Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
الصلاة والسلام بكسر السيوف في الفتن ولزوم البيوت، وبقوله ﵊: ((قتل المؤمن كفر)) ومن ذهب إلى هذا من الصحابة حذيفة ومحمد بن مسلمة وأبو ذر وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. وذهبت طائفة إلى مثل هذا إلا أنهم قالوا إن دخل داخل على بعض من اعتزل الفريقين منزله يريد نفسه فعليه دفعه عن نفسه وإن قتله. روي ذلك عن عبيدة السلماني وعمران بن حصين وابن عمر أيضًا، واحتجوا بمثل ما تقدم. غير أنهم احتجوا بإباحة الدفع عن أنفسهم بقوله ﵊: ((من قاتل دون ماله ونفسه فقتل فهو شهيد)). وذهبت طائفة إلى النهوض فيها والأخذ على أيدي الطائفة المخطئة وقصر المصيبة عليها، قالوا لأن النبي ﷺ قد أمر بالأخذ على يد الظالم فقال: ((لتأخذن على يد الظالم تأطروه على الحق إطراء أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم)) قالوا ولا يصح أن تكون الطائفتان جميعًا مصيبتين بل تكون إحداهما مصيبة والأخرى مخطئة فيجب نصر المصيبة. وهذا مروي عن علي وطلحة وعائشة وعمار بن ياسر. وروي عن عمر أنه قال: ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كام أمرني الله تعالى. وقال بعضهم: القول بنصر الطائفة المصيبة أصح لقوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ وبالآية احتج جماعة من أهل العلم.
стр. 1437
فهذا نص في وجوب قتال الفئة الباغية، فلا معنى لقول من رأى القعود عن قتالهما. وقد احتج بعضهم في ذلك أيضًا بقتال أبي بكر رضي الله تعالى عنه مانعي الزكاة. قال: ولو كان ذلك لما أقيم لله تعالى حق ولا أبطل باطل. والكلام في هذه المسألة يتغلغل إلى أكثر من ذلك فلتقف عند هذا على شرطنا في الاختصار. وقال ﵊: ((حكم الله في الفئة الباغية أن لا يجهز على جريح ولا يطلب هارب ولا يقتل أسير)). وإذا قيل بالنهوض في الفتن ونصر أهل الحق فمع أي طائفة يكون الناهض. أمع السواد الأعظم أو مع علمائهم أو مع من يرى أن الحق معه؟ في ذلك اختلاف. فذهبت جماعة إلى لزوم السواد الأعظم ورأوا أنه الحق الواجب والفرض الثابت وأن من خالفهم فهم الفئة الباغية. وإلى نحو هذا ذهب ابن مسعود، ومن حجتهم أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة. وذهب قوم إلى لزوم جماعة العلماء، قالوا: وذلك أ، الله تعالى جعلهم حجة على خلقه وإليهم تفزع العامة في دينها وهم تبع لهم وهم المعنيون بقوله: ((لن تجتمع أمتي على ضلالة)). والذي يأتي على فرض القول بقتال الفئة الباغية أن يكون الإنسان في الفتنة مع من يرى أن الحق معه، وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى﴾ إذ لم يخص كثيرًا من قليل ولا العلماء من غيرهم، فإنما اعتبر في ذلك البغي، فحيث اعتقده الإنسان زال عنه وحيث لم يره كان فيه. واختلف العلماء في أهل مكة إذا بغوا على أهل العدل، فذهب بعض الفقهاء إلى تحريم قتالهم مع بغيهم وأنه يضيق عليهم حتى يرجعوا عن البغي ويدخلوا في أحكام أهل العدل، فاستثنوا أهل مكة من عموم الآية. والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يكن
стр. 1438
ردهم عن البغي إلا بقتال لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا يجوز أن تضاع، وكونها محفوظة في حرمة أولى من أن تكون مضاعة فيه. وحملوا الآية على عمومها في أهل مكة وغيرهم.
(١١) - (١٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾:
ذكر بعضهم لقوله تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ سببًا. فقال: إنها نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه كان يمشي بالمدينة مسلمًا فقال له قوم: هذا ابن فرعون هذه الأمة. فعز ذلك عليه وشكاه إلى رسول الله ﷺ . ويسخر: معناه يستهزئ. فأمر الله تعالى في هذه الآية بترك الاستهزاء ودعا إلى مكارم الأخلاق، وكذلك ما بعدها من الآيات إنما هي أمر بمكارم الأخلاق ودعاء إلى حسن الأدب.
(١١) - قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾:
اللمز: الطعن على الرجل بذكر نقيصة فيه ونحو ذلك. وقد اختلف في الفرق بين اللمز والهمز. فقيل اللمز بالقول والإشارة ونحوه مما يفهمه الآخر، والهمز لا يكون إلا باللسان. وقيل اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب وقيل عكس ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أنفسكم﴾ معناه لا يلمز بعضكم بعضًا، فقد نهى تعالى في هذه الآية أن يعيب أحد أحدًا. قال أبو الحسن: وأما من كان معينًا بالفجور فتعيينه به جائز.
стр. 1439
وقوله تعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾:
والتنابز التلقب، والنبز واللقب واحد. وهو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها. وروي أن سبب هذه الآية أن بني سلمة كانوا قد حدث فيهم الألقاب فدعا رسول الله ﷺ رجلًا منهم فقال له: ((يا فلان)) فقيل له إنه يغضب من هذا الاسم، ثم دعاه آخر كذلك، فنزلت الآية.
وليس من هذا تعليق أهل الحديث وغيرهم فيما بينهم. قال واصل الأحدب وقال سليمان الأعمش: لأن ذلك مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد استخفاف وإنما المراد به تعرف الرجل. وقد قيل في الآية وفي سببها غير هذا. فقيل معنى قوله تعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ لا يقل أحد لأحد: يا يهودي، بعد إسلامه، ولا يا فاسق، بعد توبته ونحو هذا. وحكي في سببها أن كعب بن مالك وابن أبي حدود تلاحيا فقال له كعب: يا أعرابي، يريد أن يبعده عن الهجرة، فقال له الآخر: يا يهودي، يريد لمخالطة الأنصار اليهود في يثرب. فنزلت الآية. ففي سببها إذن قولان وفي معناها قولان.
وقوله تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾:
يحتمل أن يريد بئس الاسم الفسوق الذي تكتسبونه بعصيانكم
стр. 1440
لأمر الله وتنابزكم فيما بينكم بالألقاب، وذلك الاسم الفسوق لمعصيتكم بعد إيمانكم. ويحتمل أن يريد بئس ما يقوله الرجل لأخيه من: يا فاسق ونحوه. وقد استدل الرماني بهذه الآية لمذهب المعتزلة في أنه لا يجتمع الفسوق والإيمان، وهو استدلال ضعيف. بل ظاهر الآية على أنهما يجتمعان.
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾:
لم يعم تعالى النهي عن جميع الظن لأن من الظن ما يكون خيرًا وهو ظن الخير بالناس، وأما الذي نهى عنه فهو ظن الشر، وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره قبيح.
