Полный текст (1 576 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
لظاهر الآية، وذهب بعضهم إلى أنه لا شيء عليه. واختلفوا في المحرم إذا حلق رأس حلال ماذا عليه؟ فاستحب له مالك أن يفتدي خيفة قتل الدواب. قال: ولا ينبغي له أن يفعل ذلك وإن تيقن أنه لم يقتل دوابًا فلا فدية عليه، ومنع أبو حنيفة من فعل ذلك وأوجب فيه الفدية. ودليل مالك في عدم الإيجاب قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ الآية. وهذا خطاب مع المحرمين، والمعروف عن مالك مثل قول أبي حنيفة من إيجاب الفدية. ووجهه أنه لما كان الأصل في وجوب الفدية حلق الرأس في القرآن والسنة، حمل على عمومه في رأس المحرم ورأس غيره. وابن القاسم يرى في هذا أن يتصدق بشيء من الطعام، وهذه الآية إنما جاءت فيمن حلق رأسه أو صنع شيئًا مما ذكرنا لعذر، ورأى أن عليه ما على ذلك لما جاء في الآية من التخيير، وأما أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، فقالوا ليس بمخير إلا عند العذر لشرط الله تعالى. فأما إذا فعل ذلك لغير عذر فعليه دم، وحجة مالك أنه لو كان حكم غير ذي العذر مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ ولما لم تسقط الفدية من أجل العذر علم أنه من لم يكن له عذر أولى بأن لا تسقط عنه الفدية.
واختلفوا في الحالق ناسيًا فرأى مالك عليها الفدية وخيره، وقال الشافعي: لا شيء عليه والصيام الذي أوجبه الله تعالى في الآية عند مالك، وأكثر العلماء ثلاثة أيام أخذًا بظاهر الحديث الذي ذكره ابن عجرة المبين لمجمل القرآن، وخالف في ذلك الحسن البصري، وعكرمة، ونافع، فقالوا:
стр. 212
الصيام عشرة أيام، ولم يتابعهم أحد من الفقهاء على ذلك، والسنة الثابتة بخلافه. الصدقة أيضًا عند مالك، وأكثر الفقهاء ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. وذلك مدان بمد النبي ﷺ أخذًا بظاهر الحديث. وجاء في ((كتاب مسلم)): ((واطعم ثلاثة أصواع من تمر ستة مساكين)) وخالف في ذلك من خالف في الصيام فرأوه إطعام عشرة مساكين. وقال الثوري يطعم من البر نصف صاع لكل مسكين. ومن التمر أو الزبيب والشعير صاعًا صاعًا. وقال نحوه أبو حنيفة وأصحابه، وفي حديث ((مسلم)) ما يرد على هذا. وروي عن ابن حنبل نحو قول مالك. وروي عنه إن أطعم برًا فهو لكل مسكين وإن أطعم تمرًا فنصف صاع لكل مسكين, والنسك أقله شاة بإجماع. ومن ذبح أفضل منها فهو أفضل. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد النسك شاة فإن لم يجدها فقيمتها يشتري من الطعام، وصام عن كل مدين يومًا. وهذه الفدية يدفعها المفتدي حيث شاء من البلاد، لأن ظاهر الآية لا يقتضي تخصيص موضع، فتحمل على عمومها في المواضع كلها حتى يأتي ما يخصصها على خلاف بعض الأصوليين في هذا الأصل، وإلى هذا ذهب علي بن أبي طالب ﵁. وقال إبراهيم، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه. وقال عطاء فيما روي عنه، أصحاب الرأي النسك بمكة والصيام والإطعام حيث شاء. وإلى هذا ذهب ابن الجهم من أصحاب مالك. وقال الحسن بن أبي الحسن، وطاوس، وعطاء أيضًا، ومجاهد، والشافعي: النسك والإطعام بمكة والصيام بمكة والصيام حيث شاء. وفي ظاهر الآية ما يرد هذا.
стр. 213
(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ [البقرة: ١٩٦] .
قال علقمة وعروة: المعنى فإذا أمنتم برأتم من مرضكم. وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إذا أمنتم من خوفكم من العدو المحصر. وهذا أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه.
(١٩٦) - ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] .
فيه دليل على جواز التمتع وقد اختلف فيه بالمنع والكراهة والإباحة والاستحباب والإيجاب وروي المنع عن ابن عمر، وابن الزبير. وجاء عن ابن عمر وأبي ذر أن متعة النساء، ومتعة الحج خاصتان لأصحاب النبي ﷺ . والآية حجة لمن أجازه. وروي عن ابن الزبير، وعلقمة، وإبراهيم أن الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم. والصحيح أن الآية عامة للمحصرين وغيرهم وهو قول ابن عباس وجماعة من العلماء.
وصورة التمتع عن ابن الزبير أن يحصر الرجل حتى بفوته الحج، ثم يصل إلى البيت، فيحل بعمرة ويقضي الحج من قابل قال: فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى الحج، وصورة المتمتع المحصر عند غيره أن يحصر فيحل دون عمرة يؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج، ويحج من قابل، فعلى هذا يترتب الخلاف هل يكون على المحصر دم
стр. 214
إذا اعتمر في غير أشهر الحج على جهة التحليل من الحج الفائت؟ وقد ذكر عن ابن عباس، وابن مسعود وغيرهما أنه لا دم عليه. وقد اختلف في المحصر إذا فاته الحج ثم وصل إلى البيت ولم يحل هل يجوز له أن يبقى محرمًا حتى يحج من قابل، أو عليه أن يتحلل بعمرة؟ فأجاز ذلك مالك ولم يجزه غيره. وقول مالك أظهر على مساق الآية، لأنه إنما أجاز الله له التحلل نظرًا له ورفقًا به، فإذا اختار الصبر فله ذلك. وقد ذهب بعضهم إلى أن التمتع هو فسخ الحج والعمرة، وهذا غير جائز عند أكثر العلماء وإنما قاله ابن عباس على ما رواه عطاء عنه، فإنه قال: لا يطوف أحد بالبيت قبل يوم النحر إلا حل من حجه. فقيل له: من أين قلت هذا؟ قال: من سنة رسول الله ﷺ ، وأمره الناس في حجة الوداع أن يحلوا، ومن قوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣] والذي يجاب به عن هذا أن يقال: إنه قد جاء في الخبر الصحيح: أن بلال ابن الحارث قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! فسخ لنا الحج خاصة أم لمن بعدنا؟ فقال: ((لا بل لنا خاصة)) وقال قوم إن فسخ الحج إنما كان على وجه آخر. وقال مجاهد: إن أصحاب رسول الله ﷺ معًا كانوا فرضوا الحج أولًا، بل أمرهم أن يحلوا مطلقًا وينتظروا ما يؤمرون به وبذلك أهل علي ﵁ باليمين، وكذلك كان إحرام النبي ﷺ ، ثم أنكرت عائشة ﵂ أن يكون رسول الله ﷺ أمر بفسخ الحج على حال، وقالت: ((خرجنا مع
стр. 215
رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج، ومنا من قرن)) الحديث، والذين رأوا أن الآية عامة للمحصرين والمخلى سبيلهم.
وأجازوا التمتع بظاهرها، وراوا أن للمتمتع ستة شروط لا يكون المتمتع متمتعًا إلا بشروطها مجموعة، فمتى انخرم منها شرط لم يكن عليه دم، ولم يكن متمتعًا.
أحدها: أن يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد.
والثاني: أن يكون ذلك في عام واحد.
والثالث: أن يعتمر في أشهر الحج. لأنه ليس من شرطه أن يحرم بها في أشهر الحج، ولو أحرم بها في رمضان أو شعبان فاستدام ذلك وأتى ببعض أفعالها في أشهر الحج. قال ابن حبيب: ولو بشرط واحد من السعي في أشهر الحج كان متمتعًا وبه قال أبو حنيفة، والنخعي، وعطاء، والحسن، وجماعة من الناس. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يكون متمتعًا حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وقال طاوس: أي شهر اعتمر من السنة فهو متمتع. وقال الحسن البصري: إن من اعتمر بعد النحر فهي متعة. وهذان القولان شاذان.
والرابع: أن يقدم العمرة على الحج لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ و ﴿إلى﴾ للغاية فيجب أن يكون ما بعدها متأخرًا عما قبلها إذا كان غاية له.
والخامس: أن يفرغ من العمرة، ثم يحرم بالحج.
