← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الكتاب في سورة براءة. فالآية على هذا مدنية منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال قتادة وغيره: هذه الآية خاصة في أهل الكتاب الذين يبذون الجزية عن يد وهم صاغرون قالوا وأما العرب أهل الأوثان فلا يقبل منهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو السيف، فليسوا بداخلين تحت الآية وإنما المراد بها من يجوز أخذ الجزية منهم وهو أهل الكتاب فعلى هذا القول يكره مشركو العرب على الإسلام دعوا إلى إعطاء الجزية أم لا، فإن أبوا فالسيف. وهذا القول يأتي على مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن جبيب في مشركي العرب، وأما على مذهب مالك الذي يرى قبول الجزية منهم فأنهم داخلوان في الآية ولا يكرهون إذا أدوها. وأما قريش والمرتدون فباتفاق أنهم ليسوا بداخلين في هذه الآية على هذا التأويل لأنه لا يجوز أن تؤخذ الجزية منهم باتفاق فيسلمون أن يقتلون باتفاق. وأما أهل الكتاب فباتفاق أنهم داخلون في الآية على هذا [القول]، بل التأويل لأنه لا خلاف في وجوب قبول الجزية منهم، إلا أني رأيت بعض أشياخ [أهل] زماننا يقول: الإمام مخير في أخذ الجزية من اليهود والنصارى إذا بذلوها ورضوا بالذمة فالإمام مخير على قوله ألا يقبلها. ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف حكاه عن بعض أشياخه. ومما احتج به هذا القائل حديث النبي ﷺ عن عيسى ابن مريم ﵇ أنه ينزل

стр. 352

فيكسر الصليب ويضع الجزية قال: وهو لا يأتي إلا بشريعة محمد ﵇، فلولا أنه في شريعة محمد ﵇ أن الإمام مخير لما جاز له أن لا يقبلها ولو كان قبولها منهم واجبًا إذا بذلوها لما جاز له أن يضعها، ولا يأخذها منهم. وهذا قول غريب لا يتجه إلا على القول الأول إن الآية منسوخة. وأما الاحتجاج بالحديث فيضعف لاحتمال أن قوله ((يضع الجزية)) أن يريد وضعها عليهم حتى لا يبقى منهم أحد إلا تحت الجزية. ويحتمل أن يريد ويسقطها ولا يرضى منهم إلا يالإسلام. وحكى ابن حزم الإجماع على أنه تحرم دماؤهم إذا بذلوا الجزية، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩] وكان النبي ﷺ إذا بعث إلى قتالهم، أمر أن يدعوا إلى الإسلام فإن أجابوا، وإلا دعوا إلى الجزية، فإن أجابوا وإلا فالسيف. والمجوس مثلهم لأنه ﷺ قال: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) وهم أهل كتاب على قول، فلا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية باتفاق على ذلك القول. وقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي، فإن أكره أحد ممن ذكرنا أنه لا يكره على الإسلام فهل ينعقد إسلامه ولا يكون عنه رجوع أم لا؟ ففيه في المذهب قولان، والشافعي يقول لا يصح إسلامه، وأبو حنيفة يقول يصح ويحكم به. والخلاف في المسألة مبني على أن النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ فإذا قلنا

стр. 353

إنه يدل على الفساد فليس إسلامهم بإسلام، وإذا لم يكن كذلك فكأنهم لم يسلموا فلهم الرجوع إلى ما كانوا عليه، وإن قلنا إنه يدل على الصحة كا قال بعضهم، فالإسلام منعقد تام، فإن رجع عنه قتل، وإن قلنا إنه لا يدل لا على فساد، ولا على صحة كما يذهب إليه المحققون من الأصوليين، فليس في الآية على شيء من ذلك دليل. وقد وقعت هذه المسألة في زمن الفتنة عندنا بالأندلس، وقد كتب إلى أبي ﵁ بعض ولاة الكور فأجابه بأنههم لا يمكنون من الرجوع عن الإسلام. وقال ابن عباس وغيره: إنما نزلت هذه الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة منهم إذا كانت مقلاتًا لا يعيش لها ولد تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده، فكان من بني النضير جماعة على هذا النحو، فلما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير قالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا إذ فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه. وأما إذا جاء [الله] بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت: ﴿لا إكراه في الدين﴾ الآية. وبهذا قال الشعبي ومجاهد: إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع. (٢٥٩) - قوله تعالى: ﴿لبثت يومًا أو بعض يوم﴾ الآية [البقرة: ٢٥٩] . استدل بعضهم بهذا على أن من قال في شيء كان لم يكن وهو يعتقد

стр. 354

صحة ذلك أنه لا يكون كذبًا لأنه أخبر عما عنده فكأنه قال عندي إني لبثت يومًا أو بعض يوم وقد كان لبث مئة عام. ومثله قول أصحاب الكهف ﴿لبثنا يومًا أو بعض يوم﴾ [الكهف: ١٩] وكانوا لبثوا ثلاثمائة ةتسع سنين ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم. ومثله قوله ﵇ في قصة ذي اليدين ((كل ذلك لم يكن)) وفي الناس من يقول إنه كذب على حد حقيقة الكذب لكنه لا مؤاخذة فيه فعلى هذا يجوز أن يقال الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان. وهذا على قول الأشعرية، والأول على قول المعتزلة فإن عندهم ليس بكذب لأنهم يشترطون في حد الكذب أنه الإخبار عن الشيء على ما ليس هو به عن عمد وقصد إليه، ودليل قوله ﵇: ((من تعمد على كذبًا فليتبوأ مقعده من النار)) يرد عليهم لأنه يدل على أن ما لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب. (٢٦٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آموا أفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] . اختلف المتأولون هل المراد بهذا الإنفاق الزكاة المفروضة [أو التطوع فقال علي بن أبي طالب وغيره: هي الزكاة المفروضة]. ونهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدلًا عن الجيد. وأما التطوع فكما أن للمرء ألا يتطوع بقليل، فكذلك له أن يتطوع بنزر في القدر ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا القول فإنه الزكاة المفروضة على الوجوب. وأما البراء بن عازب [وقتادة] والحسن بن أبي الحسن، فظاهر أقوالهم أن الآية

стр. 355

في التطوع. وروى البراء وعطاء أن الأنصار كانوا أيام الجذاذ يعلقون أفناء التمر في حبل بين اسطوانتين في المسجد، فيأكل من ذلك فقراء المهاجرين، فعلق رجل حشفًا، فرآه رسول الله ﷺ فقال بيده: ((بئس ما علق هذا)) فنزلت الآية. فالأمر على هذا على الندب. [وقال أبو الحسن: الأمر على الفرض والنفل من طريق الندب والوجوب، وإن كان الأمر أظهر من جهة الوجوب إلا أن يقال أن الآية على الندب] فمن هذا الوجه يظهر أن يقال هو أولى بالوجوب، ومن جهة أخرى وهو أنه في النفل يجوز أداء القليل والكثير والجيد والرديء. وقوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]. يؤكد الاختصاص بالواجب، فإن مثل هذا إنما يذكر في الديون إذا تسامح طالبها فيها فقبل الرديء، والزكاة دين الله على عباده، فلا يقبل منه الرديء إلا مسامحة وعلى إغماض، فالأمر على هذا القول على الندب. وإن كان في الزكاة المفروضة، وكذلك ندبوا أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار. وكل من ذكرنا قوله في الآية، قالوا يعني من طيبات ما كسبتم يعني من جيد ما كسبتم ومختاره وجعلوا الخبيث بمعن الرديء والرذالة. وخالف في ذلك ابن زيد