(١٢) -قوله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾:
قال بعضهم أي كذب ومنه قوله ﵊: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) وقال بعضهم إثم مأثم. وقد اختلف في معنى قوله: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ هل ذلك وإن لم يتكلم بظنه أم إنما هو إذا تكلم به؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما هو إذا تكلم به، قال لا يقدر على دفع الخواطر التي أشار إليها بقوله ﵊: ((الحرام سوء الظن)) وجاء عنه ﵊ أنه قال: ((احترسوا في الناس بسوء الظن)). وذهب بعضهم إلى حمل الآية على ظاهرها من سوء الظن وإن لم يتكلم به وعلى ذلك يأتي قول سلمان: إني لأعد عدان قدري مخافة
стр. 1441
سوء الظن. كان أبو العالية يختم على بقية طعامه مخافة سوء الظن. ومن ذلك الحديث المشهور في الرجلين اللذين مرَّا برسول الله ﷺ وهو مع إحدى نسائه فدعاهما وأكلمهما بها وقال لهما: ((خشيت أن تهلكا)) ونحو ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾:
معناه لا تبحثوا عن مخبئات أمور الناس. وقد قرئ ولا تحسسوا. واختلف في الفرق بين التحسس والتجسس. فمن الناس من لم يفرق بينهما ورآهما جميعًا في الخير والشر، ومنهم من فرق بينهما فقال التجسس في الشر والتحسس في الخير. ومنهم من قال: التجسس ما كان من وراء والتحسس الدخول والاستعلام. وجاء عن النبي ﷺ النهي عنهما جميعًا فقال: ((ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا)).
وقد قال زيد بن وهب: قيل لابن مسعود هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرًا. فقال: إنا نهينا عن التحسس فإن يظهر لنا أمر أخذناه منه.
وقوله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾:
المعنى فيه لا يذكر أحد من صاحبه شيء يكرهه وهو فيه. وفي الحديث أنه ﵊ قال: ((الغيبة أن يذكر المؤمن بما يكره))
стр. 1442
قيل: يا رسول الله وأن كان حقًا؟ قال: ((إن قلت باطلًا فذلك البهتان)) قال القرطبي: وقد قال قوم من السلف إن وصف الرجل غيره بما فيه من الصفة غيبة. قال معاوية بن قرة لو مر بك أقطع فقلت ذلك الأقطع كانت منك غيبة. وعن الحسن قال لا تخافون أن يكون قولنا حميرًا لطويل غيبة. وكان قتادة يكره أن يقول كعب الأحبار وسلمان الفارسي ولكن كعب المسلم وسلمان الإسلامي. وروي أن امرأة دخلت على عائشة فلما قامت لتخرج أسارت عائشة بيدها إلى النبي ﷺ أنها قصيرة، فقال ﷺ اغتبتها. وعن أبي هريرة أن رجلًا قام عن النبي ﷺ فرأوا في قيامه عجزًا فقالوا يا رسول الله ما أعجز فلانًا. فقال رسول الله ﷺ : ((أكلتم أخاكم واغتبتموه)). قال الطبري: وإنما يكون ذلك غيبة إذا قال على وجه الذم والغيبة للمقول فيه وهو له كفارة. وعن مثل هذا ورد النهي. وأما إذا قاله على وجه التعريف والتمييز كقولهم حمير الأرقط بن قيس وكذلك النسبة إلى الأمهات كإسماعيل بن علية وأب عائشة فإن ذلك بعيد في معنى الغيبة. ويشهد لصحة ما قاله الطبري قوله ﵊: ((أصدق ذو اليدين)) يعرفه لطول يديه، وقوله لأنس بن مالك: ((يا ذا الأذنين)) وقد قال عبد الله بن مسعود وتقول أنت ذلك يا أعور، وقد سئل ابن المبارك عن
стр. 1443
الرجل يقول حميد الطويل وسليمان الأعمش وحميد الأعرج ومروان الأصفر فقال إذا أراد صفته ولم يرد غيبته فلا بأس. وسئل ابن مهدي عن ذلك فقال مثله قال وربما سمعت شعبة يقول ليحيى بن سعيد: يا أحول ما تقول، يا أحول ما ترى. وهذا كله في غيبة أهل الستر من المؤمنين. فأما من جاهر بالكبائر فالجمهور على إجازة اغتيابه دون استحباب لتركه لقوله ﵊: ((على الفاجر تدعون، اذكروا الفاجر بما فيه حتى يعرف الناس إذا لم يذكروه)) ومن ذلك قوله ﵊ في عيينة بن حصن: ((بئس أخو العشيرة)). وقد كف جماعة من العلماء عن اغتياب جميع الناس واختاروا ذلك لأنفسهم، منهم ابن المبارك وغيره. وقد سئل ابن وهب عن غيبة النصراني فقال لا لقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وهو من الناس ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحكم أخيه ميتًا ... ﴾ الآية فجعل لهم هذا مثلًا. وقد اعترض قوم فيما يفعله أهل الحديث من ذكر الرجل بما فيه فقالوا: كيف استجازوا هذا وهو من الغيبة وقد قال ﷺ في الطيبين: ((لولا غيبتهما لأعلمتكما أيهما أطيب)) وأهل الحديث يقولون: فلا أعدل عن فلان، وفلان غير ثقة وفلان كذاب ونحو ذلك. والجواب عن هذا أن الضرورة أباحت ذلك للحاجة في أخذ الحديث عن العدول، فلو لم يذكروا بما فيهم لتسوهل في الأخذ عنهم فالتبس
стр. 1444
الصحيح بالسقيم ودخل في الشرع فساد عظيم. وكذلك أيضًا التجريح، الأكثر على جوازه وأن الحاكم يمكن المشهود عليه من تجريح الشهود. وروى أشهب وابن نافع عن مالك في القوم يشهدون ويعدلون هل يقول القاضي للمشهود عليه دونك فجرح؟ فقال إن فيها توهينا للشهادة ولا أرى إذا كان عدلًا أو عدل عنده أن يفعل ذلك. قال بعض المتأخرين وهذه قوله لم يصحبها عمل. والمشهور الجواز للضرورة إلى ذلك وأن لا يمنع لكونه غيبة وقد قال ﷺ فيمن استشير في نكاحه: ((إنه صعلوك لا مال له)) وقال في الآخر: ((إنه لا يضع عصاه من عاتقه)) ولم يرد بذلك غيبة لما كان مستشارًا في النكاح ودعت الضرورة إليه. وقد احتج مسلم لما صنع أهل الحديث في ذكر الناس بأحوالهم بقوله ﵊: ((أنزلوا الناس منازلهم)). وحاصل هذا كله أن الآية مخصصة. ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتًا لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبته. وعندي أن في هذه الآية دليلًا على أنه لا يجوز أكل لحم ابن آدم ميتًا لمن اضطر إليه، وهو مذهب أصحاب مالك، خلافًا للشافعي ومن أباحه للمضطر، لأنه تعالى ضرب به المثل في تحريم الغيبة ولم يضرب بالميتة سائر الحيوان فدل ذلك على أنه في التحريم فوقها.
وقوله تعالى: ﴿فكرهتموه﴾:
قيل معناه معنى الأمر أي فاكرهوه، ودل على ذلك قوله تعالى بعد ذلك: ﴿واتقوا الله﴾ وقيل كأنهم إذا قيل لهم: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا﴾ قالوا فخوطبوا على ذلك، فقيل لهم: ﴿فكرهتموه﴾. ويعد هذا الكلام مقدر تقديره فكذلك فأكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك. وعلى هذا العطف قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.
стр. 1445
(١٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾:
اختلف في سبب هذه الآية. فقيل غضب الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد حين أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة. وقيل قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح عند النبي ﷺ : يا ابن فلانة. فوبخه على ذلك ﵊ وقال له: ((إنك لا تفضل أحدًا إلا في الدين والتقوى)) فنزلت الآية ونزل الأمر بالتفسيح في ذلك وقد سوى الله تعالى في هذه الآية بين الناس وأعلمهم أن الذي يشرف الإنسان إنما هو التقوى وبحسب التفاضل في ذلك يكون التفاضل في الشرف. وروي عنه ﵊ أنه قال: ((نعم الحسب المال والكرم والتقوى)) يعني أن المال يستغني به الإنسان في الدنيا عن الناس ويستغني بالتقوي في الآخرة. وفي حديث آخر: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: ((آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم)) والأثر في هذا النحو لا يحصى. وفي الآية دليل واضح على تعلم الأنساب، وقد ندب النبي ﷺ إلى تعلمها فقال: ((تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم)) وقال عمر بن الخطاب ﵁: تعلموا أنسابكم تصلوا أرحامكم ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم لمن أنت قال قرية كذا. وفي هذا كله دليل على ضعف قول من قال إن علم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر لأن منفعته في صلة الرحم وفي التوارث بينة.
