Полный текст (1 576 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أن الشمس لم تطلع. وروي عن علي بن أبي طالب؛ أنه صلى الصبح بالناس ثم قال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
وروي عن أبي بكر؛ أنه نظر إلى الفجر قد تبين، ثم تسحر في الثالثة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم أقام بلال الصلاة.
وروي عن الاعمش أنه قال: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت.
وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
والقول الأول هو الذي شهدت له الآثار الصحاح وما جرى عليه كلام العرب في حتى إذا كانت عائية وما بعدها ليس من جنس ما قبلها نحو قوله تعالى: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] وروي عن عدي بن حاتم أنه قال: لما نزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ عمدت إلى عقالين أسود وأبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي. فغدوت إلى رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: ((إن وسادك لعريض)) وروي أنه قال: ((إنك لعريض القفا إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)) وقيل نزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل ﴿من الفجر﴾، فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما. فأنزل الله تعالى: ﴿من الفجر﴾ فعلموا إنما يعني الليل والنهار.
ولا يجوز أن يستدل بهذا على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة فإنه
стр. 177
لا يجوز أصلًا. ويحتمل أن تكون العبارة بالخيط الأبيض مجازًا سابقًا في لغة قريش دون غيرها، فأشكل على قوم آخرين حتى تبين لهم بقوله ﴿من الفجر﴾.
ويحتمل لأن يكون قد قال: ﴿من الفجر﴾ أولًا، ولكنه احتمل أن يريد لأجل عدي وقال النبي ﵇: ((إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)) وحدة القول الثاني في التبين. وقد ذكر الطحاوي حديث حذيفة المتقدم وقال: فدل حديث حذيفة: أن وقت الصيام طلوع الشمس، وأن ما قبل طلوع الشمس في حكم الليل. وهذا محتمل عندنا أن يكون بعدما أنزل الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ وقبل أن ينزل ﴿من الفجر﴾ ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿من الفجر﴾ وذهب ذلك على حذيفة وعلمه غيره.
فعمل حذيفة بما علم وذلك أنه روي عنه أنه لما طلع الفجر تسحر، ثم صلى، وعلم غيره الناسخ فصار إليه. ومن علم شيئًا أولى ممن لم يعلم. ودل ما ذكرنا على أن الدخول في الصيام من طلوع الفجر، وعلى أن الخروج منه بدخول الليل إذا كان قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ غاية للم يدخلها في الصيام. وقد اختلفوا إذا شك في الفجر الصادق هل يجوز الأكل أم لا؟ فذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يجوز فإن أكل فعليه القضاء. وقال ابن حبيب: هو استحباب. وقال جماعة من أهل العلم -هو مذهب ابن عباس- أنه يأكل ما شك في الفجر حتى يتبين على ظاهر قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم﴾ الآية.
وقال ابن الماجشون: تبينه هو العلم به وليس الشك علمًا به. ولكن الاحتياط ألا يأكل في الشك. وقال اللخمي: هي ثلاثة أقوال في المذهب: الكراهة، والمنع، والجواز. وهو مذهب ابن حبيب.
стр. 178
وأما إذا شك في الغروب فلا يأكل باتفاق لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وهذا أمر يقتضي الوجوب و ﴿إلى﴾ غائية. والليل الذي يتمت به الصيام مغيب قرض الشمس. وقد اتفقوا على أن آخر النهار مغيب الشمس. واختلفوا في أوله فذهب بعضهم إلى أنه الفجر. وإليه ذهب الخليل. وذهب بعضهم إلى أنه من طلوع الشمس. فقال قوم: إنه من النهار وقال قوم: إنه من الليل. وقال ثوم: إنه وقت متوسط ليس بليل ولا نهار. فإن أكل وهو شاك في المغيب، فقد اختلفوا فيما ذا عليه.
فالمشهور من المذهب أن عليه القضاء والكفارة. وحجتهم قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ ومن أكل شاكًا لم يترك الصيام إلى الليل لأنه إنما أراد الله تعالى تيقن الليل لا الشك فيه. وفي ((ثمانية أبي زيد)) عليه القضاء فقط قياسًا على الفجر، وهو ظاهر قول مالك ﵀، على ما ذهب إليه [ابن] القصار وعبد الوهاب. وإن كان غيرهما قد تأول قوله على غير ذلك. وقال الحسن وإسحاق: لا قضاء عليه كالناسي. واختلف الناس في الوصال، فذهب جماعة من العلماء إلى أنه مباح كيف كان وأن معنى نهي النبي ﷺ عنه إنما هو رحمة لأمته وإبقاء عليهم، فمن قدر فلا حرج. وذهب ابن حنبل وابن وهب، واسحاق إلى أنه جائز من سحر إلى سحر واحتجوا بحديث النبي ﵇: ((لا تواصلوا، وأيكم أراد أن
стр. 179
يواصل فليواصل حتى السحر)) وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري؟ وجماعة غريهم إلى أنه مكروه على كل حال لمن قدر عليه، ولم يجيزوه لأحد، وحجتهم نهي النبي ﷺ عنه قوله ﷺ : ((إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم)) ورأت عائشة ﵂ أن قوله تعالى: ﴿أتموا الصيام إلى الليل﴾ يقتضي النهي عن الوصال. وقال المازري: إن حمل قوله ((فقد أفطر الصائم)) على أن المراد به صار مفطرًا فيكون دلالة على أن زمان الليل يستحيل الصوم فيه شرعًا. وقال بعض العلماء: إن الإمساك بعد الغروب لا يجوز، كإمساك يوك الفطر ويوم النحر.
وقال بعضهم ذلك جائز وله أجر واحتجوا بحديث الوصال.
وقد اختلفوا فيمن أصبح جنبًا وهوصائم على سبعة أقوال: فذهب فقهاء الأمصار إلى أنه يجزيه صيام ذلك اليوم. وقال ابن حبيب: إن نسي جنابته فلم يغتسل لها ذلك اليوم أو أيامًا يصومها، فصيامه تام [ويقضي الصلاة] وظاهر هذا أن المتعمد لرتك الاغتسال بخلاف الناسي، وقد سوى بينهما أشهب، فقال: وإن تعمد ترك الاغتسال، وأقام على جنابته يومه ذلك، وأيامًا، فإن صيامه تام لأن الطهارة إنما هي للصلاة لا للصيام.
وذهب قوم إلى أنه يستحب له القضاء. وذهب الحسن، وسالم فيمن أصبح جنبًا إلى أنه يتم صومه ويقضيه. وروي مثله عن أبي هريرة. وذهب
стр. 180
أبو هريرة في أشهر أقواله عند أهل العلم إلى أنه لا يقضي. وذهب طاوس وعروة بن الزبير إلى أنه إذا علم بجنابته، ثم نام حتى يصبح، فإنه مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح فصيامه يجزيه. وقد روي هذا أيضًا عن أبي هريرة. وذهب قوم إلى أنه إن علم به قبل الفجر، فهو مفطر وإن لم يعلم به إلا بعد الفجر، أتم صيامه وقضى، وذهب قوم إلى أنه إن علم بها قبل الفجر استحب له القضاء، وإن لم يعلم فصيامه تام لا يؤمر فيه بالقضاء. وذهب النخعي إلى أنه يجزيه في التطوع لا في الفرض.
(١٨٧) - ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ إلى قوله ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧] .
حجة لفقهاء الأمصار، ومن ذهب مذهبهم في هذه المسألة لانه تعالى أباح الجماع والأكل والشرب إلى طلوع الفجر، ومن وطئ إلى طلوع الفجر فلا يمكنه أن يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فقد بقي جنبًا إلى أن دخل عليه النهار، ولولا أن هذا جائز لما أباح الله له الجماع إلى وقت طلوع الفجر ولحرمة عند آخر جزء من الليل بمقدار ما يتسع للغسل. والدليل القائم من هذه الآية هو الذي يسميه الأصوليون إشارة اللفظ، ويعنون به ما يتسع له اللفظ من غير قصد إليه. وبعض من يخالف هذا يقول: إنما أبيح الأكل إلى الفجر لا الجماع فإنه لم يقل باشروهن إلى أن يتبين، وإنما جعله غاية للأكل والشرب الذي هو أقرب مذكور، والحائض
فيما ذكرناه بمنزلة الجنب.
