Полный текст (1 576 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
المثل برضاها، فالجواب أن يكون معنى الآية أن يستضعفها الولي ويستولي على مالها وهي لا تقدر على مقاومته، وإذا ثبت أن المراد بالآية البالغ لم يكن في كتاب الله تعالى ما يدل على جواز تزويج الصغيرة، وقد صار ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء الصغار لا يجوز وهو مذهب ابن القاسم لا الأصم، لما في ذلك من تفويتها لغير تعجيل مصلحة. وقد استدل قوم على جواز تزويج الصغيرة بقوله تعالى: ﴿واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤]، فحكم بصحة طلاق الصغيرة، والطلاق لا يقع إلا بعد نكاح صحيح، إلا أن يقال: ليس في القرآن ذكر الطلاق وإنما فيه ذكر العدة، والعدة قد تتصور بالنكاح الفاسد أو على حكم الشبهة، أو في حق الأمة تزوجها مولاتها، وهي صغيرة توطأ وللاعتماد على ما روى عن النبي ﷺ أنه تزوج عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين.
(٣) - وقوله تعالى: ﴿ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾:
هذه الآية على ما قال الضحاك والحسن وغيرهما ناسخة لما كان في
стр. 457
الجاهلية، وفي أول الإسلام من أنه كان للرجل أن يتزوج ما شاء له من الحرائر فقصرتهم الآية على أربع، فلا يجوز الجمع بين أكثر من أربع لظاهر هذه الآية، وقد ذهب قوم لا يعبأ بخلافهم إلى أنه يجوز الجمع بين تسع. واحتجوا بأن معنى قوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ يفيد الجمع بين العدد، بدليل أنه ﵊ مات عن تسع، ولنا فيه أسوة حسنة. وقال قوم أيضًا، لا يعد خلافهم: يجوز أي عدد كان قليلًا أو كثيرًا، وقالوا: إن معنى الآية أن ينكح اثنتين وثلاثًا وأربعًا إلى ما كان من العدد، واستغنى بذكر بعض الأعداد عن استقصائها، وهذا كما تقول: قرأت: ((أ، ب)). . . تريد جميع حروف أبجد، ولكن تقتصر على بعضها، وهذا في كلام العرب كثير. وحجة أهل القول الأول أن أهل التفسير اتفقوا في تأويل هذه الآية على أنه أراد التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن ذلك اللفظ المختصر غير الموهم، وهو تسع، إلى لفظ غير مختصر موهم وهو مثنى ثلاث ورباع، فلما كان ذلك علمان أن المعنى مثنى مثنى، وثلاث ثلاث، ورباع رباع؛ فإن التخيير كقوله: ﴿أولي أجنحة﴾ مثنى وثلاث
стр. 458
ورباع. وأما احتجاجهم بالنبي ﷺ ، فإنه كان مخصوصًا بذلك كام خص بأن ينكح بغير صداق وأن لا تنكح أزواجه من بعده. وقد روي أن غيلان بن سلمة أسلم عن عشر نسوة، فقال النبي ﷺ : ((اختر منهن أربعة وفارق سائرهن)).
وأما قول من أجاز الجمع بين القليل والكثير، فقول ظاهر الفساد في العربية وترده الآثار، ولولا أن بعض أهل الخلاف ذكر هذين القولين لأعرضت عن ذكرهما، واختلفوا في العبد هل له أن يتزوج أربعًا أم ليس له أن يتزوج إلا اثنتين، فقال أهل الظاهر وجماعة معهم: إن للعبد أن يتزوج أربعًا. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يتزوج إلا اثنتين. وعن مالك في ذلك روايتان. ودليل إجازة ذلك قوله: ﴿فانحكوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، فعم واختلف هل للحر أن يتزوج أربع مملوكات إذا خشي العنة أم لا؟
فذهب مالك ومن تابعه إلى جوازه، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يتزوج إلا واحدة. وقال حماد: لا يتزوج إلى اثنتين،
стр. 459
ودليل نكاح الأربع قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ فعم.
(٣) - وقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾:
المراد به العدل في القسم بينهن؛ كما قال: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ الآية [النساء: ١٢٩]. والعدل في القسم بينهن والجور فيما يظهر لهن وهو الذي يملكه الإنسان. وأما الميل بالقلب فشيء لا يملك، فلا يتصور العدل فيه. ودل مضمون هذه الآية على أن لا عدد في ملك اليمين ولا وجوب في القسم والعدل بينهن، وظن وقوم أن المرد به العطف على قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء .... أو ما ملكت أيمانكم﴾.
وهذا يدل عند من قال: هذا على أنه يجوز التزوج بأربع من الإماء كما أجاز التزوج بأربع حرائر، وهذا فيه نظر؛ لأن العطف هل يرجع إلى أقرب مذكور أو يجوز رجوعه إلى أبعد مذكور، فيه نظر، وفيه أيضًا دليل على أن النكاح ليس بواجب كما يقول أهل الظاهر، وإنما هو في الجملة مرغب فيه.
ووجه الدليل من الآية أن ملك اليمين ليس بواجب بالإجماع، وقد
стр. 460
خير الله تعالى بين النكاح وبين ملك اليمين، ولا يصح التخيير بين الواجب وما ليس بواجب؛ لأن ذلك مخرج للواجب عن الوجوب. ومن الدليل أيضًا على ذلك قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، لأن من حفظ فرجه بملك يمينه واستغنى به عن النكاح توجهت المدحة إليه من الله تعالى.
(٣) - وقوله: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾:
اختلف في معناه فقيل: معناه أن لا تجوروا عن الحق وتميلوا، وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقيل: معناه أن لا يكثر عيالكم، واستدل به الشافعي على أن على الرجل مؤنة امرأته، قال بعضهم: الشافعي حجة في اللغة.
واعترض قوله من وجهين، أحدهما: أن الله تعالى قد أحل بملك اليمين ما شاء الإنسان من العدل. والثاني: أنه ليس بمعروف في اللغة عال يعول إذا كثر عياله، وإنما المعروف في ذلك عال يعيل، كذا قال بعضهم: وهي لغة معروفة. قال الكسائي: عال يعول بمعنى كثر عياله، فصيحة سمعتها من العرب.
(٤) - وقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾:
قيل: النحلة العطية على غير وجه المثوبة، وقيل: معنى النحلة فريضة. وقيل: معناه دينًا أي تعبدًا. وقيل: سميت نحلة لأنه قد كان
стр. 461
يجو ألا يعطين شيئًا فنحلهن الله تعالى ذلك. وقيل: لا تكون نحلة إلا فيما طابت به النفس لا فيما أكره عليه. وفي هذه الآية رد لقول من يرى الصداق عوضًا من البضع، وهو قول كثير من الناس.
