← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

عباس فلم يجعل للأم الثلث لأنه لو حصل كان الثلث لعالت المسألة وهو لا يرى ذلك، وإذا قيل له: فلم كانت الأم أولى بالنقصان من الأخوين فلم يجد إلا كلامًا ظاهرًا عليه، واختلف: لم نقصت الأم عن الثلث مع الإخوة وزيد الأب؟ فقيل: لأن على الأب مؤنتهم وإنكاحهم دون أمهم. وقيل: إنما كان ذلك لئلا يون لهم دون أبيهم، ومال الطبري إلى أن ذلك غير معلوم، وأن ذلك ليس مما كلفنا علمه وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا. - وقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾: قال علي رضي الله تعالى عنه: إنكم تقرؤون: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ وأن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية والأمة مجمعة على هذا وليس تبدية الوصية في اللفظ مما يوجب تبديتها في الإخراج من الميراث. وإنما توجب الآية أن يكون الدين والوصية يخرجان قبل الميراث، و ﴿أو﴾ ما هنا للإجابة وليست تعطي ترتيبًا كالفاء وثم. وإذا كان ذلك، فليس في الآية دليل على تبدية الوصية على الدين أو

стр. 492

الدين على الوصية، ولكنه فهم بالسنة أو الدين أولى بالتقديم؛ لأن أداء الدين فرض، والوصية إنما هي تطوع والفرض أولى من التطوع، ولو قال تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ لتوهم أن ذلك يجب باجتماعهما فعدل إلى لفظ ((أو)). ويحتمل أن يقال: ذكر الله الوصية قبل الدين لأن الوصية أغلب وأكثر من الدين، فإنه يموت كثير من الناس ولا دين عليهم ولا يموت الإنسان غالبًا إلا وقد وصى بوصية، ويحتمل أن يقال: إن بيان الوصية كانت الحاجة إليه أكثر؛ لأن قضاء الدين من التركة مشهور، وقدم ذكر الوصية لذلك، وقد أطلق الله تعالى لفظ الوصية ولم يخصص القدر الذي يجوز أن يوصى به من المال كما لم يخصص قدر الدين بل ظاهر العموم جواز الوصية بالقليل والكثير، لأن الخبر الصحيح من وصية سعد دل على أن الزيادة على الثلث غير جائزة، فيخصص العموم بذلك إذا كان هناك وارث معين؛ لقوله ﵊: ((لأن تدع ورثتك أغنياء)) الحديث، فإذا لم يكن وارث معينًا، فهل تبقى الآية على عمومها من جواز الوصية بالقليل والكثير أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب أبو حنيفة إلى أنها باقية على موجب العموم من جواز الوصية بالقليل والكثير، وإن استغرق المال الوصية، وخالف مالك والشافعي ومن حجتهم أن قوله تعالى: ﴿يوصى بها أو دين﴾ إنما ورد في بعض الوراثة، ولم يرد

стр. 493

مطلقًا فكيف يمكن الاستدلال بعمومه، وهذا قاطع من منع الاستدلال بعموم آية الوصية. وإذا امتنع ذلك بقينا على الأصل الذي هو امتناع التصرف في المال بعد الموت إلا بقدر ما استثني. ودل الخبر أيضًا أن النقصان من الثلث مستحب؛ لقوله ﷺ : ((الثلث والثلث كثير))، ودل على أنه كان قليل المال وورثته فقراء، فالمستحب أن لا يوصي؛ لقوله ﵊: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)). ودل ظاهر قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ على أن كل ما يسمى دين مقدم على الميراث كدين الزكاة ودين الحج على قول من يرى الحج عن الميت إن لم يوص به، فإن رسول الله ﷺ سماه دين الله، فقال: ((دين الله أحق أن يقضى))، وعموم قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ يشتمل أيضًا على الوصية للوارث والأجنبي، لكن الخبر جاء بأنه لا وصية لوارث، فتخصص ذلك بالخبر وبالإجماع أيضًا. ومن الآية أيضًا دليل على أن القسمة من التركة لا تجوز إلا بعد أداء الدين وإخراج الوصية.

