Полный текст (1 576 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ولقول الله سبحانه: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] فإذا غفر الكفر الذي كفروا بعد الإسلام، سقط حكم ذلك الكفر وبقي على أحكام الإسلام كما كان قبل. وكذلك اختلفوا هل ينتقض وضوء المرتد أم لا؟
(٢١٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩] .
اختلف الناس في هذه الآية، هل هي ناسخة أم منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها ناسخة لما كان مباحًا من شرب الخمر، قالوا: لأنه أخبر بأن فيها إثمًا، والإثم محرم ركوبه. وقال بعضهم: أخبر تعالى هنا فيها إثمًا، ثم قال في سورة الأعراف: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾ [الأعراف: ٣٣] والآيتان محرمتان للخمر. وقال آخرون: هي منسوخة، لتحريم الخمر في قوله : ﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠] و ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١] لأن قوله: ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩] لا يدل على تحريم، بل إخباره بأن فيها منافع قرينة تدل على الإباحة، واقتران الإثم بها لا يزيل ذلك.
وذكر بعضهم أن آية البقرة أول آية تطرقت لتحريم الخمر ثم بعدها: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] ثم قال تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء﴾ الآية [المائدة: ٩٠] إلى قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: ٩١] فقال رسول الله ﷺ : ((حرمت الخمر)). وقال أبو الحسن: يمكن أن يؤخذ تحريم الخمر من هذه الآية لأن قوله تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩] يدل على
стр. 247
المفسدة في شربها وأن ما فيها من النفع لا يقارن بالمفسدة. ويمكن أن يقال المفسدة في السكؤ ما تبين منها تحريم القليل الذي لا يسكر، ويمكن أن يقال في شرب القليل مفسدة عظيمة لإفضائه إلى أكثرها فتكون الآية على هذا دالة على تحريم القليل والكثير. والميسر القمار. قاله ابن عمر وغيره. وقال مالك: الميسر ميسران ميسر الغش وميسر القمار وميسر اللهو، والنرد، والشطرنج، والملاهي كلها. وميسر القمار ما يخاطر الناس عليها.
وقال علي بن أبي طالب: الشطرنج ميسر العجم وكل ما قومر به فهو ميسر عن مالك، ولبن المسيب، وابن سيرين وغيرهم من العلماء. وقال عطاء: لعب الصبيان بالجوز، والكعاب. وقد اختلفوا فيه بغير خطر، فمنعه قوم جملة وكرهه آخرون، والكراهة مذهب مالك. وروي عن علي ﵁ أنه مر بقوم يلعبون به. فقال: ما هذه التماثيل التي انتم لها عاكفون وأجازه آخرون. وروي عن ابن سيرين، والشعبي، وأبي هريرة أنهم لعبوا به.
وأصل الميسر أنه كان للعرب قداح عشرة لا ريش لها سبعة منها لها حظوظ وفيها فروض على عدة الحظوظ، وثلاثة لا حظوظ لها. فأسفل السبعة الفذ وهو الأول وله نصيب، ثم التوأم وله نصيبان، ثم الرقيب وله ثلاثة، ثم المجلس وله أربعة، ثم النافس وله خمسة، ثم المسبل وله ستةن ثم المعلى وله سبعة. ومنهم من يسمي الثالث الظريف والسادس المصفح.
وربما سمي الرجل بسهمه إذا تقامروا، يلقب مع الاسم العلم، وعلى كل واحد من هذه الأسهم فروض بقدر ما له من نصيب. ويقال لتلك العلامة الغرم والغرمة والثلاثة التي لا حظوظ لها يدعونها الأغفال وهي المنيح،
стр. 248
والسفيح، والوغد. وإنما جعلوا هذه الثلاثة ليكثر بها العدد، وليؤمن بها حيلة الضارب لها والصارب بها يسموه الحرضة. وكانوا إذا جاء الشتاء واشتد البرد على فقراتهم تقامروا بها على الإبل، وجعلوا لحومها لهم فتعتدل أحوال الناس، ولذلك يخصبون، فإذا أرادوا ذلك احتمعوا سبعة على عدد القداح المعلمة فيأخذ كل واحد منهم قدحًا منها، وربما كانوا أقل من سبعة فيأخذ الرجل قدحين أو ثلاثة ويكون له حظ القامر منها وعليه غرم الخائب، ويحتمل ذلك لجوده ويساره، وكانوا يتقامرون بذلك ويذمون من لك يدخل فيها ويسمونه البرم، ويسمون الداخل فيها اليسير والياسر. فإذا تآلفوا ابتاعوا ناقة بثمن مسمى ويضمنوه لصاحبها، إلا أن يضربوا بالقداح عليها فيعلمون على من يجب الثمن، ثم ينحرونها من قبل أن يتقامروا ويقتسمونها على عشرة أسهم. هذا قول أبي عمرو. وعلى قول الأصمعي ثمانية وعشرين جزءًا، ثم يحضرون القداح ويضبون الحرضة بها ثمانية وعشرين جزءًا، ثم يحضرون القداح ويضربون الحرضة بها فمن خرج سهمه في هذه السبعة التي لها أنصباء أخذ من الأجزاء، بحصة ذلك وأعطاها الفقراء، وإن خرج واحد من التي لا حظوظ لها فقد اختلف الناس في هذا الموضع فقال بعضهم: من خرجت باسمه لم يأخذ شيئًا ولم يغرم، ولكن تعاد الثانية ولا يكون له نصيب ويكون لغوًا. وقال بعضهم: بل يصير ثمن هذه الجزور كلها على أصحاب هؤلاء الثلاثة فيكون مقمورين ويأخذ أصحاب السبعة أنصبائهم على ما خرج لهم، ويصرفون هذا في إشعارهم كثيرًا.
وأصل الميسر في اللغة أن يكون عبارة عن التجزئة، وكل ما جزأته فقد يسرته، ويقال للجزار ياسر، وللجزور نفسه إذا جزئ ميسر. وكانت
стр. 249
المخاطرة في أول الإسلام مباحة من ذلك مخاطرة أبي بكر ﵁ المشركين حين نزلت ﴿الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض﴾ [الروم: ١ - ٣] وقال له ﷺ : ((زد في المخاطرة وامدد في الأجل)) ثم نسخ ذلك بتحريم القمار فحرم القمار مطلقًا إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق لقوله ﷺ : ((لا سبق إلا في خف، أو نصل أو حافر)) وإنما رخص في ذلك لما فيه من رياضة الخيل والاستعداد لمجاهدو العدو. وظاهر تحريم القمار أيضًا يمنع من القرعة لولا ما ورد فيها من الخبر الصحيح الذي يخص به العموم.
وقال ابو حنيفة: لا يجوز التراهن بحال لأنه قمار. وزعم قوم إن سباق الخيل والقرعة نسختهل آية القمار. ويرد ذلك ما تقدم من ثبوت العمل بهما. وروي عن عطاء أنه أجاز السبق في كل شيء واحتج بحديث عائشة، في مسابقتها للرسول ﵇ على قدميها، فإن كان أراد بخطر فهو خلاف ما جاءت به الظواهر في تحريم القمار.
(٢١٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ الآية [البقرة: ٢١٩] .
اختلف في هذه الآية هل هي محكمة او منسوخة فمن ذهب إلى أنها منسوخة قال: العفو ما فضل على العيال. وكان ذلك واجبًا في أول الإسلام وإن أحدهم كان إذا حصد زرعه أخذ قوته وقوت عياله وما يزرع في العام المقبل وتصدق بالباقي، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة.
стр. 250
والذين ذهبوا إلى أن الآية محكمة اختلفوا على أربعة أقوال في تأويلها.
فذهب قوم إلى أن العفو الزكاة المفروضة.
وذهب آخرون ألى أن العفو فيها ما سمح به المعطي.
وذهب بعضهم إلى أنه ما فضل عن العيال، والآية على الندب لا على الوجوب مثل قوله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير﴾ الآية [البقرة: ٢١٥] وذهب بعضهم إلى أنه ما فضل على العيال والآية على الوجوب وذهب إلى هذا جماعة من أهل الزهد والورع، فحرموا ما فوق الكفاف. وإلى هذا ذهب أبو ذر ﵁ لأنه رويت عنه آثار كثيرة في بعضها شدة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كثير وكان يقول: الأكثرون هم الأخسرون يوم القيامة ويل لأصحاب اليسر. وقد روي عن النبي ﷺ فيه آثار كثيرة. إلا أن جمهور أهل العلم تأولوها في الزكاة على خلاف ما حملها أبو ذر ﵁. وذهب قوم إلى أن ما في المال حق سوى الزكاة وأنه المراد بالآية، وإن لم يروا الاقتصار على الكفاف كما ذهب إليه أبو ذر. وقد اختلف هل يجوز أن يهب الرجل ماله كله أو ينحله إذا لم يبق ما يكفيه. فأجازه مالك ومنعه سحنون وقال: هو مردود. قال اللخمي: وهو أحسن للقرآن والحديث.
