ﴿كان على ربك وعدًا مسؤلًا﴾ [الفرقان: ١٦] أي سألته الملائكة. وبعض الناس -وهو وهب بن منبه- يقول إن هذه الآية

стр. 1406

ناسخة لآية الشورى. وهو قول ضعيف لأن الآية خبر والأخبار لا يدخل فيها النسخ. وقد يحتمل أن يقال في آية الشورى إنها على عمومها من استغفار الملائكة لأهل الأرض إلا أن استغفارهم للمؤمنين على حقيقة الاستغفار واستغفارهم للكافر بمعنى طلب المغفرة له وهدايتهم. وعلى هذا النحو ساق بعضهم استغفار إبراهيم ﵇ لأبيه واستغفار رسول الله ﷺ للمنافقين. وقد قال بذلك قوم. فهذه ثلاثة في الآيتين، أحدها: أن آية غافر مخصصة لآية الشورى وهو أحسن الأقوال كما قدمنا. والثاني: أنها ناسخة لها، وهو ضعيف. والثالث: أنها ليست ناسخة ولا مخصصة وأن هذه الآية التي في غافر في المؤمنين خاصة، والتي في الشورى للمؤمنين والكافرين، إلا أن الاستغفار للمؤمنين بخلاف الاستغفار للكفار. وقد حكى عن بعض الصلحاء أن رجلًا قال له استغفر لي. فقال له تب واتبع سبيل الله يستغفر لك من هو خير مني، وتلا هذه الآية. وقال ابن الشخير وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة وأغش العباد للعباد الشياطين، وتلا هذه الآية. وقد ذهب النقاش إلى أن في هذه الآية دليلًا له على بطلان قول من زعم أنه لا يجوز للعباد أن يسألوا الله تعالى فعل ما أخبر أنه لا يفعله. (٥٥) - الثاني قوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾: فهذه الآية فيها مهادنة. وقال الكلبي: نسخت بآية القتال آية الصبر حيث وقع.

стр. 1407

سورة فصلت وهي مكية، وهي التي فزع منها عتبة بن ربيعة وأرعد وأمسك بفم رسول الله ﷺ وناشده الله تعالى أن يمسك. وليس فيها أحكام ولا نسخ إلا مواضع يسيرة. (٣٣) - قوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين﴾: اختلف في هذه الآية هل هي عامة أو خاصة؟ فمن الناس من حملها على عمومها منهم الحسن قال: والمراد من: ﴿دعا إلى الله﴾ تعالى وإلى طاعته من الأنبياء والمؤمنين. وذهب جماعة إلى أنها في النبي ﷺ وخصصوا الآية. وذهب ابن أبي حازم وعائشة وعكرمة إلى أنها نزلت في المؤذنين. قال ابن أبي حازم وابن عباس: ﴿وعمل صالحًا﴾ هو الصلاة بين الأذان والإقامة ومعنى هذا -والله تعالى أعلم- أن المؤذنين داخلوان في

стр. 1408

عمومها لا أنها خاصة بهم لأنها إنما نزلت بمكة والأذان إنما كان بالمدينة بلا خلاف. وقد قال الفضيل بن رفيدة: كنت مؤذنًا في أصحاب ابن مسعود فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أكملت الأذان فقل إني من المسلمين، ثم تلا الآية واستدل بعضهم بهذه الآية على أنه جائز أن يقول المسلم: أنا مسلم بلا استثناء، خلافًا لمن كره ذلك. (٣٤) - قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾: قيل كان هذا قبل فرض القتال. (٤٤) - قوله تعالى: ﴿ولو جعلناه قرآنًا أعجميًا لقالوا ... ﴾: فيه دليل على أن القرآن نزل بلغة العرب وأنه ليس أعجميًا وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنًا. وقد استدل قوم بهذه الآية على رد من يقول إن في القرآن ألفاظًا أعجمية.

стр. 1409

سورة الشورى وهي مكية. وقال مقاتل: فيها مدني قوله تعالى: ﴿ذلك الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا ... ﴾ إلى ﴿الصدور﴾ [الشورى: ٢٤] وقوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿من سبيل﴾ [الشورى: ٣٩]. وقال ابن عباس: إن ﴿حم * عسق﴾ هذه الحروف بأعيانها نزلت في جميع كتب الله المنزلة على كل نبي أنزل عليه كتاب، ولذلك قال تعالى: ﴿وكذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله﴾ وفيها مواضع من الأحكام والنسخ. (٥) - الأول قوله تعالى: ﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ... ﴾ الآية: قد تقدم الكلام في سورة غافر على هذه الآية بما يغني عن إعادته. (٦) - الثاني قوله تعالى: ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾: في هذه الآية موادعة وهي منسوخة بآية السيف.

стр. 1410

(١٥) - الثالث قوله تعالى: ﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ الآية: اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب ابن عباس ومجاهد إلى أنها منسوخة بآية القتال. وذهب قوم إلى أنها محكمة بأن المعنى: لنا جزاء أعملنا ولكن جزاء أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم. (٢٠) - الرابع قوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الديا نزد له في حرثه ... ﴾ الآية: القول فيها كالقول فيمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة هود. وحكى بعضهم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ [الإسراء: ١٨]. والقول بالنسخ في هذا وأشباهه بعيد، والصواب أنها محكمة. وهذه الآية مثل قوله ﵊: ((من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) قال أبو الحسن: وفيه دليل على أن من حج عليه غيره لا يقع عليه اسم الحاج ومن توضأ للتبرد والتنظف لا يكون متوضئًا للصلاة. (٢٣) -الخامس قوله تعالى: ﴿قل ما أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾: اختلف في معناها، فقيل هي مكية نزلت في صدر الإسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم، أي ما أسألكم على القرآن والدين والدعاء إلى الله تعالى إلا أن تؤذوني بقرابة هي بيني وبينكم، فكفوا عن أذاكم. قال ابن عباس وغيره: ولم يكن في قريش بطن إلى ولرسول الله ﷺ فيهم

