Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
وتأخير؟ فالمشهور أنه لا تقديم فيها ولا تأخير، وهو الصحيح. وذهب بعضهم إلى أن فيها تقديمًا وتأخيرًا، وذكر عن الأخفش قالوا وترتيبها: والذين يظاهرون ن نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا. ثم يعودون لما قالوا. وهذا قول ضعيف يفسد به نظم الآية. والكفارة لا تجب بمجرد لفظ الظهار حتى تنضاف إليه العودة في قول جمهور العلماء. وذهب مجاهد إلى أن الكفارة واجبة على المظاهر بمجرد الظهار، وليس ذلك بصحيح لقوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فيشرط مع الظهار إرادة العودة. والذي يأتي على قول مجاهد في الآية قولان:
أحدهما: قول الأخفش المتقدم، يأتي في الآية تقديمًا وتأخيرًا. والثاني: قول ابن قتيبة إنه لا تقديم في الآية ولا تأخير ولكن المعنى بقوله تعالى: ﴿ثم يعودن لما قالوا﴾ أنه العودة في الإسلام إلى نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية ويعدون طلاقًا. وحكي أيضًا عن ابن بكير بن الأشج. وهذان القولان أضعف ما قيل في الآية مع أنهما قد يمكن أن يتأول على مذهب الجمهور في اشتراط العودة مع الظهار. وأما على قول الجمهور من اشتراط العودة مع الظهار على لفظ الآية فاختلف في العودة ما المراد بها على خمسة أقوال: أحدها: أنه العزم على الوطء. والثاني: أنه العزم على الوطء واستدامة العصمة. والثالث:
стр. 1472
أنه الوطء نفسه، وهذه الأقوال الثلاثة مذكورة عن مالك في الموطأ. والقول الثاني منها أصحها وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة قبله لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾. والرابع: قول الشافعي ومن تابعه أن العودة استدامة العصمة خاصة وأنه متى ظاهر من زوجته ثم لم يطلقها طلاقًا متصلًا بالظهار فقد وجبت عليه الكفارة. وهو قول يفسده ظاهر القرآن لأن الله تعالى قال: ﴿ثم يعودون﴾. و ﴿ثم﴾ توجب التراخي، والعصمة لم تتصل بالظهار فكيف يصح أن يقال ثم يكون كذا لما لم يزل كائنًا؟ هذا محال. وأيضًا فإنه إنما أوجب الكفارة بترك الطلاق فيكون معنى قوله تعالى على مذهبه: ﴿ثم يعودون﴾ بمعنى لم يطلقوا. قوله تعالى: ﴿ثم يعودون﴾ إيجاب، ولم يطلقوا نفي، ولو صح هذا لكان الإيجاب نفيًا والنفي إيجابًا، وهذا فاسد أيضًا. فإن قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ يوجب أن يحدث منه شيء لم يكن قبل، والمظاهر لم يطلق في حال الظهار ولا قبله، فإذا ظاهر ثم لم يطلق بعد الظهار فهو كما كان قبل لم يحدث منه شيء بعد فيستحيل معنى قوله: ﴿ثم يعودون﴾ لأنه إنما يعود الإنسان لشيء قد كان فارقه، والمظاهر لم يفارق زوجته بالظهار وإنما فارق به المسيس فهو المعنى المقصود بالعودة. واحتج بعض الشافعية ي أن العودة: بقاؤها لقوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] فسمى الله تعالى بقاءهم في النار إعادة.
فيحتمل أن يكون هؤلاء تحاملوا للخروج فردوا إلى الحالة الأولى. ولو صح أن يكون البقاء إعادة لما كان في ذلك حجة لأن الله تعالى إنما
стр. 1473
أوجب الكفارة بالعودة لما كان ممنوعًا منه بالظهار وهو الوطء. وأما العصمة فلم يكن ممنوعًا منها بالظهار ولا منفصلًا عنها. الخامس أن العودة أن يعودوا فيتكلم بالظهار ثانية، وهو مذهب أهل الظاهر، وروي نحوه عن ابن بكير بن الأشج، وهو أضعف الأقاويل لأنهم لا يرون الظهار يوجب من أول مرة حكمًا وإنما يرونه موجبًا حكمًا على تأويلهم في مرة أخرى. وهذا فاسد لأنه إذا لم يوجبه أولًا فلم يوجبه ثانيًا، وأي فرق بين الأولى والثانية. وأيضًا فإن سبب الآية لم يأت فيمن ظاهر مرة ثانية ولا ذكر أحد من الرواة، وإنما معنى قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي في تحريم ما حرموا على أنفسهم وهو الوطء فيفعلونه أو يعزمون على فعله. واختلف في معنى اللام في قوله: ﴿لما قالوا﴾ فيحتمل أن يكون بمعنى: في أي فيما قالوا. وقيل المعنى: من أجل ما قالوا. وقال الفراء معناه: عن ما قالوا. قال: والمعنى ثم يرجعون عن ما قالوا ويريدون الوطء. وقيل هي على بابها والمعنى: ثم يعودون لقولهم. والقول بمعنى المقول، فالمعنى ثم يعودون لوطء للمقول فيها الظهار.
(٣) - وقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾:
أقبت تعالى أن الكفارة تجب بالعودة وجعها ثلاثة أنواع لا ينتقل عن نوع منها حتى يعدم الآخر. فأولها عتق، ثم صيام، ثم إطعام. فقال أولًا: ﴿فتحرير رقبة﴾، ثم قال: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾، ثم قال: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾. وكذلك في حديث أوس وسلمة وهي مطلقة لم تقيد بمؤمنة، وهي في كفارة قتل الخطأ مقيدة بمؤمنة. فحمل
стр. 1474
مالك ومن تابعه المطلق منها على المقيد ورأى أن الرقبة في الظهار لا تكون إلا بمؤمنة خلافًا لأبي حنيفة وغيره. وقد مر الكلام على هذا عند الكلام على كفارة اليمين فلا معنى لإعادته.
قوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾:
اختلف في المسيس هذا ما هو؟ فحمله أكثر العلماء في عمومه من الوطء والقبل والمباشرة وغيرها، فقالوا: لا يقبل المظاهر ولا يباشر ولا يحبس حتى يكفر، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه. وذهب الحسن والثوري والزهري وغيرهم إلى أنه ليس على عمومه وأن المراد به الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، وإنما نهي عن الجماع. واختلف الذين حملوا الآية على عمومها إن قبل أو باشر في خلال الكفارة قبل أن يتمها، فقال أصبغ وسحنون: يستغفر الله تعالى ولا شيء عليه، وقال مطرف يبتدئ الكفارة. فالامتناع بما عدا الوطء على مذهب مطرف واجب كالامتناع من الوطء، وعلى مذهب أصبغ وسحنون مستحب بخلاف الوطء، وعلى مذهب الحسن ومن قال بقوله مباح بخلاف الوطء. وأما الوطء فلا خلاف في وجوب الامتناع منه على مذهب من لا يرى العودة الوطء نفسه لأنه تعالى قد نص على أن الكفارة تكون قبل أن يتماسا فلا يحل أن يطأ قبل أن يمس. فإن وطئ لزمته الكفارة مات أو عاش، طلقها أو لم يطلقها. وأما على المذهب من يرى العودة الوطء نفسه فلا تجب عليه الكفارة لأول وطء وله أن يطأ مرة. فإذا وطئ لم يكن له أن يطأ ثانية حتى يكفر. وهذا القول روي عن مالك ونسبه أصبغ لأهل المشرق ولمن يرتضي من أهل المدينة. وروي عن مجاهد أنه إذا وطئ قبل الشروع في الكفارة لزمته كفارة أخرى إ من مذهبه أن المظاهر تلزمه الكفارة بمجرد الظهار وإن ماتت المرأة أو طلقها. وقد روي عن غير مجاهد أن المظاهر إذا وطئ قبل الكفارة سقطت عنه الكفارة لأنه قد فات موضعها لقول الله
стр. 1475
عز وجل: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ فيأتي الوطء قبل الكفارة يجوز أم لا قولان. وإذا قلنا لا يجوز أن يطأ قبل أن يكفر فثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجب عليه شيء وتسقط عنه الكفارة. والثاني: أنه يلزمه كفارتان. والثالث: أن كفارة واحدة هي الني تجب عليه وترتب في ذمته. واختلف في المظاهرة من الرتقاء وفي مظاهرة الشيخ الفاني الذي لا يقدر على الجماع، والعنين والخصي والمقطوع الذكر ونحوه. فمن ذهب إلى أن الظهار يتعلق بالوطء وما دونه ألزم الظهار. ومن ذهب إلى أنه إنما يتعلق بالوطء خاصة لم يلزمه الظهار، وهذا على اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾.
