← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ابن القاسم: إلا أن تكون يمينه مما لا يكفرها لأنه لا يقع عليه إلا بعد الحنث، فإن القول يكفيه ما كان معذورًا. واختلف في اليمين قوله بالله هل يكفي فيها الفيء بالقول أو لعزم على التكفير أم لا بد من التكفير؟ والإيلاء فيء وهذا القول أصح في النظر لأن الفيء لا يتحقق إذا سقطت اليمين. (٢٢٦) - وقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٦] . قيل: غفور لهم فيما اجترموا من الحلف على ترك وطء نسائهم وتحنيث أنفسهم بالفيء إلى ذلك. رحيم بهم وبغيرهم من عصاة المسلمين وقيل: إنما معناه غفور فيما بعد الأربعة أشهر لأنه تعالى قد أباح للمولي التربص أربعة أشهر والغفران إنما يكون مما هو محصور، ولم تتقدم فيه إباحة. وهذا التأويل يشد مذهب مالك ﵀ في أن المولي لا يقع عليه طلاق ما لم يوقف، وإن مكث سنة أو أكثر. واختلفوا في الفيء هل يسقط عليه الكفارة أم لا؟ فذهب قوم إلى أن الكفارة تسقط عنه بذلك. وقالوا لقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ وهو مذهب الحسن، والنخعي، وغيرهما ممن يرى أن كل حانث في يمين في المقام عليها حرج، فلا كفارة عليه في حنثه وإن كفارتها الحنث فيها. والذي عليه جمهور الفقهاء، وعامة العلماء إيجاب الكفارة على كل من حنث في يمينه برأ كان الحنث فيها أو غير بر. (٢٢٧) - وقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ الآية [البقرة: ٢٢٧] .

стр. 282

عزيمة الطلاق على مذهب مالك، ومن قال بقوله إيقاعه بعد الإيقاف. وعند أهل العراق وقوعه عند انقضاء أجل الإيلاء. والدليل لقول مالك ومن قال بقوله قوله تعالى: ﴿فإن الله سميع عليم﴾ وسميع لا يكون إلا النطق لأن الكلام هو الذي يسمع، وإذا انقضى أجل الإيلاء فليس بمسموع وإنما هو معلوم، وإذا آل من أجنبية صح ولا يفتقر إلى شرط التزويج، وإن تزوجها وقد بقي من مدته أكثر من أربعة أشهر وقف لها. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يصح الإيلاء من الأجنبية. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ ولم يفرق بين إيلاء يقع قبل التزويج أو بعده والكافر لا يصح منه الإيلاء، لأنه لا يؤخذ به إلى بعد إسلامه خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. ومن حجتهما عموم هذه الآية، ودليلنا قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] ولا خلاف في أن اليمين بالله وبصفاته ينعقد بها الإيلاء. وأما الحلف بغير ذلك، فقد اختلف فيه فذهب مالك إلى أن الإيلاء يلزم به خلافًا للشافعي في قوله لا يكن موليًا إلا إذا حلف بالله فقط. والدليل على قول مالك ومن تابعه قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ فعم. وقال بعضهم في القول الأول الذي نسبناه للشافعي، هذا إنما يصح على مذهب من يرى الأيمان بغير الله غير لازمة. وقد اختلفوا في الكفارة قبل الحنث هل تجزيه أم لا؟ وعن مالك روايتان. واحتج محمد بن الحسن على امتناع ذلك، بأن قال حكم المولي على ما ذكر الله تعالى فيء أو طلاق، ولو جاز تقديم الكفارة على

стр. 283

الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء، ولا طلاق لأنه حنث لم يلزمه بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحالف بالحنث شيء لم يكن موليًا، وهذا النظر غير صحيح إذا تؤمل. (٢٢٨) - (٢٢٩) وقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ إلى قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٨، ٢٢٩] . اختلف أهل العلم في القروء وما المراد بها على حسب اختلاف أهل اللغة والنظر إذ منهم من يقول: إنه اسم مشترك للطهر والحيض. ومنهم من يقول: هو حقيقة في الطهر مجاز في الحيض. ومنهم من عكس ذلك، وكذلك اختلفوا في اشتقاقه وتفسيره، فمنهم من قال في الأصل اسك الوقت مأخوذ من قول الشاعر: . . . . . . . . . . . . ... إذا هبت لقارئها الرياح أي لوقتها. ومنهم من قال هو في الأصل الجمع والضم مأخوذ من قول الشاعر: . . . . . . . . . . . . ... هجان اللون لم تقرأ جنينًا ومنهم من قال: هو في الأصل التنقل من حال إلى حال من قولهم: قرأ النجم إذا أفل. والذين قالوا إنه مشترك، وإنه الوقت قالوا: لما كان من

стр. 284

الألفاظ المشتركة عند العرب، تصرفوا فيه فمرة يوقعونه على وقت الحيض، ومرة يوقعونه على وقت الطهر، ومنهم من يوقعه عليهما جميعًا ذكره النحاس. قال الشاعر: يا رب ذي ضغن على فارض ... له قرء كقرء الحائض وقوله ﷺ : ((اتركي الصلاة أيام أقرائك)) فهذا إنما قصد به الحيض، وأما قول الأعشى: أفي كل عام وأنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مال وفي الذكر رفعة ... بما ضاع فيها من قروء نسائكا فهذا إنما قصد به الطهر. وواحد القروء قُرء وقَرء بضم الفاء وفتحها، وقد أقرأت المرأة إذا حاضت وإذا طهرت، ولما كانت هذه اللفظة كذلك احتلف أهل العم فيما أريد بها في هذه الآية. فذهب أهل الحجاز وهو مذهب مالك وأصحابه إلى أنها الأطهار لا خلاف بينهم في ذلك. وذهب أهل العراق إلى أنها الحيض والدليل على حجة قول مالك رحمه الله تعالى قول الله : ﴿يا أيها

стр. 285

النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] أي في مكان يعتدون فيه كما قرأ ابن عمر: ((فطلقوهن في قبل عدتهن)) وهي قراءة تساق على طريق التفسير. وبين ذلك النبي ﷺ : ((أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه)) فدل ذلك أن الطهر الذي طلقها فيه تعتد به، وأنه من أقراءها، ولو كانت الأقراء الحيض لكان المطلق في الطهر مطلقًا لغير العدة. وتعلق بعضهم في الاحتجاج لمذهب مالك بدخول هاء التأنيث في قوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ وقال فهذا دلالة على أن المراد بالقروء الأطهار، ولو أراد الحيض لقال ثلاث قروء، وهذا كما زعم، ولكن العرب قد تراعي في التذكير والتأنيث اللفظ المقرون بالعدد. تقول: ((ثلاثة منازل))، وهي تعني الديار. وقال عمر بن أبي ربيعة: ((ثلاثة شخوص))، وهو يعني نساؤ فأنث على المعنى وراعاه، ولم يراع اللفظ، فمرة يراعون اللفظ ومرة يراعون المعنى. ففي الاحتجاج بذلك ضعف. وفائدة الخلاف في هذا إنما هة هل تحل المرأة بدخولها في [الدم] الثالث؟ أو بانقضاء آخره؟ فمن قال: إنها الحيض اتفقوا على أنها لا تحل، باول الدم الثالث، واختلفوا بماذا تحل؟ فقال قوم لا تحل للأزواج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وهو قول أبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والربيع، وقتادة، وابن مسعود، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد. وقال قوم: إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة قبل الغسل، وهو قول سعيد بن جبير وطاوس.