стр. 356

وقال معناه من حلال ما كسبتم، وجعل الخبيث الحرام. فعلى التأويل الأول في الآية يجب على الإنسان إذا كان له من التمر أو الحب ما تجب فيه الزكاة أن لا يتعمد إخراج الرديء منه في الزكاة فإن كان ماله المزكى كله جيدًا فقيل: إنه يخرج منه وقيل: إن له أن يأتي بوسط من ذلك ولا يخرج منه. والروايتان عن مالك. ووجه القول الأول قوله تعالى: ﴿من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧] وإن كان كله رديئًا، فقد اختلف فيه فذهب الجمهور إلى أنه يخرج منه وليس عليه غير ذلك. وقال عبد الملك: إن كان رديئًا كله لم يؤخذ منه وكلف صاحبه أن يخرج من غيره. الروايتان عن مالك أيضًا. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿من طيبات ما كسبتم﴾ فقيد بالطيب من الكسب فإذا لم يكن في الكسب طيب، فليس عليه سواه. وإنما أمر الله تعالى بذلك من وجد كسبًا طيبًا فأخرج رديئًا كما كانوا يفعلون في ذلك الوقت. وقد تتأول هذه الآية على مذهب عبد الملك فقال: المراد بها أنفقوا من الطيبات من أي نوع تكسبونه كان الطيب من ذلك النوع المكسوب او لم يكن. والتأويل الأ, ل أحدهما. وإن كان هذا سائغًا وإذا كان الجيد والرديء متساويين في القدر أو أحدهما أكثر من الآخر، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يخرج من الوسط. وروى أشهب عنه أنه قال يخرج من كل شيء بقدره. وقوله تعالى: ﴿ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧]. معناه كما كانت لك فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مناولة بتجارة والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه لأن الضمير في ﴿كسبتم﴾ إنما هو لنوع الإنسان والمؤمنين.

стр. 357

وقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]. يعني النباتات المعادن والركاز وما ضارع ذلك. وقد اختلف الناس فيما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب بعد اتفاقهم على وجوبها في أربعة أشياء: الحنطة والشعير، والتمر، والزيت. فقالت فرقة: لا صدقة إلا في هذه الأربعة، وهو قول الحسن وابن سيرين. وقالت فرقة: لا صدق إلا فيها وفي السلت، وهو قول ابن عمر. وقالت فرقة: لا صدقة إلا في ستة أشياء الخمسة المتقدمة مع الذرة، وهو قول النخعي. وذهبت فرقة إلى إيجاب الصدقة في الثمار والنخل والكرم والحبوب كلها. وهذا قول الجمهور ومالك ومن تابعه. ثم عن مالك على ما تأول بعضهم ثلاثة أقوال: أحدها: [أن] الزكاة تجب في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسلت، والأرز، والدخن، والذرة، والقطاني. والثاني: أنها تجب في كل ما كان من الحبوب يؤكل، ويدخر، ويختبز. فعلى هذا لا تجب زكاة القطانية لأنها لا تختبز إلا في الشدائد، وليس ذلك الشأن فيها. والثالث: أنها تجب في كل حب يأكله الناس ويدخر، وعلى هذا لا يقتصر على ما جاء عنه في القول الأول، والذي ذكرنا بل تجب على كل بلد في كل حب يأكله الناس مقتاتًا أصلًا للعيش. فمن ذلك التين قال ابن القصار: يرجح فيه قول مالك وإنما تكلم على بلده، ولم يكن التين

стр. 358

عندهم إلا مجلوبًا فأما بالشام وغيرها ففيه الزكاة. قال بعضهم وكذلك بالأندلس وعموم الآية حجة لمن يرى الزكاة في جميع ذلك. واختلف في سائر ما أخرجته الأرض من غير الحبوب والثمار هل فيها صدقة؟ فقيل: إن فيها الصدقة حتى أن في عشرة دساتج بقل دستحة بقل. وهو قول النخعي على اختلاف عنه في ذلك. وقال أبو حنيفة في كل ما أخرجت الأرض الزكاة إلا الحطب والعشب والقصب والتين، وقصب الذرة والسكر. وقال ابن حبيب من أصحاب مالك: فيما أخرجت الأرض من الخضروات والفواكه الزكاة. وذهب الجمهور مالك ومن تابعه إلى أنه لا يجب في شيء من ذلك زكاة. وحجتهم ما تواتر من عمل أهل المدينة في ذلك. ومن حجة النخعي، ومن رأى الزكاة في شيء من ذلك عموم قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]. والجمهور على نفي الزكاة فيه لأن العموم عندهم مخصص بقول النبي ﷺ : ((ليس في الخضروات صدقة)) وتخصيص العموم بخبر الواحد مختلف فيه. قال أبو الحسن: وقد احتج قوم لأبي حنيفة في قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ على أن ذلك عموم في قليل ما تخرجه وكثيره وفي سائر ما تخرجه

стр. 359

الأرض. وهذا بعيد فإن المراد بيان الجهات التي يتعلق حق الله تعالى بها، وليس ذكر النصاب فيها مقصودًا ولا بيان ما لا زكاة فيه. وفي الخل والعسل خلاف هل فيهما زكاة أم لا؟ فمن رأى الزكاة فيهما وهو أبو حنيفة اتبع عموم ظاهر الآية ولم يخصص فمن رأى الزكاة فيهما رآهما مخصصين من العموم. وأحسب أني رأيت في البغال والحمير والعبيد خلافُا. ومن اكترى أرضًا فزرعها فعلى المكتري زكاة ما تخرجه الأرض إذا بلغ خمسة أوسق خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن العشر على رب الأرض. ودليلنا قوله تعالى: ﴿من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧] فكان على الزارع. وقوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]. اختلف في تأويله، فقال ابن عباس والبراء وغيرهما: معناه بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عند الناس إلا بأن تتساهلوا في ذلك وتتركون من حقوقكم وأنتم تكرهون، فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم. وقال الحسن: معنى ذلك ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع إلا أن يهضم لكم من ثمنه. وقال البراء أيضًا: المعنى لستم بآخذيه ولو أهدي لكم إلا أن تستحيوا من المهدي. وقال ابن زيد: المعنى: ﴿ولستم بآخذيه﴾ أي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه.

стр. 360

قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي ... ﴾ إلى قوله: ﴿لا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧١، ٢٧٢]. تضمنت هذه الآية أن إخفاء الصدقات مطلقًا أفضل. واختلف هل المراد بها الفرض أم التطوع؟ أم جميعًا؟ فذهب الجمهور إلى أن المراد بها التطوع وقال ابن عباس: صدقة التطوع في السر أفضل من صدقة العلانية بسبعين ضعفًا. وصدقة الفريضة في العلانية أفضل من السر بخمسة وعشرين صعفًا. وعلى هذا القياس تجري جميع الفرائض والنوافل. وذهب قوم إلى أن المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به قالوا فكان الإخفاء أفضل في مدة النبي ﵇ ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك، فاستحسن العلماء إظهار الفرض لئلا يظن بأحد المنع. وقيل: إنها صدقة الفرض. وكان يزيد ابن [أبي] حبيب يأمر بقسم الصدقات في السر ويقول: إنما نزلت في الصدقة على اليهود والنصارى. وهذان القولان الأخيران ضعيفان لما حكاه الطبري من الإجماع على أن الإظهار في الواجي أفضل، وقد كره ربيعة إظهار جميع أعمال البر، واحتج بالآية المتقدمة، وأجاز مالك ذلك دون كراهة إذا كان أوله لله وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لأنه لا يستطاع التخلص منه. وقد قال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعم هي﴾ فأثنى على إظهارها، وإن كان كتمانها خيرًا أو إذا أثنى الله على شيء لم يكره، ومن هذا صلاة النافلة في رمضان، فقال مالك ﵀: قيام الرجل بها في بيته فرادى أفضل، خلافًا للشافعي في قوله إن القيام بها في

