Полный текст (1 576 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
آخرون إلى أنها محكمة واختلفوا في تأويلها. فقال عطاء وغيره: واجب على الكاتب أن يكتب ولم يفصل فسواء عنده وجد الكاتب سواه أو لم يوجد؟ وهذا قول ضعيف. وقال الشافعي وعطاء أيضًا: ذلك واجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه. وقال السدي: ذلك واجب على الكاتب إذا كان فارغًا. والقول في هذا عندي أن الأمر فيه أنه لا مدخل للوجوب فيه.
ولذلك أجاز الجمهور إجازة الموثقين. والذي اختاره اللخمي أن الكتابة من فروض الكفاية، وما هو فرض على الكفاية، إذا حقق النظر فيه رئي أنه فرض على الأعيان، هذا قول محققي الأصوليين.
وقوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢].
استدل به بعضهم على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون.
وقوله تعالى: ﴿كما علمه الله فليكتب﴾ [البقرة: ٢٨٢].
اختلف في قوله تعالى: ﴿كما﴾ بماذا تتعلق فقيل: تتعلق بقوله: ﴿أن يكتب﴾ وقال بعضهم: يحتمل أن تكون متعلقة بما في قوله: ﴿ولا يأب﴾ من المعنى أي كما أنعم الله تعالى عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو.
وقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة: ٢٨٢].
أمر الله الذي عليه الحق بالإملاء، لان الكتب والشهادة إنما هما بحسب إقراره. وهذا أمر مندوب إليه، فإن كانت الوثيقة دون إملاء الذي
стр. 387
عليه الحق ثم عرضت عليه فأقر بها قهي كاملة، ثم أمر تعالى بالتقوى فيما يمل، وأن لا يترك من الحق شيئًا. وهذا يدل على أن من أقر بشيء لغيره فالقول قوله فيه، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] مثل قوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٣] ثم قال تعالى: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] وقد اختلف في الضمير في قوله: ﴿وليه﴾ على من يعود؟ فقيل: هو عائد على الذي عليه الحق، وقيل: هو عائد على الحق. وهذا قول الربيع، وابن عباس، وهذا ضعيف. واختلف في السفيه. فقيل: السفيه هنا الجاهل بالإملال من قوله: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ [البقرة: ١٤٢] وقيل: هو السفيه في المال من صغير أو كبير لا يحسن الإمساك. وقيل: هو العاجز عن الإملال لعي في لسانه أو خرس أو نحو ذلك. وقيل: هو الأحمق أي ضعيف العقل. واختلف في الذي لا يستطيع أن يمل لعيه أو لعذر. فقيل هو الصبي الصغير.
واختلف فيمن ليس في ولاية وهو مبذر أيحجر عليه أم لا؟ والمشهور في المذهب وغيره أنه يحجر عليه. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا﴾ الآية ثم قال: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ فلم يجز إملال السفيه وأمر أن يمل وليه. والولي لا يكون إلا أبًا أو وصيًا، فيلزم إن لم يكن له أب أن يقدم له وصي عنه. وإذا كان هذا في الإملال، فأن يكون في صلاح ماله أولى. وقال أبو الحسن: ليس في قوله تعالى: ﴿فليملل وليه﴾ تصريح بأن إقرار الولي عليه مقبول، ولا فيه
стр. 388
دليل ظاهر على أن الحجر ثابت على السفيه ولا فيه بيان معنى السفه الذي يقتضي الحجر بل قوله تعالى: ﴿فإذا تداينتم بدين﴾ الآية يدل على أن المداينة مع ذكر في الآية جائزة فإنه قال: ﴿إذا تداينتم﴾ ثم قال: ﴿فمن لم يستطع﴾ بعض المتداينين أن يمل فليملل الولي بالعدل، وليس الضعيف اسمًا للمحجور عليه فإنه يتناول الخرِف والأخرس والصبي، والسفيه قد يراد به الخفيف العقل.
واحتلفوا في الذمي والفاسق هل يجوز أن يوصى إليهما. والصحيح أن لا يكونا وصيين. والدليل على ذلك قوله: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ ولا يؤمر أن يمل بالعدل إلا عدل.
واخلفوا في الوصية إلى المرأة والعبد، والصحيح أنهما يكونان وصيين إذا وجد فيهما العدل لأن الله تعالى لم يشترط في الأولياء إلا العدل.
قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ الآية إلى قوله: ﴿وإن كنتم على سفر﴾ [البقرة: ٢٨٢].
اختلف العلماء في شهادة العبد، فقال الجمهور لا تجوز واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿ذوى عدل منكم﴾ قالوا: وهذه الإضافة تفيد الحرية دون الإسلام لأن غير المسلمين ليسوا بعدول. وقال داود وجماعة نم الصحابة: شهادة العبيد جائزة. وقال أنس: ما علمت أحدًا رد شهادة العبد وبه قال ابن المنذر لدخوله في جملة قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾. وذهب الشعبي والنخعي إلى قبول شهادتهم في القليل لا الكثير. وكذلك رأى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿من رجالكم﴾ شامل للعبيد
стр. 389
والأحرار لأنهم كم رجالنا وأهل ديننا، ففقيل لهم قد قال تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين﴾ الآية وساق الكلام إلى قوله: ﴿من رجالكم﴾ فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون، والعبيد لا يملكون ذلك دون إذن السيد، ولهم أن يقولوا: إن خصوص أول الآية ل يمنع التعلق بعموم آخرها.
وقد اختلف فيه الأصوليون، ومن أقوى ما يستدل به من كتاب الله تعالى على رد شهادة العبد قوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ [النساء: ١٣٥] والعبج قد سلب القيام بذلك لكونه ممنوعًا من الخروج إلى القاضي. وتصحيح دعوى المدعي. ومن شروط الشاهد الإسلام، فلا تجوز عندنا شهادة الكافر على مسلم ولا على كافر. وأجاز قوم شهادة الكفار وإن كانوا مجوسيين في الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلمون على كفار أو مسلمين. وأجاز أبو حنيفة شهادة الكفار على الكفار.
وقال بعض أصحابه: إلا في الحدود. ودليلنا على منع شهادة الكفار جملة قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] ولم يخص سفرًا من حضر. وحجة من أجاز شهداة الكفار على المسلمين في وصية السفر قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا
стр. 390
شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦] وسيأتي الكلام على هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. واختلف فيمن لا يعرف بعدالة ولا سخط، هل يحتمل على غير العدالة حتى تثبت عدالته أو على العدالة حتى يثبت فسقه؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يقبل حتى تعرف عدالته. وذهب أبو حنيفة، والليث بن سعد، والحسن، إلى أنه مقبول حتى يعرف فسقه قال: ومجرد الإسلام يقتضي العدالة. وقد أجاز ابن حبيب شهادة من ظاهره العدالة بالتوسم فيما يقع بين المسلمين في الأسفار من المعاملات والتجارات والأكرية بينهم، وبين المكاريين مراعاة لهذا القول. وحكي ذلك عن مالك وأصحابه وهو خلاف قول ابن القاسم، وروايته عن مالك، أنه لم يجز شهادة الغرباء دون أن تعرف عدالتهم. وروي عن يحيى بن عمر أنه أجاز شهادة من لا تعرف عدالته في الشيء اليسير وذلك أيضًا استحسان. الحجة لقول مالك المتقدم قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] فقد اعتبر الرضى والعدالة. وذلك معنى يزيد على الإسلام.
