Полный текст (1 576 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
يقدر عليه، فلا شك أن الآية عندهم محكمة. وقد اختلف في السبب ال ١ ي لأجله منع الكلام زكرياء ﵇. فقال بعضهم: إنه قال: يا ري إن كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حقًا فاجعل لي علامة أعرف بها صحة ذلك، فعوقب على هذا الشك في أمر الله، بأن منع الكلام ثلاثة أيام مع الناس.
وقيل: لم يشك قط زكرياء، وإنما سأل عن الجهة التي يكون بها الولد وتتم البشارة، فلما قيل له: ﴿كذلك الله يفعل ما يشاء﴾، سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى. واختلف هل كان منعه الكلام بآفة نزلت به أم لا؟ فقيل: ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه الله بعد ثلاث، وقيل: أخذ الله تعالى علي لسانه فجعل لا يقدر على الكلام؛ فهذان القولان لمن رأى ذلك لآفة. وقال قوم: لم تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس، فلم يقدر عليها، وكان على ذكر الله والركز والإشارة. وقد اختلف في من حلف أن لا يكلم إنسانًا فأشار إليه بالسلام هل يحنث أم لا؟ فقال ابن عبد الحكم: لا يحنث. وقال مالك:
стр. 422
يحنث، واحتج به ابن حبيب في أن الإشارة بالسلام كلام؛ لقوله تعالى لزكرياء ﵇: ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾، يريد ابن حبيب: أن الله تعالى جعل الرمز كلامًا وهو الإشارة بعينها.
وقال عيسى عن ابن القاسم: لا أرى الإشارة بالسلام كلامًا، مثل قول ابن عبد الحكم. وقد اختلف فيمن حلف أن لا يكلم إنسانًا فكتب إليه أو أرسل رسولًا، فقرأ المحلوف عليه الكتاب أو بلغه الرسول، على أقوال في المذهب، فقيل: يحنث، وروي ذلك عن مالك.
واحتج له بقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله وحيًا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١]، أو يرسل رسولًا. وهو بعيد؛ لأن الصحيح في الاستثناء أنه منفصل. وقيل: لا يحنث، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم وابن شهاب. وقيل: يحنث إلا أن ينوي المشافهة، وهو الذي رجع إليه مالك. وقيل: يحنث في المتابة، إلا أن ينوي المشافهة،
стр. 423
ولا يحنث في الرسول، رواه أشهب عن مالك. واحتج أبو عبيد للقول بانه لا يحنث بالكتاب ولا بالإشارة، فقال: الكلام غير الخط والإشارة. وأصل هذا أن الله تعالى قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾، وقال في موضع آخر: ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًا﴾ [مريم: ١١]، والرمز والإشارة بالعين والحاجب، والوحي الخط والإشارة، ويقال: كتب وأشار إليهم وفي قصة مريم: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيًا﴾ [مريم: ٢٦]، ثم قال: ﴿فأشارت إليه﴾ [مريم: ٢٩]، فصار الإيماء والخط خارجين عن معنى النطق.
(٤٤) - قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾:
استدل جمهور العلماء بهذه الآية على صحة الحكم بالقرعة، وكان النبي ﷺ إذا سافر أقرع بين نسائه. وقال ﵊: ((لو
стр. 424
يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)). وشذ قوم فلم يروها جملة وجعلوه قمارًا، وأجاز أبو حنيفة ومن تابعه القرعة في الربع ولم يجيزوها في العبيد.
(٧٥) - قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا تؤده إليك ما دمت عليه قائمًا﴾:
أقام بعض الناس من هذه الآية اتخاذ السجن والحبس فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ما دمت عليه قائمًا﴾. واستدل بعضهم به على جواز ملازمة الغريم الذي ثبت غرمه.
(٧٧) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾:
اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقال عكرمة: نزلت في أحبار اليهود، أي رافع وكنانة بن أبي الحقيق، كعب بن الأشرف، وحيي بن الأخطب تركوا عهد الله في التوراة للمكاسب والرئاسة
стр. 425
التي كانوا بسبيلها. وقيل: نزلت بسبب خصومة الأشعث بن القيس مع رجل من اليهود في أرض فوجبت اليمين على اليهودي، فقال الأشعث: إذًا يحلف يا رسول الله، ويذهب بمالي، فنزلت.
وقيل: إن الأشعث اختصم في أرض مع رجل من قرابته فوجبت اليمين على الأشعث، وكان في الحقيقة مبطلًا قد غصب تلك الأرض في جاهليته، فنزلت الآية، فنكل الأشعث عن اليمين وتحرج وأعطى الأرض وزاد من عنده أرضًا أخرى. وقيل الآية بسبب رجل أقام سلعة في السوق أول النهار، فلما كان من آخره جاء رجل يساومه فحلف حانثًا لقد منعها في أول النهار من كذا وكذا ولولا المساء ما باعها، وفنزلت الآية.
واختلف العلماء في من قال: ((علي عهد الله))، فقال مالك وجماعة: من حلف بذلك وحنث فعليه الكفارة سواء نوى اليمين أم لا.
стр. 426
وقال عطاء: ليس ذلك بيمين إلا أن ينوي اليمين، وهو قول الشافعي.
وحكي عن أحمد أنه ليس في العهد كفارة، قال: هي أعظم من أن يكون فيها كفارة.
وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ الآية، فخص عهد الله بالتقدمة على سائر الأيمان، فدل على تأكيد الحلف به، ولذلك قال إبراهيم: كانوا ينهونا عن الحلف بالعهد، وليس ذلك إلا لغلظ اليمين به وخشية التقصير في الوفاء به، وقال تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ الآية [التوبة: ٧٥]، فذمهم على ترك الوفاء.