والله تعالى قد سماه نحلة، والنحلة ما لم يعتض عليه، فهو نحلة من الله تعالى فرضها للزوجات على أزواجهن لا عن عوض الاستمتاع بها؛ لأن كل واحد منهما يستمتع بصاحبه، ولهذا المعنى يفتقر عقد النكاح إلى تسمية صداق. ولهذا استحب بعضهم أن يكتب في الصدقات عوض هذا ما أصدق، هذا ما نحل به فلان زوجه فلانة، ذكره ابن شعبان.
وفي هذه الآية دليل على أن النكاح لا يكون إلا بصداق، وليس الصدقات التي أمر الله تعالى بنحلها غير الأعيان الممتلكة. فأما ما لم يكن عينًا ممتلكًا، وإنما هو منفعة من المنافع التي لا تتملك كالإجارة على أن يحج بها أو نحوها، أو تعليم قرآن وشيء منه خلافًا للشافعي. وذكر اللخمي في النكاح عن الإجارة أو على أن يحج عن
стр. 462
المرأة ثلاثة أقوال: الكراهية عن مالك، والإجازة عن أصبغ، والمنع عن ابن القاسم؛ ثم قال: والقول بجواز جميع ذلك حسن؛ لأن الإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى، والصدقات في الآية على قوله: تجمع الأعيان والمنافع.
وقيل: سبب الآية أن الرجل كان يزوج أخته على أن يزوجه الآخر أخته ولا صداق لواحد منهما وهو الشغار، وهو عندي أدل دليل على أن النكاح لا يجوز بالمنافع. واختلف في المخاطبين بهذه الآية، فأكثر العلماء على أن المخاطب بها الأزواج. وقال بعضهم: هي للأولياء؛ لأن الولي كان يأخذ الصداق لنفسه.
(٤) - قوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء من نفسًا﴾:
لا خلاف في هذا أن الخطاب للأزواج، وقوله منه: يعني من الصداق أو المال الذي دل عليه الكلام أو الآية.
قال أبو الحسن: ... ... ... ... . .. . .. ... ... ... ... ... ... ...... ....
стр. 463
هذه الآية تدل على أن للمرأة هبة الصداق لزوجها بكرًا كانت أو ثيبًا خلافًا لمالك، فإنه منه من هبة البكر الصداق لزوجها، وجعل ذلك للولي مع أن ذلك لها وذلك في غاية البعد.
وقوله: ((فكلوه))، والمراد منه الاستباحة بأي طريق كان. وعبر بالأكل عن أنواع التصرفات، فليس الأكل مراد بعينه ونظائر هذا كثيرة من الكتاب والسنة.
(٥) - (٦) - قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي﴾ إلى قوله: ﴿فليستعفف﴾:
قال ابن عباس وابن زيد: يعني بالسفهاء من ولدك.
قال ابن جبير: السفهاء هنا النساء والصبيان، والمعنى: لا تطلقوهم على أمولكم فيفسدوها، فأما إعطاؤهم إياها مع صيانتهم لها فغير مختلف فيه، وقال مجاهد: السفهاء النساء، وكان يجب على هذا أن يقال السفائه أو السفيهات، لأنه الأكثر في جمع فعليه.
وقال أبو موسى الأشعري وغيره: السفهاء ها هنا كل من يستحق الحجر، وينشأ من هذه الأقوال النظر في قوله تعالى: ﴿أموالكم﴾، هل المراد به المجاز أم الحقيقة؟
فيحتمل أن يراد به المجاز، فيكون المراد بقوله: ﴿أموالكم﴾ أموالهم، أي أموال السفهاء. ورجح بعضهم هذا التأويل، وعليه يترتب
стр. 464
أكثر أحكام السفهاء من أقوال العلماء، وإنما أضافها إلى المخاطبين على جهة الاتساع، لأنهم الناظرون لهم فيها فنسبت إليهم، وقيل: إنما أضافها إليهم كما قال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]، يعني: بعضكم بعضًا، وقال: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ [النور: ٦١]، ويريد: من يكون فيها منكم، ويحتمل أن يقال: أنه على حقيقته والمراد النهي عن دفع الرجل ماله إلى الصبيان والنساء حتى يستنفدوه منه في أسرع مدة. لكن الهبة لهم جائزة على أن لا يجعل في أيديهم، لكن ينصب قيم عليهم في الموهوب لهم، فمقتضى هذه الآية على هذا النهي عن تضييع الأموال.
وقوله تعالى: ﴿وارزقوهم فيها﴾، أي: منها.
(٥) - وقوله تعالى: ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾:
قيل: قولوا لهم: إن رشدتم دفعنا إليكم أموالهم. قيل: المعنى ادعوا لهم بالصلاح، وقد اختلفوا فيمن بلغ سفيهًا مبذرًا لماله، فرأى مالك أن الحجر لا ينفك عنه، وإن خضب بالحناء إلا أن يؤنس منه الرشد.
وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة أسلم إليه ملاه وإن كان مبذرًا مضيعًا، ولظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ يرد ذلك.
стр. 465
واختلفوا أيضًا هل يبتدأ الحجر على الأكابر المبذرين لأموالهم في غير الطاعة أم لا؟ فذهب مالك وأكثر العلماء إلى أنه يحجر عليه ولا يؤتى ماله. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحجر على البالغ ابتداء، ووافقه ابن سيرين والنخعي وزفر، وظاهر الآية أيضًا يرده لأنه سفيه، وقد قال: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، وإذا ترك له ماله فقد أوتيه، فواجب أن يمنع منه لا يؤتاه. واستدل عبد الوهاب على ذلك أيضًا بقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فلليملل وليه بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأثبت الولاية على السفيه، وذلك يفيد ثبوت الحجر عليه.
ويختلف في الرجل يتصدق على المحجور عليه بمال، ويشترط في صدقته أن يترك في يده، ولا يضرب على يده فيها كما يفعل بسائر ماله، هل له ذلك؟
فالمشهور أن ذلك له واعترض بعضهم هذا القول ومرضه، واحتج بقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ الآية.
واختلف فيمن يخدع في البيوع هل يحجر عليه أم لا؟
فقيل: لا يحجر؛ لقول النبي ﷺ لمنقذ بن حبان أو حبان ابن
стр. 466
منقذ: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة))، وكان قد شكى إليه أنه يخدع في البيوع. وقال ابن شعبان: يضرب على يديه، فمن يخدع في البيوع على هذا القول داخل تحت قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ الآية، ويعضد ذلك تأويل أبو موسى الأشعري في السفهاء.