(٢٢٠) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠] .
اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال السدي، والضحاك: إن
стр. 251
العرب كانت عادتهم أن يجتنبوا مال اليتيم ولا يخالطوهم في مأكل ولا مشرب ولا بشيء. فكانت تلك مشقة، فسألوا عنه رسول الله ﷺ فنزلت فعلى هذا نزلت الآية رافعة لحكم غير شرعي فليست إذا بناسخة. وقال ابن عباس، وسعيد بن المسيب: سببها أن المسلمين لما نزلت: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠] تجنبوا اليتامى وأموالهم وعزلوهم عن أنفسهم فنزلت الآية. وقيل: لما نزلت: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ الآية [الأنعام: ١٥٢] اعتزل المسلمون عن مخالطة اليتامى فنزلت الآية. وعلى هذا يمكن أن يقال إن الآية ناسخة لما فعله المسلمون من اعتزالهم اليتامى. قال بعض المفسرين: وهذا أحسن من جعلها ناسخة لقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠] وقيل: إن السائل عبد الله بن رواحة. وأصل اليتيم الانفراد، فيصح أن يقال للمنفرد من أحد أبويه يتيم، وإطلاقه أظهر في اليتم من قبل الأب. وظاهر القرآن في أحكام الأيتام محمول على الفاقد لأبيه وهو صغير. والعرب تسمي المرأة المنفردة عن الزوج يتيمة صغيرة كانت أو كبيرة. قال الشاعر:
إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى
وتسمى الرابية يتيمة لانفرادها عما حولها من الأرض، وهي الدرة التي لا نظير لها اليتيمة. وهذه الآية أصل في ابتغاء ما فيه الصللاح للأيتام فبها يستدل على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق إذا احتيج لذلك لأن فيه مصلحة، وحسن تربية. وعلى أنه لولي اليتيم أن يعلمه أمر الدين
стр. 252
والدنيا، ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلمه الصناعات وينفق عليه من ماله.
وإذا وهب لليتيم شيء فللوصي قبضه لما فيه من الصلاح، وإن خلط نفقة اليتيم بنفقة الوصي جائزًا إذا عاد ذلك بالرفق والتوفير على اليتيم، وإن عاد بالرفق على الوصي فلا يجوز وإن التجارة في أموال اليتامى جائزة إذا كان في لك حظ لهم في قوله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ [البقرة: ٢٢٠].
واختلفوا في دفع ماله مضاربة. والآية عندي دليل لقول من أجازه إذا كان فيه إصلح ماله. ويجوز بيع الوصي عقار اليتيم وشراؤه له على وجه النظر، وهو قول الجمهور حتى قال سفيان: الوصي بمنزلة الأب يبيع إذا رأى الصلاح. وقال ابن أبي ليلى: يبيع ما لا بد منه. وقال يعقوب ومحمد ذلك إذا لم يكن عليه دين، فليس للموصي أن يبيع العقار، وله بيع ما سوى ذلك من الحيوان والعروض. ودليل الجواز قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ فكل ما هو صلاح للموصي فعله. واختلف في الوصي يشتري من مال يتيمه، أو يبيع منه، فعندنا: أنه جائز ما لم يحاب ويكره أو لا. وأجاز أبو حنيفة إذا اشتراه منه بأكثر من ثمن المثل لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن. ولم يجز الشافعي شراءه ولا بيعه على ذلك الوجه. واتفقوا على جواز ذلك للأب، واختلفوا في الجد. فأجازه الشافعي، وأبو حنيفة ولم يجزه مالك، وفي الوكيل فاجازه مالك ومنعه أبو حنيفة، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ فبهذا احتج أصحابنا في المسألة. وكذلك اختلف في تزويج اليتيم، فعندنا وعند أبي حنيفة يجوز تزويجه والتزويج منه. والشافعي لا يرى في التزويج إصلاحًا إلى من جهة دفع الحاجة قبل البلوغ. والحجة للجواز ظاهر القرآن.
стр. 253
والشافعي يجوز للجد التزويج مع الوصي، وأبو حنيفة يجوز للقاضي تزويج اليتيم بظاهر القرآن. فهذه المذاهب نشأت من هذه الآية ومن لا يجوز يقول لم يذكر في الآية التصرف في أموال اليتامى بل قال: ﴿إصلاح لهم خير﴾ من غير أن يذكر فيها الذب يجوز له النظر فلا متعلق في الآية أصلًا من جهة العموم أو ليس للمتصرف ذكر يعم أو يخص. ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿يسألونك عن اليتامى﴾ أي يسألك القوام على اليتامى الكافلون لهم وذلك مجمل لا يعلم منه عين الكافل والقيم ومايشترط فيه من الصفات.
(٢٢١) - قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ [البقرة: ٢٢١] .
اختلف الناس في تأويل هذه الآية فقالت طائفة: المشركات من يشرك بالله إلها آخر، فلم تدخل اليهوديات، ولا النصرانيات في لفظها ولا في معناها. وسببها قصة أبي مرثد كناز بن حصين مع عناق التي كانت بمكة. وقال قتادة وسعيد بن جبير: لفظ الآية العموم في كل كافر والمراد بها الخصوص من غير الكتابيات، وبينت الخصوص آية المائدة. ولم يتناول العموم قط الكتابيات. وقال ابن عباس، والحسن تناولهن العموم ثم نسخت آية سورة المائدة من ذلك الكتابيات وهو مذهب مالك ﵀ ذكره ابن حبيب.
стр. 254
وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه الآية عامة في الوثنيات، والمجوسيات، والكتابيات، وكل ما كانت على غير دين الإسلام باقية على عمومها محكمة ناسخة للآية التي في سورة المائدة، والتي في النساء. وروي هذا عن عمر، ابن عمر. وروي عن ابن عمر أنه سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية؟ فقال: إن الله حرم المشركات على المسلمين، ولا يعلم شيء من الشرك أعظم من أن يقال عيسى ربنا. ويخرج من هذه الأقوال الإجماع على تحريم المشركات من غير أهل الكتاب. وذهب مالك ﵀ وأكثر العلماء إلى أن نكاح حرائر أهل الكتاب جائز، وقد تزوج عثمان ﵁ نائلة بنت الفرافصة نصرانية، وطلحة بن عبيد الله [تزوج] بيهودية، وحذيفة تزوج يهودية. وروي عن ابن عمر والحسن الكراهية فيه، وذهب قوم إلى منعه بناء على التأويل الذب ذكرناه عن ابن عباس في هذه الآية. وحجة مالك ﵀ أن قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة: ٥] ناسخ أو مخصص للآية إذ الجمع بين دليلين أولى من طرح أحدهما، ويبعد تأويل من قال أراد بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أي أتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا، وكذلك لا حجة لمن منع ذلك في قوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخؤ يوادون من حاد الله ورسوله﴾ [المجادلة: ٢٢] وقوله: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ [آل عمران: ٢٨] ونحو ذلك، لأن ذلك المنع إنما يرجع إلى المبايعة على أمر الدين. وقد قيل: إن الآية نزلت في مشركي العرب المحاربين لرسول الله ﷺ وللمؤمنين فنهوا عن نكاحهن دون أهل الذمة والموادعين الذين أمروا بترك قتالهم، وأكثر أهل العلم على كراهة
стр. 255
نكاح الحربيات. وروي عن النخعي أنه قال: لا أعلم شيئًا من نساء أهل الكتاب حرامًا. ومذهب مالك ﵀ منع نكاح المجوسيات، وسائر المشركات سوى الكتابيات. وذهب أبو ثور، والشافعي في أحد قوليه إلى إباحة ذلك في المجوس لأن هأهل كتاب عندهم. وروي عن حذيفة أنه تزوج مجوسية. وحجة مالك ﵀ قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ الآية وقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ الآية. ومما يعضد ما قدمنا عن عمر أنه روي عنه أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وبين يهودية، وبين حذيفة وبين نصرانية، وقالا نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحهما، ولكن أفرق بينكما. وهذا لا يستند خبرًا. وأقوى منه أن عمر أراد التفريق بينهما، فقال له حذيفة: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلهما يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها حرام ولكني أخاف أن تعطلوا المؤمنات بينهن. وروي عن ابن عباس نحو هذا. وأكثر العلماء على كراهة نكاح إماء أهل الكتاب، وتعلق أصحاب الشافعي في ذلك بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ الآية [البقرة: ٢٢١] وأجازه من غير كراهة أبو حنيفة أصحابه. وأم وطؤهن بملك اليمين، فأكثرالعلماء على جوازه، كرهه الحسن، وأكثر العلماء على منع وطئ المجوسيات بملك اليمين، وأجازه طاوس.