стр. 1411

نسب أو صهر والآية عندي على هذا القول منسوخة بآية القتال لأن فيها مهادنة. وقال ابن عباس أيضًا ما يقتضي أنها مدنية وذلك أنه قال سببها أن قومًا من شباب الأنصار فاخروا المهاجرين ومالوا بالقول على قريش فنزلت الآية على ذلك على معنى ألا تؤذوني فتراعوني في قرابتي وتحفظوني فيهم. وقال هذا أيضًا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وغيره. وقال ابن عباس أيضًا فيما روي عنه سبب الآية أن الأنصار جمعت مالًا وساقته لرسول الله ﷺ فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضًا معنى الآية في قربى الطاعة والتزلف إلى الله تعالى كأنه قال إلا أن تؤذوني لأني أدعوكم إليه وأريد هدايتكم إليها. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: إلا أن تتوددوا إلى الله تعالى بالتقرب إليه. وقال عبد الله بن القاسم معنى الآية إلا أن يتودد بعضكم إلى بعض وتصلوا أقرباءكم. فالآية على هذا في صلى الرحم. فعلى ما تقدم يأتي في الآية هل هي مكية أو مدنية قولان، وإذا قلنا مدنية يأتي في سبب نزولها قولان. وعلى قول عبد الله بن القاسم وقول الحسن في معنى الآية لا يختلف عندي في أنها محكمة، وأما سائر الأقوال فمختلف فيها عل هي منسوخة بآية سبأ أم لا؟ فذكر بعضهم عن ابن عباس أيضًا وجماعة معه أنها منسوخة لقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ [سبأ: ٤٧]. وذهب قوم إلى أنها محكمة. (٣٩)، (٤٠) - قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾: اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة، قالوا وكانت قد نزلت في بغي المشرك على المؤمن فأباح لهم الانتصار عليهم دون تعد وجعل العفو والإصلاح مقرونًا بأجر ثم نسخ ذلك

стр. 1412

بآية السيف. وذهبت جماعة إلى أنها محكمة واختلفوا في معناها بعد اتفاقهم على أن من بغي عليه فجائز له أن ينتصر بيد الحق وحكام المسلمين. فذهب قوم إلى أنهم كانوا يكرهون أن يذلوا نفسهم فيجترئ عليهم الفساق. وقال مقاتل الآية في المجروح المنتصف من الجارح بالقصاص. فعلى هذا الآية في المؤمنين خاصة، ومن بغي عليه من ظلم فجائز له أن ينتصف لنفسه ويخون من خانه في المال حتى ينتصف منه. وقالوا إن الحديث: ((ولا تخن من خانك)) إنما هو في رجل سأل رسول الله ﷺ هل يزني بحرمة من زنى بحرمته فقال له النبي ﷺ : ((ذلك يريد به الزنا)). وإلى هذا ذهب الشافعي. واحتج أيضًا بحديث هند امرأة أبي سفيان، وأنكره مالك وغيره ولم يروا الآية بهذا المعنى واحتجوا بعموم الحديث: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)) ورجح قوم من العلماء الانتصار من الظالم وقالوا انتصار بالواجب تغيير منكر، ومن لم ينتصر مع إمكان الانتصار فقد ترك تغيير المنكر. (٤٠) - قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾: قال السدي وغيره معنى الآية أن الرجل إذا شتم بشتيمة فله أن يردها بعينها دون أن يتعدى. قال الحسن بن أبي الحسن: ما لم يكن حدًا أو عوراء جدًا وقال إسماعيل القاضي: السيئة هنا قد تكون القتل والجراح والقذف والسب والتعدي في المال وغير ذلك من الأفعال القبيحة، فمن فعل به شيئًا من ذلك فالعفو فيه أفضل وإن أحب القصاص فله أن يفعل ولا يتعدى زيادة. وليس المقتص بمعتد إذا لم يتجاوز في أخذ حقه، ولا

стр. 1413

القصاص تعديًا، وإنما سماه الله تعالى إساءة لأنه إجزاء إساءة فسمي بذلك توسعًا وتجوزًا كما قال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النمل: ١٢٦]. والأول ليس بعقاب وإنما المعاقب المجازى ولكنه سمي باسم المختص للمجازاة. وهذا كثير في القرآن والحديث وكلام العرب. (٤١) - قوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾: هذا بلاغ في إباحة الانتصار. والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك أو بين المؤمنين على ما تقدم؟ (٤٣) - قوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾: من رأى أن هذه الآية فيما بين المؤمنين والمشركين وأن الصبر للمشركين كان أفضل قال إن الآية نسخت بآية السيف، ومن رأى أن الآية إنما هي بين المؤمنين قال هي محكمة والصبر والغفران أفضل إجماعًا. وقال أبو الحسن: قد ندبنا الله تعالى في كتابه العزيز إلى العفو عن حقوقنا قبل الناس فقال تعالى: ﴿وأن تعفو أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال في شأن القصاص: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ [النور: ٢٢] وأحكام هذه الآية غير منسوخة. (٣٩) -قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾: يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل وهو محمول على ما ذكر النخعي من أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يدلوا أنفسهم فيجترؤوا عليهم الفساق بهذه الآية في الانتصار فمن تعدى وأصر على ذلك، والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادمًا مقلعًا وقد قال عقب هذه الآية: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ ويقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به. وقال إسماعيل القاضي في قوله تعالى:

стр. 1414

﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾، وهذا عندي أن الله تعالى أعلم فيما كان لله من أمر ونهي عن باطل أو منكر. فمن فعل ذلك به فلا ينبغي له أن يصبر على المذلة بل يعز نفسه، ففي ذلك إعزاز للدين. وأما إذا كان البغي عليه في نفسه لا يتعدى إلى الشريعة فصبر واحتسب فذلك حسن.