(٦) - قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾:
قال مجاهد والحسن وغيرهما: أي اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتمييز أحوالهم والمخاطبون بالابتلاء هم الأولياء الناظرون للأيتام.
واختلف في الوصي من قبل الأب أو القاضي: هل لواحد منهما إطلاق من هو إلى نظره إذا علم حسن حاله دون إذن القاضي وشهادة الشهود بحسن حال المحجور أم لا؟
ففي وصي القاضي ثلاثة أقوال: ذهب قوم إلى أنه لا يطلق إلا بإذن القاضي وإليه ذهب ابن زرب، وذهب قوم إلى أنه لا يطلق بغير إذن
стр. 467
القاضي إلا أن يكون المحجور عليه معروفًا بالرشد إذا عقد له بذلك عقدًا ضمنه معرفة شهدائه لرشده، وقال قوم: إطلاقه من إلى نظره جائز بغير إذن القاضي، وإن لم يعرف رشده إلا بقوله: وفي وصي الأب أيضًا ثلاثة أقوال مثل ذلك، فالأشهر منها أن إطلاقه جائز وهو مصدق فيما يذكر من حاله، وإن لم يعرف ذلك إلا من قوله.
وقال عبد الوهاب: لا ينفك الحجر بحكم أو بغيره إلا بحكم الحاكم وسواه في ذلك الصبي والبالغ والمفلس. والحجة لمن أجاز للموصين الإطلاق دون إذن القاضي إذا علم حسن الحال، وإن لم يعرف ذلك غيرهم.
ظاهر الآية: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، فجعل الدفع لمن إليه الابتلاء وهو الذي إليه النظر في أمور المحجور.
قال بعضهم: والقول الآخر اليوم أحسن لفساد حال الناس، يريد أنه لا يطلق إلا بإذن القاضي، ويجوز أن يكون معنى الآية على هذا أن أنس منهم حكامهم رشدًا فحذف.
стр. 468
واختلف في وقت الابتلاء: ففي كتاب محمد أنه بعد البلوغ يكون الابتلاء، وقال الأبهري وغيره من البغداديين: هو ما كان قبل البلوغ لا يحتاج إلى غيره، وهو أبين، لقول الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾.
فجعل الابتلاء قبل البلوغ.
وقوله: ﴿فإن آنستم منهم رشدًا﴾ يريد بذلك الابتلاء لا بغيره، و ((الفاء)) في قوله: ﴿فإن آنستم﴾ للشرط لا للتعقيب، واختلف هل يبتلى بشيء من ماله يدفع إليه ليختبر به أم لا؟ فالظاهر من مذهب مالك المنع، قال: إذا فعل ذلك الولي فلحقه دين لم يلحقه ذلك الدين في المال الذي بيده، ولا في الذي في يد وصيه، وأجاز ذلك غيره، وقال: يلحقه الدين في المال الذي بين يديه، والظاهر من الآية إجازة ذلك؛ لأن الله تعالى أمر بالابتلاء ولم يخص الابتلاء في المال من الابتلاء بغير المال، ويعضد هذا القول تفسير مجاهد وغيره للآية. والرشد الذي ذكره الله تعالى في الآية هو حسن النظر في المال، وأن يضع الأمور مواضعها.
стр. 469
واختلف هل من شرطه صلاح الدين أم لا؟
قال من اعتبره: الفاسق غير رشيد ولا مأمون لأن التبذير يتولد من غفلة الهوى. والهوى: منشأ الفسق، ولا يؤمن من الفاسق صرف المال في المحظور المنكر وذلك تبذير وإن قل، فإنه لا يكسب به محمدة في الدنيا والآخرة والكثير في الطاعات، ليس بتبذير على ما علم من أقوال السلف رضي الله تعالى عنهم.
وللمفسرين في تفسير الآية ألفاظ مختلفة:
فقال الحسن وقتادة: الرشد الصلاح في العقل والدين. وقال ابن عباس والسدي والثوري: الصلاح في العقل وحفظ المال. وقال مجاهد: العقل خاصة.
واختلف في الصبي الذي إلى نظر وصي يبلغ، فالمشهور في المذهب المعمول أنه لا يجوز له فعل، وإن كان رشيدًا ما لم يطلق من وثاق الحجر بخلاف حاله مع الأب، وهو الظاهر من الآية؛ لأنه تعالى لم يأمر بدفع أموالهم إليهم إذا أونس منهم الرشد. ومعنى:
стр. 470
﴿آنستم﴾ عرفتم، فوكل الإيناس إلى الأولياء، ولولا أنه لا يخرج من الحجر إلا بإطلاقهم لم يكن لجعله الإيناس فائدة. وقيل: إن حال الصبي مع الوصي كحاله مع الأب، فإن علم رشده بعد البلوغ فأفعاله جائزة، وليس للوصي أن يرد شيئًا منها، وإن لم يشهد على إطلاقه من الولاية، وإن علم سفهه فلا يخرج من الولاية، وإن جهل حاله فيختلف فيه كما يختلف في ذي الأب.
(٦) - وقوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾:
وهو الحلم في الرجال بلا خلاف في ذلك، واختلف قول مالك في الإناث ما بلوغ النكاح فيهن؟ فمن أشهر أقواله أنه أن يدخل بهن أزواجهن، وله في بعض كتبه أنه الحيض، قال فيه في قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾، قال: بلوغ النكاح الاحتلام والحيض، فساوى بين الذكور والإناث بأن يدفع إليها مالها إذا حاضت وأونس منها الرشد وإن لم تتزوج. وإذا عدم البلوغ فهل يعتبر الإنبات في الدلالة على البلوغ أم لا؟ فيه قولان في المذهب، ويحتمل أن تتأول الآية على ذلك، لأنه إذا صحت دلالته على بلوغ النكاح فقد بلغ النكاح، ولا خلاف أن السن دليل على بلوغ النكاح، إلا أنه اختلف في حده، فقيل: خمس عشرة سنة، وهو قول ابن وهب. وقيل: سبع عشرة سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، والقولان أيضًا في المذهب. قال عبد الوهاب: والصحيح أنه لا حد في ذلك، واستدل بقوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ [النور: ٥٩]، وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن الوصي على المحجورة إنما له النظر
стр. 471
فيما يتعلق بالمال لا البدن، فإنما النظر فيه للمحجورة، ليس للوصي فيه نظر خلافًا لمن يقول أن للوصي النظر في ذلك كله، قال المستدل بالآية: لأن الله تعالى خص الأموال بالذكر دون الأبدان، وقال النبي ﷺ : ((البكر تستأمر في نفسها))، وإنما معناه: تستأمر في بدنها وإن كانت ذات الأب خارجة عن هذا الحديث بدليل آخر. وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا﴾، أي مبادرة، أي يكبروا، فيأخذوها منكم.