واختلف في شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والجد لولد ولده، وودل الولد لجده. فأجاز جماعة لعموم الآية ولم يجز الأكثر لأنها
стр. 391
مخصصة من العموم بقول النبي ﷺ : ((لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين)).
قال الزهري: كانوا فيما مضى يتأولون قوله : ﴿يا أيها اذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥] ولم يكن يتهم في سلف الأمة والد، ولا ولد ولا زوجة ولا زوج، ثم دخل الناس فتركنا شهادتهم.
واختلف في شهادة أحد الزوجين لصاحبه، فمنعها الجمهور وأجازها الشافعي. وقال الشعبي: تجوز شهادة الرجل للمرأة، ولا تجوز شهادة المرأة لزوجها. وأخذ ابن المنذر بقول الشافعي لقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ الآية. قال: ولا نعلم حجة توجب استثناء الزوج والزوجة من الآية. ودليلنا عليه قوله تعالى: ﴿خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١] فنبه على أن التهمة حاصلة بين الزوجين في غالب الطباع، لأن الإنسان يحب نفع زوجته ويهوى هواها وينتفع بمالها. وقال مالك فيما حكى عنه ابن حبيب: وتجوز شهادة ن وراء هؤلاء من القرابات. وهذا يقتضي جواز شهادة الأخ لأخيه وابن أخيه وهي رواية ابن القاسم. وقال غيره من أصحابنا لا تجوز على الإطلاق وإنما تجوز على شرط. واخلتف في الشرط ما هو؟ ففي ((كتاب ابن المواز)) لا تجوز الشهادة إلا أن يكون مبرزًا. وقيل: إذا لم تنله صلته. وقال أشهب: تجوز في اليسير دون الكثير إلا أن يكون مبرزًا
стр. 392
فتجوز في الكثير [أيضًا].
واختلف أيضًا في المذهب في شهادة الرجل لابن امرأته، ولأبيها والمرأة لابن زوجها، وفي شهادة الرجل لزوج ابنته، ولزوج ابنه. فلم يجز ذلك ابن القاسم، وأجزه سحنون. ويختلف في شهادة الصديق الملاطف فلم يجزها مالك إذا كان تناله صلته، وأجازها الشافعي وأبي حنيفة. وأصل النزاع في هذه المسائل عموم الآية المتقدمة ذكرها، والتخصيص بالتهمة لقوله ﵊: ((لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين)). فمن لم ير التهمة مؤثرة أخذ بعموم الآية فأجاز الشهادة، ومن رأى التهمة مؤثرة خصص عموم الآية بالحديث المذكور على اختلاف بين الأصوليين في مثل هذا التخصيص. ويؤخذ من هذه الآية، ومن إجماع أهل العلم أن شهادة الرجل لنفسه لا تجوز. ولذلك قال ﵊: ((البينة على الدعي واليمين على من أنكر)) إلا أنه اختلف في هذا الأصل في مسائل منها إذا شهد الشاهد في وصيته له فيها بشيء يسير فشهد فيها لنفسه ولغيره.
فقيل: لا تجوز وقيل: تجوز والقولان عن مالك. وقيل: تجوز لغيره ولا تجوز له، وإن كان الذي أوصى له فيها كثيرًا لم تجز له باتفاق، واختلف في جوازها لغيره على قولين في المذهب. ومنها إذا شهد الشاهدان بدين لغيرهما ولهما فيه يسير هل تجوز للأجنبي أم لا؟ فعن مالك فيها قولان، وظاهر الآية يقتضي أن ل تجوز شهادة الرجل لنفسه لا في وصية ولا في غيرها إذ لا فرق بين الشهادة في الدين أو في الوصية، لأن الله تعالى أمر بالاستشهاد. ولو جازت شهادة الرجل لنفسه في شيء لم يكن للأمر
стр. 393
بالاستشهاد معنى. والوصية في ذلك مثل الدين والتهمة أيضًا مسقطة لشهادته لغيره على اختلاف في اعتبارها حسبما تقدم. واختلف في عدد من يجوز تعديله. فقيل: لا يقبل فيه إلا اثنان سرًا أو علانية. وقيل: لا يقبل علانية إلا اثنان ويقبل الواحد سرًا. وهذان القولان في المذهب. وقيل: يقبل الواحد سرًا وعلانية. وقيل: وجه التزكية أن لا يقتصر فيها على واحد ولا اثنين وأدناه ثلاثة فصاعدًا لحديث قبيصة بن مخارق في الفاقة تصيب الرجل؟ فقال: ((لا حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجي من قومه أن قد أصابته فاقة)) ووجه قول نم لا يرى فيها اثنين قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ واختلف في شهادة الصبيان في الجراح والقتل فأجازها بعضهم في الجراح والقتل ذكورًا كانوا أو إناثًا، وهو قول المخزومي. وروي عن علي إجازتها. ولم يجزها بعضهم أيضًا جملة من غير تفصيل وهو قول مطرف. وقال بعضهم: تجوز شهادة الذكور منهم دون الإناث في الجراح والقتل، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقيل: إنما تجوز شهادة الصبيان في الجراح خاصة دون القتل، وهو قول غير واحد من أصحاب مالك، وأجاز الزهري شهادتهم في النكاح والوصية. وقال: مضت السنة أن لا تجوز شهادتهم في الحدود. ولكل قول من هذه الأقوال خط من النظر. ولكن الذي تعلق به مطرف من منع شهادتهم قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ قال: وليس الصبي بمرضي في شهادته. قال بعضهم وكذلك قوله تعالى: ﴿من رجالكم﴾ يرد إجازة شهادتهم لأنه يتناول الصبيان وأيضًا فإن أخبرهم لا يقبل فكذلك شهادتهم، ولأنه لا يأثم
стр. 394
بالمعاصي فلا عبرة بقوله. وأجمع أكثر أهل العلم على أنه لا حظ للنساء في الشهادة والحدود، وشذ عطاء فأجاز شهادتين فيها. وروي عن بعض السلف أنه أجاز شهادة ثماني نسوة في الزنا والرجم بشهادتين. وأجمعوا أيضًا على قبول شهادتين في الديون في الأموال خاصة. وهذا إذ كان معهن رجل ولم يوجد رجلان، فأما إجماع الأكثر على منع شهادتين في الحدود، فلقوله تعالى: ﴿والذبن يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤] لأنه لا يقع الشهداء في اللغة إلا على ثم امضوا على هذا الحد جميع الحدود في الزنا والسرقة والفرية، وشرب الخمر والقصاص وما دونها. وأما إجماعهم على قبول شهادتين كما ذكرنا في الديون، فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ إلى قوله: ﴿فرجل وامرأتان﴾ ثم امضوا على هذا جميع الحقوق، والمواريث، والوصايا، والودائع، والوكالات، والدين. فلما صاروا إلى النكاح، والطلاق، والعتاق، والنسب، والولاء، لم يجدوا فيه ظاهرًا من القرآن كما وجدوا في تينك الآيتين. واختلفوا في التأويل، فشبهها قوم بالأموال على ما ذكرنا فأجازوا شهادتين فيها ولم يروها حدودًا. وأبى ذلك آخرون ورأوها كلها حدودًا. قال أبو عبيد: وهذا أختار لأن تأويل القرآن يصدقه، ألا تسمع قوله تعالى حين ذكر الطلاق والرجعة فقال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فخص بها الرجال ولم يجعل للنساء فيها حكمًا كما جعله في الدين. وأبين من ذلك أنه سماها حدود الله. فقال: ﴿تلك حدود الله﴾ [الطلاق: ١] وقد اختلفوا في جواز استشهاد المرأتين مع وجود الرجل. فأجاز ذلك الجمهور وتأولوا قوله تعالى: ﴿فرجل وامرأتان﴾ أي إن غفل صاحب الحق استشهاد رجلين أو قصده لعذر ما يستشهد رجلًا وامراتين. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم
стр. 395
الرجال. وقالوا معنى الآية فإن لم يوجد رجلان. وهذا تأويل ضعيف.
