Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
ولم يشترط إذن السلطان. واختلف إذا اجتمع عيد وجمعة هل يسقط أحدهما الآخر أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يسقط. وفي الواضحة عن مالك في ذلك لمن كان على مثل الموالي من المدينة روايتان. وقال أحمد بن حنبل حضور العيد يكفي عن الجمعة. والحجة لما في المذهب قوله تعالى: ﴿وإذا نودي للصلاة ن يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ فعم. وقد اختلف هل يصح أن تقام الجمعة في غير المسجد الجامع أم لا على قولين بين المتأخرين، الأظهر منهما أنها تصح ويؤيد ذلك عموم الآية. وقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾: السعي في لسان العرب يصلح للسير السريع والسير الرويد وقد بان بقوله ﵊: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة)) أن المراد بقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ غير الجري. وكذلك قال الحسن في تأويلها، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر العلماء. وكان عمر ابن مسعود يقرآن: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾. وقال ابن مسعود: لو قرأتها: فاسعوا، لسعيت حتى يسق ردائي. وقد اختلف أهل العلم في الإسراع إلى الصلاة إذا خيف أن تفوت. فأجازه قوم وكرهه قوم. وروي عن مالك إجازته، وهو قول ابن مسعود. وقوله هذا ينحو إلى قوله المتقدم في معنى قوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾:
(٩) - قوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾:
أمر تعالى بترك البيع في يوم الجمعة إذا أخذ المؤذن في الأذان، واختلف في هذا الأمر هل هو أمر وجوب أو أمر ندب. فذكر ميك عن قوم أن البيع جائز في ذلك الوقت وأن الآية على الندب لا على الإلزام واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ذلكم خير لكم﴾. والجمهور على أنه أمر إيجاب وأن البيع في ذلك الوقت حرام إلا أنهم اختلفوا في البيع إذا وقع. فقيل يفسخ مالم يفت. فإن فات مضى بالثمن. وقيل يفسخ ما لم يفت فإن فات مضى
стр. 1507
بالقيمة. وقيل لا يفسخ البيع إذا وقع وإن كانت السلعة قائمة. وقد []
المتبايعان بالإثم. والثلاثة الأقوال في المذهب. والأشهر في ذلك أنه بيع فاسد يفسخ ما لم يفت لقوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ وهذا أمر في معنى النهي يدل عند الأصوليين على فساد المنهي عنه ولأنه عقد منع منه لأجل حق الله تعالى فأشبه النكاح في العدة، والنكاح كالبيع قياسًا. وأما الهبات والصدقات ففيها نظر وقد قال عبد الوهاب يمكن أن تجري مجرى البيع. واختلف في تبايع من لا تلزمه الجمعة من النساء والعبيد في ذلك الوقت، فأجيز ذكره. وإليه ذهب الليث. والأظهر إجازته لأن الأمر بترك البيع في الآية إنما هو للمدعوين إلى الصلاة ومن لا تلزمهم الجمعة لم يدعوا قط إلى الجمعة فلم يدخلوا في الأمر بترك البيع ووجب أن تجوز مبايعتهم. وكذلك اختلف في مبايعة من تلزمه الجمعة مه من لا تلزمه الجمعة. ومذهب مالك رحمه الله تعالى أنه لا يجوز لأن عموم الآية يشتمله.
(١٠) - قوله تعالى: ﴿فانتشروا في الأرض﴾:
أمر إباحة باتفاق.
قوله تعالى: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾:
اختلف في تأويله: فقيل معناه طلب المعاش، فالأمر على هذا أمر إباحة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((ذلك الفضل المبتغى عيادة المريض أو صلة صديق أو ابتاع جنازة)) فينبغي على هذا لمن صلى الجمعة أن لا يصنع بعد ذلك إلا برًا في بقية يومه. ويكون على هذا تجده صبح يوم السبت، قال ذلك جعفر بن محمد الصادق. وقيل إن ذلك الفصل المبتغى هو العلم فينبغي أن يطلب إثر صلاة الجمعة. فالأمر في الآية على هذين القولين أمر ندب.
(١١) - قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا﴾:
نزلت بسبب أن رسول الله ﷺ كان قائمًا على المنبر يخطب يوم الجمعة فأقبلت عير من الشام تحمل طعامًا، وصاحب أمرها دحية بن خليفة
стр. 1508
الكلبي وكان من عرفهم أن تدخل العير المينة بالطبل والمعازف والصياح سرورًا بها. فلما دخلت العير انفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وتركوا الرسول ﷺ قائمًا على المنبر ولم يبق معه غير اثني عشر رجلًا. قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم. وذكر بعضهم أن منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، فهؤلاء أحد عشر. اختلف في الثاني عشر فقيل عمار بن ياسر. وقيل عبد الله بن مسعود. وذكر عن ابن عباس أن الذين بقوا معه ﷺ ثمانية نفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((لولا ... )) لقد كانت الحجارة سومت على المنقضين في السماء. وقال قتادة: بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات كانت العير قد وافقت فيها دخولها يوم الجمعة.
قوله تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾:
أي قائمًا في خطبتك. وقد اختلف في الخطبة هل هي من فرائض الجمعة أو سننها؟ فالمشهور أنها من فرائضها. ذكره ابن المواز والأبهري. وذهب ابن الماجشون إلى أنها سنة، وهو اختيار ابن زرب. والقولان في الثمانية. والدليل على القول الأول قوله تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾. اختلف هل من شرط صحة الجمعة الجماعة أم لا؟ والأظهر أنها من شروطها وهو ظاهر الآية لأنه تعالى أمر بالاجتماع عند النداء، والخطبة إنما هي بعد النداء، فلو أن من شرط الخطبة الجماعة لما أمر بالاجتماع قبل الخطبة. واختلف أيضًا هل من شرط صحة الصلاة استدامة الجماعة من أول الصلاة إلى آخرها أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك من شروط صحتها وأن الناس لو انفضوا عنه قبل
стр. 1509
السلام حتى لم يبق معه إلا من يجزئ بهم الجمعة لبطلت الصلاة. والثاني: أن الصلاة جائزة إذا لم ينفضوا عنه حتى صلى ركعة. والثالث: أنه إذا أحرم بالصلاة فصلاة الجمعة جائزة وإن انفضوا عنه قبل ركعة، وهو ظاهر الآية. واختلف في القيام في الخطبة هل هو شرط فيها أم لا؟ فعند الشافعي أنه شرط فيها لا تجزئ بالقعود. وفي المذهب أنه ليس بشرط وأنها تجزئ بالقعود. وحجة الشافعي قوله تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾ فحمل ذلك على ظاهر الآية من القيام ورآه واجبًا. ولم ير مالك أن ما صنعه ﷺ من ذلك كان على الإيجاب بل رأى أنه كان منه على الاستنان. واختلف في سنة الخطبة ففي المذهب أن سنتها أن يجلس في أولها ووسطها وقال عطاء ما جلس رسول الله ﷺ حتى مات وما كان يخطب إلا قائمًا. وأول من جلس في الخطبة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في آخر زمانه حين كبر، فكان يجلس هنيأة. وقال أهل العراق لا يجلس بين الخطبتين. ومن حجة من لا يرى الجلوس أن الآية أعطت القيام ولم تعط شيئًا من القعود فيها فوجب أن تحمل على ظاهرها في القيام في الخطبة كلها. ومن حجة القول الأول أن الآية وإن كان ظاهرها كذلك فقد أزال النبي ﷺ هذا الظاهر بفعله وبين المراد بالآية بما فعله من الجلوس في الخطبة، فإذا قلنا بالجلوس بين الخطبتين فإن تركه أجزأه. وقال الشافعي لا يجزئ. والأظهر قول مالك لأن ذلك لم يكن واجبًا عليه مع أن ظاهر الآية يرده. وقال الشافعي لا يجزئ. واختلف في السفر يوم الجمعة إذا زالت الشمس. ففي المذهب أنه محرم، وعند أبي حنيفة أنه جائز. وظاهر الآية أنه محرم لأنه ليس بين الزوال والنداء قدر يراعى. وقد أمر الله تعالى عند النداء بالسعي إلى الجمعة وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسعي إلى الجمعة وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسعي وعصى فيجب أن لا يجزئه ذلك. وأما السفر أول النهار فغير محرم خلافًا للشافعي في أحد قوليه أنه محرم لأن ذلك الوقت غير مأمور فيه بالاجتماع للصلاة فوجب أن يجوز فيه السفر كسائر الأوقات، وهذا ظاهر الآية.