قوله تعالى: ﴿ذلكم توعظون به﴾:
إشارة إلى التحريم، أي أن فعله عظة لكم لتنتهوا به عن الظهار.
(٤) - قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾:
اشترط تعالى التتابع في صيام الظهار. واجتمع أهل العلم على ذلك. فإن أفسد الصائم التتابع باختياره فلا خلاف في أنه يعيد ليأتي به على الشرط الذي ذكره الله تعالى. واختلف إذا أفسده بعذر من مرض أو نسيان، فقال أصحاب الرأي وغيرهم يبتدئ، وحملوا الآية على ظاهرها إذ لم يفرق فيها بين عذر وغير عذر. وقال مالك ومن تابعه يبني وعذره بالعذر. وللشافعي القولان. وأجمعوا أيضًا على أن الحائض تبني. واختلف إذا ابتدأ سفرًا في صيامه فأفطر بما أوجب ذلك. فعند مالك أنه يبتدئ الصيام، وكذلك عند الشافعي وأبي حنيفة. ويبني في قول الحسن البصري. والقول الأول أظهر لعدم التتابع المشترط في الآية وليس له عذر بين.
стр. 1476
ثم قال: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾:
فاختلف العلماء في الإطعام المذكور في الآية ما تحديده. فالمشهور عن مالك أنه لكل مسكين مد هشامي. واختلف في قدر المد الهشامي، فقيل: مدان إلا ثلثًا، وهو المشهور من مذهب مالك. وقيل مد وثلث. وقيل مدان بمد النبي ﷺ ، وهو قول أبي حنيفة. فهذا يعضد ذلك. فهذه ثلاثة أقوال في المد الهشامي. وقيل إنه يطعم كل مسكين مدًا واحدًا. فمد النبي ﷺ في الظهار، وهو قول ابن القصار والشافعي وغيرهما. واختلف إذا أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا. ففي المذهب وعند الشافعي وغيره أنه لا يجزئه وقال أبو حنيفة وأصحابه يجزئه. ودليل القول الأول ظاهر الآية لأنه تعلى اشترط عدد المساكين فلا بد منه وقال تعالى هنا: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ ولم يشترط قبل التماسي. فاختلف أهل العلم في ذلك. فحمله مالك على ما قبله فجعله مثل العتق والصوم ورأى أنه لا يكون إلا قلب التماسي. وقال أبو حنيفة وكثير من أهل العلم: لم ينص الله تعالى على شرط هنا فنحن لا نلتزمه. فجائز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة ويستمتع. واختلف في الذي لا يجد الرقبة فيبتدئ بالصوم ثم يجد الرقبة. فالمشهور في المذهب أنه بالخيار بين أن يتم الصوم أو يرجع فيعتق، ويستحب له الرجوع وهو قول الشافعي. وعند ابن عبد الحكم أنه يرجع فيعتق، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. والحجة للقول الأول ظاهر الآية لأنه تعالى قال: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾ وهذا لم يجد فقد أخذ بصوم شهرين على ما أوجب الله تعالى، ثم إذا وجد بعد ذلك لم يبطل عليه واجبًا لأنه إنما دخل فيه بإيجاب الله تعالى ذلك عليه. فعلى هذا القول يكون معنى الآية: فمن لم يجد في حين نظره في التكفير. وعلى القول الآخر يكون معنا: فمن لم يجد في شيء من مدة التكفير. واختلف إذا كان في ملك المظاهر رقبة إلا أنه محتاج إليها لخدمة وهو لا يملك غيرها. ففي المذهب أنه يلزمه إعتاقها ولا يجزئه الصيام. وقال الشافعي
стр. 1477
يجزئه الصيام. واحتج بعضهم للمذهب بقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ... ﴾ الخ. قالوا وهذا واجد فلا يجوز العدول إلى الصوم. واختلف أيضًا إذا لم يكن في ملكه رقبة وكان معه ثمنها خاصة وهو محتاج إليه. ففي المذهب أنه يلزمه شراؤها ولا يجزئه الصوم. وقال أبو حنيفة والشافعي يجزئه الصوم. واتحج بعضهم أيضًا للقول الأول بالآية وقال إنه واحد فلم يجز له العدول.
(١١) - (١٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ... ﴾:
اختلف في سبب الآية والمقصود بها، فقال ابن عباس ومجاهد والحسن نزلت في مقاعد الحرب والقتال. وقال قتادة وابن أسلم وانب زيد نزلت بسبب ازدحام الناس في مسجد رسول الله ﷺ لتنافسهم في القرب منه وسماع كلامه. فيأتي الرجل الذي له السن والقدم في الإسلام فلا يجد موضعًا، فلذلك نزلت الآية. وقال مقاتل: أقام النبي ﷺ قومًا ليجلس في موضعه أشياخًا من أهل بدر ونحو ذلك فنزلت الآية. واختلف في الآية هل هي مقصورة على سببها أم هي عامة في جميع المجالس؟ فذهب جماعة إلى أنها مخصوصة بأهل بمجلس رسول الله ﷺ ويدل على ذلك القراءة بإفراد المجلس. ومن قرأ في المجالس فذلك مراده أيضًا لأن لكل واحد مجلسًا من بيت النبي ﷺ وموضعه مجتمع لذلك. وذهب قوم إلى أنها في مجلس القتال خاصة. وذهب الجمهور إلى أنها عامة غير مقصورة على سببها فيكون
стр. 1478
لمجلس النبي ﷺ ومجلس العلم وسائر مجالس الطاعات ومنه قوله ﵊: ((أحبكم إلى الله ألينكم مناكب في الصلاة وركبًا في المجالس)) وهو قول مالك رحمه الله تعالى. فعلى هذا ينبغي التفسح في المجالس وأن لا يضيق أحد على أحد أما أن يقام أحد لأحد فلا، والآية لا تقتضيه إنما تقتضي الآية التوسع في المجالس وقد جاء عنه ﵊ ما يؤيد ذلك. روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: ((لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس الرجل فيه ولكن تفسحوا يفسح الله لكم)). وإذا كان المراد في الآية للتفسح في المجالس التوسيع فيه خاصة فمن دليل خطاب الآية يظهر ما جاء في الحديث من النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه. وقد اختلف العلماء فيما يحمل عنه نهي النبي ﷺ على أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر. فتأوله قوم على الندب ورآه من باب الأدب، قالوا لأنه قد يجب على العالم أن يليه أولو الفهم والنهى ويوسع لهم في الحلقة حتى يجلسوا بين يديه. فعلى هذا يكون للعالم أن يقيم من مجلس إلى جنبه أو بين يديه ويجلس فيه غيره إذا كان له وجه. وتأوله قوم على الوجوب وقالوا لا ينبغي لمن سبق إلى مجلس مباح للجلوس فيه أن يقام منه واحتجوا أيضًا بما روى أبو هريرة عنه ﵊ أنه قال: ((إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به بعد رجوعه)) قالوا فإذا كان أحق به بعد رجوعه كان أولى أن يكون أحق به ما دام فيه. قالوا: وقد كان ابن عمر يقوم له الرجل من عند نفسه فما يجلس في مجلسه. وهو راوي الحديث. والله تعالى أعلم بتأويله.
стр. 1479
(١١) - وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾:
اختلف في النشز المأمور به في الآية ما هو. قال الضحاك وقتادة والحسن معناه: إذا دعوا إلى قتال أو صلاة ونحو ذلك من الطاعات. وقال قوم معناه إذا دعوا إلى القيام عن النبي ﷺ لأنه كان أحيانًا يحب الانفراد في أمر الإسلام فربما جلس ناس وأراد كل واحد منهم أن يكون أحدث الناس عهدًا برسول الله ﷺ فنزلت الآية آمرة بالقيام عنه متى فهم ذلك بقول أو فعل. وقال قوم معناه: انشزوا في المجلس بمعنى التفسح فيه لأن الذي يريد التوسعة لا بد أن يرتفع في الهواء، فإذا فعل ذلك اتسع الموضع فيأتي قوله: ﴿انشزوا﴾ مثل قوله: ﴿تفسحوا﴾.
قوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾:
اختلف في تأويله. فقال قوم: المعنى يرفع الله المؤمنين العلماء منكم درجات، فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم. ويجيء على هذا قوله تعالى: ﴿والذين أوتوا العلم﴾ بمنزلة قولك: جاءني العاقل والكريم، وأنت تريد إنسانًا واحدًا. وقال قوم يرفع الله الطائفتين المؤمنتين والعلماء الصنفين جميعًا درجات لكنا نعلم تفاضلهم في تلك الدرجات من موضع آخر ولذلك جاء الأمر بالتفسح عامًا للعلماء وغيرهم. وقال قوم -منهم عبد الله بن مسعود- المعنى: يرفع الله الذين آمنوا منكم وتم الكلام ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات ونصب العلماء على إضمار فعل. فالذي يتحصل للمؤمنين على هذا القول الرفع، وللعلماء الدرجات. ولهذا قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة وخير دينكم الورع.