стр. 216
والسادس: لا يكون مكيًا، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦] فخص به غير أهل المسجد الحرام. وقال طاوس: إن تمتع مكي من مصر من الأمصار فهو متمتع وعليه دم، والآية حجة عليه، واختلف لم سمي المتمتع متمتعًا. فقال ابن القاسم: لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله من العمرة إلى وقت إنشائه الحج وقال غيره: سمي متمتعًا لأنه تمتع بإسقاط احد السفرين وذلك لأن حق العمرة أن تقصر بسفر وحق الحج كذلك، فتمتع بإسقاط أحدهما، ولذلك ألزمه الله هديًا كالقارن الذي يجمع الحج والعمرة في سفر واحد.
واختلفوا إذا رجع من عمرته، ثم رجع فحج من عامه. فذهب مالك إلى أنه إن رجع إلى أفقه أو إلى ما كان في المسافة مثل أفقه فليس بمتمتع فإن رجع إلى أقل من مسافة أفقه فهو متمتع. وقال المغيرة: إذا سافر سفرًا يقصر في مثله الصلاة، فلا دم عليه، وهو غير متمتع. وقال الشافعي: إذا رجع إلى الميقات، فأحرم بالحج لم يكن متمتعًا. وقال الحسن هو متمتع، وإن رجع إلى أهله، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ وقاله ابن المسيب في أحد قوليه.
واختلفوا في المكي إذا أراد أن يتمتع هل يجوز له ذلك أم لا؟ فذهب مالك إلى أن ذلك جائز له، وإن لم يكن ذلك حقيقة التمتع لعموم ظاهر الآية. ولأن كل من جاز له الإفراد كان له التمتع والقرآن. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس له ذلك. واختلفوا أيضًا إذا فعل ذلك هل عليه دم أم لا؟ فذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أنه لا دم عليه. وقال أهل العراق:
стр. 217
ليس لمكي تمتع ول قران فإن تمتع وجب عليه الدم، وغنما أجاز مالك له ذلك، ولم ير عليه دمًا، لأن قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦] يجوز ان تعود إشارته على الهدي لا على التمتع. ومن لم يجز التمتع رأى أن الإشارة بذلك إنما هي إلا التمتع، والتمتع القران نقص من الإحرام فالدم واجب على من فعله، وتجزيه شاة، وقيل: بدنة. وذهب داود إلى أنه لا دم عليه، والآية نص في وجوب الدم على المتمتع بقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] قال أبو حنيفة: ولو كان ذلك راجعًا إلى الدم لقال ذلك على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. والشافعي يقول: ((لمن)) بمعنى على من، وإلا فالنسك لا يختلف. ومن جعل قوله ذلك راجعًا إلى التمتع منع أهل مكة من التمتع والقران، وفي منعهم من ذلك دليل على أن القران رخصة لكنه رآه لأصحاب المسافة البعيدة، وذلك يقتضي كون الإفراد أفضل، لأن الرخصة لا تكون أفضل، وإنما يؤتى لمكان الحاجة. وهذا الدم لا بد فيه من الحل والحرم خلافًا للشافعي في قوله: إن اشتراه في الحرم ونحره فيه أجزاه.
ودليل القول الأول أنه هدي لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ والهدي مأخوذ من الهدية فيجب أن يهدى من غير الحرم إلى الحرم، واختلفوا في هذا الهدي وفي هدي القران هل يجوز نحره قبل يوم النحر أم لا؟ فلم يجزه مالك وبه قال أبو حنيفة، وجوزه الشافعي أي وقت شاء إذا كان قد أحرم بالحج. وقال أحمد وعطاء في المتمتع يسوق الهدي، وإن قدم قبل العشر طاف وسعى ونحر هديه وإن قدم في العشر لم ينحره إلا يوم النحر. ودليل مالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي
стр. 218
محله﴾ فلو بلغ الهدي قبل يوم النحر، كان الحلاق قبل يوم النحر لاسيما على قول من يقول بدليل الخطاب، ولا خلاف بينهم في القول به، إذا علق بالغاية. وهذا قول القاضي أبي بكر.
(١٩٦) - قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] .
اختلف الناس في وقت صيام هذه الثلاثة أيام، فذهب مالك إلى أنها تصام بعد الإحرام بالحج. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز أن تصام عقب إحرامه بالعمرة، وقبل إحرامه بالحج. وقال عطاء ومجاهد: لا يصومها إلا في عشر ذي الحجة. وقال أحمد: جائز إن شاء صامهن من قبل أن يحرم. وروي عن عطاء إن شاء صامهن حلالًا. وقال ابن عمر والحسن والحكم، يصوم يومًا قبل يوم التروية. ويوم التروية ويوم عرفة.
والحجة لمالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لك يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾. فهذا نص وجوب صيامها في الحج، ومن لم يحرم بالحج فليس بمتمتع، ولأنه صوم علق وجوبه بشرط فلم يجز تقديمه قبل وجود الشرط وإن فاته الصوم إلى يوم النحر صام أيام منى وإن فاته صوم أيام منى صام بعدها وببلده ومنع منه أبو حنيفة. وقال: لا يصوم بعد يوم عرفة ويستقر الهدي في ذمته. وقال بعضهم: لا يصوم أيام منى بوجه لنهي النبي ﷺ عن ذلك، ويصوم قبلها أو بعدها. وبالقول الأول قال الشافعي، وعائشة، وابن عمر، وعلي، وابن
стр. 219
عباس، والدليل على أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ وهذا قد صام ثلاثة ايام في الحج فوجب أن يجزيه. وقد قال قوم: له ابتداء تأخيرها إلى أيام التشريق لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بأن ينحر يوم النحر، ولهذا القول بالآية تعلق لمن نظره.
(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] .
قال مجاهد، وعطاء، وإبراهيم: المعنى إذا رجعتم إلى أوطانكم، فمن بقي بمكة صامها، ومن نهض إلى بلده صامها في الطريق. وقال قتادة والربيع: هذه رخصة من الله تعالى. والمعنى إذا رجعتم إلى أوطانكم، فلا يجب على أحد صوم السبعة حتى يصل إلى وطنه، إلا أن يتشدد أحد، كما يفعل من يصوم رمضان في السفر. وعلى حسب اختلاف هؤلاء المفسرين في تأويل هذه الآية، اختلف الفقهاء في جواز صيام سبعة أيام قبل الرجوع إلى الأهل. فأجاز ذلك مالك وأبو حنيفة إذا رجع من منى، وإن لم يصل إلى أهله، وقال بعضهم: جائز صيامها وإن لم يرجع الإنسان من منى، ولم ير قوله تعالى: ﴿إذا رجعتم﴾ شرطًا وجعله توسعة وتخفيفًا، مثل قوله في الصيام: ﴿فمن كان منكم مريضًا﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فأجاز له أن يصوم في رمضان، وإلى هذا ذهب ابن حبيب. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يصومها حتى يرجع إلى بلده. والدليل لقول مالك قوله تعالى: ﴿وسسعة إذا رجعتم﴾. ووجه الاستدلال أنه تعالى ذكر الحج فقال: ﴿ثلاثة أيام﴾ ثم
стр. 220
قال: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ ولا بد أن يكون الرجوع من منى، ولم يتقدم إلا ذكر الحج فوجب أن يكون رجوعه منه كما يقال: انصرف فلان من صلاته ورجع من عمله. يريد فرغ من عمله، وانقضى تلبسه به. وووجه ثان وهو يحتمل أن يريد به الرجوع من الحج وهو الأظهر لما قدمناه، ويحتمل أن يريد به الرجوع إلى أهله، على ما في ذلك من تعسف التأويل لأنه لم يجر لأهله، ولا لبلدة ذكر، وإذا احتمل الأمرين وجب أن يتعلق بأولهما وجودًا، كما قلنا في الشفق إنه لما وقع هذا اللفظ على الحمرة والبياض وجب إن يتعلق بأولهما، أو هو [مغيب] الحمرة. وقرأ بعضهم: ((وسبعةً إذا رجعتم)) بالنصب أي صوموا سبعةً.
وقد اختلف في صيام هذه الأيام هل هي على المتابعة أم لا؟ وظاهر إطلاق الآية أن المتابعة غير مشترطة. واختلف فيمن يجب عليه صيام الثلاثة الأيام في الحج إذا لم يجد الهدي على أربعة أقوال:
أحدها: أن الذي يجب ذلك عليه المتمتع والقارن، وهو قول مالك، وهو أظهر تعلقًا بالآية لأن الهدي إنما هو على المتمتع والقارن في معناه في ذلك، وقال: ولا يجب الصيام على غيرهما ممن أفسد حجه أو فاته الحج، وشبههما إلا استحسانًا.