стр. 1510
سورة المنافقين
وهي مدنية نزلت في بني المصطلق وليس فيها سوى:
(١)، (٢) - قوله تعالى: ﴿قالوا نشهد إنك لرسول الله ... ﴾ إلى قوله: ﴿أيمانهم جنة﴾:
اختلف في قولهم: ﴿نشهد﴾ هل هو يمين أم لا؟ فقيل إن نوى به اليمين فهو يمين وهو قول مالك. وقال الشافعي لا يكون يمينًا حتى يقول أشهد بالله، وروي عن مثل قول مالك. وقال أبو حنيفة هو يمين قال بالله أم لا، لأن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يقولن نشهد إنك لرسول الله ولم يقولا نشهد بالله، وقال تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور: ٦]. ووجه قول مالك وإحدى الروايتين عن الشافعي أن نشهد إذا لم يقرن بذكر الله لم يدل على اليمين، فإن خاصة اليمين في ذكر اسم أو صفة من صفاته.
(١٠) - قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾:
стр. 1511
اختلف في الإنفاق المأمور به في الآية ما هو؟ فقال كثير من العلماء: المراد به الزكاة المفروضة. وقال قوم ذلك عام في مفروض ومندوب. وفيه دليل على أنه يجب تعجيل الزكاة ولا يجوز تأخيرها أصلًا.
стр. 1512
سورة التغابن
اختلف فيها، فقيل مدنية وقيل مكية إلا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم﴾ [التغابن: ١٤] إلى آخر السورة فإنه مدني. وروي أنه ﵊ قال: ((ما من مولود إلا وفي تشابيك رأسه مكتوب خمس آيات من فاتحة سورة التغابن)). وليس فيها سوى موضع واحد.
(١٥) - قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾:
اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى في سورة آل عمرات: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] أم لا؟ فقيل إنها ناسخة. وروي أنه لما نزلت: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ شق ذلك على الناس حتى نزلت: ﴿ما استطعتم﴾. وقيل الآيتان محكمتان وأن قوله تعالى: ﴿حق تقاته﴾ معناه ما استطعتم. قالوا ولا يمكن أن يطيع أحد فوق طاقته. هذه الآية على هذا القول مبينة لذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 1513
سورة الطلاق
وهي مدنية وفيها من الأحكام والنسخ مواضع.
(١) - (٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم ... ﴾ إلى قوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض ... ﴾ الآية:
الطلاق حل العصمة وهو مكروه على الجملة. فإذا وقع جاز فيكون معنى الآية إذا وقعتم هذا الشيء المكروه فالحكم فيه كذا. ويؤكد ذلك من الحديث ما رواه أبو موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: ((لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله تعالى لا يحب الذواقين والذواقات)) وروى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: ((ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق)). وفي الحديث أيضًا: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)). وقال ابن المنذر: أباح الله تعالى الطلاق بهذه الآية وبقوله ﵊ في حديث ابن عمر: ((فإن شاء أمسك وأن شاء طلق)). وقد طلق
стр. 1514
رسول الله ﷺ حفصة ثم راجعها فجعل الطلاق على ظاهر لفظه من قبيل المباح. والصحيح أنه من قبيل المكروه وأن المعنى في الآية ما قدمته.
(١) - قوله تعالى: ﴿لعدتهن﴾:
معناه لاستقبال عدتهن وقوامها وتقريبها عليهن. وقد قرأ جماعة من الصحابة هذه الآية: ﴿فطلقوهن في قبل عدتهن﴾ وقرأ بعضهم: ﴿لقبل عدتهن﴾. وروى ابن عمر القراءتين عن النبي ﷺ أنه قال: ((طلقوا المرأة في قبل طهرها)). والمعنى في ذلك كله أن لا يطلقها وهي حائض فهو منهي عنه بالآية لأنه إذ فعل ذلك لم يقع طلاقه في الحال التي أمر الله تعالى بها وهو استقبال العدة. فالعدة التي أمر الله تعالى بالطلاق فيها هي الطهر. إلا أنه يستحب أن يكون طهرًا لم يجامع فيه لئلا يلبس على المرأة العدو فلا تدري بم تعتد هل بالوضع أو القراء؟ ويقل ليكون هو على يقين من نفي حمل إن أتت به فأراد أن ينفيه. واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض هل هو لعلة أم لا؟ فقيل لعلة لأن ذلك بطول العدة عليها. وقيل بل ذلك لغير علة وإن علل بالتطويل لا ينبغي أن يجوز إذا رضيت به المرأة طردًا للتعليل المذكور. فإذا ثبت أن طلاق الحائض منهي عنه بالآية لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وأن الطلاق ينبغي أن يوقع في طهر. فإن أوقع أحد الطلاق في الحيض فهو لازم يعتد به خلافًا لابن علية وبعض أهل الظاهر في قولهم إنه لا ينفذ وقع على خلاف ما أمر الله تعالى به. والصحيح أنه يعتد به للأدلة القوية في ذلك وإذا كان كذلك ففي المذهب أنه يجبر على مراجعتها حتى يطلقها على الصفة التي ذكر الله تعالى، قال: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾، فكأنه
стр. 1515
ألزم من طلق أن يطلق في الطهر، فإن طلق في الحيض لزم أن يجبر على الرجعة حتى يوقعه على الوجه اللازم. وعلى هذا من الإيجاب يحمل أمره ﵊ بالمراجعة. وذهب الشافعي والأوزاعي والكوفيون إلى أنه لا يجبر على الرجعة ومن حجتهم أن الله تعالى أمر أن تطلق المرأة في الطهر فغاية ما في هذا أن يكون نهيًا عن ضده. فيكون قد نهى عن إيقاع الطلاق في الحيض، وليس في الآية حكم لمن أوقعه في المحيض هل يجبر أم لا؟ وأما أمره ﵊ بالمراجعة فأنه لا يحمل أيضًا على الإيجاب بل يحمل ذلك على الندب، وإذا كان هكذا فلا يجبر على الحديث أن ابن عمر قال: طلقت امراتي وهي حائض، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لعمر: ((مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء)). فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء. وروى بعضهم هذا الحديث: ليراجعها فإذا طهرت طلقها إن شاء. وقال بكل واحد من الحديثين طائفة من العلماء. ووجه ما جاء في الحديث الأول أن الطهر الأول الوطء فيه مقصود فلا يصح فيه الطلاق. وقيل إنما منع من الطلاق فيه عقوبة لا لعلة. واختلف في الحامل متى تطلق؟ ففي المذهب أنه يطلقها متى شاء لأنه متى طلقها فهي تستقبل عدتها لا تنتظر طهرًا كما تصنع التي تحيض. فطلاقها موافق لما أمر الله تعالى به، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وخالف الأوزاعي فذهب إلى أنه يطلقها للأهلة. وكره الحسن طلاقها وهي حامل. وأما إن حاضت الحامل على حملها فهل يجوز للزوج أن يطلقها في الحيض أم لا؟ ففيه قولان للمتأخرين. ووجه الجواز أن عدة الحامل وضع الحمل وارتفعت العلة لأنه متى طلقها فذلك في قبل العدة، وإذا قلنا إنما يطلق في الطهر فحكمه أن يطلق واحدة في طهر لم يمس فيه ويأتي على قول من يرى الإقراء الحيض
стр. 1516
أن يطلق واحدة فهي في طهر ولا يشترطون مس فيه أو لم يمس. وأما غير هذا من الطلاق مثل أن يطلق في كل طهر طلقة أن يطلق ثلاثًا في طهر واحد فليس بمراد في الآية. وعلى هذا جمهور أهل المذهب لأنه عندهم مخالف للسنة. لكن إذا وقع لزم إذا ليس في الآية دليل قطعي على تحريمه. وعند أشهب أن من طلاق السنة أيضًا أن يطلق في كل طهر طلقة، وهو قول الكوفيين وجماعة سواهم. فيكون هذا الطلاق أيضًا مما أباحه الله تعالى في الآية على هذا القول. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: ليس في عدة الطلاق بدعة ولا سنة وإنما السنة في وقت الطلاق بطلاق المرأة واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا ف طهر لم يصبها فيه طلاق سنة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ولم يخص واحدة من اثنتين ولا ثلاثًا. وكذلك أمر ﷺ ابن عمر أن يطلق في الموضع الذي يجوز له ولم يخصص واحدة من غيرها. ورود بعضهم على هذا القول بأنه لو كان طلاق ثلاث في كلمة من السنة لبطلت فائدة قوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ قال أهل التفسير: يعني به الرجعة في العدة. قالوا: فأي أمر يحدث بعد الثلاث. فدل أن المراد بالطلاق في الآية الطلاق الرجعي لأن الرجعة لا تسوغ في البائن بالثلاث.