(١٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾:
اختلف في سبب الآية. فقيل نزلت في الأغنياء لأنهم غلبوا الفقراء
стр. 1480
على مناجاة الرسول ﷺ وعلى مجلسه، قاله مقاتل. وقيل إن طائفة من شباب المؤمنين وأغفالهم كانت مناجاتهم للنبي ﷺ في غير حاجة إلا لتطهر منزلتهم. وكان النبي ﷺ سمحًا لا يرد أحدًا فنزلت الآية مشددة عليهم أمر المناجاة، قاله ابن عباس وغيره. وقيل نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي ﷺ ويقولن إنه أذن فيسمع كل ما يقال له، وكان لا يمنع أحدًا من مناجاته فكان ذلك شق على المسلمين لأن الشيطان كان يلقي في نفوسهم أنهم ناجوه بأن جموعًا اجتمعت لقتاله فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول﴾ [المجادلة: ٩] فلم ينتهوا فأنزل الله تعالى هذه الآية، فانتهى أهل الباطل عن النجوى لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة. وهذه الآية منسوخة باتفاق من المفسرين نسخها قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة ... ﴾ الآية [المجادلة: ١٣]. وقيل نسختها آية الزكاة. والقول الأول هو الصحيح فأباح الله تعالى لهم المناجاة دون تقديم صدقة بعد أن كان منع من ذلك. إلا أنه اختلف هل كان هذا النسخ بعد أن عمل بالآية أم لا؟ فقالت طائفة: نسخت هذه الآية قبل أن يعمل بها، وهذه من نسخ الأمر قبل التمكن من امتثاله. وفيه اختلاف بين أهل السنة والقدرية كمسألة إبراهيم ﵇ في ذبح ابنه. وقالت طائفة لم تنسخ حتى عمل بها وصححوا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف على المسلمين وذلك أني أردت أن مناجاة رسول الله ﷺ في أمر ضروري فصرفت دينارًا بعشرة دراهم ثم ناجيته عشر مرار أقدم في كل مرة درهمًا، وروي عن أنه تصدق في كل مرة بدينار،
стр. 1481
قال: ففهم رسول الله ﷺ أن هذه العبادة شقت على الناس فقال: ((يا علي كم ترى أن يكون حد هذه الصدقة؟ أتراه دينارًا؟ )) قلت: لا. قال: ((فنصف دينار)) قلت: لا يطيقونه. قال: ((فكم؟ )) قلت: حبة من شعير.
قال: ((إنك لزهيد)). فأنزل الله تعالى الرخصة يريد للواجدين. وأما من لم يكن يجد فالرخصة لم تزل ثابتة له لقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم﴾. وقد اختلف في تعزية المسلم بابنه الكافر. فحرمها مالك في الجنائز من العتبية واحتج بقوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١] وبقوله: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ... ﴾ [المجادلة: ٢٢]، لكان أظهر وإن لم يكن دليلًا قاطعًا. قال وقد روي عن مالك إجازة تعزية الكافر لتمام جوار فيقول له: إذا مر به: بلغني كان من مصابك بابنك، الله يكتبه من خيار ذوي ملته. قال: والمسلم بالتعزية أولى. اختلف في مدة بقاء هذا الحكم، فقيل عشرة أيام، وقيل ساعة من نهار.
(٢٢) - قوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾:
قال بعضهم إنه نسخها قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ... ﴾ الآية [الممتحنة: ٨]. والصحيح أنه لا نسخ في ذلك وأن قوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ نزلت في أهل الحرب، وأن قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم﴾ نزلت في أهل الذمة والأسارى. فمن سالم من الكفار فلا بأس ببره وإكرامه لظاهر حاله. وقالت أسماء: يا رسول الله إن أمي
стр. 1482
قدمت علي وهي راعية مشركة أفأصلها؟ قال ﷺ : ((صلي أمك)). وقد سئل مالك عن النصراني يصنع صنيعًا يختن ابنًا له فيدعو في دعوته مسلمين أو مسلمًا أترى أن يجيب. قال: إن شاء ليس عليه في ذلك ضيف أن جاءه فلا بأس به. وقال بعض المتأخرين: الأحسن أن لا يفعل لما فيه من التودد إلى الكفار وقد قال تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباؤهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾.
(١٣) - قوله تعالى: ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾:
اختلف في هذه الزكاة. فقيل هي المفروضة، وهو أحسن ما قيل في الآية. وقيل هي غير المفروضة وهي منسوخة بآية الزكاة، وذكر ذلك ابن عباس، وهو قول ضعيف وقد تقدم الكلام على هذه المسألة وسببها مستوعبًا. والله تعالى أعلم.
стр. 1483
سورة الحشر
وهي مدنية. وهي سورة بني النضير وفيها مواضع.
(٢) - قوله تعالى: ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾:
عنى الله تعالى بذلك جلاء بني النضير من اليهود عن موضعهم. فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام. وكان رسول الله ﷺ صالحهم على الجلاء على أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلقة، والحلقة السلاح.
وقوله تعالى: ﴿لأول الحشر﴾ أي أن إجلاءهم ذلك كان أول الحشر إلى الشام. قال قتادة: تجيء نار من المشرق تحشر الناس إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتأكل من تخلف. يريد أن هذا هو الحشر المشار إليه ومصالحه أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء يؤخذ منهم. الظاهر أنه يجوز. وقال أبو الحسن لا يجوز الآن وإنما جاز أول الإسلام ثم نسخ ولا بد من قتلهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم. ذكر ابن عمر أن رسول الله ﷺ لما دخل خيبر سأل اليهود
стр. 1484
منهم أن يقرهم فيها على أن يكفوهم مؤونة التمر ولهم النصف من ذلك. فقال رسول الله ﷺ : ((أقركم فيها)) حتى أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه حين بلغه أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يجتمع دينان بجزيرة العرب)).
(٥) - (٧) - قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ... ﴾:
سبب قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ الآية أن بعض أصحابه ﵊ جعلوا يقطعون نخل بني النضير ويحرقونه. فقال بنو النضير: ما هذا الإفساد يا محمد، وأنت تنهى عن الفساد؟ فكف بعض أصحابه لذلك، وذلك في صدر الحرب منعهم. فنزلت الآية رادة على بني النضير وأن ما كان من ذلك فبإذن الله تعالى. واللينة: قال مجاهد: كل نخلة لينة. وقيل: هي كرام النخل. وقيل هي ما عدا العجوة. وقال بعضهم: نهى بعض المهاجرين عن القطع فنزلت الآية بتصويب الرأيين في القطع ثم الترك. وهذا يدل على أن كل مجتهد مصيب وإن كان ذلك يبعد مع وجود رسول الله ﷺ والعويل في الجواز إنما هو على أنه رأى ذلك فاقرة. وقد اختلف الناس في قطع شجر المشركين وتخريب بلادهم. فأجازه الجمهور وكرهه الجماعة وتأولوا على ذلك حديث أبي بكر المشهور في توجيهه الجيش إلى الشام ووصيته إياهم. وحكي عن الشافعي أنه قال: يحرق الشجر المثمر والبيوت إذا كانت له معاقل وكره تحريق الزرع والكلأ. والحجة لقول الجمهور ظاهر الآية وإقرار النبي ﷺ على تحريق نخل بني النضير.
стр. 1485
(٦) - قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾:
أعلم الله تعالى في هذه الآية أن ما أخذ لبني النضير وما أخذ من فدك فهو خاص بالنبي ﷺ على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خمس المغانم. وذلك أن بني النضير لم يوجف عليها ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها رسول الله ﷺ قوت عياله وقسم سائرها في المهاجرين ولم يعط الأنصار منه شيئًا، غير أن أبا دجانة سماك بن خدشة وسهل بن حنيف شكوا فاقة فأعطاهما رسول الله ﷺ . هذا قول جماعة من أهل العلم. وذكر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: فكان رسول الله ﷺ ينفق منها على عياله نفقة سنة وما بقي منها جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. قال قوم من العلماء: وكذلك كل ما افتتح على الأئمة مما لا يوجف عليه فهو لهم خاصة.
(٧) - وقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾:
أهل القرى في هذه الآية هم أهل الصفراء والينبوع ووادي مخالف لحكم أموال بني النضير لأنه ﵊ لم يحبس من هذه لنفسه شيئًا بل أمضاها لغيره. واختلف في صفة فتحها، فقيل طوعًا لم يوجب عليه بخيل ولا ركاب، وكان حكمه حكم خمس الغنائم. وليس في الآية نسخ على هذا.