وقال ابن القصار: مما احتج به قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ [النحل: ٩١]، فأمر بالوفاء ثم بعهده ثم عطف بقوله: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾، ولم يتقدم غير العهد، فعلمنا أنه يمين مؤكد. واختلف في اليمين الغموس هل فيه كفارة؟ وفي الآية حجة
стр. 427
لقول الجمهور من العلماء في أن الكفارة فيها؛ لأنه تعالى ذكر في هذه اليمين المقصود بها الحنث والعصيان والعقوبة والإثم، ولم يذكر فيها الكفارة. فدل ذلك على أن ليس فيها كفارة، وقد قال النبي ﷺ : ((من حلف على يمين صبر يقتطع بها من مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غصبان)).
وقال سعيد ابن المسيب: اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية.
(٨٥) - قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ .
اختلف الناس في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ وليس في هذه الآية دليل على أحد القولين. ونبه تعالى بهذه الآية على أنه لا يقبل من آدمي غير دين الإسلام، وهو دين كل من سمى الأنبياء قبل هذه الآية. وهي الحنيفية السمحة،
стр. 428
كذا قال جماعة من المفسرين. وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية، قال أهل الملل للنبي ﷺ : قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون، فقال الله تعالى له: ((حجهم يا محمد))، وأنزل عليه: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ [آل عمران: ٩٦]، فحج المسلمون وقعد الكفار. وذكر عن ابن عباس أنه قال: نزلت ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٦٢]، ثم أنزل الله تعالى بعدها: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ الآية [آل عمران: ٨٥].
وهذه إشارة إلى النسخ، وقال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلم دينًا﴾ الآية نزلت في الحارث بن سويد وكان مسلمًا ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إليه قومه أن يسألوا رسول الله ﷺ : هل لي من توبة؟ قال: فنزلت، فأرسل إليه قومه فأسلم. وقال السدي: نسخ الله تعالى بقوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [آل عمران: ٨٩]، قوله: ﴿أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله﴾ [آل عمران: ٨٧]، وهذا الذي ذكره لا يصح على حقيقة النسخ. وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب والحارث بن سويد وابن الأسلت في اثني عشر رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهليهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت الآية.
стр. 429
وقال ابن عباس أيضًا والحسن بن أبي الحسن: نزلت في اليهود والنصارى شهدوا مبعث النبي ﷺ وآمنوا به، وقال بعضهم: نزلت في طعمة بن أبيرق.
وفي هذه الآية دليل على قبول توبة المرتد، خلافًا لمن لم يقبلها.
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة عند قوله: ﴿ومن يرتد منكم عن دينه﴾ [البقرة: ٢١٧].
(٩٠) - قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾:
اختلف المفسرون في الكفر المزداد ما هو؟ فقال الحسن وغيره: الآية في اليهود، كفروا بعيسى ﵇ بعد الإيمان بموسى ﵇، ثم ازدادوا كفرًا بسيدنا محمد ﷺ . وفي هذا القول ضعف؛ لأن الكافرين بعيسى بعد الإيمان بموسى ليسوا الكافرين بسيدنا محمد ﷺ . وقال أبو العالية: الآية نزلت في اليهود كفروا بسيدنا محمد ﷺ بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم أنها في التوراة، ثم ازدادوا كفرًا بالذنوب التي أصابوها في خلاف النبي ﷺ بالكفر والافتراء والسعي على الإسلام وغير ذلك. ويدخل في الآية على هذا القول المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم. وقال مجاهد: ازدادوا كفرًا أي ثبتوا على كفرهم حتى بلغوا الموت به، فهذا قول عام، ثم أخبر تعالى عن توبة
стр. 430
هؤلاء غير مقبولة؛ فإن قيل: وكيف يصح ذلك على قولكم: إن توبة التوبة مقبولة، وقد قال تعالى: إنها غير مقبولة، فكيف الانحلال عن هذه الأنشوطة؟
فالجواب أن العلماء قد اختلفوا في تأويل ذلك، فقال الحسن وغيره: نفي قبول توبتهم مختص بوقت الحشرجة والغرغرة والمعاينة. وقال أبو العالية: المعنى لن تقبل توبتهم من تلك الذنوب التي أصابوها مع إقامتهم على الكفر بسيدنا محمد ﷺ ، فإنهم كانوا يقولون في بعض الأحيان: نحن نتوب من هذه الأفعال وهم مقيمون على كفرهم، فأخبر الله تعالى أنه لن تقبل تلك التوبة. وقال بعض المفسرين: إن الإشارة بالآية إلى قوم معينين ختم الله عليهم بالكفر، وجعل ذلك جزاء لجرمهم، وهم الذين أسار إليهم بقوله تعالى: ﴿كيف يهدي الله قومًا﴾ الآية [آل عمران: ٨٦]، فأخبر عنهم أنه لا يكون لهم توبة فيتصور قبولها، فتجيء كقول علقمة: ((علي لا حب لا يهتدي بمنارة))، أي ليس لهم توبة فتقبل كما أنه
стр. 431
ليس ثم منار فيهتدى به. وهذا قول ضعيف لا يخلص عند السبر؛ لأن الآية بعدها تغني عن ذلك، وإن جعل الأولى خاصة والأخرى عامة، فمن يسلم له هذا. هذا، ولعل ذلك بالعكس بل لعلهما عامتان وهو الأظهر عندي.
(٩٧) - قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾:
تضمنت هذه الآية أن الأمن إنما يكون للداخل الذي يجني خارج الحرم ثم يلجأ إليه. وأما الجاني فيه فبخلاف ذلك، فالأكثر على إقامة الحد عليه فيه، حلافًا لمن منع ذلك من أهل العلم وحجة الجمهور ظاهر هذه الآية. وقد اختلف الناس أيضًا فيمن أصاب حدًا في غير الحرم من قتل أو زنا أو سرقة أو نحو ذلك، ثم لجأ إلى الحرم على حسب اختلافهم في تأويل هذه الآية، وهل هي محكمة أو منسوخة؟
فقال قوم: بنص الآية أنه آمن لا يقام عليه حد ولا يخرج من الحرم لذلك حتى يخرج بنفسه، ولكنه لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم حتى يخرج، فيؤخذ بما يجب عليه، وإن أتى في الحرم حدًا أقيم ذلك عليه
стр. 432
فيه. روي ذلك عن ابن عباس وهو قول عطاء وغيره. واحتج أهل هذا القول بظاهر قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾، قالوا: فجعل الله تعالى بيته آمنًا لمن دخله، فداخله آمن من كل شيء وجب عليه حتى يخرج عنه، من أتى فيه حدًا فالواجب على السلطان أخذه؛ لأنه ليس ممن دخله مستجيرًا به، وإنما جعله الله تعالى أمنًا لمن دخله من غيره، وعلتهم في أنه لا يكلم حتى يخرج، أن يكون سببًا لخروجه وأخذ الحد.