وصوم رمضان لا يصح إلا بنية خلافًا لداود لقوله ﵊: ((إنما الأعمال بالنيات)) وهل تجزى مع طلوع الفجر؟ وروي عن مالك أنها لا تجزي. وقال عبد الوهاب تجزي. قال اللخمي: وهو أحسن لقول الله
стр. 181
تعالى: ﴿وكلوا اشربوا حتى يتبين لكم الخيط﴾ الآية [البقرة: ١٨٧] فإذا كان الأكل مباحًا حتى يطلع الفجر لم تجب النية، إلا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك، ولا فائدة في تقدمة النية قبل ذلك، إذا كان بعدج النية يأكل ويشرب حتى يطلع الفجر وإذا ورد النص بهذا لم يعارض بقياس، يقال إنه يجب أن يمسك جزءًا من الليل. وقد اختلفوا فيمن طلع عليه الفجر وهو يولج أو يأكل ونزع لحينه هل ينعقد ثومه أم لا؟ فذهب أكثر أهل المذهب إلى أنه لا ينعقد ذلك الصوم منهما. وذهب قوم إلى أنه ينعقد ولا قضاء على من فعل ذلك وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وذهب بعضهم إلى الفرق بين الأكل والجماع فرأى أنه لا ينعقد صوم المجامع وإن نزع لحينه لأن إزالته لفرجه جماع بعد الفجر، ورأى أن عليه القضاء. وروى أن صوم الأكل إذا نزع لحينه وألقى اللقمة من فيه ينعقد وإلى هذا ذهب ابن الماجشون، وحجة من ذهب إلى أن صومهما ينعقد قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ فأباح المباشرة والأكل إلى طلوع الفجر. وقد علم أنه من باشر وأكل حتى يطلع الفجر فإنه لا يستطيع النزع إلا بعد طلوعه، ,الله تعالى قد علم طلوعه، ولكنه أباح الجماع والأكل إلى ذلك الوقت، فإشارة اللفظ تدل على إباحة ذلك وهذا الاستدلال مثلما تقدم. وقد اختلفوا فيما لا يغذي كالدرهم والحصاة، هل يقع به الفطر أم لا. فذهب أكثر أهل المذهب إلى أنه يفطر كما يفطر ما يغذي، وذهب بعضهم إلى انه لا يحصل به الفطر. وهو مذهب أهل الظاهر وبه قال أبو طلحة. ودليل القوم الأول قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ والصيام الإمساك فعم.
стр. 182
واختلف في اليسير من الطعام هل يقع به فطر أم لا؟ كفلقة الحبة بين الأسنان، وغبار الدقيق، فقال في ((كتاب أبي مصعب)) في الفلقة في السهو القضاء وفي العمد القضاء والكفارة. وقال ابن حبيب: لا شيء عليه، وقال أشهب في غبار الدقيق عليه القضاء. وقال عبد الوهاب: لا شيء عليه.
والأظهر على مقتضى الآية أن يجري القليل في ذلك مجرى الكثير تعلقًا بعموم الإمساك المأمور به. وقد اختلف فيما يصل إلى الحلق والجوف من غير مدخل الطعام والشراب كالكحل من العينين والدهن من الأذن والسعوط من الانف والحقنة، ففي المذهب فيها خلاف هل يقع بذلك فطر أم لا؟ وإذا اعتبرنا لفظ الآية لم نوجب من ذلك فطرًا وإن اعتبرنا ما يفهم من مقصودها وهو عموم التغذي كان ذلك كالطعام والشراب الواصلين من الحلق.
وكذلك اختلف فيما يصل إلى الحلق، من طعم البخور هل يفطر به أم لا؟ على قولين في المذهب، وكذلك ما دهن به الرأس، فوصل طعمه إلى الحلق فالجمهور أنه لا يقع به الفطر، وبه قال الشافعي. وفي ((السليمانية)) أنه يفطر. ووجه الفطر في ذلك على ما تقدم ذكره. وقد اختلفوا فيمن وطئ أو أكل أو شرب ناسيًا على أربعة أقوال: فمذهب مالك وأصحابه أن عليه القضاء، دون الكفارة، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهما أنه لا قضاء عليه ولا كفارة. وقاله الأوزاعي، والثوري. وقيل: إنه روي عن علي، وابن عمر، أبي هريرة، مثل ذلك. ومذهب أصحاب الحديث أن عليه القضاء، والكفارة. ومذهب عبد الملك أن عليه في الوطء القضاء والكفارة وفي الأكل والشرب والقضاء
стр. 183
دون الكفارة. ودليل قول مالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وهذا غير متم للصيام.
(١٨٧) - قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] .
قال الشافعي: هذه الآية تدل على أن المباشرة كانت مباحة في الاعتكاف، ثم نسخت بالنهي عنها. وقال مجاهد: كانت الأنصار تجامع في الاعتكاف فنزلت الآية. وقال نحوه الضحاك، ولم يخص الأنصار.
والأصل في جواز الاعتكاف هذه الآية وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين﴾ [الحج: ٢٦] قال ابن المنذر: وقد أجمع أهل العلم على أنه مندوب إليه مستحب الدوام عليه استنانًا بالنبي ﷺ . وإنما كرهه مالك لشدته ولأنه يعسر الوفاء بجميع شروطه، وقل من يقدر عليه. وقد اختلفوا في أي موضع يكون الاعتكاف على خمسة أقوال، فذهب مالك ﵀ في المشهور عنه إلى أنه يكون في كل مسجد، وأنه لا بأس بالاعتكاف في مسجد لا يجمع فيه الجمعة إذا كان ممن لا تلزمه الجمعة، ولو بموضع لا يلزمه منه إتيان الجمعة، أو كان لا تدركه الجمعة في اعتكافه. وذهب الزهري والحكم وغيرهما إلى أنه لا يعتكف إلا في حذيفة. وذهب حذيفة بن اليمان في الأشهر عنه إلى أنه لا يعنكف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، ومسجد إبراهيم ﵇. وذهب سعيد بن المسيب إلى أنه لا يعتكف إلا في مسجد نبي. وذهب ابن لبابة إلى أن الاعتكاف يصح في غير مسجد، وأن ترك مباشرة النساء لا يلزم المعتكف إلا إذا اعتكف في مسجد. وهذا قول
стр. 184
شاذ مبين على أصل مختلف فيه. وهو دليل الخطاب لأن الله تعالى إذا نهى عن المباشرة لمن اعتكف في غير المسجد، فكأنه يظهر من ذلك أن من اعتكف في غير مسجد فتباح له المباشرة، وإن اعتكافه جائز في غير المسجد. وقد جاء عن عائشة أنه يعتكف وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فعم الثلاثة وغيرها. والمرأة لا تعتكف إلا في مسجد قياسًا على الرجل خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، وفرق بينهما بتفاريق ضعيفة. وقد اختلفوا في الاعتكاف بغير صوم هل يصح أم لا؟ فذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة إلى أنه لا يكون اعتكاف إلا بصوم، وحكى ابن جرير الطبري عن الشافعي فيالمشهور عنه أبو ثور وغيرهما إلى أن المعتكف يخير بين الصوم والفطر وإليه ذهب ابن لبابة ﵀.
وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فقصر الخطاب على الصائمين، فلو لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف لم يكن لذلك معنى، ولأن أكثر ما فيه أن يكون مجملًا، وقد بينه النبي ﷺ بفعله، فروي عنه أنه اعتكف صائمًا، ولم يرو عنه أنه اعتكف مفطرًا. وقد اختلفوا في المعتكف إذا خرج إلى الجمعة هل ينتقض اعتكافه. فذهب مالك إلى أنه ينتقض، وذهب عبد الملك إلى أنه لا ينتقض وهو قول أبي حنيفة. وروى ابن الجهم نحوه عن مالك. وحجة القول الأول قوله
стр. 185
تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ ومعنى عاكفون ملازمون، وقد اختلف في المعتكف إذا خرج من المسجد لغير حاجة هل يبطل اعتكافه أم لا؟ فذهب مالك ﵀ إلى أنه يبطل اعتكافه إذا قام فليلًا أو كثيرًا. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنه إن قام خارج المسجد أكثر النهار بطل اعتكافه، وإن أقام النهار لم يبطل اعتكافه، وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ واختلف أيضًا إلى أنه يبطل اعتكافه، وذهب بعض الشافعية إلى انه لا يبطل، وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾. واختلفوا في مباشرة المرأة فيما دون الجماع. فذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يفسد الاعتكاف أنزل أو لم ينزل. وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه إن أنزل أفسد وإن لم ينزل لم يفسد. وحجة مالك ومن تبعه قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكغون في المساجد﴾ فعم، وعلى حسب اختلاف التفسير للآية اختلفوا في هذه المسألة، وذلك أن فرقة قالت: ﴿ولا تباشروهن﴾ لا تجامعوهن، وقال الجمهور يقع ذلك على الجماع فما دونه مما يلتذ به من النساء. ولم يختلفوا في أن الوطء عمدًا يفسد الاعتكاف. وإنما اختلفوا هلة عليه كفارة أم لا، والصحيح نفيها. واختلفوا إذا وطئ ناسيًا فذهب مالك إلى أنه يبطل اعتكافه. وذهب الشافعي إلى أنه لا يبطل. وحجة مالك عموم قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن﴾ والنهي يقتضي فساد المنهي عنه كذا قال عبد الوهاب. وهذا أصل يختلف فيه أهل الأصول كثيرًا. واختلفوا في
стр. 186
أقل الاعتكاف، فعن مالك روايتان إحداهما يوم وليلة، والثانية عشرة أيام.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه قد يكون الاعتكاف ساعة وفي الآية حجة على أبي حنيفة لأنه تعالى لما خاطب بها الصوام خاصة علمنا أن الصوم مشترط في الاعتكاف، ولما كان الصوم الشرعي لا يكون أقل من يوم، وعلمنا أن الاعتكاف كذلك، فإذا ثبت هذا ظهر فساد ما ذهب إليخ أبو حنيفة. وهذا النوع من الاستدلال يسميه الأصوليون الاقتضاء. واختلفوا إذا نذر اعتكاف يوم وليلة على ثلاثة أقوال: فذهب مالك ﵀ إلى أنه إذا نذر أحدهما لزمه ولم يلزمه الآخر. [وذهب الشافعي إلى أنه إذا نذر أحدهما لزمه دون الآخر]. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه إن نذر يومًا فعليه يوم بعد ليلة، وإن نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه. وقال سحنون: من نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه، ومذهب الشافعي مبني على إسقاط اشتراط الصيام، وذلك معترض عليه بما تقدم، ومذهب أبي حنيفة مبني على إشتراط الصيام، لأن الليل لا يصام فيه، فمن نذره لم يلزمه. وإذا نذر اليوم لزم اعتكافه، لأن الصوم مباح فيه وإلى نحو هذا أشار سحنون وقال: من نذر ليلة فلا شيء عليه، وأما مالك ﵀ فذهب أنه يلزمه أقل ما يمكن فيه الاعتكاف وهو يوم وليلة.
وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] إلى قوله ﴿يسألونك﴾ ذهب قوم إلى أنه نهى الله عنه في هذه الآية عن أكل المال بالباطل على كل وجه من غضب وسلب وخيانة وقمار، غير ذلك.
قال بعضهم ولا يدخل فيه الغبن بالبيع مع معرفة البائع بحقيقة ما يبيع لأن الغبن كأنه هبة. وقال قوم: والمراد: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ أي في القيان، والشرب والملاهي والبطالة.
стр. 187
(١٨٩) - وقوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾ [البقرة: ١٨٩] .
قال قوم أي تسارعوا في الأموال إلى الخصومة إذا علمتم أن الحجة تقوم لكم، إما بأن لا يكون على الجاحد بينة أو يكون مال أمانة كمال اليتيم ونحوه مما يكون القول فيه قوله. وقال قوم: المعنى لا ترا شوابها على أكل أكثر منها. وفي هذه الآية إن الله حرم أكل الحرام، وإن قضى به قاض على ما ظهر له حق لقوة حجة الظالم باحتياله عليه، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في غير هذه السورة. وفي مصحف أبي: ((ولا تدلوا بها)).
(١٨٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ إلى قوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ .
قال ابن عباس، وقتادة، والربيع، وغيرهم: نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي ﷺ عن الهلال، وما فائدة محاقه، وكماله ومخالفته محال الشمس؟ وقوله: ﴿مواقيت﴾ يعني لقضاء الديون، وانقضاء العدد والأكرية والصوم والفطر، وما أشبه ذلك من مصلاح العباد. ومواقيت الحج أيضًا يعرف بها وقته وأشهره. وقال [أبو] الحسن: استدل بعض الحنفية بهذه الآية أن شهور السنة كلها مواقيت للحج كما كانت بأسرها مواقيت للناس، فلزمهم أن يكون الحج المطلق على خذا القول يراد به الإحرام فقط، دون سائر أفعال الحج مع أن الإحرام عندهم ليس من الحج، بل هو شرط الحج. فقيل لهم: فقد قال الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] فأجابوا بأن المراد بذلك أفعال الحج من السعي والطواف وغيره.
قال: والصحيح من التأويل أن المراد بالآية ﴿قل هي مواقيت للناس والحج﴾ والحج في أشهر الحج. وهذا الذي قاله معترض أيضًا بأنه يقصر الحج
стр. 188
أيضًا في الآيتين على أفعال الحج من السعي والطواف ونحوهما خاصة وهذا في قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] بين من نفس الآية.
وأما من قوله: ﴿قل هيل مواقيت للناس﴾ فغير بين فإن الأهلة إذا أريد بها جميع الشهور، لم يصح إلا أن تكون على عمومها في المعطوف والمعطوف عليه وإذا كان ذلك لم يصح أن يراد بذلك الإحرام، لأن سائر أعمال الحج لا تقع إلا في أشهر معلومات، وإن لم يقل ذلك لزم أن يكون اللفظ الواحد عامًا وخاصًا في حالة واحدة.
وقوله تعالى: ﴿للناس﴾ أي لأعمال الناس، وقد دخل تحت ذلك الحج وغيره، ولكنه خصصه بالذكر تشريعًا له وتأكيدًا لأمره فهو عندي مثل قوله تعالى: ﴿فيها فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨] ونحوه.
(١٨٩) - وقوله تعالى: ﴿الأهلة﴾ [البقرة: ١٨٩] .
من الجميع القليل الذي أريد به الكثرة مثل قول الشاعر:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وإنما يصح ما ذكر أبو الحسن على تقدير حذف كأنه تعالى قال: قل هي مواقيت للناس، وهي مواقيت الحج يريد باللفظ الأول جميع الشهور، وبالثاني بعضها، ولا دليل على ذلك من نفس اللفظ فيعول عليه. فقول الحنفية على هذا أظهر، وهو مذهب مالك. وما قرره أبو الحسن من الحذف في قوله: ﴿الحج﴾ أي أشهر الحج فتحكم لا خفاء في فساده لأجل ما قدمته.
стр. 189
(١٨٩) - قوله تعالى: ﴿وليس البر﴾ الآية [البقرة: ١٨٩] .
اختلف في تأويل هذه الآية، فقال البراء بن عازب والزهري، وقادة: سببها أن الأنصار كانوا إذا حجوا أو اعتمروا يلتزمون إلى أن يحول بينهم وبين السماء حائل، وكانوا يتنسمون ظهور بيتهم على الجدارات. وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فتوحًا يدخلون منها ولا يدخلون من الأبواب. قيل: كان أحدهم إذا خرج في حاجته ولم يقضها استطار بذلك ولم يدخل من باب داره، ولكن من ظهورها، فجاء رجل منهم فدخل من باب بيته فعير بذلك. فنزلت الآية. وقال إبراهيم: كان يفعل ذلك قوم من أهل الحجاز. وقال السدي: ناس من العرب، وهم الذين يسمون الحمس، قال: فدخل النبي ﷺ بابًا رفعه رجل منهم، فوقف ذلك الرجل وقال: أنا أحمس، فقال النبي ﷺ : ((وَأَنَا أَحْمُسُ)) فنزلت الآية. وروى الربيع أن النبي ﷺ دخل خلفه رجل أنصار فدخل وخرق عادة قومه، فقال له النبي ﷺ : ((إِنِّي أَحْمُسٌ)) أي من قوم لا يدينون بذلك، فقال الرجل وأنا ديني دينك فنزلت الآية.
وهذه الأقوال أقوال من جعل الآية سببًا. وقال أبو عبيدة: الآية ضرب مثل أي ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا واسألوا العلماء. فهذا
стр. 190
كما يقال ائت هذا الأمر من بابه. وقال غير أبي عبيدة: المعنى ليس البر أن تشددوا في المسألة عن الأهلة وغيرها فتأتون الأمر على غير ما يجب.