стр. 494

واختلف في الغريم والموصي له بعدد يطرأ على الورثة وقد اقتسموا التركة، هل تنقض القسمة لذلك أم لا؟ فروى أشهب عن مالك أنها تنقض على كل حال، وإن أراد الورثة أن يؤدوا الدين لا تنقض القسمة وشاء الغرماء ذلك. وحجته ظاهر هذه الآية، لأنه إنا أباح الله تعالى قسمة المال بعد أداء الدين والوصية فلا يتعدى ذلك. وذهب أشهب وسحنون إلى أن القسمة لا تنقض على كل حال، قالا: ولكن يقضي المال على ما بأيديهم على اختلاف بينهما في كيفية ذلك. وهذا القول إحدى الروايتين عن ابن القاسم. وقال ابن القاسم: في المشهور عنه: إنها تنقض في رجل هلك وعليه دين وترك مالهم أو من التركة، وعلى هذا اختلفوا في رجل هلك وعليه دين وترك مالًا، هل يجوز فقيل أداء الدين لورثته أن يصالحوا امرأته على ميراثها من التركة بعد أداء الدين أم لا؟ فعلى مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ذلك جائز. وأما على رواية أشهب عن مالك، فلا يجوز من أجل الدين؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى

стр. 495

بها أو دين﴾. واختلف في الغريم يطرأ على ورثته وعلى الغرماء، فقيل: يرجع على الغرماء، وقيل: يرجع على الورثة، وهذا أصح؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، فجعل الميراث بعد أداء الدين؛ فدل على أنه لا يستحق ميراثًا مع بقائه. وكذلك اختلف فيمن ترك مالًا وعليه دين وفي بعض ماله وفاء بالدين، فقام بعض الورثة فباع بعض الأموال لنفسه، وفيما بقي وفاء بالدين، فروى أشهب عن مالك: أنه لا يجوز ذلك، ويفسخ البيع، ولا ميراث لأحد يقضي الدين، ولعل تلك الأموال تهلك فأرى هذا البيع مفسوخًا؛ لقوله : ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، وهذا القول خلاف قول ابن القاسم في مسألة الصلح المتقدمة، وخلاف ما روي عنه من أن بيع الورثة التركة إذا لم يعلموا بالدين جائز، فالبيع والقسمة من ذلك الفضل على هذا جائز. واختلف في الرجل يموت وعليه دين ويترك امرأته حاملًا، هل يؤدي دينه قبل أن تضع المرأة أم ينتظر وضعها؟ فالمشهور أنه يؤدي الدين ولا ينتظر الوضع لأنه إنما يؤثر في القسمة لا في الدين. والله تعالى قد أمر بتأدية الدين قبل القسمة ولم يخص من الورثة حملًا من غير حمل، وذكر بعض المتأخرين: أنه لا يخرج الدين حتى يوضع الحمل، والوصية بعدد القول فيها كالقول في الدين. وأما الوصية بالثلث مع الحمل، فالخلاف فيها معروف من كتب العلماء. واختلف في الموصي إذا كان له جد أو أب

стр. 496

وله أولاد صغار هل بجوز إلى أجنبي بالنظر في أولاده وسائر وصاياه أم لا يجوز: فعند المالكية أن ذلك يصح، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يوصي إلى أجنبي في أمر أولاده مع وجود أبيه وجده إذا كانا من أهل العدالة؛ لأن ولاية الأصاغر تنتقل إليهما بغير تولية. ودليل قول مالك عموم ظاهر الآية؛ لأنه قال تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ فعم، ولم يخص. واختلف في العبد هل يجوز أن يكون وصيًا أم لا؟ فعند المالكية أنه يجوز أن يوصي عبد أو مكاتبه أو عبد عبده، وعند الشافعي أنه لا يجوز أن يوصي للعبد على كل حال، وكذلك قوله في المكاتب؛ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿من بعد وصية﴾ فعم. واختلف في الوصية للمشركين، فعند المالكية أنها جائزة على كراهية كانوا أهل حرب أو ذمة. وقال أبو حنيفة: لا تصح لأهل الحرب، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿من بعد وصية﴾ الآية، فعم. واختلف في الرجل يموت ويترك لحم أضحية، فقيل: إنه يكون لأهل بيته يأكلونه على نحو ما كانوا يأكلونه لو لم يمت، ورثة كانوا أو غير ورثة، وهو قول مالك. وقيل: إن الورثة يقتسمونه بينهم على الميراث، وهو أيضًا قول مالك. والقول الأول أظهر لأن الورثة إنما يقتسمون على الميراث