стр. 286

ومن قال: إن القروء هي الأطهار وهو مذهب مالك ﵀، والشافعي وأبي ثور، وابن عمر، وعائشة، وزي، والقاسم، وسالم، قالوا: إذا رأت المرأة الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج. وقال أشهب إلا أني أستحب أن تعجل حتى تعلم أنها حيضة مستقيمة بالتمادي فيها لأنها ربما رأت المرأة الدم الساعة والساعتين واليوم، ثم ينقطع فيجب عليها الرجوع إلى بيتها، ويكن لزوجها عليها الرجعة، واختلف الشيوخ في قول أشهب هل هو خلاف لقول مالك وتفسير له، والصحيح أنه خلاف. ومما اعترض به أصحاب أبي حنيفة على من قال: إن الأقراء في الآية الأطهار بأن قالوا المصير إلى القول بالأطهار خروج عن ظاهر القرآن لأن القروء في اللغة تطلق على الأطهار والحيض، وهو من الأسماء المشتركة فإذا أطلق، وقد مضى من الطهر شيء فعندكم أنها تعتد ببقية الطهر، وهذا يوجب كون العدة قرءين وبعض ثالث، فإذا قلنا بالحيض كانت العدة ثلاثة قروء كوامل إذ لا يصح الطلاق في الحيض. وعند هذا اضطرب القائلون بالأطهار فذهب بعضهم إلى أن الطهر الذي وقع فيه الطلاق، وقد ذهب بعضه لا تعتد به وتستأنف ثلاث تطهيرات سواه وهو قول ابن شهاب. وذهب غير ابن شهاب إلى أنه يعتد بالطهر، وإن مضى أكثره. واختلفوا في الجواب عن ذلك الاعتراض فقال بعضهم: القرء التنقل من حال إلى حال في المستحق بهذه التسمية على موجب هذا الاشتقاق ... الطهر يليه الحيض ويعقبه الانتقال من حال إلى حال. وقال بعضهم: غير بعيد تسمية القرأين وبعض الثالث ثلاثًا، وقد قال الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] وهي شهران وعشرة أيام، والظاهر من هذه الآية أن الله تعالى

стр. 287

جعل الآية براءة للرحم من الحمل، ولهذا قال جماعة من أهل العلم إن الحامل لا تحيض، وإن الدم الذي تراه لا يعد حيضًا خلافًا لقول مالك وأصحابه من أنه حيض إلا رواية عن ابن القاسم في ((كتاب محمد)) أخذ منها اللخمي أن الدم على الحمل ليس بحيض، ونص الرواية قال اللخمي: قال ابن القاسم في كتاب محمد في المطلقة ثلاثة حيض ثم يظهر بها حمل: لو أعلم أن الأول حيض مستقيم لرجمتها قال اللخمي: فنفى عن الحامل الحيض. يريد أن الله جعل الحيض دليلًا على براءة الرحم، وعلى عدم الحمل، فلو صح الحمل والحيض لم يكن دليلًا على البراءة. واختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى: ﴿ما خلق الله في أرحامهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] فقال ابن عمر، ومجاهد، والربيع، وغيرهم: هو الحيض والحمل جميعًا. ومعنى تحريم الكتمان: النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه لأنها إذا قالت المطلقة قد حضت وهي لم تحض فقد ذهبت بحقه في الارتجاع. وإذا قالت لم أحض وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما لا يلزمه فأضرت به. وكذلك الحامل تكتم الحمل ليلحق الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية. وقال السدي: سبب الآية أن الرجل كات إذا أراد أن يطلق المرأة سألها أبها جمل مخافة أن يضر بنفسه وولده في فراقها، فأمرهن الله بالصدق في ذلك. وقال إبراهيم النخعي،

стр. 288

[وعكرمة]: المراد بما خلق الله الحيض وحده. وقال ابن عباس وابن عمر: المراد الحمل وحده. وفي قوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ ما يقتضي أنهن مؤتمنات على ما ذكر، ولو كان الاستقصاء مباحًا لم يكن كتم. وذهب بعضهم إلى أن المراد بما [خلق الله] في أرحامهن الولد دون الحيض. واحتج بأن الولد مخلوق وهو ضعيف لأن الحيض أيضًا محدث وهو مخلوق. والظاهر من الآية أنها تعم ما تختص المرأة بعلمه من نفسها من الحمل، ومن خروج الدم فأمرت بالصدق في ذلك إذ لا يعلم إلا من قولها، ولو كلف النساء أن يعرف ذلك منهن غيرهن لعظمت المشقة، ومما يجب عندي أن يلحق بالحمل والحيض والبكارة والثيوبة وعيوب الفرج، لأن ذلك مما خلق الله في أرحامهن فيجب أن يصدقن فيه، وهي الرواية المشهور عن مالك. وقد روي عنه أن النساء ينظرن إليهن في ذلك. ولفظ الآية بعمومه نحتمل للرواية المشهورة، وإن كان ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن المراد بها الحيض والحمل على ذلك السبب خرجت، ولكن اللفظ صالح لذلك فلا يبعد أن يحمل على عمومه على أحد المذعبين في هذا الأصل، وإن لم يحمل على عمومه في ذلك فيحمل عليه قياسًا. فإذا قالت المرأة وقد دخل بها زوجها وطئني صدقت، وكذلك إذا قالت: ما أنا رتقًا إن خالف الزوج في ذلك على الرواية المشهورة. قال أبو الحسن: قال قائلون: لما وعظها بترك الكتمان دل على قبول قولها فبنوا عليه وقوع الطلاق عليهما بقولها إذا قالت حضت. وقد علق الطلاق على حيضها -يريد على مذهب الشافعي- من قال لزوجته إذا حضت فأنت طالق إنها تصدق في أنها قد حاضت وتطلق -وهذا عندنا لا يقوى فإنه ليس النهي عن

стр. 289

الكتمان دالًا على أن قولها حجة على الزوج في قطع نكاحه، كما لا يدل على وقوع الطلاق على ضرتها -يريد في قوله لها: إذا حضت ففلانة -لضرتها- طالق، فإنها لا تصدق. وقال: وقوله: ﴿أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ ليس بظاهر في معنى الحيض لأن الدم إنما يكون حيضًا إذا سال ولا يكون حيضًا في الرحم لأن الحيض حكم يتعلق بالدم الخارج، فما دام في الرحم فلا حكم له، فإذا خرج لعادة ما ووقت وبرئت به الرحم من الحمل وقالت: قد حضت ثلاث حيضات وهو أمر يتوقف عليه من قولها، فيقبل قولها. وكذلك إذا قالت لم أر دمًا ولم تنقض عدتي فالقول قولها وبالجملة فقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ الآية، ليس يظهر في الحيض، وإنما يظهر في الحمل، وليس يعرف بغير قولها. وإذا علق الطلاق على حملها، فقالت أن حامل، فلا يقع الطلاق إذا لم يتبين حملها. وقد اختلف في هذا في المرأة ينعقد نكاحها، ثم تقول أنا حامل أو لم يأتني حيض، وقد كان دخل بها زوج آخر، ثم طلقها أو مات عنها وأرادت بقولها هذا فسخ نكاح الثاني، وهذا إذا لم يكتب في صداقها مع الثاني أنها خلو من زوج في غير عدة منه. فمن أصحاب مالك من قال: يقبل قولها ويفسخ نكاحها إذا لم يأت من وقت خلوها عن الزوج الأول ما يتبين فيه الحمل. ومنهم من قال: لا يقبل في ذلك إذ لعلها ندمت في النكاح. قال بعضهم: الأول أقيس في الأصول إذ هي مؤتمنة على فرجها. وهذه الآية قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ عامة في جميع المطلقات لكنه قد خص منها المطلقات قبل الدخول والحوامل والآيسة والصغيرة بآيات أخر. وقد عبر قتادة عن هذا بالنسخ، وعبر عنه ابن

стр. 290

عباس بالاستثناء، والأمر على ما ذكرته. فأما تخصيص المطلقات قبل الدخول فبقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩]. وأما الحوامل فبقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] وأما الآيسة والصغيرة فبقوله تعالى: ﴿واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤]. وقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ الآية. أولها عام وآخرها خاص، وذلك أنه عم أولها كل مطلقة مدخول بها رجعية كانت أو بائنة ثم خص في آخرها الرجعية. فقال تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهذا لا يكون إلا في الرجعي وقوله: ﴿والمطلقات﴾ لفظ أيضًا يعم الحرائر، والإماء فكان يجب على قول من يقول بالعموم أن يكون تربص الإماء كتربص الحرائر ثلاثة قروء، ولكنه قد جاء عن النبي ﷺ ما خصصهن من عموم الآية، وهو ما خرجه الترمذي، وأبو داود، من قوله ﵊: ((طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان)).