стр. 1446
(١٤) - قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾:
يحتج بهذه الآية من يفرق بين الإيمان والإسلام، وهو الصحيح، لأن الإسلام أعم من الإيمان، فكل مؤمن مسلمًا وليس كل مسلم مؤمنًا. ومن الناس من يقول: الإسلام والإيمان بمعنى واحد والآية حجة عليه. وقد تقدم الكلام على هذا.
стр. 1447
سورة ق
وهي مكية. وروي عنه ﵊ أنه قال: ((من قرأ سورة ق هون الله تعالى عليه الموت وسكراته)). وفيها موضعان:
(٣٩) - قوله تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾:
اختلف في الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فقيل هي آية موادعة مختصة بجميع الكفار نسختها آية القتال. وقيل هي محكمة نزلت في اليهود وهم أصحاب جزية فأمر النبي ﷺ أن يصبر على أذاهم وما يتكلمون به لأنه روي أن اليهود سألت النبي ﷺ عن أشياء في خلق السماوات والأرض فلما أخبرهم قالوا: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ((ثم استوى على العرش)). قالوا قد أثبت لو أتممت: ثم استراح.
فغضب النبي ﷺ من ذلك غضبًا شديدًا فنزلت الآية: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما يقولون﴾ وهذا القول أحسن.
стр. 1448
(٣٩)، (٤٠) - قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود﴾:
التسبيح في هذه الآية بمعنى الصلاة. وقوله تعالى: ﴿قبل طلوع الشمس﴾ اختلف فيها. فقيل يعني الصبح وقيل ركعتي الفجر. واختلف في قوله: ﴿وقبل الغروب﴾ فقيل هي العصر. قاله قتادة وغيره، وقيل الظهر والعصر قاله ابن عباس، وقيل الركعتان قبل المغرب. وقد اختلف فيهما، فن الناس من أجازهما ومنهم من لم يجزهما وهو المشهور من المذهب. وقد قال قتادة: ما أدركت أحدًا يصلي الركعتين قبل المغرب إلا أنسًا وأبا برزة. واختلف في قوله: ﴿ومن الليل﴾ فقيل هي صلاة العشاءين وقيل العشاء فقط قاله ابن زيد، وقيل صلاة الليل، قاله مجاهد.
واختلف في قوله تعالى: ﴿وأدبار السجود﴾ فقيل هي الركعتان قبل المغرب، وروي عن النبي ﷺ ذلك، كأنه روعي أدبار صلاة النهار كما روعي أدبار النجوم في صلاة الليل. فقيل هي الركعتان مع الفجر، وقال هذا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والشعبي والأوزاعي وغيرهم. وقيل هي الوتر، قاله ابن عباس فيما ذكره عنه بعضهم، وقيل هي صلاة الليل. وهي النوافل إثر الصلوات، قاله ابن زيد وابن عباس أيضًا. وهذا القول أظهر على لفظ الآية. قال المهدوي: وقيل إنه منسوخ بالفرائض. وقال بعض العلماء هو مندوب إليه. وقيل هو التسبيح أدبار الصلوات.
стр. 1449
سورة الذاريات
وهي مكية وفيها ثلاثة مواضع.
(١٧) - قوله تعالى: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾:
اختلف في معنى الآية. فقال أنس بن مالك: المراد بذلك أنهم كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء. وقيل المراد بذلك قيام الليل. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل كانوا يقومون الأكثر من كل ليلة أم كانوا يقومون أكثر الليالي ويتركون بعضها. فذهب الحسن إلى أنهم كانوا يقومون أكثر الليل لا ينامون منه إلا قليلًا. وذهب مجاهد وغيره إلى أنهم كانوا يقومون أكثر الليالي ويتركون بعضها. والليل على هذا القول في الآية بمعنى الليالي. وبالجملة ففي هذه الآية تفضيل القيام بالليل.
(١٨) - قوله تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾:
اختلف في معنى الاستغفار. فقيل الصلاة، وقيل طلب المغفرة. وفي الآية دليل على أن السحر مظنة الاستغفار. وعلى هذا جاء حديث النزول وروي أن أبواب الجنة تفتح سحر كل يوم. وفي قصة يعقوب ﵇ في قوله: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ [يوسف: ٩٨] قال الآخر الاستغفار إلى
стр. 1450
السحر. وقال ابن زيد: السحر السدس الأخير من الليل.
(١٩) - وقوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾:
اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب قوم إلى أنها موجبة في المال شيئًا غير الزكاة. وذهب قوم إلى ذلك منسوخ بالزكاة المفروضة. وهذا ضعيف لأنه تعالى لم يشرف بمكة قبل الهجرة شيئًا في الأموال. وقيل هي محكمة. واختلف الذاهبون إلى ذلك. فقال منذر بن سعيد هي الزكاة المفروضة. وهذا ضعيف لأن السورة مكية ولم تفرض الزكاة إلا بالمدينة. وقيل هي شيء غير الزكاة لكن ذلك على وجه الندب لا على وجه الإيجاب. وهذا أحسن الأقوال. واختلف في المحروم، قيل هو المحارب الذي ليس له في الإسلام سهم مال فهو ذو الحرفة، وهو قول ابن عباس. وقيل الذي ليس له مال وهذا أيضًا يروى عن ابن عباس. وقد قال أبو قلابة: جاء سائل باليمامة فذهب بمال رجل. فقال رجل من أصحاب محمد هذا المحروم. وقيل هو الذي أجيحت ثمرته، قاله ابن زيد. وقيل هو الذي ماتت ماشيته. وقيل الذي لا يسأل الناس، قاله محمد بن الحنفية. وقيل هو الذي لا ينمو له شيء، قاله عكرمة. وقيل المحروم الفقير الذي يخرج في الناس وهو متعفف وروي أيضًا عن ابن عباس. وقيل المحروم الكلب، قاله عمر بن عبد العزيز. وهذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى واحد من العدم والاحتياج. وبعض الناس يسوقونها على أنها اختلاف وليس بصحيح. وإنما ساق العلماء كل قول من ذلك على جهة المثال للمعنى العام المراد بالآية.
стр. 1451
(٥٤) - قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾:
ذكر بعضهم عن الضحاك أنها منسوخة بآية الجهاد. وذكر بعضهم عنه أنها منسوخة بالإقبال عليهم والموعظة لهم. قال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فقد بلغت رسالته﴾ [المائدة: ٦٧]. وقد يحتمل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾ أي عند شدة الحرص عليهم وحسرة النفس لبقائهم على الكفر، ثم أمرهم بالتذكير مع ذلك، فلا يكون في الآية نسخ. وقال قتادة: بلغنا أنها لما نزلت: ﴿فتول عنمه فما أنت بملموم﴾ اغتم المسلمون وخافوا نزول العذاب حتى نزلت: ﴿فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات: ٥٥].