ومن منع أو كره فله تعلق بظاهر الآية. قال في سبي أوطاس: إنهن لم يوطأن حتى أسلمن. وذكر عن عطاء، وعمرو بن دينار خلاف ذلك ولا يصح. وظن قوم أن قوله تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود الطول للحرة. وهذا غلط لأنه ليس في
стр. 256
الآية ذكر نكاح الإماء، وإنما تنفير عن نكاح الحرة المشركة لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الإماء، فقال تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ أي إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى أن تكرهوا نكاحها. وقد أجمعوا على تحريم نكاح نساء مشركي العرب، وعبدة الأوثان ورأوا الآية مانعة منهن. وأجمعوا أيضًا أنه لا يحل أن يطأ المشرك المؤمنة لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ وكذلك في قراءة من قرأ في الشاذ: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ دليل على أن النكاح لا بد فيه من ولي، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
(٢٢٢) - (٢٢٣) قوله تعالى: ﴿يسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ إلى قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٢، ٢٢٣] .
اختلف في سبب هذه الآية، فقال قتادة، وغيره: إنما سألوا لأن العرب في المدينة. وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها فنزلت الآية. وقال مجاهد: كانوا يجتنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن فنزلت الآية. وذكر عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح. وقوله ﴿أذى﴾ لفظ جامع لأشياء تؤذي لأنه دم وقذر ومنتن ومن سبيل البول. وكذا قال المفسرون. وذكر الصفة على ما ذكره قبل
стр. 257
الحكم تنبيه على أن تلك الصفة علة لذلك الحكم. وإذا كان ذلك علة فهم منه تحريم الإتيان في غير المأتي لأنها الأذى فيه دائمًا. ولا يجري في المستحاضة لأن ذلك عارض وليس بطبيعي، ولذ لك أجاز أكثر العلماء وطئ المستحاضة، ولم يجوزوه في مجرى الحيض، وإن كان قد كره وطأها النخعي، وابن سيرين وغيرهما. ورويت كراهة ذلك عن عائشة أيضًا. وقال ابن جبير لا يطأها إلا إن يطول ذلك بها والمحيض يحتمل أن يراد به الدم نفسه، ويحتمل أن يردي به موضع الدم كالمقيل والمبيت، إلا أن قوله تعالى: ﴿هو أذى﴾ يدل على أنه أراد به الدم، وإن كان يحتمل أن يريد: قل هو موضع، أذى فحذف المضاف.
(٢٢٢) - قوله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
اختلفوا في كيفية الاعتزال المأمور به على ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه على ظاهر قوله تعالى لأنه أمر باعتزالهن عمومًا ولم يخص شيئًا دون شيء. وهذت إنما ذهب إليه من اتبع ظاهر القرآن، وجهل ما ورد في ذلك عن النبي ﷺ من الآثار، وقدم ظاهر القرآن على خبر الآحاد. وقد روي عن ابن عباس، وعبيدة السلماني نحو هذا أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش وزجته إذا حاضت.
والثاني: إباحة ما فوق الأوزار واعتزال ما دونه لقوله ﵊: ((لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها)) وعلى هذا جمهور
стр. 258
فقهاء الأمصار، وهو مذهب مالك، وجمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين من البغداديين وإليه ذهب أبو حنيفة اتباعًا لما فسر به النبي ﷺ الآية من أن يشد الرجل إزار الحائض، ثم شأنه بأعلاها.
والثالث: إباحة كل شيء منها ما عدا الفرج [اتباعًا لعائشة ﵂ لما سألها عن ذلك كل شيء له منها حلال ما عدا الفرج] وهو الصحيح من مذهب السافعي وإليه ذهب أصبغ. ورأى أن حديث النبي ﷺ إنما جاء حماية للذرائع لئلا يجامعها في الفرج. وهو قول مجاهد. ويحتمل أن يتأول المحيض في الآية على أنه موضع المحيض، فيكون حجة لهذا القول. وحجة مالك ومن تابعه ظاهر الآية والحديث الصحيح.
(٢٢٢) - وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
وقرئ ((يَطَّهَّرْنَ)) وفي مصحف أبي بن كعب ((يتطهرن)) وفي مصحف أنس: ((ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يطهرن)) وقد اختلف في الطهر الذي يحل الوظء فيه ما هو؟ فقال مالك والنخعي، والحسن، ومكحول، وسليمان بن يسار، وعكرمة، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. والحجة لهذا القول في الآية قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾ فأضاف الفعل إليهن، ولا يجوز أن يعود إلى انقطاع الدم لأنه فعلٌ لهن في قطعه فعلم أنه أراد التطهير بالماء، ألا ترى أنه تعالى أثنى على من فعل ذلك بقوله: ﴿يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] والثناء لا يقع إلا على فعل يقع من جهتهم. فتقدير الآية: ولا تقربوهن حتى يتطهرن.
وهذا كقوله: لا تعط زيد شيئًا حتى يدخل الدار فإذا دخل الدار وقعد
стр. 259
فأعطه، ويقتضي أن لا يستحق العطاء إلا بشرطين وهما الدخول والقعود.
وقد يقع التحريم بشيء، ولا يزول بزواله لعلة أخرى كقوله تعالى في المبتوتة: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ [لبقرة: ٢٣٠] وليس بنكاح الزوج تحل له ومعلوم أنه لا توطأ نفساء ولا حائض حتى تطهر فلم تكن ﴿حتى﴾ هاهنا مبيحة لما قام الدليل على حصره. كذا ذكره بعض المفسرين، وبهذه الحجة وفيها نظر لأن ذلك الإضمار لا يخرج الآية على الاحتمال لأن العرب تستعمل طهر وتطهر في المعنيين جميعًا. وإذا كان اللفظ محتملًا حمل على المعنى المتفق عليه أنه يقع الطهر به، وكذلك القراءة الأخرى ((لا يطهرن)) أو ((يتطهرن)) محتمل أيضًا لذلك. وقال بعضهم في الطهر المذكور في الآية، إنه وضوء كوضوء الصلاة ثم تحل للوطئ وحجة هذا القول حمل قوله: ﴿حتى يطهرن﴾ على أنه الطهر الأصغر لا الطهر الأكبر. وقال قوم هو غسل الفرج، وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة، وهو قول الأوزاعي، وروي مثله عن عطاء، وطاوس، وقتادة، وحجة هذا القول قوله: ﴿حتى يطهرن﴾ قالوا معناه حتى ينقطع دمهن فجعل تعالى تمام غاية منع قربها انقطاع دمها، قالوا: ومعنى قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾ إباحة ثانية، وابتداء كلام غير الأول، لأن الطهر شيء التطهير غيره، مثال ذلك لو أن رجلًا صائمًا قال لرجل لاتكلمني حتى أفطر، فإذا صليت المغرب كلمني. فإنما وقع التحريم في المخاطبة في وقت الصوم لأن غاية التحريم كانت إلى الإفطار ثم أباح أن يكلمه
стр. 260
بعد وجوب الإفطار وبعد صلاة المغرب، كما أبيح وطء الحائض بعد الطهر. وبعد التطهير تأكيدًا، للتحليل غير أن قوله: ﴿ويحب المتطهرين﴾ دلالة على أن الذي يأتي زوجته بعد أن تتطهر، بالماء أحمد عند الله تعالى. وهذا الحمد منبه على أن الطهر يكون بغير غسل، والتطهير لا يكون إلا بغسل، وقد قدمت أنهما جميعًا محتملان في اللفظين، وإن كان الطبري قد رجح قراءة من قرأ ((حتى يطهرن)) بالتشديد قال: لأنه يعني حتى يغتسلن. قال: وقراءة التخفيف تعطي انقطاع الدم وإليه ذهب جماعة عدة. وقال أبو حنيفة وأصحابه إن انقطع دمها بعد عشرة أيام التي هي أكثر عدة الحيض جاز له ان يطأها قبل الغسل، وإن انقطع دمها قبل عشرة أيام لم يجز حتى تغتسل، أو يمر عليها الوقت وجبت عليها الصلاة، فعلم أن الحيض قد زال لأن الحائض لا تجب عليها الصلاة. وهذا قول ضعيف، وقال بعض الأصوليين من أصحاب أبي حنيفة: إنما يعمل بالقراءتين جميعًا، فتحمل القراءة المشددة من قوله: ((يتطهرن)) على انقطاع الدم فيما دون الأكثر من أمد الحيض فعند ذلك لا يحل الوطء قبل الغسل، والقراءة المخففة على انقطاع الدم على الأكثر. هذا النظر بعيد جدًا. وذهل قوم إلى أن طهرها انقطاع الدم ولم يذكروا غسلًا ولا غيره وقد يحتجون بالآية. فهذه خمسة أقوال في طهر الحائض الذي يصح وطؤها فيه ولكل بالآية تعلق وعن مالك في الكتابية تحت المسلم إذا حاضت هل تجبر على الاغتسال أم لا؟ روايتان: إحداهما: إجبارها
стр. 261
والجحة له عموم قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإن تطهرن﴾ ولم يخص مسلمة من غيرها.