(٦)، (٧) - قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيًا فليستعفف﴾ إلى قوله: ﴿للرجال نصيب﴾ الآية:
اتفق أهل العلم جميعًا على تحريم أكل مال اليتيم ظلمًا وإسرافًا وعلى إن ذلك من الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيثلون سعيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وقوله: ﴿ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا﴾، فإن لم يكن إسرافًا وبدارًا فإن ذلك يختلف بحسب حال الولي، فإن كان غنيًا فقد اختلف فيه، فقيل: لا يأكل شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿ومن كان غنيًا فليستعفف﴾، فبعضهم يرى ذلك محظورًا ويرى الأمر أمر وجوب. وبعضهم يراه مكروهًا ويرى الأمر أمر ندب، وقيل: مباح للغني أن يأكل منه بقدر قيامه عليه وخدمته فيه وانتفاع اليتيم به في حسن
стр. 472
نظره إليه، فإن لم يكن له في ذلك خدمة ولا عمل سوى أن يتفقده ويشرف عليه لم يكن له أن يأكل منه إلا ما لا ثمن له ولا قدر لقيمته، مثل اللبن في الموضع الذي لا ثمن له فيه، ومثل الفاكهة في ثمر حائطه لا يركب دوابه فيكون الأمر على هذا إباحة، وإن كان الولي فقيرًا فقد اختلف فيه أيضًا، والاختلاف في ذلك يأتي على حسب اختلافهم في قوله تعالى: ﴿ومن كان منكم فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾، وذلك أنهم اختلفوا فيه: هل هو منسوخ أم محكم؟ والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ اختلفوا في ناسخه: فذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم﴾ [البقرة: ١٨٨]، وإلى نحو هذا ذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخها ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠] الآية، كذا ذكر بعضهم عن ابن عباس وقال غيره عن ابن عباس: نسخ اله تعالى منها الظلم والاعتداء بقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ الآية، والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في تأويله، فروي عن يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنها في اليتيم، إذا
стр. 473
كان اليتيم فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره، وإن كان غنيًا أنفق عليه بقدر غناه.
وروي عن ابن عباس أن المعنى: فليأكل ولي اليتيم بالمعروف من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، فعلى هذين التأويلين، وعلى القول بأن الآية منسوخة يأتي قول من لا يجيز لولي اليتيم أو الأمين أن يأخذ شيئًا من مال من إلى نظره، وإن كان محتاجًا وهذا قول مجاهد، وذكره جماعة عن أبي حنيفة. وقال أبو الحسن: قد جوز أبو حنيفة للوصي أن يعمل في مال الصبي مضاربة فيأخذ منه مقدار ربحه. وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يأكل ماله إذا عمل فيه فيأخذ أجر المثل، بل هو أولى، فإن أجر المثل معلوم من وضع الشرع ومقدار أجرة مله مأخوذ من العادة، وأما الربح فهو على قدر الشرط، وأي قدر شرطه الوصي من الربح لنفسه فهو فيه متحكم. قال الحسن بن صالح: إن كان أبوهم أوصى بهم إليه فله أن يستقرض من مالهم وإن كان الحاكم جعله وصيًا لم يستقرض. وذهب قوم إلى أن الآية محكمة، وأنها تقتضي إباحة الأكل للفقير. واختلفوا في المباح من ذلك، فقال بعضهم: يأكل على وجه القرض يرده إذا أيسر، وهو قول لعمر بن الخطاب روي عنه، وقل جماعة من التابعين.
ومعنى ﴿بالمعروف﴾ عندهم: قرضًا، وقال أبو العالية: يأكل من الغلة،
стр. 474
ومعنى قوله: ﴿بالمعروف﴾ أي: من الغلة فأما من الناس فلا يأكل قرضًا كان أو غير قرض.
وقال جماعة: ﴿فليأكل بالمعروف﴾ يريد من نفس المال، أي قوته ما سد جوعه وستر عورته إذا احتاج إليه وليس عليه رده، وهو قول الحسن وقتادة والنخعي، وذكره بعضهم عن أبي حنيفة وأصحابه. وقال بعض القائلين بهذا القول: معنى قوله: ﴿بالمعروف﴾ يأكل من مال يتيمه بأطراف أصابعه ولا يكتسي منه.
وقال بعض أهل العراق: إذا سافر من أجل اليتيم فلع أن يتفوت شيء من ماله في سفره، وتأول الآية عليه.
وقيل: معناه: أن يأكل من جميع المال، وإن أتى على المال ولا قضاء عليه، وروي عن ابن عباس أنه قال لرجل سأله عن إبل يتيم في حجره: إن كنت تلتمس ضالتها وتهنأ جراباها وتلوط حوضها وتسقي عليه فاشرب من لبنها غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب، وعند المالكيين في معنى الآية أنه إذا كان وصي اليتيم أو الأمين محتاجًا جاز أن يأكل من مال اليتيم بقدر أجرة مثله. ويعضده ما تقدم من قول ابن
стр. 475
عباس: إن كنت تلتمس ضالتها ... الخ، قوله وقول عائشة: رخص الله تعالى لولي اليتيم أن يأكل بالمعروف ولأنه ناظر في مصلحة غيره أصله الإمام. وقد أجمعت الأمة أن الإمام لا يجب عليه غرم ما أكل منه بالمعروف؛ لأن الله تعالى فرض سهمه في مال الله تعالى.
(٦) - وقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليه أموالهم فاشهدوا عليهم﴾:
الأمر بالإشهاد أمر ندب عند أكثر العلماء، وبعضهم يراه أمر إيجاب.
والمعنى: إذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا على الدفع أي لا تدفعوه إلا بشهود، وعن عمر وغيره أن المعنى: فأشهدوا عليهم فيما استقرضتم منهم.
واختلف إذا بلغ اليتيم فطلب الوصي بماله:
ففي المذهب أنه إذا زعم الوصي أنه دفعه إليه لم يقبل منه إلا ببينة خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن القول قوله مع يمينه؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾، فأمر الولي بالتوثق لنفسه والإشهاد عند تسليم الأمانة التي في يده إلى غير من ائتمنه عليها، فلولا أنه يضمن إذا جحد لم يكن لأمر بالتوثق فائدة.