стр. 291

وقد قال ابن سيرين: ما أرى إلا عدة الحرة إلا أن يكون قد مضت في ذلك سنة، فالسنة أحق أن تتبع، وقد اختلف في المستحاضة فرآها الخعي والثوري داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾ فقالا إنها تعتد بالأقراء، وكذلك قال ابن حنبل، وإسحاق، وإن كانت أقراؤها مستقيمة. وبعضهم لم يرها داخلة، فذهب إلى أن عدتها ثلاثة أشهر إلحاقًا باليائسات، وهو قول قتادة، وعكرمة. وذهب مالك، وابن المسيب إلى أن عدتها سنة اتباعًا للسنة. وقولع تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] يريد بذلك الرجعة، ,الرجعة تصح في كل طلاق لا تملك به المرأة نفسها وهي تصح في مذهب مالك بالقول، ولا خلاف في ذلك، وتصح أيضًا بالفعل الحال محل القول الدال على الارتجاع كالوطء، والقبل، واللمس بشرط القصد للارتجاع به. وأنكر الشافعي صحة الارتجاع بالفعل أصلًا وأثبته أبو حنيفة، وإن وقع من غير قصد، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك في الوطء بغير قصد. وهذه المسألة مبنية عندي على مسالة قبلها وهي المطلقة طلاقًا رجعيًا هل يوصف وطؤها بأنه محرم أم لا؟ وعندنا وعند الشافعي أنه محرم وأبى ...

стр. 292

وإذا كان كذلك لم يؤمن من زوجها مثل ذلك من التقصير في الواجب لها عليه، وإذا قلنا: إن الخلع على ضرر من الزوج لا يجوز فإن خالفته على إضرار منه ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: قول مالك إنه يراد ما أخذ ولا رجعة له. والثاني: أحد قولي الشافعي، أنه يرد ما أخذ وله الرجعة. والثالث: أنه لال يرد شيئًا وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. وقول مالك أحرى هذه الأقوال مع ظواهر الآي لأن الله تعالى أباح له أخذ مالها إذا كان عن طيب نفس منها، فإذا لم يكن عن طيب نفس منها فهو مكره لها على ذلك فيجب رده إليها. واختلف في قدر ما يجوز أن يأخذه الزوج منها على اختلاعها. فذهب مالك ﵀، وجماعة معه إلى أن مباح للزوج أن يأخذ منها في الفدية جميع ما تملكه. وذهب أحمد وإسحاق وغيرهما أنه لا يجوز أن يأخذ منها إلا قدر المهر فما دونه، وبه قال الربيع. وكان يقرأ هو والحسن بن أبي الحسن ((فيما افتدت به منه)) بزيادة ((منه)) ويعيد الضمير على ما آتيتموهن وهو المهر، وقد حكي هذا القول عن أبي حنيفة. وذهب ابن المسيب إلى أنه لا يجوز أن يأخذ منها جل مالها، ولكن يدع لها شيئًا وعلى قول بكر لا يجوز أن يأخذ قليلًا ولا كثيرًا. وقد تقدم حجة مالك، ومن تابعه بقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ فعم. وقال

стр. 293

اسماعيل بن إسحاق: وقد يحتج بهذه الآية يعني قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا﴾ الآية من قال لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وليس كما ظن. ولو قال إنسان لا تضرن فلانًا إلا أن تخاف منه شيئًا فإن خفته فلا جناح عليك فيما صنعت به لكان مطلقًا له أن يصنع به شيئًا. والخلع دون تسمية طلاق واحدة بائنة. وقال أبو ثور واحدة رجعية. وقال الشافعي: هو فسخ بغير طلاق وهو قول ابن عباس. وحجتهما أن الله تعالى ذكر الخلع بعد قوله ﴿الطلاق مرتان﴾ ثم قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ الآية [البقرة: ٢٣٠] فدل على أن الخلع ملغى غير محسوب قالوا، ولو كان الخلع طلاقًا، لكان الطلاق أربع تطليقات وهذا لا حجة فيه لأن ذكر الفجية حكم على حياله فلا فرق أن يذكره بين الطلقتين والطلقة الثالثة أو في غير ذلك الموضع، وقد تبين ذلك النبي ﷺ بقوله لثابت بن قيس بن شماس: ((هي واحدة)) وهذا نص في موضع الخلاف والمراة التي خالفت ثابتًا هي حبيبة بنت سهل. وقيل جميلة بنت أُبي أخت عبد الله، وكان وزجها ثابت بن قيس. وحقيقة القول إنه ليس في الآية ما يدل على أن الخلع فسخ بحال ولا على أنه فراق ثالث بعد الطلقتين. وقال بعض المالكية: الآية حجة لنا لأنه ذكر الخلع بين طلقتين وطلقة ثالثة فلولا أنه طلاق لما ذكره في تضاعيف الكلام. وهذا أيضًا لا يقوى. وقال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ أفاد حكم الاثنين إذا أوقعهما على

стр. 294

غير وجه الخلع وأثبت معهما الرجعة بقوله: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ثم ذكر حكمهما فعاد إلى اثنتين المتقدم ذكرهما والمراد بذلك بيان الطلاق المطلق، والطلاق بخلع، والطلاق الثلاث بخلع كان أو بغير خلع. وقد تمسك أبو بكر الرازي في أن الخلع يرتدغ عليه الطلاق بهذه الآية. وقال إنه نص لأن الله تعالى ذكر الخلع ثم قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ الآية فيبعد أن يرجع إلى قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ لما تخلل بينهما من الكلام وإن الأولى أن يرجع إلى أقرب مذكور إليه كالاستثناء، والتخصيص فإنه لا يعود إلى الأبعد إلا بدلالة. وهذا بعيد لأن قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ الآية. يحتاج إلى تطليقتين يتقرران عليه وحينئذ يصح. وليس في قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾ الآية دلالة على طلقتين لا إشارة ولا تصريحًا حتى يكون قوله تعالى: ﴿فإن طلقها﴾ مرتبًا عليه. وقد اختلف في الرجل إذا طلق امرأته واحدة أو اثنتين، ثم تزوجت زوجًا آخر هل يهدم تزويجها ذلك ما تقدم من الطلاق كما يهدم طلاق الثلاث أم لا؟ فن مالك أنه يهدم. وقال أبو حنيفة: يهدم، ومن بين أن يكون تحلل الثلاث التطليقات نكاح أم لا. والخلع جائز عند غير السلطان. وقال الحسن وابن سيرين: لا يكون إلا عند السلطان. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ ولم يفرق بين كونه عند السلطان أو عند غيره.

стр. 295

واختلف في الخلع بالغرر فأجازه ابن القاسم بالعبد الآبق والبعير الشاردة. وما أشبه ذلك ومنع منه بالتزام نفقة الولد أكثر من حولي الرضاع وما أشبهه، فقيل: إنه بين المسألتين وقيل: إنه اختلاف في قوله. وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز الخلع بالغرر كله. وقال أبو حنيفة: يجوز بالغرر ولا يجوز بالمعدوم في الحال. والحجة لمالك عموم قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ وللزوج أن ينكح المختلعة في عدتها برضاها. ومنع من جواز النكاح أحمحد والمزني. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ ودليلنا قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ فلم يخص. وقوله تعالى: ﴿فإن خفتم﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] الخطاب تموجه للحكام والمتوسطين لهذا الأمر، وإن لم يكونوا حكامًا، وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بزوجها وسوء طاعتها إياه قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء. وقال الحسن بن أبي الحسن وقوم معه إذا قالت: لا أطيع لك أمرًا ولا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسمًا حل الخلع. وقال الشعبي: ﴿ألا يقيما حدود الله﴾ معناه ألا يطيعا الله. وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك طاعة الله. وقال عطاء: يحل الخلع والأخذ بأن تقول المرأة لزوجها إني لا أكرهك ولا أحبك ونحو هذا. (٢٣٠) - (٢٣١) قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾ إلى قوله: ﴿والوالدات﴾ [البقرة: ٢٣٠، ٢٣١] . قال ابن عباس وغيره هذا ابتداء الطلقة الثالثة. فالتسريح التقدم هو ترك المراة حتى تتم عدتها من الثانية. وقوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد

стр. 296

حتى تنكح زوجًا غيره﴾ يعني بهذه الطلقة الثالثة. قال مجاهد: هذه الىيةبيان مايلزم المسرح والتسريح هو الطلقة الثالثة. (٢٣٠) - وقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] النكاح في اللغة حقيقة في الوطئ مجاز في العقد. وقال بعضهم: وإن كان هكذا فالذي يجب على مذهب أهل الأصول إذا ورد مثل هذا اللفظ أن يحمل على الحقيقة حتى يقوم الدليل على أنه مجاز والذي عندي في هذا اللفظ أنه مشترك، يطلق على العقد وعلى الوطء في كلام العرب ليس بمجاز في أحدهما. وأما على ما ذكره المبرد فيجيء أنه مشترك في العقد وأنه حقيقة فيه مجاز في الوطء. وقد قال الأعشى وأراد به العقد: وأمتعت نفسي من الغانيا ... ت إما نكاحًا وإما أزن وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [الأحزاب: ٤٩] فهذا أيضًا في العقد. ولهذا قال قوم: إن لفظ النكاح حيث وقع في القرآن المراد به العقد. وقال الشاعر في الجماع: إذا زنيت فأجز نكاحًا ... وأعمل الغدو والرواحا وجمهور العلماء على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل بمجرد العقد بل حتى تدخل وتوطأ. وحجة هذا القول ما قدمناه من قول من قال إن النكاح حقيقة

стр. 297

في الوطء مجاز في العقد. فيجب على قوله أن يحمل قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ أن المراد به الوطء وما جاء عن النبي ﷺ في تميمة بنت السموأل ارمأة رفاعة حين تزوجها عبد الرحمن بن الزبير وكان رفاعة قد طلقها ثلاثًا فقالت للنبي ﷺ : إني لا أريد البقاء مع عبد الرحمن ما معه إلا مثل الهدبة، فقال لها رسول الله صلى الله عليهو سلم: ((لعلك أردت الرجوع إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)) وإن جعلنا لفظ النكاح حقيقة فيهما، فقد ورد في الآية مجملًا، وبين ﷺ المراد به من ذلك بالحديث المتقدم. وأيضًا فإن الأخذ بأكثر ما يقتضيه الاسم أولى، وإن قلنا إن النكاح حقيقة في العقد، فقد زادت في السنة على العقد شرطًا آخر وهو الوطء لحديث رفاعة المذكور. وقد اختلف في الزيادة هل هي نسخ أم لا؟ ومن جعلها من أصحاب أبي حيفة نسخًا عسر مأخذ هذه الآية من حيث أن القرآن لا ينسخ بأخبار الآحاد. وقد ذهب سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي وقوم من التابعين إلى أنه في الآية العقد دون الوطء وأن ذلك يحلها للأول. كما حكل في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢] على أن المراد به العقد دون الوطء، فإن كان اللفظ عندهم مشتركًا، فقد أخذوا بأقل ما يقع عليه الاسم. وإن كان حقيقة في العقد فلم يعتبروا الحديث إما لأن الحديث لم يبلغهم. وماقدمناه حجة عليهم والذين ذهبوا إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿حتى تنكح﴾ الوطء، اختلفوا في الوطء

стр. 298

هل يعتبر فيه الإنزال أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يعتبر فيه جملة لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ على ظاهر من الوطء أنزل أو لم ينزل. وذهب الحسن بن أبي الحسن إلى أنه لا يحل الوطء إلا مع الإنزال، وهو دون العسيلة. واختلف في نكاح الرجل المرأة ليحلها لزوج كان طلقها ثلاثًا هل يحل ذلك أم لا؟ فذهب مالك ﵀ إلى أن ذلك لا يحلها للزوج الأول إلا بشرط كان أة بغير شرط لقول رسول الله ﷺ : ((لعن الله المحلل والمحلل له)) وقوله: ((لا نكاح إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله)) وقوله: ((ألأ أخبركم بالتيس المستعار)) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((هو المحلل)) فاقتضى هذا كله فساد العقد، فلم ير قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ ولم يخص نكاحًا من نكاح. وذهب بعض أصحاب مالك إلى أن ذلك إن كان بشرط لم يحل، وإن كان بنية دون شرط أحل والاعتبار

стр. 299

في فساد العقد والقصد إنما هو النكاح دون المنكوحة لأنه يملك الطلاق وقصد التحليل من غير ملك الطلاق لا يضر كالأجنبي، وقال الحسن بن أبي الحسن إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل لم تحل للأول. وهذا قول شاذ. ووطء الملك يحلها مثل أن يطأها سيدها إذا رجعت إليه إن كانت المطلقة أمة خلافًا لمن أجازه من الشافعية، وأجازه عثمان بن عفان ﵁ وزيد بن ثابت. والدليل على فساد هذا القول قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ فالشرط في النكاح أن يكون زوجًا. وكذلك احتلف في المطلق ثلاثًا للأمة ثم اشتراها قبل أن تتزوج هل يجوز له وطؤها بالملك أم لا؟ فالجمهور على المنع من ذلك. وكان ابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن يقولون: يحل له وطؤها بملك اليمين، لعموم قوله تعالى: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٦] وجحة الجمهور أصح لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ فلم يجعلها حلالًا إلا بنكاح زوج لا بملك يمين. وقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣]. قد خصص فيها المحرمات باتفاق كالأمهات والبنات والأخوات فكذلك سائر المحرمات. واختلف عندنا هل يحل بالوطء الفاسد في عقد نكاح صحيح؟ فقيل: تحل له لأنه يسمى نكاحًا، ولوجود اللذة فيه المنبه عليها في الحديث. وقيل: لا تحل لأن مجمل ظواهر الشرع وألفاظه على ما يصح في الشرع دون ما لا يصح، ولا تحل لمسلم بوطء كافر إذا كانت كافرة. وقال أشهب، وأبو حنيفة، والشافعي يحلها لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح

стр. 300

زوجًا غيره﴾ والأول أصح لما في نكاح الكافر من الفساد. ولا تحل بوطء المراهق لأن وطأه لا يعتد به خلافًا للشافعي، وأبي حنيفة في قولهما إن ذلك يحلها، واسم الناكح يقع عليه فهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾. واختلف في المجنون، والمجنونة على أربعة أقوال فذهب ابن القاسم إلى أن المراعي الزوجة، فإن كانت عاقلة حلت وإن أصابها في حال جنونه، وإن أصيبت في حال جنونها لم تحل وإن كان عاقلًا. وذهب أشهب إلى أن المراعي الزوج، فإن كان عاقلًا أحلها، وإن كان أصابها في حال جنونها، وإن كان مجنونًا لم يحلها، وإن كانت عاقلة. وقال عبد الملك: إذا صح العقد كان إحلالًا، وإن كانا في حال الإصابة مجنونين أو كان أحدهما كذلك. قال اللخمي: ولا أرى أن يحل إلا أن يكونا عاقلين. وقول اللخمي أحسن الأقوال لأن المراد بالآية نكاح العقلاء، وإليهم يدخل الخطاب، ومن لم يكن عاقلًا فكيف يدخل تحت الخطاب! وإذا لم يدخل تحت خطاب لم يكن لأفعاله حكم إلا ما خصصته الشريعة من ذلك، وهذا ليس منه. واختلف إن راتد وقد طلقها البتة فهل تحل له دون زوج أم لا؟ فعلى قول ابن القاسم تحل له لأنها عنده بمنزلة من لم يتقدم له الإسلام، ولم يجز ذلك على قول غيره لأنهما يعودان لما كان عليه قبل الارتداد في الخطاب بالآية لهما، وعليهما. ويختلف إذا ارتد الزوج والزوجة نصرانية، فقال ابن القاسم: لا تحل له إذا راجع الإسلام إلا أن تنكح زوجًا غيره. وهذا يصح على القول بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة. وقال بعضهم: والصحيح أنهم غير مخاطبين إلا بعد تقدم الإسلام، فتحل من غير زوج. وقد اختلف فيمن