стр. 361

المساجد أفضل. وفي الآية حجة لمالك ﵀ لأن الله تعالى إنما نبه بالصدقات على جميع أعمال البر فإذا كان عمل البر السر في الصدقة أفضل فهو في صلاة النافلة أفضل أيضًا. وتضمنت الآية أن الصدقة حق للفقير أيضًا. وقوله تعالى: ﴿ليس عليك هداهم﴾ الآية إلى قوله: ﴿يوف إليكم﴾ [البقرة: ٢٧٢]. اختلف في سبب الآية، فقال ابن جبير: سببها أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله ﷺ : ((لا تتصدقوا على فقراء أهل دينكم)) فنزلت الآية فنسخت الصدقة على من ليس من دين الإسلام. وقيل أُتي النبي ﷺ بصدقات فجاءه يهودي فقال: أعطني. فقال النبي ﷺ : ((ليس لك من صدقات المسلمين شيء)) فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية فنسخت ذلك المنع. وروى ابن عباس: أنه كان ناس من الأنصار قاربات في بني النضير وقريضة. وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية. وقال بعضهم: إن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أرادت أن تصل جدها أبا قحافة، ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرًا فنزلت الآية. [وذكر الطبري أن مقصد النبي ﷺ بمنع الصدقة إنما كان

стр. 362

ليسلموا] وظاهر سياق الآية دليل على أن المراد بالآية الصدقة عليهم وإن لم يكونوا على دين الإسلام. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾ [الإنسان: ٨] والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركًا. ومثله قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن بروهم وتقسطوا إليهم﴾ الآية [الممتحنة: ٨] فظواهر الآيات يقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة إلا أن النبي ﷺ خص منها الزكاة المفروضة بقوله ﵇ لمعاذ: ((خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم)). فاتفق جمهور العلماء على أن الزكاة المفروضة لا تصرف إليهم. ورأى أبو حنيفة ما عدا زكاة المال يجوز صرفها إليهم مثل صدقة الفطر نظرًا إلى عموم الآيات في البر وإطعام الطعام. ورأى غيره أن صدقة الفطر مخصوصة أيضًا من ذلك العموم بقوله ﷺ : ((أغنوهم عن الطلب في مثل هذا اليوم)) وظاهر ذلك أنه لتشاغلهم بالعيد وصلاته، وذلك لا يتحقق في المشركين. على أن قوله تعالى لنبيه ﵇: ﴿ليس عليك هداهم﴾ [البقرة: ٢٧٢] غير ظاهر في الصدقات وصرفها إلى الكفار بل يحتمل أن يكون معناه ليس عليك هداهم ابتداءً. ومن أهل العلم من حمل العمومات المذكورة على ظاهرها ولم ير فيها تخصيصًا، فأجاز

стр. 363

إعطاء الذمي من جميع الصدقات فرضها وتطوعها. وتحصل من هذا أنه لا خلاف في جواز إعطاء الذمي من صدقة التطوع واختلف في غير التطوع. وفي قوله تعالى: ﴿إن تبدو الصدقات فنعما هي﴾ الآية [البقرة: ٢٧١]. دليل على أن لرب المال تفريق الصدقة بنفسه وهو أحد قولي الشافعي، وهذا الاستدلال إنما يصح بأن الآية يراد بها الفرض. قوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ إلى قوله: ﴿إلحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. قال كثير من المفسرين إن اللام تتعلق بقوله: ﴿وما تنفقوا من خير﴾ [البقرة: ٢٧٢] وعلى هذا يحتمل أن تكون اللام بمعنى على، فيكون التقدير على الفقراء، ويحتمل أن يكن ﴿للفقراء﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿تنفقوا﴾ كأنه قال وما تنفقوا باذلين ومتطوعين، ويجوز أن يكون في موضع الصفة لخير كأنه قال من خير مصنوع للفقراء. وقال بعضهم هو على إضمار فعل تقديره أعطوا للفقراء وهو تقدير ضعيف. وفي قوله: ﴿الذين احصروا﴾ قولان: أحدهما: أن المعنى أحصرهم فصل الجهاد فمنعهم من التصرف. والثاني: أحصرهم عدوهم أي شيء لشغلهم بجهادهم. ومعنى ﴿أحصروا﴾ صاروا إلى أن حصروا أنفسهم للجهاد كما تقول رابط في سبيل الله. وقال بعضهم: كان أصحاب الصفة عند مسجد رسول الله ﷺ ، قد أحصرهم الفقر. والصفة والسقيفة وقال ابن جبير: هم قوم أخذتهم جاحات فلزمتهم الزمانة. وقال مجاهد وغيره: الآية يراد بها فقراء

стр. 364

المسلمين بل المهاجرين. وهذا وإن كان كما قال فمجملها على العموم في كل من كانت صفته على هذا أولى لأنه لفظ عام ورد على سبب وفيه خلاف بين الأصوليين. قوله تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣] يريد بالجاهل، الجاهل بهم. وقوله: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ [البقرة: ٢٧٣]. اختلف في السيما ما هي؟ فقال السدي: أثر الفاقة والحاجة. وقال ابن زيد: رثاثة الثياب. وقال مجاهد: التواضع والخشوع. وهذه الأقوال على جهة التمثيل، فكل ما تعرف به أحوالهم، فهو داخل تحت قوله ﴿تعرفهم بسيماهم﴾. قال بعضهم: وهذه الآية تدل على أن اسم الفقير يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة، ولا يمنع ذلك من إعطائه الزكاة. وهذا مما اتفق العلماء عليه، بل قد قال مالك: يعطى من الزكاة من له مسكن وخادم ولا فضل فيهما. وقال ابن شعبان عن أبي حنيفة أنه: يعطى من له دار وخادم ويساويان عشرة آلاف. وقاله الثوري. وفي ((الموطأ)) أن رسول الله ﷺ قال: ((أعطوا السائل وإن جاء على فرس)) وهذا يدل على

стр. 365

أن الفقير اسم ثابت لكل من عدم الفضل على ما لا بد له منه بحسب حاله. والآية على ما قدمت من تقرير تدل على ذلك. وقال بعضهم: هذه الآية ترد قول من قال: إنه ل يجب أن يعطى من الصدقة من عنده ما يواري به عورته ويسد به جوعه. وهذا قول شاذ. وقد اختلفوا في القدر الذي يخرج به الفقير من اسم الفقر إلى اسم الغنى حتى لا تحل له الزكاة، فقيل: من كانت له كفاية بمال وإن كانت دون نصاب للحديث: ((من سأل منكم وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافًا)). وقد يكون للرجل أكثر من نصاب ولا كفاية له. وروي عن الشافعي، وذكر الباجي نحوه عن الشيخ أبي بكر. وقيل: هو من له نصاب، وهو قول عبد الملك. وذكربعضهم عن الشافعي أنه اعتبر في ذلك قوت سنة. وعن مالك ﵀ أنه اعتبر أربعين درهمًا. وقال الثوري وأحمد: خمسون درهمًا. والأظهر من هذه الأقوال على ظاهر الآية اعتبار الكفاية لأن الله تعالى قد أباح لهؤلاء الفقراء المهاجرين المذكورين في الآية أخذ الصدقات ولا بد أن لهم كسوة وسلاحًا ودوابًا. وقد اختلف هل يعطى الفقير نصابًا أم لا؟ وظاهر الآية الجواز إذ لم يخص من النفقة يسيرًا من كثير لهذا قلنا: إن من كان في الزو لا يعكى من الزكاة إلا أن يكون فقيرًا [أي] في الموضع الذي هو فيه غاز وهو