وقال قوم: لا يخرج من لجأ إلى الحم حتى يخرج منه ولم يحظروا مبايعته ولا مجالسته، وروي ذلك عن ابن عمر قال: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجرته. وحجتهم قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾.
قالوا: ومن كان خائفًا من الاحتيال عليه فإنه غير آمن، فغير جائز إذايته بالامتناع من مكالمته وغير ذلك مما يضطره إلى الخروج.
وقال أبو حنيفة: تقام في سائر الحدود الواقعة في غير الحرم سوى القتل والرجم في الزنا، وهذا ضعيف؛ فإن الأمن إذا اعتبر لم يتحقق مع إقامة سائر الحدود. وقال قوم: لا يجير الحرم ظالمًا، ومن اتى فيه ما يوجب حده أو لجأ إليه ممن وجب عليه حد أقيم عليه
стр. 433
الحد وحيث وجد منه؛ لما جاء في الحديث الصحيح من أن الحرم لا يجير عاصيًا ولا فارًا بدم ولا فارًا بجزية، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي رحمهما الله.
واحتج بعض أصحابنا بأن النبي ﷺ قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، لم تعذه الكعبة، وهذا القول أولى بالصواب؛ لأن الله تعالى أمر بإقامة الحدود ولم يخص بها مكانًا دو مكان. ومما يشهد لذلك أمرا النبي ﷺ بقتل الفواسق والمؤذية فيقوم الدليل من هذا أن كل فاسق استعاذ بالحرم أخذ بجريمته.
واختلف الذين ذهبوا إلى هذا القول في تأويل قوله: ﴿كان آمنًا﴾، فقيل: كان ذلك في الجاهلية، ثم نسخ. وهذا قول
стр. 434
ضعيف، وقيل: إن ((من)) هنا لمن لا يعقل، والآية في أمان الصيد، وهو قول شاذ. قال يحيى بن جعدة في معنى الآية: أي أن من دخل البيت كان آمنًا من النار.
واختلف الناس في قوله تعالى: ﴿مقام إبراهيم﴾ أي مقام هو، فقيل: هو الحجر المعروف، وقيل: البيت كله، وقيل: مكة كلها، وقيل: الحرم. والضمير في قوله: ((ومن دخله)) يجوز أن يعود على المقام، ويجوز أن يعود على البيت، وهو قول الجمهور، وقالوا: إن المعنى يفهم منه أنه من دخل الحرم فهو في الأمن، إذ الحرم حرم للبيت، إذ هو بسببه ولحرمته.
(٩٧) - قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾:
اختلف الناس في هذه الآية: هل هي من مجمل القرآن أو من عامه على قولين مشهورين:
قول مالك وأكثر الفقهاء أنها عامة، والآية الأخرى خبر في معنى الأمر.
وقد أجمع العلماء على أن على الإنسان في عمره حجة واحدة إذا كان مستطيعًا. واحتلفوا في الاستطاعة: فزعم قوم أنه من قدر على
стр. 435
الوصول إلى البيت راجلًا أو راكبًا مع السبيل الآمنة المسلوكة فهو مستطيع، وإلى هذا ذهب مالك في المشهور عنه وغيره. وزعم قوم: أن الاستطاعة الزاد والراحلة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وغيرهم. وروي نحوه عن مالك، وحجة قول مالك المشهور عنه قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سيبلًا﴾، وإذا كانت الحال التي ذكرنا فالاستطاعة موجودة، وقوله تعالى: ﴿يأتوك رجالًا﴾ الآية [الحج: ٢٧].
ومن حجة أهل القول الثاني ما وري عن النبي ﷺ من قوله: ((السبيل: الزاد والراحلة))، وهذا الحديث أحد رواته ابن معين وغيره، مع أن التأويل يدخله دخولًا حسنًا.
واختلف في الحج مع لزوم الغرامة، فمنع من ذلك بعض أصحاب مالك جملة، ورأى أن فرض الحج قد سقط بذلك. وذهب أكثرهم إلى أن الغرامة الكثيرة تسقط الفرض واليسيرة لا تسقطه، وهذا القول أظهر؛ لأن الاستطاعة مع هذا موجودة إذا كان ما يغرمه لا يشق عليه وجوده، فهو ممن أوجب الله تعالى الحج عليه بقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ الآية.
стр. 436
واختلف قول مالك فيم يخرج إلى الحج على أن يسال جائيًا وذاهبًا، وليست تلك عادته في إقامته؛ فروى عن هـ ابن وهب أنه قال: لا بأس بذلك. وقيل له: فأن مات في الطريق؟ قال: حسابه على الله.
وروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا أرى للذين لا يجدون ما ينفقون أن يخرجوا إلى الحج والغزو ويسألون، وإني لأكره ذلك؛ لقول الله : ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾.
واختلف في الابن غذا بذل للأب الاستطاعة التي هي المال، هل يلزمه فرض الحج أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يلزمه الفرض؛ لأنه غير مستطيع بنفسه فلا يلزمه قبوله. وقال الشافعي: يلزمه قبول الاستطاعة لأنه صار بمنزلة الواجد، ودليلنا قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] وقال: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩].
واختلف فيمن مات ولم يحج هل يحج عنه من ماله أم لا؟ فقال مالك: لا يحج عنه إلا أن يوصي به. وقال الشافعي: يلزم الحج عنه من رأس ماله، ودليل قول مالك الآية المذكورة ومعناها أن يحجوا بأنفسهم، وذلك ممتنع بعد الموت.