стр. 301

طلق زوجته طلقتين، ثم ردها، ثم فقد فأقامت زوجته الأربعة الأعوام، وعدة الوفاة، ثم تزوجت، ودخل بها زوجها، ووقع على الزوج طلقة ثالثة، بذلك هل يجعلها هذا النكاح الذي وقع به الطلاق الثالث لزوجها الذي كمل له بهذا النكاح في زوجه المذكورة ثلاث تطليقات أم لا؟ فروي عن أصبغ أنه يحلها. وفي ((السليمانية)) أنه لا يحلها، والذي رجحه أبو عمران الفاسي ﵀ أنه [لا] يحلها استدلالًا بظاهر قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ ورأى أن ظاهر الآية يقتضي أنه لا بد من ابتداء نكاح بعد النكاح الذي وقع به الطلاق. (٢٣٠) - وقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٠] . معناها إن طلقها الزوج الثاني فلا جناح على الزوج الأول والمرأة أن يتراجعا. (٢٣٠) - وقوله: ﴿إن ظنا﴾ [البقرة: ٢٣٠] . الظن هنا على بابه في تغليب أحد الجائزين. وقال أبو عبيدة: المعنى أيقنا. (٢٣١) - قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣١] . قال قتادة وغيره: هو الرجل يطلق ثم يرتجع، ثم يطلق، ثم يرتجع فيطول عليه العدة اعتداء، أو بمعنى ﴿فبلغن أجلهن﴾ قاربن أجلهن. فأمر أل بفعل ذلك لما فيه من الإضرار. ويجوز أن يكون حق الفراق

стр. 302

بالمعروف أن يمتعها عند الفرقة، وأما الإمساك بالمعروف فالشافعي يقول: إذا عجر عن نفقة امرأته فليس يمسكها بمعروف، فيجب عليه أن يسرحها بإحسان، فإن الله تعالى إنما خيره بين اثنين لا ثالث فيها، فإذا عجز عن أحدهما تعين الثاني. وبهذا قال مالك ﵀ خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: إذا عجز الزوج عن النفقة لم يفرق بينه وبين زوجه بحال إلا أنه لا يقربها ولا يمسها، ويحال بينه وبينها، وإن شاءت اكتسبت. وفي المذه خلاف إذا تزوجت المرأة فقيرًا علمت بفقره هل لها نفقة أم لا؟ والحجة على أبي حنيفة ظاهرة جدًا من ألفاظ الآية. وحكم الكسوة في ذلك حكم النفقة، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع في الزوجات: ((ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)) وقال في حديث آخر: ((تقول المرأة إما أن تطعمني أو تطلقني)) والحديث في البخاري والذي قبله في مسلم والترمذي وغيرهما. (٢٣١) - قوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] . قال الحسن كان الرجل يطلق ثم يقول: إنما كنت لاعبًا إذا سئل عن ذلك. أو يفعل لاعبًا. وقالت عائشة ﵂ قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة)) وقد نسب بعضهم هذا الحديث لابن المسيب، فقال -على ما

стр. 303

روي عنه-: النكاح، والطلاق، والعتق. والأحسن أن يكون المراد بآيات الله جميع أوامره ونواهيه. (٢٣٢) - قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾ [البقرة: ٢٣٢] . الخطاب للمؤمنين الذين منهم الأزوج، ومنهم الأولياء، وبلوغ الأجل في هذا الموضع تناهيه لأن المعنى يقتضي ذلك. وقد قال بعض الناس في هذا الموضع إن المراد بقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ للأزواج وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلًا عن نكاح الغير. فقوله ﴿أزواجهن﴾ على هذا يعني به الرجال إذ منهم الأزواج وعلى القول بأن المراد بقوله: ﴿فلا تعضلوهن﴾ الأولياء فالأزواج هم الذين كن في عصمتهم. والعضلل المنع من الزوج، وهو من معنى التضييق والتعسير. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فقيل: في معقل بن يسار وأخته. وقيل: معقل بن سنان، وقيل: جابر بن عبد الله، وذلك أن رجلًا طلق زوجته أخته، وقيل: بنته وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد ارتجاعها، فقال: أتركتها وأنت أملك بها لا زوجتكها أبدًا فنزلت الآية. وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في إنكاح وليته، وأن النكاح يفتقر إلى ولي خلافًا لداود في اعتباره الولي في البكر خاصة

стр. 304

ولأبي حنيفة إسقاطه في الثيبات والأبكار البوالغ الجائزات الأمور. ولأبي يوسف في اعتباره إذن الولي خاصة، ورد أصحاب أبي حنيفة دلالة هذه الآية، فقال قوم منهم: إذا كان الولي هو الزوج فكيف يقال له لا تمنع فلانة من أن تنكح والإنكاح إنما هو من فعله، فلو لم يكن للمرأة نكاح ما صح أن يقال للأولياء فلا تمنعوهن أن ينكحن. وهو لا يمنعها إنما يمنع نفسه. وقوله: ﴿ينكحن﴾ فعل مضاف إليهن وإذا نهي عن المنع وجب ألا يكون له حق فيما نهي عنه من منع المرأة. ومما استشهدوا به أيضًا قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ ولم يذكر الولي. وهذا غلط، وإنما قال تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ وقال: ﴿ينكحن أزواجهن﴾ إشارة إلى ما جعلت الشريعة إليهن من التفويض إلى الأولياء والرضى بالنكاح لا إلى مباشرة العقد جون الأولياء. وقد قال قوم منهم قوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ خطاب مع الأزواج لأجل ما كانوا يفعلونه من المراجعة والطلاق تطويلًا للعدة حتى تنكح المرأة فنهوا عن ذلك، قالوا: والولي غير مراد بذلك فلا حجة لكم فيها. والجواب عن هذا أن المعنى مفهوم من قوله تعالى قبل هذا ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٢] فلا فائدة في تكراره وجمل الىية على فائدة أخرى أولى. وأيضًا فإن الآية نزلت بسبب منع معقل بن يسار أو غيره لوليته من مراجعة زوجها المطلق لها فلا يعدل بمعنى لفظها عن سببها وما يحتج به لقول مالك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين﴾ يخاطب الأولياء ولو لم يكن في ذلك حق لما خاطبهم بذلك.

стр. 305

(٢٣٢) - وقوله: ﴿بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٢] معناه المهر والإشهاد . قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ إلى قوله: ﴿وعلى الوارث﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قوله: ﴿يرضعن أولادهن﴾ خبر معناه الأمر. وقد اختلف فيما يلزم المرأة ذات الزوج من رضاع ولدها. فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه لا يلزمها ذلك على كل وجه، ويكون الأمر بالرضاعة في هذه الآية عندهما على الندب في جميع الوالدات. وذهب أبو ثور إلى أن ذلك يلزمها على كل وجه وذهب مالك ﵀ إلى أن المرأة ما دامت في عصمة الزوج فالرضاع واجب عليها بقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ إلا أن تكون شريفة مثلها لا يرضع، فلا يلزمها ذلك، تخصيصًا لها من عموم الآية بما جاء في بعض الآثار من أن الشريفة لا ترضع ولدها. وإذا لم تكن الأم في عصمة الأب، فإن كان الأب قد مات فمذهب مالك المشهور أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة أخذًا بظاهر عموم الآية. وقيل عنه رضاعه في بيت مال المسلمين وهذا القول مبني على مذهب مالك في المطلقة البائنة لأن حال الموت أشد من حال البينونة، فإذا كان الرضاع لا يلزمها هنالك ففي المرأة أحرى أن لا يلزمها، وأما إن كان طلقها وبانت منه فإن كان الزوج موسرًا فلا خلاف أعلمه أنه لا يلزمها الرضاع لقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ وإن كان معسرًا أو لا مال للابن لم يكن الابن يأتي غيرها فعن مالك فيه الروايتان إحداهما: أن الرضاع لازم لها.