وأعطى رسول الله ﷺ جميع ذلك للمهاجرين ولم يعط الأنصار منه شيئًا. وقيل بل كانت مما أوجف عليها بالخيل والركاب ولكن كان هذا حكم ما يوجف عليه ثم نسخ بما في سورة الأنفال. وقد مر الكلام على
стр. 1486
هذه الآية مستوعبًا هناك فأغنى عن إعادته. وهذه الآية من المشكلات إذا نظرت مع الآية التي بعدها ومع الآية الغنيمة من سورة الأنفال، ويحصل القول فيها أنه لا خلاف في قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه ... ﴾ الآية أنما نزلت فيما صار لرسول الله ﷺ من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب وهي أموال بني النضير. وبذلك فسرها عمر رضي الله تعالى عنه ولم يخالفه أحد في ذلك. ولا خلاف في هذا النوع أنه كان لرسول الله ﷺ يصنع فيه ما يشاء. وأما آية الأنفال قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء ... ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فلا خلاف أيضًا أنها نزلت فيما صار لرسول الله ﷺ من أموال الكفار بإيجاف الخيل والركاب، ولا خلاف أن الحكم فيه كما تضمن في الآية. أما الآية الثانية من الحشر وهي قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ... ﴾ الآية، فاختلف أهل العلم فيها. فمنهم من أضافها إلى الآية التي قبلها في الحشر ورآهما فيما يصير من الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب. ومنهم من أضافها إلى آية الأنفال وأنهما نزلا بحكمين مختلفين في الغنيمة الموجف عليها الخيل والركاب. وأن آية الأنفال نسخت آية الحشر. ومنهم من قال إنها نزلت في معنى ثالث غير المعنيين المذكورين في الآيتين المذكورتين. واختلف الذاهبون إلى هذا في ذلك المعنى، فقيل نزلت في خراج الأرض ومال الجزية وأن ذلك موقوف لمصالح المسلمين. وقيل نزلت في حكم أرض الكفار خاصة إذا أخذت عنوة دون سائر أموالهم. فهي على هذا القول مضافة إلى آية الأنفال إلا أنها في حكم الأرض، وآية الأنفال في حكم ما عدا الأرض. فمن أهل هذه المقالة من ذهب إلى أن الأرض تقر ولا تقسم كما يقسم سائر الغنائم واحتجوا لذلك بما فعل عمر رضي الله تعالى عنه فإنه لما فتح العراق سأل قوم من الصحابة قسمتها بينهم. فقال: إن قسمتها بينكم بقي آخر المسلمين لا شيء لهم واحتج
стр. 1487
عليهم بهذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم ... ﴾ الآية، وشاور عليًا في ذلك، فأشار عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها فيها ويضع الخراج عليها ففعل ذلك. وإلى هذا ذهب مالك رحمه الله تعالى. والآية عند أهل هذه المقالة غير منسوخة. ومن أهل هذه المقالة من ذهب إلى تخيير الإمام في ذلك فإن رأى قسمتها قسمها وإن رأى تركها تركها. وقال أبو الحسن: والذي ذكر من احتجاج عمر رضي الله تعالى عنه بعيدًا جدًا لأن قوله تعالى: ﴿الذين جاءوا من بعدهم﴾ لا يعطي أن لهم حقًا من الغنيمة وأن غير من شهد الوقعة يستحق منها شيئًا. والعجب أن الذين هم في الحياة لا يستحقون إذا لم يشهدوا الوقعة فكيف يستحقها من جاء بعدهم؟ قال: فدل ذلك على أن معنى الآية ظاهرها وهو ندب الآخرين إلى الدعاء للأولين. قال: ودل هذا على أن الحق ما ذهب إليه الشافعي وهو أن ما كان عنوة من الأرضين وغيرها مقسومة على حكم آية الأنفال وأن الذي صنع عمر إنما صنعه بعد استبعاد أنفس الغانمين ورأى اشتراء الأرض منهم. وقد مر الكلام على ترجيح قول مالك على قول غيره بما أغنى عن إعادته.
قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾:
روي في سبب هذه الآية أن قومًا من الأنصار تكلموا في هذه المواضع المفتتحة وقالوا: لنا منها سبب - فهي عامة عند جمهور العلماء في جميع الأحكام الصادرة عن النبي ﷺ حتى انتزع منها ابن مسعود لعن الواشمة والمستوشمة. حكى أن امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب قالت: لقد
стр. 1488
قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فذكر لها الآية. فقالت له المرأة: إني أرى من هذا شيئًا على امرأتك. فقال: اذهبي فانظري. فذهبت فنظرت فلم تر شيئًا. وروي أنه رأى محرمًا في ثيابه المخيطة فقال له: اطرح هذا عنك. فقال له الرجل: لتقرأ علي بذلك آية في كتاب الله. فقال ابن مسعود: نعم، وتلا هذه الآية.
(٨) - قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين ... ﴾ إلى قوله: ﴿ورضوانًا﴾:
أي الغنائم للفقراء ومن ذكر بعدهم من المهاجرين الذين هاجروا إلى النبي ﷺ والذين تبوأوا الدار وهم الأنصار. والذين جاءوا من بعدهم: يعني كل من جاء بعد الصحابة من المسلمين الذين هم على الصفة المذكورة، فساق هذه الأصناف الثلاثة تبيينًا لقوله: ﴿والمساكين وابن السبيل﴾ وهو بدل منه بإعادة حرف الجر. والكلام في هذا يطول وليس فيه ما يتعلق بالأحكام فيضطر إلى ذكره.
(١٠) - قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا﴾:
بهذه الآية قال مالك وغيره إنه من كان له في أحد من الصحابة قول سوء أو بغض فلا حض له في الفيء أدبًا له.
стр. 1489
سورة الممتحنة
مدنية. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ... ﴾ إلى قوله: ﴿بالمودة﴾:
الكلام في هذه الآية كالكلام فيما مضى من نظائرها مما فيه النهي عن موالاة الكفار فلا معنى لإعادته. والآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يعلمهم بغزو رسول الله ﷺ إياهم. يؤخذ من هذه الآية دليل على أن خوف الجائحة على المال لا يبيح التقية في دين الله، وأن العذر الذي قاله حاطب لا أثر له. ويحتمل أن يقال إن ما فعله حاطب لم يكن خوفًا على ما ذكر وإنما كان توددًا إلى الكفار ولما كان تأمله مرتع من جهتهم.
(٤) -قوله تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ... ﴾ الآية:
يعني التأسي بإبراهيم ومن معه في تبريهم من الكفار.
وقوله: ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك﴾:
أي فلا تتأسوا به في الاستغفار، قال مجاهد وغيره. فالمعنى: تأسوا
стр. 1490
به في التبري من الكفار ولا تتأسوا به في الاستغفار لهم. وإنما لم يتأس به في الاستغفار لأن الأصل في ذلك المنع. وإنما جاز له لعلة وهي الموعدة التي كان وعدها إياها. وقد مر الكلام على هذا في موضعه فلا معنى لإعادته.
(٨)، (٩) - قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾:
تضمنت هذه الآية قوله: ﴿لا ينهاكم الله﴾ إلى قوله: ﴿وتقسطوا إليهم﴾ إباحة مهادنة نم لم يقاتل وبرهم. واختلف فيها على ذلك هل هي منسوخة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة بآية القتال. واختلفوا فيمن كان المشار إليهم في الآية من الكفار. فقال قوم: أراد من كان من كفار قريش لم يقاتل ولا أخرج ولا أظهر سوء. وعلى هذا يأتي قول الهمداني إنها نزلت في قوم من بني هاشم، منهم العباس. وقال أبو صالح والحسن أراد خزاعة وبني الحرث بن كعب وقبائل من العرب إلا أنهم كانوا مظاهرين للنبي ﷺ محبين فيه وفي ظهوره منهم كنانة وبنو الحرث بن عبد مناف ومرينة. كذا ساق بعضهم هذه القول على أن الآية منسوخة. وساقه مكي على أنها محكمة إلا أنه قال: وكان بينهم وبين النبي ﷺ عهد. وهذا حسن. وفي الآية على هذا القول دليل على جواز الصدقة على أهل الذمة دون أهل الحرب ووجوب النفقة للأبوين الكافرين. فأما الأب الحربي فيجب قتله. وذهب قوم إلى أنها محكمة واختلفوا فيمن المشار إليه بالآية. فقيل هم المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يهاجروا وكانوا لذلك في رتبة سوء لتركهم فرض الهجرة، قاله مجاهد. وقيل هم المؤمنون التاركون
стр. 1491
للهجرة، كانوا من أهل مكة أو من غيرها. وقيل هم المستضعفون من المسلمين الذين لم يستطيعوا الهجرة، قاله النحاس وغيره. والآية على هذه الثلاثة أقوال في المؤمنين. وقيل هم النساء والصبيان من الكفار. ونزلت الآية بسبب أم أسماء حين استأذنت أسماء النبي ﷺ في برها وصلتها، فأذن لها. وكانت المرأة خالتها على ما وري، فسمتها في الحديث أمًا. وذهب إلى هذا القول عبد الله بن رواحة. فيأتي على هذا في الآية قولان: هل هي في المؤمنين أو الكفار؟ وإذا كانت في الكفار ففيها قولان: هل هي محكمة أو منسوخة؟
(٩) - قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ... ﴾ الآية: بمعنى مودة قريش.