стр. 497

ما تكون فيه الوصية والدين؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾. وهذا اللحم لا وصية فيه ولا دين. (١١) - وقوله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم﴾ الآية: اختلف في تأويله، فقيل: معناه أقرب لكم نفعًا في الآخرة، وروى بعض المفسرين أن الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله تعالى فرفع إليه أباه، وكذلك إن كان الأب أرفع من ابنه. وقيل: معناه لا تدرون أيهم أقرب إليكم نفعًا في الدنيا. (١٢) - وقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ الآية: بين في مورث الزوج من زوجته والزوجة من زوجها، وأن الولد يحجب الزوج عن النصف إلى الربع، ويحجب الزوجة عن الربع إلى الثمن. واختلف في والد الولد هل يحجبون كالوالد أم لا؟ فذهب الأكثر إلى أنه كالولد في الحجب؛ لأن اسم الولد واقع عليه. وذهب ابن عباس إلى أنهم لا يحجبون؛ لقوله تعالى: ﴿إن كان له ولد﴾، وقال: وليس هذا بولد، والحجة عليه ما قدمنا من أنه ولد. واختلف في العول: وأول من نزل به ذلك عمر بن الخطاب

стр. 498

رضي الله تعالى عنه، فقال: لا أدري من قدمه الكتاب فأقدمه ولا من أخره فأؤخره، ولكن رأيت رأيًا فإن يكن صوابًا فمن الله تعالى، وإن يكن خطأ فمن عمر، وهو أن يدخل الضرر على جميعهم وينقص كل واحد من سهمه. وحكم بالعول، ويقال: إن الذي أشار عليه به: العباس بن عبد المطلب ﵁، وخالفه ابن عباس فلم ير العول، وقال: لو أن عمر نظر من قدمه الكتاب فقدمه، ومن أخره فأخره ما عالت فريضة، فقيل: وكيف يصنع؟ قال: ينظر أسوأ الورثة حالًا وأكثر تغيرًا فيدخل عليهم الضرر، وهو على قوله: البنات والأخوات، والصواب ما ذهب إليه الجماعة، ودليلهم أن الله تعالى قال في الأزواج: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾. وقال في البنات: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾، وقال: ﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾، ولما كان الزوج لا يمت في الظاهر إلا بمثل ما تمت به الابنة والأخت وجب أن يتساويا في النقص. (١٢) - وقوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة﴾: اختلف في اشتقاق الكلالة، فقيل: من الإحاطة لذلك سمي الإكليل إكليلًا لأنه محيط بالرأس، فكان هذا الميت يحاط لذلك من جنابته. وقيل: أخذت من البعد والانقطاع، من قولهم: كلت الرحم إذا تباعدت فطال انتسابها، يقال: كلت الرحم إذا تباعدت، ولحت إذا قربت، يقال: هو أن عمي لحا أي هو ابن أخي أبي، .............................

стр. 499

وهو ابن عمي كلالة أي من عشيرتي. قال الشاعر: ورثتم قناة المجد لا عن كلالة ... عن أبي مناف عبد شمس وهاشم يعني ورثتموها بالآباء لا بالإخوة والعمومة، ويمكن أن يكون مأخوذًا من الكلال هو الإعياء، ومنه الكلال في المشي. وفي الكلالة يقول الشاعر: فإن أبا المرء أحمى له ... ومولى الكلالة لا يغضب واختلف بعد هذا الاشتقاق فيما يقع عليه هذا الاسم، فقال قوم: الكلالة الوراثة إذا لم يكن فيها ولد ولا والد، وإذا فسرت به هذه الآية كانت الكلالة مصدر في موضع الحال. وقال بعضهم: هي نصب على الحال أو على النعت لمصدر محذوف تقديره: ورأته كلالة، وهو قول ضعيف. وقال قوم: الكلالة اسم الميت الذي لا ولد له ولا والد، ووقع