стр. 306

والثانية: أنه لا يلزمها، وهو الأشهر عنه. وإذا طلبت الأم الرضاع بأجر مثلها، ووجد الرجل من يرضعه بغير أجر كان ذلك له. وقال الشافعي في أحد قوليه: الأم أولى أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ فلم يجعل لغير الوالدات حظًا في الرضاع. واختلف الناس في رضاع الكبير فجمهور العلماء على أنه لا يؤثر. وذهب داود، والليث بن سعد، وغيرهما إلى أنه يؤثر أخذًا منهم بحديث سهلة المشهور، وقد قال ﷺ في سالم وهو رجل كبير: ((أرضعيه تحرمي عليه)) وحمل أزواج النبي ﷺ منعن أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحد، وقلن لعائشة ﵂ إنه خاص في رضاعة سالم وحده, وحجة الجمهور على من خالفهم قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ وتمامها بالحولين على ظاهر القرآن يمنع أن يكون حكم ما بين الحولين كحكم الحولين. وهذا ينفي رضاعة الكبير. وقد قال رسول الله ﷺ : ((الرضاعة من المجاعة)). وروي عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: ((لا رضاع بعد الحولين)) فالذين لم يروا لرضاعة الكبير تأثيرًا اختلفوا في تقدير مدة

стр. 307

رضاع الصبي ففي ((الموطأ)): ما كان بعد الحولين فإن قليله وكثيره لا يحرم شيئًا، إنما هو بمنزلة الطعام. وفي ((كتاب سحنون)) أن حكم الشهر والشهرين بعد الحولين كحكم الحولين. وروي عن مالك في ذلك الشهر، وروي عنه الثقات، وقيل: اليوم واليومان حكم الحولين في ذلك، وقيل: الأيام اليسيرة هذا كله في المذهب. وذهب زفر إلى أن مدة الرضاع فيها بعد الحولين حرم. فوجه القول الأول الذي في ((الموطأ)) قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ فدل على أن ما زاد عليها ليس من الرضاعة. ووجه سائر الأقوال التي في المذهب أن ما قارب الحولين حكمه حكم الحولين. وأما أبو حنيفة فيقول ما بعد الحولين يحرم فطم أو لم يفطم إلى ستة أشهر، وهو تقدير لا وجه له. قال أبو الحسن: أما الشافعي فرأى أن هذه الزيادة على الحولين كلها تحكما بلا مستند مثل تقدير أبي حنيفة في بلوغ الصبيان لثمان عشرة سنة. وقوله لا يدفع المال إلى الذي يؤنس رشده إلا لابن إحدى وعشرين سنة ونحو ذلك. واختلفوا إذا فضل من الحولين واستغنى عن الطعام هل يؤثر رضاعه بعد ذلك في الحولين أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه لا يؤثر على ظاهر قول رسول الله ﷺ : ((لا رضاع بعد فطام)) وفي حديث آخر ((بعد فصال)). وذهب أبو حنيفة والشافعي ومطرف، وابن الماجشون، إلى أنه يحرم ما كان في الحولين على

стр. 308

ظاهر قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ فجعل الحولين أمدًا للإرضاع، والرضاع فيهما يؤثر استغنى الرضيع بالطعام أو لم يستغن. وإنما وصف الله تعالى الحولين بكاملين لأنه لا يجوز أن يقال في حول وبعض آخر حولان، وفي يوم وبعض يوم آخر يومان، فنفى الله تعالى بقوله ﴿كاملين﴾ ذلك الاحتمال. (٢٣٢) - وقوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٢] . مبين أن الحولين ليستا بفرض لا يتجاوز. (٢٣٣) - وقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣] . فالمعنى أن على الرجل المولود له رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف، ثم بين الله تعالى أن الإنفاق على قددر غنى الزوج ومنصبها لقوله: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٣٣] والاعتبار عندنا في النفقة بحال الزوجين معًا فيفرض لها كفايتها على ما يرى من قدرها وقدر زوجها في العسر واليسر، وليست بمقدرة، خلافًا للشافعي في قوله إنها مقدرة ولا احتهاد للحاكم فيها. وتعتبر بحال الزوج فعلى الموسر مدان، وعلى المتوسط مد ونصف، وعلى المعسر مد. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ وذلك يقتضي مراعاة حالهما جميعًا. وقول النبي ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) وهذه الآية تدل على أن المراد بالوالدات اللواتي في العصمة إلا أن تجعل هذه الجملة منقطعة من الأولى، لأن المراد بهذه الآية اللواتي لم يبن من أزواجهن، لأن

стр. 309

النفقة والكسوة لا تجب إلا لمن لم تبنب بعد. وإذا كان الزوج حاضرًا مع زوجه فلا خلاف في وجوب النفقة لها عليه في أيام غيبته. فثبت عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا فبعثوا بنفقة ما مضى. وبذلك قال جماعة من أهل العلم. وقال أبو حنيفة: نحن لا نقول ذلك بل نقول ليس لها شيء إلا أن يفرضه السلطان. واختلف في المذهب هل تطلق على الغائب بعدم النفقة أم لا؟ والدليل على وجوبها عليه قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾. وقد اختلف في العبد له زوجة هل تلزمه نفقتها أم لا؟ فقال ابن القاسم: عليه النفقة، وقال أبو مصعب: لا نفقة عليه. والقول الأول أظهر لعموم الآية. وكذلك اختلفوا في الحر له زوجة أمة لم تُبَوَّأْ معه بيتًا. فقال ابن القاسم: لها النفقة لأنها من الأزواج. يريد أنها داخلة في عموم الآية. وفي ((كتاب محمد)) لا نفقة لها عليه، كذلك يختلف إذا كان الزوجان عبدين. والقول بوجوب النفقة في هذه المسائل أظهر لعموم الآية. ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ أن الأم أحق بالحضانة لأن جاجة الولد إلى من يحضنه، كحاجته إلى من يرضعه، لأن الأم أرفق به، وآمن عليه، إلا أنه اختلف هل هي من حق الولد؟ أو من حق الأم؟ أو من خقوقهما جميعًا؟ . وقد اختلف في نفقتها للصبي، أجرة رضاعه إذا مات أبوه وله مال. فقال الجمهور ذلك من مال الصبي اعتقادًا منهم أن مقتضى الآية أن

стр. 310

النفقة على الأب ما دام حيًا، وأن ذلك ليس بدين ثابت في الذمة. وروي عن حماد بن سلمة أنه قال: يخرج رضاع الصبي من جميع المال، ثم يقسم له نصيبه مما بقي. جعله بمنزلة الدين. وروي عن النخعي أنه قال: إن كان المال قليلًا فمن نصيبه، وإن كان كثيرًا فمن جميع المال. (٢٣٣) - قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣] . اختلف فيها هل هي منسوخة أم محكمة؟ فروي عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث، ثم نسخ ذلك ولم يذكر ما نسخها. فيحتمل أن يكون سمي التخصيص نسخًا، وذلك أن الآية تضمنت الرضاع والنفقة والكسوة، وأن لا مضارة. ثم قال تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ فتخصص عند مالك رحمه الله تعالى بالأدلة من عموم قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ الرضاع، والنفقة، والكسوة، وبقي نفي المضارة تحت لفظ العموم. ويحتمل أن يكون نسخًا حقيقة على ما قال النحاس قال: يشبه أن يكون الناسخ لها أنه لما أوجب للمتوفى عنها زوجها من مال المتوفي في نفقة حولٍ والسكنى، ثم نسخ ذلك ورفع نسخ ذلك أيضًا عن الوارث. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها اختلافًا كثيرًا، فروي عن مالك ﵀ وجميع أصحابه وجماعة من العلماء غيرهم أن المراد بقوله ﴿مثل ذلك﴾ أن لا يضار، وأما الرزق الكسوة فلا شيء عليه. وقال قبيصة، والضحاك وغيرهما: الوارث هو