стр. 1452
سورة الطور
مكية وفيها ثلاثة مواضع:
(٤٠) - قوله تعالى: ﴿أم تسألهم أجرًا فهم من مغرم مثقلون﴾:
وهذه الآية أيضًا في سورة القلم المعنى: أم تسألهم يا محمد على ما آتيتهم به من الإيمان أجرة يثقل عليهم غرمها، فهم لأجل ذلك الذي صرفت عليهم من الغرم يكرهون الدخول في دينك لأجل الغرامة التي تلزمهم. وظاهر هذه الآية أن لو ألزمهم غرم شيء لكان عذرًا لهم في أن لا يدخلوا في الدين، وما يكون كذلك فيحرم وضعه عليهم. وفي هذا دليل على أن المغارم التي كان يضعها الولاة قديمًا لا يجوز أن يلزموه وهم كارهون، كهذا المغرم الموضوع ببلادنا على الناس لا يجوز أن يلزموه وهم كارهون. وقد أجازه بعض الأصوليين وركب فيه طريق المصلحة، وذلك لم يكن للجنود ما يغنيهم من غير ذلك، وترك ظواهر الشرع لأجل ذلك الأصل. والمصلحة أصل بين أهل العلم لا خلاف في مراعاته.
(٤٥) - قوله تعالى: ﴿فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون﴾:
هي آية موادعة نسخت بآية القتال.
(٤٨)، (٤٩) - قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك حين تقوم * ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾:
стр. 1453
اختلف في تأويل هذه الآية، فقيل المراد بها الصلوات المفروضة وهو قول الضحاك وابن زيد، فبكون قوله تعالى: ﴿حين تقوم﴾ يراد به صلاة الظهر والعصر، أي حين تقوم من القائلة. ﴿ومن الليل﴾ المغرب والعشاء. ﴿وإدبار النجوم﴾ الصبح. وقيل المراد بها الصلوات النوافل، وهو قول عمر وعلي الحسن وغيرهم، فيكون المراد بإدبار النجوم على هذا ركعتي الفجر. وقيل المراد بها التسبيح المعروف، فيكون قوله تعالى: ﴿حين تقوم﴾ مثالًا، أي حين تقوم وحين تقعد وفي كل تصرفاتك. وقيل المراد بالآية التسبيح في إدبار الصلوات خاصة. فهذه أربعة أقوال في جملة الآية. وفيها قول خامس: وهو أن يقول بعد التكبير في الصلاة قبل القراءة: ((سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)). ورأى بعض القائلين بذلك أنه فرض وحمل الأمر به في الآية على الوجوب. ورأى بعضهم أنه مندوب إليه. وقد روي ذلك عن مالك. والآية على هذا القول على جهة الندب. ورآه بعضهم جائزًا لا فرضًا ولا ندبًا، وهي رواية عن مالك. فالأمر على هذا في الآية على جهة الإباحة. وقد أنكر مالك هذا التأويل في الآية فلم يجزه، وهو المشهور في المذهب. وفيه قول سادس: أن المراد بالقيام في الآية القيام إلى الصلاة خاصة، وهو قول محمد بن كعب والضحاك. قال الضحاك: يقول الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا سبحان الله بكرة وأصيلًا. وقد ذكر عن الضحاك غير ذلك. فعلى هذا يكون التسبيح إذا قام الرجل إلى الصلاة قبل تكبيرة الإحرام. وفيه قول سابع: أن المراد بالقيام القيام من المنام، قاله أبو الجوزاء. وفيه قول ثامن: أن المراد به القيام من المجلس، قاله سفيان الثوري، قال: فيقول حين يقوم
стр. 1454
من مجلسه: سبحان الله وبحمده. وذكر عن بعضهم أن الآية منسوخة بالصلوات الخمس، وهذا -والله تعالى أعلم- على قول من يرى الآية في صلاة النافلة ويراها مقتضية للوجوب.
стр. 1455
سورة النجم
وهي مكية، وهي أول سورة أعلن بها رسول الله ﷺ ، وفيها سجد وسجد معه المسلمون والمشركون إلا أبا لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى وجهه وقال: يكفيني هذا. وفيها مواضع.
(٣) - قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ الآية.
يحتج بها من لم يجوز لرسول الله ﷺ الاجتهاد في الحوادث.
(٢٨) - قوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾:
احتج بها بعض المبطلين للقياس بهذه الآية، ولا حجة لهم لأنها إنما هي في الظن الذي يكون عن غير علم. وأما الظن الذي يكون عن علم فلم يعبه الله تعالى، ألا تراه قال قبل ذلك: ﴿وما لهم به من علم﴾.
стр. 1456
(٣٢) - وقوله تعالى: ﴿إلا اللمم﴾:
يحتمل أن يراد به الصغائر المغفورة عند اجتناب الكبائر، وعلى هذا يأتي ما روي عن أبي هريرة أنه قال: هو النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة. وقيل: هو أن يصيب الذنب ثم يتوب منه، وعلى هذا يأتي قول عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ما دون
الشرك. وروي عن أبي هريرة أنه قال: اللمم: الجماع والشرب والسرقة ثم يتوب فاعل ذلك فلا يعود. ورجح هذا القول إسماعيل القاضي. وقيل: اللمم: مقاربة الشيء من غير دخول فيه. وقيل: اللمم ما كان يفعل في الجاهلية مثل قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] وقال بعضهم: المعنى يجتنبون كبائر الإثم والفواحش واللمم. قال إسماعيل: وهو قول فاسد لقوله تعالى: ﴿إن ربك واسع المغفرة﴾ [النجم: ٣٢]، وإذا اجتنبوا اللمم فأي شيء يغفر. وهذا القول أيضًا يضعف من غير الوجه المذكور وهو أن معنى الاستغناء يبطل به.
(٢٩) - قوله تعالى: ﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ... ﴾:
في هذه الآية موادعة وهي منسوخة بآية السيف.