وال تقبل شهادتين فيما تقبل فيه منفردات بل مع رجل لقوله تعالى: ﴿فرجل وامرأتان﴾ فلم يجز شهادتهما منفردتين. وقد أجاز بعضهم في خارج المذهب.
واختلف في شهادة النساء بانفرادهن فيما يقع بينهن في الأعراس والمآتم والولائم والحمامات. فحكى ابن الجلاب في ذلك الجواز والمنع.
أما الجواز فللضرورة كشهادة الصبيان. وأما المنع فلمراعاة الأصل وهو أن لا تجوز شهادتهن منفردات وإنما تجوز مع رجل كما قال الله تعالى إلا ما خرج من ذلك بالإجماع فلم تجز فيه شهادتين مع رجل وأجيزت فيه شهادتهن منفدرات كعيوب النساء التي لا يطلع عليها سواهن، والولادة، والاستهلال، والرضاع، ونحو ذلك. وما ليس فيه إجماع فيرجع فيه إلى الأصل، وهو أن لا تجوز شهادتهن [منفردات] إلا مع رجل كما قال الله تعالى. وما ذكرنا من [أن] عيوب النساء والولادة، والاستهلال، والرضاع ونحو ذلك تجوز شهادة النساء بانفرادهن فيه هو اتفاق من العلماء. إلا أنهم اختلفوا في الرضاع والاستهلال من تلك الجملة فلم يقبل أبو حنيفة في الرضاع النساء بانفرادهن، ولم يقبلهن الشافعي كذلك أيضًا في الاستهلال. واختلفوا في عدد النساء اللاتي يقبلن في ذلك فلم ير مالك في ذلك إلا اثنتين ولم ير الشافعي في ذلك إلا أربعًا ولم ير غيره إلا ثلاثًا.
стр. 396
وأجاز جماعة من التابعين قبول امرأة واحدة وهو قول ضعيف. وتقبل عندنا شهادة امرأتين مع اليمين خلافًا للشافعي لأنهما قد أقيمتا في الشرع مقام شهادة رجل في الأموال، لقوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ فإذن أجاز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين. وقد منع أبو حنيفة الشاهد واليمين في الأموال، ورد الخبر الوارد عن النبي ﷺ بالشاهد واليمين في ذلك. وقال إن الآية تقتضي الاقتصار على شاهدين أو شاهد وامرأتين. وما جاء في الحديث الشريف من الشاهد واليمين زيادة على مقتضى الآية. والزيادة عنده نسخ، والقرآن لا ينسخ بخبر الآحاد. وأجاز الجمهور ذلك ولم يروه نسخًا. وقد ظن ظانون من أصحاب أبي حنيفة أيضًا أن قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ يدل على صحة قولهم من إسقاط الشاهد واليمين. قالوا: ثم قال الله تعالى: ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾ فأبان أن ذلك أدنى ما يتعلق مقثود الشرع به وذلك ينفي إيجاب الحكم بالشاهد واليمين. والذي يقبل الشاهد واليمين يقول: معنى الآية ذلك أدنى أن ترتابوا في الشهادة وحدها فيها وفي غيرها والشاهد واليمين لم يتعرض له القرآن بذكر. وفي شهادة المولى عليه في المذهب قولان لأن الدليل لجوازها قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ولم يفرق بين المولى عليه غيره. واختلف في شهادة القراء بالألحان. واستحسن بعضهم أن لا تجوز وذلك لأنهم رأوهم غير مرضيين والله تعالى قال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾.
стр. 397
واختلف أيضًا في شهادة البخيل، وإن كان يؤدي زكاته، وكأن من لم يجزها إنما رآه بتلك الحالة غير مرضي فلم يجزها لما قدمناه. واختلف أيضًا فيمن ترك الجمعة مرة هل هي فيه لا تجوز معها شهادته أم لا؟ واتفقوا في الثلاث والحجة لمن رآها جرحة، أن فاعلها ليس بمرضي من الشهداء، والله تعالى إنما أجاز شهادة المرضيين, واختلف في شهادة الأعمى فأجازها مالك وجميع أصحابه ولم يجزها الشافعي، وأبو حنيفة، وذكر عن الشافعي وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، أنهم أجازوا شهادته فيما تحمله قبل العمى.
ومن العلماء نم أجاز شهادة الأعمى فيما طريقه الثوت خاصة. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ ثم قال: ﴿ممن ترضون﴾ والأعمى من رجالنا، فإذا كان ممن يرضى فشهادته جائزة. وكذلك اختلفوا في شهادة الأخرس. وقد اختلف في شهادة آكل الطين، وناتف لحيته، والبائل قائمًا، والأغلف، والشاعر، وغير الحسن الزي، وغير الحسن الاسم والكنية، والصيرفي، ومكاري الحمير، وكل ذلك منصوص في كتب العلماء. ومن لم يجز يقول إنهم ممن لا يرضى. واختلف في شهادة أهل الأهواء فرأت طائفة رد شهادتهم وإلى هذا ذهب مالك فلم يجز شهداة القدرية. ورأت طائفة إجازة شهادتهم وإلى هذا ذهب مالك فلم يجز شهادة القدرية. ورأت طائفة إجازة شهادتهم. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وأهل الأهواء لا يرضون. وقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]. واختلف في شهادة ولد الزنا وغيره. وقال الحسن لا تقبل في شيء أصلًا. وظاهر الآية يعطي إجازة شهادته، ولكن
стр. 398
حديث النبي ﷺ على ذلك الظاهر، وهو قوله ﵊: ((لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين)) والظنة هنا موجودة لأنه يجب أن يكون غري مشاركًا له في العار. قد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله : ﴿ولن تنفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩].