وذهب ابن الأنباري أن الآية مَثَلٌ في جماع النساء.
(١٩٠) - (١٩٢) قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ إلى قوله ﴿الشهر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٠ - ١٩٢] .
اختلفوا في قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ هل هو منسوخ أم محكم؟ فذهبت طائفة إلى أنه منسوخ واختلفوا في الناسخ. فقال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد: أمر الله المسلمين بقتال من قاتلهم من المشركين والكف عمن كف عنهم، ثم نسخت سورة براءة. وقال قتادة: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ [البقرة: ١٩٣] عنه أيضًا أن الناسخ لها ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥].
وعن ابن زيد: أن ناشخها: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة: ٣٦] والذين ذهبوا إلى أنها محكمة، اختلفوا في تأويلها، فذهب ابن عباس، ومجاهد، وعمر ابن عبد العزيز إلى أن معناها، لا تقتلوا المرأة والصبي، والشيخ الكبير، والراهب وشبههم، وذلك إذا لم يقاتلوكم. فالتقدير قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلكم، ولا تعتدوا في قتل مثل هؤلاء ممن ليسوا بحالة من يقاتلكم. وهذا التأويل يعضد مذهب مالك وجماعة سواه من أن الشيوخ والرهبان لا يقتلون، إلا أن يكون في إبقائهم ضرر على الإسلام مثل أن يكونوا من ذوي الرأي والمشورة، فإن قتلهم جائز خلاف ما ذهب إليه الشافعي
стр. 191
في أحد قوليه من أنهم يقتلون، وإن لم يكن فيهم ضرر، ولم يختلفوا في النساء والصبيان كاختلافهم في أولئك.
وكذلك اختلفوا في قتل المريض والأعمى، فذهب الشافعي إلى قتلهم والآية على هذا التأويل تعضد مذهب م نيرى ألا يقتلوا ويلحق بالآية على هذا من له عهد، ومن أدى الجزية. وذهب ابن عباس أيضًا إلى أنها أمر من الله بقتال الكفار. وقال أبو الحسن: ويحتمل أن يقال لم يرد الله بقوله: ﴿الذين يقاتلونكم﴾ حقيقة القتال، لأن مدافعة الرجل عن نفسه لم تكن قط محرمة حتى يقال إنه أذن فيه بعد التحريم، وإنما أراد الذين يرون قتالكم ويعتقدونه دينًا وشرعًا. وروي عن أبي بكر ﵁ أنه أمر بقتل الشماسة لانهم يشهدون القتال، ويرون ذلك وهم الذين فحصوا على أوساط رؤوسهم، وأمر ألا يقتل الرهبان لأنهم يرون أن لا يقاتلوا. وقال مجاهد: الآية محكمة، ولا يحل لأحد أن يقاتل أحدًا حتى يبدأه بالقتال كذا حكى المهدوي. وفيه نظر. وقيل الآية نزلت في صلح الحديبية حين صده المشركون عن البيت، وصالحهم على أن يرجع في العام المقبل، ويخلوا له البيت ثلاثة أيام، فلما رجع إلى عمرة القضاء خاف أصحابه ﷺ ألا يفي المشركون ويصدوهم عن البيت، ويقاتلوهم في الشهر الحرام وكره أصحاب النبي ﷺ أن يقاتلوهم في الحرم وفي الأشهر الحرم. فنزلت الآية فتكون على هذا في أمر مخصوص فلا يدخلها نسخ على ذلك.
стр. 192
(١٩٠) - وقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾ [البقرة: ١٩٠] .
عام في النهي عن أنواع العدوان، إلا أن أهل التفسير اختلفوا في تأويله، فقيل المعنى: ولا تعتدوا في قتال من لم يقاتلكم. وقيل لا تعتدوا في قتال المرأة والصبي ونحوهما. وقيل: لا تعتدوا بالابتداء بالقتال في الشهر الحرام. وذهب قوم إلى أن المعنى ولا تعتدوا في القتال لغير وجه الله، كالحمية وكسب الذكر، ولا خلاف أن القتال كان ممنوعًا في أول الإسلام بقوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ [المؤمنون: ٩٦] وبقوله: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ [المائدة: ١٣] وبقوله: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب﴾ [العنكبوت: ٤٦] وبقوله: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ [الفرقان: ٦٣] وبقوله: ﴿لست عليهم بمصيطر﴾ [الغاشية: ٢٢] وبقوله: ﴿يغفر للذين لا يرجون أيام الله﴾ [الجاثية: ١٤]. ونحو ذلك قال ابن عباس، ثم نسخ ذلك كله قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩] واختلفوا في أول آية نزلت في القتال. فقال الربيع بن أنس وغيره قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠] وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في ذلك قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ [الحج: ٣٩].
(١٩١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ الآية [البقرة: ١٩١] .
اختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم؟ فذهب الأكثر إلى أنه منسوخ واختلفوا في الناسخ ما هو؟ فقال الربيع: نسخه: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون
стр. 193
فتنة﴾ [الأنفال: ٣٩] وقال قتادة: نسخه قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] قالوا جميعًا فيجوز قتالهم في كل موضع. وذهب مجاهد إلى أن الآية محكمة، وأنه لا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل. وقرأ حمزة والكسائي، والأعمش: ((ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم)).
(١٩٢) - وقوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٩٢] .
الانتهاء في هذه الآية الإسلام، لأن الغفران والرحمة إنما يكونان مع ذلك.
(١٩٣) - وقوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ [البقرة: ١٩٣] .
الانتهاء في هذا الموضع يصح أن يكون الدخول في الإسلام، ويصح أن يكون أداء الجزية.
(١٩١) - وقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ [البقرة: ١٩١] .
صفة لمشركي قريش، وهذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وقيل: نزلت في عمرو بن الحضرمي، وواقد، وهي سرية عبد الله بن جحش.
(١٩٣) - وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ [البقرة: ١٩٣] .
يعني كفرًا ﴿ويكون الدين لله﴾ [البقرة: ١٩٣] يعني أنهم يقاتلون حتى يسلموا، وبهذا يحتج من لا يرى قبول الجزية من المشركين.
стр. 194
(١٩٤) - وقوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٤] .
اختلف في سببها، فقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وقتادة، ومقسم، والربيع، والضحاك، وغيرهم، نزلت في عمرة القضاء عام الحديبية، وذلك: أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا حتى بلغ الحديبية سنة ست، فصده كفار قريش عن البيت، ووعده الله تعالى أنه سيدخله عليهم، فأدخله سنة سبع، فنزلت الآية في ذلك. أي الشهر الحرام الذي غلبكم الله فيه، وأدخلكم الحرم عليهم فيه ﴿بالشهر الحرام﴾ الذي صدوكم فيه، ومعنى ((الحرمات قصاص)) على هذا التأويل أي حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة المحرمين، حيث صددتم بحرمة البلد، والشهر والمكان حين دخلتم.
وقال الحسن بن أبي الحسن: نزلت الآية لأن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه سلم هل يقاتل في الشهر الحرام فأخبرهم أنه لا يقاتل فيه فهموا بالهجوم عليه وقتل من معه حين طمعوا أنه لا يدافع فيه فنزلت ﴿الشهر الحرام﴾ الآية، أي هوة عليكم في الامتناع م نالقتل والاستباحة بالشهر الحرام عليهم في الوجهين فأية سلكوا فاسلكوا والحرمات على هذا جمع حرمة عمومًا في النفس والمال والعرض، وغير ذلك، فأباح الله تعالى بالآية مدافعتهم، والقول الأول أكثر.
(١٩٤) - وقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ الآية [البقرة: ١٩٤] .