(٣٩) - قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾:
اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب ابن عباس إلى أنها موجبة أن لا ينتفع الإنسان إلا بعمله خاصة، وأنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ [الطور: ٢١] فأخبر أنه أدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وهذا قول ضعيف لأن الآية خبر، وأيضًا بأنها من شريعة غيرنا. وقيل هي محكمة. واختلف الذاهبون
стр. 1457
إلى ذلك في تأويلها، منهم من رآها في شريعة غيرنا فلم يلزمها في شريعتنا. روي عن عكرمة أنه قال: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلها سعي غيرها. ومنهم من قال الإنسان المذكور في الآية هو الكافر وأما المؤمن فله سعيه وما سعى له غيره، وهو قول الربيع بن أنس. وقيل الآية محكمة في شريعتنا وفي المؤمنين وليس للإنسان حقيقة إلا سعيه. وأما ما ثم من رحمة لسعي غيره من شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن أو عمل صالح قد عمله له غيره ونحو ذلك فليس هو للإنسان إلا على توجز. فالآية إنما جاءت على إثبات الحقيقة. وهذا أصح ما يقال في الآية محكمة وعلى ظاهرها ولا ينفع أحدًا عمل أحد ولا ينتفع الإنسان إلا بعمله، فلهذا الاختلاف الذي قدمناه اختلف في العمل بالبدن أو المال عن الإنسان بعد موته. فلم يره من حمل الآية على ظاهرها. قال المهدوي: وهو قول مالك. وكره مكي ولم ينسبه، ورآه من لم يحملها على ظاهرها وتأولها أو رآها منسوخة، ومن حجته أيضًا حديث سعد بن عبادة في النذر الذي كان على أمه، وما جاء عن عائشة من أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه، وحديث المرأة من خثعم وحديث الصيام في قوله ﵊: ((من مات صام عنه وليه)) ونحو ذلك من الأحاديث الجائية. وقد ذكر البخاري عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا لامرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقيا: تصلي عليها. وقد جاء عنهما غير ذلك. وأما النذر الذي كان على أم سعد فقيل كان صومًا وقيل عتقًا وقيل
стр. 1458
صدقة وقيل نذرًا مطلقًا. وقد أمر النبي ﷺ بالقضاء. وفرق بعضهم بين العمل بالبدن كالصيام والحج، والعمل بالمال كالصدقة والعتق. فلم يجيزوا العمل بالبدن وأجازوه في المال وأجمعوا على أنه لا يؤمن أحد على أحد ولا يصلي أحد على أحد، فليس للإنسان من ذلك إلا سعيه. كذا ذكروا أنهم أجمعوا في الصلاة، وقد جاء فيه ما ذكرناه عن ابن عباس وغيره. وكذلك ذكره الباجي وغيره أنهم أجمعوا على أن صدقة الحي عن الميت جائزة وذكر أهل التفسير فيها الخلاف المتقدم عن مالك وغيره حسبما قدمته. واختلف في الوصية بالحج الفرض فأجازها مالك ولم يجزه غيره لظاهر الآية، وهذا قول ابن كنانة من أصحاب مالك. ومالك يرى أنه إذا أوصى بذلك فهو عن النبي ﷺ ومراعاة الاختلاف فيه. واختلف من ذهب إلى تنفيذ الوصية بالحج فيمن عليه نذر مشى فأوصى به. فالمشهور في المذهب أنها لا تنفذ وصيته ويهدي عنه في المشي هديان. وقيل يهدي عنه من الهدايا بقدر الكراء والنفقة. وسحنون يرى أن تنفيذ وصيته بالمشي النذر كما تنفذ بالحج. وقد استحب مالك بمن وعد أباه أن يمشي عنه أن يفي بما وعده من ذلك. وأما الوصية بالصيام فلا، قال: وفي المذهب أنه لا تنفيل، لكنه يطعم عنه عن كل يوم مدًا لكل مسكين. وإن قرأ رجل ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجره ونفعه. وكذلك اختلف في الرجل يستأجر من يحج عنه تطوعًا على قولين. وللشافعي في أحد قوليه أنه لا يجوز، وقاله ابن المنذر واحتج بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾. والمسائل في هذا النوع تكثر.
стр. 1459
سورة القمر
وهي مكية إلا آية واحدة اختلف فيها وهي: ﴿سيهزم الجمع﴾ [القمر: ٤٥]. قال الجمهور هي مكية وقال قوم هي مدنية. واختلفوا في موضع نزولها فقيل بالمدينة فقيل بالمدينة وقيل يوم بدر.
(٦) - قوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾:
يحتمل أن يريد بذلك معنى لا تذهب نفسك عليهم حسرات، فتكون الآية محكمة. ويحتمل أن يريد بذلك الكف عن مجاهدتهم، فتكون الآية منسوخة بآية السيف.
(٢٨) - قوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾:
يدل على جواز القسمة في الماء.
стр. 1460
سورة الرحمن -
اختلف فيها. فقال الجمهور إنها مكية، وقال نافع وعطاء وقتادة وغيرهم هي مدنية نزلت عند إباية سهيل بن عمرو وغيره أن يكتب في الصلح: بسم الله الرحمن الرحيم. والأول أصح. وإنما نزلت حين قالت قريش بمكة: وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا.
(٦٨) - قوله تعالى: ﴿فيها فاكهة ونخل ورمان﴾:
يحتج بها من يخرج الرمان والنخل من مطلق اسم الفاكهة لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره. هذا ظاهر الكلام. والشافعي رحمه الله تعالى يقول هو كقوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ... ﴾ الآية [البقرة: ٩٨].
стр. 1461
سورة الواقعة
وهي مكية كلها. وقيل إن فيها آيات مدنية. ويروى أن عثمان بن عفان دعا ابن مسعود إلى عطائه فأبى أن يأخذه. فقال له: خذ للعيال. فقال: إنهم يقرأون سورة الواقعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قرأها لم يفتقر أبدًا)) وفيها موضعان:
(٧٨)، (٧٩) - قوله تعالى: ﴿في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون﴾:
اختلف في الكتاب ما هو، فقيل: الكتاب الذي في السماء، قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل التوراة والإنجيل، قاله عكرمة. فالمراد بالآية على هذا في الكبت المنزلة. وقيل هو مصاحف المسلمين ولم يكن يوم نزلت الآية، ولكن الآية على هذا إخبار بغيب. وهو أحسن. واختلف في المطهرين. فمن قال في الكتاب إنه الذي في السماء، قال: هم الملائكة. قال قتادة: فأما ما عندكم فقد يمسه المشرك والنجس والمنافق. وقال الطبري: المطهرون الملائكة والأنبياء ومن لا ذنب له وليس في الآية على
стр. 1462
هذا القول حكم مس المصحف لسائر بني آدم. ومن قال إنها مصاحف المسلمين قال: إن قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ إخبار معناه النهي بأن لا يمس المصحف إلا طاهر. وهو أظهر الأقوال، ولا أعلم خلافًا في أنه لا يجوز أن يمسه كافر. ولذلك نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. واختلف في الجنب والمحدث غير الجنب، فلم يجز لهام مالك أن يمساه ولا أن يحملاه بعلاقة ولا وسادة، وحجته ظاهر الآية وكتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر. وقد احتج مالك في الموطأ بالآية على المسألة، ثم ذكر بعد ذلك أن المطهرين الملائكة. وفي ذلك من قوله نظر. فيحتمل أن يكون ذكر الآية لأن غيره قد احتج بها في ذلك ثم ذكر هو تأويله فيها. ويحتمل أن يكون ذكرها ليقاس بنو آدم على الملائكة في أنه يجب أن لا يمسه بنو آدم إلا وهم طاهرون كالملائكة المطهرين. وجوز داود وأحمد والحكم مسه لهما ويحتجون بأن المراد بالآية الملائكة. ورخص بعضهم في مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر. ولم يجز أبو حنيفة مسه لهما وأجاز حمله لهما في غلاف أو بعلاقة. وهذه الأقوال كلها ضعيفة تردها الظواهر المذكورة قبل. وكذلك اختلف في الحائض هل تمس المصحف أم لا؟ وعندنا أنها لا تمسه
стр. 1463
لظاهر الآية. وأما المعلم والصبيان فيجوز لهم مس المصحف وإن كانوا محدثين، للمشقة الداخلة عليهم في ذلك، فهم مخصصون من عموم الآية. واختلف أيضًا في قراءة الجنب القرآن ظاهرًا فأجازه داود ولم يجزه أبو حنيفة والشافعي جملة، وأجازه مالك في اليسير ولم يجزه في الكثير. ومن حجة من أجاز أنه تعالى إنما قال: ﴿لا يمسه﴾، ومن قرأه ظاهرًا لا يقال إنه يمسه. ومن حجة من لم يجزه المفهوم من الآية وهو التعظيم للقرآن، فإذا كان كذلك فقراءته ظاهرًا أو نظرًا في ذلك سواء. ومن فرق بين اليسير والكثير فاستحسان للضرورة، وقد قال ﵊: ((أنا آكل وأشرب جنبًا ولا أقرأ جنبًا)). واختلف أيضًا في قراءة القرآن ظاهرًا للحائض أو النفساء. فعن مالك فيه روايتان: الجواز والمنع. وفرق بعضهم بين اليسير والكثير. والكلام في ذلك كالكلام فيما قبله.