стр. 500

على المذكر، وإن كان فيه ((هاء)) التأنيث كضرورة المذكر والمؤنث فيه سواء. ونصبه على هذا القول على الحال من الضمير في يورث، وهو العائد على الرجل، ورأى بعضهم نصبه على التمييز، ونصبه بعضهم على خبر كان وقال قوم: الكلالة اسم للورثة الذين لا ولد فيهم ولا والد، واحتجوا بقول جابر لرسول الله ﷺ : ((إنما ترثني كلالة))، وكان أبوه قتل يوم أحد، وبقراءة من قرأ يورث بكسر الراء، وشددها بعضهم، ونصبه على هذه القراءة على المفعول، وعلى القراءة المشهورة تنتصب الكلالة على أنها خبر كان. والتقدير: ذا كلالة ثم حذف المضاف (وأقيم المضاف) إليه مقامه، وبعضهم ينصبه على التمييز أو على الحال، ويجعل كان التامة لا الناقصة. وقال قوم: الكلالة اسم للمال الذي لا يرثه ولد ولا والد، ونصبه على هذه القراءة على التمييز ونصبه بعضهم على النعت لمصدر محذوف وهو ضعيف. ونصبه بعضهم على المفعول الحقيقي، ويأتي هذا على أن ورث يتعدى إلى مفعولين، وذهبت طائفة وهم الشيعة إلى أن الكلالة من لا ولد له ذكرًا كان أو أنثى، وإن كان له أب أو جد فورثوا الإخوة والأخوات مع الجد والأب ومنعوهم من الوراثة مع البنت. وروي هذا القول عن أبي بكر وعمر ثم رجعا عنه،

стр. 501

وروي عن ابن عباس وهي رواية شاذة لا تصح عنه والصحيح ما عليه جماعة العلماء، فعلى هذا يأتي في الأب قولان: هل يدخل في الكلالة أم لا؟ فمن لم يدخله في الكلالة لم يورث الإخوة معه، وهو الصحيح. ومن أدخله في الكلالة ورثهم معه، ويأتي في الجد قولان أيضًا، وكذلك فمن جعله أبًا وكان الأب عنده لا يدخل في الكلالة لم يورث الإخوة معه، وهو قول أبو حنيفة أنه يسقطهم وينفرد بالمال، وروي عن أبي بكر وابن عباس وعائشة وابن الزبير: ولمز يجعله أبًا ورث الإخوة معه وجعل الوراثة كلالة، وهو قول عثمان وعلى وابن مسعود وزيد

стр. 502

وفقهاء المدينة. واختلفت الرواية فيه عن عمر اختلافًا كثيرًا، فتارة لا يجعل الوالد كلالة، وتارة يجعله كلالة. ورده رسول الله ﷺ إلى آية الصيف ولم يجبه عن سؤاله، ووكله إلى استنباطه. وفيه دليل على جواز تفويض الأحكام إلى الاجتهاد، وعلى جواز استنباط معاني القرآن بالاجتهاد خلافًا لمن منع ذلك. ويأتي أيضًا في البنت قولان فمن أدخلها في الكلالة ورث معها الإخوة والأخوات، وهو قول الجمهور. ومن لم يدخلها في الكلالة لم يورثهم معها، وهو قول ابن عباس، وبه قال داود، وإليه ذهب الشيعة، وحجتهم قول الله في آخر السورة: ﴿ليس له ولد وله أخت﴾، فشرط عدم الولد، وسيأتي الكلام على المسألة في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد مضى منها طرف. وقال قوم: الكلالة من لا ولد له مطلقًا، وهذا القول أردى الأقوال وأسقطها؛ للأن الأمة مجمعة على أن الإخوة لا يرثون مع الولد الذكر. ومن حجة الجمهور قوله تعالى: ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]، فأطلق اسم الكلالة ثم فسرها بميراث الإخوة منفردين. فدل ذلك أن الكلالة لا يدخل فيها ولد ولا والد، وقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ إلى قوله: ﴿فأن كان له

