Полный текст (1 576 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وهذا القول مبني على أصل تنازع فيه الأصوليون. وهو نقص بعض الجملة هل هو نسخ للجملة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه نسخ وذهب آخرون إلى أنه ليس بنسخ، وفرق حذاق الأصوليين بين النقص الذي يغير حكم المنقوص منه حتى يرد ما كان عبادة مستعملة شرعية غير عبادة، وبين النقص الذي ليس كذلك، ورأوا في النقص الذي يغير حكم المنقوص منه نسخًا. وهذا عندي هو الصواب.
وقد تضمنت هذه الآية أن المتوفى عنها تتربص أربعة أشهر وعشرًا، ولم يفرق بين حائل وحامل. فمن الناس من حمل الآية عليهما جميعًا، ومنهم من حملها على الحائل خاصة. وقال تعالى في سورة الطلاق: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فذهب قوم من أهل العلم، إلى أن قوله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن﴾ إلخ في الطلاق خاصة، لكون ما قبل الآية، وما بعدها إنما هو في المطلقات خاصة، فما بينهما كذلك لا مدخل للمتوفى عنها فيها.
ومنهم من قال: هي عامة في لمطلقة والمتوفى عناه، فكلا الآيتين على القول بتخصيص الآيتين أو عموم إحداهما وتخصيص الأخرى فلا تعارض بينهما. وبحسب هذه الاحتمالات. اختلف السلف، فمنهم من حمل آية البقرة على أن المراد المتوفى عنها الحائل، وآية الطلاق على أن المراد بها المطلقة خاصة، وأخذ حكم الحامل المتوفى عنها من حديث سبيعة الأسلمية التي نفست بعد وفاة زوجها بليال، فقال رسول الله ﷺ : ((قد حللت، فانكحي من شئت)) والحديث في ((الموطأ)) و ((البخاري))
стр. 317
و ((مسلم)). ومنهم من حمل آية البقرة على الخصوص في المتوفى عنها الحائل كما ذكرنا، وأبقى آية يورة الطلاق على العموم في المطلقة والمتوفى عنها الحامل فأخذ حكم المتوفى عنها الحامل من آية سورة البقرة، وعضد ذلك بحديث سبيعة الأسلمية. ومنهم من حمل آية البقرة على العموم في الحامل والحائل، وآية سورة الطلاق على الخصوص في المطلقة، وصح عنده حديث سبيعة، وهو خبر آحاد فخصص به ذلك العموم في الآية، وهذا قول النخعي. وفيه نظر لأن الأصوليين قد تنازعوا أيهما يقدم؟ هل عموم القرآن أو خبر الآحاد؟ ويعظم إشكاله عند من يرى التعارض بين العام والخاص، ويسلك سبيل النسخ لأن خبر الآحاد لا ينسخ به القرآن. ومنهم من حمل الآيتين معًا على العموم وجعل آية سورة الطلاق ناسخة لآية سورة البقرة في حكم الحامل والمتوفى عنها زوجها وعضد ذلك بحديث سبيعة.
ومنهم من ذهب إلى هذا القول بالعموم في الآيتين أو الثالث قبله وجمع على الحامل المتوفى عنها حكم الآيتين فقال: إنها تجلس معتدة أقصى الأجلين، وضع الحمل أربعة أشهر وعشرًا. فتحصل بهذا في الحامل المتوفى عنها قولان:
أحدهما: أن عدتها وضع الحمل إلا أنه اختلف قائلو ذلك بالسنة أو بالكتاب.
والثاني: أن عدتها آخر الأجلين، وممن قال هذا علي -رضي الله
стр. 318
عنه-، وابن عباس في إحدى الروايتين عنه. والقول الآخر قول أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وفي الحامل قول ثالث: أن عدتها وضع حملها والطهارة من دم النفاس وهو قول مخالف لظاهر الكتاب والسنة. وممن قال به الحسن والشعبي. وأما المرتابة بحسن البطن، فتتربص إلى أقصى أمد الحمل في الوفاة والطلاق بإجماع.
واختلف في الكتابية على قولين:
أحدهما: أنها تستبرئ بثلاث حيض. وقيل إنها تستبرئ بحيضة.
فإن قلنا عدتها أربعة أشهر وعشرًا فهي داخلة في عموم الآية. وأما الكتابية غير المدخول بها فيخرج القول فيها على هاتين الروايتين.
إحداهما: أنه لا شيء عليها لبراءة رحمها.
والأخرى: أنها تعتد أربعة أشهر وعشرًا لأنها من الأزواج.
وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في الكفار هل هم مخاطبون بشرائع الإسلام أم لا؟
وأما المرتابة بتأخر الحيض، وهي التي يتأخر حيضها ففيها ففي المذهب ثلاثة أقوال:
стр. 319
أحدهما: أنها تبرأ بأربعة أشهر وعشرًا.
والثاني: أنها تتربص إلى تمام تسعة أشهر.
والثالث: أنها تبرأ بأربعة أشهر وعشرًا إذا لم يأتها فيها وقت حيضتها بخلاف التي يأتيها فيها وقت حيضتها وتتأخر عنها. وأما المستحاضة ففيها قولان:
أحدهما: أنها تبرأ بأربعة أشهر وعشرًا.
والثاني: أنها تبرأ بثلاثة أشهر.
فعلى القول بأن المرتابة والمستحاضة عدتها أربعة أشهر وعشرًا يكون قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ الآية، عامًا لهما. وحجة لمن قال فيها بذلك. والتربص أربعة أشهر وعشرًا واجب على كل متوفى عنها من الحرائر سوى من ذكرنا مدخولًا بها كانت أو غير مدخول بها صغيرة أو كبيرة، والزوج المتوفى صغير أو كبير، حر أو عبد، مجبوب أو سليم لعموم قوله تعالى: ﴿والذبن يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ الآية. وذكر عن داود أن الصغيرة لا عدة وفاة عليها. وهذه الآية حجة عليه. لكن من المعتدات من تكون الأربعة أشهر والعشر لها عبادة لعلة. ومنهن ما هي لعلة، ومنهن من اختلف فيها. فأما التي جعلت الأربعة الأشهر والعشر لها عبادة لا لعلة فالصغيرة التي يؤمن عليها الحمل، والكبيرة التي يؤمن عليها الحمل أيضًا. وأما التي تكون الأربعة أشهر والعشر لعلة في حقها فالمدخول بها إلا أن ما زاد على ما تعلم به البراءة عبادة. وأما التي اختلف هل العدة المذكورة عبادة في حقها لا لعلة أو لعلة فالمرأة التي لم يدخل بها. ومثلها
стр. 320
يحمل، فقيل: إنها عبادة لا لعلة، وقيل: إنها لعلة، والعلة في ذلك الاحتياط للزوج الميت إذ قد درج وانطوى بحجته فلعله لو كان لبين أنه اليمين، وإن لم يدع الورثة عليه أنه قد قبض أو وهب، بل لو أقر له الورثة بالدين ولم يريدوا أن يدفعوه إلا بحكم، لم يحكم له القاضي إلا بعد اليمين مخافة أن يطرأ وارث أو دين.
وقال أبو الحسن: وقال الأصم: إن الآيات في عدة الوفاة وعدة الطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة فعدة الحرة والأمة سواء. وهذا المذهب جار على عمومات الكتاب إذ فرق فيها بين الحرة والأمة. والذي جعل الأمة على النصف من الحرة إنما اعتبره لأن حرمة الأمة دون حرمة الحرة. وهذا فيه ضعف، لأن العدة إنما هي لحق الزوج، وحق الزوج بالإضافة إلى الحرة والأمة سواء، وهذا بين، فإن صح الخبر عنه عليه ﷺ : ((طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان)) ففيه متعلق وإلا فامتعلق ضعيف.
وقد اختلف في التموفى عنها إذا لم تعمل بموت زوجها وبلغها الخبر.