أبان الله تعالى أنهم إذا عاهدوهم في الشهر الحرام، فعليهم أن يقاتلوهم فيه، وإن لم يجز الابتداء. ويحتمل أن يريد: فمن اعتدى عليكم فيما مضى فهتك حرمتكم في الشهر الحرام، والبلد الحرام فاعتدوا عليه الآن
стр. 195
بمثلما اعتدى عليكم في الماضي، فيكون في ذلك إباحة القتال مطلقًا في كل موضع، وفي كل وقت. ويجوز الابتداء بالقتال جزاءًا على ما كان من فعلهم في ذلك الوقت ثم نسخ ذلك بالقتال مطلقًا. وقالت طائفة: هذه الآية أطلقت للمسلمين إذا اعتدى عليكم أحد منهم أو من غيرهم أن يقتصوا منه فنسخ ذلك، ورد إلى السلطان فلا يجوز لأحد أن يقتص من أحد إلا بأمر السلطان، ولا يقطع يد سارق، ولا غير ذلك. قال بعضهم: هذا إنما يكون على قول من أجاز نسخ القرآن بالسنة. وهذان القولان لمن قال: إن الآية منسوخة. وذهب جماعة إلى أنها محكمة واختلفوا في تأويلها أيضًا، فذهب قوم إلى أنه جائز أن يتعدى عليه في مال أو جرح إن تعدى بمثلما تعدى عليه إذا خفي له ذلك وليس بينه وبين الله في ذلك شيء، وحمل الآية على هذا، وإليه ذهب الشافعي وغيره، وهي رواية في مذهب مالك، والأشهر عنه أنه ليس له ذلك، وأن أمور القصاص والأموال على الحكام. وذهب مجاهد إلى أن الآية محكمةن وأن المعنى فمن اعدتى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه وهذا أولى ما حملت عليه الآية.
ويحتج بهذه الآية على مراعاة المماثلة في القصاص. ومن ذلك مسألة من قتل بغير الحديد هل يقتل بمثلما قتل به؟ فاحتج من راى ذلك بهذه الآية خلافًا لأبي حنيفة في قوله إلا بالحديد، ولقوله ﵊: ((لا قود إلا بحديدة)) واختلف الذاهبون إلى القول الأول في القود بالسهم والنار، هل يجوز أم لا؟ فالأشهر أنه يقتل بذلك. وقال ابن
стр. 196
حبيب: لا يقتل به لأنه مثله.
(١٩٥) - وقوله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] .
اختلف في معناه، فقال ابن عباس وغيره: معناه لا تمسكوا عن الإنفاق في سبيل الله فتهلكوا، وقيل: هي نهي عن الإياس من المغفرة عند ارتكاب المعاصي روي ذلك عن البراء بن عازب، وعبيد السلماني وغيرهما. زقال ابن زيد وغيره: المعنى لا تخرجوا إلى الغزو بغير نفقة فتهلكوا. وقال أبو أيوب الانصاري: سبب نزول هذه الآية إمساك الأنصار عن الإنفاق في سبيل الله لسنة أصابتهم فسألوا النبي ﷺ أن يقيموا في أموالهم ليصلحوها. فالإلقاء على هذا باليد للتهلكة ترك الجهاد، وقيل: هو الإسراف في الإنفاق حتى لا يجد ما ينفق، وقيل: هو الإسراف في الإنفاق حتى لا يجد ما ينفق، قيل: هو أن يقتحم الحرب واحد على ألف من المشركين لم يكن به بأس إذا طمع في غليهم ونكاية في العدو أو تجرئة للمسلمين أن يفعلوا كفعله وإرهابًا للعدو.
(١٩٥) - وقوله تعالى: ﴿وأحسنوا﴾ [البقرة: ١٩٥] .
قيل: معناه وأنفقوا، وقيل: أدوا الفروض. وقال عكرمة: أحسنوا الظن بالله تعالى.
стр. 197
(١٩٦) - (٢٠٣) قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ إلى قوله: ﴿ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٩٦ - ٢٠٣] .
اختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب ابن زيد، والشعبي، وغيرهما إلى أن هذا ناسخ لما صح عن النبي ﷺ من أنه أمر أحابه بعد أن أحرموا بالحج بفسخه، وجعله عمرة، فلم يجيزوا الفسخ وقالوا في تأويل فعل النبي ﷺ لذلك إنما جعلهم فسخوا الحج لأنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويرون أنه فجور عظيم فأمرهم بفسخ الحج، وتحويله إلى العمرة ليعلموا أنها جائزة في أشهر الحج. وقيل: هذا الفعل إنما هو خصوص بالنبي ﷺ ورووا أنه قيل له يا رسول الله! أفُسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: ((بل لنا خاصة)) فلا يصح النسخ بهذه الآية على هذا ويجوز النسخ لقوله تعالى: ﴿وأتموا﴾. وأما ابن عباس فلم ير ذلك خاصًا بالنبي ﷺ ، ولا رأى أن الأمر بالإتمام ناسخًا لذلك الفعل ورأى أنه جائز أن يفسخ الحج في العمرة، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وأهل الظاهر، وهو شذوذ من القول.
وذهب علي بن أبي طالب إلى أن إتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله وفعله، وإلى مثل هذا التأويل ذهب الشافعي في أحد قوليه، فاستحب للرجل أن يحرم من دويرة أهله وكان مالك لا يرى هذا
стр. 198
التأويل فاستحب له أن يحرم من الميقات فإن أحرم قبله أو من منزله أجزأه. وذهب سفيان الثوري إلى أن إتمامهما أن يخرج قاصدًا لهما لتجارة ولا لغيرها، ويؤيد هذا قوله: ﴿لله﴾ وقيل: إتمامهما أن تكون النفقة حلالًا. وذهب قتادة، والقاسم بن محمد إلى أن إتمامهما أن يحرم بالعمرة، ويقضيها في غير أشهر الحج وأن يتم الحج دون نقص ولا جبر بدم. وهذا التأويل مبني على أن الدم في الحج والعمرة جبر نقص. وهذا قول مالك وجماعة من العلماء. وأبو حنيفة وأصحابه يرون أن الدم زيادة وكمال، وكلما كثر عندهم لزوم الدم فهو أفضل.
واحتجوا بأنه قيل للنبي ﷺ ما أفضل الحج؟ قال: ((العج والثج)) ومالك، ومن قال بقوله يراه حج التطوع. وذهبت فرقة إلى أن إتمامهما أن يفرد كل واحد من الحج والعمرة ولا يقرن. وذهبت فرقة إلى أن الإتمام القران. وقد اختلفوا في الأفضل من الإفراد والتمتع، والقران على أربعة أقوال:
стр. 199
أحدها: قول مالك وأصحابه أن الإفراد أفضلها، وروي عن النبي ﷺ أنه ((أفرد بالحج)).
والثاني: أن التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل، وروى اهل هذا القول أن النبي ﷺ تمتع ولم يفرد.
والثالث: أن القران أفضل، وروى أيضًا من قال ذلك أن النبي ﷺ قرن.
والرابع: أنه لا يقال في أحد من هذه الأقوال إنه أفضل من الآخر.
والأصح من جهة الخبر عن النبي ﷺ أنه أفرد، ويعضده تأويل من الإتمام في الآية على أنه الإفراد. وذهب مجاهد إلى أن إتمامهما بلوغ أحدهما بعد الدخول فيهما، وذلك أشبه بالظاهر، ويدل عليه ما بعده، وهو أحدهما بعد الدخول فيهما، وذلك أشبه بالظاهر، ويدل عليه ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فالإحصار إنما يمنع الإتمام بعد الشروع، وقد وجب الإتمام، وهذا مثل القول الأول في أن الإتمام وهو أن لا يفسخ الحج والعمرة. وذهب ابن عباس، وعلقمة، وإبراهيم
стр. 200
وغيرهما، إلى أن إتمامهما إنما يقضي مناسكهما كاملة بما كان فيهما من دماء.
وفرائض الحج التي لا يتم إلا بها ثلاثة متفق عليها، وسبعة مختلف فيها. فالمتفق عليها الإحرام، والطواف بالبيت، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩] والوقوف بعرفة لقوله ﷺ : ((الحج عرفة)) فمن فاته الوقوف فقد فاته الحج.
والسبعة المختلف فيها: النية في جميع أفعال الحج. وذهب اجمهور إلى أنها فريضة في الحج. وذهب بعض الناس إلى أنها ليست بفريضة ذكر الخلاف فيها ابن حزم ﵀.
والتلبية: وذهب الجمهور إلى أنها ليست من فروض الحج. وذهب بعضهم إلى أنها من فروضه ذكر هذا أيضًا ابن حزم، وأظن هذا القول المخالف للجمهور منسوبًا لأبي حنيفة قد أنكر ذلك عنه.
وطواف الوداع: الأكثر على أنه غير واجب. وذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب والسعي بين الصفا والمروة: وقد تقدم الخلاف فيه عند قوله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨].