والرواية الثانية: أنها لا تجبر لأنها غير معتقدة لذلك، فلا يصح منها نية، ولقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] وهذا من الإكراه.
(٢٢٢) - وقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
اختلف في معناه فقيل معناه من حيث أمركم الله تعالى باعتزالهن أو هو الفرج من الركبتين إلى السرة، إلى إلى جميع الجسد على ما تقدم من الاختلاف هذا قول واحد. وقال ابن عباس، وابن زيد: المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض، وقال محمد بن الحنفية من قبل الحلال، لا من قبل الزنى، وقيل: من قبل الإباحة لا صائمات ولا محرمات.
(٢٢٢) - وقوله تعالى: ﴿ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
قيل المعنى المتطهرين بالماء، وهو قول عطاء وغيره. وقال مجاهد وغيره: المعنى من الذنوب. وقال مجاهد أيضًا المعنى من إتيان النساء في أدبارهن. وهذا ينظر لقوله حكاية عن قوم لوط: ﴿أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢]. واختلف في أقل الحيض على ستة أقوال:
أحدها: أنه لا حد من الأيام، وإن الدفعة واللمعة حيض، فإن كان
стр. 262
قبلها طهر فاصل كان حيضة تعتد بها المطلقة من أقرائها وهو قول مالك ﵀.
والثاني: أن أقل الحيض ثلاثة أيام في العدة والاستبراء وما دونه فيكون حيضًا يمنع الوطء والصوم من غير أن يسقط وجوبه، ويمنع الصلاة ويسقط وجوبها. وهو قول مجاهده، وحكي عن مالك مثله.
والثالث: إن أقل الحيض خمسة، يريد في العدة والاستبراء.
والرابع: مذهب أهل العراق أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وما دون الثلاثة أيام لا يحكم لها بحكم الحيض، فتقضي المرأة صلاة تلك الأيام.
والخامس: مذهب الشافعي أن أقل الحيض يوم وليلة. وروي عن علي ﵁ أن أقل الحيض يومان. والحجة لقول مالك ﵀ في الآية قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] وفيه دليلان.
أحدهما: اقتضاؤه بالجواب عن سؤالهم عن الأخبار بأنه أذى، وذلك يقتضي أن كل أذى حيض، إلا ما قام عليه الدليل.
والآخر: أنه علل الأمر باعتزالهن بشرط كونهن حيضًا، فيجب أن كون هنا طريق يعلم به كون الدم حيضًا قبل تقدم وقته فيصح أن يكون هنا طريق يعلم به كون الدم حيضًا قبل تقدم وقته فيصح له الاعتزال في حيضهن. ولو كان لا يعلم مضي وقت ما كان الأمر باعتزالهن مشروطًا مما لا طريق إلى العلم بحصوله إلا بعد فراغه وتقضيه. وهذا باطل.
واختلف أيضًا في أكثر الحيض فذهب مالك، وأصحابه إلى أن أكثره خمسة عشر يومًا. وذهب أبو حنيفة إلى أن أكثره عشرة أيام. ودليل
стр. 263
مالك قوله تعالى: ﴿قل هو أذى﴾ وذلك يوجب أن كل اذى خرج من الفرج حيض إلا ما قام الدليل على أنه ليس بحيض، ودليل مالك على أن ما زاد على الخمسة أيام ليس بحيض قول النبي ﷺ : ((إنكن ناقصات عقل ودين)) ثم سئل ﷺ عن ذلك، فقال: ((تقعد إحداكن شطر دهرها لا تصلي)) ويأتي لمالك في أكثر الحيض قول آخر، وهو أن أكثر حيض كل امرأة أيامها المعتادة مع الاستظهار ما بينها وبين خمسة عشر يومًا فعلى هذا في المسألة ثلاثة أقوال.
(٢٢٣) - قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣] .
اختلف في سبب هذه الآية، فقال جابر بن عبد الله، والربيع سببها أن اليهود قالت: إن الرجل إذا أتى المرأة من دبرها جاء الولد أحول، وعابت على العرب ذلك فنزلت الآية، تتضمن قولهم. وقالت أم سلمة وغيرها: سببها أن قريشًا كانوا يأتون النساء في الفرج على هيئات مختلفة، فلما قدموا المدينة وتزوجوا الأنصاريات أردوا ذلك، فلم ترده نساء المدينة إذ لم تكن عادة رجالهم إلا الإتيان على حالة واحدة وهي الانبطاح، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، وانتشر الكلام في ذلك فنزلت الآية مبيحة للهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث.
وقوله: ﴿حرث﴾ تشبيه لأنه من زرع الذرية فلفظ الحرث يعطي أن الإباحة لم تقع في الفرج خاصة إذ هو المزدرع.
стр. 264
(٢٢٣) - قوله تعالى: ﴿أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣] .
اختلف في معناه، فذهب قوم إلى أن معناه كيف شئتم. وقال الضحاك: متى شئتم. وقيل: معناه من أين شئتم. أي من أي الجهات شئتم. وهذا قول قتادة والربيع بن أنس. وقيل: معناه أين شئتم. وهذا أضعف التأويلات. وقد اختلف الناس في جواز وطئ النساء في أدبارهن. وحجة من ذهب لإجازته ظاهر الآية. وانفصل عن ذلك القائل بتحريمه، بأن المراد بها ما نزلت عليه من السبب، والعموم إذا خرج على سبب قصر عليه عند بعض أهل الأصول. وعن مالك في هذا الأصل روايتان: إحداهما: ما قدمناه. والثانية: أنه لا يقصر على سببه بل يحمل على عمومه. وعلى هذه الرواية تكون الآية حجة لمن نفى التحريم. ولكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع منه فيكون ذلك تخصيصًا لعموم الآية بأخبار الآحاد، وفي ذلك خلاف بين الأصوليين. وروي عنه ﷺ : ((إتيان النساء في أدبارهن حرام)) وقال: ((ملعون من أتى المرأة في دبرها)) وقال: ((من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على قلب محمد)). وقد روي عن مالك إباحة وطئ المرأة في دبرها. وذكر عنه أنه كان يحتج بهذه الآية وبقوله
стр. 265
تعالى: ﴿أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦] ويقول إن ذلك أحل من ماء القراح أو كلامًا هذا معناه. وروي عنه أنه كان يحتج أيضًا لإباحة ذلك بقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٦٥] ويرى أن عموم ذلك يقتضي إباحة وطئهن فيما هنالك. والجواب عن ذلك أن معنى الآية الأولى: ﴿ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ [الشعراء: ١٦٦] مما فيه شهوتكم من إتيان الفرج. وأما الآية الأخرى فدالة على الإباحة المطلقة لا على موضع الإباحة كما لم تدل على وقت الإباحة في الحائض وغيرها، ومما يتعلق به من حرم الوطء هنالك أن قوله تعالى: ﴿قل هو أذى﴾ [البقرة: ٢٢٢] تعليل لتحريم وطئ الحائض بما يقتضي تحريم الوطء في اتلموضع المتنازع فيه لأنه موضع الأذى. وهذا المعنى، كان يقتضي تحريم وطئ المستحاضة لولا الحرج في تحريم وطئها لطول أمد الاستحاضة. وروى عنه علي بن زياد أنه سأله عن إتيان النساء في الدبر، فأباه وأكذب من نسبه إليه. وهذا هو الذي يليق بمالك ﵀. وروي عن عبد الله بن عمر إجازته. وروي عنه أيضًا خلافه وتكفير من فعله.
ورواية الإباحة أيضًا عن أبي مليكة، ومحمد بن المنكدر.
(٢٢٣) - وقوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ [البقرة: ٢٢٣] .
قال السدي معناه قدموا الأخذ في تجنب ما نهيتم عنه وامتثال ما أمرتم به، وقال ابن عباس: هي إشارة لذكر الله على الجماع. كما قال النبي ﷺ : ((لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال: الهم جنبنا الشيطان وجنب
стр. 266
الشيطان ما رزقتنا، فقضى بينهما ولد لم يضره)) وقيل معناه قدموا لأنفسكم طلب الولد. وقد اختلف في العزل عن الزوجات. فأجازه قوم.
وروي ذلك عن ابن عباس. وروي أنه احتج بهذه الآية ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ الآية وهذه الحجة عندي إنما تصح مع تأويل ﴿أنى﴾ على كيف. وقال بعض من قال هذا إنما حقها الوطء دون الإنزال وكرهه طائفة. ورووا عن النبي ﷺ أنه قال: ((ذلك الوأد الخفي)) ويعضد هذا قول من فسر ((قدموا لأنفسكم)).