стр. 437
واختلف أيضًا في المعصوب الذي لا يتمسك على الراحلة هل يلزمه أن يحج عنه غيره من ماله أم لا؟
ففي المذهب أن لا يلزمه، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه مستطيع يلزمه أن يخرج غيره يؤدي عنه الحج.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلًا﴾، فأخبر عن صفة التكليف، وهو أن يفعله بنفسه فانتفى بذلك وجوبه على خلاف هذه الصفة.
واختلف في الأعمى، ففي المذهب أن الحج يلزمه إذا وجد من يهديه الطريق؛ لأنه مستطيع إذا كان على تلك الحال. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يخرج غيره يحج عنه ودليلنا ما قدمناه في المسألة التي قبل هذه.
واختلف في الطريق إذا كان على البحر هل يسقط؟ وهذا عندنا إنما هو إذا كان البحر شديد الخوف والغالب فيه الغرر. وأما البحار المسلوكة التي يتصرف فيها التجار فلا تقع من وجوب الحج. والدليل على ذلك أت الاستطاعة هي القدرة إما بالدين أو بالمال، وهذا قادر، فهو إذن مستطيع. وقد قال تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلًا﴾. وذكر ابن شعبان لمالك قولًا مثل قول الشافعي، واحتج بقوله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا﴾ [الحج: ٢٧].
واختلف في حج النساء ماشيات مع القدرة على ذلك: فجمهور أهل المذهب أنهن والرجال في ذلك سواء، فعليهم أن يمشين. وروي
стр. 438
عنه أنه لا حج عليها إذا كانت لا تحج ماشية، قال: لأن المشي منها عورة إلا أن يكون المكان قريبًا من مكة. والقول الأول أظهر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ لعموم الآية، وهذه مستطيعة، وهي داخلة تحت لفظ الناس.
واختلف في ذي المحرم هل هو من شرط الاستطاعة في المراة أم لا؟
ففي المذهب وغيره أنها تحج إن لم يكن لها محرم إذا وجدت رفقة مأمون. وقال أبو حنيفة: المحرم من الاستطاعة، ودليلنا قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلًا﴾ فعم.
واختلف هل للزوج أن يمنع المرأة من حج الفريضة أم لا؟ فالجمهور على أنه ليس له منعها. واضطرب قول الشافعي في ذلك، من حجة الجمهور أن الله تعالى قد فرض عليها الحج، بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ الآية، وما هو فرض عليها فلن يسقطه الزوج.
واختلف في العبد يحج هل يجزيه عن حج الفريضة إذا أعتق،
стр. 439
فالجمهور على أنه لا يجزيه. وقال داود بن علي: يجزيه، وحكى الرازي هذا عن الشافعي، وهو منه غلط. وهذا مبني على أن الخطاب هل يدخل تحته العبد أم لا؟ وفيه خلاف بين الأصوليين، فمنهم من لا يدخله فيه إلا بدليل، وهو قول ضعيف، ومنهم من يدخله تحته حتى يخرج منه بدليل، وهذا أصح في النظر، كذا اختلف في الصغير إذا حج أو حُج به هل يجزيه عن حجة الفريضة أم لا؟ فالجمهور على أنه لا يجزيه، وشذت فرقة فأجازت حجه تعلقًا بحديث ابن عباس في المرأة التي قالت: ((ألهذا حج يا رسول الله؟ )) قال: ((نعم ولك أجر))، وبظاهر الآية. وحجة الجمهور أن الخطاب قاصر عن الصبي والعبد؛ لأن من شرط الخطاب الحرية والبلوغ فلا يتعلق بالعبد والصبي.
وإن قلنا: إنهما داخلان تحت الخطاب، فإنهما خارجان عنه بدليل. وقد روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((أيما صبي حج ثم أدرك فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى))، وهذا إذا صح أغنى عن تكلف كل معنى.
واختلف في الحج: هل هو على الفور أم على التراخي؟ على
стр. 440
قولين: لمالك ما يدل على كلا القولين لكن الذي عليه رؤساء المذهب والمنصوص عن مالك انه على الفور، لا يجوز تأخيره إلا من عذر، ومن حجة بعضهم في أنه على الفور أن الأوامر عندهم على الفور، قالوا: فكذلك الإيجاب المطلق، يعنون أن قوله تعالى: ﴿ولله على الناس﴾ الآية إيجاب مطلق فهو على الفور كالأمر.
(٩٧) - قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾:
اختلف في تأويله، فقال ابن عباس: أي من زعم أن الحج ليس بفرض، ففسر الكفر بذلك، وقال قوم: المعنى من كفر بالله، وقيل: المعنى من كفر بهذه الآيات التي في البيت. وقيل: المعنى من كفر بأن من وجد ما يحج به ثم لم يحج، وهذا التأويل موافق لم ذهب إليه ابن حبيب وانفرد به دون سائر أهل العلم من أن الحج والصيام والزكاة مثل الصلاة من ترك فعل شيء منها وإن كان مقر بفرضها فهو كافر، وإنما قال جماعة من أهل العلم ذلك في ترك الصلاة خاصة. وأما مالك والشافعي وجمهور أهل العلم فلا يرون التكفير بشيء من ذلك، وإنما اختلفوا هل يقتل أو يؤدب بالضرب والسجن.
(١٠٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ .
الخطاب بهذه الآية يعم جميع المؤمنين، والمقصود وقت نزولها
стр. 441
الأوس والخرزج الذين شجر بينهم بسعاية شاس بن قيس ما شجر.
واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿حق تقاته﴾، فقالت فرقة: الآية على عموم لفظها وألزمت الآية تقوى الله غاية التقوى حتى لا يقع إخلال بشيء من الأشياء. ثم إن الله تعالى نسخ ذلك عن الأمة بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وبقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال كذلك قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن زيد وغيرهم، وقالت جماعة من أهل العلم: لا نسخ في شيء من هذا، معنى الآية: ﴿اتقوا اله حق تقاته﴾ فيما استطعتم.