وقوله تعالى: ﴿وأحصوا العدة﴾:
أي عدوها بما يلحق بها من الأحكام في الميراث والسكنى والرجعة ونحو ذلك.
قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾:
стр. 1517
أعلم الله تعالى بهذه الآية أنهن يلزمهن السكنى في بيوتهن التي طلقن فيها فنهى عن إخراجهن وخروجهن. فعلى هذا تلزم بيتها ولا تخرج منه إلا أن تخرج نهارًا في حاجة لها. وهو لازم للمطلقة الرجعية بإجماع من العلماء. وكذلك لا خلاف في وجوب السكنى والنفقة لها. وهذا النهي لعلة وهي حفظ الأنساب والمخاطبة لقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن﴾ للأزواج. ففي هذا دليل أن البيت إنما هو للزوج ملكًا كان أو كراء، فيلزمه أن يتركها فيه حتى تنقضي عدتها وإن كان لها فعليه لها الكراء وإن كانت أمتعته مدة الزوجية ففي لزوم خروج والعدة له قولان في المذهب، والأظهر منهما اللزوم لأن ظاهر الآية على ما قدمنا أن سكناها في العدة إنما هو على الزوج. وإذا كان كذلك فسواء تقدم امتناع منها له أو لم يتقدم ولا تكون العدة داخلة في الإمتاع بمدة الزوجية لأن الزوجية قد انفصلت بالطلاق.
وقوله تعالى: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾:
اختلف في هذه الفاحشة التي أباحت خروج المعتدة ما هو؟ فقال الحسن ومجاهد وقتادة هي الزنا، فتخرج بإقامة الحد، وهو قول الليث والشعبي وغيرهما. وقال ابن عباس هي البذاء على الأحماء فتخرج ويسقط حقها من السكنى ويلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظًا للنسب. وقال ابن عمر والسدي هي الخروج عن البيت خروج انتقال، فمتى فعلت ذلك
стр. 1518
فقد سقط حقها في السكنى، وإلى هذا ذهب مالك في الناشز في العدة. وقال قتادة أيضًا المعنى إلا أن يأتين بفاحشة من نشوز عن الخروج فيطلق بسبب ذلك فلا يكون عليه سكنى. وقال ابن عباس أيضًا: الفاحشة جميع المعاصي، فمتى سرقت أو قذفت أو زنت أو أربت في تجارة وغير ذلك فقد سقط حقها في السكنى، وإلى هذا القول مال الطبري رحمه الله تعالى وقال بعض الناس متى وردت الفاحشة معرفة في القرآن فهي الزنا ومتى جاءت منكرة فهي مطلق المعاصي، فمرة يراد بها عشرة الزوج ومرة غير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾:
اختلف في تأويله. فذهب الأكثر إلى أن المراد به الرجعة، أي احصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به من طلاق السنة تقدروا على التخلص إن ندمتم فأنكم لا تدرون لعلكم تندمون فتريدون الرجعة. وذهب إلى أن المعنى: لعل الله يحدث أمرًا من النسخ. وهو بعيد. وهذه الآية المتقدمة في الآية من أن لا يخرجن إنما هي في المطلقة واحدة واثنتين بدليل قوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ على القول بأن المراد به الرجعة. وقال بعضهم هي لمن يطلق وللمطلقة أقل من الثلاث. وقال بعضهم: هي لكل مطلقة ثلاثًا فمان دونها وهذا يأتي على قول الشافعي المتقدم في الثلاث. وعلى هذا يأتي الخلاف في المطلقة البائنة هل لها سكنى أم لا؟ فعل قول الشافعي يكون لها السكنى لأنه ظاهر الآية على قوله، وسيأتي الكلام على ذلك أيضًا. وقد قيل إن سبب الرجعة المذكورة في الآية تطليق النبي ﷺ لحفصة فأمره الله تعالى بمراجعتها. وقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ يريد آخر القرء. والإنفاق بالمعروف وهو تحسين العشرة
стр. 1519
في النفقة عليهن والصحبة لهن. والفراق بالمعروف هو تأدية الصداق والإمتاع والوفاء بالشروط ونحو ذلك.
(٢) - وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾:
اختلف في الإشهاد المأمور به على أي شيء أمر الله تعالى أن يكون؟ فقال الجمهور: الرجعة. وقال ابن عباس: المراد على الرجعة وعلى الطلاق لأن الإشهاد يرفع من النوازل إشكالات كثيرة وهو أظهر لأنه جاء عقبهما جميعًا فوجب أن يرجع إليهما. وقد اختلف في الإشهاد على الرجعة هل هو واجب أم لا؟ فحكى ابن القصار في كتابه أنه مستحب. وحكى إسماعيل القاضي عن مالك أنه واجب لرفع الدعاوي وتحصين الفروج والأنساب والطلاق في هذا ينبغي أن يكون كالرجعة لأن اللفظ يعمهما كما قدمنا على القول الأظهر. وإذا كان كذلك فإما أن يكون الإشهاد عليهما جميعًا ندبًا وإما أن يكون واجبًا. وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه الفرق بين وجوب الإشهاد على الرجعة وعدم وجوبه في الطلاق والبيع. وذلك في أن الفرق بين الرجعة والبيع أن الله تعالى قال في البيع: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣] فدل ذلك على أن الإشهاد على البيع غير واجب، وسكت عن الفرق بين الرجعة والطلاق، ولا فرق بينهما لما قدمناه. وقال ابن بكير: معنى ذلك أن يشهد ذوي عهد على مراجعتها إن راجعها وعند انقضاء عدتها إن لم يراجعها أنه طلقها وأن عدتها قد انقضت خوفًا من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو تموت هب فيدعي الزوج ذلك. قال: وينبغي إن طلق طلاقًا بائنًا أن يشهد أيضًا حين الطلاق أنها قد بانت منه حسبما ذكرنا لأن معنى البائن معنى التي انقضت
стр. 1520
عدتها ويلزم على قياس قوله أن يلزم الإشهاد في الطلاق الرجعي حين الطاق مخافة الموت. وإذا قلنا إن الإشهاد بالآية واجي فمعناه إنما يكون بتركه إنما لتضييع الفروج وما يتعلق بذلك من الحقوق من غير أن يكون ذلك شرطًا في صحة الرجعة أو الطلاق. وقد تقدم الكلام في العدالة ما هي فلا معنى لإعادته. ويؤخذ من هذه الآية أنه إنما يشهد في النكاح أو الطلاق الرجال دون النساء لقوله تعالى: ﴿ذوي عدل منكم﴾ خلافًا لمن أجاز في ذلك شهادة النساء من أهل العراق، وخلافًا لمن أجازها منهم في النكاح دون الطلاق لأنه تعالى لما قال: ﴿ذوي عدل منكم﴾ على أنه لا يجيء غير ذلك لأنه تعالى إنما ذكر أقل ما يجوز في ذلك كقوله تعالى في شهادة الأموال: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا فرق بين النكاح والطلاق وبين الحدود. وقد منعوا شهادتهن في الحدود، ولا فرق بينهما.
وقوله تعالى: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾:
أمر بالشهود بأن يشهدوا إذا استشهدوا. وهو عند أهل العلم أمر وجوب يقوم به بعض الناس عن بعض كالجهاد وصلاة الجنازة وما أشبههما. فإذا كان الرجل في موضع ليس فيه من يحمل ذلك عنه تعين عليه الوجوب في خاصته.