стр. 311

الصبي نفسه أي عليه في ماله إذا ورث أباه نفقة نفسه. وكأن محمد بن جرير يختار هذا القول. وقال النحاس: وهو إن كان قولًا غريبًا فالحجة فيه ظاهرة لأن ماله أولى به. وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلًا لو كان له ولد طفل وللولد مال والأب موسر فإنه لا يجب على الأب نفقة ولا رضاع، وإنما ذلك من مال الصبي. وقيل: معناه أن ولي الصبي سماه وارثًا لأنه ورث ولايته عليه من نفقة مال الصبي مثلما كان على الأب. وهذان القولان لمن حمل الآية على عمومها وتأولها على المذهب، ولم ير فيها نسخًا، ومن أهل العلم من حملها على العموم في النفقة وغيرها. ولم ير فيها نسخًا، وتعلق بظاهرها إلا أنهم اختلفوا في الوارث الذي تلزمه النفقة من هو؟ فذكر عن عمر بن الخطاب والحسن بن أبي الحسن أن وارث الأب عليه نفقة الصبي وكسوته. وقال بعضهم من الرجال دون النساء، وذهب زيد بن ثابت إلى أن وارث الصبي عليه نفقته وكسوته وإن كثروا فعلى قدر مواريثهم منه. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أنه الباقي من والد وأم. وذهب الشافعي إلى أنه الأب والجد وما علا وابن الابن وما سفل خاصة. فالإجماع منعقد على أن الوارث لا يضار. واختلف هل عليه رزق كسوة ونفقة أم لا؟ وقرأ يحيى بن يعمر، ((وعلى الورثة مثل ذلك)) بالجمع. (٢٣٣) - قوله تعالى: ﴿فإن أرادوا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ [البقرة: ٢٣٣] . الضمير في ﴿أرادا﴾ للأبوين و ﴿فصالًا﴾ معناه فطامًا، ويحتمل أن

стр. 312

يريد، فإن أرادا فصالًا قبل الحولين، وإن يرد بعدهما، لأن الفاء تقتضي التعقيب. ومن هنا نشأ النظر في رضاعة الكبير. والاحتمال الأول أظهر. ولا يقع التشاور والتراضي إلا بما لا ضرر فيه على المولود فإن لم يكن عليه في ذلك قبل الحولين ضرر فلا جناح عليهما في فضله. ومن دعا عليه منهما إلى كمال الحولين فذلك له، وروي عن ابن عباس أنه قال ذلك في الولد الذي مكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرًا، وإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرًا، وإن مكث تسعة أشهر فرضاعه إحدى وعشرون شهرًا. وهذا القول مبني على هاتين الآيتين قوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ وقوله: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وسيأتي الكلام على هذه الآية في موضعها مستوعبًا إن شاء الله تعالى. وأما بعد تمام الحولين فمن دعا إلى الفصل فذلك له إلا أن يكون على الصبي من ذلك ضرر. وفي قوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور﴾ دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بغالب الظنون، وروي عن قتادة قال: كان الرضاع واجبًا في الحولين، وكان يحرم الفطام قبله، ثم خفف فأبيح الرضاع أقل من هذه المدة بقوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالًا﴾ الآية. أي لا جناح عليهما لأنه تعالى قال: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فقد أعطى بقوله معنى جواز الفطام، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿فإن أرادا فصالا﴾ فالنسخ بعيد جدًا. (٢٣٣) - قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣] .

стр. 313

هي محاطبة لجميع الآباء والأمهات أي لكم اتخاذ الظئر مع الاتفاق على ذلك. ولا خلاف أنه يجوز إجازة الظئر بشيء معلوم. واختلفوا إذا استؤجرت بكسوتها وطعامها، هل يجوز أم لا؟ فأجازه مالك وأبو حنيفة، ومنعه الشافعي. ودليل الجواز قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم﴾ وقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٩] وقوله: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣] مخاطبة الرجال خاصة. وهذا على قراءة الأكثر ﴿ما آتيتم﴾ على المد وأما قراءة ابن كثير بالقصر فتحتمل تأويلين: أحدهما: لا يكون الخطاب معه إلا للرجال خاصة، والآخر: يكون معه للرجال والنساء وذلك ((إن أتيتم)) بمعنى جئتم قال زهير: وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل و﴿آتيتم﴾ بمعنى أعطيتم. فإذا كان بمعنى أعطيتم فالمخاطبة للرجال لأنهم الذين يعطون أجرة الرضاع. وأما ((ما آتيتم)) بالقصر فيحتمل أن يريد نقده وإعطاءه أو نحو ذلك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذف الضمير من الصلة وإلى هذا ذهب أبو علي، ثم قال: ويحتمل أن تكون ما مصدرية أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول لكن يستغنى عن الصفة، فمن حذف المضاف، ثم حذف الضمير فعلى تأويل أبي علي، والخطاب للرجال خاصة لأنهم الذين يأتون إعطاء أجرة الرضاع، وتحتمل اللفظة معنى آخر قاله قتادة، وهو إذا سلمتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك على اتفاق بينعهما، وقصد خير وإرادة معروف

стр. 314

من الأمر على هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب تسليم الرجال والنساء. (٢٣٤) - وقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ الآية إلى قوله: ﴿ولا جناح عليكم﴾ هذه الآية [البقرة: ٢٣٤] . فيها إشكال من طريق الإعراب لأن الذين يتوفون هم الرجال، وقوله ﴿يتربصن﴾ هن الزوجات، فلا يصح الإخبار لأن الذين بقوله: ﴿يتربصن﴾ فالتقدير في الآية على أقوال البصريين، وأزواج الذين يتوفون منكم، أو الذين يتوفون منكم أزواجهن أو ما يتلى عليكم الذين يتوفون منكم الآية. وهذه الثلاثة أقوال لأهل البصرة في تصحيح اللفظ على المعنى. وأما بعض الكوفيين فقالوا: الخبر عن ﴿الذين﴾ متروك لأن القصد إنما هو الإحبار عن أزواجهن. وقال الكسائي: التقدير يتربصن أزواجهم. وقال الأخفش: التقدير يتربصن بأنفسهن بعدهم، ويجوز ذلك. وقد اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠] قالت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشًا، ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تتم سنة، ثم تعطي بعرة فترمي بها، فأنزل الله تعالى ﴿متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾. وكان لمرأة أن تسكن في بيت زوجها سنة وإن شاءت خرجت فاعتدت في بيت أهلها، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، فهذا

стр. 315

القول في نسخ الحول بأربعة أشهر وعشر. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما في قوله تعالى: ﴿وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول﴾ الآية: إنها منسوخة بآية الميراث بما فرض لهن من الثمن والربع. يريدون أنها كانت الوصية بالنفقة للأزواج في الحول واجبة بالآية، فنسخت بآية الميراث. وفي نسخ الحول بالأربعة أشهر وعشر نظر، لأن من حق الناسخ أن يكون بعد المنسوخ في الرتبة ولكنه جاء هذا قبل المنسوخ. والجواب عن هذا أن ترتيب الآيتين إنما جاء على الأصل فالآية المنسوخة إنما نزلت قبل الآية الناسخة وإنما طرأ هذا التقديم والتأخير في رتبة الكتب والقراءة خاصة. وذهب جماعة إلى أن هذه الآية ليست بناسخة لتلك. واختلفوا في التأويل، فذهب مجاهد إلى أن آية الآربعة أشهر وعشرًا لا تخرج فيها من بيتها فرضًا عليها، ثم جعل لها تمام الحول سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية لها، تصل إقامتها في العدة المتقدمة، إن شاءت أقامت، وإن شاءت خرجت وصية لها لقول الله تعالى: ﴿وصية لأزوجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾ الآية. فحصل له فائدتان في استعمال الآيتين ورأى ألا يسقط حكمًا من كتاب الله يمكنه استعماله ولا يتبين نسخه. وهذا قول لم يقله أحد من المفسرين غيره، ولا تابعه عليه أحد من فقهاء الأمة. وذهب قوم أيضًا إلى أن الآية ليست بناسخة، وإنما فيها نقصان من الحول كالنقصان من صلاة الحضر والسفر، فهو نقصان وليس بنسخ.