والثاني: أن ذلك يجب على هؤلاء الأربعة المتمتع والقارن والمفسد لحجه، واتلذي فاته الحج، وهو قول ابن القاسم.
والثالث: أن ذلك يجب على هؤلاء الأربعة، وعلى كل من وجب
стр. 221
عليه هدي بشيء تركه من أمر الحج من يوم إحرامه إلى حين وقوفه بعرفة.
والرابع: أن ذلك يجب على هؤلاء الأربعة وعلى من ترك من أمر الحج ما يوجب عليه الهدي، كان ذلك قبل وقوفه بعرفة او بعده. فمن ترك النزول بالمزدلفة وترك رمي جمرة العقبة وترك جمرة من جمرات أيام منى. وهذا القولان تخريج.
وقد اختلف فيمن أخذ في صيام الثلاثة أيام، ثم وجد الهدي هل يترك الصوم ويرجع إلى الهدي أم لا؟ فقال الشافعي: إنه يستمر على الصوم، ولا يرجع إلى الهدي. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يرجع إلى الهدي ومن حجة الشافعي إن هذه الأيام العشرة بدل من شيء واحدج فكما لا يبطل صوم السبعة بوجود الهدي، فكذلك الثلاثة إذا صام أول أو ثانيه لأن الله تعالى قال: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ الآية فجعل الجميع بدلًا. ومن حجة من خالفه أن صوم الثلاثة أيام يتوقف على الحل، ففرض الهدي قائم عليه ما لم يحل. وزعموا أن الهدي مشروط في الإحلال لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ فمن لم جد حتى وجد قبل دخوله في الصوم أو بعده.
(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦] .
هذا تأكيد لأنه قد يتوهم متوهم أنه إنما عليه إن صام في الحج ثلاثة، وإن رجع كان عليه بدل الثلاثة سبعة. وهذا المعنى للزجاج وغيره. وهذا التوهم الذي ذكروه لا يصح أن يقع إلا لمن جعل الواو بمعنى ((أو)) وهو خطأ. وقال الحسن: المعنى كاملة في الهدي كمن أهدى. [وقيل كاملة في الثواب كمن لم يمتع، وهذا على أن الحج الذي لم تكثر فيه الدماء أخلص
стр. 222
وأفضل خلافًا لأبي حنيفة]. وقيل: كاملة توكيد كما يقال كتبت بيدي وخر عليهم السقف من فوقهم. وقيل: لفظها الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها. وسئل الشافعي عن هذا؟ فقال: أريدَ بذلك الخروج عن الاحتمال، والعشرة الأيام التي تلزم المتمتع بدل من الهدي، خلافًا لأبي حنيفة في قوله الثلاثة بدل السبعة ليست ببدل وظاهر الآية يقتضي أنها كلها بدل، لأنه تعالى قيد صومها بعدم الهدي.
(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦] .
الإشارة بذلك إلى المتمتع أو إلى الهدي على ما قدمناه. واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام بعد الإجماع على أهل مكة وما اتصل بها. وقال الطبري: بعد الإجماع على أهل الحرم وليس كذلك، فقال بعض العلماء: من كان بحيث تجب عليه الجمعة فهو حضري، ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي، فجعل البعض من الحضارة والبداوة، وقال بعضهم: من كان بحيث لا يقصر الصلاة إلى مكانه فهو حاضر أي مشاهد، ومن كان بحيث لا يقصر الصلاة إلى مكانه فهو حاضر أي مشاهد، ومن كان أبعد فهو غائب. وحكى ابن حبيب نحو هذا القول عن مالك، واصحابه، وأنكره بعض الشيوخ، وقال: إنما هو قول الشافعي، وقال عطاء بن أبي رباح مكة وضجنان وذو طوى وما أشبههما حاضري المسجد الحرام. وقال ابن عباس، ومجاهد: أهل الحرم كلهم جاضرو
стр. 223
المسجد الحرام. وقد قال بهذا الشافعي. وقال مكحول: وعلى من كان ذون المواقيت من كل جهة حاضري المسجد الحرام. [وقد قال بهذا أبو حنيفة. وقال الزهري: من كان على يوم أو يومين فهو حاضري المسجد الحرام]. والمشهور عن مالك أن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة وذي طوى، وشبههما والدليل على قول مالك وأصحابه أن قوله تعالى: ﴿حاضري المسجد الحرام﴾ يقتضي أنه من كان أهله مقيمًا بالمسجد الحرام أو موجودًا عنده، وهو الذي يفهم من قولهم فلان من حاضري موضع كذا، أو من حضرة موضع كذا، ولا يقال لمن كان دون ذي الحليفة أو بينه وبين مكة مسيرة عشرة أيام أنه من حاضري المسجد الحرام، أو أنه ممن يحضر المسجد الحرام.
(١٩٧) - قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] .
في الكلام حذف تقديره، أشهر الحج أشهر معلومات أو وقت الحج أشهر لأن الحج ليس بالأشهر، أو الحج حج أشهر معلومات. وقدر بعضهم الكلام الحج في أشهر، ثم حذف ((في)) ورفع الظرف على الاتساع كما تقول القتال يوم الجمعة بالرفع. يلزم مع سقوط ((في)) جواز نصب الأشهر ولم يقرأ بذلك أحد.
واختلف في أشهر الحج على ثلاثة أقوال، فروي عن مالك روايتان
إحداهما: أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحج كله، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وعطاء، والربيع، والمجاهد، والزهري.
стр. 224
والثانية: أنها شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وهو قول ابن عباس، والشعبي، والسدي، وإبراهيم، وقال الشافعي: هي شوال، وذو القعدة وتسع من ذي الحجة. وفي رواية عنه: وتسعة أيام من ذي الحجة وعشر ليال. وليس عنده يوم النحر على هذا من أشهر الحج، وإن كانت ليلته منها. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿أشهر﴾ وهذا من جمع القلة، وأقل الجمع ثلاثة على خلاف في هذا الأصل. ولا خلاف أنه لم يرد هنا شهرين، فلم يبق إلا أن يريد ثلاثة. وحجة القولين الأخيرين أنه إنما أراد اثنين وبعض الثالث، فجمع كما قال امرؤ القيس:
. . . . . . . . . ... ثلاثون شهرًا في ثلاثة أحوال
وقال قوم: يجوز أن لا يكون ذلك اختلافًا في الحقيقة، ويكون مراد من قال: أو ذو الحجة أو بعضه لأن الحج لا محالة إنما هو في بعض هذه الأشهر. ولا خلاف أنه لا يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج فأريد بعض الشهر بذكر جميعه كما قال ﵇: ((أيام منى ثلاثة)) وإنما هي يومان، وبعض الثالث، وكما يقال الرجل حججت عام كذا وإنما حج في بعضه. وهذا الخلاف إذا اعتبر إنما هو خلاف في العبارة فمن قال الأشهر شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فلأنه إذا رمى الجمرة يوم النحر، فقد أحل من إحرامه ولم يفسد حجه إن وطئ بعد ذلك. ومن قال: هي ثلاثة، فلأن رمي الجمار في أيام منى بعد العشر وهي من عمل الحج ولأنه لا يجوز له أن يطأ النساء إلا بعد طواف الإفاضة. وإن لم يفسد حجه بالوطئ وله أن يؤخر الطواف إلى آخر الشهر، ولا يكون عليه دم وهو من عمل الحج
стр. 225
وإذا ثبت هذا فلا بد أن يحرم بالحج في شهوره، ولأن النبي ﵇ كذلك فعل ولأن فائدة التوقيت منع تجاوزها، والتقدم عليها، فإذا أحرم قبلها لزم ولم يتقلب إحرامه للعمرة هذا قول مالك، وقاله أبو حنيفة خلافًا للشافعي، وابن حنبل، والأوزاعي، في قولهم إنه يصير محرمًا بالعمرة ولا يلزمه الحج، وحكي عن داود أن إحرامه يبطل جملة. وحجة من قال القول الأول أنه لو انعقد إحرامه بالحج في غير أشهره لم يكن لتخصيصها فائدة. وحجة القول الأول أن ذكر الله تعالى في الحج الأشهر المعلومات، إنما معناه عندهم على التوسعة والرفق بالناس والإعلام بالوقت الذي فيه يبادر بالحج، وبين ذلك ﵇، فمن صبر على نفسه وأحرم قبل أشهر الحج لزمه وهو بمعنى من أحرم بالحج من بلده قبل الميقات، ويعضد هذا القول قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] قال ابن القصار: ولا يمتنع أن يجعل الله الشهور كلها وقتًا للإحرام فيها، ويجعل شهور الحج وقتًا للاختيار، وهذا سائغ في الشريعة.