فقال جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء عدتها من يوم مات. وكذلك في الطلاق، إذا طلقها عدتها من يوم طلق. وقال أبو حنيفة في أحد قوليه: من يوم علمت. وقال علي بن أبي طالب، والحسن البصري: عدتها في الموت من يوم بلغعا الخبر بخلاف الطلاق. وقال عمر بن عبد العزيز: إن ثبت ذلك بالبينة، فالعدة من يوم الطلاق أو الموت. وإن ثبت بالسماع فالعدة من يوم السماع وقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ يدل على تعلق
стр. 321
العدة بالموت. وكذلك قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ يدل على تعلق العدة بالطلاق. والتربص التأني بالشخص في مكان وعلى حال، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿بأنفسهن﴾ وقد ثبتت الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ بالتربص على أي حال هو وفي أي مكان. فجاء عنه أن الحال التي تتربص عليها هي الإحداد وهو الامتناع من الزينة، وإن كان الحسن بن أبي الحسن لم ير الإحداد شيئًا. وقيل إنما تتربص على الزواج ولها الزينة والطيب. وهذا القول من الحسن أخذًا منه بظاهر الآية إذ لم يذكر فيها الامتناع من شيء ولكنه قول ضعيف ترده الآثار الصحاح. وجاء عنه ﷺ أن المكان حيث كانت وقت وفاة زوجها، وإن كان ابن عباس، وأبو حنيفة فيما روي عنهما لا يراعيان المكان ويقولان تعتد حيص شاءت. وهذا أحد قولي الشافعي. وقد روي نحوه عن مالك. وهو أيضًا أحذ بظاهر الآية إذ لم يقيد فيها التربص بمكان دون آخر، ولكنه قول ترده الآثار والمبينة للكتاب. وإسقاط الهاء من ((عشرًا)) يدل على اعتبار الليالي. واختلف هل يدخل فيهن اليوم العاشر أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يدخل في ذلك اليوم العاشر لأن الأيام من الليالي. وذهب الأوزاعي إلى أن اليوم العاشر ليس من العدة، وبل تنقضي بتمام عشر ليال. وقيل المعنى، وعشر مدد كل مدة من يوم وليلة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ ((أربعة أشهر وعشر ليال)).
стр. 322
(٢٣٥) - وقوله تعالى: ﴿ولاجناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ الآية [البقرة: ٢٣٥] .
أي إذا كان الأصل النكاح على المقصد الحسن. وقال قوم: معناه لا طلب بجميع المهر عليكم، بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها والمتعة خاصة لمن لم يفرض لها. وقال حماد بن أبي سليمان: إذا طلقها ولم يكن دخل بها ولا فرض لها. وقال حماد بن أبي سليمان: إذا طلقها ولم يكن دخل بها ولا فرض لها، أجبر على صداق مثلها. وقال قوم: لا جناح عليكم معناه في أن ترسلوا الطلاق، في وقت الحيض، بخلاف المدخول بها. وهذا التأويل يساعد القول الأهر خلافًا لمن كره طلاقها وهو أشهب. وتقدير الآية: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا. ودل على ذلك قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٧] وسبب من طلقها قبل أن يمسها ((فأو)) في الآبة بمعنى الواو مثل قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [النساء: ١٤٦] ونحو ذلك. وهذه الآية تعطي أن تسمية الصداق ليس من شرط صحة العقد، وجواز النكاح على التفويض، ولا خلاف فيه وإنما اختلفوا في نكاح التحكيم على ثلاثة أقوال، وإن كان نكاح التحكيم بمعنى نكاح التفويض، لأنه ليس في ذلك أكثر من تقدير الصداق في ثاني وقت، وكذلك التفويض. ولهذا ذهب جماعة إلى أنه
стр. 323
جائز كالتفويض، وذهب جماعة إلى أنه ال يجوز ويفسخ قبل ويثبت بعد بصداق المثل. وذهب قوم آخرون إلى أن ذلك جائز إن كان الزوج هو المحكم، ولا يجوز إن كان المحكم غيره. وإذا قلنا إنه جائز كالتفويض، فلا خلاف أن الحكم فيه كالحكم في التفويض إن كان المحكم الزوج وحده. وأما إن كان المحكم غير الزوجين أو الزوجة وحدها أو مع سواها أو الزوج مع غيره ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الحكم في ذلك حكم نكاح التفويض لا يعتبر فيه إلا رضى الزوج.
والثاني: أن النكاح لا يلزم إلا بتراضي المحكم والزوج.
والثالث: أن المحكم ينزل منزلة الزوج في نكاح التفويض.
(٢٣٦) - وقوله تعالى: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره ... ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦] .
يعني أعطوهن شيئًا يكون متاعًا لهن، والمطلقات في الامتناع ثلاثة أقسام. مطلقة قبل الدخول وقبل التسمية، ومطلقة قبل الدخول وبعد التسمية، ومطلقة بعد الدخول وقبل التسمية أو بعدها. فأما المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فإن الله تعالى قد نص في هذه الآيةعلى امتناعها، فقال: ﴿لا جناح عليكم﴾ الآية إلى قوله: ﴿ومتعوهن﴾. واحتلف أهل العلم في هذا الأمر، أيحمل على الندب أم على الوجوب؟ فذهب به جماعة إلى الندب، وإن كانوا يرون الأمر على الوجوب. قالوا: لأنه حفت به قرائن صرفته عن الوجوب منها تخصيصه بها المحسنين بقوله: ﴿حقًا على المحسنين﴾ ولا يعلم المحسن من غير المحسن إلا الله تعالى. فلما علق تعالى المتعة بصفة لا يعلمها إلا هو دل على أن الله تعالى لم يوجب الحكم بها على الحكام إذ لم يجعل لهم طريقًا إلى تمييز المأمور بها من غيره. وقيل: للمطلق متع إن كنت من المحسنين، فإنها
стр. 324
غير مقدرة ولا معلومة والفرائض لا بد أن تكون مقدرة ومعلومة. وذهب جماعة إلى أن حمل الآية على الوجوب ورأوا القضاء بالمتعة عامة في أولها وآخرها، لأن كل مؤمن محسن.
وأما المطلقة قبل الدخول وبعد التسمية، فلأهل العلم فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن إمتاعها ليس بواجب ولا مندوب إليه.
والثاني: أن إمتاعها واجب.
والثالث: أن إمتاعها مندوب إليه.
وحجة القول الأول أن الله تعالى ذكرها عقب المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فأوجب لها نصف فريضة، ولم يأمر لها بالمتاع، فدل على أنه لم يجعل لها متاعًا لا واجبًا ول مندوبًا إليه. وهذا هو مذهب مالك.
وحجة من أوجب لها المتاع، وعموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهنن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحًا جميلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] إذ لم يفرق بين أن يكون سمى لها صداقًا وعموم قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾ وقال هي من المطلقات فوجب لها المتاع مع نصف الصداق كما أن للمدخول بها المتاع، مع جميع الصداق.
стр. 325
وأما المطلقة بعد الدخول فلأهل العلم فيها قولان:
أحدهما: إيجاب المتعة.
والثاني: الندب إليها وهو قول مالك وجميع أصحابه.
وحجة من أوجب قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾ قال: وكل مؤمن متق. فلا تخصيص في الآية.
وقد اختلف في متعة هذه والتي طلقت قبل الدخول، وقبل التسمية أيهما أوجب؟ على أربعة أقوال:
أحدهما: أنهما سواء في إسقاط الوجوب وهو مذهب مالك.
والثاني: أنهما سواء في ثبوت الوجوب، ووجوب الحكم بها.
والثالث: أن المتعة للمدخول بها أوجب لأن الله تعالى أوجب لها المتاع بغير لفظ الأمر المحتمل للوجوب والندب. فقال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٤١] واستدل أيضًا من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ الآية إلى قوله: ﴿أمتعكن﴾ [الأحزاب: ٢٨] فنص على إمتاعهن وهن مدخول بهن.