стр. 476
وقد اختلف فيمن دفع إليه مال إلى رجل آخر من دين له على الدافع أو هبة أو صدقة أو شبه ذلك، فقال: قد دفعت، وقال: الذي أمر بالدفع إليه لم يدفع إلي، فقال ابن القاسم: إن لم تقم للرسول بينة بالدفع غرم.
وقال ابن كنانة: إن كان المال يسيرًا لم يضمن وصدق، وإن كان كثيرًا ضمن ولم يشهد.
وقال ابن الماجشون: القول قول الرسول مع يمينه، والآية حجة لقول ابن القاسم؛ لأنه كان يجب أن لا يدفع إلا بالإشهاد؛ كالولي لليتيم لأنهما دفعا إلى غير من دفع إليهما.
وقال اللخمي: قول ابن الماجشون أبين، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فإن دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾، أن ذلك لدفع التنازع لا لأنه لا يقبل قوله؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿أشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، إلا أن تكون العادة الإشهاد فلا يبرأ إلا بذلك.
(٧) - (٨) -قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ إلى قوله: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ الآية:
قال ابن جريج وقتادة وغيرهما: سبب نزولها أنهم كانوا في
стр. 477
الجاهلية يورثون الذكور دون الإناث، فالآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية، وقولهم: ناسخة ليس على حقيقة النسخ. وهذه الآية مجملة في بيان القدر الذي للرجال والنساء غير أنه قد يحتج بعمومها من يورث ذوي الأرحام، ومن يرى الحجب في بعض الأحوال مثل حجب الإخوة بالجد عند قوم، وهذا في الاحتجاج به مثل قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقوله تعالى: ﴿مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾، يعني: مما قل من المتروك. واختلف في الأخوات هل يكن عاصبات مع البنات أم لا؟ فذهب الأكثر إلى أنهن عصبة معهن فيرثن. وقال ابن عباس: لا يرثن أصلًا مع البنات، وهو قول داود. ودليل الأكثر قوله تعالى: ﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ فعم.
واختلف في النساء هل يرثن من الولاء شيئًا أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنهن لا ولاء لهن إلا ولاء من أعتقن أو أعتق من أعتقن أو لد من أعتقن خاصة، ولا يرثن من الولاء شيئًا عن غيرهم في من يعتقن.
وذهب طاووس ومسروق إلى أنهن يرثن من الولاء كما
стр. 478
يرثن من المال، واحتج بقوله تعالى: ﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾، وهذا شذوذ، واختلف في قسمة الدار الواحدة، والأرض بين النفر نحو ذلك مما إذا قسم كان في قسمته عدم منفعة به أو ضرر، فقال مالك: إن يقسم بينهم إذا دعا إلى ذلك أحدهم وإن لم يصر في نصيب كل واحد منهك إلا قدر قدم وما لا منفعة له فيه، ولم يتابعه على ذلك أحد من أصحابه إلا ابن كنانة. وقال ابن الماجشون: لا يقسم إلا أن يصير في حظ كل واحد منهم ما ينتفع به في وجه من وجوه المنافع، وإن قل نصيب أحدهم حتى كان لا يصير له بالقسمة إلا ما لا منفعة له فيه بوجه من الوجوه فلا قسم. وقال ابن القاسم: لا يقسم إلا أن ينقسم من غير ضرر ويصير لكل واحد منهم في حظه موضع ينفرد به وينتفع بسكناه. وقال مطرف: إن لم يصر في حظ أحدهم ما ينتفع به لم يقسم، وإن صار في حظ واحد منهم ما ينتفع به قسم إلى ذلك صاحب النصيب الكثير. وقد قيل: إنها لا تقسم إلا أن يدعو إلى ذلك صاحب النصيب الكثير، وحجة مالك فيما ذكره الرواة عنه قوله تعالى: ﴿مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾، فتأول الآية على ذلك، وهو قول أبو حنيفة، وحجة ابن القاسم أيضًا فيما ذكره الرواة عنه
стр. 479
أيضًا هو قوله ﵊: ((لا ضرر ولا ضرار)). وقال ابن القاسم: وجميع من خالف في ذلك مالكًا إنما معنى الآية أن لهم حقهم فيه ثم قسمته على السنة، وقد قال رسول الله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار))، ومن أعظم الضرر أن يقسم بينهم مالًا ينتفعون به ولا يباع فيقتسمون ثمنه.
(٨) - (١١) - قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ الآية إلى قوله: ﴿يوصيكم الله﴾:
اختلف في قوله: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ الآية، هل هي منسوخة أم محكمة؟ والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا في الناسخ. فقال ابن عباس: ناسخها ﴿يوصيكم الله﴾ الآيات. وقال ابن المسيب: ناسخها الميراث والوصية. وذكر بعضهم عن ابن عباس أن الآية من وصية الميت لهؤلاء وهي منسوخة بالميراث.
والذين قالوا: إنها محكمة اختلفوا في تأويلها، فقال سعيد ابن
стр. 480
جبير الحسن وغيرهما: هي على الندب. وقال مجاهد: هو شيء واجب ما طابت به أنفس الورثة عند القسمة، وهذا القول راجع إلى الرضخ لهم. روري عن ابن عباس: أنها في قسمة المواريث في رضخه لهم، فإن كان المال عقارًا أو فيه تقصير لا يقبل الرضخ إليهم، فهو قوله تعالى: ﴿وقولوا لهم قولًا معروفًا﴾: ادعوا لهم بخير، والضمير في: ﴿فارزقوهم﴾ لأولي القربى. وفي: ﴿وقولوا لهم قولًا معروفًا﴾ لليتامى والمساكين، قاله ابن عباس بخلاف عنه، وابن المسيب، وابن زيد. وقيل: الضميران لأولي القربى واليتامى والمساكين. وقيل: المعنى: ارضخوا لهم [
]
стр. 481
[
] أولى ما حملت إليه.