وقال مالك ﵀ إن أذنت الزوجة الحرة في ذلك، وأذن موالي الزوجة الأمة جاز وإن لم يأذنوا لم يجز وهذا هو الصحيح لأن الوطء لا يتم إلى بالإنزال فيهن في حق المرأة. وقال الشافعي: يجوز العزل في الأمة دون إذنها وإذن مواليها. وأما الحرة فلا يجوز إلا بإذنها.
قوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٤ - ٢٢٦]. العرضة الاعتراض أي لا تعرضوا باليمين. وقيل: عدة. قال عبد الله بن الزبير: فهذي الأيام الحروب وهذه ... للهوى وهذي عرضة للنوائب. وقيل: ﴿عرضة﴾ قوة لأيمانكم. وقيل: ﴿عرضة﴾ بمعنى منع أي مانعة لكم.
(٢٢٤) - وقوله تعالى: ﴿أن تبروا﴾ [البقرة: ٢٢٤] .
стр. 267
يحتمل أن يكون متصلًا بما قبله على أنه مفعول من أجله على تقدير ما يقتضيه المعنى، أو مفعول لعرضة إذا كانت بمعنى المنع، ويحتمل أن يكون منقطعًا مما قبله على تقدير الابتداء. كأنه قال أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أحسن وأفضل ونحو ذلك، فحذف الخبر لدلالة الكلام عليه. ولأجل هذه التقديرات اختلف المتأولون في قوله: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ فقيل: المعنى ألا تعرضوا باليمين بينكم وبين فعل البر فتجعلوها حجة مانعة من البر والتقوى، والإصلاح بين الناس يقول: إن يحلف الرجل ولا يبر ولا يصلي ولا يصلح بين الناس، إذا دعي إلى بر أو إلى تقوى أو إصلاح بين الناس. قال: قد حلفت فيجعل اليمين معترضة بينه وبين ما ندب إليه فالمعنى كراهة أن تبروا وإرادة أن لا تبروا ولأجل ذلك قال جماعة من أهل العلم اليمين لا تحرم ما أحل الله، ولا تحل ما حرم الله. فإذا حلف حالف أن لا يفعل شيئًا من البر فليفعل وليدع يمينه، ودل على هذا قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة﴾ الآية [النور: ٢٢] وفي الحديث الصحيح ((من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير)). وقيل: المعنى ولا تكثروا الحلف بالله في كل شيء، وهو من الجرأة على الله تعالى، والابتذال لاسمه في كل حق وباطل، ومن أكثر ذكر شيء فقد جعله عرضة.
وقال بعض المتأولين: المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فيحلف حانثًا ليكمل غرضه. ويقوي أن المراد بها الإكثار من اليمين بالله ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: نزلت في تكثير اليمين بالله نهيًا أن يحلف الرجل بارًا فكيف فاجرًا.
стр. 268
وقد جاء عن مالك ﵀ نحو هذا في تفسير الآية قال: إنه الحلف بالله تعالى في كل شيء. وعن عمر أيضًا قريب من هذا القول أن اليمين بالله وإن كان الحالف بها صادقًا مكروه. وقال بعض أهل العلم: اليمين بالله من الأيمان المباحة. وما روي من أن عيسى ابن مريم ﷺ كان يقول لبني إسرائيل إن موسى ﷺ : ((كان ينهاكم أن تحلفوا بالله كاذبين، وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله صادقين أو كاذبين)) ظاهره أن شرعه خلاف شرع موسى ﵇، وخلاف شرعنا في إباحة الحلف بالله دون كراهة. ويحتمل أن يكون إنما كره لهم اليمين بالله صادقين مخافة أن يكثر ذلك منهم فيكون ذريعة إلى حلفهم بالله على ما لم يعلموه، يقينًا أو يوافقوا الحنث كثيرًا أو يقصروا في الكفارة فيقعوا في الحرج، لا أن ترك اليمين باللخ على الصدق أفضل من الحلف بها، لأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ باليمين باسمه في ثلاثة مواضع، فقال: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق﴾ [يونس: ٥٣] وقال: ﴿قل بلى وربي لتبعثن﴾ [التغابن: ٧] وقال: ﴿قل بلى وربي لتأتينكم﴾ [سبأ: ٣] وقال الزجاج وغيره: معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل بالله تعالى، فقال: على يمين وهو لم يحلف. وهذا هو الاختلاف في تأويل الآية. وقد اختلف أيضًا في سببها، فقال ابن جريج: نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ إذا حلف أن يقطع إنفاقه على مسطح بن أثاثة حين تكلم في حديث الإفك. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ مع ابنه عبد الرحمن في حديث الضيافة حين حلف أبو بكر أن لا يأكل الطعام. وقيل: نزلت في عبد الله بن
стр. 269
رواحة مع بشير بن سعد حين حلف أن لا يكلمه. واليمين الحلف، وأصله أن العرب اكنت إذا تحالفت أو تعاهدت، أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف يمينًا.
(٢٢٥) - قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] .
اختلف في لغو اليمين الذي يؤاخذكم الله تعالى به ما هو؟ فقال ابن عباس، عامر الشعبي وأبو صالح، ومجاهد: لغو اليمين قول الرجل في درج كلامه واستعماله في المحاورة لا والله، وبلى والله، ودون قصد اليمين.
وذهب إلى هذا إسماعيل القاضي، وهو قول الشافعي. وروي أن قومًا تراجعوا الكلام بينهم وهم يرمون بحضرة رسول الله ﷺ فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطات يا فلان فإذا الأمر بخلافه. فقال الرجل: أحنثت يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : ((أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا إثم)). وقال أبو هريرة، وابن عباس أيضًا، والحسن، ومالك بن أنس وجماعة من العلماء لغو اليمين ما حلف به الرجل على يقينه، وكشف الغيب خلاف ذلك. وهذا اليقين غلبة الظن به الرجل على يقينه، وكشف الغيب خلف ذلك. وهذا اليقين غلبة ظن أطلق الفقهاء عليه لفظ اليقين تجوزًا قال مالك: مثل أن يرى الرجل على بعد فيعتقد أنه فلان لا شك
стр. 270
فيحلف، ثم يجيء غير المحلوف عليه. وسواء في هذا قصد اليمين أو لم يقصدها لا إثم فيها، ولا كفارة خلافًا للشافعي في قوله إذا قصد اليمين، فليس بلغو، وفيه الكفارة ولا إثم فيه. وفي المذهب مثل هذا القول. وقال سعيد بن المسيب، وابو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله، وعروة ابنا الزبير لغو اليمين الحلف في المعاصي كالذي يحلف ليشربن الخمر، أو ليقطعن الرحم فيرى ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه. وقال سعيد بن جبير مثله، إلا أنه قال يكفر. فأشبه قوله في الكفارة قول من لا يراها لغوًا. وقال عبد الله بن عباس أيضًا، وطاوس: لغو اليمين الحلف قي حال الغضب. وروى ابن عباس؛ إن رسول الله ﷺ قال: ((لا يمين في غضب)) وهذا خلاف قول الجمهور إن اليمين في الغضب لازمة. وقال مكحول الدمشقي، وجماعة من العلماء: لغو اليمين أن يحرم الرجل على نفسه ما احل الله فيقول مالي علي حرام إن فعلت كذا وكذا، أو الحلال على حرام. وقال بهذا القول أيضًا مالك إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الخالف بقلبه. وقد جعل بعضهم في كل ما يحرمه الإنسان من مال أو غيره كفارة، فليس من لغو اليمين على ذلك. وقال زيد بن أسلم وابنه: لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، وهو يهودي، هو مشرك، هو لغية إن فعل كذا. وقد جعل بعضهم في هذا شبهه الكفارة، فلا يكون لغوًا على ذلك. وقال ابن عباس أيضًا والصحاك: لغو اليمين هي المكفرة أي إذا كفرت فحينئذ سقطت
стр. 271
وصارت لغوًا لولا يؤاخذكم الله بتكفيرها والرجوع إلى ما هو خير. وقال النخعي: لغو اليمين ما حنث فيه الرجل ناسيًا والأكثر على إيجاب الكفارة في ذلك، وإن حنث ناسيًا فلا يكون على قولهم لغوًا. وقيل: لغو يمين المكره وإنما يقوي بعض هذه الأقوال، ويضعف بحسب ما ذكر الله في الآية من اللغو والكسب. وذلك أن اللغو ما لم يتعمد، وما حقه إن يسقط، وكسب ما قصده ونواه والمؤاخذى يحتمل أن تكون هي الأخذ بالكفارة، ويحتمل أن يريد بها عقوبة الآخرة. ولغو اليمين لا يكون إلا في اليمين بالله وإن كان قوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ عامًا في جميع الأيمان بالله وبغيره لكنه لما لم يقع ذكر اللغو إلا مع اليمين بالله تعالى لم يحمل على سواه. وبعضهم يجعل في اليمين بالطلاق لغوًا فلا يرى فيه شيئًا، وذلك أنهم اختلفوا فيمن حلف بالطلاق من غير إرادة فسبقه لسانه إليه. فأوجب الجمهور عليه الطلاق إذا حنث، وذهب جماعة إلى أنه لا حنث عليه منهم الشافعي، ويروى عن ابن نافع وحجتهم عموم هذه الآية، فلم يخص اللغو بالحلف. قالوا ثم قال الله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ وإذا سبق الطلاق إلى اللسان، فليس للقلب فيه كسب، فلا يؤاخذه الله به. وهكذا تأتي اليمين بالعتق على قياس هذه المسألة.