والرابع: أن المتعة للتي لم يدخل بها، ولم يسم لها أجب لأن الله تعالى نص على المتعة لها بالأمر بها. والأمر على الوجوب ولم ينص على المتعو للمدخول بها إلا في تخيير النبي ﷺ أزواجه وذلك حكم خص النبي ﷺ به دون المؤمنين بدليل إجماعهم أنه لا يجب على أحد أن يخير امرأته وإنما جعل الله لها المتعة لعموم ظاهر اللفظ في قوله: ﴿وللمطلقات﴾ وليس ما أوجبه بالظاهر والعموم كما نص عليه بالأمر الذي يقتضي الوجوب، ولكل قول منها حض من النظر وأبينها ما ذهب إليه مالك ﵀. واختلف في المخيرة والمملكة هلى لها متعة أم لا؟ على قولين في المذهب:
стр. 326
أحدهما: عن مالك أن لها المتعة.
والثاني: عن ابن خويز منداد أن لا متعة لهما.
وحجة من رأى لها المتعة ظاهر الآية لأنهما من المطلقات، ولعلهما لا يريدان الفراق. وحجة من لم ير لهما متعة أن المتعة إنما جعلت تسلية للمرأة عن فراق زوجها فلا متعة في كل فراق تختاره المرأة من غير سبب يكون للزوج في ذلك كامرأة العنين، والمجذوم، وتختار الفراق، وكالأمة تعتق تحت العبد، فتختار نفسها. قالوا والمرأة إذا اختارت فراق زوجها لم تشقق لذلك ولا حرنت، فلا يحتاج الزوج إلى تسليتها وتطييب نفسها.
واختلف في المختلعة والملاعنة هل لها متعة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا متعة لهما لما قدمناه من علة من لم يير المتعة للمخيرة والمملكة. وذهب قوم إلى أن المتعة لهما فكأنهم اتبعوا ظواهر الآي، فرأوا أنهما من المطلقات، ولعلهم لم يروا تلك العلة لازمة، والنكاح المفسوخ لا متعة فيه، فسخ قبل البناء بطلاق أو بغير طلاق أو طلق الزوج قبل الفسخ، لأن المراد بقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ وبقوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ المطلقات بعد نكاح صحيح مباح. ويظهر من كلام ابن المواز ﵀ أن لها المتعة إذا طلق قبل الفسخ، وإن فسخ فلا متعة، وإذا لم يمتع الزوج، حتى ماتت المرأة ففي إيجاب المتعة عليه لورثتها قولان. وإذا قلنا إن المتعة إنما جعلها الله في مقابلة الأذى الحاصل بالفراق على وجه التسلية للمرأة المطلقة لم يكن للميتة متعة. وهذا أيضًا يقتضي ألا يكون للمملوكة إذا
стр. 327
طلقت قبل الفرض والمسيس متعة لأن المتعة تكون لسيدها وهو لا يستحق مالًا في مقابلة أذى مملوكته بالطلاق. ولا اعلم أحدًا قال بذلك سوى الأوزاعي والثوري، فإنهما زعما أن المتعة في هذه الحالة. وليست المتعة بدلًا عن البضع فيحكم لها بحكم الصداق في الوجوب لأن المعتبر بها حال الرجل بنص كتاب الله قال تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ [البقرة: ٢٣٦] فدل هذا على أنها ليست بدلًا عن البضع، وليست المتعة أيضًا عوضًا عن الصداق، ولأنه لو كان، ما صح الترغيب في متعة من تستحق والمهر والمسيس، والترغيب في الأحوال كلها فالإمتاع واحد. ففيما ذكرناه بطلان قول من زعم أن المتعة عوض عن الصداق، أو عن البضع.
واختلف الناس في مقدار المتعة. فقال ابن عمر أدنى ما يجزي في المتعة ثلاثون درهمًا أو شبهها. وقال ابن حجيرة: على صاحب الديون ثلاثة دنانير. وقال ابن عباس: أرفعها خادم ثم كسوة، ثم نفقة. وقال عطاء: من أوسط ذلك درع وخمار وملحفة. وقال أصحاب الرأي وغيرهم: متعة الرجل الذي يطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير. وهذه كلها أقوال [لا] يعضدها أصل. والذي تعضده ظواهر الآي أنه لا قدر للها وأنها على قدر عسر الرجل ويسره، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ فهذا أقوى دليل على رفض التحديد وهو مذهب
стр. 328
مالك ﵀. وفي هذه الآية دليل على أن المعتبر في قدرها إنما هو حال الرجل خاصة. وذكر بعض العلماء أن حال المرأة معتبر مع ذلك أيضا، واستدل على ذلك أيضا بقوله تعالي: ﴿بالمعروف﴾ ولأنه إن لم يعتبر ذلك لزم منه أن تكون متعة الشريفة والدنيئة سواء.
(٢٣٦) - وقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ [ البقرة: ٢٣٦].
أي لا حمل فيه ولا تكلف على أحد الجانبين، فهو تأكيد لقوله: ﴿على الوسع قدره وعلى المقتر قدره﴾.
(٢٣٧) - قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾ إلى قوله: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٧، ٢٣٨] اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا. والذين ذهبوا إلى أنها ناسخة اختلفوا في منسوخها. فذهب ابن المسيب إلى أنها نسخت الآية التي في الأحزاب لأن تمتع كل من لم يدخل بها. [ويعني بالتي في الأحزاب] قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩] وفي هذا القول نظر. وذهب قتادة إلى أنها نسخت الآية التي قبلها. وفي هذا التأويل أيضا نظر. والذين ذهبوا إلى أنها ليست بناسخة قالوا إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتيع إذ يتناولها عموم قوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ وقال ابن القاسم: كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ ولغير المدخول بها في الآية في سورة الأحزاب فاستثنى الله تعالى
стр. 329
المفروض لها قبل الدخول بهذه الآية وأثبت لها نصف ما فرض فقط. وقد تقدم من جمع بين الآيتين مرة للمطلقة قبل الدخول وقد فرض لها نصف الصداق بقوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ والمتعة بقوله: ﴿ومتعوهن﴾ وهذه الآية تدل على أن الصداق لا يجب بعقد النكاح وجوبًا مستقرًا، لأنه لو وجب وجوبًا مستقرًا ما سقط نصفه بالطلاق وإنما حاله مترقبة. وهذا القول أصح ما قيل في ذلك. وقد قيل إنه يجب جميعه بالعقد ونصفه الثاني بالدخول.
وهذان القولان معترضان من أوجه. وأحق الأقوال بالصواب الأول، ومفهوم الآية يعضده.
واختلف إذارخلا الزوج بزوجته خلوة بناء، ثم صدقته على أنه لم يطأ ماذا يجب لها من الصداق؟ فذهب مالك وجميع أصحابه إلى أنه ليس لها إلا نصف الصداق. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الخلوة الصحيحة توجب المهر كله، وطئ أو لم يطأ ادعته المرأة أو لم تدعه إذا لم يكن ثم مانع يمنع من الوطء من حيض ونحوه. وذهب ابن أبي ليلى، وعطاء إلى أن الخلوة توجب المهر، وإن كان ثم مانع. والآية ترد هذين القولين لأن الله تعالى قيد وجوب الصداق بالمسيس، فإذا لم يكن مسيس فلا يجب لها إلا نصف الصداق والخلوة غير مراعاة إلا مع التناكر.
وحجة القول الثاني ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: إذا أرخيت الستور، فقد وجب الصداق. وهذا القول محتمل لتأويلين. واختلف الذين ذهبوا إلى أن الخلوة لا توجب الصداق فإذا اختلف الزوجان بعد الخلوة في المسيس، هل يصدق الزوج؟ أو الزوجة؟ وفرق
стр. 330
مالك بين أن يكون الدخول بناء أو غير دخول بناء، ومن حجة من صدق الزوج في ذلك ظاهر الآية لأن الخطاب يها إنما هو للأزواج ولا يعلم ذلك إلا من قبلهم.
واختلف الذين ذهبوا إلى أنه لا يجب لها جميع الصداق إلا بالوطء إذ خلا بها خلوة بناء وتلذذ بها وعجز عن الوطء على أربعة أقوال. فقال مالك: لها النصف إلا أن يطول مقامه معها، واستمتاعه بها، وتكون لها سنة كالمة كامراة العنين، فيجب لها الصداق. وقال ابن أبي سلمة: لها النصف وإن طال مقامه معها. وروي عن مالك: أن لها الجميع ولو لم يطل مقامه.