стр. 366

ظاهر الآية لأن الله تعالى قد سمى فقراء الغزاة من المهاجرين فقراء فبذلك الدليل يجب إذا شرط في الغزاة الفقر بموضعهم وحينئذ يعطون من الزكاة خلافًا لمن قال يعطى من الزكاة وإن كان غنيًا في موضع الغزو وتعلقًا بظاهر قوله ﵇: ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز)) الحديث. واحتج بعضهم بهذه الآية، على أن القوي الصحيح في بدنه إذا لم يكن له شيء فقير تحل له الزكاة لأن قوله تعالى: ﴿لا يستطيعون ضربًا في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧٣] يدل على أنهم ذوو مرة أقوياء. وقد أباح لهم تعالى أخذ الصدقة خاصة وقوله ﵇: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيحطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله)) الحديث. يدل على هذا المعنى لأنه لا يقدر على الاحتطاب إلا ذو المرة القوي. ولم يحرم عليه المسألة, وذهب الآخرون إلى الأخذ بقوله ﵊: ((لا تحل الصدقة لغني ولا لذيمرة سوي)) [وجعلوا الصحة كالغنى، وهو قول الشافعي، وإسحاق، والقولان في

стр. 367

المذهب]. وقوله ﵇: ((ولا لي مرة سوي)) قال الطحاوي: إنما هذل في الصحيح الذي يقصد التكثر بما يأخذ. واحتج بعضهم أيضًا على أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين بقوله تعالى: ﴿للفقراء الذين احصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣] وبقوله تعالى ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩] قال أبو الحسن: ولما قال تعالى: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ دل على أن المراد بالسيما حال من يظهر عليه، حتى إذا رأينا ميتًا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم [ذلك] على حكم الدار في قول أكثر العلماء. ومثله قوله تعالى: ﴿فلتعرفنهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [محمد: ٣٠]. وقد اختلف عندنا في المذهب إو وجد المذكور مختونًا ففي ((كتاب)) ابن حبيب: أنه لا يصلي عليه لأن النصارى قد يختتنون. وقال ابن وهب: يصلي عليه. قوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. اختلف المفسرون فيه، فقيل: يسألون ولا يلحفون، وقيل: إنهم لا يسألون أصلًا، أي لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف كما قال: على لاحب لا يهتدي بمناره ... . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 368

واستدل على صحة هذا التأويل بوصفه تعالى لهم بالتعفف، وبقوله ﵊: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذ يلا يجد غنى يعينه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس)) والحديث في ((البخاري)) واحتج من قال بالتأويل أيضًا: ((ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي، ولا يسأل الناس إلحافًا)) قال: والمسألة بغير إلحاف جائزة للمضطرين يدل على ذلك قوله ﵊: ((من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا)) فدل هذا على أنه من لم تكن له أوقية فهو غير ملحف ولا ملوم، وهو متعفف. وقال الطحاوي: هذا حديث منسوخ بقوله: ((من سأل وله خمس أواق فقد سأل إلحافًا)). فجعل هذا حدًا لمن تحل له الصدقة ومن لا تحل له وقد تقدم الكلام على هذا المعنى. قوله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا﴾ الآية إلى قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٩]. الربا الزيادة، وعلته ما كانت العرب تفعله من تأخير الدين بزيادة فيه فيقول أحدهم لغريمه: أتفضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه. وقوله تعالى: ﴿يأكلون الربا﴾ أي يكسبون الربا ويفعلونه. وخصت

стр. 369

لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال ولأنها دالة على الحرص والجمع، فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب لكه فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك كله داخل تحت قوله: ﴿الذين يأكلون﴾. وقوله: ﴿ذلك بأنهم قالوا﴾ الآية. معناه عند جميع المتأولين وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها، والآية كلها في الكفار المربيين نزلت، ولهم قيل: ﴿فله ما سلف﴾ ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يؤاخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد الآية. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ الآية [البقرة: ٢٧٨]. سبب نزولها أنه كان الربا بين الناس كثيرًا في ذلك الوقت وكان بين قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح: ((ألا كل ربا كان في الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب)) فبدأ رسول الله ﷺ بعمه وأخص الناس به، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة واستعمل عتاب بن أسيد على مكة، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم وهو موضوع عنهم فيروى أن رسول الله ﷺ قرر لهم هذه، فردها الله بهذه الآية

стр. 370

كما رد طلحة لكفار قريش رد النساء عليهم في عام الحديبية. وذكر بعضه أن رسول الله ﷺ أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف ((لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم)) فلما جاءت آجال ربائهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عنزة، وهم بنو عمرو بن عمير بن ثقيف على بني المغيرة المخزوميين. فقال بنو المغيرة: لا نعطي شيئًا، فإن الربا قد وضع. ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية. فكتب بها رسول الله ﷺ إلى عتاب، فعلمت به ثقيف، فكفت. وأصل الربا في اللغة الزيادة إلى أن الشرع أثبت زيادات جائزة وحرم أنواعًا من الزيادات ولكن إطلاق اللفظ يقتضي تحريم كل زيادة إلا ما خصه الشرع. وقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٨]. يقتضي جواز ما لا زيادة فيه إلا ما خصه الشرع أيضًا. وقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ هل هو عام أو مجمل؟ والذي اختاره أكثر الفقهاء أنه عام. ثم اختلفوا فمنهم من قال: هو من العموم الذي لا خصوص فيه، ولا يدخله الخصوص لأنه لا بيع إلا وهو حلال. أي أن البيوع الفاسدة لا يطلق عليها اسم البيع شرعًا إلا مجازًا فهي غير داخلة تحت قوله: ﴿وأحل الله البيع وأجازوا أن يطلق عليها اسم البيع لغة. ومنهم من قال: هو من العموم الذي أريد به الخصوص. واختلف أهل هذه الطريقة فمنهم من يجعله فيما أريد به من ذلك من حيز العموم. ومنهم

стр. 371

من يجعله من حزيز المجمل. والأظهر أنه عام محمول على ظاهره إلا ما قام الدليل على خروجه منه. وإن تخصيص بعضه ليس بمانع من التعلق به، ولا موجب لاحتماله. وهذا هو الصحيح. وقد جاءت أخبار في النهي عن بيوع مخصوصة أتفق الناس على تخصيص الآية بنهيها كنهيه ﷺ عن بيع الغرر، وبيع حبل الحبلة، وبيع الملامسة والمنابذة، وبيع الحصاة، وبيع المضامين والملاقيح ونحو ذلك. وجاءت أخبار أخر اختلف الناس في التخصيص بها كبيع النجش. وبيع العربان، وبيع الكلب إلى غير ذلك. وكذلك القياس قد يخصص به قوم ول يخصص به آخرون إلى غير ذلك من الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها. فالبيوع على مذهبهم هذا ثلاثة أقسام، جائزة، ومحظورة، ومكروهة. وهي المختلف فيها.