وقوله: ﴿ذلكم يوعظ به﴾:
إشارة إلى إقامة الشهادة.
وقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾:
اختلف في معناه. فقال ابن عباس: أي من يتق الله تعالى يخلصه من
стр. 1521
كرب الدنيا وكرب الآخرة. وقال بعضهم ما يعضد هذا التأويل. وقال نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي وذلك أنه أسر ولده وقدر عليه رزقه فشكى ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بالتقوى. فلم يلبث أن تفلت ولده وأخذ قطيعًا من غنم الذين أسروه. فسأل عوف رسول الله ﷺ : أتطيب له تلك الغنم؟ قال: ((نعم)) فنزلت الآية. وقال علي بن أبي طالب وأكثر المفسرين: معناه في الطلاق أي من لا يتعدى في طلاق السنة إلى طلاق الثلاث يجعل الله تعالى له مخرجًا إن ندم بالرجعة ويرزقه ما يطعم أهله ويوسع عليه. ومن لا يتقي الله فربما طلق وبت وندم فلم يكن له مخرج وزال عنه رزق زوجته. وهذا القول في الآية يدل على أن طلاق الثلاث إذا وقع لازم لأنه لم يجعل لمن أوقعه مخرجًا أي أنها قد بانت منه بما قال فلا رجعة له، وعلى هذا الذي دلت عليه الآية أئمة الفتوى. وكان الحجاج بن أرطأة لا يرى طلاق الثلاث شيئًا، وهو قول داود الظاهري. وكان محمد بن إسحاق يقول ترد الثلاثة إلى واحدة ويحتج بحديث ركانة روي عن ابن عباس قال: قد طلق ركانة بن يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد. قال: ((إنما ذلك واحدة فارتجعها إن
стр. 1522
شئت)). فارتجعها. قال الطحاوي: وهو حديث منكر قد خالفه ما هو أولى منه، وهو حديث خطأ. وإنما طلق ركانة زوجته ألبتة لا ثلاثًا، كذلك رواه الثقات من أهل بيت ركانة. فقال له رسول الله ﷺ : ((ما أردت؟ )) قال: والله ما أردت إلا واحدة فردها النبي ﷺ . فطلقها الثانية في زمان عمر والثالثة في زمان عثمان. قال أبو داود: وهذا أصح ما وري في حديث ركانة وجاء عن ابن عباس أيضًا أنه قال لمطلق ثلاثًا: إنك لم تتق الله فبانت منك امرأتك ولا أرى لك مخرجًا وفسر بذلك الآية.
(٤) - قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾:
هذه الآية مخصصة لعموم آية البقرة في الاعتداد بالحيض. وقد تقدم الكلام على هذا.
قوله تعالى: ﴿إن ارتبتم﴾:
اختلف فيه فقيل هو متصل بأول السورة، والمعنى لا تخرجوهن من بيوتهن إن راتبتم في انقضاء العدة. وقيل هو من هذه الآية التي وقع فيها. واختلف في تأويله، فروى أشهب عن مالك أنها ريبة ماضية في الحكم لا في معاودة الحيض وذلك أن الله تعالى لما بين عدة ذوات الإقراء وذوات الحمل وبقيت اليائسة من المحيض والتي لم تحض ارتاب أصحاب النبي ﷺ في حكمها، فنزلت الآية. وإلى هذا ذهب مجاهد واختاره الطبري. فاليائسة على هذا القول في الآية هي التي لا ترتاب في معاودة الحيض وهي مخصصة من عموم آية البقرة. وأما التي ارتفع عنها الحيض
стр. 1523
وهي في سن من تحيض فليست بداخلة في الآية. قال ابن بكير وإسماعيل القاضي إنه يلزم على هذا القول في الآية أن تعتد هذه المرتابة في معاودة الحيض بالإقراء وتنتظر القرء حتى تبلغ سن من لا يشبه أن تحيض وإن بقيت عشرين عامًا. وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو حنيفة، قالا: فإذا يئست من المحيض اعتدت ثلاثة أشهر ما لم تيأس من الحيض وإليه ذهب أيضًا النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيد عن أهل العراق. وهذا غير لازم لأنه وإن كانت هذه المرتابة لم تتخصص بهذه الآية من آية البقرة فتخصص بالقياس والنظر، وهو الذي ذهب إليه عمر ابن الخطاب ولا مخالف له من الصحابة أنها تنتظر تسعة أشهر، فإن كان بها حمل وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة ثم تحل. وقاله الشافعي بالعراق وهو قول مالك رحمه الله تعالى، على أنه يقول إن الريبة في الآية إنما هي في الحكم. وذهب ابن بكير وإسماعيل القاضي وغيرهما إلى أن المعنى في قوله تعالى: ﴿إن ارتبتم﴾ أي ارتبتم في معاودة الحيض وأنها ريبة مستقبلة، واحتج لذلك بحجج يطول جلبها. من ذلك أن اليأس في كلام العرب إنما هو مما لم ينقطع منه الرجاء. ألا ترى أنك تقول: يئست من المريض لشدة مرضه ومن الغائب لطول غيبته، ولا يصلح أن تقول: يئست من الميت الذي انقطع الرجاء منه. قالا ولو كانت الريبة في الحكم لطان حق اللفظ أن يكون إن ارتبتم بفتح الهمزة لأنها ريبة ماضية. ودليل خطاب هذا القول إنه لا تجب عدة على من يعلم أنها ممن لا تحيض من صغر أو كبر ولا يرتاب في أمرها، وإلى هذا ذهب ابن لبابة وقال إنه مذهب داود وأنه القياس لأن العدة إنما هي لحفظ الأنساب، فإذا أمن الحمل فلا معنى للعدة. وهو شذوذ من القول، وهذا ليس بلازم لإسماعيل القاضي وابن بكير لأن دليل الخطاب ضعيف في الاستدلال، وقد اختلف فيه الأصوليون، ولما لم يكن عندهما
стр. 1524
بد من عدة الأدلة القوية، فمن لا تحيض من صغر أو كبر في ذلك ولم يجدا في ذلك حدًا جعلا الباب واحدًا فيهما فحملهما محمل المرتابة في العدة بثلاثة أشهر. والذين ذهبوا إلى أن الآية في المرتابة اختلفوا، فبعضهم يرى أنه ليس عليها أكثر من ثلاثة أشهر تعلقًا بظاهر الآية. وإلى نحو هذا ذهب عكرمة وابن زيد وقتادة. والأكثر على أن الثلاثة الأشهر إنما هي التي بعد التسعة الأشهر على حديث عمر بن الخطاب إن يئست من الحمل فيهن، وهو تأويل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الآية على ما ذكر المفسرون. وتحصيل هذا أنه يأتي في تأويل قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ قولان: أحدهما: أنهن اليائسات من معاودة الحيض. والآخر: أنهن المرتابات في معاودة الحيض. وإذا قلنا إنهن اليائسات من معاودة الحيض ففي عدة المرتابة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ثلاثة أشهر خاصة حملًا لها على اليائسة.
والثاني: أنها ثلاثة أشهر بعد تسعة أشهر يستبدأ بها أمر الحمل.
والثالث: أن عدتها بالإقراء وإن طالت ثلاثين سنة، لأنها عند من قال بذلك باقية تحت عموم آية البقرة. وإذا قلنا إن اللائي يئسن من المرتابات ففي عدة اليائسة قولان:
أحدهما: أنها ثلاثة أشهر حملًا لها على المرتابة المذكورة في الآية.
والثاني: أنها لا عدة لها عليها تعلقًا بدليل خطاب الآية. واختلف في المستحاضة هل تعتد بثلاثة أشهر خاصة أو ثلاثة أشهر بعد تسعة فتكون عدتها سنة، وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى. وعلل ذلك كثير من المفسرين بأن الاستحاضة ريبة فلحقت بمعنى قوله: ﴿إن ارتبتم﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿واللائي لم يحضن﴾:
معناه واللائي لم يحضن عدتهن أيضًا ثلاثة أشهر.