(١٠٣) - قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا﴾:
اختلف في حبل الله المراد به: فقيل: عهده، وقيل: القرآن.
وقوله: ﴿ولا تفرقوا﴾ يحتمل أن يكون التفرق في أصول الدين، ويحتمل أن يكون ذلك نهيًا عن التقاطع والتدابر، ويدل عليه ما بعده من الآية.
وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن الاختلاف فيها سبب استخراج الغوامض ودقائق معنى الشرع. وما زالت الصحابة مختلفين في أحكام الحوادث، وهو مع ذلك يتواصلون. وقال رسول الله ﷺ في مثل ذلك: ((اختلاف أمتي رحمة)).
(١٠٤) - وقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف﴾ الآية:
هذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض،
стр. 442
لكنه فرض على الكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة﴾ الآية. وقد ورد الأمر بذلك في غير ما آية، ووردت أخبار كثيرة أوفاها ما ذكره أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ((من رأى منكم منكرًا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). وأما قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة: ١٠٥]، فإنما يعني به من علم أنه لا يقبل الأمر ولا يقدر على منعه من الظلم، فحينئذ يقال للناهي عن المنكر: عليك بنفسك، ولا يجعل هذا ناسخًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما إذا أمكن إزالة باللسان لم يتجاوز إلى العقوبة باليد، وإن انتهى بدون القتل لم يتجاوز إليه، وإن لم ينته بما دونه جاز القتل. ويؤخذ هذا من قوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩]، وعليه يبني الشافعي دفع الصائل على النفس والمال أنه جائز ولا شيء على الدافع يدفع عن نفسه وماله وعن نفس يره أو ماله، وذلك مثل أن تصول بهيمة أو مجنون على مال رجل أو نفسه فيجوز عنده للموصل عليه، ولغيره قتله
стр. 443
ولا ضمان عليه، وهو من قبيل النهي عن المنكر. وأبو حنيفة يخالف في هذا الأصل؛ لأنه يرى أن الفاعل ليس ظالمًا بفعله. ويجوز للإنسان أن يترك الصائل على ماله ولا يدفعه، وفي تركه الدفع عن نفسه اختلاف. ومن هذا الباب أنه إذا كان في بلد الإسلام من يضل الناس بشبهة بعة، فإنه تجب إزالته بما يمكن، فإنه نهي عن منكر، فإن لم يكن داعيًا للناي إلى ضلالته أزيل ذلك بإقامة الدليل على فساد شبهته وتبيين الحق له. وإن دعا الناس إلى شبهة وخرج مقاتلًا على ذلك فهو الباغي الذي أمر الله تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله.
(١١٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾:
نهى الله تعالى بهذه الآية عن أن يتخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمرهم ويفاوضوهم في الآراء ويستندون إليهم.
وقوله: ﴿من دونكم﴾: يعني من دون المؤمنين. وقال ابن عباس: كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالًا من اليهود، للجوار والحلف الذي كان بينهم في الجاهلية فنزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضًا وقتادة والسدي والربيع: نزلت في المنافقين نهى الله المؤمنين عنهم. روى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تستضيؤوا بنار الكفار ولا تنقشوا في خواتمكم عربيًا)).
стр. 444
فسره الحسن بن أبي الحسن، فقال: أراد ﵊: لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، ولا تنقشوا في خواتمكم محمدًا، يؤخذ من هذه الآية أنه لا يجوز استكتاب أهل الذمة.
وتصريفهم في البيع والشراء والاستتابة. وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميًا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية، قيل لعمر: إن ها هنا رجالًا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منهم ولا أخط بقلم، أفلا يكتبون عنك؟ فقال: إذا اتخذ بطانة من دون المؤمنين؟
وقد اختلف في استغاثة المشركين وإعانتهم: فلم يجز ذلك مالك وأجازه أبو حنيفة والشافعي. ودليلنا عليهم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا بطانة من دونكم﴾ الآية، وقوله: ﴿وما كنت متخذ المضلين عضدًا﴾ [الكهف: ٥١]، وقوله في المنافقين: ﴿لو خرحوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، وقال ﵊: ((لا أستعين بمشرك)).
واختلف في الاستعانة بأهل الذمة وأهل الحرب إذا دخلوا بأمان على أهل البغي. فقال الشافعي: لا يجوز ذلك. وقال أصحاب الرأي: لا بأس بذلك، وحجة القول الآية.
(١٢٨) - قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾:
стр. 445
اختلف الناس في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا؟ فزعم بعض الكوفيين أنها ناسخة للقنوت الذي كان النبي ﷺ يفعله في الصبح. وذلك أنه كان يدعو على قوم ويلعنهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾.
وذهب أكثر العلماء إلى أن هذا ليس بناسخ، وإنما هو زيادة فائدة اقتدى النبي ﷺ بها، ولو كان النسخ صحيحًا لم يجز أن يلعن المنافقين، وهذا هو الصحيح أنها غير ناسخة لشيء، وإنما نزلت على ما روي حين هزم وشج في وجهه حتى دخلت بعض حلق الدرع في خده وكسرت رباعيته وارتث بالحجارة حتى صلاع لجنبه وتحيز ﷺ عن الملحمة وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: ((لا يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم)) فنزلت الآية، وكان النبي ﷺ عل ما قيل، لما لحقته في تلك الحال من اليأس من فلاح قريش، فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم ويريح منهم، فروي أنه دعا على أبي سفيان، والحارث بن هشام، وصفوان بن أمية باللعنة إلى غير هذا من معناه، فقيل له بسبب ذلك: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ أي عواقب الأمور بيد الله تعالى فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك.