(٩٦) - قوله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾:
روى عقبة بن عامر أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : ((اجعلوها في ركوعكم)) فلما نزلت: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال ((اجعلوها في سجودكم)). وق اختلف في التسبيح في الركوع والسجود هل هو واجب أم لا؟ ففي المذهب أنه مستحب. وعند أحمد وداود أنه واجب. وقال إسحاق: من تركه لم تجز صلاته. فعلى القول الأول يكون الأمر به في الآية أمر استحباب. وعلى القول الآخر يكون الأمر به في الآية أمر وجوب. والقول الأول أحسن لما يعضده من الظواهر.
стр. 1464
سورة الحديد
اختلف فيها. فقال الجمهور أنها مدنية. وقال قوم إنها مكية. ولا خلاف أن فيها قرآنًا مدنيًا لكن يشبه أن يكون صدرها مكيًا، والله تعالى أعلم. وفيها موضع واحد.
(١٢) - قوله تعالى: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾:
انتزع قوم من هذه الآية حمل العبد للشمعة إذا أعتق.
стр. 1465
سورة المجادلة
وهي مدنية. حكى بعضهم إنها مدنية إلا قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة ... ﴾ [المجادلة: ٧] فإنها مكية وفيها من الأحكام والنسخ مواضع.
(١) - (٥) - قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ إلى قوله: ﴿أن الذين يحادون الله﴾:
اختلف في اسم المظاهر منها، وهي المجادلة التي ذكر الله تعالى في هذه السورة. فقيل: خولة بنت دليج. وقيل خولة بنت حكيم، قاله عمر بن الخطاب. وقيل خويلة بنت ثعلبة، قاله قتادة. وقيل خولة بنت دليج، قاله أبو العالية وغيره. وقيل جليلة، قالته عائشة. وقيل خولة بنت الصامت. وقيل خولة بنت خويلد، قاله ابن عباس. وقيل خولة بنت ثعلبة.، قاله محمد بن كعب القرظي وغيره. واختلف أيضًا في اسم زوجها. فقيل أوس بن الصامت الأنصاري، وعليه الجمهور. وقيل
стр. 1466
سلمة بن صخر البياضي. واختلف أيضًا في سبب الآية. فمن قال إن المظاهر كان سلمة قال إنه كان ظاهر منها في شهر رمضان فواقعها ليلة. فسأل قومه أن يسألوا رسول الله ﷺ فأبوا وهابوا ذلك وأعظموا جريرته. فذهب إلى رسول الله ﷺ بنفسه وسأله واسترشده فنزلت الآية وقال له ﵊: ((أتعتق رقبة؟ )) فقال: والله ما أملك غير رقبتي. فقال: ((أتصومن شهرين متتابعين؟ )) فقال: يا رسول الله، وهل أتيت إلا من الصيام، قال: ((أتطعم ستين مسكينًا؟ )) قال لا أجد. فأعطاه رسول الله ﷺ صدقات قومه يكفر بها. فرجع إلى قومه فقال لهم" إني وجدت عندكم الشدة ووجدت عند رسول الله ﷺ الرخصة. وقال: أعطاني صدقاتكم. ومن قال إن المظاهر أوس، قال: إن أوسًا ظاهر من امرأته، وكان الظهار عندهم في الجاهلية فراقًا مؤبدًا، فلما فعل ذلك أوس جاءت زوجته إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أوسًا أكل شبابي ونثرت له بطني، فلما كبرت ومات أهلي ظاهر مني. فقال رسول الله ﷺ : ((ما أراك إلا حرمت عليه)). فقالت: يا رسول الله لا تفعل فإني وحيدة ليس لي أهل سواه، فراجعها رسول الله ﷺ بمثل مقالته، فراجعته، فهو جدالها. وكانت في خلال مجادلتها تقول: اللهم إليك أشكو حالي وانفرادي وفقري إليك. وفي بعض الحديث لها كانت تقول: اللهم إن لي منه صبية صغارًا لئن ضممتهم إليه ضاعوا وإم ضممتهم إلي جاعوا. فهذا هو اشتكاؤها. فنزل الوحي عند ذلك على رسول الله ﷺ بهذه الآيات وكانت عائشة حاضرة لهذا كله. فكانت تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى علي، وسمع الله تعالى جدالها فبعث رسول الله ﷺ في أوس فقال: ((أتعتق رقبة؟ )) فقال: والله ما أملكها. فقال: ((أتصوم شهرين متتابعين؟ )) فقال:
стр. 1467
والله ما أقدر أن أصبر إلا على ثلاث أكلات في النهار، ومتى لم أفعل ذلك غشيني بصري. فقال له: ((أتطعم؟ )) قال: لا أجد إلا أن تعينني يا رسول الله بمعونة وصلاة -يريد الدعاء- فأعانه ﷺ بخمسة عشر صاع ودعا له. وقيل بثلاثين صاعًا. فكفر بالطعام وأمسك أهله. وألفاظ الحديث في الروايات مضطربة.
(٢) - وقوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾:
حقيقة الظهار الذي ذكره الله تعالى هو أن يشبه الرجل امرأته بأمه في التحريم. وكانت العرب تكني عن ذلك بالظهر، فيقول: امرأته عليه كظهر أمه، ولذلك سمي الظهار لأنه مأخوذ من الظهر. وإنما خص الظهر دون البطن والفرج ونحو ذلك من الأعضاء لأنه موضع الركوب في الحيوان، والمرأة عند الغشيان مركوبة. فإذا قال أحد لامرأته ذلك باللفظ فإنما أراد أن ركوبها للغشيان عليه محرم كركوب أمه فكنى بالركوب عن النكاح، وهو استعارة بديعة. وكان الظهار في الجاهلية طلاقًا مؤبدًا وكذلك في أول الإسلام إلى أن نزلت هذه الآية. ولهذا جعلها بعضهم ناسخة، أي ناسخة لما تقرر في أول الإسلام، ولا معنى لقول من يقول إنها ناسخة لما كان في الجاهلية لأن ذلك ليس بنسخ لأنه لم يكن شرعًا، وهو مذكور عن ابن عباس، ذكره عنه مكي.
قوله تعالى: ﴿ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم﴾:
رد الله تعالى بهذا على من كان يوقع الظهار ويعتقده حقيقة، وأخبر أن تصيير الزوجة أمًا باطل وأن الأم هي الوالدة، وأما الزوجة فلا تكون أمًا ولا يكون حكمها حكمها.
стр. 1468
قوله تعالى: ﴿وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا﴾:
أخبر تعالى أن لفظ الظهار الذي كانوا يطلقونه منكرًا وزورًا. والمنكر من القول هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور الكذب. وسماه كذبًا لأنهم صيروا نساءهم كأمهاتهم وهن لا يصرن كذلك أبدًا. والظهار حرام لا يحل إيقاعه أبدًا ودل على تحريمه ثلاثة أشياء:
أحدها: تكذيب الله تعالى لمن فعل ذلك. والثاني: أنه سماه منكرًا وزورًا -والزور الكذب- وهو محرم بإجماع. والثالث: إخباره تعالى أنه معفو عنه ويغفر، ولا يعفي ويغفر إلا على المذنبين لأنه وقع لزم لكن على غير الحكم الذي كان في الجاهلية وفي أول الإسلام على تأبيد التحريم لأنه تعالى أخرجه من ذلك الحكم إلى باب الكفارة، ثم أعلمنا كيف يكون الحكم فيه إذا وقع فقال: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ الآية. ولا خلاف أن من ظاهر امرأته بأمه لزمه الظهار لأنه خص الآية.