(١١) - قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآية:
اختلف في سبب هذه الآية، قيل: نزلت الآية بسبب سعد بن الربيع قتل يوم أحد وترك ابنتين وزوجًا وأبًا فأخذ أبوه جميع المال، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شماس. وقيل: مرض جابر فعاده النبي ﷺ وأبو بكر. قال جابر: فأتاني وقد أغمي علي، فتوضأ النبي ﷺ فصب علي وضوءه فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أوصي في مالي؟ فلم يجبني بشيء، حتى نزلت: ﴿يوصيكم الله﴾ الآية، فجعل الله تعالى مال الميت بين جميع ولده ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾،
стр. 482
إذا لم يذكر معهم أحد من أهل الفرائض، ولو كان معهم من له فرض معلوم لأخذ فرضه قبل، ثم ما فضل اقتسمه الأولاد القسمة المذكورة.
وقيل: إن الناس في الجاهلية كانوا لا يورثون الصغار ولا الإناث، إنما كانوا يورثون من يقاتل ويذب عن الحريم، وقد ورد في بعض الآثار أن ذلك كان في صدر الإسلام أيضًا إلى أن نسخته هذه الآية. وهذا الذي ذكر هذا القائل لم يثبت عندنا اشتمال الشريعة عليه، بل ثبت خلافه من قصة سعد بن الربيع حين جاءت امرأته بابنتيها إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك يوم أحد، وقد استوفى عمهما مالهما، وأن المرأة لا تنكح إلا ولها مال، فنزلت الآية، فاسترجع رسول الله ﷺ المال، ولو كان ثابتًا هذا الحكم قبل شرعنا لما استرجعه.
وقوله تعالى: ﴿في أولادكم﴾ أجمه العلماء على أن المراد بالأولاد هنا من ينسب إليه من أولاده دون من لا ينسب إليه منهم، والذين ينتسبون إليه هم أولاده ذكورهم وإناثهم، ثم أولاد أولاده الذكور وذكورهم أيضًا وإناثهم، فأما أولاج بناته ذكورًا كانوا أو إناثًا فلا ينتسبون إليه، إنما يقع عليهم اسم الولد كم جهة اللغة لا من
стр. 483
جهة الشرع. فأما الأولاد ذكروهم إناثهم وأولاد أولاد الذكور ذكورهم وإناثهم فهم الولد من جهة اللغة والشرع، وهم الذين ثبت لهم أحكام الشرع في النسب والميراثـ وعول الشيخ أبو الحسن على أن لفظ الأولاد والولد حقيقة في أولاد الصلب مجاز في ولد ولد، قال: فإذا حلف أن لا ولد له وله ولد ولدٍ لم يحنث، قال: ولا خلاف أن ولد الولد على حكم الولد في أن للذكر مثل حظ الأنثيين، قال: لكن ليس ذلك كحكم ظاهر لفظ قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾، فإن مطلق لفظ الأولاد لا يتناول أولاد الأولاد، إنما أخذ ذلك عن طريق الإجماع.
وقد اختلفوا في الرجل يحبس على ولده وأولاده ولم يزد على ذلك، فقال الجمهور: الحبس على أولاده وبنيه الذكور والإناث وعلى أولاد بنيه الذكور دون الإناث.
وقال بعضهم: لا يدخل في ذلك إلا ولد المحبس لصلبه خاصة.
وقال بعضهم: تخريجًا عن المذهب: لا يدخل فيه إلا ذكور ولد لصلبه خاصة.
وقد اتفق جميع من ذكرنا على أنه لا يدخل في ذلك أولاد البنات، وهو قول مالك وجميع أصحابه المتقدمين. واحتجوا لذلك بالإجماع على أن ولد البنات لا ميراث لهم مع قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾.
وذهب جماعة إلى أن ولد البنات من الأولاد والأعقاب، وأنهم
стр. 484
يدخلون في الحبس بقول المحبس: حبست على ولدي وعلى عقبي، وقال ذلك ابن عبد البر، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾، قالوا: فلما حرم الله تعالى بذلك البنات حرمت بذلك بنت البنت بإجماع على أنها بنت فوجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده أو عقبه، واحتجوا أيضًا بحديث النبي ﷺ في الحسن رضي الله تعالى عنه: ((ابني هذا سيد))، فسماه ابنًا. وفي الكلام على هذه المسألة طول، فمن أراد الوقوف عليها فعليه بمضانها، واختلفوا في بنات الابن هل يرثن مع ابن الابن إذا كان معهن في قعود واحد أو تحتهن، فذهب الأكثر إلى توريثهن معه، وذهب بعضهم إلى أنهن لا يريثن معه؛ لقول النبي ﷺ : ((فما بقي فلأولى رجل ذكر)). وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾
стр. 485
الآية؛ لأن ولد الأولاد أولاد سواء اتفقوا في القعود، أو اختلفوا إلا ما أجمعوا عليه من أن الأعلى من ولد الولد يحجب من تحته منهم.
(١١) - وقوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين﴾:
فرض البنات الثلثين. ولم يذكر تعالى الاثنتين فاختلف في فرضهما، فألحقهما ابن عباس بالبنت الواحدة التي بين تعالى فرضهما فرأى للبنتين النصف، وألحقهما غيره بما فوق الاثنتين اللاتي بين الله تعالى فرضهن، فرأوا لهما الثلثين واختلف القائلون لهذا: هل هذا الفرض للبنتين بالسنة أم بالقرآن أو بالقياس؟ فقال بعضهم: ذلك بالسنة، وقال الأكثرون: بالقرآن، واختلفوا في وجه ذلك، فقال قوم: لما كان للبنت الواحدة مع الذكر الواحد الثلث كان الثلث لها مع الأنثى أوكد، والله تعالى قد جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فإذا اجتمع ذكر وأنثى فللذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يحتج إلى ذكر الاثنتين.
وقال بعضهم: المعنى: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما، واستدل بقوله تعالى: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ [الأنفال: ١٢]، وإنما تضرب الأعناق.
وقال قوم ذلك بالقياس واختلفوا في الأصل المقيس عليه، فجعل
стр. 486
بعضهم الأصل في ذلك الإخوة لأم، قال: إن حكم الاثنتين منهم فما فوقهما سواء، فكذلك البنات حكم البنتين منهن، وحكم ما فوقهما سواء.
وجعل بعضهم الأصل في ذلك الأخوات، فقالوا: الأخت الواحدة لها النصف كالبنت الواحدة. وميراث الأختين الثلثان، قالوا: فكذلك يحمل حكم البنتين على حك الأختين، كما كان حكم الواحدة حكم الواحدة.
(١١) - قوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ .
يريد: إن كانت الوارثة واحدة بنتًا فلها النصف لا غير، وإن كان فضل ولم يكن وارث غيرها كان لبيت المال.