(١٠) - وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم﴾:
نزلت هذه الآية إثر صلح الحديبية، وكان ذلك الصلح قد تضمن أن يرد المؤمنون إلى الكفار كل من جاء مسلمًا م رجل أو امرأة، وتقرر ذلك بالسنة من رسول الله ﷺ . فنسخ الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية، وحكم بأن المهاجرة المؤمنة لا ترد إلى الكفار بل تتقي وتستبرأ وتتزوج ويعطي زوجها الكافر الصداق الذي أنفق. وهذا من نسخ السنة بالقرآن. واختلف في الرجال هل أمرهم في ذلك منسوخ كالنساء ولا تجوز المهادنة على مصله أو محكم فتجوز المهادنة حتى الآن عليه على قولين. الأطهر منهما أنه محكم لأن الناسخ لذلك غير معلوم وإنما أخذه من أنه لا يجوز إقامة المسلم بدار الشرك، ومثل هذا لا يكون به نسخ. وقد رد إليهم رسول الله ﷺ أبا جندل وأبا بصير وسمى الله تعالى في هذه الآية
стр. 1492
المهاجرات مؤمنات قبل أن يعلم إيمانهن إنما كان ذلك ظاهر أمرهن.
وقوله تعالى: ﴿فامتحنوهن﴾:
معناه فجربوهن واستخبروا ما عندهن. واختلف أهل العلم في كيفية هذا الامتحان. فقيل بأن تستحلف المرأة بأنها ما هاجرت لبغض زوجها ولا لجريرة جنتها ولا لسبب من أغراض الدنيا سوى حب الله تعالى ورسوله والدار الآخرة، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم. وقيل هو بأن تطلب بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا فعلت ذلك لم ترد، قاله ابن عباس أيضًا. وقيل هو أن تعرض عليها الشروط التي في الآية بعد هذه من تزك الزنا والسرقة والبهتان والعصيان، فإذا أقرت بذلك فهو امتحانها، قالته عائشة وغيرها. واختلفت في المرأة التي جاءت من الكفار بعد عقد الصلح مسلمة فنزلت هذه الآية بسببها فلم ترد إلى الكفار، فقيل أميمة بنت بشر امرأة أبي حسان الدحداحة. وقيل سبيعة بنت الحرث ولما خرجت جاء زوجها فقال: يا محمد ردها علينا فإن ذلك في الشرط لنا عليك، وهذه طينة كتابنا لم تجف فنزلت الآية، فامتحنها رسول الله ﷺ فلم يردها وأعطى لزوجها مهرها.
وقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾:
والعلم بذلك لا يمكن. معناه علمتم ظاهر قولهن.
وقوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾:
ذكر تعالى في هذه الآية أن العلة في أن لا يرد إلى الكفار النساء امتناع الوطء. وفيه دليل على ارتفاع النكاح، ودليل على أن المنع من الرد لمكان الإسلام. فإنه تعالى قال: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾
стр. 1493
فلم يجعل الفرقة لاختلاف الدار على ما قاله أبو حنيفة، وإنما جعلها للإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾:
أمر الله تعالى بأن يعطى الكفار مهور نسائهم اللائي هاجرن مؤمنات.
وقد ذكرناه فيما قبل.
قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾:
رفع تعالى الجناح في أن يتزوج بأجورهن، وهي الصدقات. وقد ذكرنا ذبك أيضًا.
قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾:
اختلف فيه، هل هذا النهي عن إمساك الرجال والنساء أو عن إمساك النساء خاصة. فذهب بعضهم إلى أنه في الفريقين. قال أبو علي الفارسي سمعت الليلة أبا الحسن الكرخي يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ أنه في الرجال والنساء. فقلت له: النحويون لا يرون هذا إلا في النساء لأن الكوافر جمع كافرة. قال: وأي شيء يمنع من هذا؟ أليس الناس يقولن: طائفة كافرة وفرقة كافرة. فبهت وقلت هذا تأويل والمشهور أنه في النساء، ولا خلاف أنه كان لا يمسك من النساء من كان مجيؤها هربًا من زوجها خاصة، ما جاء من الرجال كذلك. وهذه الآية تقتضي ذلك، وأنه إذا أسلم الرجل وله امرأة، وقعت الفرقة بينهما. إلا أنه اختلف في الكوافر المعينات بالآية من النساء من هن؟ فقيل: عابدات الأوثان ومن لا يجوز نكاحه. والآية على هذا محكمة. وقيل هي عامة
стр. 1494
للنساء الكافرات عابدات الأوثان وغيرهن من أهل الكتاب. والآية على هذا القول قد نسخ منها نساء أهل الكتاب لأن نكاح المؤمن إياها ثابت فإذا أسلم الزوج لم تقع الفرقة بينهما. وفي تسمية مثل هذا نسخًا خلاف. وقد مر الكلام عليه في غير موضع.
قوله تعالى: ﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾:
أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين أن يسألوا الكافرين ما أنفقوا من الصدقات على من تزوجوه من نسائهم اللائي فررن إليهم كما لزم المؤمنين أن يعطوا الكفار ما انفقوا من الصدقات على نسائهم الفارات إليهم، فلذلك قال تعالى: ﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ وقرر الحكم بذلك على الجميع. فروي أنه لما نزلت هذه الآية قالت قريش نحن لا نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقًا، فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار﴾ فأمر المؤمنين إذا أبى الكفار من دفع الصدقات على الوجه الذي تقدم أن يدفعوا إلى من فرت زوجته منهم ففاتت بنفسها إلى الكفار صداقه الذي أنفق. واختلف العلماء من أي مال يدفع إليه الصداق؟ فقيل يدفع إليه من الصدقات التي كانت تدفع إلى الكفار بسبب من هاجر من أزواج الكفار فأزال الله تعالى دفعها إليهم حين لم يرضوا بحكمه حسبما تقدم. قاله ابن الشهاب، وهو قول حسن يقتضيه قوله تعالى: ﴿فعاقبتم﴾. وقيل يدفع إليه من مغانم المغازي، قاله مجاهد وقتادة، وقال: المعاقبة: الغزو والمغنم. وعاقبتم، عقبتم سواء، أي أصبتم غنمًا. وقيل يدفع إليه من أي وجوه الفيء أمكن، قاله الزهري أيضًا. وقد قال بعض المفسرين في هذه الآية كلها إنها مما رفع حكمه وبقي رسمه لأنها كلها نزلت في شيء بعينه لعلة بعينها. فلما زالت العلة ارتفع الحكم، وذلك أنها نزلت في مهادنة النبي ﷺ مشركي مكة العرب من قريش وغيرهم.
стр. 1495
فزال حكم الهدنة، إذ لا يجوز لنا اليوم أن نهادن أحدًا منهم لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، فلما ارتفع حكم الهدنة بالآية في مشركي العرب ارتفع حكم الآية عدم وجود الهدنة، فإنما الهدنة باقية بيننا وبين أهل الكتاب وبين المجوس لقوله ﵊: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) ولا هدنة بيننا وبين مشركي العرب، إنما هو الإسلام أو السيف، لأن الآية بينت ذلك إذ قال تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وقال في أهل الكتاب: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد﴾ [التوبة: ٢٩] فبان أن الآية ناسخة للهدنة بيننا وبين مشركي العرب. فلما زالت الهدنة بالآية زال أيضًا حكمها، ولهذا قال بعضهم أيضًا عن قتادة أن ما في هذه الآية منسوخ بما في براءة. حكي عن الزهري أنه قال: انقطع هذا يوم الفتح.
(١٢) - وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبيعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الله غفور رحيم﴾:
هذه هي بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا. وسماهن المؤمنات بحسب الظاهر كما تقدم.
قوله تعالى: ﴿على أن لا يشركن بالله شيئًا﴾:
أي على أن يرفضن الشرك. ورفضه هو خالص الإيمان.
قوله تعالى: ﴿ولا يسرقن ولا يزنين﴾:
بيِّن.
قوله تعالى: ﴿ولا يقتلن أولادهن﴾:
هو من خوف الفقر، وكانت العرب تفعل ذلك.
стр. 1496
قوله تعالى: ﴿ولا يأتين ببهتان﴾:
اختلف في معناه. فقال كثير من المفسرين: معناه أن تنسب إلى زوجها ولدًا ليس له.