واستدل أيضًا أهل المذهب على قول مالك وأصحابه بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩] قال: وليس يخل أن يكون أراد القسمة، وإن نصف الشهور للحج، ونصفها لسائر المعاملات وذلك ليس بقول لأحد أن يكون أراد الاشتراط فذلك ما نقوله:
(١٩٧) - وقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهم الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] .
معناه ألزمه نفسه، واختلف العلماء في تأويله. فقال ابن عباس،
стр. 226
وعكرمة وطاوس، وعطاء: الفرض الإهلال وهو التلبية. وقال ابن مسعود وابن الزبير: هو الإحرام، واختلفوا في فرض الحج والعمرة هل يكفي فيهما النية دون النطق أم لا؟ فذهب مالك إلى أنهما ينعقدان دون نطق أو سوق هدي. وذهب أبو حنيفة إلى أنهما لا ينعقدان إلا بنطق اوسوق هدي مع النية، وظاهر قوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ حجة لمالك لأنه إنما معنى ذلك ألزم نفسه بالنية أو غيرها.
(١٩٧) - وقوله تعالى: ﴿فلارفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] .
اختلفوا في الرفث ما هو؟ فقال ابن عباس، وابن جبير، والسدي، وقتادة، ومالك، ومجاهد، وغيرهم: هو الجماع. وقال عبد الله بن عمر، وطاوس وغيرهما: الإعراب والتعريب، وهو الإفحاش بأمر الجماع وعند النساء خاصة. وهو قول ابن عباس أيضًا. وأنشد وهو محرم:
وهن عشين بنا هميسًا ... إن تصدق الطير تنك لميسا
فقيل له: ترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء.
وقال قوم: الرفث الإفحاش بذكر النساء، كان ذلك بحضورهن أم لا. وقد قال ابن عمرللحادي: لا تذكر النساء، وهذا يحتمل أن تحضر امرأة.
فلذلك نهاه. وقيل: الرفث التعريض ذكره المهدوي. وإنما يقوي هذا القول من جهة ما يلزم من توفير الحج.
стр. 227
وقال أبو عبيدة: الرفث اللغا من الكلام، وأنشد:
. . . . . . . . . ... عن اللغا والرفث التكلم
وقرأ ابن مسعود: ((فلا رفوث)) واختلف المفسرون ما هو. فقال ابن عباس، وعطاء، والحسن، وغيرهم: الفسوق المعاصي كلها لا يختص بشيء دون شيء. وقال ابن عمر، ومن معه: الفسوق في معنى الحج كقتل الصيد وغيره. وقال ابن زيد: الفسوق الذبح للأصنام، ومنه قوله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب ومنه قوله تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق﴾ [الحجرات: ١١] وقال ابن عمر أيضًا ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم: الفسوق السباب. ومنه قوله ﵇: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)). والقول الأول عندي أصح الأقوال.
واختلفوا في الجدال، فقال قتادة وغيره: الجدالهنا السباب. وقال
стр. 228
ابن عباس، وعطاء، ومجاهد: الجدال هنا أن تماري مسلمًا حتى تغضبه.
وقال مالك وابن زيد: الجدال هنا أن يختلف الناس أيهم صادف موقف إبراهيم ﵊ كما كانوا يفعلون في الجاهلية متى كانت قريش تقف في موقف غير سائر العرب، ثم يتجادلون بعد ذلك. وقال محمد بن كعب القرظي: الجدال أن تقول طائفة حجنا أبر من حجكم، وتقول الأخرى مثلكم مثل ذلك. وقالت فرقة: الجال هنا أن تقول طائفة اليوم وتقول الأخرى غداة. وقالت طائفة: الجدال كان في الفخر بالآباء قال مجاهد وجماعة معه: الجدال أن تنسأ العرب الشهور فقرر الشرع وقت الحج وبينه وأخبر أنه ختم لا جدال فيه، وهو أصح الأقوال. وقال أبو الحسن: فدل قوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾ عن النهي عن الرفث على الوجوه المذكورة تفسير الرفث من أجل ذلك حرم العلماء ما دون الجماع في الإحرام وأوجبوا في القبلة الدم. ودل قوله: ﴿ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ على تحريم أشياء لأجل الإحرام، وعلى تأكيد الإحرام في أشياء محرمة من غير الإحرام تعظيمًا للإحرام. ومثله قوله ﵇: ((إذا كان يوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل)) الحديث والوطء في الإحرام ممنوع بلا خلاف. لقوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾ فإذا وطئ عامدًا أفسد حجه وعمرته بال خلاف، وهذا إذا وطئ قبل الوقوف بعرفة، فإن وطئ بعد الوقوف بعرفة وقبل الرمي، ففي فساد حجه روايتان. وحجة الفساد ظاهر الآية. وإن وطئ بعد الرمي وقبل طواف الإفاضة، فعند مالك أن لا يفسد
стр. 229
حجه. وعن الشافعي رواية أنه يفسد. وظاهر الآية مع هذا القول. وحجة مالك أن ذلك يروى عن ابن عباس ولا مخالف.
فأما وطئ الناسي فاختلفوا فيه. فذهب مالك إلى أنه يبطل حجه.
وقال الشافعي في أحد قوليه لا يبطل والآية حجة لمالك لأن الرفث قد حصل وهو الجماع. وقال تعالى: ﴿فلا رفث﴾ ولم يفرق بين عمده وخطئه.
واختلفوا في الوطئ دون الفرج إذا أنزل، وفي المنزل لقبلة أو لمس، فذهب مالك إلى أنه يبطل حجه. وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يفسد الحج سوى الجماع في الفرج. والآية حجة عليهما لأن ذلك رفث، ولأن المقصود من الجماع إنما هو الإنزال وهو أبلغ من الإيلاج فوجب أن يفسد الحج به إذا انفرد كالإيلاج. واختلفوا أيضًا في الوطئ في الدبر، فذهب مالك إلى أنه يفسد الحج كان لواطًا أو امرأة. ةقال أبو حنيفة لا يفسده، وبناه على أصله أن الحد لا يجب على اللواط، والآية حجة على أبي حنيفة، لأن ذلك جماع فهو رفث. وفي وطئ البهيمة في الفرج خلاف مثل ذلك، والآية حجة لمن يراه مفسدًا. وفي الإنزال بالتذكر عند مالك خلاف.
(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد﴾ الآية [البقرة: ١٩٨] .
قال ابن عمر، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بال زاد ويقول بعضهم: نحن المتوكلون، ويقول بعضهم: كيف يحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود.
فيؤخذ من هذه الآية وجوب التزود للحج حتى لا يتكل على سؤال الناس. وقال بعض الناس: المعنى تزودوا الرفيق الصالح، وهذا تخصيص
стр. 230
ضعيف، والأولى في معنى الآية أن يريد وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة.
(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح﴾ الآية [البقرة: ١٩٨] .
الجناح أعم من الإثم، وقد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء: إن الآية نزلت لأن العرب تحرجت لما جاء الإسلام أن يحضروا أسواق الجاهلية كعكاظ، وذي المجاز، فأباح الله تعالى ذلك لا درك في أن تتجروا، وتطلبوا الربح. وقال مجاهد: كان بعض العرب لا يتجرون مذ يحرمون، فنزلت الآية في إباحة ذلك. وقال ابن عمر تأويلًا لهذه الآية: فمن اكترى للحج فحجه تام ولا حرج في ابتغاء الكراء. وقد اختلف في جواز الإجارة في الحج فمنعها ابو حنيفة وجوزها الشافعي، وكرهها مالك ابتداءً فإن وقعت جازت، وتأويل ابن عمر لهذه الآية يعضد قول من أجازه.
(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ [البقرة: ١٩٨] .
فيه دليل على أنه قد أمرهم بالوقوف بعرفة، قبل إفاضتهم منها، غير أنه تعالى لم يذكر وقت الوقوف، ولا وقت الإفاضة، وبينه ﷺ بفعله، فوقف بها إلى أن غربت الشمس، ثم دفع فجمع بين الليل والنهار.