واختلف في سائر ذوات المحارم من النسب، فروي عن الشافعي أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها, وروي عنه أنه لا يكون إلا بالأمهات والجدات. وروي عنه أنه يكون بجميع ذوات المحارم من النسب، وهو قول مالك وسائر أصحابه. فمن اقتصر على الأم وحدها راعى لفظ الآية ولم يقس. ومن زاد على ذلك قاس على ما جاء في الآية، وهو أظهر. واختلف أيضًا في الظهار بالأجنبية، فذهب ابن الماجشون إلى أنه لا يكون مظاهرًا سمى الظهر أو لم يسمه، أراد به الظهار أو لم يرده وتكون امرأته طالقًا إلا أن تكون له نية. وقال أشهب في رواية أبي زيد عنه إنه يكون مظاهرًا سمى أو لم يسم. وقال ابن القاسم: إنه إن سمى الظهر فهو مظاهر إلا أن يريد
стр. 1469
الطلاق، وإن لم يسمه فهو طلاق ولا يصدق. وقول أشهب أصح في القياس على ظاهر الآية. والقولان الآخران أغرق في القياس وأبعد مذهبًا. واختلف أيضًا في الظهار بالرجال لمن ظاهر امرأته بظهر أبيه أو ابنه أو غلامه هل يلزم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يلزم، وهو قول ابن القاسم. والآخر أنه لا يلزم ولا حكم له، وهو قول مطرف. والأظهر منهما أنه لا يلزم على ظاهر الآية لأنها إنما جاءت في النساء، وإلحاق الرجل بها بعيد. وهذا إذا سمى الظهر، فإن لم يسم الظهر فهو طلاق على وجه التحريم. واختلف أيضًا فيمن ظاهر بغير الظهر فهو طلاق على وجه التحريم. واختلف أيضًا فيمن ظاهر بغير شخص معين، فقيل هو ظهار، وقيل هو طلاق على التحريم، والأول أظهر على لفظ الآية. واختلف هل الظهار بسائر الأعضاء كالظهار بالظهر أم لا؟ ففي المذهب أنه سواء مع الطلاق في ذلك، وذهب الشافعي أنه لا يلزم إلا بالظهر خاصة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلزم في كل عضو محرم بالنظر خاصة، وذهب أبو حنيفة إلى أن يلزم في كل عضو محرم النظر إليه. فالشافعي يراعي لفظ الآية واقتصر على ما جاءت فيه من الظهر ولم يقس. وغيره قاس على ما جاء في الآية. واختلف فيمن شبه امرأته بأمه فقال: أنت علي كأمي أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر. ففي المذهب أنه ظهار، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه ليس بظهار إلا أن ينويه. فمالك ومن تابعه راعى مفهوم الآية وأن المراد من التسمية بالظهر إنما هو في التحريم. ومن أسقط فكذلك ذكر الظهر أو لم يذكره. وأبو حنيفة والشافعي راعيا الظهر للاقتصار عليه في الآية ولم يراعيا المعنى المقصود من ذلك. واختلف في الظهار هل يلزم في ملك اليمين أم لا؟ ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي إنه لا يلزم. فحل مالك قوله تعالى: ﴿من نسائهم﴾ على الزوجات والإماء، وحمله غيره على الزوجات خاصة. وقول مالك أظهر لأن لفظ النساء يعم الحرائر
стр. 1470
والإماء. واختلف في ظهار الزوجة من زوجها، ففي المذهب وغيره أنه لا حكم له. وقال الحسن والنخعي أنه ظهار. والدليل قول الجمهور ظاهر الآية لأنه تعالى إنما ذكر أن الظهار إنما هو في الرجل وفيه جعل الحكم ولم يجعل للمرأة ظهارًا فكيف يكون له حكم.
واختلف في الظهار قبل النكاح كالذي يقول: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي. ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي أنه لا يلزم. ودليل ما في المذهب عموم الآية ولم يخصص قبل النكاح أو بعده. واختلف إذا كرر الظهار من زوجته. فقال أبو حنيفة عليه لكل ظهار كفارة. وقال الشافعي في أحد قوليه ليس عليه إلا كفارة واحدة. وفرق مالك رحمه الله تعالى فقال: إن نوى بكل كلمة استئناف ظهار كان عليه لكل كلمة كفارة، وإن لم ينو فكفارة واحدة. وحجة مالك على الشافعي قوله تعالى: ﴿يظاهرون من نسائهم﴾. والظهار هو القول المقصود به المظاهرة، فإذا وجد تعلق عليه الحكم. واختلف أيضًا إذا تظاهر من أربع نسوة في كلمة، ففي المذهب أنها كفارة واحدة تلزمه. وقال الشافعي في أحد قوليه: لكل واحدة كفارة. ودليل ما في المذهب قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ... ﴾ الآية فعم كل نظاهر بنسائه بأن عليه رقبة واحدة. واختلف في ظهار العبيد هل يصح كظهار الحر أم لا؟ ففي المذهب وغيره أنه يصح، وعند بعضهم أنه لا يصح، والحجة عليهم ظاهر الآية لأنه تعالى قال: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ فعم الأحرار والعبيد. واختلف في ظهار الكافر، ففي المذهب أنه لا يصح، وقال الشافعي أنه يصح ظهاره فإن أمكنه أن يطلقها فلم يفعل وجبت عليه الكفارة، فإن كان واجدًا للعتق أعتق وإن لم يقدر عليه لم يمكنه أن يصوم ولكن يطعم ستين مسكينًا. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾، ولا معنى لهذه الإضافة إلا أن تكون تخصيصًا للمسلمين. وقد اختلف في هذه الآية هل هي على نظمها أم فيها تقديم
стр. 1471
وتأخير؟ فالمشهور أنه لا تقديم فيها ولا تأخير، وهو الصحيح. وذهب بعضهم إلى أن فيها تقديمًا وتأخيرًا، وذكر عن الأخفش قالوا وترتيبها: والذين يظاهرون ن نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا. ثم يعودون لما قالوا. وهذا قول ضعيف يفسد به نظم الآية. والكفارة لا تجب بمجرد لفظ الظهار حتى تنضاف إليه العودة في قول جمهور العلماء. وذهب مجاهد إلى أن الكفارة واجبة على المظاهر بمجرد الظهار، وليس ذلك بصحيح لقوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فيشرط مع الظهار إرادة العودة. والذي يأتي على قول مجاهد في الآية قولان:
أحدهما: قول الأخفش المتقدم، يأتي في الآية تقديمًا وتأخيرًا. والثاني: قول ابن قتيبة إنه لا تقديم في الآية ولا تأخير ولكن المعنى بقوله تعالى: ﴿ثم يعودن لما قالوا﴾ أنه العودة في الإسلام إلى نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية ويعدون طلاقًا. وحكي أيضًا عن ابن بكير بن الأشج. وهذان القولان أضعف ما قيل في الآية مع أنهما قد يمكن أن يتأول على مذهب الجمهور في اشتراط العودة مع الظهار. وأما على قول الجمهور من اشتراط العودة مع الظهار على لفظ الآية فاختلف في العودة ما المراد بها على خمسة أقوال: أحدها: أنه العزم على الوطء. والثاني: أنه العزم على الوطء واستدامة العصمة. والثالث:
стр. 1472
أنه الوطء نفسه، وهذه الأقوال الثلاثة مذكورة عن مالك في الموطأ. والقول الثاني منها أصحها وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة قبله لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾. والرابع: قول الشافعي ومن تابعه أن العودة استدامة العصمة خاصة وأنه متى ظاهر من زوجته ثم لم يطلقها طلاقًا متصلًا بالظهار فقد وجبت عليه الكفارة. وهو قول يفسده ظاهر القرآن لأن الله تعالى قال: ﴿ثم يعودون﴾. و ﴿ثم﴾ توجب التراخي، والعصمة لم تتصل بالظهار فكيف يصح أن يقال ثم يكون كذا لما لم يزل كائنًا؟ هذا محال. وأيضًا فإنه إنما أوجب الكفارة بترك الطلاق فيكون معنى قوله تعالى على مذهبه: ﴿ثم يعودون﴾ بمعنى لم يطلقوا. قوله تعالى: ﴿ثم يعودون﴾ إيجاب، ولم يطلقوا نفي، ولو صح هذا لكان الإيجاب نفيًا والنفي إيجابًا، وهذا فاسد أيضًا. فإن قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ يوجب أن يحدث منه شيء لم يكن قبل، والمظاهر لم يطلق في حال الظهار ولا قبله، فإذا ظاهر ثم لم يطلق بعد الظهار فهو كما كان قبل لم يحدث منه شيء بعد فيستحيل معنى قوله: ﴿ثم يعودون﴾ لأنه إنما يعود الإنسان لشيء قد كان فارقه، والمظاهر لم يفارق زوجته بالظهار وإنما فارق به المسيس فهو المعنى المقصود بالعودة. واحتج بعض الشافعية ي أن العودة: بقاؤها لقوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] فسمى الله تعالى بقاءهم في النار إعادة.