стр. 1525
(٤) - (٦) - قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم ... ﴾ الآية:
حكم هذه الآية عند الجمهور عام للمطلقة الحامل والمتوفى عنها فتكون عدتها بوضع الحمل. وحديث سبيعة الأسلمية شاهد لذلك. وهو أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حبلى، فلما وضعت خطبها أبو السنابل بعكك. فسألت رسول الله ﷺ فقال لها: ((أنكحي من شئت)) وعلى هذا القول علماء الحجاز والعراق والشام. ولا أعلم مخالفًا فيه من السلف إلا ابن عباس وعلي بن أبي طالب في ذلك أنهما قالا: عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين. وقال ابن مسعود لما بلغه قول علي: من شاء لاعنته. إن هذه الآية في سورة النساء القصرى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ نزلت بعد التي في البقرة ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ولولا حديث سبيعة الأسلمية لكان هذا القول أظهر ولو بلغت السنة عليًا ما تركها. وأما ابن عباس فروي عنه أنه رجع إلى حديث سبيعة بعد منازعته، فقد مر في سورة البقرة وجه معارضته هذه الآية بآية الطلاق وآية الوفاة الكائنتين في سورة البقرة، فمن أراد الوقوف على ذلك تأمله هناك.
(٦) - قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾:
ذهب بعضهم إلى أنه أمر عام بالسكنى لجميع المطلقات. وذهب
стр. 1526
بعضهم إلى أنها في إسكان البوائن خاصة. ويأتي على مذهب من لا يرى للمبتوتة سكنى أنها في غير البوائن. والقول بأنها في البوائن خاصة أحسن لقوله تعالى بعد هذا: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾ فلم يوجب لهن نفقة إلا مع الحمل، وهذا لا يتصور في غير البائن لأن الإجماع منعقد على أن لها النفقة كانت حاملًا أو غير حامل. فإن قيل: وكيف ذلك ولم يتقدم لهن في السورة ذكر وإنما تقدم ذكر اللواتي ل يبن بدليل قوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ ففي ذلك جوابان:
أحدهما: وإن لم يتقدم لهن في السورة ذكر فقد تقدم لهن في سورة البقرة وهو قوله : ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] فيعاد قوله: ﴿أسكنوهن﴾ على تلك الحالة لأن القرآن كله كسورة واحدة في رد بعضه إلى بعض، وتفسير بعضه ببعض.
والثاني: أن تقول قد تقدم لهن في السورة ذكر لأن قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ عام فيمن لم تتطلق وفيمن طلقت طلقتين وبقيت فيها طلقة لأنها بالطلقة الواحدة للسنة. فرجع قوله: ﴿أسكنوهن﴾ الآية إليها دون من سواها ممن عمه عموم اللفظ. وعلى القول بأن المأمور بإسكانهن البوائن يكون قوله: ﴿وإن كن أولات حمل﴾ في البوائن أيضًا فيكون قد أوجب لهن النفقة إذا كن حوامل. ويؤيد هذا حديث فاطمة بنت قيس، وقول رسول الله ﷺ : ((ليس لك عليه نفقة)) وقد كان طلقها ثلاثًا. فيأتي على هذا أن البائنة لها السكنى ولا نفقة لها، وهو قول مالك رحمه الله تعالى وجميع أصحابه. وفي المسألة قولان سوى ذلك: أحدهما:
стр. 1527
أن لها النفقة والسكنى. والثاني: أنه لا نفقة لها ولا سكنى. واستدل من ذهب إلى أنها لا نفقة لها ولا سكنى بما جاء في بعض روايات حديث فاطمة وهي أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى. ولا حجة في هذا بأنها إنما قالت ذلك تأولًا على قول النبي ﷺ إذ أمرها أن تعتد في بيت أم مكتوم. وإخراجها إلى الموضع الذي كانت فيه لاستطالتها بلسانها على أحمائها. فقد أوجب لها النبي ﷺ السكنى وجعله حقًا عليها لله تعالى من حيث لم تشعر. ولو لم يوجبه عليها لما أمرها به في موضع ما لقال لها: اعتدي حيث شئت فلا سكنى لك. واستدل من ذهب أن لها السكنى والنفقة بما روي أن عمر بن الخطاب قال: لا ندع آية من كتاب الله ربنا وسنة نبينا لقول امرأة سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول لها: السكنى والنفقة وتأول -والله تعالى أعلم- قول النبي ﷺ لها لا نفقة لك، تأديبًا من أجل أنها سخطت ما أرسل إليها به إذ رأى أنه هو الواجب لها عليه لقوله : ﴿ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾ وتأول أيضًا أ، النفقة التي أمر الله تعالى بها للحوامل في قوله: ﴿وإن كن أولات حمل ... ﴾ الآية ليست لأجل الحمل وإنما هي من أجل العدة إذ لو كان من أجل الحمل لوجب له الرجوع بها عليه إذا ولد حيًا، وقد مات أخ لأمه فورثه كما أنفق عليه في حياته ثم انكشف أن له مالًا. واختلف الذين أوجبوا لها السكنى في الذي يجب عليها فيه. فقيل إنه حق لها فإن شاءت أخذته وإن شاءت تركته. وقيل إنه حق لله تعالى فيلزمها أن لا تبيت إلا فيه ولها أن تخرج في نهارها فتتصرف في حوائجها، وهو قول مالك وجميع أصحابه. وقيل إنه ليس لها أن تبيت عنه ولا أن تخرج منها نهارًا. وهذا إنما يأتي على قول من رأى أن النفقة لها. والأظهر لأنه حق له لأن ظاهر أمره تعالى بذلك إنما هو على أن الحق له فيه حتى يقيده بما يدل على غير ذلك، وليس في الآية تقييد. واختلف هل لهذه المطلقة أن
стр. 1528
تحج؟ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه ليس لها ذلك. وذهب ابن حنبل وغيره إلى أن لها أن تحج في العدة. وقال مالك رحمه الله تعالى: ترد ما لم تحرم. وأما الحامل المطلقة، فإن كان الطلاق رجعيًا فحمكها حكم المطلقة الرجعية، وإن كان طلاقها بائنًا فحكمها حكم البائن غير الحامل في وجوب السكنى لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن﴾ ولها النفقة بنص قوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ ولا خلاف في ذلك إنما اختلف في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها ففي ذلك قولان: أحدهما: المنع من ذلك. والآخر: إيجابه تعلقًا بعموم الآية. والقول بالمنع أجرى على طريق النظر والأثر. وقد استدل بعضهم من قوله تعالى: ﴿أسكنوهن﴾ الآية على القول بأن المرأة إذا كانت ساكنة في دارها ومعها زوجها ثم طلبته بالكراء أن ذلك يلزمه، خلافًا للقول بأنه لا يلزمه كراء. والقولان معلومان في المذهب وذكر الاستدلال بذلك صاحب الوثائق المجموعة. واختلف هل يجوز عقد النكاح على حامل من زنا. فلم يجزه مالك وأجازه الشافعي وأبو حنيفة. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾. واختلف في المبتوتة في المرض، ففي المذهب أنها تعتد عدة المطلقة مات زوجها أو بقي. وقال أبو حنيفة: أقصى الأجلين. والحجة عليه قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾.
قوله تعالى: ﴿فأن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسرًا﴾:
يقول إن أرضع هؤلاء الزوجات المطلقات ولذلك فآتوهن أي ما يعان به الصبي وذلك نفقته وكسوته والأجرة على إرضاعه باتفاق.
стр. 1529
واختلف في كراء سكناه، فمنهم من رأى على الأب ذلك ومنهم من لم يره. وظاهر الآية على إيجابه على الأب.
قوله تعالى: ﴿وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾:
أي إن تشططت الأم على الأب في أجرة الرضاع فللزوج أن يسترضع لولده غيرها بما فيه رفقة. وقد اختلف قول مالك إذا وجد الأب من يرضعه باطلًا أو بدون ما يساوي رضاعه. فعنه أن من حق الأم أن ترضعه بأجر مثلها. وروى ابن وهب عنه أن الأم لم ترد أن ترضعه مجانًا أو بما وجد كان له أن يدفعه إلى من ترضعه له مجانًا أو بما وجد. ومعنى ذلك إذا أرضعته عند أمه ولم تخرجه من حضانتها. وهذا القول أشبه بقوله تعالى: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾. وقد استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ على أنها إذا رضيت أن ترضع بأجر مثلها لم يكن للأب أن يسترضع غيرها بدون الأجر ويلزم على هذا أن يتأول قوله تعالى: ﴿وإن تعاسرتم﴾ على أن الأم تطلق أكثر من أجر مثلها. وتدل هذه الآية أيضًا على أن الأم أولى بحضانة الولد. وتدل أيضًا على أن الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل وإن احتمل أن يراد به غير ذلك.