стр. 503

إخوة فلأمه السدس﴾ [النساء: ١١]، فلم يجعل للإخوة ميراثًا مع الولد، فخرج الولد من الكلالة والوالد جميعًا، والابنة أيضًا ليست بكلالة كالابن فأخوة الأم يرثون معها؛ لأنه تعالى شرط توريث إخوة الأم بأن يكون الميت كلالة أو الوارث كلالة. (١٢) - قوله تعالى: ﴿وله أخ أو أخت﴾: أجمع الناس أنه أراد الإخوة للأم في هذه الآية، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ: ((وله أخ أو أخت من أم))، فعلى ما في الآية إذا انفرد أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس، فإن كانا اثنتين فصاعدًا ذكورًا او إناثًا فهم شركاء في الثلث على السواء لا يفضل ذكر على أنثى. واختلف في المسألة الحمارية وتسمى أيضًا المشتركة، وهي زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء، فذهب قوم إلى أن الزوج يأخذ النصف والأم السدس، والإخوة لأم الثلث ولا يكون للأشقاء شيء، قالوا: لأنهم عصبة وقد استغرقت الفرائض المال، وهو قول علي وأُبي وابن مسعود وأبي موسى، وإليه ذهب ابن أبي ليلى وطائفة من الكوفيين، وذهبت

стр. 504

طائفة إلى أنه يأخذ الزوج النصف والأم السدس ويبقى الثلث وهو نصيب الإخوة لأم. قالوا: فيقول لهم الإخوة والأشقاء إنما ورثتم هذا الثلث من قبل الأم، وأمنا وأمكم واحدة والله تعالى جعل ذلك الثلث للإخوة للأم، والكل منا إخوة للأم وهب أن أبانا كان حمارًا، فيشركونهم في ذلك الثلث ذكورهم وإناثهم فيه سواء، وهو قول عمر وعثمان، وإليه ذهب مالك والشافعي والثوري وإسحاق وحجتهم الآية، قوله تعالى: ﴿له أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾. (١٢) - قوله تعالى: ﴿غير مضار وصية من الله﴾: قال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر، ورواه عن النبي ﷺ ، وروى أبو هريرة أن الرسول ﷺ قال: ((من ضار في وصية ألقاه الله تعالى في وادي جهنم))، ووجوه الضرر في ذلك لا تنحصر وكلها ممنوعة للآية، مثل أن يقر بما ليس عليه أو يوصي بأكثر من الثلث. قال الشيخ أبو الحسن: وقوله تعالى: ﴿غير مضار﴾

стр. 505

يمنع التعليق بعموم آية الوصية فيما يقع فيه التنازع، فلا يدري أنه من قبيل المضارة أم لا؟ فيمتنع التعلق بعمومه لمكان الاستثناء المبهم ولا يعد مضارًا في ثلثه، فإن علم أنه أراد بما يصنع فيه من التصرف الضرر، ففيفه في المذهب قولان، أحدهما: أنه لا يعد إضراره في الثلث إضرارًا وأنه ينفذ. وقيل: أنه يرد، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم﴾ الآية [البقرة: ١٨٢]، مما يتعلق بمعاني هذه الآية أن عموم قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ مع ذكر الزوجة والزوج والأخوات والإخوة دال على جواز الميراث، في مسائل: منها القاتل. وقد اختلف فيه على مذاهب: أحدها أن القتل لا يمنع من الميراث عمدًا كان أو خطأ، وهو قول الزهري والبصريين، وقيل: إنه يمنع الميراث عمدًا كان أو خطأ، وهو قول الشافعي. وقال مالك: القاتل عمدًا لا يرث، والقاتل خطأ يرث من المال ولا يرث من الدية، وكذلك اختلف فيمن فيه بقية رق، فالجمهور أنه لا يرث، وقال أبو يوسف والمزني: يرث وكذلك إذا مات ورثه على قول الجمهور. من له فيه الرق خاصة، وقال أصحاب الشافعي أن ورثته