وقال عمر: لها النصف وتعاض من تمتعه بها. والذي تقتضيه الآية أن لها النصف إذ المسيس هنا الجماع فما عدا الجماع على ذلك لا يعتبر.
واختلف في المرأة تقبض صداقها فتشتري به ما يصلح لجهازها فيطلقها الزوج قبل البناء، بم يرجع عليها؟ فقال ملاك بنصف ما اشترت وقال أبو حنيفة والشافعي بنصف ما أخذت منه لا بنصف ما اشترت لقوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ ولم يقل فنصف ما اشترت، وبه أخذ ابن المنذر. ولقول مالك وجه من النظر يبحث عليه في مظانه.
واختلف في نكاح التفويض إذا طلقها قبل الدخول وقد فرض لها.
فقيل: يكون لها نصفه ولا متعة، وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا شيء لها مما فرضه. ولها المتعة، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ ولا فرق أن يفرض في العقد وبعد العقد.
стр. 331
(٢٣٧) - قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
هو استثناء منقطع لأن عفوهن من الأخذ ليس من جنس أخذهن والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي وجب لهن على الزوج. والعافيات في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها.
واحتلف في البكر التي لا ولي لها هل هي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾ أم لا؟ على قولين منصوصين وأما التي في حجر أب أو وصي فليست بداخلة في هذا العموم لأنها لا تصرف لها في مالها فيكون لها العفو.
(٢٣٧) - وقوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
اختلف في المراد بذلك فقال ابن عباس، مالك، والشافعي في قوله القديم وغيرهم: هو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته فأجاز لهما العفو عن نصف الصداق بعد الطلاق كما جاءت الآية. واختلف المجيزون لعفو الأب في الأب إن أراد أن يعفو عن ذلك قبل الطلاق أيجوز أم لا؟ فلم يجز مالك، وأجازه ابن القاسم إذا كان نظرًا. وذكر بعض المتأخرين أنه يجوز له وضع البعض منه. وأما وضع الجميع فلا يجوز إلا على الطلاق.
وحجة مالك أن الله تعالى إنما أجاز له الوضع وبعد الطلاق فلا يتعدى ذلك.
وقد قيل: إن قول ابن القاسم تفسير لقول مالك. وأما الوصي وسائر الأولياء فلم يرهم مالك داخلين في عموم قوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] وروى ابن نافع عن مالك: أن الوصي في ذلك مثل الأب وقاله أصبغ. فعلى هذا يكون الوصي داخلًا تحت قوله تعالى: ﴿أو يعفة الذي بيده عقدة النكاح﴾ وأما شريح، وعكرمة فرأيا كل من بيده عقدة
стр. 332
النكاح داخل الآية فأجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر. وقال أنا أعفو عن مهر بني مرة وإن كرهن. وقال عكرمة يجوز عفو الذي بيده عقدة النكاح كا عمًا، أو أخًا، أو أبًا وإن كرهن. ولا خلاف إن كان الولي سفيهًا في أنه لا يجوز عفوه. وذهبت فرقة إلى أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج عفوه أن يدفع الصداق كاملًا وليس عليه غير نصفه قاله علي بن أبي طالب ﵁، وابن عباس أيضًا وشريح رجع إليه، وسعيد بن جبير، أبو حنيفة، والشافعي في الجديد. وفائدة الخلاف أن من ذهب إلى أنه الزوج منع الأب من العفو على مذهب من ذكرنا. وهذا اللفظ يحتمل الوجهين المتأولين فيجب أن ينظر أقوى الوجهين في الاحتمال مما استدل به أصحاب الشافعي على أن المراد به الزوج أن قالوا: اللائق بالبيان هنا أنه إذا ذكر العفو من أحد الزوجين ذكره أيضًا من الزوج الآخر قالوا وقد قال تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ [النساء: ٤] فذكر تركه الصداق عليها، وتركها الصداق عليه. ومما استدلوا به أيضًا أن قالوا قد قال تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وليس في هبة مال الغير إفضال منه على غيره. وذكروا أيضًا أدلة أخرى لا تقوم بشيء منها حجة. ولمالك من قال بقوله في الآية أدلة:
أحدها: أن ابتداء الخطاب بقوله: ﴿وإن طلقمتوهن﴾ للأزواج وقوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] كناية للغائب فيجب أن
стр. 333
يكون المراد به غير من ووجه بالخطاب، وإذا ثبت ذلك لم يبق إلا ما قالوه في الولي.
والثاني: أن قوله ﴿الذي بيده عقدة النكاح﴾ يفيد أن يكون بيده في الحال والزوج ليس بيده بعد الطلاق شيء.
والثالث: أن حقيقة العطف عوده على المعطوف عليه في الشيء الذي أريد بالعطف. وقد ثبت أن قوله: ﴿إلا أن يعفون﴾ المراد به النصف الواجب للمطلقات يسقطنه عن الزوج. فلما عطف بحرف ﴿أو﴾ كان حقيقته عفوًا عن ذلك النصف في الثيب أو ولي البكر. ومن حمله على الزوج على العفو عن نصف آخر، وذاك خلاف الظاهر.
والرابع: أن في حملها على ما قلنا سلامتها من التكرار وحملها على الزوج تكرار، لأنه قد ثبت توجه الخطاب إليه بالعفو بقوله: ﴿وأن تعفو أقرب للتقوى﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧].
والخامس: أن الله تعالى ندب العفو في كلا الطرفين فندب الأزواج بقوله: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧] ولم يفصل لأنهم يملكون أنفسهم، ثم ندب النساء، كن ينقسمن إلى ثيبات يملكن أمر أنفسهن، ولا حجر عليهن وإلى أبكار يولى عليهن. خاطب الثيب بإقاع العفو منهن، وامتنع في الأبكار، فعدل إلى أوليائهن المالكين لأمورهن، وهم الآباء ومتى جعلناه للأزواج كان الأبكار في حيز من ندب إلى العفو، وهذا الاحتجاج لعبد الوهاب. والعفو عن نصف الصداق إذا كان دينًا على الزوج بين التوجه، وإن كان الصداق عقارًا أو عينًا معينة فلا يتحقق معنى العفو فيه ولكن العفو فيه بمعنى تمليكه إياه بغير عوض والعفو التساهل، يقال: كان الأمر عفوًا أي سهلًا. قال الشافعي: ففي هذا
стр. 334
دليل على جواز هبة المشاع فيما ينقسم لإباحة الله تعالى تمليك نصف الصداق المفروض الثابت بعد الطلاق، ولم يفرق بين ما كان منه عينًا أو دينًا أو يحتمل القسمة وما لا يحتملها، فوجب اتباع عموم الآية في جواز هبة المشاع خلافًا لمن لا يجيزه. وقد اعترض أصحاب مالك في تفسير هذه الآية فإن الذي بيده عقدة النكاح هو الاب. فقيل: كيف جاز للأب أن يعفو عن نصف الصداق وهو ملك غيره؟ ولو جاز أيضًا له أن يتصرف في مالها بالهبة والصدقة والعتق، ونحو ذلك. والجواب عن هذا أن الصداق مخالف لما ذكر من قبل، أن للأب أن يجبرها على العقد، وله أن يرفع العقد بخلع يوقعه، كذلك لأن يدفع ما وجب لها بالعقد إذ هو الموقع له، وله في ذلك حض. ويؤخذ من هذه الآية أيضًا إذا ثبت أن الذي بيده عقدة المكاح هو الأب أن له أن يجبر ابنته البكر على النكاح خلافًا لمن رأى أنه ال يزوجها إلا بإذنها، وهو أبو حنيفة، لأن الله تعالى قد جعب ذلك بيد الأب، فلو جعلنا فيه للبنت إذنًا بكنا قد جعلنا ذلك بيدها، وذلك خلاف ما تقتضيه الآية. وكذلك البكر الصغيرة التي لم تبلغ داخلة في هذا الحكم للأب أن يجبرها على النكاح باتفاق إلا من شذ. واختلف في الأب هل له أن يزوج ابنته البكر بأقل من صداق امثالها، فمنع ذلك الشافعي وأجازه مالك ومن تابعه قياسًا على وضع نصف الصداق.