стр. 316

وهذا القول مبني على أصل تنازع فيه الأصوليون. وهو نقص بعض الجملة هل هو نسخ للجملة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه نسخ وذهب آخرون إلى أنه ليس بنسخ، وفرق حذاق الأصوليين بين النقص الذي يغير حكم المنقوص منه حتى يرد ما كان عبادة مستعملة شرعية غير عبادة، وبين النقص الذي ليس كذلك، ورأوا في النقص الذي يغير حكم المنقوص منه نسخًا. وهذا عندي هو الصواب. وقد تضمنت هذه الآية أن المتوفى عنها تتربص أربعة أشهر وعشرًا، ولم يفرق بين حائل وحامل. فمن الناس من حمل الآية عليهما جميعًا، ومنهم من حملها على الحائل خاصة. وقال تعالى في سورة الطلاق: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فذهب قوم من أهل العلم، إلى أن قوله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن﴾ إلخ في الطلاق خاصة، لكون ما قبل الآية، وما بعدها إنما هو في المطلقات خاصة، فما بينهما كذلك لا مدخل للمتوفى عنها فيها. ومنهم من قال: هي عامة في لمطلقة والمتوفى عناه، فكلا الآيتين على القول بتخصيص الآيتين أو عموم إحداهما وتخصيص الأخرى فلا تعارض بينهما. وبحسب هذه الاحتمالات. اختلف السلف، فمنهم من حمل آية البقرة على أن المراد المتوفى عنها الحائل، وآية الطلاق على أن المراد بها المطلقة خاصة، وأخذ حكم الحامل المتوفى عنها من حديث سبيعة الأسلمية التي نفست بعد وفاة زوجها بليال، فقال رسول الله ﷺ : ((قد حللت، فانكحي من شئت)) والحديث في ((الموطأ)) و ((البخاري))

стр. 317

و ((مسلم)). ومنهم من حمل آية البقرة على الخصوص في المتوفى عنها الحائل كما ذكرنا، وأبقى آية يورة الطلاق على العموم في المطلقة والمتوفى عنها الحامل فأخذ حكم المتوفى عنها الحامل من آية سورة البقرة، وعضد ذلك بحديث سبيعة الأسلمية. ومنهم من حمل آية البقرة على العموم في الحامل والحائل، وآية سورة الطلاق على الخصوص في المطلقة، وصح عنده حديث سبيعة، وهو خبر آحاد فخصص به ذلك العموم في الآية، وهذا قول النخعي. وفيه نظر لأن الأصوليين قد تنازعوا أيهما يقدم؟ هل عموم القرآن أو خبر الآحاد؟ ويعظم إشكاله عند من يرى التعارض بين العام والخاص، ويسلك سبيل النسخ لأن خبر الآحاد لا ينسخ به القرآن. ومنهم من حمل الآيتين معًا على العموم وجعل آية سورة الطلاق ناسخة لآية سورة البقرة في حكم الحامل والمتوفى عنها زوجها وعضد ذلك بحديث سبيعة. ومنهم من ذهب إلى هذا القول بالعموم في الآيتين أو الثالث قبله وجمع على الحامل المتوفى عنها حكم الآيتين فقال: إنها تجلس معتدة أقصى الأجلين، وضع الحمل أربعة أشهر وعشرًا. فتحصل بهذا في الحامل المتوفى عنها قولان: أحدهما: أن عدتها وضع الحمل إلا أنه اختلف قائلو ذلك بالسنة أو بالكتاب. والثاني: أن عدتها آخر الأجلين، وممن قال هذا علي -رضي الله

стр. 318

عنه-، وابن عباس في إحدى الروايتين عنه. والقول الآخر قول أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وفي الحامل قول ثالث: أن عدتها وضع حملها والطهارة من دم النفاس وهو قول مخالف لظاهر الكتاب والسنة. وممن قال به الحسن والشعبي. وأما المرتابة بحسن البطن، فتتربص إلى أقصى أمد الحمل في الوفاة والطلاق بإجماع. واختلف في الكتابية على قولين: أحدهما: أنها تستبرئ بثلاث حيض. وقيل إنها تستبرئ بحيضة. فإن قلنا عدتها أربعة أشهر وعشرًا فهي داخلة في عموم الآية. وأما الكتابية غير المدخول بها فيخرج القول فيها على هاتين الروايتين. إحداهما: أنه لا شيء عليها لبراءة رحمها. والأخرى: أنها تعتد أربعة أشهر وعشرًا لأنها من الأزواج. وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في الكفار هل هم مخاطبون بشرائع الإسلام أم لا؟ وأما المرتابة بتأخر الحيض، وهي التي يتأخر حيضها ففيها ففي المذهب ثلاثة أقوال:

стр. 319

أحدهما: أنها تبرأ بأربعة أشهر وعشرًا. والثاني: أنها تتربص إلى تمام تسعة أشهر. والثالث: أنها تبرأ بأربعة أشهر وعشرًا إذا لم يأتها فيها وقت حيضتها بخلاف التي يأتيها فيها وقت حيضتها وتتأخر عنها. وأما المستحاضة ففيها قولان: أحدهما: أنها تبرأ بأربعة أشهر وعشرًا. والثاني: أنها تبرأ بثلاثة أشهر. فعلى القول بأن المرتابة والمستحاضة عدتها أربعة أشهر وعشرًا يكون قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ الآية، عامًا لهما. وحجة لمن قال فيها بذلك. والتربص أربعة أشهر وعشرًا واجب على كل متوفى عنها من الحرائر سوى من ذكرنا مدخولًا بها كانت أو غير مدخول بها صغيرة أو كبيرة، والزوج المتوفى صغير أو كبير، حر أو عبد، مجبوب أو سليم لعموم قوله تعالى: ﴿والذبن يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ الآية. وذكر عن داود أن الصغيرة لا عدة وفاة عليها. وهذه الآية حجة عليه. لكن من المعتدات من تكون الأربعة أشهر والعشر لها عبادة لعلة. ومنهن ما هي لعلة، ومنهن من اختلف فيها. فأما التي جعلت الأربعة الأشهر والعشر لها عبادة لا لعلة فالصغيرة التي يؤمن عليها الحمل، والكبيرة التي يؤمن عليها الحمل أيضًا. وأما التي تكون الأربعة أشهر والعشر لعلة في حقها فالمدخول بها إلا أن ما زاد على ما تعلم به البراءة عبادة. وأما التي اختلف هل العدة المذكورة عبادة في حقها لا لعلة أو لعلة فالمرأة التي لم يدخل بها. ومثلها

стр. 320

يحمل، فقيل: إنها عبادة لا لعلة، وقيل: إنها لعلة، والعلة في ذلك الاحتياط للزوج الميت إذ قد درج وانطوى بحجته فلعله لو كان لبين أنه اليمين، وإن لم يدع الورثة عليه أنه قد قبض أو وهب، بل لو أقر له الورثة بالدين ولم يريدوا أن يدفعوه إلا بحكم، لم يحكم له القاضي إلا بعد اليمين مخافة أن يطرأ وارث أو دين. وقال أبو الحسن: وقال الأصم: إن الآيات في عدة الوفاة وعدة الطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة فعدة الحرة والأمة سواء. وهذا المذهب جار على عمومات الكتاب إذ فرق فيها بين الحرة والأمة. والذي جعل الأمة على النصف من الحرة إنما اعتبره لأن حرمة الأمة دون حرمة الحرة. وهذا فيه ضعف، لأن العدة إنما هي لحق الزوج، وحق الزوج بالإضافة إلى الحرة والأمة سواء، وهذا بين، فإن صح الخبر عنه عليه ﷺ : ((طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان)) ففيه متعلق وإلا فامتعلق ضعيف. وقد اختلف في التموفى عنها إذا لم تعمل بموت زوجها وبلغها الخبر. فقال جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء عدتها من يوم مات. وكذلك في الطلاق، إذا طلقها عدتها من يوم طلق. وقال أبو حنيفة في أحد قوليه: من يوم علمت. وقال علي بن أبي طالب، والحسن البصري: عدتها في الموت من يوم بلغعا الخبر بخلاف الطلاق. وقال عمر بن عبد العزيز: إن ثبت ذلك بالبينة، فالعدة من يوم الطلاق أو الموت. وإن ثبت بالسماع فالعدة من يوم السماع وقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ يدل على تعلق
следующие страницы →