وأجمعوا على أن سنة الوقوف كذلك. وجماعة العلماء يقولون إن من وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا بعد زوال الشمس من يوم عرفة، فقد أدرك الحج
стр. 231
إلا مالك بن أنس رحمه الله تعالى فإنه يقول: إن وقف بعد الغروب، ولم يطف بها من النهار شيئًا أجزأ عنه، وإن وقف بها قبل الغروب ودفع قبل الغروب فلا حج له، فالفرض على مذهبه الوقوف بالليل دون النهار.
وعند سائر العلماء الليل والنهار سواء إذا كان بعد الزوال. واحتجوا بحديث عروة بن مضرس عن النبي ﷺ قال: ((من أدرك معنا الصلاة وأتى عرفات ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضى تفثه)) واحتجوا أيضًا بإطلاق بعض أصحاب مالك حديث عروة، على أن ((أو)) فيه بمعنى الواو، وبينوا حجة مالك بما يوقف عليه من مواضعه إن شاء الله تعالى. ومعنى ﴿أفضتم﴾ دفعتم، يقال: أفاض القوم إذا اندفعوا جملة، واختلفوا في سير الإفاضة كيف يكون فذهب جماعة إلى أنه العنق دون الإيضاع، وذهب آخرون إلى أنه الإيضاع دون العنق، ورووا الأولون عن بعضهم أنه قال: شهدت الإفاضتين مع عمر جميعًا ما نزيد على العنق لم يوضع في واحدة منهما.
وروي عن النبي ﷺ : ((أنه كان سيره العتق)) والإيضاع في السير أرفع من العنق والآية محتملة لكل القولين.
(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٨] .
المشعر الحرام جمع كله، وهو ما بين جبلي المزدلفة من حد مفضي مأزمي عرفة إلى بطن محسر قال ذلك ابن عباس ﵁، وابن جبير، والربيع، وابن عمر، ومجاهد، فهي كلها مشعر، إلا بطن محسر
стр. 232
كم اأن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة. بضم الراء وفتحها، وروي أن النبي ﷺ قال: ((عرنة كلها موقف والمزدلفة كلها مشعر، ألا وارتفعوا عن بطن محسر)).
وذكرالله تعالى عند المشعر الحرام مندوب إليه لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله﴾ وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض لا يجوز الحج إلا بإصابته، واحتجوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ فذكر المسجد الحرام كما ذكر عرفات، وذكر ذلك رسول الله ﷺ في حديث عروة بن مضرس، فحكمها واحد لا يجوز الحج إلا بإصابتها. قال ابن المنذر: وهذا قول علقمة، والشعبي، والنخغي، قالوا: من لم يقف بجمع، فقد فاته الحج، ويجعل إحرامه عمرة. قال الطحاوي: الوحجة عليهم أن قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ ليس فيه دليل أن ذلك على الوجوب لأن الله تعالى إنما ذكر الذكر، ولم يذكر الوقوف، وكلٌ دق أجمع أنه لو وقف بالمزدلفة ولم يذكر الله أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس فرضًا. وهذا القول الذي ردّه الطحاوي وهو قول ابن الماجشون
стр. 233
وقد تقدم ذكره ومذهب مالك وأكثر أصحابه، وغيرهم أن ذلك من سنن الحج، وليس من واجباته ورأوا أن الآية لا تدل على الوجوب.
واختلفوا فيمن مربها فلم ينزل، فرأى مالك عليه دمًا، وإن نزل، ثم دفع بعد النزول فلا دم عليه، وإن كان دفعه أول النهار أو وسطه أو آخره.
ورأى الشافعي إن خرج منها قبل نصف الليل فعليه دم، وإن كان بعد نصف الليل فلا شيء عليه. وقال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم إن لم يبت بها، ولم يقف بالمشعر الحرام إهراق دمًا.
(١٩٩) - وقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيق أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩] .
اختلفوا في المخاطبين بهذه الآية، أجميع الأمة هم أم الحُمُس؟ فقال ابن عباس، وعائشة، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم المخاطب بها قريش ومن ولدت وهم الحمس، وذلك أنهم كانوا يقولون نحن قطين الله فينبغي لنا أن نعظم الحرم، ولا نعظم شيئًا من الحل. فسنوا سنن الثياب في الطواف إلى غير ذلك. وكانوا مع معرفته وإقرارهم أن عرفة هي موقف إبراهيم لا يحرمون من الرحم ويقفون بجمع ويفيضون منه، ويقف الناس بعرفة فقبل أن يفيضوا مع الناس وكان رسول الله ﷺ في الحمس. ولكنه كان يقف مذ كان يعرفة هداية من الله له. والناس على هذا التأويل من سوى الحمس. وقال الضحاك: المخاطب بها جملة الآمة والمراد بها إبراهيم ﵇ كما قال الله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ [آل عمران: ١٧٣] وهو يريد واحدًا، وهذا الواحد هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان بعث به سفبان يخوف المسلمين بجمعهم، ويحتمل بهذا أن يؤمروا بالإفاضة من عرفة،
стр. 234
ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة، فإذا جعلن قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا﴾ أمرًا بالإفاضة من عرفة فيحتاج إلى تقدير. وقد اختلف الناس في تقديره فقال بعضهم: ﴿ثم﴾ ليست في هذه الآية للترتيب، وإنما هي لعطف جملة كلام على جملة كلام هي منقطعة منها. وقال بعضهم: ﴿ثم﴾ بمعنى الواو. وقال الطبري: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ إلى قوله: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ واحتيج إلى هذا التقدير لأن الإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام. وإذا قلنا إن المراد بذلك إفاذة أخرى من المزدلفة، وقد قيل ذلك، وهو الذي عول عليه الطبري فثم على بابها.
(٢٠٠) - قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ الآية [البقرة: ٢٠٠] .
فقال ابن عباس كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقاموا بمنى يقوم الرجل فيقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت لأبي. فنزلت الآية وأمروا بذكر الله عوضًا من ذلك. ويحتمل أن يريد الأذكار التي في خلال الناسك فيكون كما تقول للرجل: إذا حججت فطف بالبيت، وإذا صليت فتوضأ، كقوله تعالى:
стр. 235
﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] فأمر العدة مأمور به قبل الطلاق.
(٢٠٣) - ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣] .
الأيام المعدودات الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق وليس يوم النحر من ((المعدودات))، و ((المعلومات)) يوم النحر ويومان بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليوم الرابع ليوم النحر معدود غيرمعلوم، واليومان اللذان بعده معلومان معدودان، هكذا روى نافع عن ابن عمر، وهو قول مالك وغيره. وقال ابن عباس وغيره: ((المعدودات)) العشر، و ((المعلومات)) أيام النحر. وقال زيد بن أسلم: ((الأيام المعلومات)) يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، و ((المعدودات)) أيام التشريق، واختلف قول أبي حنيفة والشافعي في ((المعلومات)) فقالا مرة مثل قول مالك، وقالا مرة: هي العشر آخرها يوم النحر. وقال ابن زيد: ((المعلومات)) عشر ذي الحجة، وأيام التشريق. ففي ((المعدودات)) قولان:
أحدهما: أنها ثلاصة أيام بعد يوم النحر.
والثاني: أنها أيام العشر.
وفي المعلومات أربعة أقوال:
أحدها: أنها يوم النحر ويومان بعده.
والثاني: أنها يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.
стр. 236
والثالث: أنها أيام العشر وآخرها يوم النحر.
والرابع: أنها عشر ذي الحجة وأيام التشريق. وروي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى أن المعلومات أيام النحر. وقال إليه أذهب لأنه تعالى قال حين ذكرها: ﴿على ما رزقكم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨] قال أبو الحسن: هذا الاحتجاج لا يصح، لأن في العشر يوم النحر، وفيه الذبح. قال: ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول أيام العشر لأن الله تعالى يقول: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣] وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث. وهذا الذي قاله أبو الحسن من رفع الشك فيما ذكر فيه نظر. كيف يزول الشك، والآية محتملة؟ إذ يحتمل قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ أن يكون ذكر حكم الرمي بعد حكم الذكر لأن الرمي في أيام الذكر فالاحتمال ظاهر. وأظهر الأقوال على ألفاظ الآيتين قول مالك ﵀، ومن تابعه. والامر بذكر الله في الأيام المعدودات، عند أكثر الفقهاء، يراد به التكبير عند رمي الجمار، في أدبار الصلوات.