стр. 201
والوقوف بالمشعر الحرام: ذهب الأكثر إلى أنه ليس بفرض، وذهب عبد الملك ابن الماجشون ﵀ إلى أنه من فروض الحج، واحتج بقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٨].
ورمي جمرة العقبة: ذهب الأكثر إلى أنه ليس بفرض وهو القول المشهور عن مالك، وذهب عبد الملك ﵀ إلى أنه من فروض الحج قياسًا على طواف الإفاضة. وقد ذكر الواقدي عن مالك مثل قول عبد الملك. والمبيت بالمزدلفة: ذهب كافة القفهاء إلى أنه ليس بفرض، ولا ركن. وذهب بعض التابعين إلى انه ركن وفرض إليه ذهب علقمة، والشافعي، والنخعي. وقالوا: إذا لم يبت بها فقد فاته الحج.
وأعمال العمرة أربعة: اثنان متفق عليهما وأثنان مختلف فيهما.
فالمتفق عليهما: الإحرام، والطواف، والمختلف فيهما: السعي بين الصفا والمروة. وذهب الأكثرون إلى أنه من أعمال العمرة التي لا بد فيها منه. وذهب ابن عباس، وإسحاق بن راهويه إلى أنه ليس من أعمال العمرة التي لا تتم إلا به. وذهب مالك وغيره إلى خلاف ذلك. وزاد بعضهم في أعمال العمرة النية. والاختلاف فيها عندي داخل فتكون على هذا أعمال العمرة خمسة: اثنان متفق عليهما، وثلاثة مختلف فيها.
واختلف في العمرة أفرض هي أم لا؟ فالذي ذهب إليه مالك وأكثر أصحابه إلى أنها ليست بفريضة. وذهب ابن الماجشون، وابن الجهم، وابن حبيب، وهو قولي الشافعي إلى أنها فريضة. وحجة مالك ما جاء عن
стр. 202
النبي ﷺ ف انها سنة. وحجة من رآها فريضة قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ومعنى ﴿وأتموا﴾ عندهم، أقيموا وإذا كان الإتمام واجبًا فالابتداء واجب. قال ابن القصار: فيقال لهم هذا غلط لأنه من أراد أن بفعل السنة فواجب أن يفعلها تامة، كمن أراد أن يصلي تطوعًا، فيجب أن يكون على طهارة وكذلك إن أراد أن يصومه فيلزمه التبييت. ومثله من أوجب صومًا أو صلاة. فقد أوجب ذلك على نفسه، وإن لم يجب في الأصل، فإذا دخل في الصلاة انحتم عليه إتمامها. وذهب مالك وجمهور أصحابه إلى أن الاعتمار في السنة مرارًاوإلى نحوه ذهب ابن المواز والشافعي.
وحجة مالك ما جاء في الحديث من قوله ﷺ ، وقد قال له الأقرع: أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: ((بل للأبد)) وقياسًا على الحج. وظاهر قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ حجة للقول الثاني عندي لأنها عامة لجميع الأوقات.
واختلف في الرجل إذا أفسد حجه وعمرته، هل يمضي عليهما أو
стр. 203
يقضيهما؟ أم يخرج بالفساد؟ فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يمضي في سائر حجه وعمرته، ثم يقضي بعد ذلك. وذهب داود إلى أنه يخرج منهما بالفساد. ودليل ما ذهب إليه الجمهور: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يفرق بين الصحة والفساد. واختلفوا في القارن إذا خاف فوات الوقوف بعرفة هل له رفض العمرة أم لا؟ فذهب الأكثر إلى أنه ليس له ذلك. وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك له، وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ واختلفوا في المعتمرة إذا حاضت قبل الطواف، وضاق عليها وقت الحج فقال مالك، تردف الحج، ولا ترفض عمرتها، وتصير قارنة. وقال أبو حنيفة: تكون قد رفضت عمرتها والدليل على أبي حنيفة أنها قد عقدت عمرتها فمن زعم أن لها أن ترفضها أو تكون رافضة فعليه الدليل. وقد قال الله : ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وقال تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١].
واختلف في العبد والصبي يحرمان بالحج، ثم يحتلم الصبي ويعتق العبد قبل الوقوف، فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرام، وحجة مالك ﵀ إن كان من دخل في حج أو عمرة ويتماديان عليه ولا يجزيهما عن حجة الإسلام وقال الشافعي: يمضيان ولا يجزيهما عن حجة الإسلام. وعند مالك أنهما إن استأنف الإحرام قبل الوقوف بعرفة أنه يجزيهما عن حجة الإسلام. وهو قول أبي حنيفة لأنه يصح عنده رفض الإحرام، وحجة مالك أن كل من دخل في حجة، أو عمرة مأمور بالتمام تطوعًا كان أو فرضًا لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ومن رفض إحرامه لم يتم حجه ولا عمرته.
стр. 204
(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] .
اختلف أهل اللغة في لفظ ((أحصر)) فذهب أكثرهم إلى أنه يقال أحصر بالمرض، وحصر بالعدو وهي أصح اللغات، وذهب بعضهم إلى أنه بعكس ذلك حصر المرض وأحصر العدو. وذهب الفراء إلى أنهما بمعنى واحد في المرض والعدو، وعلى حسب اختلاف أهلالغة في الآية، فذهب بعضهم إلى أن معناها إن حبسكم خوف عدو أو مرض أو وجه من وجوه المنع. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وغيرهما. وروي عن ابن عباس. وذهب ابن عباس في رواية أخرى عنه إلى أن المعنى إن أحصر أحدكم بعدو ولا بمرض. وذهب مجاهد في رواية أخرى عنه أيضًا، وعلقمة، وعروة بن الزبير وغيرهما إلى أن الآية فيمن أحصر بالمرض لا بالعدو. وقال المهدوي: وهو قول مالك. وإلى نحو القول الأول ذهب أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، فرأيا أن المرض والعدو بمنزلة واحدة استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾ فالمحصر على هذا بعدو أو مرض التحلل حيث أحصر، وليس عليه التحلل لعمرة. وأما مالك ﵀ فرأى أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر، وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، وهو عمل العمرة وعليه القضاء إذا فاته الحج، وهو مذهب عبد الله بن عمر، وقد نسب إلى الشافعي.
ورأى أن المريض داخل تحت قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وتقدير قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فمااستيسر من الهدي﴾ على هذا القول، فإن أحصرتم وفاتكم الحج، وحللتم بعمرة وتقديره على قول أبي حنيفة فإن
стр. 205
أحصرتم فحللتم إنما احتيج إلى هذا التقدير، لأنه ليس بنفس المرض أو حصر العدو ويلزم الهدي فليس تأويل أبي حنيفة بأسعد من هذا التأويل لأنه لا بد في التأويلين من إضمار. ودليل من ذهب في الآية إلى أنه إحصار المرض قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] قالوا: والمحصور بعدو يحلق رأسه قبل أن يبلغ الهدي محله.
وقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦] معناه يحلق بفدية من صيام أو صدقة أو نسك وإذا كان هذا واردًا في المرض بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها لاتساق الكلام بعضه ببعض، ورجوع الإضمار في آخر الآية إلى من خوطب في أولها، فيجب حمل ذلك على ظاهره، حتى يدل الدليل على آخره. وأخذ من ذهب إلى هذا في المحصور بالعدو، بما فعله النبي ﷺ عام الحديبية إذ حالت قريش بينه وبين البيت، فنحر ﷺ هديه، وحلق رأسه. ورأى بعض أصحاب مالك ومن تابعهم أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو. ودليلهم من الآية قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ وقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا﴾ وظاهره أن المذكور الأول ليس بمريض. وأيضًا فإن الآية إنما نزلت على قول الجمهور يوم الحديبية، وكان حبسهم يومئذ العدو. وحُكي عن ابن الزبير أنه لا يتحلل أحد بالعدو ولا بالمرض، إلا بأن يلقى البيت ويطوف. وقال ابن سيرين: الإحصار يكون عن الحج دون العمرة. وذهب إلى أن العمرة غير مؤقتة، وأنه لا يخشى عليها الفوات، والمذهبان مخالفان لنص الخبر عام
стр. 206
الحديبية، فإن رسول الله ﷺ تحلل من عمرة كان بها محرمًا.