стр. 372

فالجائزة: هي التي لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها نهي فتندرج تحت قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ كل بيع إلا ما خص منه بالدليل. والمحظورة: هي التي قام الدليل على تخصيصها من عموم الآية بالمنع منها. والمختلف فيها: ما تجاذبه الطرفان. ونحن نسوق من ذلك أمثلة يتبين بالنظر فيها كيف تؤخذ الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع. فمن ذلك: السلم، أجازه مالك وأصحابه من كل ما يضبظ بالصفة على شروط مسطورة في كتبهم. وذهب أبو حنيفة إلى أن السلم في الحيوان لا يجوز. وذهبت طائفة من أهل الظاهر إلى أن السلم، فيما عدا المكيل والموزون لا يجوز. ودليل مالك وأصحابه عموم الآية. ولم ينه ﷺ عنه فبقي على أصل الإباحة الواردة في القرآن، مع قوله ﵊: ((من سلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) ومن ذلك بيع العين الغائبة وهو عند مالك جائز على الصفة، وعند الشافعي غير جائز وصف أو لم يوصف. وعند أبي حنيفة أنه جائز وصف أو لم يوصف إلا أنه يوجب للمبتاع خيار الرؤية إذا رأى المبيع. وحجة مالك على الشافعي عموم الآية. من ذلك بيع الأعيان الحاضرة التي تشق رؤيتها كالأعدال تباع على البرنامج ونحوه أجازه مالك ومنعه الشافعي في أظهر قوليه. والحجة لمالك، قوله : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وقوله: ﴿إلا

стр. 373

أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩]. وقد اختلفوا في بيع المزايدة، وعموم الآية حجة لمن أجازه مع ما ورد في الحديث في ذلك. واختلف في بيع أمهات الأولاد، فقال كافة العلماء: إنهن لا يبعن بوجه وأنهن أحرار. وقول أهل الظاهر جواز بيعهن وعن الشافعي القولان. وقول على ﵁ أنهن يبعن في الدين خاصة. واحتج من نصر قول أهل الظاهر بقول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وهذا لا حجة فيه بأن يتخصص بأدلة معلومة. ومن ذلك بيع الجوز، واللوز، والباقلاء في قشره الأعلى أجازه مالك ومنعه الشافعي وأبو حنيفة. وحجة عموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾. ومن ذلك بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء قائمًا على اختلاف في المذهب وجزما على اختلاف فيه أيضًا في المذهب وأجاز مالك كله في المشهور عنه. ومنعه الشافعي في أحد قوليه والحجة لمالك عموم الآية. وأما بيع الحنطة مدروسة مع سنبلها فلا يجوز باتفاق في المذهب، وفي خارج المذهب اختلاف. ومن ذلك بيع المرابحة أجازه مالك وأصحابه وكرهه ابن عباس وجماعة من التابعين. وحجة مالك ﵀ قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ وإذا قلنا بعموم الآية فجعلنا كل بيع جائزًا إلا ما قام الدليل عليه، فكذلك نجعل كل ما فيه ربا وهو الزيادة محظورًا إلا ما قام الدليل على

стр. 374

جوازه. ونضبط في ذلك أصلًا فنقول: البيع يقع نقدًا ويقع نساء فأما بيع النقد، فيجوز التفاضل فيه والتماثل والبيع كيف يشاء ما لم يكن التبايع في الأثمان والأطعمة المقتاتة، فلا يجوز فيها التفاضل مع الجنسية، ولا يباع المثل منها إلا متساويًا. وإن اختلف التفاضل فيما سوى هذين القسمين جاز بيعه على الإطلاق، فيحصل من هذا أن التفاضل مع الاختلاف في بيع النقود يجوز على الإطلاق، والتفاضل مع التماثل يجوز إلا في ما قدمناه من الأثمان والمقتاتات. وقد ذهب بعضهم إلى أن لا ربا في النقد، وإنما الربا في النسيئة ورأى أن سياق الآية يدل على أن المذكور في كتاب الله تعالى، ربا النساء فقط فإنه قال: ﴿فله ما سلف﴾ ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ وقال: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾ [البقرة: ٢٧٩] واحتجوا بالحديث: ((إنما الربا في النسيئة)) قالوا: فخص الربا بالنسيئة، وجعلوا ذلك بيانًا لقوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ وهذا مذهب لا خفاء في فساده. ودليلنا على الجواز مع اختلاف الأجناس قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وقوله ﵊: ((إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم)) ودليلنا على جواز التفاضل فيه بالمتماثلات فيما سوى الثمن والمقتاتات. قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ وأيضًا فلو كان التفاضل في سائر الأشياء ممنوعًا لم يكن حرام عليكم في كل شيء، ولكن لما نهى ﷺ عن بيع هذه الستة: ((الذهب بالذهب، الفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى)). وخصه بنهيه دل على أن التحريم

стр. 375

ليس بعام في جميع الأشياء. وإنما يبقى النظر في هذه الستة هل الربا في بيع النقد مقصور عليها، فيكون تحريمها غير معقول المعنى؟ أو يكون لتحريمها دون غيرها معنى فيطلب ذلك المعنى، فحيث وجد حرم قياسًا على الستة ودخل في عموم قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾. فأما أهل الظاهر فقصروا التحريم عليها وأباحوا التفاضل في سائر الأشياء سواها، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. وهذا القول مبني على رأيهم في إنكار القياس. فأما جمهور العلماء المثبتون للقياس فإنهم طلبوا لذلك معنى وألحقوا به ما وافقه في ذلك المعنى، وخصصوا، وبينوا به قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ أما مالك فحرم التفاضل فيها لأمرين، وأما الذهب والفضة فلكونهما ثمنين. وأما الأربعة المطعومة فلكونها تدخر للقوت أو تصلح للقوت. وبعضهم يزيد في العلة أصلًا للمعاش غالبًا، وبعضهم يسقطه. وقد قدمنا أن ذلك كله مع تماثل الجنس. وأما الشافعي فوافقه على العلة في الذهب والفضة وخالفه في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها كونها مطعومة. وأما أبو حنيفة فخالفهما في الجميع واعتقد أن العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل. وأما سعيد بن المسيب فوافق مالكًا والشافعي في الذهب والفضة وخالف في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها الكيل والوزن والطعم. فهي خمسة أقوال في تحرير علة منع التفاضل في هذه

стр. 376

المبيعان قولان في المذهب، وثلاثة خارج المذهب. وإذا عرفنا من الكلام في ربا النقد فلنتكلم على الربا في النسيئة، واعلم أن الربا يدخل في الستة المذكورة في الحديث وما قيس عليها سواء اتفقت الأجناس أو اختلفت. فالذي تدل عليه الآية تحريم الزيادة في النساء، ولا دلالة فيها على تحريم النساء من غير زيادة في نفس المال، ومن أجل ذلك جوز مالك القرض وإن كان الشافعي قد منعه لكنه لم يمنعه من جهة الآية لكن من جهة أخرى، فلا يجوز النساء في كل شيء من تلك، وأما سوى الستة وما قيس عليها فلا يدخل الربا في بيع النسيئة فيها إذا اختلفت الأجناس، كسلم عبد في ثوبين، فإن تستوت ففي ذلك ثلاثة أقوال: منعه أبو حنيفة مثلًا بمثل، ومفاضلة، وأجازه الشافعي مثلًا بمثل ومتفاضلًا. وقال مالك: إذا اتفقت المنافع من الجنس منع وإن اختلفت جاز فأما أبو حنيفة فحجته قول الله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ والربا الزيادة وهذا موجود في هذا البيع، فمنع بمحض عموم الآية، وإنما خص منها اختلاف الأجناس بما قدمناه من الحديث وبغير ذلك. وأما الشافعي فإنه يحتج بأنه ﷺ أمر بعض أصحابه بأن يعطى بعيرًا في بعيرين إلى أجل وهذا يخصص قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ إذا قلنا إن الزيادة في عوض بشيء يسمى ربا حقيقة. وجماعة من أهل الأصول يذهبون إلى تخصيص العموم بخير الواحد وبعضهم يمنعه منه. وأما مالك فتوسط بين القولين، وجعل اختلاف المنافع كاختلاف الأجناس إذا الغرض من المتملكات إنما هو الانتفاع. وأجاز واحدًا باثنين من جنس وادح عند اختلاف المنافع ولم يجزه أبو حنيفة لأنه لم يراع اختلاف المنافع، وحجته عليه قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾. ومنع مالك الواحد باثنين من جنسه مع اتفاق المنافع ورآه ربًا، ولم يراع ذلك الشافعي فأجازه. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ وقد وقع عندنا في المذهب اضطراب في التبايع إلى أجل بما اتفقت أجناسه