وقوله تعالى: ﴿وأن تعفو أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] اختلف في المراد به فيقيل جميع الناس، وقيل المراد به النساء الجائزات الأمر والذي بيده عقدة النكاح. وقرئ ((وأن يعفو أقرب للتقوى)) بالياء وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح.
стр. 335
(٢٣٨) - (٢٣٩) قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ إلى قوله: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩] .
هذه الآية أمر الله تعالى فيها بالمحافظة على إقامة الصلوات، في أقاتها بجميع شروطها. وذكر تعالى الصلاة الوسطى ثانية وقد دخلت في عموم الصلوات، لأنه قصد تشريفها وإغراء المصلين بها وقد قرئت: ((والصلاةَ الوسطى)) بالنصب على الإغراء، واحتلف الناس في هذه الصلاة على ثمانية أقوال:
فذهبت فرقة إلى أنها الصبح، وأن لفظ ((وسطى)) يعطي الترتيب لأن قبلها صلاتي الليل، يجهر فيهما وبعدهما صلاتا النهار، يسر فيهما وهو قول مالك، وجماعة من أهل العلم.
وقالت فرقة: هي صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت، ورفع فيها حديثًا عن النبي ﷺ . واحتج قائلو هذا بأنها أول صلاة صليت في الإسلام فهي وسطى بذلك أي فضلى، وليس هذا بالتوسط في الترتيب.
ويدل لذلك ما قالت حفصة وعائشة حين أملتا ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ صلاة العصر.
وقالت فرقة: هي صلاة العصر لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي
стр. 336
ليل. وفي مصحف عائشة: ((والصلاة الوسطى - وهي صلاة العصر)) وفي إملاء حفصة: ((والصلاة الوسطى - وهي صلاة العصر)) فيتأول فيه أنه عطف إحدى الصفتين على الأخرى وهما شيء واحد. وروي عن ابن عباس أنه قرأ: ((والصلاة الوسطى - صلاة العصر)) على البدل. وروي هذا القول عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ . قال ﷺ يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا)) وقال البراء بن عازب: كنا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ ((حافظوا على الصلوات وصلاة العصر)) ثم نسخها الله تعالى فقرأنا ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ فقال له رجل: فهي العصر؟ قال: قد أخبراتك قال: كيف قرأناها وكيف نسخت. وروى أبو مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلاة الوسطى صلاة العصر)).
стр. 337
وقال قبيصة بن ذؤيب: ((الصلاة الوسطى صلاة المغرب)) لأنها متوسطة في عدد الركعات ليست ثنائية ولا رباعية.
وقالت فرقة: الصلاة الوسطى صلاة العشاء الأخيرة.
وقالت فرقة: الصلاة الوسطى لم يعينها الله تعالى لنا فهي في جملة الخمس غير معينة كليلة القدر في ليالي العشر جعل الله تعالى ذلك لتقع المحافظة على الجميع.
وقالت فرقة: الصلاة الوسطى صلاة الجمعة فإنها وسطى أي فضلى أي وسكى لما خصت به من الجمع والخطبة وجعلت عيدًا.
وقال بعض العلماء: الصلاة الوسطى المكتوبات الخمس وقوله أولًا: ﴿على الصلوات﴾ يعم الفرض والنفل، ثم خص الفرض بالذكر.
وقال المازري: يضعف قول من قال إنها الجمعة بأن المفهوم من الأمر المحافظة عليها من أجل المشقة فيها، والجمعة صلاة واحدة في سبعة أيام فلا مشقة فيها في الغالب. وكذلك يضعف قول من قال: إنها جميع الصلوات، لأن أهل الفصاحة لا يذكرون شيئًا مفصلًا ثم يشيرون إليه مجملًا. وإنما يصنعون عكس ذلك. والوسط إما أن يراد به التوسط في الركوع والسجود أو في العدد والزمان. فأما الركوع فإن حكم الصلاة فيه
стр. 338
واحد فهذا القسم لا يراعى فيه للاتفاق عليه. وأما إن راعينا العدد فإنه يؤدي إلى أنها المغرب، وإن راعينا الزمان كان الصحيح أنها إحدى صلاتين إما الصبح وإما العصر، فأما الصبح فإنا قلنا ما بين الفجر إلى طلوع الشمس ليس من النهار ولا من الليل كانت هي الوسطى لأنها الظهر والعصر من النهار والعشاء والمغرب من الليل قطعًا، ووقت المغرب مشترك بين الوقتين فهو وسط وعلى القول لأن ذلك الزمان من النهار يكون الأظهر أن الوسطى العصر لأن الصبح والظهر يسبقان العصر والمغرب والعشاء يتأخران عن العضر فهي إذًا وسط بينهما. وقد احتج أصحابنا بانها الصبح بالمشقة اللاحقة في إتيانها. وقال من ذهب إلى أنها العصر، أن العصر أيضًا كانت تأتي وقت اشتغالهم بمعاشهم، فكانت تشق عليهم فأكد أمرها. يؤيد أن أرجح الأقوال قول من زعم أنها الصبح أو العصر قول النبي ﷺ : ((من صلى اليردين دخل الجنة)) قيل: المراد بها الصبح والعصر. وقال يعقوب: البردان: الغداة والعشاء. قلت: فعلى ما تقدم يأتي في الوقت من طولع الفجر إلى طلوع الشمس قولان:
أحدهما: أنه ليس من الليل ولا من النهار.
والثاني: أنه من النهار.
وفيه قول ثالث: أنه من الليل، وعليه يأتي قول من أجاز الأكل بعد طلوع الفجر في الصوم.
واختلف في الوتر فعندنا أنها سنة مؤكدة، وعند أبي حنيفة أنها
стр. 339
واجبة وليست بفرض. وعنه رواية أخرى أنها فرض. ودليلنا قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ فلو كانت الوتر واجبة لكانت ستًا ولا وسط للست.
(٢٣٨) - وقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] .
معناه في صلواتكم. واختلف في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا؟
فذهب السدي إلى أنها ناسخة. ومعنى ﴿قانتين﴾ ساكتين، وهذه الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة، وكان ذلك مباحًا في صدر الإسلام. وقال عبد الله بن مسعود: كنا نتكلم في الصلاة ونرد السلام، ويسأل الرجل صاحبه عن حاجته. قال: ودخلت يومًا والنبي ﷺ يصلي بالناس، فسلمت عليه، فلم يرد السلام فاشتد ذلك علي. فلما فرغ ﷺ ، فقال: ((إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنه أمرنا أن نقوم لله قانتين، لا نتكلم في الصلاة)).
وقد اختلف في ترك الكلام في الصلاة هل هو سنة أو فريضة؟ على قولين في المذهب، والظاهر أنه فرض، والحجة لهذا قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ والأمر للوجوب. وقد أجمع الناس على أن الكلام في اصلاة عمدًا إذا لم يكن لإصلاحها يفسدها إلا الأوزاعي فإنه قال: من تكلم في الصلاة لإحياء نفس أو لمثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد صلاته بذلك ويمضي عليها. وقال بعضهم عنه: ومثل ذلك لو رأى
стр. 340
ذيبًا يثب على غنم ونحو ذلك. ولزم اللخمي على المذهل نحو قول الأوزاعي. وعموم الأمر بالسكوت في الآية والنهي الوارد عن النبي ﷺ في ذلك يرد هذا إلا أن يخصص بدليل واضح.
وأما الكلام في الصلاة لإصلاحها في نحو قصة ذي اليدين حين سلم النبي ﷺ من اثنتين، وتكلم ثم رجع إلى الصلاة وأتمها.
فاختلف في ذلك اختلافًا كثيرًا. فروى ابن القاسم عن مالك: أن ذلك جائز في تلك القصة المروية وغيرها، فيخصص على عموم الأمر بالسكوت، وعموم النهي عن الكلام وبهذا الخبر، ومن أصحاب مالك من قال: لا يجوز ذلك إلا في قصة ذي اليدين خاصة إذا سلم الإمام من اثنتين، وإذا سلم من واحدة أو ثلاثة، أو منع غير ذلك، فلا يجوز التكلم ولو في إصلاح الصلاة، فخصص من قال ذلك العموم بالحديث ولم يقس عليه.