стр. 1415

سورة الزخرف وهي مكية وفيها مواضع من الأحكام. (١٨) - قوله تعالى: ﴿أومن ينشأ في الحلية﴾: الآية فيها دليل على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه، والأخبار فيه لا تحصى. (٢٢) - قوله تعالى: ﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾: في هذه الآية دليل على إبطال التقليد لذمه إياهم على تقليد آبائهم وتركهم النظر. (٣٣) - قوله تعالى: ﴿لبيوتهم سقفًا من فضة﴾: استدل بعضهم بهذه الآية على أن السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلوي إذ هو منسوب إلى البيت وفي ذلك قولان في المذهب:

стр. 1416

أحدهما: هذا المستدل عليه بالآية، والآخر: أنه لرب العلو. وهذا الاحتجاج بالآية ضعيف لأن اللام فيها لا توجب ملكًا لأنها مثل اللام في قولهم: الدابة للسائس، وهي ليست له. فإذا كان كذلك لم يجب من إضافة السقف إلى البيت إضافته لرب البيت مع أنه لو أضيف إلى رب البيت لكان الأمر محتملًا فكيف ول يضف. (٣٧) - قوله تعالى: ﴿وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون﴾: قال النقاش في قوله: ﴿ويحسبون أنهم مهتدون﴾ رد على من يقول إنه ليس أحد يفارق الحق إلا ويعرف أنه ضال، وإن كفر فعلى وجه العناد. قال وفيها أيضًا دلالة على رد قول من زعم إن المعارف اضطرارية. (٤٤) - قوله تعالى: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾: اختلف في الآية، فذهب الحسن بن أبي الحسن إلى أن الذكر بمعنى التذكرة والموعظة والقوم: أمته ﷺ بأجمعها. وذهب ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم إلى أن الذكر الشرف والحمد في الدنيا، والقوم قريش ثم العرب. قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه سلم يعرض نفسه على القبائل فإذا قالوا له فيمن يكون الأمر من بعدك سكت حتى نزلت هذه الآية. فكان إذا سئل بعد هذه الآية على هذا القول دلالة على أن الخلافة إنما هي في قريش خلافًا لمن رأى أن قريشًا وغيرها في ذلك سواء. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((ال يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) وجاءت أحاديث غير ذلك كثيرة في هذا المعنى تعضد دليل الآية. (٥٨) - قوله تعالى: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا﴾: قال النقاش قد استدل بهذه الآية مبطلو القياس والنظر والجدل وزعموا

стр. 1417

إنه إفصاح أو كالإفصاح بذم الجدل، والرد عليهم أن يقال إنه تعالى لم يرد بهذا القول ذم الجدل بل أخبر أنهم لم يريدوا بسؤالهم تثبتًا ووقوفًا عندنا ما يوجبه السؤال. عبر عن ذلك بالجدل ولا ينكر أن يكون من الجدل ما هو مذموم، فهو الذي أراد تعالى. وقد روى أبو أمامة عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما ضل بعد هدي كانوا عليه إلا وأوتوا الجدل)) ثم قرأ: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلًا﴾ ورأى ﵊ قومًا يتنازعون في القرآن فغضب حتى كأنما صب في وجهه الخل وقال: ((لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فما ضل قوم إلا أوتوا الجدل)). فهذا كله ينبغي أن يحمل على الجدل المذموم وهو الذي لا يراد به إظهار حق. (٨٦) - قوله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعدلون﴾: فيه دليل على أن من شرط الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالمًا بها. ونحو ما روي عن النبي ﷺ : ((إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع)). (٨٣) -قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون﴾: في هذه الآية موادعة وهي منسوخة بآية السيف. (٨٩) - قوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾: السلام: المسالمة، وقيل التسليم على جهة الموادعة. والآية منسوخة لما فيها من الموادعة بآية السيف.

стр. 1418

سورة الدخان وهي مكية. (٤٨) - قوله تعالى: ﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم﴾: في الآية أن الكافر يصب على رأسه من حميم جهنم وهو ماء يغلي من ذوب وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ [الحج: ١٩] وإلى هذا نظر بعض ولاة المدينة فإنه كان يصب الخمر على رأس الذي يشربها أو توجد عنده عقوبة له وأدبًا، كذا ذكر في واضحة ابن حبيب. وهذا استدلال ضعيف لأن أحكام الله تعالى في عبيده في الآخرة لا يقاس عليها أحكام عبيده فيما بينهم في الدنيا لبعد ما بن الأمرين من الشبه.

стр. 1419

سورة الجاثية وهي مكية. (١٤) - قوله تعالى: ﴿قل للذين أمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾: اختلف في الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب أكثر الناس إلى أنها منسوخة وأنها نزلت في صدر الإسلام يأمر الله تعالى بها المسلمين أن يتجاوزوا عن الكفار وأن لا يعاقبوهم بذنب، بل يأخذون أنفسهم بالصبر لهم. وبقي الأكثر كذلك حتى نسخ بآية القتال. وذهب قوم إلى أنها محكمة، قالوا والآية تتضمن الغفران عمومًا لأنها يراد بها الخصوص كالأمور المحقرة من الجفاء ونحو ذلك. والعفو عن هذه أقرب للتقوى. وقال ابن عباس لما نزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال فنحاص اليهودي: احتاج رب محمد. فأخذ عمر سيفه ومده ليقتله، فرده رسول الله ﷺ وقال له: ((إن ربك يقول)): ﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾. فهذا احتجاج بها مع قدوم نزولها. وذكر بعضهم أنها نزلت في عرم بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بمكة لما أراد أن يبطش بمشرك شتمه.