وقد اختلفوا في المحصر بعدو إذا حل هل عليه هدي أم لا؟
فذهب مالك واكثر أصحابه إلى أنه لا هذي عليه. وذهب أشهب وأبو حنيفة والشافعي إلى أن عليه الهدي. واحتج أشهب ومن تابعه بقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ وقالوا هذا في حصر العدو، واحتجوا بنحر النبي ﷺ وأصحابه هداياهم بالحديبية. ورد من خالف أشهب هذا التأويل، وعضد تأويل إحصار المرض، ورأى أن النحر الذي كان بالحديبية إنما كان تطوعًا لا شييئًا لازمًا لهم. ولاختلف الناس في المحصر بالعدو إذا نحر هديًا هل ينحره مكانه أو بمكة؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه ينحره حيث حبس من حل أو حرم، استدلالًا بأنهم نحروا بالحديبية الهدايا. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينحره إلى بالحرم استدلالًا بقوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣]. واختلفوا في موضع نحر رسول الله ﷺ بالحديبية هل كان بالحل أو الحرم. والمحصر بالمرض عليه هدي لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ على قول من رأى أن المريض داخل في الآية لكن لا يجوز ذبحه عند مالك إلا بمكة او بمنى خلافًا للشافعي.
ومن ذهب مذهبه في قوله إنه ينحر حيث أحصر، وحجة الأول، قوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣] وزعموا أن مطلق المحل في قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ يراد به الحرم لقوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣] ولقوله: ﴿هديًا بالغ
стр. 207
الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] قيل لهم فقد قال: ﴿والهدي معكوفًا أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥] فأجابوا بأن ذلك هو الدليل على أن المحل الحرم قيل لهم هذا في حق غير المحضر وأما في حق المحصر، فقد دل قوله تعالى: ﴿معكوفًا أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥] أن رسول ﷺ تحلل بذبح وقع في الحل.
فأجابوا أن النبي ﷺ وذبح في الحرم، لكن لما حصل أدنى منع جاز أن يقال إنهم منعوا هكذا قال أبو الحسن.
والجواب عن هذا انه خروج عن الظاهر بغير دليل. وقد تجوز مالك والشافعي، وأبو حنيفة ذبح هدي الإحصار في الحج متى شاء المحصر وأبو يوسف، ومحمد، والثوري لا يرون الذبح قبل يوم النحر فكأنهم يقيسون الزمان على المكان، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] لأن المحل يقع على الوقت والمكان جميعًا، فكان عمومًا. ويجاب عن هذا بأن العمرة قد ذكرت مع الحج وهي لا تتوقت بزمان ولهم أن يقولوا بتخصيص ذلك بالإجماع. وفيما ذكر أبو الحسن من عموم لفظ المحل نظر، لأنه ليس من ألفاظ العموم.
وقد اختلف إذا لم يجد المحصر الهدي هل يجوز له أن يحل أم لا؟
فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز له أن يحل حتى يجد الهدي فيذبحه أو يذبح عنه. وقال الشافعي يتحلل ويذبح متى قدر فإن لم يقدر أجزأه وعليه الإطعام والصيام وقاسه على هدي التمتع. واحتج محمد بن الحسن بأن هدي التمتع منصوص عليه، وهدي المحصر كذلك ولا تقاس المنصوصات بعضها على بعض. وذكر غيره أن إصبات الكفارات بالقياس لا يجوز. وقال أبو الحسن: ووجه الجواب عن هذا بين. واختلفوا إذا صده
стр. 208
العدو عن حج التطوع فحل هل عليه قضاء أم لا؟ فعندنا لا قضاء عليه، وعدن أبي حنيفة عليه القضاء مع عمرة.
وقال مجاهد، والنخعي، وعكرمة عليه القضاء ولا عمرة عليه مع ذلك واحتج أبو حنيفة بأن آية الإحصار نزلت عام الحديبية، ورسول الله ﷺ معتمر وقضى العمرة من قابل، وسميت عمرة القضاء، ولو صده عن حجة الفريضة فهل تسط عنه حجة الفريضة أم لا؟ اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال فذهب أكثر أهل المذهب إلى أنه تسقط عنه حجة الإسلام وعليه القضاء. وقال ابن الماجشون من أصحاب مالك: إذا صد بعد أن أحرم بحجة الفريضة وحل سقط عنه الفرض. وحكى الداودي عن أبي بكر الثعالبي أن الفرض يسقط عنه إذا أراد الحج وصده العدو إن لم يحرم. وأظن أنه حكاه عن أحد أصحاب مالك. وظاهر قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ على تأويل من تأوله إحصار العدو، وأنه لا قضاء عليه، لأنه إنما وجب عليه الهدي خاصة ولم يوجب عليه سواه، وهذا لا حجة فيه لأن القضاء قد سكت عنه في الىية، وإنما يؤخذ وجوبه أو سقوطه من دليل آخر.
(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] .
اختلف فيه فذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، إلى أنه يعني بما استيسر من الهدي شاةٌ، وذهب ابن عمر وعائشة وغيرهما إلى أنه من الإبل والبقر، فمنعوا من يجد البقرة أو البدنة أن يهدي الشاة إما منع تحريم، وإما منع كراهية. والقول الأول أصح لأن قوله: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ يعني ما سهل عن المخرج، وتيسر عليه. وهذا اللفظ إنما يستعمل في
стр. 209
التخفيف والتيسير. وقد اختلفوا في الاشتراك في الهدي، فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يجوز الاشتراك في الهدي [الواجب]. وذهب الشافعي إلى أن الاشتراك في الهدي جائز كيف ما كان. ووذهب أبو حنيفة إلى أنه جائز إذا أراد جميعهم الفدية وممنزاع إذا أراد بعضهم اللحم. وأما هدي التطوع ففي المذهب فيه قولان، وحجة من منع الاشتراك في الهدي قوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ قالوا: فالواجب على مقتضى ظاهر الآية هدي كامل والجماعة إذا اشتركوا في هدي لم يتقرب كل واحد منهم إلا ببعض هدي، ولأن المعيب من الهدايا لا يجزي لنقصه مع كونه مهديه أراق دمًا كاملًا، فالمريق بعض دم أحرى ألا يجزيه. واختلفوا في المكي يحصر بها، هل هو كغيره في ذلك أم لا؟ والصحيح أنه كغيره لعموم قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ وقد ذكر عن مالك مثل هذا الاحتجاج.
وأعمال الحج في منى ثلاثة أشياء: رمي، ثم نحر، ثم حلق، فإن قدم واحدًا منها على صاحبه، فقد اختلف فيه فذهب بعضهم إلى أنه لا شيء عليه جملة لقول النبي ﷺ لسائله عن ذلك ((افعل ولا حرج)) وذهب بعضهم إلى أن عليه الفدية وتأولوا الحديث على أنه أراد بقوله ((لا حرج)) أي لا إثم. وفي المذهب عن مالك أن لا شيء عليه في تقديم الحلق على الرمي ففيه الفدية لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾
стр. 210
[البقرة: ١٩٦] والمشهور أل فدية عليه. ويحتمل أن قوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ على وصوله إلى منى لا أكثر. قال بعض المفسرين: كل هدي أوقف بعرفة فمحله مكة.
(١٩٦) - وقد اختلفوا فيمن خوطب بهذه الآية: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ الخ [البقرة: ١٩٦] .
فقيل: الخطاب لجميع الأمة المحصر وغير المحصر، وقيل: الخطاب للمحصر خاصة والأول أظهر.
(١٩٦) - قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] .