стр. 506

يرثون النصيب الحر. وقال بعضهم: هو لبيت المال، وكذلك اختلف: هل يرث المسلم الكافر أم لا؟ فالجمهور على أنه لا يرث؛ لقوله ﵊: ((لا يتوارث أهل ملتين)). وقال معاوية ومحمد بن الحنفية ومحمد بن الحسن: المسلم يرث قريبه الكافر، واتفقوا على أنه لا يرث الكافر المسلم، وكذلك اختلف في ميراث المرتد إذا قتل على ردته، فقال مالك والشافعي: لبيت المال، وقال أبو حنيفة: لورثته المسلمين. وقيل: ما كسب في حال إسلامه لورثته المسلمين وما كسب في حال ردته لبيت المال. وروي عن قتادة أن ميراثه لأهل الدين الذي ارتد إليه. وعموم الآية يدل على التوارث في هذه المسائل غير أن الأخبار الخاصة منعت من ذلك، وخصصت ذلك العموم. ومن ذلك اختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في ميراث النبي ﷺ : فذهب جماعة إلى أنه يورث تعلقًا بعموم هذه الآية. وذهب جماعة

стр. 507

إلى أنه لا يورث وخصص الآية بما نقله عنه ﵊ من قوله: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة))، وبعضهم رواه صدقة بالنصب ولم ير على ذلك في الحديث حجة. (١٥)، (١٦) - قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿إنما التوبة على الله﴾: الفاحشة في هذا الموضع الزنا، وقرأ ابن مسعود بالفاحشة، وقوله: ﴿من نسائكم﴾ إضافة في معنى الإسلام بأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بسبب ولا يلحقها هذا الحكم على خلاف فيه. واختلف في المعنى الذي له جعل شهداء الزنا أربعة، فقيل: تغليظًا على المدعي وسترًا على العباد، وقيل: لترتب شاهدين على كل واحد من الزانيين، وفي هذا ضعف. (١٦) - قوله تعالى: ﴿فآذوهما﴾: اختلف في ذلك الإيذاء، ما هو؟ فقال عبادة والسدي هو التعيير والتوبيخ. وقيل: هو السب والجفاء دون التعيير. وقال ابن عباس: هو النيل باللسان واليد وضرب النعال وما أشبهه، فثبت بالآية الأولى أن حكم الزنا الإمساك في البيوت حتى يموتوا، وثبت بالآية الثانية بعدها أن

стр. 508

الحكم فيهن الإذاية على ما قدمنا، والأولى منسوخة باتفاق. الثانية أيضًا منسوخة إلا في قول من قال: إن الأذى والتعيير باقيان مع الجلد، لأنهما لا تعارض بينهما فلا يقع فيهما نسخ. وقد اختلف في كيفية ترتيب النسخ في هاتين الآيتين على أقوال ثمانية، فقيل: إن الآية الأولى في المحصنين والآية الثانية في البكريين ورجح الطبري هذا القول، وهو قول حسن لولا أن لفظ الآية ينبو عنه فيضعف؛ لأن قوله: ﴿واللاتي﴾ لا يعطي إلا النساء خاصة، والمؤنث لا يغلب على المذكر إلا في موضعين ليس هذا منهما إلا أن يريد أن اللفظ إنما هو للنساء خاصة ثم دخل الرجال في ذلك الحكم حملًا لهم على النساء، كما قال ﵊: ((من أعتق شركًا له في عبد))، فلحقت به الأمة في ذلك من غير أ، يقال اللفظ جامع للرجال والنساء. وقد اختلف في تسمية مثل هذا قياسًا، وقرأ ابن مسعود: ﴿والذين يفعلونه منكم﴾، وعلى هذا القول لا يصح أن تكون إحدى الروايتين ناسخة للأخرى، لاختلاف الحكمين والمحكوم فيهما وتكون الآية الأولى منسوخة بأحد أمرين إما بالرجم المتواتر نقله المنسوخ في القرآن وتلاوته وعلى قول من ذهب إلى ما روي عن عمر بن الخطاب من قوله: ((الثيب والثيبة إذا زنا فارجموهما البتة))، وأنه كان قرآنًا فنسخ