واختلفوا في جواز شهادة البدوي على الحضري ومقتضى عموم الآية تجويزها لأنه قد يكون عدلًا مرضيًا، ومن رجالنا وأهل ديننا. وكونه بدويًا ككونه من بلد آخر. وفي السلف من لا يجوز ذلك وهي رواية ابن وهب عن مالك، ومذهب أحمد. وحجة هذا القول ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ من أنه قال: ((لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية)) وليس فيه فرق بين الحضر والسفر. وقد اتفقوا أنه لا خلف في شهادته في السفر على القروي. وقد أجاز النبي ﷺ شهادة الأعرابي على هلال رمضان. وقد وصف الله تعالى قومًا من الأعراب فقال: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول﴾ [التوبة: ٩٩]. ومن أهل العلم من لا يجيز شهادة القارئ على القارئ لما بينهم من التنافس، فتطرق التهمة إلى شهادتهم. وهذا نظر فاسد، وإذا صحت العدالة فلا يعتبر مثل هذا الظن وعموم القرآن يرده.
واختلف في شهادة لاعب الشطرنج المدمن عليه ما لم يشغله عن الصلاة، فلم يجزها مالك. وأجازها الشافعي. ودليل مالك أن المدمن
стр. 399
عليه ليس بمرضي فلم يجز شهادته لذلك. واختلف في شاهد الزور إذا تاب هل تقبل شهادته أم لا؟ ففي المذهب قولان الأظهر منهما. وهو قول مالك أنه لا تجوز شهادته أبدًا لأنه قد لزمته أصل السخطة وصار غير مرضي ولا يوصل إلى حقيقة ما في نفسه إذا تاب في الظاهر فيبقى ما لزمه من السخطة، والله تعالى إنما شرط في الشهداء الرضى. واختلف في شهادة الكافر والفاسق والصبي والعبد بعد زوال العلل المانعة من قبولهم. وقد كانت ردت قبل ذلك فلم يجزها مالك، وأجازها الشافعي، وأبو حنيفة إلا شهادة الفاسق. قال أبو حنيفة: وكذلك شهداة أحد الزوجين لصاحبه إذا ردت ثم شهد بعد زوال الزوجية. وكذلك شهادة الأجير لمن استأجره. وأجاز داود شهادتهم كلهم. وظاهر الآية يقتضي الجواز. ولكن في حديث النبي ﷺ ما يقضي على ذلك وهو قوله: ((لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين)). واختلف في الشهود إذا شهدوا عند الحاكم فلم تنفذ شهادتهم حتى ظهر منهم فسق، هل يعمل بشهادتهم أم لا؟ ودليل من لم يجزها قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وهؤلاء يرضون. واختلف في شهادة العدو على عدوه، فلم يجزها مالك والشافعي، وأجازها أبو حنيفة، وحجة المنع قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقوله ﵇: ((لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين)) وروي: ((ولا ذي غمر على أخيه)).
стр. 400
واختلف في صفة تعديل الشاهد، فذهب الشافعي إلى أنه لا تقبل حتى يقول: عدل علي ولي، ثم لا يقبل حتى يسأله عن معرفته فإن كانت باطنة متقدمة قبل ذلك منه، وإن كانت حادثة ظاهرة لم تقبل. وذهب بعضهم إلى أنه تقبل شهادته إذا قال معدله لا أعلم إلا خيرًا. ومذهبنا أن يزكي الشاهدان [أن] المزكي: هو عندي عدل، أو من أهل العدل والرضى. وإن أسقط عندي جاز، والأحسن إثباته. قال عبد الوهاب وجماعة سواه: لا يكفي أحد الوصفين عن الآخر. وظاهر قول سحنون: أن الاقتصار على أحد اللفظين يكفي. قال الأبهري: والحجة لمالك على من أجاز التزكية بلا أعلم خيرًا، أنه قد يعلم منه الخير ويعلم منه غير الخير مما يجب رد شهادته معه، فيجب أن يقول: أعلمه عدلًا رضى لأن هذا الوصف الذي أمر الله بقبول شهادة الشاهد معه بقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ و ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ فيجب أن يجمع الشاهد بين العدالة والرضى. وحجة مالك على الشافعي من الآية أن الله تعالى إنما قال: ﴿من ترضون﴾ فإذا قيل هو رضى قد شمله قوله تعالى: ﴿ممن ترضون﴾ فأي معنى لتخصيصه بلفظ عدل، ثم بأن يقال فيه: علي ولي، ثم بالسؤال عن معرفة العدل. وهذا كله تحكم لأنه لا يطلب في معرفة عدالته القطع. وإنما تطلب غلبة الظن، وغلبة الظن تحصل بان يقال فيه: عدل رضى. والأظهر جواز الاقتصار على أحد اللفظين لأن الله تعالى ذكر كل لفظ على حدة ولم يجمعهما، فدل ذلك على أن أحدهما يغني عن الآخر.
وقوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
اختلف في معناه، فقيل: أن تصير شهادتهما كشهادة الذكر، قاله ابن عيينة. وقال غيره: إن تنسى إحداهما فتذكرها الأخرى، والتأويل الأول
стр. 401
بعيد، ولا يحسن مع ذكر الضلال. وفي هذه الآية على هذا التأويل الثاني دلالة على أن الشاهد إذا قال: لا أذكر الشهادة، ثم تذكرها تجوز له إقامة الشهادة، ولا اختلاف في المذهب في جوازها. وقد رأى بعضهم قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ يقضي في شهادة المرأتين في الرضاع والعيوب والولادة، ونحو ذلك أن تشهدا معًا ولا تكونا مفترقتين في ذلك، قال: لأن التذكير لا يكون إلا مع حضور وأنكر ذلك غيره ولم يره لازمًا.
وقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
اختلف فيمن أريد بالشهداء في هذه الآية فذهب قتادة، وغيره إلى أنهم الذين يدعون إلى كتب شهادتهم. قالوا وفي هذا نزلت الآية لأنه كان الرجل في القوم الكثيرين يطلب من يشهد له فيتحرجون من الشهادة فلا يقوم معه أحد فنزلت الآية في ذلك. وقال مجاهد: هم الذين يدعون لأداء ما عندهم من الشهادة. وأسند بعضهم إلى النبي ضلى الله عليه وسلم أنه فسر بهذا. وذهب الحسن إلى أن الآية جمعت الأمرين أداء الشهادة وتحصيلها. وقد اتفق الفقهاء على إيجاب أداء الشهادة لهذه الآية ولقوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ الآية. واختلفوا في تحصيلها هل هو واجب على كل من دعي إليها أم لا؟ فذهب جماعة إلى أن من دعي
стр. 402
إلا استحفاظ الشهادة فواجب عليه أن يجيب، وحملوا الآية على أن المراد بها ذلك وحده أو الأمران جميعًا. وذهب الأكثرون إلى أن ذلك غير واجب ورأوا أن الآية إنما هي في أداء الشهادة قالوا: لأن الشاهد لا يصح أن يسمى شاهدًا حتى يكون عنده علم بالشهادة وأما قبل أن يعلم فليس بشاهد ولا داخل تحت قوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء﴾.