وقال ابن كنانة من أصحاب مالك: إن ذلك لا يجوز بوجه لا في قصة ذي اليدين ولا فيما أشبهها.
واختلفوا في تأويل قصة ذي اليدين فمنهم من رآها خاصة بالنبي ﷺ ، ومنهم من رآها منسوخة بالآية والحديث. وضعف أبو عمر النسخ. وبنحو قول ابن كنانة قال أبو حنيفة والشافعي: أنه لا
стр. 341
يجوز الكلام عمدًا لإصلاح الصلاة. وتأول أصحاب الشافعي الحديث على أن النبي ﷺ إنما تكلم وهو يرى أنه في غير الصلاة. وتكلم من تكلم معه من أصحابه، وهو يرون أن الصلاة قصرت فلم يتكلموا وهو يرون أنهم في صلاة. ومنهم من قال لم يتكلموا، وإنما أومؤوا ((أي نعم))، فعبر عنه بالقول وروي في ذلك حديث.
وأما الكلام سهوًا فلا يبطل الصلاة عند مالك والشافعي خلافًا لأبي حنيفة، والحجة عليه حديث ذي اليدين فإنه ﷺ تكلم ساهيًا. واختلف فيمن تكلم جاهلًا يظن أن الكلام في الصلاة جائز فقيل: تفسد صلاته لأنه متعمد، وقيل: تصح لأنه تأول في أصل حكم الصلاة. وقال سعيد بن المسيب يجوز رد السلام في الصلاة. وخالفه الجمهور، ورآه كلامًا عمدًا يبطل الصلاة لعموم الآية ومخالفته لنص الحديث. وأما رده إشارة للجائز فليست بكلام خلافًا لأبي حنيفة في أنه لا يرد إشارة. والذين ذهبوا إلى أنها ليست بناسخة اختلفوا في معناها، فقال قوم: ﴿قانتين﴾ مطيعين قاله الشعبي وغيره. وقال مجاهد: معنى ﴿قانتين﴾ خاشعين. وقال قوم: القنوت الدعاء. واستدل القاضي أبو محمد على أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح بقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ والقنوت لا يكون إلا في صلاة الصبح.
فأشار إلى أن المراد بذلك القنوت الذي يكون في صلاة الصبح. وفيه إصبات القنوت في الفجر خلافًا لمن يجيزه فيه وفي القنوت في الوتر اختلاف
стр. 342
كثير. وقال الربيع: القنوت طول القيام والركوع والانتصاب له. قلت يؤخذ أيضًا من هذه الآية أن القيام ركن من أركان الصلاة، وشرط في صحتها مع القدرة عليه ولا خلاف في ذلك إلا خلافًا شاذًا حكاه اللخمي.
وروى عمران بن جصين قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ فقال: ((صل قائمًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)) فخص بهذا الخبر من عموم الآية بحديث عائشة في ((الموطأ)) جواز القعود في التنفل مع القدرة على القيام.
فخص بذلك الآية أيضًا على قول من زعم أنها تتناول الفرض والنفل، وبقيت عامة في المستطيعين للقيام في الفريضة فعلى هذا قول النبي ﷺ : ((صلاة القاعد، على النصف من صلاة القائم)) إنما ينبغي أن يحمل إما على صلاة الفرض مع عدم الاستطاعة على القيام، أو على صلاة النفل مع الاستطاعة أو عدمها خلافًا لما حكاه ابن حبيب عن ابن الماجشون من أن الحديث فيمن يستطيع أن يصلي قائمًا والقعود أرفق به قال: فأما من أقعده المرض في مكتوبة أو نافلة، فإن صلاته قاعدًا مثل صلاته قائمًا في الثواب وخلافًا للقاضي ابن إسحاق في قوله: إن الحديث في النوافل خاصة.
(٢٣٨) - قوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨] .
أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحالى قنوت، وهو الوقار والسكينة وهذا على الحالة الغالبة في الأمن والطمأنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخوف الطارئة أحيانًا، فرخص لعبيده في الصلاة رجالًا منصرفين على الأقدام، وركبانًا على الخيل ونحوها إيماء بالرؤوس حيثما توجه وإن كانوا في حال
стр. 343
مسايفة. هذا قول جمهور أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا تجوز الصلاة حال المسايفة، ويؤخرون إلى الأمن والآية حجة عليه.
وقوله تعالى: ﴿فإن خفتم﴾ يقتضي أنواع الخوف، خوف عدو يتبعه، أو خوف سبع يطلبه، أو خوف سيل يحمله. وبالجملة، فكل أمر يخاف منه على وجه يبيح ما تضمنت هذه الآية وزفرق مالك بين خوف العدو، وخوف السبع ونحوه، بأن استحب في غير خوف العدو والإعادة في الوقت إن وقع الأمن. وقال المغيرة من أصحاب مالك فيمن صلى على ابته خوفًا من العدو، ويعيد ما دام في الوقت.
ويحتمل أن يتأول قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ على ذلك أي إذا أمنتم في الوقت فأعيدوا الصلاة، وأكثر فقهاء الأمصار أن لا إعادة، وهو الأظهر من الآية.
(٢٣٩) - قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله﴾ الآية [البقرة: ٢٣٩] .
اختلف المتأولون فيها فقالت فرقة: المعنة فإن زال خوفكم فاذكروا الله بالشكر على نعمه في تعليمكم هذه الصلا التي وق عبها الإجزاء ولم تفتكم صلاة من الصلوات. وهذا هو الذي لم تكونوا تعلمونه. وقالت فرقة: وإذا كنتم آمنين قبل أو بعد فكأنخ قال فمتى كنتم في أمن فاذكروا الله
стр. 344
أي صلوا الصلاة التي علمتموها وهي التامة. وقال مجاهد: معنى قوله: ﴿فإذا أمنتم﴾ إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة.
(٢٤٠) - قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجًا وصية لأزواجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠] .
معنى هذه الآية، أن الرجل إذا مات، كان لزوجه أن تقيم في منزله سنة، وينفق عليها من ماله، وذلك وصية لها. واحتلف العلماء ممن هذه الوصية فقالت طائفة: كانت وصية من الله تعالى تجب بدع وفاة الزوج.
قال قتادة: كانت المراة إذا توفى عنها زوجها فلها النفقة والسكنى جولًا في مال زوجها ما لم تخرج برأيها، ثم نسخ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثمن الذي في سورة النساء، ونسخ سكنى الحول الأربعة الأشهر والعشر.
وقالت فرقة: بل هذه الوصية من الأزواج كانوا قد ندبوا أن يوصوا للزوجات بذلك فيتوفون على هذا القول، معناه: يقاربون الوفاة ويحتضرون، لأن الميت لا يوصي. وهذا القول أيضًا لقتادة والسدي. وقال السدي: إلا أن العدة كانت أربعة أشهر وعشرًا، وكان الرجال يوصون بسكنى سنة ونفقتها ما لم تخرج، فلو خرجت بعد انقضاء العدة الأربعة الأشهر والعشرة سقطت الوصية، ثم نسخ الله تعالى ذلك بنزول الفرائض، فأخذت ربعها أو ثمنها ولم يكن لها سكنى ولا نفقة، وصارت لاوصايا لمن لا يرث. وقيل
стр. 345
الناسخ لهذه الوصية قوله ﵇: ((لا وصية لوارث)) وهذان القولان لمن زعم أن الآية منسوخة. وقال الطبري عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة لا عدة فيها، والعدة قد ثبتت أربعة أشهر وعشرًا، ثم جعل الله تعالى لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قوله تعالى: ﴿غير إخراج﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠] وقد تقدم القول على هذه الآية.
(٢٤١) - قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] .