وقد اختلف في الدعاء على الكفار والمنافقين وفي غير ذلك من حوائج الدنيا والآخرة في الصلاة، فأجازه أكثر العلماء، ولم يروا الآية ناسخة لشيء من الدعاء في الصلاة. ومنع الكوفيون أن يدعى في الصلاة إلا بما
стр. 446
في القرآن، فمن أجل ذلك جعلوا هذا ناسخًا للقنوت. وروي عن ابن سيرين أنه قال: يجوز أن يدعى في المكتوبة بأمر الآخرة فأما بأمر الدنيا فلا، فقال له ابن عون: ((أليس في القرآن: ﴿واسألوا الله من فضله﴾)) [النساء: ٣٢].
стр. 447
سورة النساء
هذه السورة مدنية، وفيها من الأحكام والناسخ والمنسوخ مواضع.
(١) - قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾:
يدل على تأكيد الأمر بصلة الرحم والمنع من قطيعتها، والرحم اسم لكافة القرابة من غير فرق بين المحرم وغيره. [وأبو حنيفة يعتبر] في الرحم المحرم من منع الرجوع في الهبة، فلا يجوز الرجوع في الهبة لهم ويجوز الرجوع لغيرهم من الأقارب والأجنبيين مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بحق بني الأعمام والميراث والولاية وغيرهما من الأحكام، واعتبار المحرم زيادة على ما في الكتاب من غير مستند. وهم
стр. 448
يرون ذلك نسخًا صحيحًا. والشافعي يجوز في أحد أقواله الرجوع من حق الأبوين والأجداد دون غيرهم من الأقارب والأجانب. وأما مالك فلا يجيزه إلا من حق الأبوين.
(١) - قوله تعالى: ﴿وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء﴾:
احتلف في الخنثى هل يكون مشكلًا أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنه لا يكون مشكلًا، وأنه لا بد إما أن يكون ذكرًا أو أنثى، وإما أن يكن مشكلًا حتى يقال فيه: ليس بذكر ولا أنثى، فلا.
وذهب أكثرهم إلى أنه يكون مشكلًا، لا يكون ذكرًا ولا أنثى، وعلى هذا الاختلاف ينبني اختلافهم في توريثه، وذلك إذا تكافأت فيه دلائل الذكورة والأنوثة لأنه إن لم يتكافآ كان الحكم للدليل الغالب، وذلك أن بعضهم قال: يورث نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى.
وهذا القول يأتي على القول بأنه مشكل، وقيل: يعطى
стр. 449
نصيب أنثى ثم يقسم له ما بقي من حظ ذكر بينه وبين من ينازعه من الورثة على وجه التداعي، وقيل: يعطى الحظين، حظ الأنثى وحظ الذكر أيهما كان أقل له أخذه، وهذه الأقوال تنبني على القول بأنه لا يكن مشكلًا.
(٢) - قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ إلى قوله: ﴿وإن خفتم﴾ الآية .
روي عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية كرهوا أن يخالطوهم، فجعلوا يعزلون مال اليتيم من أموالهم فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ لأجل ما يدخل على الأيتام من فساد أموالهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠] الآية.
فمعنى قوله: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾، أي آتوا اليتامى الذين لم يبلغوا أموالهم للأكل والشرب واللباس والسكنى، فالآية على هذا يحتمل أن تكون مبنية، ويحتمل أن يقال فيها أنها ناسخة. ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ يعني به البالغ وسماه يتيمًا لقرب عهده بالبلوغ، والظاهر منه أنهم يؤتون أموالهم بمعنى التسليط عليها، ولا بمعنى الإطعام والكسوة ونهى الولي عن إمساك ماله بعد البلوغ عنه، ولذلك لم يشترط الرشد هنا واشترط إيناس الرشد والابتلاء في قوله: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦] الآية، فكان ذلك مطلقًا وهذا مقيد. وذكر الرازي في
стр. 450
أحكام القرآن أنه لما لم يقيد بالرشد في موضع وقيد في موضع وجب استعمالهما والجمع بينهما، فأقول: إذا بلغ حمسًا وعشرين سنة، وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد وجب دفع المال إليه، وإن كان دون ذلك لم يجب عملًا بالآيتين. وهذا في غابة البعد؛ لأن اليتيم إنما يطلق عليه قبل البلوغ حقيقة وقرب العهد بالبلوغ مجازًا، فأما أن يقال: أنه يتناول ابن خمس وعشرين سنة فصاعدًا إلى مائة فهو جهل عظيم. والعجب أن أبا حنيفة إنما أطلقه من الحجر لأنه قد بلغ رشده وصار يصلح أن يكون جدًا، فإذا صار يصلح أن يكون جدًا فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم أو باسم اليتيم، وهل لذلك إلا في غاية البعد.
(٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾:
قال مجاهد وأبو صالح: أي لا تتبدلوا الحرام بالحلال.
وقال ابن المسيب والزهري وغيرهما: لا تعطوهم زيوفا بجياد ولا مهزولًا بسمين.
(٢) - وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾:
قيل: معناه لا تخلطوا أموالهم إلى أموالكم لتأكلوا الجميع، يروى عن مجاهد وغيره. وقال الحسن: هي منسوخة بقوله: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقد تقدم. وقيل: المعنى ال تربح على
стр. 451
يتيمك في شيء تهواه عندك وهو جاهل به. و ﴿إلى﴾ على بابها.
والمعنى: لا تضموها في الأكل إلى أموالكم، وقيل: هي بمعنى ((مع)).
(٣) - (٥) - قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ إلى قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ الآية:
اختلف في تأويل هذه الآية، فقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما: المعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء، وقالت عائشة ﵂: هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها أدنى من سنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا فيهن فيكملوا الصداق، أمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قالت: ثم استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ [النساء: ١٢٧]، أي: والذي يتلى عليكم في الكتاب قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ الآية، قالت عائشة: وقوله تعالى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ [النساء: ١٢٧]، رغبة أحدكم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال.