وقد اختلف في الطلاق بالنية فعن مالك فيه قولان، وأن يلزم أصح لأنه مما قد اكتسبه بقلبه، والله تعالى قد قال: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾.
واختلف أيضًا فيمن حلف بالطلاق دون نية أم لا؟ فعن مالك قولان
стр. 272
أصحها أن لا يحنث لأنه تعالى: ﴿لا يؤاخذكم﴾ إلا بما كسبت القلوب، وهذا مما لم يكسبه القلب ولم يكن فيه إلا اللفظ، وقد قال النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)).
وقد اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] فقال ابن عباس، والنخعي وغيرهما: ما كسب القلب هي اليمين الكاذبة الغموس فهذه فيها المؤاخذة في الآخرة. وقال زيد بن أسلم: هو الرجل يقول هو مشرك إن فعل، أي هذا لغو إلا أن يعتقد الإشراك بقلبه ويكسبه. وقد اختلف في الغموس هل فيها كفارة أم لا؟ مع اتفاقهم على أن فيها إثمًا. فذهب بعضم إلى أنه كما فيها مؤاخذة في الآخرة، فكذلك فيها في الدنيا كفارة. ومن حجتهم أن يتأولوا المؤاخذة في الآخرة خاثة لا في الدنيا. قال بعضهم ومن حجتهم أيضًا قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾ [المائدة: ٨]. ويمين الغموس محلولة غير منعقدة، ويلزم على مساق الآية، وعلى ما يقتضيه كلام العرب أن تكون المؤاخذة المذكورة في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾ الآية. وعلى حسب هذا ينبغي أن تحمل التأويلات الواردة على العلماء في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله﴾ الآية فأخرج عن هذا ضعف القول به، وقد ظن قوم أن المراد بقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله﴾ أن المؤاخذة في الآخرة، وأن المؤاخذة لا تجب في الدنيا، وليس كما ظنوه، فإنه تعالى قال في الأخرى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾ الآية [المائدة: ٨]
стр. 273
فجعل المؤاخذة المستدركة بقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم﴾ الكفارة فيجب أن تكون المؤاخذة المنفية أولًا هي المؤاخذة بالكفارة.
(٢٢٦) - وقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ إلى قوله: ﴿عليم﴾ [البقرة: ٢٢٦] .
ومعنى قوله تعالى: ﴿يؤلون﴾ يحلفون هذا عبارة بعض المفسرين وعبر بعضهم بأن الإيلاء الامتناع. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس ((للذين يقسمون)). وقال قوم: الإيلاء في لسان العرب الامتناع من فعل الشيء، يقال تألى فلان أن يفعل خيرًا أي امتنع، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم﴾ [النور: ٢٢] أي امتنع، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يأتل ألوا الفضل منكم﴾ [النور: ٢٢] أي لا يمتنع. ويحتمل على هذا أن يكون معنى الآية للذين يمتنعون من نسائهم باليمين على ذلك. فرجع التفسيران بمعنى واحد. وأصل هذا أن الرجل كان في الجاهلية إذا كره المرأة وأراد أن لا يطأها ولا ينكحها غيره حلف عليها ألا يقربها، فتركها لا أيمًا ولا ذات زوج إضرارًا بها. وفعل ذلك في أول الإسلام. فحد الله للمولي من ارمأته بهذه الآية حدًا لا يتجاوزه. واختلف في تقدير الآية، فقيل: معنى الكلام للذين يحلفون أي يعتزلوا من نسائهم تربص أربعة أشهر. والتربص التوقف والنظر. وترك ذكر أن يعتزلوا في الآية اكتفاءً بدلالة ما ظهر من الكلام عليه، كقوله: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر﴾ [البقرة: ١٨٤] وقال الفراء: ((من)) في الآية بمعنى ((على)) كأنه قال للذين يؤلون على نسائهم، والتقدير الأول أحسن. وليس في ألفاظ هذه الآية ما يدل على اليمين التي يكون بها الإيلاء ما هي؟ وعلى المدة التي يؤثؤ الحلف عليها كم هي؟ ولا
стр. 274
على النساء المحلوف عليهن من هن؟ ولا على الحالف من هو؟ فتجاذب العلماء في ذلك نظرًا واجتهادًا فمن ذلك اليمين، وقد اختلفوا فيها بحسب القول في العموم والخصوص على أربعة أقوال: فذهب مالك ﵀ إلى أنها اليمين على ترك الجماع واليمين التي يلحق الحالف بها عن الحنث فيها جكم بأن لا يطأ زوجته إضرارًا بها. وقال به عطاء وغيره وعلي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس، والحسن بن أبي الحسن: هي يمين الرجل أن لا يطأ زوجته على وجه مغاضبة ومشاورة، وسواء كان في طي ذلك إصلاح أو لم يكن، فإن لم يكن عن غضب، فليس بإيلاء. وقال ابن سيرين: وسواء كانت اليمين من غضب، أو من غير غضب فهو إيلاء بكل حال. وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو حنيفة. وقال الشعبي والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وابن المسيب كل يمين حلفها الرجل أن يطأ زوجته ولا يكلمها أو أن يغاضبها، فذلك كله إيلاء. وقال ابن المسيب منهم: إلا أنه إن حلف أن لا يكلم، وكان يطأ فليس بإيلاء، وإنما يكون اليمين على غير الوطء إيلاء إذا اقترن بالمتناع من الوطء. وأقوال من ذكرنا مع سعيد محتملة ما قال سعيد ومحتملة أن يريدوا أن ما أدى من اليمين إلى فساد العشرة إيلاء. وإلى هذا الأخير ذهب الطبري. وعلى ما قدمته تركب الخلاف، فمن حلف أن لا يطأ ارمأته حتى تفطكم ولدها فالمشهور من المذهب أنه ليس بمول لأنه لم يقصد ضررًا وإنما أراد إصلاح ولده. وذكر عن أصبغ أنه مول وللمرأة الفراق إذا لم يفيء. وكأن هذا جنوح إلى مذهب الشافعي، وأبي حنيفة. وغيرهما والذي يعضد مذهب
стр. 275
مالك أن عموم الآية خرج عن سبب وهو ما كانت الجاهلية تفعله من الحلف على الوطء إضرارًا بالمرأة. والعموم إذا خرج على سبب فعن مالك روايتان:
إحداهما: أن يقتصر على سببه ولا يحمل على عمومه فإذا قصرت الآية على السبب الذي نزلت فيه صح مذهب مالك ﵀. وكأن مالكًا ﵀ نظر إلى هذا في هذا القول. وأما أبو حنيفة والشافعي رحمهما اله فلم يقصرا ذلك على سببه وحملاه على عمومه في الامتناع من الوطئ كيف كان، وكأن من ذهب إلى فساد العشرة إلى أن حمل عموم الآية على الامتناع عن الوطء وعلى غيره مما يفسد العشرة، فعلى هذا لا يضمر في الآية. كما قدمنا أن يعتزلوا نساءهم بل يعتبر فيه لفظ أعم منه. وكأن الذين راعوا في ذلك الغضب خصصوا عموم الآية بالعادة، لأن العادة في الأكثر أن لا يحلف الإنسان على الامتناع من وطء امرأته، وهو غاضب فحملوا الآية على ذلك. وهذا أصل فيه بين الأصوليين خلاف. واختلفوا أيضًا في حد المدة التي يكون الحالف يترك الوطئ فيها موليًا أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا يكون موليًا إلا من حلف أن لا يطأ امرأته على التأبيد، وأطلق اليمين ولم يقيدها بصفة مخصوصة، فإن قيدها بصفة مخصوصة مؤقتة فليس بمول. وهذا قول ابن عباس.
والثاني: أنه لا يكون موليًا، حتى يزيد على أكثر من أربعة أشهر، ولو بيوم، وهذا مذهب مالك ومن تبعه. وقد تأول على المذهب أنه لا يكون موليًا حتى يزيد على الأربعة أشهر أكثر مما يتلوم به عليه إذا قال: أنا أفيء. وهذا غلط.
والثالث: أنه يكون موليًا، وإذا حلف على أربعة أشهر فصاعدًا أو لا
стр. 276
يكون موليًا إن حلف على أقل منها, وهو مذهب أبي حنيفة وأهل العراق. وذكره ابن لبابة عن أصبغ.