وقوله تعالى: ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا﴾ إلى قوله: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. لما علم الله تعالى مشقة الكتاب نص على رفع الجناح في تركه في كل مبايعة بنقد وأمر بالإشهاد لأنهما يتناجزان في قبض الثمن والمثمن، ولم يحتاجا إلى كتبه، لأن الغالب أنه لا يطرأ النسيان في مثل ذلك لقربه. وهذا والله أعلم [إنما هو] فيما قل من الأشياء، كالمأكول وشبهه، لا فيما يكثر كالأملاك وشبهها.
واختلف هل يشهد الشاهد على معرفة خطه في وثيقة لم ير فيها محوًا ولا بشرًا، ولا لحقًا، ولا أمرًا مستنكرًا. ورأى الكتاب شيئًا واحدًا إلا أنه لم يتذكر علمها. فقال ابن القاسم: لا يشهد حتى يحفظ القصة. وقال بعضهم في رواية الجواز أنها أوسع لأن حفظ ذلك صعب لا يستطاع عليه لكثرة الأمر. ويدل على صحة هذا القول قوله تعالى: ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا﴾ أي لا تشكوا وقد علم تعالى أن الناس ينسون. فلهذا أمر
стр. 403
بالكتاب. وقوله : ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقوله: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] أي للذكرى. وقال عبد الحق الصقلي عن بعض القرويين: ظاهر كتاب الله تعالى يدل على جواز هذه الشهادة لأنه تعالى أمر بالإشهاد وبالكتاب، فلو كان الكتاب إذا رآه الشاهد لا يشهد حتى يعرف الشهادة لم يكن للكتاب معنى وصار وجوده وعدمه سواء، قال عبد الحق: في هذا الاستدلال نظر لأنه لعله إنما أراد بالكتاب لعله يتذكر به قال: ومما يستدل به على منع جواز هذه الشهادة من القرآن قوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ [يوسف: ٧] والذي عرف الخط لم يعلم الشهادة، وإنما علم خطه. وقوله تعالى: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ والشهادة على ذلك ليست بالشهادة على وجهها. ومما احتج به بعضهم للمنع قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ وكذلك اختلفوا إن عرف الشاهد خطه، وتذكر على الإشهاد، ولم يعلم مبلغ الحق، فقيل: لا يقضي بها القاضي وقيل: يقضي بها إن لم يرتب، والروايتان عن مالك. ووجه النظر فيها والاستدلال حسبما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿تديرونها بينكم﴾ [البقرة: ٢٨٢].
يقتضي القبض والبينونة بالمقبوض، ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوانات لا تقبل البينونة به ولا يغاب عليه حسن في ذلك الكتاب ولحق في ذلك بمبايعة الدين.
وقوله تعالى: ﴿ذلكم أقسط عند الله﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢].
تدل على أنه تعالى إنما أمر بالإشهاد وبالكتاب احتياطًا للمتداينين قال بعضهم: وإذا صح ذلك فالحتياط للنكاح أولى حتى [لا] يستشهد من ليس مرضيًا من فاسق، ومجلود في قدف، وكافر، وغير ذلك خلافًا لمن
стр. 404
زعم أن تلك الشهادة ليست للاحتياط. والصحيح أن الشهادة إذا كانت في موضع الندب للاحتياط ففي موضع الوجوب أولى أن تكون للاحتياط.
واختلف في قوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ هل هذا الأمر فيه محمول على الوجوب أم الندب؟ فذهب الشعبي، والحسن وغيرهم إلى أنه على الندب. وذهب ابن عمر وغيره إلى أنه على الوجوب. وكان ابن عمر يفعل ذلك في قليل الأشياء وكثيرها، ورجح الطبري هذا.
وفي قوله تعالى في تجارة النقد ﴿فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾ دلالة على أن عليهم كتب الدين المؤجل والإشهاد فيه وأن الجناح يلحقهم إذا لم يكتبوه. وهذا مما يقوي القول بالوجوب في ذلك. وقد أجاب بعضهم عن هذا بأن المراد بالجناح هنا الضرر أي لا ضرر عليكم في حياطة الأموال.
وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣].
وقوله: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [البقرة: ٢٨٢].
اختلف في معناه فقيل: لا يضار الكاتب ما لم يمل عليه ولا يضار الشاهد، بأن يزيد في الشهادة أو ينقص منها ولا يضار بأن يمتنعا. والأصل في يضار على القولين يضارر بكسر الراء. وقيل: لا يضارا بان يؤديهما طالب الكتب أو الشهادة فيقول: اكتب لي واشهد لي في وقت
стр. 405
عذر وشغل الكاتب أو الشاهد وأصل يضار على هذا القول يضارر بفتح الراء.
وقوله تعالى: ﴿وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] عائد على ذكر المضارة.
قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ إلى قوله: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣، ٢٨٤].
مذهب مالك وجميع أصحابه وغيرهم إجازة الرهن في السفر والحضر خلافًا لأبي حنيفة، ومجاهد، وداود، في قصرهم ذلك على السفر تعلقًا منهم بدليل خطاب الآية. ولا حجة لهم فيها لأن ذكر الرهن في السفر ليس دليلًا على منه في الحضر بل أراد تعالى أن ينبه على جواز الرهن إذا منع عذر من الانتقاد فذكر السفر إذ قد يكون أحد الأعذار المانعة من الانتقاد تنبيهًا على سائر الأعذار. فالرهن في الحضر أيضًا مشار إليه بالآية على هذا الوجه، وأيضًا فإنه قد رهن رسول الله ﷺ درعه عند يهودي في شعير استلفه. وتوفي ﷺ وتلك الدرع مرهونة. وكان هذا منه -عليه الصلة والسلام- في الحضر فهذا يذهب حكم دليل الخطاب في الآية لو قلنا به.
واختلف في الرهن في السلم فلم يجزه بعضهم والجمهور على الجواز. وحجة الجواز قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان﴾ الآية. فعم. والرهن يجوز ويلزم بالعقد ولا يتم إلا بالحيازة لقوله
стр. 406
تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ هذا مذهب مالك وجميع أصحابه. وذهب الشافعي، وأهل العراق إلى أنه لا يكون رهنًا ختى يكون مقبوضًا. وفائدة الخلاف أن الراهن عندنا لا يكون له الرجوع في الرهن وإن لم يقبضه المرتهن. وعندهم أنه لا يلزمه حتى يقبضه. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ وقالوا لما وصفها الله تعالى بالقبض وجب أن يكون ذلك من شروط كونها رهنًا، وأن يكون القبض مصاحبًا لها كما أنه لما وصف الرقبة بالإيمان، كان الإيمان شرطًا مصاحبًا لها. وقالوا ولأن قوله فرهان مقبوضة لا يخلو إما أن يكون خبرًا أو أمرًا فإن كان خبرًا كان شرطًا فيها لامتناع أن يقع الخبر بخلاف مخبره، وإن كان أمرًا فهو على وجوبه والدليل على صحة قولنا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] والعقد قد حصل لأنه الإيجاب والقبول وذلك موجود. وأيضًا فإنه قال: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فجعل القبض نم صفاتها فدل ذلك على أنها تكون رهنًا قبل القبض لأن وصف الشيء بصفة يجب أن يكون معنى زائدًا على وجوده. واختلف في الرهن يوضع على يدي عدل فقالت طائفة: لا سصح وليس بمقبوض ولا يكون شاهدًا ولا يكون أحق به من الغرماء والذي ذهب إليه مالك أنه مقبوض فيكون بذلك شاهدًا له ويكون أحق به من الغرماء.