وقال قوم: الآية على العموم في أن ينسب إلى الرجل غير ولده. وفي الفرية بالقول على أحد وفي الكذب فيما اؤتمن فيه من الحيض والعمل وبعض ذلك أقوى نم بعض. وإلى نحو هذا أشار بعضهم فقال: ما بين أيديهن، يريد به اللسان والفم في الكلام والقبلة ونحوه. وبين الأرجل يراد به الفروج وولد الإلحاق ونحوه.
قوله تعالى: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾:
قال ابن عباس وأنس وغيرهما: هو النوح وشق الجيوب ووشم الخدود ووصل الشعر وغير ذلك مما أمرت السنة بتركه فرضًا كان أو ندبًا. وفي الحديث أن جماعة نساء فيهن هند بنت عتبة بايعن رسول الله ﷺ فقرأ عليهن بالآية، فلما قررهن على أن لا يشرطن قالت هند: وكيف نطمع أن تقبل منا مالم تقبله من الرجال، أي هذا بين لزومه. ولما وفقها على السرقة قالت: والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان ولا أدري هل يحل لي ذلك. فقال أبو سفيان: ذلك حلال فيما مضى وفيما بقي. وقال لها رسول الله ﷺ : ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) ولما وقفها على الزنا قالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة؟ فقال لها رسول الله ﷺ : ((لا ما تزني الحرة)) وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في الإماء في الغالب. ولما وقفها على قتل الأولاد قالت: نحن ربيناهم صغارًا وقتلتهم أنت ببدر كبارًا. فضحك رسول الله ﷺ . فلما وقفها على العصيان في المعروف قالت: ما جلسنا في هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك. وروي أن جماعة من النساء بايعن رسول الله ﷺ على ما في الآية، فلما فرغن قال لهن رسول الله ﷺ :
стр. 1497
((فيما استطعتنوأطعتن)). فقلن الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا.
قوله تعالى: ﴿فبايعهن﴾:
أي إذا أقررن لك فامض معهن صفقة الإيمان. واختلف في الهيئة التي بايع رسول الله ﷺ فيها النساء بعد الاتفاق على أن يده لم تمس يد امرأة أجنبية قط، فذكرت عائشة أنه بايع باللسان قولًا. وقال إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، وجاء في نحو ذلك حديث عن أسماء بنت يزيد بن السكن. وذكر بعضهم أن نساء من الأنصار بايعن رسول الله ﷺ فمد رسول الله ﷺ يده من خارج بيت ومد النساء أيديهن من داخله فبايعهن. وروي عن الشعبي أنه لف ثوبًا كثيفًا قطريًا على بده وجاءت نسوة فلمسن يده كذلك. وروي أن نسوة بايعن رسول الله ﷺ فكان عمر بن الخطاب يلمس أيدي النساء وهو خارج من البيت والنساء في داخل البيت، بحيث لا يراهن. وروي أيضًا أنه ﵊ بايعه النساء على الصفا بمكة وعمر بن الخطاب يصافحهن. وروي عن ابن عباس وعروة الثقفي أنه ﵊ غمس يده المباركة في إناء فيه ماء ثم دفعه إلى النساء فغمسن فيه أيديهن ثم أمره تعالى بالاستغفار لهن ورجاهن غفرانه ورحمته بقوله تعالى: ﴿واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾ وهذه الآية غير معمول بها اليوم لأنه قد أجمع الناس أنه ليس على الإمام أن يشترط عليهن ذلك. فإما أن تكون منسوخة ولم يذكر ذلك، وإما أن تكون ندبًا لا إيجابًا. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة.
стр. 1498
سورة الصف
اختلف فيها، فقيل مكية وقال الجمهور مدنية، وهو أظهر. وفيها موضعان.
(٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾:
هذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملًا فيه طاعة أن يفي به. وقال بعضهم: الآية توجب على من وعد وعدًا أن يفي به إذا لم يكن فيه إثم. وكذلك من ألزم نفسه عملًا فيه طاعة لزمه أن يفي به ويدوم عليه. قال أبو الحسن: ويحتج بها في وجوب الوفاء بنذر الحاج على أحد قولي الشافعي. وقد اختلف في سبب الآية، فقال جماعة -منهم ابن عباس- نزلت بسبب قوم قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لعلمناه. فلما نزلت في الجهاد كرهوه وفر من فر يوم أحد فعاتبهم الله تعالى بها. وذكر المهدوي أن قائل ذلك عبد الله بن رواحة. وقال قوم -منهم قتادة- نزلت بسبب أن جماعة من شباب المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو وبما لم يفعلوا، ويقولون فعلنا وصنعنا، وذلك كذب، فنزلت الآية. وقال قوم -منهم ابن زيد- نزلت في المنافقين لأن طائفة منهم كانوا يقولون
стр. 1499
للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك، فنزلت الآية عتابًا لهم. وعلى هذا القول قد سمى الله تعالى المنافقين مؤمنين. وهذا إنما يتوجه إذا لم يكونوا مشتهرين بالنفاق فلذلك خوطبوا بالمؤمنين، أي في زعمهم وما يظهرون.
(٤) - قوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص﴾:
استدل بعضهم بهذه الآية على أن قتال الرجال أفضل من قتال الفرسان، لأن التراص منهم يمكن بخلاف الفرسان. وهذا ضعيف، لأنه ليس المراد بالآية نفس التراص وإنما المقصد الجد والاجتهاد في القتال، فسواء كانوا رجالًا أو فرسانًا. وقصد بالذكر أشد الأحوال، وهي الحالة التي تحوج إلى القتال صفًا متراصًا. ونابت هذه الصفة مناب سائر الصفات.
стр. 1500
سورة الجمعة
وهي مدنية، وقيل مكية. والأول أصح لأن قصة اليهود لم تكن قط بمكة وكذلك إقامة الجمعة لم تكن قط بمكة. وفيها موضع واحد.
(٩) - (١١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ... ﴾ إلى آخر السورة .
سأل مالك بن شهاب -على ما وقع في الموطأ- عن قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾. فقال ابن شهاب: كان عمر بن الخطاب يقرأها فامضوا إلى ذكر الله. قال مالك: وإنما السعي في كتاب الله الفعل لقوله تعالى: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقال: ﴿وأما من جاءك يسعى﴾ [عبس: ٨]، وقال: ﴿ثم أدبر يسعى﴾ [النازعات: ٢٢]، وقال: ﴿إن سعيكم لشتى﴾ [الليل: ٤]. قال مالك: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام ولا الاشتداد، وإنما عنى العمل والفعل. وهذا السؤال عن مالك إنما كان لأن لفظ السعي في كلام العرب يحتمل الجري كقوله ﵊: ((فلا تأتوها وأنتم تسعون))
стр. 1501
ويحتمل المشي من غير جري كالآية التي احتج بها مالك. وأجابه ابن شهاب بقراءة عمر بن الخطاب وإن لم تكن ثابتة في المصحف، تجري عند قوم من الأصوليين مجرى خبر الآحاد سواء أسندت أم لا. وذهبت طائفة إلى أنها ال تجري مجرى الخبر الواحد إلا إذا أسندت إلى النبي ﷺ ، فإذا لم تسند فهي بمنزلة قول القارئ لها. والذي ذهب إليه القاضي أبو بكر أنه لا تجوز القراءة بها ولا العمل بمضمونها سواء أسندت أم لا. قال الباجي وهو الأبين عندي والوجه في احتجاج ابن شهاب بقراءة عمر أن ذلك على جهة التفسير من عمر وهو من أهل اللسان، ففسر السعي بأنه المضي، وقوله في ذلك حجة بلا خلاف بين العلماء.