والرابع: أنه يكون موليًا، إذا حلف على كثير من الأوقات، وأو قليل أن لا يجامع فتركها أربعة أشهر من غير جماع. وهو مذهب ابن أبي ليلى وظائفة من أهل الكوفة. والدليل على ابن عباس قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ فعم ولم يخص مؤبدًا من غير مؤبد.
والدليل على أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ فهذه أدلة. أحدها أنه تعالى أضاف مدة التربص إلى الزوج وجعلها حقًا له، وما كان حقًا للإنسان لم يكن محلًا لوجوب خلق عليه كالآجال في الديون وغيرها، والدليل على ابن أبي ليلى ومن تابعه أنه إذا حلف على يوم يصير بعد مضيه ممتنعًا من غير يمين، فكان كمبتدئ الامتناع من غير يمين. وقد اختلف فيمن حلف أن لا يطأ أربعة أشهر، فمضت الآربعة أشهر فقال مالك والشافعي لا يكون موليًا. وقال أبو حنيفة: يكون موليًا، ويقع به الطلاق وإن لم ينو الإيلاء. ووجه الاستدلال عليه من الآية أن الله تعالى أضاف الفيء والطلاق إلى المولي فدل على أنهما يتعلقان بفعله.
وأيضًا فإنه تعالى قال: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٢٧] فاقتضى ذلك أن يكون عزيمة الطلاق واقعة على وجه فيسمع وعندهم أن عزيمة الطلاق ترك الوطء مدة التربص وذلك لا يتأتى فيه سماع. وقال تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ خلافًا لمن يعتبر في الأجل النساء.
وأما أبو حنيفة والمزني فجعلا الإيلا من الحرة أربعة أشهر ومن الأمة شهرين. واختلف في أجل إيلاء العبد من زوجته فذهب الشافعي، وأبو
стр. 277
حنيفة، وأحمد، وأبو ثور إلى أن أجله أربعة أشهر. ومن حجتهم عموم الآية وأن الحرو العبد يدخلان تحت عموم قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ الآية، وفي مثل هذا بين الأصوليين خلاف. وذهب مالك، والزهري، وعطاء، وإسحاق إلى أن أجله شهران قياسًا على الطلاق. وفي تخصيص عموم القرآن بالقياس خلاف. وذهب الحسن إلى أن أجله من الحرة أربعة أشهر ومن الأمة شهران. وهذا قول مبني على اعتبار الأجل بالنساء. وهو باطل، وإنما يعتبر بالرجال والدليل من الآية أن الله تعالى قد جعل في هذه الآية مدة التربص حقًا للزوج والحقوق معتبرة بمن جعلت له كالطلاق وغيره، واختلف في الإيلاء من غير المدخول بها هل يلزم أم لا؟ فذهب مالك، وأصحاب الشافعي وأصحاب الرأي والأوزاعي، والنخعي، وغيرهم إلى أن المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء منها. وذهب الزهري، وعطاء، والثوري إلى أنه لا إيلاء إلا بعد الدخول.
ووجه الرد عليهم من الآية أنه تعالى قال: ﴿من نسائهم﴾ فعم غير المدخول بها من النساء، فيلزم فيها الإيلاء. واختلفوا في الإيلاء من الصغيرة مدة تنقضي قبل بلوغها هل له حكم أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه لا حكم له. وذهب أبو حنيفة إلى أنه له حكمًا يضرب له المدة من وقت اليمين. ومن حجته التعلق بعموم الآية. واختلفوا أيضًا في الخصي والذي قد بقي من ذكره ما لا يمكن أن يطأ به والشيخ الفاني إذا آلى أحدهم هل يكون لإيلائه حكم أم لا. فذهب مالك إلى أنه لا حكم لإيلائه. وللشافعي قولان: أحدهما: أن الإيلاء منهم ينعقد ويفيء باللسان. ومن حجته أيضًا التعلق بعموم الآية. وقد اختلفوا فيمن حلف ليعزلن عن زوجته. فقيل: ليس بمول لأن الوطء موجود فيه. قال
стр. 278
عبد الحق: وهذا ليس بصواب لأن الإنزال من حقوق الزوجة إذ لا يجوز أن يعزل عناه إلا بإذنها. وقال أبو عمران الفاسي: قد اختلف فيمن حلف أن لا يبيت عند زوجته هل تطلق أم لا؟ وهو يطأ بالنهار. وقال عبد الحق: فإذا قد احتلف في هذا ففي العزل أولى أن نطلق عليه. وكذلك اختلفوا فيكم حلف أن لا يطأ زوجته إلى أن تسأله لك فهل هو مول أم لا؟ وقال سحنون: ليس بمول لأن الامتناع من قبلها. واختلفوا أيضًا إذا ترك الوطء مضارًا وطال ذلك منه بغير يمين فهل يلزمه حكم المولي أم لا؟ فذهب مالك إلى أن له حكم المولي. وذهب غيره إلى خلاف ذلك، ومن حجة غيره ظاهر الآية لأنه تعالى أثبت له ذلك الحكم فعليه الدليل. ومن حجة مالك قوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقد روي عن مالك في هذه المسألة أن للمرأة أن تقوم بالفراق من غير أن يضرب لها أجل. وأما إن ترك الوطء غير مضار مثل أن يتركه لعبادة أو نحو ذلك، فقيل لها أن تقوم بالفراق من غير أجل وهو قول مالك. وقال: يضرب له أجل المولي، وهذا قياس على المولي. وأما على تأويل من تأول الآية على معناها للذين يمتنعون من نسائم تربص أربعة أشهر، فالحجة فيها بينة.
وقد اختلف فيمن قطه ذكره أو نزلت به علة منعته من الإصابة. فقال مالك مرة: لزوجه القيام بالفراق، وقال مرة: لا قيام لها ولو تعمد قطع ذكره كان ذلك لها قولًا واحدًا. واختلف الفقهاء فيما يستحسن أن يكتب في الصدقات من قدر أجل المغيب في غير سبيل الحج، بعد اتفاقهم على أن ذلك ليس بلازم فمال جل المذهبين. بل كلهم إلى أنه يضرب له في ذلك ستة أشهر، وعلى ذلك
стр. 279
بنوا الصدقات للحديث المروي عن عمر أنه سأل كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقيل له أربعة أشهر أو ستة أشهر. فكان لا يبعث بعثًا في الغزو لأكثر من ذلك نظرًا للزوجات. وقال بعض الفقهاء إلى أن يضرب في ذلك أربعة أشهر استحسانًا لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ قالوا فألزم الله تعالى المولي عند انقضاء الأربعة أشهر أن يفيء أو يطلق، ولم يجعل للزوجة قيامًا قبلها. وقد روي في حديث علي ﵁ أنه لما سأل النساء ذكرن له أربعة أشهر ذكره اللخمي.
(٢٢٦) - وقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] .
اختلف العلماء في تأويله، فقال قوم إلى أن معناه فإن فاؤوا فيهن أي في الأربعة أشهر. وقرأ أبي بن كعب ((فإن فاؤوا فيهن)) وروي عنه: ((فإن فاؤوا فيها)) وذهب قوم إلى أن تقديره فإن فاؤوا بعدهن وعلى هذين التأويلين جاء اختلافهم في حكم المولي بعد انقضاء أجل الإيلاء، فذهب مالك في المشهور عنه وجميع أصحابه إلى أنه لا يقع عليه طلاق، وإن مرت به سنة حتى يوقف فإما فاء وإما طلق. وروي هذا القول عن علي، وعمر وابن عمر، وعثمان، وعائشة وأبي الدرداء، وهو مذهب أهل المدينة. وقول الشافعي وأبو ثور، وأبي عبد الرحمن، وأحمد بن حنبل، إسحاق بن راهويه لأن المعنى عندهم فإن فاؤوا بعد الأربعة أشهر. ذهب مالك أيضًا فيما روي عنه إلى أن الفيء في الأربعة أشهر توسعة، فإذا انقضت طلقت عليه ولم يؤمر بالفيئة بعدها. وهذا قول ابن شبرمة،
стр. 280
وروي مثله عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، ومكحول، وابن شهاب. وهذا القول مبني على أن التأويل في الآية ﴿فإن فاؤوا فإن﴾، وحكى الروايتين عن مالك ابن خويز منداد. وذهب مالك أيضًا فيما روى أشهب عنه إلى أنه إذا وقف بعد انقضاء الأربعة أشهر، فقال أنا أفيء فهل حتى تنقضي عدتها، فإن لم يفعل بانت منه لانقضاء عدتها وهو قولة بين القولين على طريق الاستحسان غير خارجة عن قياس. وعلى قول من رأى التوقيف إذا وقف فلم يفئ اختلف فيه. فذهب مالك إلى أن الإمام يطلق عليه. وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه لا يطلق عليه الإمام ولكنه يحبسه ويضيق عليه حتى يطلق بنفسه. وفي ظاهر الآية حجة لهذا القول إلا أن يتأول، لأنه إنما جعل الفيء والطلاق للمولي لا لغيره، وإذا طلق بنفسه أو طلق الحاكم عليه فإن الطلاق رجعي. وقال أبو ثور يقع بائنًا. ومن حجة أصحاب مالك ﵀ قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولا تملك المرأة أن تطلق نفسها بعد مضي المدة خلافًا لقوله تعالى: ﴿فإن عزموا الطلاق﴾ [البقرة: ٢٢٥] فأضافه للأزواج. ورجعة المولي معتبرة بالوطء، فإن وطئ صحت. وإن لم يطأ حتى انقضت بانت منه ولا يضرب لها أجل ثان. وقال الشافعي يضرب لها أجل ثان. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة: ٢٢٦] فأوجب وقفًا واحدًا أو مدة محصورة. واختلفوا في الفيء ما هو؟ فذهب جماعة من العلماء إلى أنه الجماع إلا أن يكون له عذر يمنعه منه فيكون الفيء باللسان إذا شهد على ذلك. وقال آخرون والفيئة له بالقول في كل حال، وتعلقوا بظاهر الآية. وحكى بعضهم عن ابن جبير، وابن المسيب أن الفيء لا يكون إلا بالجماع، وإن كان صاحبه مسجونًا أو في سفر مضى عليه حكم الإيلاء إلا إن يطأ، ولا عذر له ولا فيء بقول وقال مالك ﵀: لا يكون الفيء إلا بالوطء أو بالتكفير في حال العذر. قال
стр. 281
ابن القاسم: إلا أن تكون يمينه مما لا يكفرها لأنه لا يقع عليه إلا بعد الحنث، فإن القول يكفيه ما كان معذورًا.