وروي عن مجاهد أن المعنى: وإن تحرجتم من أكل أموال اليتامى فتحرجوا من الزنا وانكحوا النساء نكاحًا طيبًا. وفي تفسير عائشة رضي الله
стр. 452
عنها الآية من الفقه ما قال به مالك في صداق المثل، والرد إليه فيما فسد صداقه أو وقع الغبن في مقداره لقولها: من سنة صداقها، فوجب أن يكون الصداق معروفًا لكل طبقة من الناس على قدر أحوالهم. وإذا كان الله تعالى قد نهى عن نكاح اليتيمة حتى تبلغ صداق مثلها، فواجب أن لا يكون نكاح بقبضة تبن ولا بما لا خطر له، كما قال جماعة من العلماء منهم ابن وهب. وفيه أن اليتيمة ذات الوصي لا يجوز أن يزوجها الوصي بأقل من صداق مثلها، وهذا مذهب مالك. خلاف مذهب ابن القاسم في أن ذلك جائز له على وجه النظر: إلا أنه شرط رضاها، وفي ذلك نظر. واختلف في اليتيمة التي لها ولي وليس بوصي هل يجوز رضاها بأقل من صداقها أم لا؟ على قولين منصوصين. والأظهر أن ليس لها ذلك لأنها يتيمة، فهي على تفسير عائشة داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾. وفيه أن المرأة غير اليتيمة جائز أن تنكح بأدنى من صداق مثلها؛ لأنه إنما حرم ذلك في اليتامى وأباحه في غيرهن، كذات الأب لأبيها أن يزوجها بأقل من مهر مثلها، خلافًا للشافعي في قوله: ليس لأبيها ذلك، وكالثيب التي لا حجر عليها، جائزلها أن ترضى بأقل من مهر مثلها، وليس للولي في ذلك قول خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن مهر المثل من الكفاءة. وفيه أن
стр. 453
ولي اليتيمة له أن ينكحها من نفسه إذا عدل في صداقها، وهو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما.
وقال الشافعي وغيره: لا يجوز أن يزوجها هو من نفسه، وقد جاء عن مالك الكراهية في أن يزوج الرجل وليته من نفسه أو من ابنه. وقع ذلك في ((الواضحة)). وفي الآية دليل على أن الولي شرط في النكاح، خلافًا لمن يجيز النكاح بغير ولي جملة، دنية كانت المرأة أو شريفة؛ لأن الله تعالى خاطب بإنكاح اليتامى والأولياء، ولولا أن أمر نكاحهم إليهم لما خاطبهم بذلك، ومثل هذا الكتاب العزيز كثير؛ كقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢]، وقوله: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقد تقدم. وأما تفرقة أهل الظاهر بين البكر والثيب في ذلك، وقولهم: إن كانت بكرًا فلا بد من ولي، وإن كانت ثيبًا فلا تحتاج إلى ولي فلا وجه له، وهو خلاف ظاهر الآية، لأن الله تعالى لم يخص بالخطاب ولي الثيب دون ولي البكر.
واحتج أبو حنيفة ومحمد بن الحسن بهذه الآية، في أنه يجوز للولي
стр. 454
أن يزوج من نفسه اليتيمة التي لم تبلغ. ورأيا أن المراد باليتامى في الآية اللائي هن على تلك الصفة، وهي التي لا أمر لها في صداقها، فأما من هي بالغ فلها الأمر في صداقها، ولها أن تراضي وليها على ما شاءت ثم يتزوجها على ذلك فيكون لها حلالًا؛ كما قال تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه﴾.
وهذا لا يجوز عند مالك والشافعي وغيرهما، ويفسخ هذا النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده. ومن الحجة على أبي حنيفة ومن تابعه أنه قد يكون في اليتامى من تجوز حد البلوغ وهي بعد سفيهة، فلا يجوز بيعها ولا شيء من أفعالها؛ فأمر الله تعالى أولياءهن بالإقساط لهن في صدقاتهن، فليس هو أولى بالتأويل ممن عارضه، وتأويل الآية في اليتيمة البالغ السفيهة أو في جميع اليتامى. وقد اختلف في اليتيمة غير البالغ هل يجوز تزويجها قبل البلوغ بغير الأب أم لا؟ فلم يجز ذلك مالك. ورأى أن عموم قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ مخصص باليتيمة البالغ، وأجازه في رواية أخرى عنه إذا كانت ذات حاجة، وأجازه غيره كيفما كانت، واحتج بعموم هذه الآية.
فيترتب على هذا الخلاف في اليتامى: هل المراد بهن البوالغ خاصة أم
стр. 455
لا؟ ومن حجة من خصه بالبالغ أن عائشة قالت: ثم استفتوا رسول الله ﷺ فنزلت: ﴿ويستفتونك في النساء﴾، والصغار لا يسمين نساء، فإن قيل: اليتيم حقيقة في الصغيرة: وقد قال ﵊: ((لا يُتم بعد حلم))، واسم النساء يتناول الصغيرة في قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، وقوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢].
فيقال في الجواب عنه: إن اسم النساء في قبيل الإناث كاسم الرجال في قبيل الذكور، واسم الرجال لا يتناول الصغير، واسم النساء والمرأة لا يتناول الصغيرة والصغائر والآيات التي وقع الاستشهاد بها يمكن أن يكون اللفظ لغير الصغيرة، ولكن يثبت مثل ذلك الحكم في الصغيرة بدليل الإجماع واليتم يطلق على البوالغ مجازًا، بدليل أنه ذكر النساء ولا يمكن تعطيل لفظ النساء الذي هو حقيقة في البالغات؛ فإن قيل: فإن كان المراد بذلك البالغ فكيف يتجه قول من يجوز لها النكاح بأقل من مهر
стр. 456
المثل برضاها، فالجواب أن يكون معنى الآية أن يستضعفها الولي ويستولي على مالها وهي لا تقدر على مقاومته، وإذا ثبت أن المراد بالآية البالغ لم يكن في كتاب الله تعالى ما يدل على جواز تزويج الصغيرة، وقد صار ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء الصغار لا يجوز وهو مذهب ابن القاسم لا الأصم، لما في ذلك من تفويتها لغير تعجيل مصلحة. وقد استدل قوم على جواز تزويج الصغيرة بقوله تعالى: ﴿واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤]، فحكم بصحة طلاق الصغيرة، والطلاق لا يقع إلا بعد نكاح صحيح، إلا أن يقال: ليس في القرآن ذكر الطلاق وإنما فيه ذكر العدة، والعدة قد تتصور بالنكاح الفاسد أو على حكم الشبهة، أو في حق الأمة تزوجها مولاتها، وهي صغيرة توطأ وللاعتماد على ما روى عن النبي ﷺ أنه تزوج عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين.