وهذه الآية قد تضمنت من أحكام الجمعة جملة، فمن ذلك أنها فريضة لأن الأمر بها في الآية محمول على الوجوب، وقد جاء عن النبي ﷺ ما يؤيد ذلك قوله: ((الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض)). وهي عند الجمهور فرض على الأعيان، وقال قوم فرض على الكفاية، وذهب إليه بعض الشافعية. ودليل الجمهور قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ فعم. وقال ﵊: ((الجمعة على من سمع النداء)) وقوله ﵊: ((من تركها ثلاثًا من غير عذر طبع الله على قلبه)). ومن ذلك الأذان لصلاة الجمعة اختلف في وجوبه. الذاهبون إلى أن الأذان ليس بواجب في الجملة، وهو قول الجمهور خلافًا
стр. 1502
لداود ومن تابعه. فرآه الأكثر مثل الأذان لسائر الصلوات سنة. ورآه بعض الشافعية واجبًا بخلاف الأذان لسائر الصلوات، ومن حجتهم ظاهر الآية لأنه تعالى قد شرط في السعي إليها أن يكون عند الأذان، والسعي واجب. وهذا ضعيف، لأن المفهوم من الآية والمراد منها إنما هو إذا حضر وقت هذه الصلاة فاسعوا إليها، وجعل الأذان الذي هو من سنتها علامة لذلك، فلا تدل على وجوبه. وقد اختلف في معنى قول مالك في صفة الأذان يوم الجمعة. فروى عنه ابن عبد الحكم ما يدل على أن النداء عنده فيها واحد، ونحوه عند الشافعي. وجاء في الحديث أن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان -وكثر الناس- زاد النداء الثالث، وبعضهم يقول الثاني، فمن قال الثاني فلا إشكال. ومن قال الثالث، فبعضهم يقول سمى الإقامة أذانًا فكانت أذانًا ثانيًا للأذان على المنابر، وما زاده عثمان ثالث. وبعضهم يقول إنه كان بين يديه ﷺ وهو على المنبر أذان أيضًا، وذكر ذلك أبو داود في مصنفه، فهو كان الثاني. وهو الحديث الذي جاء أنه كان بين يديه ﷺ أذان ضعيف لأنه قال مالك في المجموعة أن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه. فلو كان ذلك في زمن النبي ﷺ لم يقل إنه محدث. وقد ذكر عن مالك ما يدل على أن الأذان للجمعة ليس بواحد لأنه قال: إذا أذن المؤذنون حرم البيع. فذكر المؤذنين بلفظ الجمع. والذي يظهر من لفظ الآية أن ذلك واسع أذن لها واحد أو جماعة لأنه تعالى قال: ﴿إذا نودي للصلاة﴾ وذلك يقع على النداء والنداءين
стр. 1503
والثلاثة. واختلف في الموضع الذي يلزم منه السعي إلى الجمعة. فقيل ثلاثة أميال وما قاربها. وهو قول مالك المشهور. وقيل ثلاثة أميال فدون، وهي رواية أشهب عنه. وهذه الثلاثة الأميال اختلف الذين ذهبوا إليها من أين يكون ابتداؤها إلى أين. فقيل من منزل الساعي إلى موضع المنادي. وقيل من منزل الساعي إلى أول المدينة التي فيها النداء. والقولان في المذهب. وقيل يجب السعي على كل من آواه الليل إلى أهله، وهو قول الأوزاعي وغيره. وقيل يجب على من كان على ستة أميال، وهو قول الزهري. وقيل يجب على من كان على أربعة أميال، وهو قول ربيعة. ويذكر عن الزهري. وقيل ليس على من كان على رأس ميل جمعة، وهو قول حذيفة. وقيل يلزم السعي من خمسة أميال. وقيل أنه لا يلزم من كان خارج المصر الإتيان إليها قربت مسافته أو بعدت، وهو قول أبي حنيفة. وقيل تجب الجمعة على من يسمع النداء، وهو مروي عن مالك والشافعي وغيرهما. وجعل جماعة من الشيوخ هذا القول غير مخالف للقول باعتبار ثلاثة أميال. قالوا لأن تلك المسافة منتهى ما يسمع فيها صوت المؤذن. وكذلك ساق الرواية علي بن زياد، وساقوا أيضًا تفسيرًا للمذهب ما رواه ابن أبي أويس عن مالك وابن وهب أيضًا. وهو أن الحد إنما هو لمن كان خارج المصر، وأما من كان في المصر فيتعين عليه الإتيان إلى الجمعة وإن كان بينه وبين المسجد الجامع ستة أميال أو أكثر. قال المهلب: ونص كتاب الله يدل على أن الجمعة تجب على كل من سمع النداء وإن كان خارج المصر. وهو أصح الأقوال. قال ابن القصار: واعتذر الكوفيون
стр. 1504
لقولهم إن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر فقالوا: لأن الأذان إعلام لمن يحضر، والأذان بعد دخول الوقت. ومعلوم أنه من سمعه على أميال باكر في السعي لا يلحق فيقال لهم معنى قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة﴾: إذا قرب وقت النداء للصلاة بمقدار ما يدركها كل ساع إليها، فاسعوا إليها. وليس على أنه لا يجب السعي لها حتى ينادي إليها. والعرب قد تضع البلوغ بمعنى المقاربة كقولهم: إن ابن أم مكتوم كان لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت، أي قاربت الصباح. ومثله: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ [البقرة: ٢٣٤، الطلاق: ٢] يريد إذا قاربن البلوغ. واختلف متى يتعين الإقبال للصلاة، وهذا الخلاف إنما هو فيمن كان بموضع لا تفوته الجمعة منه إذا سعى إليها مع الأذان. فقيل إذا زالت الشمس، وقيل إذا أذن المؤذن، وهو ظاهر لفظ الآية. واختلف في عدد من تجب عليهم الجمعة. فروي عن أبي هريرة مائتان، وعن عمر بن عبد العزيز خمسون، وعن الشافعي أربعون. وروي عن أبي هريرة وعن مالك في رواية مطرف وابن الماجشون ثلاثون بيتًا وروي بذلك حديث عن النبي ﷺ . وعن ربيعة اثني عشر رجلًا عدد الذين بقوا مع النبي ﷺ حين انفضوا إلى العير. وعن عكرمة سبعة أنفس، وعن أبي حذيفة الإمام وثلاثة أنفس معه وهو قول الأوزاعي والمزني وأبي ثور. وعن أبي يوسف والثوري: الإمام ونفسان معه. وعن الحسن بن أبي صالح: الإمام وآخر معه. والمشهور عن مالك أنه لم يحدد عددًا إلا أنه قال: أهل القرية المتصلة البنيان التي فيها الأسواق يجمع أهلها. ومرة لم يذكر الأسواق. قال ابن القصار: ليس أحد هذه الأقوال أولى من صاحبه فيجب الرجوع إلى صفة من خوطب في الآية وأمروا بالسعي إليها وهم قوم لهم بيع وشراء. فيجب طلب قوم هذه صفتهم وليسوا إلا من كان لهم
стр. 1505
مسجد وسوق ويطلق عليهم اسم الجماعة. فالجمعة واجبة عليهم كانوا خمسة أو عشرة أو أربعين، وهذا مثل قول مالك رحمه الله تعالى فهو أسعد بالآية من سائر المخالفين له. وأيضًا فإنه تعالى قال: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ ولم يشترط عددًا. ولا يصح عند أهل النقل ما احتج به الشافعي أن رسول الله ﷺ حين قدم المدينة جمع بأربعين رجلًا. واختلف هل تجب الجمعة فيما عدا الأمصار على قولين. الأشهر منهما أنها تجب في غير المصر إذا كان ثم جماعة كما تقدم. والدليل على ذلك عموم الآية إذ لم يخص مصرًا من غيره. وقوله ﵊: ((الجمعة في كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة)) والمقصود من هذا ضرب المثل وأن صغرها لا يمنع من إقامة الجمعة. وأجمعوا على أن المرأة والصبي لا جمعة عليهما لقوله ﵊: ((لا تجب الجمعة على أربعة)) فذكر المسافر والعبد والمرأة والصبي وذكر المريض. واختلف في المسافر والعبد، فالمشهور أنه لا تجب عليهما الجمعة أيضًا للحديث المتقدم وأنهما مخصصان من عموم الآية كالمرأة والصبي. وذهب داود ومن تابعه إلى أنهما باقيان تحت عموم الآية وأن الجمعة واجبة عليهما. وذهب الحسن وقتادة إلى أن العبد باق في عمومها وأن الجمعة تجب عليه لذلك وأن المسافر بخلافه. واختلف في التخلف عن الجمعة بسبب المطر، فأجيز ومنع. فمن منع فلظاهر الآية إذ لم يخصص وقت مطر من غيره وهو المعلوم من قول مالك. وكذلك اختلفوا في تخلف العروس عنها. فمن منع فلظاهر الآية كما قدمنا إذ لم يخصص. وأجازوا التخلف عنها لمرض أو شغل بجنازة وللأعمى. وخصصوا هؤلاء من عموم الآية. واختلف في الوالي هل هو من شرط صحة الجمعة أم لا على قولين في المذهب. والدليل على أنه ليس بشرط قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة فاسعوا إلى ذكر الله﴾
стр. 1506
ولم يشترط إذن السلطان. واختلف إذا اجتمع عيد وجمعة هل يسقط أحدهما الآخر أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يسقط. وفي الواضحة عن مالك في ذلك لمن كان على مثل الموالي من المدينة روايتان. وقال أحمد بن حنبل حضور العيد يكفي عن الجمعة. والحجة لما في المذهب قوله تعالى: ﴿وإذا نودي للصلاة ن يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ فعم. وقد اختلف هل يصح أن تقام الجمعة في غير المسجد الجامع أم لا على قولين بين المتأخرين، الأظهر منهما أنها تصح ويؤيد ذلك عموم الآية. وقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾: السعي في لسان العرب يصلح للسير السريع والسير الرويد وقد بان بقوله ﵊: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة)) أن المراد بقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ غير الجري. وكذلك قال الحسن في تأويلها، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر العلماء. وكان عمر ابن مسعود يقرآن: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾. وقال ابن مسعود: لو قرأتها: فاسعوا، لسعيت حتى يسق ردائي. وقد اختلف أهل العلم في الإسراع إلى الصلاة إذا خيف أن تفوت. فأجازه قوم وكرهه قوم. وروي عن مالك إجازته، وهو قول ابن مسعود. وقوله هذا ينحو إلى قوله المتقدم في معنى قوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾:
(٩) - قوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾:
أمر تعالى بترك البيع في يوم الجمعة إذا أخذ المؤذن في الأذان، واختلف في هذا الأمر هل هو أمر وجوب أو أمر ندب. فذكر ميك عن قوم أن البيع جائز في ذلك الوقت وأن الآية على الندب لا على الإلزام واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ذلكم خير لكم﴾. والجمهور على أنه أمر إيجاب وأن البيع في ذلك الوقت حرام إلا أنهم اختلفوا في البيع إذا وقع. فقيل يفسخ مالم يفت. فإن فات مضى بالثمن. وقيل يفسخ ما لم يفت فإن فات مضى
стр. 1507
بالقيمة. وقيل لا يفسخ البيع إذا وقع وإن كانت السلعة قائمة. وقد []
المتبايعان بالإثم. والثلاثة الأقوال في المذهب. والأشهر في ذلك أنه بيع فاسد يفسخ ما لم يفت لقوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ وهذا أمر في معنى النهي يدل عند الأصوليين على فساد المنهي عنه ولأنه عقد منع منه لأجل حق الله تعالى فأشبه النكاح في العدة، والنكاح كالبيع قياسًا. وأما الهبات والصدقات ففيها نظر وقد قال عبد الوهاب يمكن أن تجري مجرى البيع. واختلف في تبايع من لا تلزمه الجمعة من النساء والعبيد في ذلك الوقت، فأجيز ذكره. وإليه ذهب الليث. والأظهر إجازته لأن الأمر بترك البيع في الآية إنما هو للمدعوين إلى الصلاة ومن لا تلزمهم الجمعة لم يدعوا قط إلى الجمعة فلم يدخلوا في الأمر بترك البيع ووجب أن تجوز مبايعتهم. وكذلك اختلف في مبايعة من تلزمه الجمعة مه من لا تلزمه الجمعة. ومذهب مالك رحمه الله تعالى أنه لا يجوز لأن عموم الآية يشتمله.