اختلف في هذه الآية فقال أبو ثور: هي محكمة، والمتعة لكل مطلقة: دخل بها أو لم يدخل، فرض لها أو لم يفرض بهذه الآية. وقال الزهري لكل مطلقة متعة والأمة يطلقها زوجها وقال ابن القاسم: جعل الله المتعة لكل مطلقة بهذه الآية، ثم استثننى في الآية الأخرى التي فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة. وزعم زيد بن أسلم أنها نسختها.
قال بعض المؤلفين في التفسير: ففر ابن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء. والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم. وإذا التزم ابن القاسم أن قوله: ﴿وللمطلقات﴾ عم كل مطلقة لزم القول بالنسخ ولا بد. وهذا كلام من لا يفهم معنى العموم والخصوص، ولا وقف على ما للعلماء فيه من الأقاويل. وإنما أراد ابن القاسم أنه فيه تخصيص فسماه استثناء، فلا اعتراض فيما قاله. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره هذه الآية في الثيب اللواتي قد جومعن إذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن. وقال ابن زيد: هذه الآية نزلت
стр. 346
مؤكدة لأمر المتعة لأنه قد نزل قبل ﴿حقًا على المحسنين﴾ فقال رجل: فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع. فنزلت ﴿حقًا على المتقين﴾ فوجب ذلك عليهم.
(٢٤٣) - قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾ الآية [البقرة: ٢٤٣] .
قيل: إنهم فروا من الطاعون وقالوا نأتي أرضًا لا موت فيها فأماتهم الله، فمر عليهم نبي فدعا الله تعالى فأحياهم. ويروى أنهم ماتوا ثمانية أيام. وقيل: إنهم أحيوا بعد أن نتنوا، وكانوا من بني إسرائيل فتلك الرائحة توجد فيهم إلى يومنا وقيل: إنهم فروا من القتال فأماتهم الله، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد. فقال: وقاتلوا في سبيل الله. وقد كره قوم الفرار من الطاعون والوبار والأراضي السقيمة. واستدلوا بهذه الآية، وقد اشتهر حديث عمر -ضي الله عنه- في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة، ورجوعه من أجل الوباء، واختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك عليه.
وما رواه عبد الرحمن بن عوف من قول رسول الله ﷺ : ((إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه)) فقيل: إن عمر ﵁ رجع عنه بحديث عبد الرحمن. وقيل: إنما حدثه بعد أن كان قد عزم على الرجوع بما أشار به عليه مشيخة الفتح. وقال بعضهم: نهي النبي ﷺ عن القدوم عليه والفرار منه نهي أدب وإرشاد من ناحية قوله ﵇: ((لا يرد الممرض على المصح، وليحل
стр. 347
المصح إن شاء)). لئلا يقع بنفسه إن قدم عليه فأصابه قدر أنه لم يقدم علسه لنجا منه. وأما إن قدم عليه موقنًا بالقدر فهو مأجور على ذلك. وإن خالف النهي لأنه ليس بنهي تحريم، قال فعلى هذا هو مخير. وقد قيل سئل مالك عن ذلك في ((جامع العتيبة)) فقال: إن شاء قدم عليه وذكر الحديث قال: وكذلك الخروج عنه جائز إلا أنه مكروه لمخالفة الحديث والمقام أفضل للحديث والاستسلام للقدر. وقد روى الزهري أن عمرو بن العاص حين أصاب الناس طاعون بالجابية قام بينهم فقال تفرقوا عنه فإنما هو نار. فقام معاذ فقال: لقد كنت فينا وأنت أضل من حمار أهلك سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هو رحمة لهذه الأمة)) اللهم اذكر معاذًا فيمن تذكره في هذه الرحمة. فمات في طاعون عمواس.
وروي عن عمرو أنه قال: إنه رجس فتفرقوا عنه فقال شرحبيل بن حسنة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم فلا تفرقوا عنه)) وأراد بقوله: ((دعوة نبيكم)) قوله ﷺ : ((اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون)) ووجه ما ذهب إليه عمر هو مخالفة أن يصيب الإنسان بالمقام قدر فيقول القائل لو خرج لنجا فيحصل على هذا في الأفضل من القدوم على الوباء أو الخروج عنه أو ترك ذلك
стр. 348
بعد القول بأنه لا إثم ولا حرج في شيء من ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأفضل أن يقدم وإلا يخرج وهو مذهب من أشار على عمر ﵁ أن يقدم لأنه إذا رأى القدوم عليه فأحرى ألا يرى الخروج عنه.
والثاني: ألا يقدم وأن يخرج عنه وهو مذهب عمر ﵁.
والثالث: الأفضل ألا يقدم عليه، وألا يخرج عنه على حديث عبد الرحمن وهو أرجح الأقوال.
قال أبو الحسن: ولا نعلم خلافًا أن الكفار، وقطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة، لا طاقة لأهلها بهم أن لهم أن يتنحوا من بين أيديهم، وإن كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص.
ومن هذا مسألة العدو يأخذ مركبًا فيه المسلمون فيلقون أنفسهم في البحر فررًا من العدو وطمعًا في النجاة، وقد اختلف في ذلك بالجواز والكراهة.
ومن هذا النوع عندي الفرار وقت الزلزلة فانظره.
(٢٤٧) - قوله تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا﴾ الآية [البقرة: ٢٤٧] .
دلت على أن الإمامة لا تؤخذ بالوراثة عن بيت النبوة أو بيت
стр. 349
المملكة وإن ذلك إنما يستحق بالعلم والقوة. وذكر الجسم هنا كناية عن فضل القوة لاقتران فضل القوة زيادة الجسم ولم يرد به عظم الجسم بلا قوة.
(٢٤٩) - قوله تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ الآية [البقرة: ٢٤٩] .
ذكر أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة أن ذلك يدل على أن الشرب من النهر إنما هو الكرع فيه ووضع الشفة عليه لأنه كان حظر الشرب فيه إلا من اغترف غرفة بيده، وهذا يدل على أن الاغتراف ليس بشرب وهو تصحيح لقول أبي حنيفة فيمن قال إن شربت من ماء الفرت فعبدي حر أنه محمول على أن يكرع فيه، وأنه إذا اغترف منه أو شرب بإناه فإنه لا يحنث. وهذا بعيد لأن الله تعالى إنما أراد من شرب [من] ماءه وأكثر فقد عصى، ومن اغترف غرفة بيده فأقنعه لم يكن عاصيًا فهجموا على النهر بعد عطش شديد، فوقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب منه. فبان بذلك ضعف نيتهم وأنهم يجبنون على لقاء العدو، وأطاع قوم قليل عددهم، فلم يزيدوا على الاغتراف، فبان صبرهم وامتثالهم للأمر، وهو استثناء متصل، وعلى ما قالوه هو استثناء منقطع، وحمله على الاتصال أولى ما أمكن. وهذا الذي ذكره أبو الحسن ﵀ في الاستثناء إنما هو إذا رد الاستثناء إلى قوله تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ وأما إ، رد إلى قوله: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ فلا يكون إلا منفصلًا. وقد استدل بعضهن بقوله: ﴿ومن لم يطعمه﴾ أن الماء طعام لا يصح بيعه إلا بما يصح
стр. 350
به بيع الطعام. والرواية المشهورة عن مالك أنه ليس بطعام وأنه يجوز بيعه بالطعام نقدًا وإلى أجله وبيعه قبل قبضه وبيع بعضه ببعض متفاضلًا يدًا بيد، ونسيئة وهو قول الشافعي. والأول قول أبي حنيفة ولا حجة في الآية لأن الطعام فيها بمعنى الذوق وإثبات الطعم له أو نفيه عنه لا يثبت له أنه طعام.