(٧) - قوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ونم قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرًا﴾:
خص تعالى بهذه الآية على الإنفاق على قدر اليسر والإعسار فدل أن النفقة مختلفة باختلاف الأحوال في ذلك وأن نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر، خلافًا لأبي حنيفة فإنه اعتبر كفايتهما. وقد اختلف في التطليق على من يعجز على نفقة امرأته، فقال مالك والشافعي وغيرهما تطلق. وقال أصحاب الرأي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم: لا يفرق بينهما. قال بعضهم: وقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ فيه دليل على أنه لا يجوز التفريق لعجزه عن النفقة لأن الله تعالى لم يوجب النفقة في هذه الحالة.
стр. 1530
وحجة من يرى التفريق أن يقول إن الزوج عجز عن الإمساك بالمعروف فعليه التسريح بإحسان. ولما كان لا بد من أحدهما وجب إذا فات أحدهما أن يتعين الثاني. ولا شك أن العاجز عن نفقة عبده أو أمته أو بهيمته لا يجب عليه نفقتها ولكن يجبر على بيع المملوك. كذلك ها هنا. وقد استدل بعضهم أيضًا على أنه لا يطلق بالعجز لقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبداكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢]. وقد تقدم الكلام على ذلك. واختلف أيضًا في التطليق على الزوج بعدم الكسوة وإن وجد النفقة على قولين في المذهب. والتوجه للقولين على ما تقدم في النفقة لأن الكسوة من النفقة وإن كان اختلف الفقهاء فيمن طاع في نفقته رجل هل تلزمه كسوته أم لا؟ فمنهم من أخرج الكسوة عن النفقة ومنهم من جعلها منها.
стр. 1531
سورة التحريم
وهي مدنية. وفيها موضعان.
(١)، (٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾:
اختلف في سبب هذه الآية. فروي عن عكرمة وابن عباس أنها نزلت بسبب أم شريك التي وهبت نفسها للنبي ﷺ . وروي عن عائشة رض الله تعالى عنها أنها نزلت بسبب العسل الذي شربه النبي ﷺ عند زينب بنت جحش فتمالأت عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له نم دنا منها: أكلت مغافير. والمغافير: صمغ العرفط، وهو حلو ثقيل الرائحة، ففعلن ذلك. فقال رسول الله ﷺ : ((لا ولكني شربت عسلًا)) فقلت له: جرست نخله العرفط. فقال رسول الله ﷺ : ((لا أشربه أبدًا)). وكان يكره أن يوجد منه رائحة ثقيلة. وروي أنه حلف، وروي أيضًا أنه حرم العسل، والآية تدل على ذلك. فدخل بعد ذلك على زينب فقالت: ألا نسقيك من ذلك العسل؟ قال: ((لا حاجة لي به)). قالت عائشة: فقالت سودة حين بلغها امتناعه: ولقد حرمناه. قلت لها: أسكتي. وروي عن زيد بن أسلم وغيره
стр. 1532
في سببها أن رسول الله ﷺ لما أهدى إليه المقوقس مارية القبطية اتخذها سرية. فلما كان في بعض الأيام -وهو يوم حفصة بنت عمر، وقيل يوم عائشة- جاء رسول الله ﷺ إلى بيت حفصة فوجدها قد مرت لزيارة أبيها فبعث رسول الله ﷺ في جاريته، فقال معها، فجاءت حفصة فوجدتها، فأقامت خارج البيت حتى أخرج رسول الله ﷺ مارية وذهبت. فدخلت حفصة غيرى متغيرة فقالت: يا رسول الله أما كان في نسائك أهون عليك مني؟ أفي بيتي وعلى فراشي؟ فقال لها رسول الله ﷺ متراضيًا: ((أيرضيك أن أحرمها؟ )) قالت: نعم. فقال: ((إني قد حرمتها)). قال بعضهم ولم يقل مع ذلك والله لما أطأها. وذلك مذكور عن أبي بكر وعمر وابن عباس. وقال ابن عباس: بل قال مع ذلك: ((والله لا أطأها أبدًا)). ثم قال لها لا تخبري بهذا أحدًا. فمن قال إن ذلك كان في يوم عائشة قال: استكتمها خوفًا من غضب عائشة وحسن عشرته لها. ومن قال بل كان في يوم حفصة قال: استكتمها لنفس الأمر. ثم إن حفصة رضي الله تعالى عنها قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة وأخبرتها لتسرها بالأمر ولم تر في إفشائه إليها حرجًا. فأوحى الله تعالى إلى نبيه ونزلت الآية. وهذا القول أصح الأقوال في سبب الآية. وقيل إن هذا كان سبب تظاهر حفصة وعائشة على رسول الله ﷺ وإلى أن لا يدخل على نسائه شهرًا حين طلبن منه النفقة. وقد اختلف العلماء فيمن حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا أو أمته أو أم ولده أو شيئًا أحله الله تعالى له ما عدا الزوجة. فقالت طائفة لا يحرم عليه ذلك وعليه كفارة يمين، قاله أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي. وقال مالك والشافعي: لا يحرم عليه وليس عليه كفارة وأن التحريم في ذلك ليس بشيء. والحجة
стр. 1533
لهذا القول حديث عائشة أن الآية نزلت في شرب العسل ولم يذكر في ذلك كفارة. وحجة من أجب الكفارة حديث زيد ابن أسلم في تحريم الجارية. قال بعض رواته: كفَّر النبي ﷺ من أجل التحريم وأصاب جاريته. قال جماعة فمن ذهب إلى هذا لم يقل رسول الله ﷺ : ((والله لا أطأها)). قال إسماعيل بن إسحاق: الحكم في ذلك واحد لأن الأمة لا يكون فيها طلاق فتطلق بالتحريم فكان تحريمها كتحريم ما يؤكل ويشرب. ولعل القصتين قد كانتا جميعًا في وقتين مختلفين غير أن أمر الجارية في هذه أشبه لقوله تعالى: ﴿تبتغي مرضات أزواجك﴾ ولقوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾ فكان ذلك في الأمة أشبه لأن الرجل يغشى أمته في ستر ولا يشرب العسل في ستر ولأن تحريم الأمة فيه مرضاة لهن. وقد اختلف في تكفير النبي ﷺ . فقال بعضهم: حرم فأمر بالكفارة. وقال بعضهم: حرم وحلف فلذلك أمر بالكفارة، وقد يمكن أن يكون حرمها وحلف وقد زعم بعض من رأى تحريم الأمة كفارة يمين أو الزوجة مثل الأمة في ذلك وأن من حرم زوجته فعليه كفارة وزعم أيضًا بعض من لا يرى في الأمة كفارة أنه لا كفارة أيضًا في تحريم الزوجة ولا يلزم فيه شيء كما لا يلزم في الأمة ولا غيرها. قالوا إنما عاتب الله نبيه ﷺ وذلك على تحلة اليمين المبينة في المائدة لقوله: ((قد حرمتها والله لا أطأها أبدًا)). وقال مسروق: ما أبالي أحرمتها يعني الزوجة أو قصعة من ثريد. كذلك قال الشعبي: ليس التحريم بشيء قال تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ [النحل: ١١٦] وقال: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧] محرم زوجته مسمى حرامًا ما جعله الله تعالى حلالًا. ومحرم ما أحل الله تعالى له. وقد مر الكلام على هذه المسألة وتحصيل الخلاف فيها مستوعبًا فلا معنى لإعادته.