والذي ذهب إليه مالك أنه مقبوض. وقيل: إنه لا يكون شاهدًا إذا كان على يدي عدل، وهو ظاهر قول مالك في ((موطئه)) وحجة القول بأنه مقبوض قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ معناه مقبوضة من الراهن. وهذا موجود في هذا الرهن، فهو إذا مقبوض. واختلف في استدامة القبض هلى هي شرط في صحة الرهن أم لا؟ فالمذهب على أنه شرط فمتى عاد إلى يد الراهن برضى من المرتهن على أي وجه خرج فقد زال عن الرهن. وقال
стр. 407
الشعبي ليس ذلك بشرط ولا يخرج من الرهن بعوده إلى يد الراهن.
وقال أبو حنيفة إن رجع بكراء بطل وإن رجع بوديعة أو عارية لم يبطل.
ودليل المذهب قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم سائر أحوال الرهن.
واختلف في شهادة الرهن فذهب بعضهم إلى أن القول قول المرتهن فيما رهن وإن كان ما ادعى أكثر من قيمة الرهن فجعلوا شاهدًا له بجميع دينه. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن القول قول الراهن قل أو كثر ما ادعاه فلم يجعلوا للراهن شهادة. واستدل بعضهم لهذا القول بقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ قال: فهذا يدل على أنه مؤتمن، فيقتضي ذلك قبول قول الراهن إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين، والراهن هو الذي عليه الحق. قال: وربما رهن الشيء بالقليل والكثير. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أن القول قول المرتهن فيما رهن فيه الرهن ما لم يجاوز قيمة الرهن، فكأن الرهن شاهد بقيمته. هذا القول أعدل الأقوال. ولو لم يكن الرهن شاهدًا، وكان كما يقول من ذكرنا لم يكن لقوله : ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ معنى لأنه إذا ائتمنه ولم يستوثق منه بالرهن فيما داينه به. فالقول قوله أيضًا فيما يقر به من الدين ولا يجوز أن تكون الحالة الثالثة كالتي قبلها، فالقرآن دال على خلاف قول من ذكرنا.
وعندنا أنه يصح عقد الرهن قبل وجوب الحق، فإذا وجب الحق كان رهنًا بذلك العقد، ولا يحتاج إلى استئناف عقد ثان. وكذلك يصح تقديم الضمان على الحق المضمون. زقال الشافعي: لا يصح ذلك. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم.
стр. 408
واختلف في رهن المشاع فأجازه مالك وأصحابه ولم يجزه أبو حنيفة. والحجة على من لم يجزه أنهم إن سلموا أن قبضه يصح، فالظاهر تناوله بقوله فرهان مقبوضة. وإن منعوه دللنا عليه بأن صفة القبض متساوية. وقد ثبت أن بيع المشاع جائز، وأن بيع ما لا يمكن قبضه لا يصح. فإذا صح البيع فيه صح قبضه كالمقسووم. وإذا كان لرجل على رجل دين فباع من عليه الدين ممن له الدين شيئًا وجعل الدين عليه رهنًا. فروى ابن القاسم عن مالك أنه لا يجوز ويصح الرهن. وقال غيره من العلماء: لا يجوز لأنه لا يتحقق إقباضه له والقبض شرط لزوم الرهن ودليل القول الأول عموم الآية. وإذا رهن الرجل عند الرجل رهنًا على حق ثم استزاده شيئًا آخر على ذلك الرهن جاز وكان رهنًا بالحقين خلافًا لأبي حنيفة والشافعي لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم كل دين يجوز أخذ الرهن به. وكل رهن يجوز ارتهانه بكل دين. وإذا ارتهن الرجل رهنًا على أنه إن جاء الراهن بالثمن، وإلا فالرهن للمرتهن صح الرهن عندنا وبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يبطل الرهن. ودليلنا على أنه لا يبطل قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾. ورهن المجهول والغرر يجوز. وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز. ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم. والمكاتب والعبد المأذون يجوز ان يرهن. وذهب الشافعي إلى أنه لا
стр. 409
يجوز. ودليلنا ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم العبد والمكاتب. وقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ ليس في هذه دليل على حكم الرهن إذا قبض فهلك فأحاله من الضمان؟ لأن القبض إذا حصل بحكم الآية بقي النظر فيه هل يحكم لذلك القبض بحكم الأمانة أم لا؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه مضمون منه من غير تفصيل. وذهب الشافعي إلى أنه غير مضمون منه من غير تفصيل. وفرق مالك بين ما يغبا عليه وما لا يغاب عليه. وعنه إذا قامت بينة على التلف مما يهاب عليه قولان. ومن حجة الشافعي قوله ﵊: ((الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه)) وهذا يحتمل أن يريد إذا ظهر هلاكه فلا يكون فيه حجة. وقد جاء عنه- ﵊ قال: ((الرهن بما فيه)) وهذه عبارة عن وجوب صمانه على
стр. 410
المرتهن.
وقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣].
قد استدل بعضهم بهذه الآية في مسألة اختلاف المتبايعين للسلعة إذا اختلفا في أجل الثمن على المبتاع إذا قبض السلعة، فإن القول قوله سواء أقر له البائع أم لا؟ . وفي المسألة اختلاف كثير. وكذلك اختلفا في عدد الثمن قال: لأن القبض ائتمان فإذا دفع السلعة إلى المبتاع ولم يتوثق بالشهادة وجب أن يكون القول قوله.
قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤].
اختلف في هذه المسألة هل هي منسوخة أم محكمة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب سيدنا محمد ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ فنسخ بهذه الآية تلك.
وهذا قول ابن عباس، وأبي هريرة، والشعبي، وغيرهم. والذبن ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال بعضهم: هي في كتمان الشهادة وإظهارها وهو قول ابن عباس والشعبي أيضًا وعكرمة وغيره.
فهذان قولان للشعبي في الآية. وقال آخرون: معناها أن الله تعال يحاسب خلقه على ما عملوا وعلى ما لم يعملوا بما ثبت في نفوسهم وأضمروه
стр. 411
ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين، ويؤاخذ بها أهل الكفر والنفاق. وهذا القول أيضًا لابن عباس. فهذه ثلاثة أقوال لابن عباس في الآية. وقال مجاهد: الآية قيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين. وقال آخرون: ما هم الرجل له من الذنوب في الدنيا عوقب به على ذلك بما يصيبه من الهم الحزن. وهذا القول لعائشة. والأحسن في الآية أن لا تكون منسوخة لانها خبر، والأخبار لا تنسخ إلا أن تكون الآية الثانية إنما نسخت الشدة اللاحقة أصحاب النبي ﷺ عند نزول الأولى فيكون من قولهم نسخت الريح الأمر أي أزالته. ومن قولهم نسخت الشمس الظل إذا أزالته وحلت محله.
فكأن اللين الذي في الآية الأخرى أزال الشدة التي في الأولى وحل محلها والله تعالى أعلم.