وقد اختلفوا في مدة التكبير، فقال مالك وأصحابه: يبدأ عقيب الظهر من يوم النحر، ويقطع عقيب الصبح يوم رابع النحر، وجملته خمسة عشرة صلاة. وهذا قول ابن عمر، وغيره من الصحابة. وقال يحيى بن سعيد: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى الظهر من آخر أيام التشريق، قال بعضهم: وبه قال الشافعي.
وقول مالك هو الظاهر من أقوال الشافعي، وقد قال إنه الظهر من يوم
стр. 237
النحر، ويقطع بعد العصر من آخر أيام التشريق. وقال أيضًا يبدأ ليلة النحر بعد الغروب، ويقطع في العصر. فحصل للشافعي أربعة أقوال. وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابن عباس: يكبر في صلاة الصبح من يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق. وقال ابن مسعود وأبو حنيفة: يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وقال سعيد بن جبير: يكبر من الظهر من يوعرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق. وقال الحسن بن أبي الحسن: يكبر في صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول. وقال أبو وائل يكبر في صلاة الظهر يوم عرفة إلى صلاة الظهر يوم النحر. ودليل قول مالك، ومن تابعه قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾ والفاء للتعقيب، فأول صلاة تلي قضاء النسك صلاة الظهر يوم النحر. وذلك أنهم يرمون الجمرة، ويطوفون طواف الإفاضة. وفي يوم عرفة لم يقض منها شيئًا. والتكبير في أدبار الصلوات لكل أحد، من مسافر وحاضر وامرأة وحر وعبد منفردين أو في جماعة خلافًا لأبي حنيفة في قوله: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ وقوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ فعم.
ولا يكبر في أعقاب النوافل على الأشهر من قول مالك. وقال الشافعي: إنه يكبر في أعقابها. وقد روى الواقدي مثل هذا القول عن مالك. والحجة لهذا القول عموم الآيتين. وحجة القول الأول أنها صلاة نفل كسجود القرآن.
(٢٠٣) - وقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣] .
الآية يعني بهذا في رمي الجمار سبعةن حصاة، سبعة منها بجمرة العقبة يوم النحر، وثلاثة وستون بأيام منى، وهي الأيام المعلومات ثلاثة
стр. 238
أيام بعد بوم النحر، كل يوم ثلاث جمرات كل جمرة بسبع حصيات فيأتي كل يوم إحدى وعشرون حصاة فيأتي مجموعها ثلاث وستون، وهذا إن لك يعجل ومن تعجل أسقط منها إحدى وعشرين حصاة بثلاث جمرات، وهي لليوم الذي يتعجل عن الرمي فيه فيأتي رميه تسعًا وأربعين، واليوم الذي يتعجل عن الرمي فيه، هو اليوم الآخر من أيام التشريق، وهو الرابع ليوم النحر. وقد أباح الله ذلك بهذه الآية، وبهذا قال مالك وابن المواز من أصحابه. وأما ابن حبيب فقال: إن سنة التعجيل أن يرمي في اليوم الثاني من أيام منى، وهو الثالث ليوم النحر إحدى وعشرين حصاةً كيومه ذلك، ثم يرجع من فوره ذلك فيرمي ذلك أيضًا إحدى وعشرين حصاة عن اليوم الثالث في أيام منى.
وهو اليوم الرابع ليوم النحر، ثم ينفر لوجهه صادرًا حتى يأتي مكة.
وبهذا قال ابن شهاب، فيكون رمي التعجيل على هذا القول سبعين حصاة كرمي غير التعجيل. وقال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومجاهد: معنى الآية في قوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾ أنه إن أثم بما سلف من ذنوبه قد سقط عنه، ولم يبق عليه منها شيء، وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضًا وغيرهما من الصحابة.
وقال بمثل ذلك جماعة من التابعين قال. وقال بعض التابعين الإثم عليه في تعجيله. هو خطأ لأنه لو كان المتعجل وضع عنه الإثم لتعجله لما أعيد ذكر ذلك في المتأخر لأن المتأخر قد بلغ أقصى ما حد له. وقد روي عن
стр. 239
النبي ﷺ ما يشهد لهذا التأويل قال: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)).
واختلفوا فيمن أبيح له التعجيل، فذهب بعض العلماء إنما أبيح لمن بعد قطره، لا للمكي والقريب، إلا أن يكون له عذر. وذهب بعضهم إلى أن الناس كلهم مباح له ذلك. وقد جاء عن مالك في أهل مكة الروايتان، والأول هو الأشهر من قول مالك. والثاني قول عطاء وغيره. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه يباح النفر الأول لجميع الناس إلا آل خزيمة. قال ابن حنبل، وإسحاق: لأنهم آل حرم، وحجة من رأى ذلك لجميع الناس قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ الآية. فعم ولم يخص مكيًا من غيره. وأكثر أهل المذهب كما قلنا أنه يسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل. وقال ابن أبي زمنين: يرميها في يوم النفر الأول حين يريد التعجيل. وهذا القول مما يمكن أت تتأول عليه الآية فيمون التعجيل أن يصنع في يومين ما يصنع في الأيام الثلاثة وهذا لعمري تأويل ظاهر.
(٢١٥) - قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ [البقرة: ٢١٥] .
اختلفوا في هذه الآية، فقال قوم هي في الزكاة المفروضة. وقال قوم ليست في الزكاة المفروضة. فمن قال إنها في الزكاة المفروضة قال إن نسخ منها الوالدان ومن جرى مجراهما من الأقربين. وقد نسب هذا القول إلى السدي، وهذا على قول من لا يرى إعطاء الوالدين من الزكاة المفروضة،
стр. 240
فأما على قول من يجيز ذلك فلا يصح النسخ. والذين قالوا إنها ليست في الزكاة المفروضة، اختلفوا هل هي منسوخة أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنها نزلت قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة وهذا منسوب إلى السدي أيضًا وذهب بعضهم إلى أن هذا الاتفاق مندوب إليه، أنه غير الزكاة المفروضة وهو باق لا نسخ فيه وهو قول ابن جريج وغيره.
(٢١٦) - قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ [البقرة: ٢١٦] .
اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فقيل إن الجهاد كان فرضًا على الأعيان بهذه الآية وما أشبهها، ثم نسخ بأن صير فرضًا على الكفاية لقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التوبة: ١٢٢] وقيل: إن فرضه إنما كان على الكفاية، ولميزل كذلك، والآية ليست منسوخة. وذهب بعضهم إلى أنها ناسخة لكل رخصة في الجهاد قالوا: فصار فرضًا إلا أنه يحمله بعض الناس على بعض وإن احتيج إلى الجماعة وجب عليهم الخروج، ومثله في قيام بعض المسلمين عن بعض الصلاة على الجنائز، وعيادة المرضى، ورد السلام، وتشميت العاطس ونحوه.
وذهب بعضهم إلى أن المراد الأعيان، لكن ذلك على طريق الندب لا على طريق الإيجاب. وهذا قول ضعيف، لأن قوله تعالى: ﴿كتب﴾ إنما معناه فرض، فهذا نص في الإيجاب فأي طريق للندب هنا وقال الثوري: إن الجهاد تطوع، وهذا خلاف لظاهر الآية إن حمل على ظاهره، والإجماع على أن الجهاد فرض كفاية، يتأول على أن ذلك إنما هو إذا أقيم بالجهاد.
وقوله تعالى: ﴿القتال﴾ لم يتبين فيه من المقاتلون من الأنام فيحتمل
стр. 241
أن يقال هذا من المجمل لذي هو موقوف على بيان المنتظر لامتناع قتل الناس كلهم. ويحتمل أن يقال إنه لفظ عام مبين بفعل النبي ﵊.
(٢١٧) - قوله تعلاى: ﴿يسألونك عن الشهرا لحرام قتال فيه﴾ الآية [البقرة: ٢١٧] .
سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ بعث سؤية عليها عبيد الله بن جحش الأسدي مقدمه من بدر الأولى، فلقول عمرو بن الحضرمي ومعه أصحاب له، وذلك في آخر يوم من رجب، وقيل في آخر ليلة من رجب، فقتل عمرو بن الحضرمي، وأسر بعض أصحاب له والمسلمون يطنون أنهم في جمادى، ولم يقصدوا القتل في الشهر الحرام. وأما ابن إسحاق، فقال: استحل المسلمون هذا في الشهر الحرام خوف فوتهم، فقالت قريش: محمد قد استحل الأشهر الحرم، وعيروه وبذلك توقف النبي ﷺ فقال: ((ما أمرتهم بقتال في الأشهر الحرم)) فنزلت الآية. وذكر بعض المفسرين أن سبب هذه الآية غير هذا، وذلك أن رجلين من بني كلاب لقيا عمرو بن أمية الضمري وهو لا يعلم أنهما كانا من عند النبي ﷺ وذلك في أول يوم من رجب فقتلهما، فقالت قريش قتلهما في الشهر الحرام فنزلت الآية، والقول الأول أشهر. وذكر الصاحب بن عباد في ((رسالته الأسدية)) أن عبد الله بن حجش سمي أمير المؤمنين من ذلك الوقت لكونه مؤمرًا على جماعة المؤمنين.
стр. 242
(٢١٧) - وقوله تعالى: ﴿الشهر الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧] .
الشهر هنا اسم جنس، وإنما أريد به الأشهر الحرم، وهي أربعة.
وقد اختلف الناس هل هي من سنة واحدة، أو من سنتين؟ فالذين جعلوها من سنة واحدة جعلوا أولها المحرم، ثم رجب، وذا القعدة، وذا الحجة، وهذا مذهب الكوفيين، والذين جعلوها في سنتين اختلفوا في ترتيبها. فذهب أهل المدينة إلى أن أولها ذو القعدة، ثم ذو الحجة، ثم المحرم، ثم رجب. وذهب بعضهم إلى أن أولها رجب، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحجة، ثم المحرم، وكانت العرب قد جعل لها الشهور الحرام قوامًا تعتدل عندهـ فكانت لا تسفك فيهن دمًا، ولا تغير فيهن. وروى جابر أن النبي ﷺ : لم يكن يغزو فيها إلا أن يغزى. فذلك قوله تعالى: ﴿قتال فيه كبير وصد﴾ [البقرة: ٢١٧].
مبتدأ مقطوع ما قبله. والخبر ((أكبر)). والمسجد معطوف على ((سبيل الله)) وقال الفراء: ((صد)) عطف على ((كبير)) والأول هو الصحيح.
واختلفوا في قوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾ هلهو منسوخ أم لا؟ فذهب ابن عباس، ومجاهد، والزهري، وغيرهم من العلماء إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة: ٣٦] وبقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] قالوا فقتال المشركين في الأشهر الحرم مباح. وذهب عطاء إلى أن الآية محكمة وأنه لا يجوز قتال المشركين في الأشهر الحرم البتة، وذكر عنه أنه كان يحلف على ذلك. وفي هذا
стр. 243
النسخ نظر لأن قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ بعد قوله ﴿قل قتال فيه كبير﴾ عموم بعد خصوص، كذلك قالوا في منع القتال في البلد الحرام إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ وهو عموم بعد خصوص. وقد اختلف الأصوليون في مثل هذا هل يكون نسخًا أو لا؟ زالأرجح أنه ليس بنسخ. وأما إن فهم من العموم أن المراد به العموم، فهو نسخ بلا خلاف وذلك إذا خرج على سبب فهو نص في موضع السبب.
(٢١٧) - وقوله تعالى: ﴿يسألونك﴾ [البقرة: ٢١٧] .
قيل: السائلون المسلمون، وقيل: الكفار، وأحسن ما قيل في ذلك إنما نزلت على سبب ما قدمنا.
(٢١٧) - قوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر﴾ [البقرة: ٢١٧] .
اختلفوا في المرتد هل يستتاب أم لا؟ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه يستتاب. وذهب أبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل وغيرهما إلى أنه لا يستتاب. وروي عن عطاء أنه إن كان مسلمًا ولد في الإسلام، ثم ارتد لم يستتب، ويقتل، وإن كان أصله مشركًا ثم أسلم، ثم ارتد فإنه يستتاب. والدليل على قول من قال يستتاب، قوله تعالى: ﴿قل للذبن كفروا إن ينتهووا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] وإن تاب دون أن يستتاب صحت توبته خلافًا لمن قال: لا تقبل توبته. ويقوم من هذه الآية على قول من قال بدليل الخطاب أنه تقبل توبته، لأن قوله وهو
стр. 244
كافر يدل على أنه قد يموت وهو غير كافر، أي وهو مسلم فإذا صح منه الإسلام فلم لا تقبل توبته؟ ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ الآية [الشورى: ٢٦] وقوله: ﴿قل للذين كفروا إن يتنهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] وظاهر المذهب أن عرض الاستتابة على المرتد واجب. وقال أبو حنيفة: لا يجب، وههو أحد قولي الشافعي. ومما يحتج به لأهل المذهب في ذلك قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] فأمر نبيه ﵇ أن يعرض عليهم الإسلام والأمر على الوجوب على أكثر أقوال الفقهاء.
واختلف القائلون في الاستتابة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يستتاب ثلاثة أيام، وبه قال مالك واحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي في أحد قوليه. وقيل يستتاب شهرًا. يروى عن علي أنه استتاب مرتدًا شهرًا، فأبى فقتله، وقال النخعي والثوري: يستتاب محبوسًا أبدًا. وقال الحسن ﵁: يستتاب مرة واحدة. وقال الزهري: يدعى إلى الإسلم فإن تاب وإلا قتل، وإلى نحو هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه. فقال: يستتاب في الحال ولا حجة لمن حد في ذلك حدًا في شيئ من هذه الآية والظاهر من الآية أن لا حد في ذلك. وعن مالك في تحديده ثلاثة أيام روايتان، إحداهما: إنما ذلك واجب، والأخرى: أنه مستحب. ووجه الوجوب الاتباع لما جاء عن عمر، ووجه الاستحباب مراعة ظواهر الآي في عدم التحديد ومراعاة قول عمر أيضًا. وقد قال ابن المنذر: إنه اختلفت الآثار عن عمر في هذا الباب.
стр. 245
واختلفوا في ميراث المرتد إذا مات على رديته. فقال علي بن أبي طالب ﵁ والحسن، والشعبي، والحكم، والليث، وأبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه: ميراثه لورثته من الكفار. وروي عن عمر بن عبد العزيز خلافه. وهذا القول شاذ. وقال مالك، وربيعة، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو ثور: ميراثه لبيت المال لا لورثته المسلمين، ولا لورثته الكفار.
وقال آخرون: وأما كسبه في حال إسلامه فلورثته المسلمين، وأما كسبه في ردته فلبيت المال.
وحجة القول الشاذ من هذه الأقوال هي أن الله قد سماه كافرًا.
والكفار يرث بعضهم بعضً. وهذا من جملة الكفار، فيرثهم ويرثونه.
ووجه القول المشهزر مراعاة حكم الأصل الذي هو الإسلام. وقد ثبت به لمسلمي الورثة حق لا يبطله الارتداد. واختلف في المرتد إذا رجع للإسلام. وقد كان ضيع من فرائضه شيئًا قبل ارتداده وكانت عليه نذور وأيمان وشبه ذلك، فقيل: لا شيء عليه في شيء من ذلك، وإن كان حج حجة الإسلام استأنفها. قال: ولا يؤاخذ بما كان عليه من الارتداد، إلا بم لو فعله وهو كافر أخذ به، وإن زنى بعد أن أسلم وكان أحصن، قبل لم يرجم وهو قول مالك فجعل حكمه في ذلك كله حكم من لم يزل كافرًا أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥] وقال غيره: إن راجع الإسلام كان بمنزلة من لم يرتد له، وعليه فإن كان ضيع فرضًا قضاه ولا يقضي حجة الإسلام إن كان قد حج، واحتج بقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ الآية [البقرة: ٢١٧] وهو صواب لأنها آية مفيدة تقضي على المطلقة،
стр. 246
ولقول الله سبحانه: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] فإذا غفر الكفر الذي كفروا بعد الإسلام، سقط حكم ذلك الكفر وبقي على أحكام الإسلام كما كان قبل. وكذلك اختلفوا هل ينتقض وضوء المرتد أم لا؟
(٢١٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩] .
اختلف الناس في هذه الآية، هل هي ناسخة أم منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها ناسخة لما كان مباحًا من شرب الخمر، قالوا: لأنه أخبر بأن فيها إثمًا، والإثم محرم ركوبه. وقال بعضهم: أخبر تعالى هنا فيها إثمًا، ثم قال في سورة الأعراف: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾ [الأعراف: ٣٣] والآيتان محرمتان للخمر. وقال آخرون: هي منسوخة، لتحريم الخمر في قوله : ﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠] و ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١] لأن قوله: ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩] لا يدل على تحريم، بل إخباره بأن فيها منافع قرينة تدل على الإباحة، واقتران الإثم بها لا يزيل ذلك.
وذكر بعضهم أن آية البقرة أول آية تطرقت لتحريم الخمر ثم بعدها: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] ثم قال تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء﴾ الآية [المائدة: ٩٠] إلى قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: ٩١] فقال رسول الله ﷺ : ((حرمت الخمر)). وقال أبو الحسن: يمكن أن يؤخذ تحريم الخمر من هذه الآية لأن قوله تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩] يدل على
стр. 247
المفسدة في شربها وأن ما فيها من النفع لا يقارن بالمفسدة. ويمكن أن يقال المفسدة في السكؤ ما تبين منها تحريم القليل الذي لا يسكر، ويمكن أن يقال في شرب القليل مفسدة عظيمة لإفضائه إلى أكثرها فتكون الآية على هذا دالة على تحريم القليل والكثير. والميسر القمار. قاله ابن عمر وغيره. وقال مالك: الميسر ميسران ميسر الغش وميسر القمار وميسر اللهو، والنرد، والشطرنج، والملاهي كلها. وميسر القمار ما يخاطر الناس عليها.
وقال علي بن أبي طالب: الشطرنج ميسر العجم وكل ما قومر به فهو ميسر عن مالك، ولبن المسيب، وابن سيرين وغيرهم من العلماء. وقال عطاء: لعب الصبيان بالجوز، والكعاب. وقد اختلفوا فيه بغير خطر، فمنعه قوم جملة وكرهه آخرون، والكراهة مذهب مالك. وروي عن علي ﵁ أنه مر بقوم يلعبون به. فقال: ما هذه التماثيل التي انتم لها عاكفون وأجازه آخرون. وروي عن ابن سيرين، والشعبي، وأبي هريرة أنهم لعبوا به.
وأصل الميسر أنه كان للعرب قداح عشرة لا ريش لها سبعة منها لها حظوظ وفيها فروض على عدة الحظوظ، وثلاثة لا حظوظ لها. فأسفل السبعة الفذ وهو الأول وله نصيب، ثم التوأم وله نصيبان، ثم الرقيب وله ثلاثة، ثم المجلس وله أربعة، ثم النافس وله خمسة، ثم المسبل وله ستةن ثم المعلى وله سبعة. ومنهم من يسمي الثالث الظريف والسادس المصفح.
وربما سمي الرجل بسهمه إذا تقامروا، يلقب مع الاسم العلم، وعلى كل واحد من هذه الأسهم فروض بقدر ما له من نصيب. ويقال لتلك العلامة الغرم والغرمة والثلاثة التي لا حظوظ لها يدعونها الأغفال وهي المنيح،
стр. 248
والسفيح، والوغد. وإنما جعلوا هذه الثلاثة ليكثر بها العدد، وليؤمن بها حيلة الضارب لها والصارب بها يسموه الحرضة. وكانوا إذا جاء الشتاء واشتد البرد على فقراتهم تقامروا بها على الإبل، وجعلوا لحومها لهم فتعتدل أحوال الناس، ولذلك يخصبون، فإذا أرادوا ذلك احتمعوا سبعة على عدد القداح المعلمة فيأخذ كل واحد منهم قدحًا منها، وربما كانوا أقل من سبعة فيأخذ الرجل قدحين أو ثلاثة ويكون له حظ القامر منها وعليه غرم الخائب، ويحتمل ذلك لجوده ويساره، وكانوا يتقامرون بذلك ويذمون من لك يدخل فيها ويسمونه البرم، ويسمون الداخل فيها اليسير والياسر. فإذا تآلفوا ابتاعوا ناقة بثمن مسمى ويضمنوه لصاحبها، إلا أن يضربوا بالقداح عليها فيعلمون على من يجب الثمن، ثم ينحرونها من قبل أن يتقامروا ويقتسمونها على عشرة أسهم. هذا قول أبي عمرو. وعلى قول الأصمعي ثمانية وعشرين جزءًا، ثم يحضرون القداح ويضبون الحرضة بها ثمانية وعشرين جزءًا، ثم يحضرون القداح ويضربون الحرضة بها فمن خرج سهمه في هذه السبعة التي لها أنصباء أخذ من الأجزاء، بحصة ذلك وأعطاها الفقراء، وإن خرج واحد من التي لا حظوظ لها فقد اختلف الناس في هذا الموضع فقال بعضهم: من خرجت باسمه لم يأخذ شيئًا ولم يغرم، ولكن تعاد الثانية ولا يكون له نصيب ويكون لغوًا. وقال بعضهم: بل يصير ثمن هذه الجزور كلها على أصحاب هؤلاء الثلاثة فيكون مقمورين ويأخذ أصحاب السبعة أنصبائهم على ما خرج لهم، ويصرفون هذا في إشعارهم كثيرًا.
وأصل الميسر في اللغة أن يكون عبارة عن التجزئة، وكل ما جزأته فقد يسرته، ويقال للجزار ياسر، وللجزور نفسه إذا جزئ ميسر. وكانت
стр. 249
المخاطرة في أول الإسلام مباحة من ذلك مخاطرة أبي بكر ﵁ المشركين حين نزلت ﴿الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض﴾ [الروم: ١ - ٣] وقال له ﷺ : ((زد في المخاطرة وامدد في الأجل)) ثم نسخ ذلك بتحريم القمار فحرم القمار مطلقًا إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق لقوله ﷺ : ((لا سبق إلا في خف، أو نصل أو حافر)) وإنما رخص في ذلك لما فيه من رياضة الخيل والاستعداد لمجاهدو العدو. وظاهر تحريم القمار أيضًا يمنع من القرعة لولا ما ورد فيها من الخبر الصحيح الذي يخص به العموم.
وقال ابو حنيفة: لا يجوز التراهن بحال لأنه قمار. وزعم قوم إن سباق الخيل والقرعة نسختهل آية القمار. ويرد ذلك ما تقدم من ثبوت العمل بهما. وروي عن عطاء أنه أجاز السبق في كل شيء واحتج بحديث عائشة، في مسابقتها للرسول ﵇ على قدميها، فإن كان أراد بخطر فهو خلاف ما جاءت به الظواهر في تحريم القمار.
(٢١٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ الآية [البقرة: ٢١٩] .
اختلف في هذه الآية هل هي محكمة او منسوخة فمن ذهب إلى أنها منسوخة قال: العفو ما فضل على العيال. وكان ذلك واجبًا في أول الإسلام وإن أحدهم كان إذا حصد زرعه أخذ قوته وقوت عياله وما يزرع في العام المقبل وتصدق بالباقي، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة.
стр. 250
والذين ذهبوا إلى أن الآية محكمة اختلفوا على أربعة أقوال في تأويلها.
فذهب قوم إلى أن العفو الزكاة المفروضة.
وذهب آخرون ألى أن العفو فيها ما سمح به المعطي.
وذهب بعضهم إلى أنه ما فضل عن العيال، والآية على الندب لا على الوجوب مثل قوله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير﴾ الآية [البقرة: ٢١٥] وذهب بعضهم إلى أنه ما فضل على العيال والآية على الوجوب وذهب إلى هذا جماعة من أهل الزهد والورع، فحرموا ما فوق الكفاف. وإلى هذا ذهب أبو ذر ﵁ لأنه رويت عنه آثار كثيرة في بعضها شدة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كثير وكان يقول: الأكثرون هم الأخسرون يوم القيامة ويل لأصحاب اليسر. وقد روي عن النبي ﷺ فيه آثار كثيرة. إلا أن جمهور أهل العلم تأولوها في الزكاة على خلاف ما حملها أبو ذر ﵁. وذهب قوم إلى أن ما في المال حق سوى الزكاة وأنه المراد بالآية، وإن لم يروا الاقتصار على الكفاف كما ذهب إليه أبو ذر. وقد اختلف هل يجوز أن يهب الرجل ماله كله أو ينحله إذا لم يبق ما يكفيه. فأجازه مالك ومنعه سحنون وقال: هو مردود. قال اللخمي: وهو أحسن للقرآن والحديث.
(٢٢٠) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠] .
اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال السدي، والضحاك: إن
следующие страницы →