وقد اختلف فيما يفضل عنها عن سائر أهل الفرائض ما عدا الزوج والزوجة، هل يرد عليه ماله أم يكون لبيت مال المسلمين؟ فإن لم يكن بيت مال المسلمين فللفقراء، فذهب مالك وأكثر العلماء إلى أنه لا يرد شيء على ذوي السهام، وأن الفاضل من المال يكون لبيت المال والفقراء. وذهب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى أنه يرد
стр. 487
عليهم ما فضل عن سهامهم إلا الزوج والزوجة فلا يرد عليهما. وذهب ابن مسعود إلى الرد، إلا أنه لا يرد على ستة: الزوج والزوجة، والأخت للأم مع الأم، والأخت للأب مع الأخت الشقيقة وبنت الابن مع البنت والجدة مع ذي سهم غير الزوجين. ودليلنا على من يقول بالرد قوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾، وقال في الأخت: ﴿فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: ١٧٦]، فلم تجز الزيادة على ما نص عليه.
- وقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾:
يريد أن لكل واحد من أبوي الميت السدس إن كان للميت ولد ذكرًا كان أو أنثى واحدًا أو جماعة، فإن قيل: فيجب أن لا يزاد الوالد على السدس مع البنت الواحدة وهذا بخلاف الإجماع، قيل: ما زاد الأب على السدس في تلك الفريضة إنما أخذه بالتعصيب لا بالفرض، حكم ما أبقت الفرائض أن يكون لأولى عصبة الميت وأقربهم إليه، فكان الأب ذلك.
- قوله تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾:
يريد أنه لم يكن للميت إلا أبوان أخذت الأم الثلث وأخذ الأب ما بقي ولم ينص في الآية على نصب الأب ولكنه لما أثبت الميراث لهما أولًا بقوله: ﴿وورثه أبواه﴾ دون تفصيل نصيب الأم، فلما ذكر نصيب
стр. 488
الأم دل على أن للأب الثلثين وهو الباقي بحكم العصوبة، وعلى هذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين: للأم الثلث كاملًا فيكون ميراثًا زائدًا على ميراث الأب، وهو أحد الروايتين عن علي خلافًا لجمهور أهل العلم في قولهم: إن للأم فيها ثلث ما بقي بعد نصيب الزوجين خلافًا لابن سيرين في تفرقته بين المرأة والأبوين والزوج والأبوين، فإنه يقول في المرأة والأبوين بقول ابن عباس، وفي الزوج والأبوين لقول الجمهور لئلا يقع تفضيل الأم على الأب، ونظر ابن عباس جلي جدًا ومخالفة الجمهور لذلك النظر لا يكون إلا عن توقيف إلا أن التوقيف لم يذكر، فالمسألة مشكلة ووجه مذهب الجمهور أنه إذا وجب أن يبدأ بالزوجين جعل ما بقي كأنه جملة المال لتأخذ الأم ثلثه والأب ثلثه.
- قوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾:
يريد إن كان للميت إخوة فيكون للأم من الأبوين السدس خاصة فيحجبها الإخوة عن الثلث الواحد الذي زيد في فرضها مع عدم الولد للإخوة ما بقي إن لم يكن معهم أ [، وإن كان معم=هم أب فللأب ما بقي بعد السدس، ولا يكون للإخوة شيء، لأن الأب يحجبه فهم يحجبون
стр. 489
الأم عن السدس الواحد والأب يحجبهم ولا يوجد في جميع الفرائض على مذهب زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه مسألة يحجب فيها من يرث غير هذه، وعن ابن عباس في هذا رواية شاذة، وهو أن السدس الذي تحجب عنه الأم يكون لمن يحجبها، وهم الإخوة وإن كان معهم أب، ويكون للأب الثلثان وهذا خلاف ظاهر الآية. وصار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الأم من الثلث إلى السدس؛ لأن كتاب الله تعالى في الإخوة، ومقتضى قولهم: إن لفظ الإخوة لا يتناول الأخوات، كما أن لفظ البنين على قول لا يتناول البنات وأيضًا فليست قوة ميراث الأخوات مثل قوة ميراث الذكور حتى يلحقن بهم، وقال: وقوله تعالى: ﴿إخوة﴾ وفعله من أبنية الجمع القليل، فعلمنا بذلك أن الأخ الواحد والأخت الواحدة لا يرثان شيئًا من ذلك، وأن وجودهما وعدمهما في هذه الفريضة سواء: وعلمنا أيضًا أن الثلاثة من الإخوة ذكورًا كانوا أو إناثًا، يؤثرون في الفريضة المذكورة وتكون بهم
стр. 490
على ما ذكرنا؛ إذا لم يختلف أحد أن الثلاثة من النجع القليل. وأما الاثنان ذكرين كانا أو أنثيين أو ذكر أو أنثى، فاختلف العلماء هل يدخلان تحت قوله تعالى: ﴿إخوة﴾، فيكونان كالثلاثة ﴿الذين﴾ لم يختلف أن لفظ الإخوة واقع عليهم أو لا يدخلان فيكونان كالواحدة أو الواحد؛ إذ لم يختلف أنه لا مدخل لهما في ذلك اللفظ.
فقال مالك: مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعدًا واحتج لقوله بقول النبي ﷺ : ((الاثنان فما فوقهما جماعة))، وبما جاء للجمهور في هذه الآية. وقال ابن عباس: الإخوة الذين على الله تعالى بقوله: ﴿فإن كان له إخوة﴾ ثلاثة فصاعدًا، وأنكر أن تحجب الأم عن الثلث مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة. وعلى هذا القول يكون الثلاثة أقل الجمع، ولا تكون التثنية في شيء من الجمع، وها هنا مسألة تظهر بها حجة الجمهور على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهي إذا كان في الفريضة زوج وأم وأخ وأخت لأم فلا خلاف بين الصحابة أن للزوج النصف وللأم السدس وللأخ والأخت من الأم الثلث على قول الجمهور، وحجبت الأم بالأخ والأخت عن الثلث إلى السدس فاستقام لهم ذلك. وأما ابن
стр. 491
عباس فلم يجعل للأم الثلث لأنه لو حصل كان الثلث لعالت المسألة وهو لا يرى ذلك، وإذا قيل له: فلم كانت الأم أولى بالنقصان من الأخوين فلم يجد إلا كلامًا ظاهرًا عليه، واختلف: لم نقصت الأم عن الثلث مع الإخوة وزيد الأب؟ فقيل: لأن على الأب مؤنتهم وإنكاحهم دون أمهم. وقيل: إنما كان ذلك لئلا يون لهم دون أبيهم، ومال الطبري إلى أن ذلك غير معلوم، وأن ذلك ليس مما كلفنا علمه وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا.
- وقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾:
قال علي رضي الله تعالى عنه: إنكم تقرؤون: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ وأن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية والأمة مجمعة على هذا وليس تبدية الوصية في اللفظ مما يوجب تبديتها في الإخراج من الميراث. وإنما توجب الآية أن يكون الدين والوصية يخرجان قبل الميراث، و ﴿أو﴾ ما هنا للإجابة وليست تعطي ترتيبًا كالفاء وثم.
وإذا كان ذلك، فليس في الآية دليل على تبدية الوصية على الدين أو
стр. 492
الدين على الوصية، ولكنه فهم بالسنة أو الدين أولى بالتقديم؛ لأن أداء الدين فرض، والوصية إنما هي تطوع والفرض أولى من التطوع، ولو قال تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ لتوهم أن ذلك يجب باجتماعهما فعدل إلى لفظ ((أو)). ويحتمل أن يقال: ذكر الله الوصية قبل الدين لأن الوصية أغلب وأكثر من الدين، فإنه يموت كثير من الناس ولا دين عليهم ولا يموت الإنسان غالبًا إلا وقد وصى بوصية، ويحتمل أن يقال: إن بيان الوصية كانت الحاجة إليه أكثر؛ لأن قضاء الدين من التركة مشهور، وقدم ذكر الوصية لذلك، وقد أطلق الله تعالى لفظ الوصية ولم يخصص القدر الذي يجوز أن يوصى به من المال كما لم يخصص قدر الدين بل ظاهر العموم جواز الوصية بالقليل والكثير، لأن الخبر الصحيح من وصية سعد دل على أن الزيادة على الثلث غير جائزة، فيخصص العموم بذلك إذا كان هناك وارث معين؛ لقوله ﵊: ((لأن تدع ورثتك أغنياء)) الحديث، فإذا لم يكن وارث معينًا، فهل تبقى الآية على عمومها من جواز الوصية بالقليل والكثير أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب أبو حنيفة إلى أنها باقية على موجب العموم من جواز الوصية بالقليل والكثير، وإن استغرق المال الوصية، وخالف مالك والشافعي ومن حجتهم أن قوله تعالى: ﴿يوصى بها أو دين﴾ إنما ورد في بعض الوراثة، ولم يرد
стр. 493
مطلقًا فكيف يمكن الاستدلال بعمومه، وهذا قاطع من منع الاستدلال بعموم آية الوصية. وإذا امتنع ذلك بقينا على الأصل الذي هو امتناع التصرف في المال بعد الموت إلا بقدر ما استثني. ودل الخبر أيضًا أن النقصان من الثلث مستحب؛ لقوله ﷺ : ((الثلث والثلث كثير))، ودل على أنه كان قليل المال وورثته فقراء، فالمستحب أن لا يوصي؛ لقوله ﵊: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)). ودل ظاهر قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ على أن كل ما يسمى دين مقدم على الميراث كدين الزكاة ودين الحج على قول من يرى الحج عن الميت إن لم يوص به، فإن رسول الله ﷺ سماه دين الله، فقال: ((دين الله أحق أن يقضى))، وعموم قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ يشتمل أيضًا على الوصية للوارث والأجنبي، لكن الخبر جاء بأنه لا وصية لوارث، فتخصص ذلك بالخبر وبالإجماع أيضًا. ومن الآية أيضًا دليل على أن القسمة من التركة لا تجوز إلا بعد أداء الدين وإخراج الوصية.
стр. 494
واختلف في الغريم والموصي له بعدد يطرأ على الورثة وقد اقتسموا التركة، هل تنقض القسمة لذلك أم لا؟
فروى أشهب عن مالك أنها تنقض على كل حال، وإن أراد الورثة أن يؤدوا الدين لا تنقض القسمة وشاء الغرماء ذلك.
وحجته ظاهر هذه الآية، لأنه إنا أباح الله تعالى قسمة المال بعد أداء الدين والوصية فلا يتعدى ذلك. وذهب أشهب وسحنون إلى أن القسمة لا تنقض على كل حال، قالا: ولكن يقضي المال على ما بأيديهم على اختلاف بينهما في كيفية
ذلك. وهذا القول إحدى الروايتين عن ابن القاسم. وقال ابن القاسم: في المشهور عنه: إنها تنقض في رجل هلك وعليه دين وترك مالهم أو من التركة، وعلى هذا اختلفوا في رجل هلك وعليه دين وترك مالًا، هل يجوز فقيل أداء الدين لورثته أن يصالحوا امرأته على ميراثها من التركة بعد أداء الدين أم لا؟ فعلى مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ذلك جائز. وأما على رواية أشهب عن مالك، فلا يجوز من أجل الدين؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى
стр. 495
بها أو دين﴾. واختلف في الغريم يطرأ على ورثته وعلى الغرماء، فقيل: يرجع على الغرماء، وقيل: يرجع على الورثة، وهذا أصح؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، فجعل الميراث بعد أداء الدين؛ فدل على أنه لا يستحق ميراثًا مع بقائه. وكذلك اختلف فيمن ترك مالًا وعليه دين وفي بعض ماله وفاء بالدين، فقام بعض الورثة فباع بعض الأموال لنفسه، وفيما بقي وفاء بالدين، فروى أشهب عن مالك: أنه لا يجوز ذلك، ويفسخ البيع، ولا ميراث لأحد يقضي الدين، ولعل تلك الأموال تهلك فأرى هذا البيع مفسوخًا؛ لقوله : ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، وهذا القول خلاف قول ابن القاسم في مسألة الصلح المتقدمة، وخلاف ما روي عنه من أن بيع الورثة التركة إذا لم يعلموا بالدين جائز، فالبيع والقسمة من ذلك الفضل على هذا جائز.
واختلف في الرجل يموت وعليه دين ويترك امرأته حاملًا، هل يؤدي دينه قبل أن تضع المرأة أم ينتظر وضعها؟ فالمشهور أنه يؤدي الدين ولا ينتظر الوضع لأنه إنما يؤثر في القسمة لا في الدين. والله تعالى قد أمر بتأدية الدين قبل القسمة ولم يخص من الورثة حملًا من غير حمل، وذكر بعض المتأخرين: أنه لا يخرج الدين حتى يوضع الحمل، والوصية بعدد القول فيها كالقول في الدين. وأما الوصية بالثلث مع الحمل، فالخلاف فيها معروف من كتب العلماء. واختلف في الموصي إذا كان له جد أو أب
следующие страницы →