стр. 1420

سورة الأحقاف وهي مكية. وقال بعضهم هي مكية إلا آيتين وهما قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند غير اله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ [الأحقاف: ١٠] وقوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ الآية [الأحقاف: ٣٥] فهما مدنيتان وضعتا في سورة مكية. (٤) - قوله تعالى: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾: في هذه الآية -والتي قبلها- بيان أدلة العقل وأدلة السمع. فقال أولا: ﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات﴾ فهذا احتجاج بالمعقول. ثم قال: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾ فاحتج عليهم بطريق السمع، وهما قسمان: أدلة العقل والنقل. وقوله: ﴿أو أثارة من علم﴾: اختلف في معنى: ﴿أو أثارة﴾ فقيل بقية من علم، وقيل هو الإسناد، وقيل خاصة من علم، وقيل شيء تؤثرونه من غيركم وأنشدوا في صفة الناقة: وذات أثارة أكلت عليه ... نباتًا في أكمته ففارا

стр. 1421

وأراد بالأثارة من البيت من شحم. وقال ابن عباس: المراد بالأثارة الخط في التراب وذلك شيء كانت العرب تفعله وتتكهن به. وروي أن النبي ﷺ سئل عن ذلك فقال: (كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذلك)). وروي فمن وافق علمه. فاحتج كثير من العلماء بالآية على قول ابن عباس وبالحديث المذكور وأجازوا الخط في التراب ورأوا أنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه. وأنكرته طائفة وقالوا إن معنى ما في الحديث في الإنكار -أي أنه كان من فعل نبي- قد ذهب وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك فمن ثم قال: فمن وافق خطه فذلك على جهة الإبعاد أي أن ذلك لا يمكن ممن ليس بنبي ميسر لذلك، وهو كما لو سئل إنسان فقيل له: أيطير الإنسان؟ فيقول: إنما يطير إذا كان له جناحان أي أن ذلك لا يكون. (٩) -قوله تعالى: ﴿قل ما كنت بدعًا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾: اختلف في معنى الآية، فذهب ابن عباس وعكرمة وعطاء وغيرهم إلى أن معنى الآية ما ندري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة. فقالوا وكان هذا في صدر الإسلام ثم بعد ذلك عرفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة وأن الكافرين في نار جهنم. والحديث الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يعضد هذا وهو قوله ﵊: ((فوالله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي)). واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل يقال في نسخ أم لا؟ فقال بعضهم إن هذه الآية منسوخة بسورة الفتح وبقوله في المؤمنين: ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] ولم ير يعضهم هذا نسخًا وهو الصحيح لأنه ﵊ لا يعرف إلا ما عرف

стр. 1422

فأخبر عن أول أمره أن يعلمه الله تعالى بحاله وحال المؤمنين بما كان عليه في ذلك الوقت من عدم المعرفة بذلك، ثم أعلمه الله تعالى بعد ذلك فعلم. وأي نسخ في هذا، ومتى ثبت بعدم معرفته ﷺ فارتفع بوجوبها فيسمى نسخًا. والذي ينبغي أن يقال في الآية أن قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ إنما يرجع إلى عدم المعرفة بالخاتمة وأما من مات على الإيمان فلم يزل ﵊ من أول رسالته عالمًا فأنه ينجو، وإلا فقد كان الكفار يحتجون عليه، ويقولون كيف تدعوننا إلى ما لا تدري له عاقبة، وكيف نركب معك هذا الخطر ولم نعلم أن أحدًا من الكفار احتج بذلك. فثبت بهذا أنه تعالى لم يزل عالمًا بأن الموافى على الإيمان في الجنة وأن من وافى على ضد ذلك في النار. وبهذا المعنى تكون الآية باقية المعنى إلى يوم القيامة. وذهب الحسن بن أبي الحسن وغيره إلى أن معنى الآية: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من أن أنصر عليكم أو تنصروا علي. وذكر بعضهم عن الحسن أن معناها: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من غلاء أو رخص أو مرض أو غير ذلك من الأحداث. وقال قوم المعنى: ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وما يلزم الشريعة من أغراضها. وقال بعضهم: نزلت الآية في أمر كان النبي ﷺ ينتظره من الله تعالى في غير الثواب والعقاب. وروي عن ابن عباس أنه لما تأخر خروج رسول الله ﷺ من مكة حين رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وسبخة قلق المسلمون لتأخره فنزلت الآية. فالآية في هذه الأقوال كلها إنما هي في أمور الدنيا. ولا خلاف على أن ذلك بأن الآية محكمة مختلف في عدم الدراية إلى ما ترجع. والأصح من ذلك ما أشرنا إليه فيما تقدم. (١٥) - قوله تعالى: ﴿حملته أمه كرها ووضعته كرهًا وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾: احتج بعض الشيوخ بقوله تعالى: ﴿حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا﴾

стр. 1423

على أن أجرة القابلة على المرأة. وقد مر الكلام على المسألة في البقرة. وقوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله﴾: هذه الآية تقتضي أن مدة الحمل والرضاع هي هذه المدة. والتقدير مدة الحمل وفصاله، ثم حذف. وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصًا وذلك إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وترضع عامين وإما أن تلد لتسعة أشهر على العرف وترضع عامين غير ربع عام، فإن زادت مدو الحمل نقصت مدة الرضاع وبالعكس. وإنما ذكر الله تعالى في هذه الآية أقل مدتي الحمل والرضاع فيجب من هذا أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأقل ما يرضع الطفل عما وتسعة أشهر، وإكمال العامين هو لمن أراد أن يتم الرضاعة. وهذا في أمر الحمل وهو مذهب علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة. وهو مذهب مالك. فالذي تحصل من هذه الآية أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إلا أنه نادر في النساء لأن أكثرهن يلدن لتسعة أشهر ومنهن من تلد لسبع فيعيش الولد كذلك في الست. فأما من يولد لثمان فلا يعيش إلا عيسى ابن مريم ﵇ ولد لثمانية أشهر فكان ذلك من الآيات فيه كما خلق من غير أب. وأما أكثر الحمل فقد اختلف فيه، فقيل عن مالك أنه أربع سنين وهو نادر. وروي عن مالك أنه لا يرى الخمس سنين بعدًا. وروي عن الليث وابن عجلان سبع سنين، وروي عن عثمان البتي ثمان سنين. وقال أبو حنيفة سنتان. وقد ذكر أن بعض المتأخرين قال: لا أجاوز بالحمل تسعة أشهر. وهذا قول لا يلتفت إليه. وأما أكثر الرضاع فلا حد له. وقد مر الكلام على معنى الآية بأوعب من هذا.