стр. 412
سورة آل عمران
هذه السورة مدنية، واسمها في التوراة طيبة، كذا ذكر بعضهم، وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(٧) - قوله تعالى: ﴿منه آيات محكمات﴾:
قد اختلف العلماء في تفسير المحكم والمتشابه اختلافًا كثيرًا.
والصحيح على مقتضى اللغة أن المحكم يرجع إلى معنيين:
أحدهما: المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه احتمال ولا إشكال، والمتشابه ما يتعارض فيه الاحتمال. والثاني: أن المحكم ما انتظم وترتب ترتيبًا مفيدًا إلا أن هذا لا يقابله متشابه، وإنما يقابله المثبج والفساد.
стр. 413
وقد يجوز على مقتضى اللغة أن يعبر بما يتشابه في اللفظ المشترك، وقد يطلق على ما ورد من صفات الله تعالى ما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه. وقد سمى الله تعالى المحكمات: ﴿أم الكتاب﴾ [آل عمران: ٧]، أي أصل الكتاب، وذلك يقتضي رد المتشابهات إلى المحكمات لتفهم منها، فيؤخذ من هذا أن المتشابه هو المحتمل للمعاني، فيعرف المراد منه برده إلى المحكم وإن كان كثير منه يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منه.
وقد يجوز أن تسمى المحكمات بمعني أنها أنفع للناس وأفضل من المتشابهات، كما تسمى فاتحة الكتاب: ﴿أم الكتاب﴾، ومكة: ﴿أم القرى﴾، وقد يجوز أن تسمى المحكمات؛ لأن معناها بين، فتنبسط منه الفوائد، وتقاس عليه المسائل. والذي يرجع إلى الأحكام من هذا أن تأويل ما يتعلق بالأحكام الشرعية واجب، وما لا يتعلق بها فلا يجب تأويله.
وهل يحرم أم لا؟ اختلف فيه، وقد ظن قوم أنه لا يجوز؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ الآية [آل عمران: ٧]، وجعلوا الوقف عند قوله: ﴿إلا الله﴾. ومن الناس من حرم تأويل المتشابهات تعويلًا على ذلك الظاهر. والأكثر على جواز التأويل، وعلى ذلك اختار قوم
стр. 414
الوقف على قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾.
(٢٨) - قوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين﴾:
وهذا النهي إنما هو أن يظهر الإنسان اللطف بالكفار والميل إليهم، وأن كان لا يعتقد ذلك. وقد اختلف في سبب هذه الآية. فقال ابن عباس: كان كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد وقد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: احتنبوا أولئك اليهود، واحذروا مباطنتهم؛ فأبى ذلك النفر إلا مباطنة اليهود، فنزلت الآية.
وقال آخرون: نزلت الآية في قصة حاطب بن أبي بلتعة وكتابه إلى أهل مكة. والآية عندي على العموم في هذه القصة وغيرها.
стр. 415
ويدخل تحتها فعل أبي لبابة في إشارته إلى حلقه حين بعثه النبي ﷺ في استنزال بني قريظة، ثم أباح الله تعالى اتخاذهم أولياء في الظاهر بشرط الاتقاء، فقال: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾، وذهب قتادة إلى أن معنى الآية ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ من جهة صلة الرحم أي ملامة، فالآية عنده مبيحة للإحسان إلى القرابة من الكفار.
(٣٥) - قوله تعالى: ﴿إذ قالا امرأة عمران رب إني نذرت لك﴾ .
هذا النذر غير معمول به في شريعتنا، فلا يجوز لأحد أن يحبس ولده على مسجد من المساجد. وكان هذا المعنى للتحبيس على الكنائس في شرع من قبلنا عرفًا في الذكور خاصة. وكان فرضًا على الأبناء التزامه، فمعنى الآية: جعلت نذرًا على أن يكون هذا المولود الذي في بطني محررًا من كل خدمة وشغل. والبيت الذي نذرت له هو بيت المقدس، فإن قيل: كيف كان التحبيس شرطًا في الذكور خاصة، قد قالت امرأة عمران أم مريم: ﴿ما في بطني﴾، ولم تخص ذكرًا من أنثى.
قيل: جزمت الدعوة رجاء منها أن يكون ذكرًا.
(٣٦) - وقله تعالى: ﴿وإني سميتها مريم﴾ .
فيه دليل على جواز تسمية الأطفال عند الولادة؛ لأنها قالت
стр. 416
هذا بأثر الوضع، وهي مسألة قد اختلف فيها، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يسمى المولود إلا يوم سابعه، وذهب مالك إلى أنه يسمى إلى استهل صارخًا وأن السقط لا يسمى، وذهب قوم إلى أنه يسمى يوم ولادته وإلى هذا ذهب ابن حبيب، واستحب أيضًا أن يسمى السقط لما روي من رجاء شفاعته. وحجة من أجاز تسميته يوم الولادة الآية المتقدمة. وإنما تصح الحجة بها على قول من يرى أن شريعة من قبلنا شرع لنا.
ولكنه قد جاء أيضًا عن النبي ﷺ ما يدل على أن ذلك أيضًا في شريعتنا؛ وذلك قوله ﵊: ((ولد لي الليلة مولود سميته إبراهيم))؛ وإن كان يروى عنه ﵊، أنه في اليوم السابع يعق عن المولود ويسمي.
стр. 417
(٣٧) - قوله تعالى: ﴿وكفلها زكريا﴾:
أصل في الحضانة، ومعنى كفلها زكرياء أي ضمها إليه وقام على أمرها. وقرئ: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ بالتشديد، زكرياء بالنصب، أي: أوجب كفالتها بالقرعة التي أخرجها له. والآية التي أظهرها لخصومه فيها.
وذلك أن زكرياء ﵇ وخصومه فيها لما تنازعوا أيهم يكفلها تشاهموا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل: بأقلام بروها كالقداح. زقيل: بعصي لهم فرموا بها في نهر الأردن، فصعد قلم زكرياء بالجرية وانحدرت قداح الآخرين. وقيل: إن أقلام القوم عامت على الماء معروضة كما تفعل العيدان، وبقي قلم زكرياء موتدًا واقفًا كأنما ركز في طين، فكفلها زكرياء ﵇ بهذا الاستهام؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ الآية [آل عمران: ٤٤]، وكان زكرياء قد قال لهم: أن أحق بها منكم؛ لأن عندي أختها أو خالتها على اختلاف في ذلك؛ لأنه قيل: إن زوجته أميحيى كانت خالة مريم، وقيل: أختها، فحكم الله تعالى بها لزكرياء، لموضع أختها أو خالتها، وعلى هذا
стр. 418
شرعنا؛ لأنه قضى بابنة حمزة لجعفر بن أبي طالب إذ تنازع علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، فقال علي: هي ابنة عمي، وعندي بنت رسول الله ﷺ فأنا أحق بها.