(٢٥٦) - قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
الدين هنا المعتقد والنية بدليل قوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ [البقرة: ٢٥٦]. والغي أكثر اسستعمالهما في الدين. وقد اختلف الناس في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة فالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا فقال بعضهم: كان رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين لا يكره أحدًا في الدين فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم فاستأذن الله تعالى في قتالهم فأذن له فالآية على هذا القول مكية منسوخة بآية السيف. وقال السدي: نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ابنان فقدم تجار الشام إلى المدينة يجملون الزيت. فلما أرادوا لرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصروا وذهبا معهم إلى الشام، فأتى رسول الله ﷺ مشتكيًا أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله ﷺ من يردهما فنزلت الآية ﴿لا إكراه في الدين﴾ ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل مكة. وقال: ((أبعدهما الله هما أول من كفر)) فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول الله ﷺ حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله : ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥] ثم إنه نسخ الإكراه في الدين فأمر بقتال أهل
стр. 351
الكتاب في سورة براءة. فالآية على هذا مدنية منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال قتادة وغيره: هذه الآية خاصة في أهل الكتاب الذين يبذون الجزية عن يد وهم صاغرون قالوا وأما العرب أهل الأوثان فلا يقبل منهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو السيف، فليسوا بداخلين تحت الآية وإنما المراد بها من يجوز أخذ الجزية منهم وهو أهل الكتاب فعلى هذا القول يكره مشركو العرب على الإسلام دعوا إلى إعطاء الجزية أم لا، فإن أبوا فالسيف. وهذا القول يأتي على مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن جبيب في مشركي العرب، وأما على مذهب مالك الذي يرى قبول الجزية منهم فأنهم داخلوان في الآية ولا يكرهون إذا أدوها. وأما قريش والمرتدون فباتفاق أنهم ليسوا بداخلين في هذه الآية على هذا التأويل لأنه لا يجوز أن تؤخذ الجزية منهم باتفاق فيسلمون أن يقتلون باتفاق.
وأما أهل الكتاب فباتفاق أنهم داخلون في الآية على هذا [القول]، بل التأويل لأنه لا خلاف في وجوب قبول الجزية منهم، إلا أني رأيت بعض أشياخ [أهل] زماننا يقول: الإمام مخير في أخذ الجزية من اليهود والنصارى إذا بذلوها ورضوا بالذمة فالإمام مخير على قوله ألا يقبلها. ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف حكاه عن بعض أشياخه. ومما احتج به هذا القائل حديث النبي ﷺ عن عيسى ابن مريم ﵇ أنه ينزل
стр. 352
فيكسر الصليب ويضع الجزية قال: وهو لا يأتي إلا بشريعة محمد ﵇، فلولا أنه في شريعة محمد ﵇ أن الإمام مخير لما جاز له أن لا يقبلها ولو كان قبولها منهم واجبًا إذا بذلوها لما جاز له أن يضعها، ولا يأخذها منهم. وهذا قول غريب لا يتجه إلا على القول الأول إن الآية منسوخة. وأما الاحتجاج بالحديث فيضعف لاحتمال أن قوله ((يضع الجزية)) أن يريد وضعها عليهم حتى لا يبقى منهم أحد إلا تحت الجزية. ويحتمل أن يريد ويسقطها ولا يرضى منهم إلا يالإسلام. وحكى ابن حزم الإجماع على أنه تحرم دماؤهم إذا بذلوا الجزية، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩] وكان النبي ﷺ إذا بعث إلى قتالهم، أمر أن يدعوا إلى الإسلام فإن أجابوا، وإلا دعوا إلى الجزية، فإن أجابوا وإلا فالسيف. والمجوس مثلهم لأنه ﷺ قال: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) وهم أهل كتاب على قول، فلا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية باتفاق على ذلك القول.
وقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي، فإن أكره أحد ممن ذكرنا أنه لا يكره على الإسلام فهل ينعقد إسلامه ولا يكون عنه رجوع أم لا؟ ففيه في المذهب قولان، والشافعي يقول لا يصح إسلامه، وأبو حنيفة يقول يصح ويحكم به. والخلاف في المسألة مبني على أن النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ فإذا قلنا
стр. 353
إنه يدل على الفساد فليس إسلامهم بإسلام، وإذا لم يكن كذلك فكأنهم لم يسلموا فلهم الرجوع إلى ما كانوا عليه، وإن قلنا إنه يدل على الصحة كا قال بعضهم، فالإسلام منعقد تام، فإن رجع عنه قتل، وإن قلنا إنه لا يدل لا على فساد، ولا على صحة كما يذهب إليه المحققون من الأصوليين، فليس في الآية على شيء من ذلك دليل.
وقد وقعت هذه المسألة في زمن الفتنة عندنا بالأندلس، وقد كتب إلى أبي ﵁ بعض ولاة الكور فأجابه بأنههم لا يمكنون من الرجوع عن الإسلام. وقال ابن عباس وغيره: إنما نزلت هذه الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة منهم إذا كانت مقلاتًا لا يعيش لها ولد تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده، فكان من بني النضير جماعة على هذا النحو، فلما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير قالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا إذ فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه. وأما إذا جاء [الله] بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت: ﴿لا إكراه في الدين﴾ الآية.
وبهذا قال الشعبي ومجاهد: إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع.
(٢٥٩) - قوله تعالى: ﴿لبثت يومًا أو بعض يوم﴾ الآية [البقرة: ٢٥٩] .
استدل بعضهم بهذا على أن من قال في شيء كان لم يكن وهو يعتقد
стр. 354
صحة ذلك أنه لا يكون كذبًا لأنه أخبر عما عنده فكأنه قال عندي إني لبثت يومًا أو بعض يوم وقد كان لبث مئة عام. ومثله قول أصحاب الكهف ﴿لبثنا يومًا أو بعض يوم﴾ [الكهف: ١٩] وكانوا لبثوا ثلاثمائة ةتسع سنين ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم. ومثله قوله ﵇ في قصة ذي اليدين ((كل ذلك لم يكن)) وفي الناس من يقول إنه كذب على حد حقيقة الكذب لكنه لا مؤاخذة فيه فعلى هذا يجوز أن يقال الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان. وهذا على قول الأشعرية، والأول على قول المعتزلة فإن عندهم ليس بكذب لأنهم يشترطون في حد الكذب أنه الإخبار عن الشيء على ما ليس هو به عن عمد وقصد إليه، ودليل قوله ﵇: ((من تعمد على كذبًا فليتبوأ مقعده من النار)) يرد عليهم لأنه يدل على أن ما لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب.
(٢٦٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آموا أفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] .
اختلف المتأولون هل المراد بهذا الإنفاق الزكاة المفروضة [أو التطوع فقال علي بن أبي طالب وغيره: هي الزكاة المفروضة]. ونهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدلًا عن الجيد. وأما التطوع فكما أن للمرء ألا يتطوع بقليل، فكذلك له أن يتطوع بنزر في القدر ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا القول فإنه الزكاة المفروضة على الوجوب. وأما البراء بن عازب [وقتادة] والحسن بن أبي الحسن، فظاهر أقوالهم أن الآية
стр. 355
في التطوع. وروى البراء وعطاء أن الأنصار كانوا أيام الجذاذ يعلقون أفناء التمر في حبل بين اسطوانتين في المسجد، فيأكل من ذلك فقراء المهاجرين، فعلق رجل حشفًا، فرآه رسول الله ﷺ فقال بيده: ((بئس ما علق هذا)) فنزلت الآية. فالأمر على هذا على الندب.
[وقال أبو الحسن: الأمر على الفرض والنفل من طريق الندب والوجوب، وإن كان الأمر أظهر من جهة الوجوب إلا أن يقال أن الآية على الندب] فمن هذا الوجه يظهر أن يقال هو أولى بالوجوب، ومن جهة أخرى وهو أنه في النفل يجوز أداء القليل والكثير والجيد والرديء.
وقوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧].
يؤكد الاختصاص بالواجب، فإن مثل هذا إنما يذكر في الديون إذا تسامح طالبها فيها فقبل الرديء، والزكاة دين الله على عباده، فلا يقبل منه الرديء إلا مسامحة وعلى إغماض، فالأمر على هذا القول على الندب. وإن كان في الزكاة المفروضة، وكذلك ندبوا أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار. وكل من ذكرنا قوله في الآية، قالوا يعني من طيبات ما كسبتم يعني من جيد ما كسبتم ومختاره وجعلوا الخبيث بمعن الرديء والرذالة. وخالف في ذلك ابن زيد
следующие страницы →