стр. 1424

سورة القتال وهي مدنية. وذكر بعضهم أن قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ... ﴾ الآية [القتال: ١٣] نزلت بمكة وقت دخوله ﷺ عام الفتح أو سنة الحديبية. وما كان مثل هذا فهو مردود في المدني لأن المراعى في ذلك إنما هو ما كان قبل الهجرة أو بعدها. وفيها من الأحكام والنسخ مواضع. (٤) - قوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾: قد تقدم الكلام على معنى هذه الآية وحكمها في سورة براءة بما أغنى عن إعادته هنا. وقول تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾:

стр. 1425

قيل معناها حتى تذهب وتزل أثقالها. والأوزار الأثقال. وقيل الأوزار الآثام لأن الحرب لا بد أن يكون فيها آثام في حد الجهتين، وقيل السلاح. واختلف في الغاية التي عندها تضع الحرب أوزارها، فقال مجاهد وغيرهما حتى يسلم الجميع فتضع الحرب أوزارها، فقال قتادة ومجاهد وغيرهما حتى يسلم الجميع فتضع الحرب أوزارها. وقال بعض أهل النظر حتى تقلبوهم وتقتلوهم. وقال مجاهد أيضًا حتى ينزل عيسى ابن مريم. وظاهر اللفظ أنه استعارة يراد بها التزام الأمر أبدًا. (٩) - قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالكم﴾: هذه الآية تقتضي أن أعمالهم في كفرهم التي في وجوه البر مقيدة محفوظة. ولا خلاف أن الكافر له حفظة يكتبون سيئاته. واختلف الناس في حسناتهم، فقال قوم هي ملغاة يثابون عليها بنعم الدنيا فقط. وقال قوم هي محصاة من أجل ثواب الدنيا ومن أجل أنه قد يسلم فيضاف ذلك إلى حسناته في الإسلام. وهذا أحد التأويلين في قول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: ((أسلمت على ما سلف لك من خير)) فقوم قالوا معناه أسلمت على بعد ما سلف لك من خير، وهو الذي أشرنا إليه. وقال قوم معناه إسقاط ما سلف لك من خير إذ قد أثبت عليه بنعم دنياك. وذكر الطبري أن أعمالهم التي أخبر الله تعالى في هذه الآية بحبطها هي عبادتهم الأصنام وكفرهم. ومعنى أحبط جعلها من العمل الذي لا يذكر ولا يعتد به فهي لذلك كالذي أحبط. (١٩) - قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾:

стр. 1426

احتج بهذه الآية من أهل السنة من قال إن العلم والنظر قبل القول، والإقرار في مسألة أول الواجبات. وقد بوب عليه البخاري العلم قبل القول والعمل لقوله : ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. قال النقاش: وفي الآية رد على من زعم أن الأنبياء لا ذنوب لهم وعلى من زعم أن كل معصية كبيرة وعلى كل من زعم أن كل معصية كفر. (٣٠) - قوله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾: احتج بهذه الآية من جعل الحد في التعريض بالقذف. (٣٣) - قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾: احتج به قوم في أن التحلل عن التطوع صلاة كان أو صيامًا بعد التلبس به لا يجوز لأن فيه إبطال العمل. وقال غيرهم المراد بالأمر إبطال ثواب العمل المفروض. قال فإن قيل اللفظ عام للفرض والنفل، وقلنا العام مجبور تخصيصه ووجه تخصيصه أن النفل تطوع والتطوع يقتضي تخييرًا. (٣٥) - قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم﴾: وقرأ بعضهم ﴿إلى السلم﴾ والمعنى واحد على المشهور من القول. وقال بعض من كسر السين إنه بمعنى الإسلام أي لا تهنوا وتكونوا داعين إلى الإسلام فقط غير مقاتلين بسببه. والقول المشهور في كسر السين وفتحها أنه بمعنى الصلح. واختلف في الآية على هذا هل هي ناسخة لقوله : ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١] أم لا؟ فذهب قوم إلى أنها ناسخة لها، وذهب آخرون إلى أنها ليست بناسخة لها وأنهما محكمتان ثم اختلفوا في الجمع بينهما. فمن الناس من قال قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا

стр. 1427

للسلم﴾ الآية في قوم بأعيانهم وهذه عامة. ومنهم من قال: إنها نزلت في وقتين مختلفي الأحوال وقال قتادة: معنى الآية لا تكونوا أول الطائفتين صدعت للأخرى.

стр. 1428

سورة الفتح نزلت هذه السورة على النبي ﷺ في انصرافه من الحديبية فهي في حكم المدني وقالت جماعة إنها نزلت بالمدينة والأول أصح. وفيها مواضع. (١)، (٣) - قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ الآية: وقد تقدم الكلام على هذه الآية هل هي ناسخة أم لا بما أغنى عن إعادته هنا. (١٦) - قوله تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد﴾ الآية. المراد بها فارس والروم وقيل إنه بنو حنيفة. وفيه دلالة على صحة إمامة أبي بكر الصديق وعمر رضي الله تعالى عنهما، لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة وعمر دعاهم إلى قتال فارس ولروم وألزمهم اتباع طاعة من يدعوهم إليه قوله تعالى: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرًا

стр. 1429

حسنًا﴾ الآية لأنه تعالى أوعدهم على التخلف عن دعاء من دعاهم إلى ذلك فدل على صحة إمامتهما. (٢٥) - قوله تعالى: ﴿والهدي معكوفًا أن يبلغ محله﴾: المحل مكة. وقيل الحرم. وانظر الكلام على ذلك في قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله تعالى: ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا﴾: فيه دلالة على ما قال مالك والشافعي أنه لا تحرق سفينة الكفار إذا فيها أسارى المسلمين. وكذلك الحصن إذا كان فيه أسارى المسلمين. وأبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري جوزوا رمي حصون المشركين وإن شملت على أسارى وأطفال من المسلمين وزادوا فقالوا: إن تترس الكفار بأطفال المسلمين رمي المشركون وإن أصابوا أحدًا من المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة. وقال الثوري فيه الكفارة ولا دية فيه. ويحتج الشافعي أيضًا بقوله: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ... ﴾ الآية. وفيه دلالة على منع رمي الكفار لأجل من فيهم من المسلمين. (١٧) - قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾: عذر الله تعالى في هذه الآية أهل العذر من العرج والعمى والمرض، ورفع الحرج عنهم في كل جهاد إلى يوم الدين إلا أن

стр. 1430

يحدث حادث في مستقر ما. فالفرض متوجه بحسب الرسع، ومع ارتفاع الحرج إذا حضروا الغزو فأجرهم فيه مضاعف, وقد غزا ابن أم مكتوم وكان يمسك الراية في بعض حروب القادسية رضي الله تعالى عنه وعن سائر الصحابة أجمعين.

стр. 1431

سورة الحجرات مدنية، وفيها مواضع. (١)، (٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ... ﴾ إلى قوله: ﴿أن تحبط أعمالكم﴾: اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل هو ما كانت العرب تفعله من مشاركة رسول الله ﷺ في الأداء. فربما كان بعضهم يقول: لم يزل كذا في معنى كذا، ولو فعل الله كذا، وينبغي أن يكون كذا ونحو ذلك، فنزلت الآية. وقيل إ، سببها أن وفد بني تميم لما قدم قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله لو أمرت القعقاع بن معبد وقال عمر بن الخطاب يا رسول الله أمر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتهما، فنزلت الآية. وأكثرهم لم يذكر لها سببًا واختلفوا في معنى التقدم في الآية ما هو؟ فقيل هو من تقديم الولاة، وهذا قول من قصر الآية على

стр. 1432

سببها من حديث أبي بكر وعمر. وقيل المعنى: لا تذبحوا قبل ذبحه، وهو قول الحن بن أبي الحسن. قيل معناه النهي عن صيام يوم الشك. وحكى عن مسروق أنه قال: دخلت عائشة في يوم الشك فقالت للجارية: أسقيه عسلًا، فقلت إني صائم. فقالت: نهى رسول الله ﷺ عن صيام هذا اليوم وفيه نزلت ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. وهذا يرد قول من يجيز صيام يوم الشك. وقيل معنى الآية: لا تمشوا بين يدي رسول الله وكذلك بين العلماء فإنهم ورثة الأنبياء، وحكي هذا عن زيد. وقيل معناها لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وهو قول ابن عباس. والأحسن في الآية أن تحمل على عمومها في كل ما كان يمكن أن يتمثل فيه رأى رسول الله ﷺ وفي كل ما يكون فيه امتثال أمره ونهيه وفي كل ما يمكن فيه تعظيمه. ويحتج بهذه الآية في اتباع الشرع من كل ما ورد وصدر وربما احتج به نفاة القياس. (٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾: اختلف أيضًا في سببه. فقيل نزلت بسبب عادة من الجفاء وعلو الصوت والجهر وكان ثابت بن قيس بن شماس ممن في صوته جهارة، فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته ولم يخرج وهو كئيب حزين. حتى عرف رسول الله ﷺ ذلك فبعث إليه فآنسه وقال له: ((امش في الأرض بسطًا فإنك من أهل الجنة)) وقال له مرة: ((أما ترضى أن تعيش حميرًا وتموت شهيدًا)) فعاش كذلك ثم قتل باليمامة يوم مسليمة. وقيل إن سبب قصة أبي بكر وعمر المتقدمة. حقيقة معنى الآية الأمر بالتعظيم لرسول الله ﷺ والتوقير وحفظ الصوت بحضرته. وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره ﵊ وكره بعضهم رفع

стр. 1433

الصوت في مجالس الفقهاء تشريفًا لهم أنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (٦) - قوله تعالى: ﴿يا أيها آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا بجهالة﴾: وسببها أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقًا. ثم اختلف الرواة في حاله، فقيل إنه كاذبًا معاديًا لهم فأراد إذايتهم فرجع من بعض طريقه وكذب عليهم وقال للنبي ﷺ إنهم قد منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا فغضب النبي ﷺ وهم بغزوهم ونظر في ذلك. وبعث خالد بن الوليد فورد فوجدهم منكرين لذلك. وقيل إنه لما قرب منهم خرجوا إليه متلقين له فلما رآهم من بعد فزع منهم وظن بهم الشر وانصرف، فقال ما ذكرناه. وقيل إنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم بهم الشر وانصرف، فقال ما ذكرناه. وقيل إنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم قالوا لا نعطيه الصدقة فعمل على صحة الخبر وانصرف فقال ما ذكرناه، فنزلت الآية بهذا السبب. والمشار إليه في الآية لفاسق هو الوليد على ما قال جماعة من المفسرين ثم هي باقية فيمن اتصف بهذه الصفة آخرها الدهر. والفاسق هو كل من ظهرت جرحته على غير تأويل منه فيها بشهادة مثل هذا، وروايته غير مقبولة باتفاق. واستثنى الجميع من جملة ذلك ما لا تعلق له بالشهادة ولا بالرواية مثل قول الفاسق: قد أهدى له فلان هذه الهدية ونحو ذلك. قالوا وكذلك يقبل في مثل هذا خبر الكافر. واستدل بعضهم