стр. 377

ومنافعه ولم تقع فيه زيادة هل يجوز بلفظ البيع؟ فأجيز ومنع. ومنعه يوافق قول أبي حنيفة والحجة لإجازته قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾. واختلف في اللحوم، فقال مالك هي ثلاثة أصناف: لحم الأنعام والوحش صنف، ولححم الطير صنف، ولحم دواب الماء صنف. يجوز بيع كل صنف بخلافه متفاضلًا ولا يجوز بصنفه إلا متماثلًا. وقال أبو حنيفة: كلها أصناف باختلاف أصولها. وقال الشافعي: كلها صنف واحد فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في بيع لحم الغنم بغيره من ذوات الأربع متفاضلًا، يجوز ومنعناه. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ وقوله [ ﷺ ]: ((الطعام بالطعام مثلًا بمثل)) ودليلنا على الشافعي قوله -عليه الصلة والسلام-: ((إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم)) والجنسية هاهنا المراد بها تباين المنافع والأغراض. ويجوز الرطب بالرطب متماثلًا خلافًا للشافعي لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه الذي لا يجوز لحمه بلحم ذلك الحيوان متفاضلًا إذا كان الحي كبيرًا لا يصلح إلا للذبح. ويجوز بيعه بغير نوعه. فالأول مثل لحم الغنم بجمل حي أو بثور. والثاني لحم شاة بطير حي. وقال أبو حنيفة يجوز على كل وجه. وقال الشافعي لا يجوز. والدليل على أبي حنيفة نهيه ﷺ عن بيع الحيوان باللحم.

стр. 378

وروي أنه نهي عن بيع الحي بالميت. ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾. ويجوز بيع المقاثي المبطخ إذا بدا أولها وإن لم يظهر ما بعده. وكذلك الأصول المعيبة في الأرض كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك. وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز إلا بيع ما ظهر دون ما لم يظهر. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾. وقد اختلف في البيع إذا اقترن به رهن فاسد هل يبطل البيع أم لا؟ والقولان في المذهب، وعموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ دليل على الجواز. وكذلك اختلف إذا شرط المشتري للبائع رهنًا أو ضامنًا ولم يعين، ففي المذهب أن البيع والرهن جائز، وعليه أن يدفع له رهنًا بمبلغ الدين أو ضامنًا ثقة، وقال أبو حنيفة والشافعي: البيع باطل والرهن باطل. وقال المزني: هذا غلط عندي والرهن فاسد للجهل به ةالبيع جائز لعلمهما به، وللبائع الخيار إن شاء أتم البيع بلا رهن وإن شاء فسخ. ودليل قول مالك عموم الآية، وقوله ﵊: ((المؤمنون على شروطهم))

стр. 379

ويجوز بيع الأعمى وشراؤه إذا كان يعرف ما يوصف له سواء ولد أعمى أو كان بضيرًا فعمي. وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن يكون بصيرًا فشاهد شيئًا ثم عمي فيجوز له بيع ذلك الذي شاهده ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ والربا ثابت بين المسلمين في دار الحرب كثبوته في دار المسلمين. وقال أبو حنيفة: إذا أسلم فيها رجلان أو دخل فيها رجلان مسلمان فتبايعا بربًا جاز. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾. واختلف في جواز الربا بين العبد وسيده، فلم يجزه ابن القاسم وأجازه ابن وهب، والحجة لابن القاسم عموم الآية المتقدمة. وإنما حرم الربا حراسة للأموال وحفظًا لها، ومصلحة بين الناس وذلك مما تمس الحاجة إليه وإذا صح هذا فالماء إذًا لا ربا فيه وهو ظاهر المذهب لان أصله مباح غير متشاح فيه، فكان مباينًا لموضوع المقصود بالربا. وفي المذهب قول آخر أن الربا يدخله. ووجه هذا القول أنه مما تقوم الأبدان بتناوله كالقوت. والبيع إذا كان ربًا فسخ على كل حال ما كان قائمًا، فإن كان فات فليس لصاحب رأس المال إلا رأس ماله قبض الربا أو لم يقبضه؟ وكذلك من أربى ثم تاب، فليس له إلا رأس ماله، وما قبض من الربا وجب عليه أن يرده إلى من قبضه منه، فإن لم يعلمه تصدق به عنه لقوله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ وأما من أسلم وله ربا فإن كان قبضه فهو له لقوله : ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾. ولقوله ﵊: ((من أسلم على شيء فهو له)) وإن كان الربا لم يقبضه فلا يحل له أن يأخذه وهو موضوع

стр. 380

عن الذي هو عليه، ولا خلاف في هذا أعلمه لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٧٨] وإنما اختلف أهل العلم فيمن أسلم وله ثمن خمر أو خنزير لم يقبضه. قال أشهب والمخزومي: هو له حلال سائغ بمنزلة ما لو كان قبضه. قال ابن دينار وابن حازم: يسقط الثمن عن الذي هو عليه كالربا. ومذهب أكثر أصحابنا على قول أشهب والمخزومي. وقد استدل بعضهمبما أعطته هذه الآية، وأن ما مضى وقبض من الربا لا يتعقب بفسخ، وما لم يقبض، فهو باق متعقب بالفسخ، والرجوع فيه إلى رأس المال على أن كل ما طرأ على المبيع قبل القبض، مما يوجب تحريم العقد يبطل، كما اشترى مسلم صيدًا ثم أحرم المشتري قبل القبض، أو البائع بطل البيع، لأنه طرأ عليه قبل القبض ما يوجب تحريم العقد، كما أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض، لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضًا لم يؤثر. وهذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول أصحاب الشافعي. ويستدل به أيضًا على أن هلاك المبيع من يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافًا لبعض السلف، ويروى هذا الخلاف عن أحمدح. والقولان فيه في المذهب، وهذا الاستدلال إنما يصح على رأي من يقول إن الربا في الأصل كان منعقدًا، فإن منع انعقاده في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحًا وذلك أن الربا كان محرمًا في الأديان. وهل كان تحريمه شرعيًا أو عادة؟ فيه نظر، وبالجملة فيفهم من الآية أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليه الإمام لا يفسخها، وإن كانت معقودة لا تتعقب بالنقض بعدج انبرامها كما في البيع بعد الانبرام.