واختلف في اليمين قوله بالله هل يكفي فيها الفيء بالقول أو لعزم على التكفير أم لا بد من التكفير؟ والإيلاء فيء وهذا القول أصح في النظر لأن الفيء لا يتحقق إذا سقطت اليمين.
(٢٢٦) - وقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٦] .
قيل: غفور لهم فيما اجترموا من الحلف على ترك وطء نسائهم وتحنيث أنفسهم بالفيء إلى ذلك. رحيم بهم وبغيرهم من عصاة المسلمين وقيل: إنما معناه غفور فيما بعد الأربعة أشهر لأنه تعالى قد أباح للمولي التربص أربعة أشهر والغفران إنما يكون مما هو محصور، ولم تتقدم فيه إباحة. وهذا التأويل يشد مذهب مالك ﵀ في أن المولي لا يقع عليه طلاق ما لم يوقف، وإن مكث سنة أو أكثر.
واختلفوا في الفيء هل يسقط عليه الكفارة أم لا؟ فذهب قوم إلى أن الكفارة تسقط عنه بذلك. وقالوا لقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ وهو مذهب الحسن، والنخعي، وغيرهما ممن يرى أن كل حانث في يمين في المقام عليها حرج، فلا كفارة عليه في حنثه وإن كفارتها الحنث فيها. والذي عليه جمهور الفقهاء، وعامة العلماء إيجاب الكفارة على كل من حنث في يمينه برأ كان الحنث فيها أو غير بر.
(٢٢٧) - وقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ الآية [البقرة: ٢٢٧] .
стр. 282
عزيمة الطلاق على مذهب مالك، ومن قال بقوله إيقاعه بعد الإيقاف. وعند أهل العراق وقوعه عند انقضاء أجل الإيلاء. والدليل لقول مالك ومن قال بقوله قوله تعالى: ﴿فإن الله سميع عليم﴾ وسميع لا يكون إلا النطق لأن الكلام هو الذي يسمع، وإذا انقضى أجل الإيلاء فليس بمسموع وإنما هو معلوم، وإذا آل من أجنبية صح ولا يفتقر إلى شرط التزويج، وإن تزوجها وقد بقي من مدته أكثر من أربعة أشهر وقف لها. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يصح الإيلاء من الأجنبية. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ ولم يفرق بين إيلاء يقع قبل التزويج أو بعده والكافر لا يصح منه الإيلاء، لأنه لا يؤخذ به إلى بعد إسلامه خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. ومن حجتهما عموم هذه الآية، ودليلنا قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] ولا خلاف في أن اليمين بالله وبصفاته ينعقد بها الإيلاء. وأما الحلف بغير ذلك، فقد اختلف فيه فذهب مالك إلى أن الإيلاء يلزم به خلافًا للشافعي في قوله لا يكن موليًا إلا إذا حلف بالله فقط. والدليل على قول مالك ومن تابعه قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ فعم. وقال بعضهم في القول الأول الذي نسبناه للشافعي، هذا إنما يصح على مذهب من يرى الأيمان بغير الله غير لازمة. وقد اختلفوا في الكفارة قبل الحنث هل تجزيه أم لا؟ وعن مالك روايتان. واحتج محمد بن الحسن على امتناع ذلك، بأن قال حكم المولي على ما ذكر الله تعالى فيء أو طلاق، ولو جاز تقديم الكفارة على
стр. 283
الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء، ولا طلاق لأنه حنث لم يلزمه بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحالف بالحنث شيء لم يكن موليًا، وهذا النظر غير صحيح إذا تؤمل.
(٢٢٨) - (٢٢٩) وقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ إلى قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٨، ٢٢٩] .
اختلف أهل العلم في القروء وما المراد بها على حسب اختلاف أهل اللغة والنظر إذ منهم من يقول: إنه اسم مشترك للطهر والحيض. ومنهم من يقول: هو حقيقة في الطهر مجاز في الحيض. ومنهم من عكس ذلك، وكذلك اختلفوا في اشتقاقه وتفسيره، فمنهم من قال في الأصل اسك الوقت مأخوذ من قول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . ... إذا هبت لقارئها الرياح
أي لوقتها. ومنهم من قال هو في الأصل الجمع والضم مأخوذ من قول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . ... هجان اللون لم تقرأ جنينًا
ومنهم من قال: هو في الأصل التنقل من حال إلى حال من قولهم: قرأ النجم إذا أفل. والذين قالوا إنه مشترك، وإنه الوقت قالوا: لما كان من
стр. 284
الألفاظ المشتركة عند العرب، تصرفوا فيه فمرة يوقعونه على وقت الحيض، ومرة يوقعونه على وقت الطهر، ومنهم من يوقعه عليهما جميعًا ذكره النحاس. قال الشاعر:
يا رب ذي ضغن على فارض ... له قرء كقرء الحائض
وقوله ﷺ : ((اتركي الصلاة أيام أقرائك)) فهذا إنما قصد به الحيض، وأما قول الأعشى:
أفي كل عام وأنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مال وفي الذكر رفعة ... بما ضاع فيها من قروء نسائكا
فهذا إنما قصد به الطهر. وواحد القروء قُرء وقَرء بضم الفاء وفتحها، وقد أقرأت المرأة إذا حاضت وإذا طهرت، ولما كانت هذه اللفظة كذلك احتلف أهل العم فيما أريد بها في هذه الآية. فذهب أهل الحجاز وهو مذهب مالك وأصحابه إلى أنها الأطهار لا خلاف بينهم في ذلك. وذهب أهل العراق إلى أنها الحيض والدليل على حجة قول مالك رحمه الله تعالى قول الله : ﴿يا أيها
стр. 285
النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] أي في مكان يعتدون فيه كما قرأ ابن عمر: ((فطلقوهن في قبل عدتهن)) وهي قراءة تساق على طريق التفسير.
وبين ذلك النبي ﷺ : ((أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه)) فدل ذلك أن الطهر الذي طلقها فيه تعتد به، وأنه من أقراءها، ولو كانت الأقراء الحيض لكان المطلق في الطهر مطلقًا لغير العدة. وتعلق بعضهم في الاحتجاج لمذهب مالك بدخول هاء التأنيث في قوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ وقال فهذا دلالة على أن المراد بالقروء الأطهار، ولو أراد الحيض لقال ثلاث قروء، وهذا كما زعم، ولكن العرب قد تراعي في التذكير والتأنيث اللفظ المقرون بالعدد. تقول: ((ثلاثة منازل))، وهي تعني الديار. وقال عمر بن أبي ربيعة: ((ثلاثة شخوص))، وهو يعني نساؤ فأنث على المعنى وراعاه، ولم يراع اللفظ، فمرة يراعون اللفظ ومرة يراعون المعنى. ففي الاحتجاج بذلك ضعف. وفائدة الخلاف في هذا إنما هة هل تحل المرأة بدخولها في [الدم] الثالث؟ أو بانقضاء آخره؟ فمن قال: إنها الحيض اتفقوا على أنها لا تحل، باول الدم الثالث، واختلفوا بماذا تحل؟ فقال قوم لا تحل للأزواج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وهو قول أبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والربيع، وقتادة، وابن مسعود، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد. وقال قوم: إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة قبل الغسل، وهو قول سعيد بن جبير وطاوس.
следующие страницы →