стр. 1434

بهذه الآية على وجوب قبول خبر الواحد إذا كان عدلًا لأنه تعالى أمر بالتثبت في نبأ الفاسق. فنبأ العدل إذا بخلافه على القول بدليل الخطاب بوجوب العمل بخبر الواحد. قال مالك الجماهير: وذهبت القدرية ومن تابعهم من أهل الظاهر إلى أن العمل به محرم. وهذا قول فاسد ترده الأصول. إذا قلنا بقبول خبر الواحد فهل يقبل في ذلك رجل واحد أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يقبل في ذلك الواحد. وذهب الجبائي إلى أنه لا يقبل إلا خبر رجلين. وقال قوم لا بد من أربعة. ودليل خطاب الآية التي يدل على قبول خبر الواحد برد هذين القولين ويصحح القول الأول لأن الذي جاء بالنبأ المذكور في الآية إنما كان واحدًا فنهى عن قبوله فدل أن الواحد إذا كان عدلًا بخلافه، فيجب إذن على ذلك أن يقبل خبر الواحد بين الأصوليين في مثل هذ الاستدلال خلاف. واستدل بعضهم بالآية أيضًا على أن المسلمين على الجرحة حتى تثبت العدالة، وهو قول مالك وأصحابه، ورودوا بذلك قول أبي حنيفة ومن تابعه أنهم محمولون على العدالة حتى تثبت الجرحة، قالوا لأن الله تعالى أمر بالتثبت في خبر الفاسق. والمجهول الحال يحتمل أن يكون فاسقًا فيجب التثبت أيضًا في قوله، فإن حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة. فنص الآية أن الفاسق لا تقبل روايته ولا شهادته، وقد أجاز أبو حنيفة عقد النكاح بشهادة فاسقين أو محدودين، وكذلك أجاز في الشهادة على الهلال في رمضان شهادتهما، وفي الآية ما يرد ذلك. وقد اختلف في شهادة الفاسق المتأول، مثل أهل الأهواء كالخوارج وغيرهم. ومذهب الشافعي قبولها مالك وغيره

стр. 1435

ردها. وعموم الآية حجة لهم. وكذلك اختلف في شهادة الكفار بعضهم على بعض، فمنعها الجمهور وأجاز أبو حنيفة شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، فمنعها الجمهور وأجاز أبو حنيفة شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وشهادتهم على غيرهم من أهل الكفر والآية حجة لقول الجمهور لأن الفاسق إذا لم تقبل شهادته فالكافر أولى لأن الكفر فسق وزيادة. (٩) - وقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الله يحب المقسطين﴾: اختلف في سبب الآية، فقيل سببها ما وقع بين بعض المسلمين وبين المتحزبين منهم مع عبد الله بن أبي بن سلول حين مر رسول الله ﷺ وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه، فقال عبد الله بن أبي لما غشيه حمار رسول الله ﷺ لا تغير علينا، ولقد آذانا نتن حمارك. فرد عليه عبد الله بن رواحة الحديث بحاله، فتلاحى الناس حتى وقع بينهم ضرب بالجريد وقيل بالحديد وهو قول الجمهور وقيل سببها أن فرقتين من الأنصار وقع بينهما قتال فأصلحه رسول الله ﷺ بعد جهد ونزلت الآية وهو قول الحسن وغيره. وقيل سببها أنه كان بالمدينة امرأة من الأنصار يقال لها أم بدر وكان لها زوج من غيرهم وقع بينهم شيء أوجب أن ناب لها قومها وله قومه فوقع قتال بينهم فنزلت الآية. وقد أمر الله تعالى في هذه الآية بقتال الفئة الباغية، ومن هذا الباب النهوض في الفتن بين المسلمين وقد اختلف العلماء فيه. فذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز النهوض في شيء منها وأن على الإنسان أن يستسلم إلى القتل وإن أريدت نفسه ولا يدافع عنها واحتجوا بقوله ﵊: ((ستكون فتن، القائم فيها خير من القاعد عنها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي، ومن أشرف لها استشرفته، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به)) وبأمره عليه

стр. 1436

الصلاة والسلام بكسر السيوف في الفتن ولزوم البيوت، وبقوله ﵊: ((قتل المؤمن كفر)) ومن ذهب إلى هذا من الصحابة حذيفة ومحمد بن مسلمة وأبو ذر وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. وذهبت طائفة إلى مثل هذا إلا أنهم قالوا إن دخل داخل على بعض من اعتزل الفريقين منزله يريد نفسه فعليه دفعه عن نفسه وإن قتله. روي ذلك عن عبيدة السلماني وعمران بن حصين وابن عمر أيضًا، واحتجوا بمثل ما تقدم. غير أنهم احتجوا بإباحة الدفع عن أنفسهم بقوله ﵊: ((من قاتل دون ماله ونفسه فقتل فهو شهيد)). وذهبت طائفة إلى النهوض فيها والأخذ على أيدي الطائفة المخطئة وقصر المصيبة عليها، قالوا لأن النبي ﷺ قد أمر بالأخذ على يد الظالم فقال: ((لتأخذن على يد الظالم تأطروه على الحق إطراء أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم)) قالوا ولا يصح أن تكون الطائفتان جميعًا مصيبتين بل تكون إحداهما مصيبة والأخرى مخطئة فيجب نصر المصيبة. وهذا مروي عن علي وطلحة وعائشة وعمار بن ياسر. وروي عن عمر أنه قال: ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كام أمرني الله تعالى. وقال بعضهم: القول بنصر الطائفة المصيبة أصح لقوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ وبالآية احتج جماعة من أهل العلم.