стр. 1534
وظاهر الآية يقتضي أن صيام الدهر مكروه لأن فاعل ذلك محرم على نفسه ما أحل الله تعالى له من أكل النهار وغيره من المباحات المفسدة للصوم. وقد اختلف فيمن حلف بصيام الدهر، فقال مالك يصوم ما عاش. وقال ابن القاسم يصوم سنة. وقال أشهب يصوم ستة أشهر. وقال ابن حنبل يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. وقال الأوزاعي: لا شيء عليه لأن الله جل ثناؤه هو الدهر. وقال الشافعي وغيره من أهل العلم عليه كفارة يمين واكنوا يأخذون بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: كل يمين وإن عظمت فكفارتها كفارة يمين ما لم يكن فيه عتق أو طلاق. وكان مالك رحمه الله تعالى رأى أن الصوم وإن كان مكروهًا لظاهر الآية فإنه من ألزم نفسه شيئًا لزمه لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١].
(٢) -قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾:
اختلف في تأويله. فقال قوم هذه إشارة إلى تكفير اليمين المقترنة بالتحريم: والله لا أطأها أبدًا. وقال آخرون هي إشارة إلى حلفه ﵊ أن لا يدخل على نسائه شهرًا فأمره الله تعالى بكفارة الإيلاء وأحال بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿تحلة أيمانكم﴾ على الآية التي في كفارة اليمين لله تعالى.
(٣) -قوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾:
اختلف في معناه: فقال الجمهور: هو إشارة إلى أمر مارية. وقال آخرون بل إلى قوله إنما شربت عسلًا. وقال ميمون بن مهران الحديث الذي أسره إلى حفصة أنه قال: (أبشري فإن أبا بكر وعمر يملكان أمر أمتي من بعد خلافتي)).
стр. 1535
وقوله تعالى: ﴿عرف بعضه﴾:
من قرأ بالتخفيف فمعناه جاري بالعتب واللوم كما تقول لمن يؤذيك: قد عرفت لك هذا ولا أعرفن لك هذا. أي لا أجازينك عليه، ونحوه في المعنى قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم﴾ [النساء: ٦٣] فعلم الله كفيل مجازاتهم. ومن قرأه بالتشديد فمعناه أعلم به وابن عليه.
قوله تعالى: ﴿وأعرض عن بعض﴾:
أعرض تكرمًا وحياء وحسن عشرة. وقال الحسن ما استقصى كريم قط. وروي أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم إن الله تعالى أمره بمراجعتها. وروي أنه عاتبها ولم يطلقها.
(٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾:
في هذه الآية التأكيد في أمر الجهاد. والمعنى: دم على جهاد الكفار بالسيف والمنافقين بزجرهم وإقامة الحدود عليهم في كل ما اجترموه. وقال قوم: ما مات رسول الله ﷺ حتى أذن له في قتال المنافقين وقتلهم وذلك حين كثر المسلمون. وقد تقدم كثير من نحو هذه الآية وتكلمنا عليه.
стр. 1536
سورة الملك
وهي مكية وكان رسول الله ﷺ يقرأها كل ليلة عند أخذ مضجعه. وليس فيها أحكام ولا نسخ.
سورة القلم
وهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ سوى موضع واحد.
(١٧) - قوله تعالى: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾:
استدل به أبو محمد عبد الوهاب على أن من نقص من النصاب قبل الحول قصد الفرار من الزكاة أو خالط غيره أو فارقه بعد الخلطة فإن ذلك لا يسقط الزكاة عنه، خلافًا للشافعي. قال ووجه الاستدلال بالآية أنهم قصدوا بقطع الثمار إسقاط حق المساكين فعاقبهم الله بإتلاف ثمارهم.
стр. 1537
سورة الحاقة
وهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ
سورة المعارج
وهي مكية وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(٥) - قوله تعالى: ﴿فاصبر صبرًا جميلًا﴾:
اختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم. فذهب بعضهم إلى أنه منسوخ بآية السيف. وذهب قوم إلى أنه محكم وأنه ﷺ لم يزل صابرًا عليهم رفيقًا بهم. وقال بعضهم: وإنما أمره بالصبر الجميل وهو الذي لا يلحقه معه فشل ولا تشك ولا قلة رضى ولا غير ذلك. فالأمر بالصبر الجميل محكم في كل حالة.
стр. 1538
(٢٤) - (٣٥) -قوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أولئك في جنات مكرمون﴾:
وقد تقدم الكلام في معنى قوله: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم﴾ الخلاف في المحروم ما هو وفيه أقوال كثيرة حتى قال الشعبي: أعياني أن أعلم المحروم. وحكي عنه أيضًا أنه قال وهو ابن سبعين سنة: سألت عنه وأنا غلام فما وجدت شفاء. ولا معنى لإعادة الكلام في ذلك إذ قد تقدم.
(٢٩) - (٣٠) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾:
يستدل الفقهاء بهذه الآية على أن الوطء لا يجوز إلا بوجهين: نكاح أو ملك يمين، خلافًا لمن أجاز المتعة ولمن أجاز الوطء بالأجرة. وقد سئل مالك رحمه الله تعالى: أليس واسعًا أن تدخل جارية الزوجة أو الوالد على الرجل في المرحاض؟ فقال مالك رحمه الله تعالى: لا ما في ذلك سعة قال تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾. وقد اختلف الأصوليون هل يجوز الاستدلال بمثل هذه الآية التي لم يقصد فيها الإعلام بالحكم وإنما قصد فيها ثناء أو ذم. لكن إذا اعتبرت ففيها الحكم منطو. وكذلك اختلف في مثل قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] ونحوه مما قصد فيها لغرض ما. وألفاظ الآية تعطي حكمًا إلا أنه لم يقصد إلى ذكره لأن هذه الآية إنما قصد فيها الإعلام بالعدة ولم يقصد به إباحة النكاح. فطائفة تجيز الاستدلال بهذا النحو وطائفة لا تجيزه. والجواز أظهر.
(٣٢) - قوله تعالى: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾:
الأمانات جاء بها في لفظ الجمع لأنها تتعدد من حيث تكون في الأبدان وفي الأموال وفيما بين العبد وبارئه. وقال الحسن: الدين كله أمانة.
стр. 1539
(٣٣) -قوله تعالى: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون﴾:
اختلف في معناه. فقيل هي شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل الشهادة عند الحكام. واختلف الذاهبون إلى ذلك في معناه. فقيل يحفظون ما يشهدون فيه وينعتونه، وعلى هذا يأتي قوله ﵊: ((على مثل الشمس فاشهدوا)). وقيل معناه: الذين إذا كانت عنده شهادة ورأوا حقًا يداس أو حرمة لله تعالى تنتهك قاموا بشهادتهم. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)) وتأوله الناس على القولين المتقدمين في الآية. وجاء عن النبي ﷺ ما يعارض ذلك قوله: ((سيأتي على الناس زمان يخافون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن)) فتأوله الناس على وجهين: أحدهما: أنهم قوم يتعرضون للشهادة ويحرصون على وضع أسمائهم في الوثائق وينصبون لذلك الحبائل من زي وهيأة وهم غير أهل للشهادة. فهذا في ابتداء الشهادة. وقال آخرون: وهم شهود الزور لأنهم لا يؤدونها والمشهود عليه لم يشهدهم. ففي الآية على ما قدمته من أحد التأويلين دليل على أن الذي ينبغي الإخبار بالشهادة قبل أن تسأل، فظاهر ذلك العموم في كل شهادة. وقد قرئ: بشهادتهم، وهو يعضد ذلك. إلا أنه قد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه ما كان من حقوق الله تعالى لا يستدام فيه التحريم كالزنا وشرب الخمر، فهذا الذي ينبغي للشاهد أن لا يخبر بها قبل أن يسأل. واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ لهزال: ((يا هزال هلا سترته بردائه)) فيتخصص بدليل هذا الحديث عموم الآية وتبقى الآية عامة في غير ذلك من حقوق الله تعالى التي
стр. 1540
يستدام فيها التحريم كالعتق والطلاق والأحباس والمساجد والغنائم وما أشبهها وحقوق الآدميين. فيلزم الشاهد بها أن يخبر بشهادته ويقوم بها غيره. إلا أن في حقوق الآدميين إنما ينبغي أن يخبر بذلك صاحب الحق. وقد اختلف إذا قام الشاهد بشهادته عند الحاكم في مثل الطلاق والعتق وغيره قبل أن يسأل هل تبطل شهادته أم لا؟ فذهب ابن القاسم إلى أنها تصح وهو أظهر على ألفاظ الآية والحديث المتقدم. واختلف إن سكت ولم يخبر بها هل تبطل شهادته أم لا؟ فذهب ابن القاسم إلى أنها تبطل، وظاهره في المبسوطة أنها لا تبطل. والآية -إن قيل فيها أنه تعالى إنما ذكر فيها أرفع الدرجات في الشهادة وأثنى بها على المذكورين في الآية- ففيها دليل أنها لا تبطل بالسكوت عليها. وإن قيل إنه تعالى إنما ذكرهم بأنهم يمنعون ما يجب عليهم ويأتون من ذلك ما هو الحق فظاهر الآية أنها تبطل.