فيحتمل أن يكون هؤلاء تحاملوا للخروج فردوا إلى الحالة الأولى. ولو صح أن يكون البقاء إعادة لما كان في ذلك حجة لأن الله تعالى إنما
стр. 1473
أوجب الكفارة بالعودة لما كان ممنوعًا منه بالظهار وهو الوطء. وأما العصمة فلم يكن ممنوعًا منها بالظهار ولا منفصلًا عنها. الخامس أن العودة أن يعودوا فيتكلم بالظهار ثانية، وهو مذهب أهل الظاهر، وروي نحوه عن ابن بكير بن الأشج، وهو أضعف الأقاويل لأنهم لا يرون الظهار يوجب من أول مرة حكمًا وإنما يرونه موجبًا حكمًا على تأويلهم في مرة أخرى. وهذا فاسد لأنه إذا لم يوجبه أولًا فلم يوجبه ثانيًا، وأي فرق بين الأولى والثانية. وأيضًا فإن سبب الآية لم يأت فيمن ظاهر مرة ثانية ولا ذكر أحد من الرواة، وإنما معنى قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي في تحريم ما حرموا على أنفسهم وهو الوطء فيفعلونه أو يعزمون على فعله. واختلف في معنى اللام في قوله: ﴿لما قالوا﴾ فيحتمل أن يكون بمعنى: في أي فيما قالوا. وقيل المعنى: من أجل ما قالوا. وقال الفراء معناه: عن ما قالوا. قال: والمعنى ثم يرجعون عن ما قالوا ويريدون الوطء. وقيل هي على بابها والمعنى: ثم يعودون لقولهم. والقول بمعنى المقول، فالمعنى ثم يعودون لوطء للمقول فيها الظهار.
(٣) - وقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾:
أقبت تعالى أن الكفارة تجب بالعودة وجعها ثلاثة أنواع لا ينتقل عن نوع منها حتى يعدم الآخر. فأولها عتق، ثم صيام، ثم إطعام. فقال أولًا: ﴿فتحرير رقبة﴾، ثم قال: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾، ثم قال: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾. وكذلك في حديث أوس وسلمة وهي مطلقة لم تقيد بمؤمنة، وهي في كفارة قتل الخطأ مقيدة بمؤمنة. فحمل
стр. 1474
مالك ومن تابعه المطلق منها على المقيد ورأى أن الرقبة في الظهار لا تكون إلا بمؤمنة خلافًا لأبي حنيفة وغيره. وقد مر الكلام على هذا عند الكلام على كفارة اليمين فلا معنى لإعادته.
قوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾:
اختلف في المسيس هذا ما هو؟ فحمله أكثر العلماء في عمومه من الوطء والقبل والمباشرة وغيرها، فقالوا: لا يقبل المظاهر ولا يباشر ولا يحبس حتى يكفر، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه. وذهب الحسن والثوري والزهري وغيرهم إلى أنه ليس على عمومه وأن المراد به الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، وإنما نهي عن الجماع. واختلف الذين حملوا الآية على عمومها إن قبل أو باشر في خلال الكفارة قبل أن يتمها، فقال أصبغ وسحنون: يستغفر الله تعالى ولا شيء عليه، وقال مطرف يبتدئ الكفارة. فالامتناع بما عدا الوطء على مذهب مطرف واجب كالامتناع من الوطء، وعلى مذهب أصبغ وسحنون مستحب بخلاف الوطء، وعلى مذهب الحسن ومن قال بقوله مباح بخلاف الوطء. وأما الوطء فلا خلاف في وجوب الامتناع منه على مذهب من لا يرى العودة الوطء نفسه لأنه تعالى قد نص على أن الكفارة تكون قبل أن يتماسا فلا يحل أن يطأ قبل أن يمس. فإن وطئ لزمته الكفارة مات أو عاش، طلقها أو لم يطلقها. وأما على المذهب من يرى العودة الوطء نفسه فلا تجب عليه الكفارة لأول وطء وله أن يطأ مرة. فإذا وطئ لم يكن له أن يطأ ثانية حتى يكفر. وهذا القول روي عن مالك ونسبه أصبغ لأهل المشرق ولمن يرتضي من أهل المدينة. وروي عن مجاهد أنه إذا وطئ قبل الشروع في الكفارة لزمته كفارة أخرى إ من مذهبه أن المظاهر تلزمه الكفارة بمجرد الظهار وإن ماتت المرأة أو طلقها. وقد روي عن غير مجاهد أن المظاهر إذا وطئ قبل الكفارة سقطت عنه الكفارة لأنه قد فات موضعها لقول الله
стр. 1475
عز وجل: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ فيأتي الوطء قبل الكفارة يجوز أم لا قولان. وإذا قلنا لا يجوز أن يطأ قبل أن يكفر فثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجب عليه شيء وتسقط عنه الكفارة. والثاني: أنه يلزمه كفارتان. والثالث: أن كفارة واحدة هي الني تجب عليه وترتب في ذمته. واختلف في المظاهرة من الرتقاء وفي مظاهرة الشيخ الفاني الذي لا يقدر على الجماع، والعنين والخصي والمقطوع الذكر ونحوه. فمن ذهب إلى أن الظهار يتعلق بالوطء وما دونه ألزم الظهار. ومن ذهب إلى أنه إنما يتعلق بالوطء خاصة لم يلزمه الظهار، وهذا على اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾.
قوله تعالى: ﴿ذلكم توعظون به﴾:
إشارة إلى التحريم، أي أن فعله عظة لكم لتنتهوا به عن الظهار.
(٤) - قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾:
اشترط تعالى التتابع في صيام الظهار. واجتمع أهل العلم على ذلك. فإن أفسد الصائم التتابع باختياره فلا خلاف في أنه يعيد ليأتي به على الشرط الذي ذكره الله تعالى. واختلف إذا أفسده بعذر من مرض أو نسيان، فقال أصحاب الرأي وغيرهم يبتدئ، وحملوا الآية على ظاهرها إذ لم يفرق فيها بين عذر وغير عذر. وقال مالك ومن تابعه يبني وعذره بالعذر. وللشافعي القولان. وأجمعوا أيضًا على أن الحائض تبني. واختلف إذا ابتدأ سفرًا في صيامه فأفطر بما أوجب ذلك. فعند مالك أنه يبتدئ الصيام، وكذلك عند الشافعي وأبي حنيفة. ويبني في قول الحسن البصري. والقول الأول أظهر لعدم التتابع المشترط في الآية وليس له عذر بين.
следующие страницы →