(٣) - وقوله تعالى: ﴿ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾:
هذه الآية على ما قال الضحاك والحسن وغيرهما ناسخة لما كان في
стр. 457
الجاهلية، وفي أول الإسلام من أنه كان للرجل أن يتزوج ما شاء له من الحرائر فقصرتهم الآية على أربع، فلا يجوز الجمع بين أكثر من أربع لظاهر هذه الآية، وقد ذهب قوم لا يعبأ بخلافهم إلى أنه يجوز الجمع بين تسع. واحتجوا بأن معنى قوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ يفيد الجمع بين العدد، بدليل أنه ﵊ مات عن تسع، ولنا فيه أسوة حسنة. وقال قوم أيضًا، لا يعد خلافهم: يجوز أي عدد كان قليلًا أو كثيرًا، وقالوا: إن معنى الآية أن ينكح اثنتين وثلاثًا وأربعًا إلى ما كان من العدد، واستغنى بذكر بعض الأعداد عن استقصائها، وهذا كما تقول: قرأت: ((أ، ب)). . . تريد جميع حروف أبجد، ولكن تقتصر على بعضها، وهذا في كلام العرب كثير. وحجة أهل القول الأول أن أهل التفسير اتفقوا في تأويل هذه الآية على أنه أراد التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن ذلك اللفظ المختصر غير الموهم، وهو تسع، إلى لفظ غير مختصر موهم وهو مثنى ثلاث ورباع، فلما كان ذلك علمان أن المعنى مثنى مثنى، وثلاث ثلاث، ورباع رباع؛ فإن التخيير كقوله: ﴿أولي أجنحة﴾ مثنى وثلاث
стр. 458
ورباع. وأما احتجاجهم بالنبي ﷺ ، فإنه كان مخصوصًا بذلك كام خص بأن ينكح بغير صداق وأن لا تنكح أزواجه من بعده. وقد روي أن غيلان بن سلمة أسلم عن عشر نسوة، فقال النبي ﷺ : ((اختر منهن أربعة وفارق سائرهن)).
وأما قول من أجاز الجمع بين القليل والكثير، فقول ظاهر الفساد في العربية وترده الآثار، ولولا أن بعض أهل الخلاف ذكر هذين القولين لأعرضت عن ذكرهما، واختلفوا في العبد هل له أن يتزوج أربعًا أم ليس له أن يتزوج إلا اثنتين، فقال أهل الظاهر وجماعة معهم: إن للعبد أن يتزوج أربعًا. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يتزوج إلا اثنتين. وعن مالك في ذلك روايتان. ودليل إجازة ذلك قوله: ﴿فانحكوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، فعم واختلف هل للحر أن يتزوج أربع مملوكات إذا خشي العنة أم لا؟
فذهب مالك ومن تابعه إلى جوازه، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يتزوج إلا واحدة. وقال حماد: لا يتزوج إلى اثنتين،
стр. 459
ودليل نكاح الأربع قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ فعم.
(٣) - وقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾:
المراد به العدل في القسم بينهن؛ كما قال: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ الآية [النساء: ١٢٩]. والعدل في القسم بينهن والجور فيما يظهر لهن وهو الذي يملكه الإنسان. وأما الميل بالقلب فشيء لا يملك، فلا يتصور العدل فيه. ودل مضمون هذه الآية على أن لا عدد في ملك اليمين ولا وجوب في القسم والعدل بينهن، وظن وقوم أن المرد به العطف على قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء .... أو ما ملكت أيمانكم﴾.
وهذا يدل عند من قال: هذا على أنه يجوز التزوج بأربع من الإماء كما أجاز التزوج بأربع حرائر، وهذا فيه نظر؛ لأن العطف هل يرجع إلى أقرب مذكور أو يجوز رجوعه إلى أبعد مذكور، فيه نظر، وفيه أيضًا دليل على أن النكاح ليس بواجب كما يقول أهل الظاهر، وإنما هو في الجملة مرغب فيه.
ووجه الدليل من الآية أن ملك اليمين ليس بواجب بالإجماع، وقد
стр. 460
خير الله تعالى بين النكاح وبين ملك اليمين، ولا يصح التخيير بين الواجب وما ليس بواجب؛ لأن ذلك مخرج للواجب عن الوجوب. ومن الدليل أيضًا على ذلك قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، لأن من حفظ فرجه بملك يمينه واستغنى به عن النكاح توجهت المدحة إليه من الله تعالى.
(٣) - وقوله: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾:
اختلف في معناه فقيل: معناه أن لا تجوروا عن الحق وتميلوا، وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقيل: معناه أن لا يكثر عيالكم، واستدل به الشافعي على أن على الرجل مؤنة امرأته، قال بعضهم: الشافعي حجة في اللغة.
واعترض قوله من وجهين، أحدهما: أن الله تعالى قد أحل بملك اليمين ما شاء الإنسان من العدل. والثاني: أنه ليس بمعروف في اللغة عال يعول إذا كثر عياله، وإنما المعروف في ذلك عال يعيل، كذا قال بعضهم: وهي لغة معروفة. قال الكسائي: عال يعول بمعنى كثر عياله، فصيحة سمعتها من العرب.
(٤) - وقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾:
قيل: النحلة العطية على غير وجه المثوبة، وقيل: معنى النحلة فريضة. وقيل: معناه دينًا أي تعبدًا. وقيل: سميت نحلة لأنه قد كان
следующие страницы →