стр. 1437

فهذا نص في وجوب قتال الفئة الباغية، فلا معنى لقول من رأى القعود عن قتالهما. وقد احتج بعضهم في ذلك أيضًا بقتال أبي بكر رضي الله تعالى عنه مانعي الزكاة. قال: ولو كان ذلك لما أقيم لله تعالى حق ولا أبطل باطل. والكلام في هذه المسألة يتغلغل إلى أكثر من ذلك فلتقف عند هذا على شرطنا في الاختصار. وقال ﵊: ((حكم الله في الفئة الباغية أن لا يجهز على جريح ولا يطلب هارب ولا يقتل أسير)). وإذا قيل بالنهوض في الفتن ونصر أهل الحق فمع أي طائفة يكون الناهض. أمع السواد الأعظم أو مع علمائهم أو مع من يرى أن الحق معه؟ في ذلك اختلاف. فذهبت جماعة إلى لزوم السواد الأعظم ورأوا أنه الحق الواجب والفرض الثابت وأن من خالفهم فهم الفئة الباغية. وإلى نحو هذا ذهب ابن مسعود، ومن حجتهم أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة. وذهب قوم إلى لزوم جماعة العلماء، قالوا: وذلك أ، الله تعالى جعلهم حجة على خلقه وإليهم تفزع العامة في دينها وهم تبع لهم وهم المعنيون بقوله: ((لن تجتمع أمتي على ضلالة)). والذي يأتي على فرض القول بقتال الفئة الباغية أن يكون الإنسان في الفتنة مع من يرى أن الحق معه، وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى﴾ إذ لم يخص كثيرًا من قليل ولا العلماء من غيرهم، فإنما اعتبر في ذلك البغي، فحيث اعتقده الإنسان زال عنه وحيث لم يره كان فيه. واختلف العلماء في أهل مكة إذا بغوا على أهل العدل، فذهب بعض الفقهاء إلى تحريم قتالهم مع بغيهم وأنه يضيق عليهم حتى يرجعوا عن البغي ويدخلوا في أحكام أهل العدل، فاستثنوا أهل مكة من عموم الآية. والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يكن

стр. 1438

ردهم عن البغي إلا بقتال لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا يجوز أن تضاع، وكونها محفوظة في حرمة أولى من أن تكون مضاعة فيه. وحملوا الآية على عمومها في أهل مكة وغيرهم. (١١) - (١٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾: ذكر بعضهم لقوله تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ سببًا. فقال: إنها نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه كان يمشي بالمدينة مسلمًا فقال له قوم: هذا ابن فرعون هذه الأمة. فعز ذلك عليه وشكاه إلى رسول الله ﷺ . ويسخر: معناه يستهزئ. فأمر الله تعالى في هذه الآية بترك الاستهزاء ودعا إلى مكارم الأخلاق، وكذلك ما بعدها من الآيات إنما هي أمر بمكارم الأخلاق ودعاء إلى حسن الأدب. (١١) - قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾: اللمز: الطعن على الرجل بذكر نقيصة فيه ونحو ذلك. وقد اختلف في الفرق بين اللمز والهمز. فقيل اللمز بالقول والإشارة ونحوه مما يفهمه الآخر، والهمز لا يكون إلا باللسان. وقيل اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب وقيل عكس ذلك. وقوله تعالى: ﴿أنفسكم﴾ معناه لا يلمز بعضكم بعضًا، فقد نهى تعالى في هذه الآية أن يعيب أحد أحدًا. قال أبو الحسن: وأما من كان معينًا بالفجور فتعيينه به جائز.

стр. 1439

وقوله تعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾: والتنابز التلقب، والنبز واللقب واحد. وهو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها. وروي أن سبب هذه الآية أن بني سلمة كانوا قد حدث فيهم الألقاب فدعا رسول الله ﷺ رجلًا منهم فقال له: ((يا فلان)) فقيل له إنه يغضب من هذا الاسم، ثم دعاه آخر كذلك، فنزلت الآية. وليس من هذا تعليق أهل الحديث وغيرهم فيما بينهم. قال واصل الأحدب وقال سليمان الأعمش: لأن ذلك مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد استخفاف وإنما المراد به تعرف الرجل. وقد قيل في الآية وفي سببها غير هذا. فقيل معنى قوله تعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ لا يقل أحد لأحد: يا يهودي، بعد إسلامه، ولا يا فاسق، بعد توبته ونحو هذا. وحكي في سببها أن كعب بن مالك وابن أبي حدود تلاحيا فقال له كعب: يا أعرابي، يريد أن يبعده عن الهجرة، فقال له الآخر: يا يهودي، يريد لمخالطة الأنصار اليهود في يثرب. فنزلت الآية. ففي سببها إذن قولان وفي معناها قولان. وقوله تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾: يحتمل أن يريد بئس الاسم الفسوق الذي تكتسبونه بعصيانكم

стр. 1440

لأمر الله وتنابزكم فيما بينكم بالألقاب، وذلك الاسم الفسوق لمعصيتكم بعد إيمانكم. ويحتمل أن يريد بئس ما يقوله الرجل لأخيه من: يا فاسق ونحوه. وقد استدل الرماني بهذه الآية لمذهب المعتزلة في أنه لا يجتمع الفسوق والإيمان، وهو استدلال ضعيف. بل ظاهر الآية على أنهما يجتمعان. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾: لم يعم تعالى النهي عن جميع الظن لأن من الظن ما يكون خيرًا وهو ظن الخير بالناس، وأما الذي نهى عنه فهو ظن الشر، وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره قبيح. (١٢) -قوله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾: قال بعضهم أي كذب ومنه قوله ﵊: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) وقال بعضهم إثم مأثم. وقد اختلف في معنى قوله: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ هل ذلك وإن لم يتكلم بظنه أم إنما هو إذا تكلم به؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما هو إذا تكلم به، قال لا يقدر على دفع الخواطر التي أشار إليها بقوله ﵊: ((الحرام سوء الظن)) وجاء عنه ﵊ أنه قال: ((احترسوا في الناس بسوء الظن)). وذهب بعضهم إلى حمل الآية على ظاهرها من سوء الظن وإن لم يتكلم به وعلى ذلك يأتي قول سلمان: إني لأعد عدان قدري مخافة
следующие страницы →