التقدير في هذه الآية فمن كان منكم مريضًا، أو به اذى من رأسه، ففعل شيئًا مما يمنعمنه في الحج وفي العمرة، ثم حذف ذلك اعتمادًا على فهم المخاطب. وهذا هو المسمى بلحن الخطاب. وقال بعض المفسرين: هذه الفدية عامة لكل حاج أو معتمر محصرًا كان أو غير محصر نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة حين رآه رسول الله ﷺ رأسه يتناثر قملًا، فقال له: ((لعله أذاك هوامك؟ )) قال: نعم يا رسول الله، فقال له: ((احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، وانسك شاة)) فمعنى الآية أن المحرم إذا احتاج للبس قميص، أو شرب دواء فيه طيب، أو تغطية رأس لمرض به ففعل شيئًا من ذلك فعليه الفدية، واختلفوا إذا قص اظفاره كلها من اذى ماذا عليه؟ فذهب الأكثر -وهو مذهب ابن القاسم- أن عليه الفدية
стр. 211
لظاهر الآية، وذهب بعضهم إلى أنه لا شيء عليه. واختلفوا في المحرم إذا حلق رأس حلال ماذا عليه؟ فاستحب له مالك أن يفتدي خيفة قتل الدواب. قال: ولا ينبغي له أن يفعل ذلك وإن تيقن أنه لم يقتل دوابًا فلا فدية عليه، ومنع أبو حنيفة من فعل ذلك وأوجب فيه الفدية. ودليل مالك في عدم الإيجاب قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ الآية. وهذا خطاب مع المحرمين، والمعروف عن مالك مثل قول أبي حنيفة من إيجاب الفدية. ووجهه أنه لما كان الأصل في وجوب الفدية حلق الرأس في القرآن والسنة، حمل على عمومه في رأس المحرم ورأس غيره. وابن القاسم يرى في هذا أن يتصدق بشيء من الطعام، وهذه الآية إنما جاءت فيمن حلق رأسه أو صنع شيئًا مما ذكرنا لعذر، ورأى أن عليه ما على ذلك لما جاء في الآية من التخيير، وأما أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، فقالوا ليس بمخير إلا عند العذر لشرط الله تعالى. فأما إذا فعل ذلك لغير عذر فعليه دم، وحجة مالك أنه لو كان حكم غير ذي العذر مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ ولما لم تسقط الفدية من أجل العذر علم أنه من لم يكن له عذر أولى بأن لا تسقط عنه الفدية.
واختلفوا في الحالق ناسيًا فرأى مالك عليها الفدية وخيره، وقال الشافعي: لا شيء عليه والصيام الذي أوجبه الله تعالى في الآية عند مالك، وأكثر العلماء ثلاثة أيام أخذًا بظاهر الحديث الذي ذكره ابن عجرة المبين لمجمل القرآن، وخالف في ذلك الحسن البصري، وعكرمة، ونافع، فقالوا:
стр. 212
الصيام عشرة أيام، ولم يتابعهم أحد من الفقهاء على ذلك، والسنة الثابتة بخلافه. الصدقة أيضًا عند مالك، وأكثر الفقهاء ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. وذلك مدان بمد النبي ﷺ أخذًا بظاهر الحديث. وجاء في ((كتاب مسلم)): ((واطعم ثلاثة أصواع من تمر ستة مساكين)) وخالف في ذلك من خالف في الصيام فرأوه إطعام عشرة مساكين. وقال الثوري يطعم من البر نصف صاع لكل مسكين. ومن التمر أو الزبيب والشعير صاعًا صاعًا. وقال نحوه أبو حنيفة وأصحابه، وفي حديث ((مسلم)) ما يرد على هذا. وروي عن ابن حنبل نحو قول مالك. وروي عنه إن أطعم برًا فهو لكل مسكين وإن أطعم تمرًا فنصف صاع لكل مسكين, والنسك أقله شاة بإجماع. ومن ذبح أفضل منها فهو أفضل. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد النسك شاة فإن لم يجدها فقيمتها يشتري من الطعام، وصام عن كل مدين يومًا. وهذه الفدية يدفعها المفتدي حيث شاء من البلاد، لأن ظاهر الآية لا يقتضي تخصيص موضع، فتحمل على عمومها في المواضع كلها حتى يأتي ما يخصصها على خلاف بعض الأصوليين في هذا الأصل، وإلى هذا ذهب علي بن أبي طالب ﵁. وقال إبراهيم، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه. وقال عطاء فيما روي عنه، أصحاب الرأي النسك بمكة والصيام والإطعام حيث شاء. وإلى هذا ذهب ابن الجهم من أصحاب مالك. وقال الحسن بن أبي الحسن، وطاوس، وعطاء أيضًا، ومجاهد، والشافعي: النسك والإطعام بمكة والصيام بمكة والصيام حيث شاء. وفي ظاهر الآية ما يرد هذا.
стр. 213
(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ [البقرة: ١٩٦] .
قال علقمة وعروة: المعنى فإذا أمنتم برأتم من مرضكم. وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إذا أمنتم من خوفكم من العدو المحصر. وهذا أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه.
(١٩٦) - ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] .
فيه دليل على جواز التمتع وقد اختلف فيه بالمنع والكراهة والإباحة والاستحباب والإيجاب وروي المنع عن ابن عمر، وابن الزبير. وجاء عن ابن عمر وأبي ذر أن متعة النساء، ومتعة الحج خاصتان لأصحاب النبي ﷺ . والآية حجة لمن أجازه. وروي عن ابن الزبير، وعلقمة، وإبراهيم أن الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم. والصحيح أن الآية عامة للمحصرين وغيرهم وهو قول ابن عباس وجماعة من العلماء.
وصورة التمتع عن ابن الزبير أن يحصر الرجل حتى بفوته الحج، ثم يصل إلى البيت، فيحل بعمرة ويقضي الحج من قابل قال: فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى الحج، وصورة المتمتع المحصر عند غيره أن يحصر فيحل دون عمرة يؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج، ويحج من قابل، فعلى هذا يترتب الخلاف هل يكون على المحصر دم
стр. 214
إذا اعتمر في غير أشهر الحج على جهة التحليل من الحج الفائت؟ وقد ذكر عن ابن عباس، وابن مسعود وغيرهما أنه لا دم عليه. وقد اختلف في المحصر إذا فاته الحج ثم وصل إلى البيت ولم يحل هل يجوز له أن يبقى محرمًا حتى يحج من قابل، أو عليه أن يتحلل بعمرة؟ فأجاز ذلك مالك ولم يجزه غيره. وقول مالك أظهر على مساق الآية، لأنه إنما أجاز الله له التحلل نظرًا له ورفقًا به، فإذا اختار الصبر فله ذلك. وقد ذهب بعضهم إلى أن التمتع هو فسخ الحج والعمرة، وهذا غير جائز عند أكثر العلماء وإنما قاله ابن عباس على ما رواه عطاء عنه، فإنه قال: لا يطوف أحد بالبيت قبل يوم النحر إلا حل من حجه. فقيل له: من أين قلت هذا؟ قال: من سنة رسول الله ﷺ ، وأمره الناس في حجة الوداع أن يحلوا، ومن قوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣] والذي يجاب به عن هذا أن يقال: إنه قد جاء في الخبر الصحيح: أن بلال ابن الحارث قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! فسخ لنا الحج خاصة أم لمن بعدنا؟ فقال: ((لا بل لنا خاصة)) وقال قوم إن فسخ الحج إنما كان على وجه آخر. وقال مجاهد: إن أصحاب رسول الله ﷺ معًا كانوا فرضوا الحج أولًا، بل أمرهم أن يحلوا مطلقًا وينتظروا ما يؤمرون به وبذلك أهل علي ﵁ باليمين، وكذلك كان إحرام النبي ﷺ ، ثم أنكرت عائشة ﵂ أن يكون رسول الله ﷺ أمر بفسخ الحج على حال، وقالت: ((خرجنا مع
стр. 215
رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج، ومنا من قرن)) الحديث، والذين رأوا أن الآية عامة للمحصرين والمخلى سبيلهم.
وأجازوا التمتع بظاهرها، وراوا أن للمتمتع ستة شروط لا يكون المتمتع متمتعًا إلا بشروطها مجموعة، فمتى انخرم منها شرط لم يكن عليه دم، ولم يكن متمتعًا.
أحدها: أن يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد.
والثاني: أن يكون ذلك في عام واحد.
والثالث: أن يعتمر في أشهر الحج. لأنه ليس من شرطه أن يحرم بها في أشهر الحج، ولو أحرم بها في رمضان أو شعبان فاستدام ذلك وأتى ببعض أفعالها في أشهر الحج. قال ابن حبيب: ولو بشرط واحد من السعي في أشهر الحج كان متمتعًا وبه قال أبو حنيفة، والنخعي، وعطاء، والحسن، وجماعة من الناس. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يكون متمتعًا حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وقال طاوس: أي شهر اعتمر من السنة فهو متمتع. وقال الحسن البصري: إن من اعتمر بعد النحر فهي متعة. وهذان القولان شاذان.
والرابع: أن يقدم العمرة على الحج لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ و ﴿إلى﴾ للغاية فيجب أن يكون ما بعدها متأخرًا عما قبلها إذا كان غاية له.
والخامس: أن يفرغ من العمرة، ثم يحرم بالحج.
следующие страницы →