وقال جعفر: هي ابنة عمي وعندي خالتها، فأنا أحق بها. وقال زيد بن حارثة: هي ابنة أخي، وتجشمت لها السفر. وكان قد خرج زوجها وليًا من أولياء المحضون فهي أحق به من سائر الأولياء، وإن كان زوجها أبعد منهم، إلا على مذهب ابن وهب في أن الزوج يسقط حضانة
стр. 419
الحاضنة، وإن كان ذا رحم من المحضون. اختلف في السبب الذي كفلها له زكرياء، فالأصح أنها كانت يتشاءمون في ذلك الزمان في المحرر عند من يكون من القائمين بأمر المسجد، فيتساهمون عليه، وأنهم فعلوا ذلك في مريم.
وقال ابن إسحاق: إنها لما ترعرعت أصابت بني إسرائيل مجاعة، فقال لهم زكرياء: قد عجزن عن إنفاق مريم فاقترعوا على من يكفلها ففعلوا، فخرج السهم على رجل يقال له: جريج، فجعل ينفق عليها وحينئذ، كان زكرياء يدخل عليها المحراب عند جريج فيجد عندها الرزق.
(٤١) - قوله تعالى: ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾ .
اختلف في صمت زكرياء، هل كان على اختيار منه أم لا؟
فالذين ذهبوا إلى أنه عن اختيار منه احتلفوا في الآية، هل هي محكمة أو منسوخة.
стр. 420
فذهب قم إلى أنها محكمة، ليس في شريعتنا ما نسخها، على القول بأن شريعة من قبلنا لازمة لنا أولا. أما على القول بخلاف ذلك لا يحتاج إلى نظر فيها، هل هي محكمة أو منسوخة؟
وتأولوا قوله ﵊: ((لا صمت يوم إلى الليل)) على أن معناها: لا يصمت أحد فلا يذكر الله تعالى يومًا إلى الليل، وهذا محضور في كل شريعة.
والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة، قالوا: نسخها قوله ﵊: ((لا وصال في الصيام، ولا يُتم بعد احتلام، ولا عتق قبل ملك، ولا طلاق قبل نكاح، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وفاء بنذر في معصية الله)).
قالوا: فنسخ إباحة الصمت وهذا النسخ، إنما يجوز على قول الكوفيين ومن تابعهم.
والذين ذهبوا إلى أن صمته لم يكن اختيارًا منه، وإنما منع الكلام فلم
стр. 421
يقدر عليه، فلا شك أن الآية عندهم محكمة. وقد اختلف في السبب ال ١ ي لأجله منع الكلام زكرياء ﵇. فقال بعضهم: إنه قال: يا ري إن كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حقًا فاجعل لي علامة أعرف بها صحة ذلك، فعوقب على هذا الشك في أمر الله، بأن منع الكلام ثلاثة أيام مع الناس.
وقيل: لم يشك قط زكرياء، وإنما سأل عن الجهة التي يكون بها الولد وتتم البشارة، فلما قيل له: ﴿كذلك الله يفعل ما يشاء﴾، سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى. واختلف هل كان منعه الكلام بآفة نزلت به أم لا؟ فقيل: ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه الله بعد ثلاث، وقيل: أخذ الله تعالى علي لسانه فجعل لا يقدر على الكلام؛ فهذان القولان لمن رأى ذلك لآفة. وقال قوم: لم تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس، فلم يقدر عليها، وكان على ذكر الله والركز والإشارة. وقد اختلف في من حلف أن لا يكلم إنسانًا فأشار إليه بالسلام هل يحنث أم لا؟ فقال ابن عبد الحكم: لا يحنث. وقال مالك:
стр. 422
يحنث، واحتج به ابن حبيب في أن الإشارة بالسلام كلام؛ لقوله تعالى لزكرياء ﵇: ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾، يريد ابن حبيب: أن الله تعالى جعل الرمز كلامًا وهو الإشارة بعينها.
وقال عيسى عن ابن القاسم: لا أرى الإشارة بالسلام كلامًا، مثل قول ابن عبد الحكم. وقد اختلف فيمن حلف أن لا يكلم إنسانًا فكتب إليه أو أرسل رسولًا، فقرأ المحلوف عليه الكتاب أو بلغه الرسول، على أقوال في المذهب، فقيل: يحنث، وروي ذلك عن مالك.
واحتج له بقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله وحيًا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١]، أو يرسل رسولًا. وهو بعيد؛ لأن الصحيح في الاستثناء أنه منفصل. وقيل: لا يحنث، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم وابن شهاب. وقيل: يحنث إلا أن ينوي المشافهة، وهو الذي رجع إليه مالك. وقيل: يحنث في المتابة، إلا أن ينوي المشافهة،
стр. 423
ولا يحنث في الرسول، رواه أشهب عن مالك. واحتج أبو عبيد للقول بانه لا يحنث بالكتاب ولا بالإشارة، فقال: الكلام غير الخط والإشارة. وأصل هذا أن الله تعالى قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾، وقال في موضع آخر: ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًا﴾ [مريم: ١١]، والرمز والإشارة بالعين والحاجب، والوحي الخط والإشارة، ويقال: كتب وأشار إليهم وفي قصة مريم: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيًا﴾ [مريم: ٢٦]، ثم قال: ﴿فأشارت إليه﴾ [مريم: ٢٩]، فصار الإيماء والخط خارجين عن معنى النطق.
(٤٤) - قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾:
استدل جمهور العلماء بهذه الآية على صحة الحكم بالقرعة، وكان النبي ﷺ إذا سافر أقرع بين نسائه. وقال ﵊: ((لو
стр. 424
يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)). وشذ قوم فلم يروها جملة وجعلوه قمارًا، وأجاز أبو حنيفة ومن تابعه القرعة في الربع ولم يجيزوها في العبيد.
(٧٥) - قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا تؤده إليك ما دمت عليه قائمًا﴾:
أقام بعض الناس من هذه الآية اتخاذ السجن والحبس فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ما دمت عليه قائمًا﴾. واستدل بعضهم به على جواز ملازمة الغريم الذي ثبت غرمه.
(٧٧) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾:
اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقال عكرمة: نزلت في أحبار اليهود، أي رافع وكنانة بن أبي الحقيق، كعب بن الأشرف، وحيي بن الأخطب تركوا عهد الله في التوراة للمكاسب والرئاسة
стр. 425
التي كانوا بسبيلها. وقيل: نزلت بسبب خصومة الأشعث بن القيس مع رجل من اليهود في أرض فوجبت اليمين على اليهودي، فقال الأشعث: إذًا يحلف يا رسول الله، ويذهب بمالي، فنزلت.
وقيل: إن الأشعث اختصم في أرض مع رجل من قرابته فوجبت اليمين على الأشعث، وكان في الحقيقة مبطلًا قد غصب تلك الأرض في جاهليته، فنزلت الآية، فنكل الأشعث عن اليمين وتحرج وأعطى الأرض وزاد من عنده أرضًا أخرى. وقيل الآية بسبب رجل أقام سلعة في السوق أول النهار، فلما كان من آخره جاء رجل يساومه فحلف حانثًا لقد منعها في أول النهار من كذا وكذا ولولا المساء ما باعها، وفنزلت الآية.
واختلف العلماء في من قال: ((علي عهد الله))، فقال مالك وجماعة: من حلف بذلك وحنث فعليه الكفارة سواء نوى اليمين أم لا.
следующие страницы →