стр. 381

قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]. اختلف الناس في هذه الآية، فذهب بعضهم إلى أنها ناسخة ما كان في أول الإسلام إذا لم يجد ما يقتضي به دينه يبيعه صاحب الدين ويستوفي منه دينه، فأنزل الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة﴾ الآية. وجاء عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: كنت بمصر، فقال لي رجل: ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقلت: بلى. فأشار إلى رجل فجئته، فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا سُرق. فقلت: سبحان الله ما ينبغي أن تتسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب رسول الله ﷺ . فقال: إن رسول الله ﷺ سماني سُرَّقا. قال: لقيت رجلًا من أهل البادية ببعيرين له يبعهما فابتعتهما منه. وقلت له انطلق معي حتى أعطيك فدخلت بيتي ثم خرجت من خلف بيتي، وقضيت بثمن البعيرين حاجتي وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج فخرجت والأعرابي مقيم فأخذني وقدمني إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر. فقال رسول الله ﷺ : ((ما حملك على ما صنعت؟ )) قال: قضيت بثمنها حاجتي يا رسول الله. قال: ((فاقضه)) قال: ليس عندي مال. قال: ((أنت سُرق، اذهب يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك)) فجعل الناس يسومونه في ويلتفت إليهم فيقول: ((ما تريدون؟ )) فيقولون نريد أن نبتاعه منك ونعتقه. قال: ((فوالله ما منكم أحوج إليه مني اذهب فقد أعتقتك)) ثم

стр. 382

نسخ الله تعالى هذا من حكم رسول الله ﷺ بالآية. فعلى هذا لا يجوز أن يباع الحر في الدين. وقد ذهب قوم إلى أن الحر يباع في الدين وكأنهم لم يروا الآية ناسخة. وذهب بعضهم في الآية إلى أنها نزلت في الربا كانوا يتعاملون به في الجاهلية فلما جاء الإسلام أمرهم الله أن يأخذوا رؤوس أموالهم بلا زيادة فإن أعسر الذي عليه الدين فلينظر إلى أن يوسر. وعلى هذا القول يأتي قول من يقول: إن النظرة إلى ميسرة إنما هي موقوفة على أهل الربا خاصة دون سائر الديون خلافًا لقول الجمهور من أن ذلك عام في الديون كلها ربا كان أو غير ربا. فإذ ثبت عدم الذي عليه الدين فلينظر حتى يوسر. وعلى هذا القول، فلا يجوز أن يؤاجر الحر المعسر في الدين، وهو المشهور عن مالك خلافًا لأحمد بن حنبل في قوله إنه يؤاجر في الدين. وذكر الباجي عن مالك أنه يؤاجر إذا كان مثله يؤاجر. وعموم الآية حجة لمن لم ير ذلك. ولا يلازم أيضًا في الدين، فيدار معه كيف دار خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه يلازم والآية حجة عليه ولا يحبس أيضًا خلافًا لشريح ومن قال بقوله. وكان هؤلاء أخذوا في الآية بالقول الثاني الذي ذكرناه أنها في الربا وقد قرئ: ((وإن كان ذا عسرة)) قال بعضهم: على هذا تختص الآية بالربا، ومن قرأ: ((ذو عسرة)) فهي عامة في جميع من عليه الدين. وهذا الذي ذكروه غير لازم بل القراءتان كل واحدة منهما محتملة للتأويلين.

стр. 383

وقوله سبحانه: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ يظهر منه أن الأصل في الناس الملأ حتى يتبين العدم، لأنه تعالى قضى أولًا برد رؤوس الأموال ثم قال: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ فظهر من هذا أن الأصل الملأ فيلزم قضاء الدين إلا أن يكون معسرًا عنه القضاء في تلك الحال. قال بعضهم: ويحتمل أن يقال: إنه محمول على العدم حتى يتبين الملأ. وقد اختلفوا من هذا في الذي يغيب عن امرأته، ثم يقدم، فتطلبه بالنفقة، فيدعي الإعسار في غيبته ليسقط بذلك نفقتها التي تطلبه بها. فذهب ابن القاسم إلى أنه محمول على اليسر أبدًا إذا لم تعرف حاله إلا أن يكون خرج عديمًا فتكون هذه شبهة توجب أن يكون القول قوله. وذهب ابن كنانة إلى أنه إن لم تعرف حالته في مغيبه ووقت خروجه فهو محمول على العدم مع يمينه حتى تثبت الزوجة ما تدعيه. والآية حجة لقول ابن القاسم إذا جعلناها عامة في الديون. ونفقة المرأة دين على زوجها، فيجب أن يحمل على اليسر حتى يثبت خلافه. وإذا وجب تأخير المعسر بالدين فليس في الآية ما يقتضي أن عليه مع ذلك يمينًا بصحة عدمه. وقد ذكر مالك عن بعض الصحابة اليمين واخذ بذلك. وقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]. اختلف في تأويلها فقيل: هي الصدقة على المعسر جعلها خيرًا من الإنظار إلى قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢].

стр. 384

اختلف الناس في أمره تعالى بالكتب هل هو منسوخ أم لا؟ فذهب أبو سعيد الخدري وغيره إلى أن ذلك منسوخ بعد ذلك: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فيؤد الذي اؤتمن أمانته﴾. وهذا القول مبني على أن الأمر بالكتب في الآية على الوجوب فنسخ وجوبه. وذهب جماعة إلى أن الآية محكمة واختلفوا في التأويل فذهب جماعة إلى أن الأمر على الوجوب وأنه لم ينسخ، وأن كتب الديون واجب على أربابها. وذهب قوم إلى أن الأمر في الآية محمول على الندب لا على الوجوب. وقد روي عن ابن عباس أنه لما قيل له إن آية الدين منسوخة قال: والله إنها محكمة ما فيها نسخ. ومن مضمن القول بوجوب الكتب القول بوجوب الإشهاد. وقد قال به بعض علماء السلف. فقالوا: يجب الإشهاد فيما قل وجل، وفيما حل واُجِّل. وإليه ذهب داود وابنه أبو بكر. وإذا قيل: إن وجوب الكتب منسوخ فوجوب الإشهاد أيضًا منسوخ. وقد روي ذلك عن أبي سعيد، والشعبي، والحسن. وقوله : ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ قال ابن عباس: نزلت في السلم خاصة. يعني أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية. وقد اختلف الأصوليون في الكلام المستقل بنفسه الوارد على سبب

стр. 385

هل يقصر عل سببه أو يحمل على عمومه. وقد قال مالك في الآية: وهذا يجمع الدين كله. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على جواز التأجيل في القرض على ما قاله مالك إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات وضعف بعضهم الاستدلال بذلك. وكيف ما قلنا فالآية دليل لمن أجاز السلم في كل ما يضبط بالصفة على الشروط المعروفة. وإنما قال تعالى: ﴿بدين﴾ وقد كان قوله: ﴿تداينتم﴾ يغني عنه لأن ذلك لفظ مشترك يكوت بمعنى الجزاء كقولهم: ((كما تدين تدان)) ويكون من الدين المعروف فأزال تعالى ذلك الاشتراك بقوله: ﴿بدين﴾ وقوله ﴿مسمى﴾ دليل على أنه لا يجوز الجهل بالمداينة. وفي هذه الآية عندي دليل للقول بأن السلم لا بد له من أجل، وأنه لا يجوز أن يكون حالًا وهذا الأشهر من قول مالك، وإن كان قد جاء عنه القول الآخر أنه يجوز أن يكون حالًا، فها روايتان عنه. ولا بأس بالبيع إلى الجداد والحصاد لأنه معروف عند الناس فهو أجل مسمى، وإن اختلف بأيام يسيرة. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن البيع إليهما لا يجوز، ورأيا أنهما ليسا بأجل مسمى. وقد اتفقوا على جواز البيع إلى عشرين شهرًا وأيامها مختلفة وثلاثون وتسعة وعشرون والبيوعات لا تخلو من يسير الغرر. وقوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب﴾ [البقرة: ٢٨٢]. اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب الربيع، والضحاك إلى أنها منسوخة بقوله ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾. وذهب