(٣٤) - قوله تعالى: ﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾:
معناه يحافظون على إقامتها في أوقاتها بشروط صحتها وكمالها. وقال ابن جريج يدخل في هذه الآية المتطوع.
(٤٢) - قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون﴾:
وهذه الآية وعيد وفيها مهادنة وهي منسوخة بآية القتال.
стр. 1541
سورة نوح ﵇ -
وهي مكية وجاء عن سيدنا محمد ﷺ أنه قال: ((من قراها كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح)) وليس فيها أحكام ولا نسخ سوى:
(٢٦)، (٢٧) - قوله تعالى: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا﴾:
احتج به الخوارج في أن أطفال المشركين كفار في النار خلافًا لمن ذهب من أهل السنة إلى أنهم في الجنة ولمن توقف منهم وقال إنهم في المشيئة. ولا حجة في الآية لأن نوحًا ﵇ إنما أراد قومه خاصة لأن الله قال له: ﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ [هود: ٣٦] فأيقن نوح بهذا أنه لن يؤمن منهم أحد.
стр. 1542
سورة الجن
وهي مكية وفيها موضع واحد.
(١٨) - قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا﴾:
قال ابن قتيبة في المشكل: يريد بالمساجد مصدرًا مجموعًا. وقيل يريد بالمساجد المساجد المخصوصة للصلاة. وأضافها تعالى إلى نفسه تشريفًا لها، فلذلك لم ينبغ إلا أن تفرد بما هو خالص لله تعالى من صلاة ودعاء وقراءة علم فلا يتحدث فيها في أمور الدنيا ولا يتجر فيها ولا يتخذ طريقًا ولا يجعل فيها حظ لله تعالى. وقد اختلف في القضاء فيها، فأجازه مالك اتباعًا للسنة الواردة في ذلك من قضاء رسول الله ﷺ فيه ولم يجزه الشافعي لهذه الآية ونحوها. وكذلك اختلف في إقامة الحدود والأدب فيها. والأظهر منع ذلك إلا ما خف لأن ذلك إنما هو لله تعالى.
стр. 1543
سورة المزمل
واختلف فيها. فقيل مكية كلها، وقيل إلا قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم ... ﴾ [المزمل: ٢٠] السورة. فإن ذلك نزل بالمدينة. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(٢) - (٤) - قوله تعالى: ﴿قم الليل إلا قليلًا * نضفه أو انقص منه قليلًا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلًا﴾:
اختلف في هذا الأمر بقيام الليل هل هو محكم أو منسوخ. فذهب جماعة إلى أنه محكم واختلفوا في تأويله فذهب قوم إلى أن الأمر به أمر ندب قد كان لم يفرط قط. ويعضد قوله ما جاء في الصحاح من أن رسول الله ﷺ قام ليلة في رمضان خلف حصير احتجزه فصلى وصلى بصلاته ناس. ثم كثروا من الليلة القابلة ثم خص المسجد في الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فحصبوا بابه فخرج مغضبًا وقال: ((إنما تركت الخروج لأني خفت أن تفرض عليكم)). وفي لفظ الحديث أنه لم يكلمهم إلا بعد أن أصبح. وذهب قوم إلى أن الأمر أمر إيجاب وأن قيام الليل كان فرضًا في وقت نزول الآية إلا أنه كان فرضًا على النبي ﷺ وبقي كذلك حتى توفي رسول الله ﷺ . وذهب قوم
стр. 1544
إلى أن الأمر أمر إيجاب وأن قيام الليل كان فرضًا إذ نزلت الآية على النبي ﷺ وعلى أصحابه ولم يزل فرضًا على جميع الناس ولكن ليس الليل كله. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو على قدر حلب شاة. إلا أن الحسن قال: من قرأ مائة آية لم يحاجه القرآن. وذهب جماعة إلى أنه منسوخ واختلفوا في تأويلها أيضًا. فقال بعضهم كانت صلاة الليل بالآية فرضًا على النبي ﷺ وحده ثم نسخ عنه ولم يمت إلا والقيام له تطوع. وقال بعضهم كان فرضًا على جميع الناس ثم نسخ. واختلف هؤلاء في مقدار بقائه فرضًا. قال ابن جبير عشر سنين. وقال ابن عباس وعائشة دام عامًا. وقالت عائشة أيضًا في رواية عنها دام ثمانية أشهر. وقال قتادة بقي عامًا أو عامين. وجاء في بعض الأحاديث أنهم كانوا قد قاموا حتى تفطرت أقدامهم وانتفخت ثم نزل الناسخ لذلك وهو قوله تعالى في آخر السورة: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾. وقال بعضهم هو منسوخ بالصلوات الخمس. واختلف الذاهبون إلى هذا أيضًا. فمنهم من قال نسخ الفرض فبقي مباحًا فيكون قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ أمر إباحة. ومنهم من قال: نسخ الفرض بفرض أخف منه فيكون قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ أمر إيجاب، وهو قول ابن جبير وجماعة معه، قالوا وهو فرض لا بد منه ولو قدر خمسين آية. واستحسن هذا جماعة من العلماء. قال بعضهم: الركعتان بعد العتمة مع الوتر مدخلتان في حكم امتثال هذا الأمر ومن زاد زاده الله تعالى ثوابًا. وقال بعضهم: وهذا أول ما افترض على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين ثم نسخ ذلك فخفف.
(٤) - قوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلًا﴾:
استدل بعضهم بهذه الآية على أن القرآن بترتيل وتفهم أحسن من الهذ ورووا أن قراءة رسول الله ﷺ كانت مبينة لو شاء أحد أن يعد
стр. 1545
الحروف لعدها وردوا بذلك على من استحسن الهذ. وقد مضى الكلام على ذلك فلا معنى لإعادته.
(١٠) - قوله تعالى: ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا﴾:
اختلف في الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة بآية القتال لأن فيها مهادنة والمراد بالآية قريشًا. وقال بعضهم قوله: ﴿واهجرهم هجرًا جميلًا﴾ هو المنسوخ وأما الصبر فليس بمنسوخ لأنه قد يتوجه على ما يبقى حكمه. وقيل الآية كلها محكمة فليس لأنه قد يتوج هـ على ما يبقى حكمه. وقيل الآية كلها محكمة وفيما يتوجه من الهجر الجميل بين المسلمين. قال أبو الدرداء: إنا لننبش في وجوه أقوام وأن قلوبنا لتقليهم. والقول الأول في الآية أصح لأن الآية إنما هي في كفار قريش وردهم رسالة رسول الله ﷺ .
(٢٠) - قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ... ﴾ إلى قوله: ﴿واستغفروا الله﴾:
قد تقدم الكلام على ما في هذه الآية من النسخ. وقد ذهب أبو حنيفة ومن تابعه إلى أنه قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ في صلاة الفريضة واستدلوا بذلك على أن القراءة في الصلاة غير وافية. وقد تقدم الكلام على ذلك بما أغنى عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض﴾:
ذكر الله تعالى الأعذار التي هي حائلة بين بني آدم وبين قيام الليل وهي المرض والضرب في الأرض وهو السفر في تجارة أو غزو. وفي هذه الآية فضيلة الضرب في الأرض للتجارة لسوقها في الآية مع الجهاد. وقال عبد الله بن عمر: أحب موت إلي بعد القتل في سبيل الله أن أموت وأنا
следующие страницы →