(١٠) - قوله تعالى: ﴿فانتشروا في الأرض﴾:
أمر إباحة باتفاق.
قوله تعالى: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾:
اختلف في تأويله: فقيل معناه طلب المعاش، فالأمر على هذا أمر إباحة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((ذلك الفضل المبتغى عيادة المريض أو صلة صديق أو ابتاع جنازة)) فينبغي على هذا لمن صلى الجمعة أن لا يصنع بعد ذلك إلا برًا في بقية يومه. ويكون على هذا تجده صبح يوم السبت، قال ذلك جعفر بن محمد الصادق. وقيل إن ذلك الفصل المبتغى هو العلم فينبغي أن يطلب إثر صلاة الجمعة. فالأمر في الآية على هذين القولين أمر ندب.
(١١) - قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا﴾:
نزلت بسبب أن رسول الله ﷺ كان قائمًا على المنبر يخطب يوم الجمعة فأقبلت عير من الشام تحمل طعامًا، وصاحب أمرها دحية بن خليفة
стр. 1508
الكلبي وكان من عرفهم أن تدخل العير المينة بالطبل والمعازف والصياح سرورًا بها. فلما دخلت العير انفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وتركوا الرسول ﷺ قائمًا على المنبر ولم يبق معه غير اثني عشر رجلًا. قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم. وذكر بعضهم أن منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، فهؤلاء أحد عشر. اختلف في الثاني عشر فقيل عمار بن ياسر. وقيل عبد الله بن مسعود. وذكر عن ابن عباس أن الذين بقوا معه ﷺ ثمانية نفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((لولا ... )) لقد كانت الحجارة سومت على المنقضين في السماء. وقال قتادة: بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات كانت العير قد وافقت فيها دخولها يوم الجمعة.
قوله تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾:
أي قائمًا في خطبتك. وقد اختلف في الخطبة هل هي من فرائض الجمعة أو سننها؟ فالمشهور أنها من فرائضها. ذكره ابن المواز والأبهري. وذهب ابن الماجشون إلى أنها سنة، وهو اختيار ابن زرب. والقولان في الثمانية. والدليل على القول الأول قوله تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾. اختلف هل من شرط صحة الجمعة الجماعة أم لا؟ والأظهر أنها من شروطها وهو ظاهر الآية لأنه تعالى أمر بالاجتماع عند النداء، والخطبة إنما هي بعد النداء، فلو أن من شرط الخطبة الجماعة لما أمر بالاجتماع قبل الخطبة. واختلف أيضًا هل من شرط صحة الصلاة استدامة الجماعة من أول الصلاة إلى آخرها أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك من شروط صحتها وأن الناس لو انفضوا عنه قبل
стр. 1509
السلام حتى لم يبق معه إلا من يجزئ بهم الجمعة لبطلت الصلاة. والثاني: أن الصلاة جائزة إذا لم ينفضوا عنه حتى صلى ركعة. والثالث: أنه إذا أحرم بالصلاة فصلاة الجمعة جائزة وإن انفضوا عنه قبل ركعة، وهو ظاهر الآية. واختلف في القيام في الخطبة هل هو شرط فيها أم لا؟ فعند الشافعي أنه شرط فيها لا تجزئ بالقعود. وفي المذهب أنه ليس بشرط وأنها تجزئ بالقعود. وحجة الشافعي قوله تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾ فحمل ذلك على ظاهر الآية من القيام ورآه واجبًا. ولم ير مالك أن ما صنعه ﷺ من ذلك كان على الإيجاب بل رأى أنه كان منه على الاستنان. واختلف في سنة الخطبة ففي المذهب أن سنتها أن يجلس في أولها ووسطها وقال عطاء ما جلس رسول الله ﷺ حتى مات وما كان يخطب إلا قائمًا. وأول من جلس في الخطبة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في آخر زمانه حين كبر، فكان يجلس هنيأة. وقال أهل العراق لا يجلس بين الخطبتين. ومن حجة من لا يرى الجلوس أن الآية أعطت القيام ولم تعط شيئًا من القعود فيها فوجب أن تحمل على ظاهرها في القيام في الخطبة كلها. ومن حجة القول الأول أن الآية وإن كان ظاهرها كذلك فقد أزال النبي ﷺ هذا الظاهر بفعله وبين المراد بالآية بما فعله من الجلوس في الخطبة، فإذا قلنا بالجلوس بين الخطبتين فإن تركه أجزأه. وقال الشافعي لا يجزئ. والأظهر قول مالك لأن ذلك لم يكن واجبًا عليه مع أن ظاهر الآية يرده. وقال الشافعي لا يجزئ. واختلف في السفر يوم الجمعة إذا زالت الشمس. ففي المذهب أنه محرم، وعند أبي حنيفة أنه جائز. وظاهر الآية أنه محرم لأنه ليس بين الزوال والنداء قدر يراعى. وقد أمر الله تعالى عند النداء بالسعي إلى الجمعة وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسعي إلى الجمعة وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسعي وعصى فيجب أن لا يجزئه ذلك. وأما السفر أول النهار فغير محرم خلافًا للشافعي في أحد قوليه أنه محرم لأن ذلك الوقت غير مأمور فيه بالاجتماع للصلاة فوجب أن يجوز فيه السفر كسائر الأوقات، وهذا ظاهر الآية.
стр. 1510
سورة المنافقين
وهي مدنية نزلت في بني المصطلق وليس فيها سوى:
(١)، (٢) - قوله تعالى: ﴿قالوا نشهد إنك لرسول الله ... ﴾ إلى قوله: ﴿أيمانهم جنة﴾:
اختلف في قولهم: ﴿نشهد﴾ هل هو يمين أم لا؟ فقيل إن نوى به اليمين فهو يمين وهو قول مالك. وقال الشافعي لا يكون يمينًا حتى يقول أشهد بالله، وروي عن مثل قول مالك. وقال أبو حنيفة هو يمين قال بالله أم لا، لأن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يقولن نشهد إنك لرسول الله ولم يقولا نشهد بالله، وقال تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور: ٦]. ووجه قول مالك وإحدى الروايتين عن الشافعي أن نشهد إذا لم يقرن بذكر الله لم يدل على اليمين، فإن خاصة اليمين في ذكر اسم أو صفة من صفاته.
(١٠) - قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾:
следующие страницы →