стр. 386

آخرون إلى أنها محكمة واختلفوا في تأويلها. فقال عطاء وغيره: واجب على الكاتب أن يكتب ولم يفصل فسواء عنده وجد الكاتب سواه أو لم يوجد؟ وهذا قول ضعيف. وقال الشافعي وعطاء أيضًا: ذلك واجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه. وقال السدي: ذلك واجب على الكاتب إذا كان فارغًا. والقول في هذا عندي أن الأمر فيه أنه لا مدخل للوجوب فيه. ولذلك أجاز الجمهور إجازة الموثقين. والذي اختاره اللخمي أن الكتابة من فروض الكفاية، وما هو فرض على الكفاية، إذا حقق النظر فيه رئي أنه فرض على الأعيان، هذا قول محققي الأصوليين. وقوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢]. استدل به بعضهم على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون. وقوله تعالى: ﴿كما علمه الله فليكتب﴾ [البقرة: ٢٨٢]. اختلف في قوله تعالى: ﴿كما﴾ بماذا تتعلق فقيل: تتعلق بقوله: ﴿أن يكتب﴾ وقال بعضهم: يحتمل أن تكون متعلقة بما في قوله: ﴿ولا يأب﴾ من المعنى أي كما أنعم الله تعالى عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو. وقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أمر الله الذي عليه الحق بالإملاء، لان الكتب والشهادة إنما هما بحسب إقراره. وهذا أمر مندوب إليه، فإن كانت الوثيقة دون إملاء الذي

стр. 387

عليه الحق ثم عرضت عليه فأقر بها قهي كاملة، ثم أمر تعالى بالتقوى فيما يمل، وأن لا يترك من الحق شيئًا. وهذا يدل على أن من أقر بشيء لغيره فالقول قوله فيه، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] مثل قوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٣] ثم قال تعالى: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] وقد اختلف في الضمير في قوله: ﴿وليه﴾ على من يعود؟ فقيل: هو عائد على الذي عليه الحق، وقيل: هو عائد على الحق. وهذا قول الربيع، وابن عباس، وهذا ضعيف. واختلف في السفيه. فقيل: السفيه هنا الجاهل بالإملال من قوله: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ [البقرة: ١٤٢] وقيل: هو السفيه في المال من صغير أو كبير لا يحسن الإمساك. وقيل: هو العاجز عن الإملال لعي في لسانه أو خرس أو نحو ذلك. وقيل: هو الأحمق أي ضعيف العقل. واختلف في الذي لا يستطيع أن يمل لعيه أو لعذر. فقيل هو الصبي الصغير. واختلف فيمن ليس في ولاية وهو مبذر أيحجر عليه أم لا؟ والمشهور في المذهب وغيره أنه يحجر عليه. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا﴾ الآية ثم قال: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ فلم يجز إملال السفيه وأمر أن يمل وليه. والولي لا يكون إلا أبًا أو وصيًا، فيلزم إن لم يكن له أب أن يقدم له وصي عنه. وإذا كان هذا في الإملال، فأن يكون في صلاح ماله أولى. وقال أبو الحسن: ليس في قوله تعالى: ﴿فليملل وليه﴾ تصريح بأن إقرار الولي عليه مقبول، ولا فيه

стр. 388

دليل ظاهر على أن الحجر ثابت على السفيه ولا فيه بيان معنى السفه الذي يقتضي الحجر بل قوله تعالى: ﴿فإذا تداينتم بدين﴾ الآية يدل على أن المداينة مع ذكر في الآية جائزة فإنه قال: ﴿إذا تداينتم﴾ ثم قال: ﴿فمن لم يستطع﴾ بعض المتداينين أن يمل فليملل الولي بالعدل، وليس الضعيف اسمًا للمحجور عليه فإنه يتناول الخرِف والأخرس والصبي، والسفيه قد يراد به الخفيف العقل. واحتلفوا في الذمي والفاسق هل يجوز أن يوصى إليهما. والصحيح أن لا يكونا وصيين. والدليل على ذلك قوله: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ ولا يؤمر أن يمل بالعدل إلا عدل. واخلفوا في الوصية إلى المرأة والعبد، والصحيح أنهما يكونان وصيين إذا وجد فيهما العدل لأن الله تعالى لم يشترط في الأولياء إلا العدل. قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ الآية إلى قوله: ﴿وإن كنتم على سفر﴾ [البقرة: ٢٨٢]. اختلف العلماء في شهادة العبد، فقال الجمهور لا تجوز واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿ذوى عدل منكم﴾ قالوا: وهذه الإضافة تفيد الحرية دون الإسلام لأن غير المسلمين ليسوا بعدول. وقال داود وجماعة نم الصحابة: شهادة العبيد جائزة. وقال أنس: ما علمت أحدًا رد شهادة العبد وبه قال ابن المنذر لدخوله في جملة قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾. وذهب الشعبي والنخعي إلى قبول شهادتهم في القليل لا الكثير. وكذلك رأى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿من رجالكم﴾ شامل للعبيد

стр. 389

والأحرار لأنهم كم رجالنا وأهل ديننا، ففقيل لهم قد قال تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين﴾ الآية وساق الكلام إلى قوله: ﴿من رجالكم﴾ فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون، والعبيد لا يملكون ذلك دون إذن السيد، ولهم أن يقولوا: إن خصوص أول الآية ل يمنع التعلق بعموم آخرها. وقد اختلف فيه الأصوليون، ومن أقوى ما يستدل به من كتاب الله تعالى على رد شهادة العبد قوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ [النساء: ١٣٥] والعبج قد سلب القيام بذلك لكونه ممنوعًا من الخروج إلى القاضي. وتصحيح دعوى المدعي. ومن شروط الشاهد الإسلام، فلا تجوز عندنا شهادة الكافر على مسلم ولا على كافر. وأجاز قوم شهادة الكفار وإن كانوا مجوسيين في الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلمون على كفار أو مسلمين. وأجاز أبو حنيفة شهادة الكفار على الكفار. وقال بعض أصحابه: إلا في الحدود. ودليلنا على منع شهادة الكفار جملة قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] ولم يخص سفرًا من حضر. وحجة من أجاز شهداة الكفار على المسلمين في وصية السفر قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا

стр. 390

شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦] وسيأتي الكلام على هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. واختلف فيمن لا يعرف بعدالة ولا سخط، هل يحتمل على غير العدالة حتى تثبت عدالته أو على العدالة حتى يثبت فسقه؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يقبل حتى تعرف عدالته. وذهب أبو حنيفة، والليث بن سعد، والحسن، إلى أنه مقبول حتى يعرف فسقه قال: ومجرد الإسلام يقتضي العدالة. وقد أجاز ابن حبيب شهادة من ظاهره العدالة بالتوسم فيما يقع بين المسلمين في الأسفار من المعاملات والتجارات والأكرية بينهم، وبين المكاريين مراعاة لهذا القول. وحكي ذلك عن مالك وأصحابه وهو خلاف قول ابن القاسم، وروايته عن مالك، أنه لم يجز شهادة الغرباء دون أن تعرف عدالتهم. وروي عن يحيى بن عمر أنه أجاز شهادة من لا تعرف عدالته في الشيء اليسير وذلك أيضًا استحسان. الحجة لقول مالك المتقدم قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] فقد اعتبر الرضى والعدالة. وذلك معنى يزيد على الإسلام. واختلف في شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والجد لولد ولده، وودل الولد لجده. فأجاز جماعة لعموم الآية ولم يجز الأكثر لأنها
следующие страницы →