стр. 509

تلاوته وبقي حكمه. وقد أنكر هذا قوم وسيأتي الكلام عليه في سورة النور إن شاء الله تعالى. أو بقول الله : ﴿ويدرؤ عنها العذاب أن تشهد﴾ الآية [النور: ٨]، لأن العذاب المذكور في آية الرجم على ما بينه رسول الله ﷺ ، وتكون الآية الثانية منسوخة بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ الآية [النور: ٢]. وقيل: إن الآيتين في الزانيين البكريين، وقيل: في الزانيين المحصنين، وقيل: هما عامتان في الصنفين والضعف الذي ذكرناه في القول الأول داخل في هذه الأقوال. ولا بد على كل واحدة من هذه الثلاثة الأقوال أن تكون إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. وقد اختلف في ذلك على قولين، أحدهما: أن الأولى منسوخة بالثانية، وهو قول عبادة والحسن ومجاهد، وقيل: إن الثانية منسوخة بالأولى، ولكن التلاوة أخرت وقدمت ذكره ابن فورك ورجحه بعضهم. ثم إن الناسخة في الآيتين لا بد أن يكون منسوخًا على القول بأن الآيتين جميعًا منسوختان فعلى القول الأول بأنها في الأبكار خاصة، يكون

стр. 510

الناسخ قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ [النور: ٢]، لأنها إنما هي في الأبكار على القول المشهور. وعلى القول بأنهما في المحصنين يكون الناسخ إحدى الآيتين التي قدمنا ذكرهما في الرجم، وعلى هذا القول بأنهما في الصنفين يكون الناسخ آية الجلد وآية الرجم، وقيل: الآية الأولى في النساء خاصة المحصنات كن أو غير محصنات، والآية في الرجال خاصة وبن بلفظ التثنية صنفي الرجال فيمن أحصن وفيمن لم يحصن، فكانت عقوبة النساء الحبس وعقوبة الرجال الأذى، ولم تكن إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. ثم نسخ ذلك في آيتي الجلد والرجم، وهو قول مجاهد. وروي عن ابن عباس: وهذا القول في الآية عندي أحسن الأقوال، وأصح على قوانين العربية يؤيده من جهة اللفظ: قوله في الأولى: ﴿من نسائكم﴾ وقوله في الثانية: ﴿منكم﴾، فالذي يتحصل في هاتين الآيتين ثمانية أقوال. (١٦) - قوله تعالى: ﴿فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾: أمر بكف الأذى عنهما بعد التوبة، ولا خلاف بين أحد من أهل العلم أن الحد لا يقام بأقل من أربعة شهداء، رجال عدول، وعلى معاينة الفعل كالمردود في المكحلة، والأصل في قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: ١٥]، قوله: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤]، وقد حكي عن قوم أنهم أجازوا

стр. 511

شهادة ثلاثة رجال وامرأتين. وحكي عن عثمان البتي وهو غلط؛ لقوله تعالى: ﴿أربعة منكم﴾، وهو يخاطب الرجال. واختلف هل من شرط الشهادة في ذلك أن تكون في مجلس واحد فلا تقبل شهادتهم إذا كانوا متفرقين أم ليس من شرطها ذلك. وتقبل الشهادة إذا جاء الشهداء مجتمعين أو متفرقين على قولين في المذهب. والآية حجة لمن لم ير ذلك؛ لأن الله تعالى لم يذكر في الشهداء الأربعة افتراقًا ولا اجتماعًا، فيحمل على عمومه حتى يقوم الدليل على غير ذلك. واختلف في اليهوديين والنصرانيين إذا زنيا هل يقام عليهما الحد كما يقام على المسلمين؟ فذهب مالك ومن تابعه إلى أنهما لا يقام عليهما الحد، ولكن لن يؤذيان إذا علنا ذلك. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنهما يرجمان إن كانا محصنين ويجلدان إن كانا بكرين، والحجة عليهما قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم، فدل على أن عداهن بخلافهن.

стр. 512

(١٧) - قوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾ الآية: التوبة: الندم على ما مضى من فعل عصى الله تعالى من حيث هو معصية لا من حيث أضر ببدن او ملك، وإن كان ذلك الفعل مما يتأتى العودة إليه، فيجب أن ينضاف إلى الندم العزم على ترك العودة، وإن كان مما يتأتى فلا يحتاج إلى ذلك العزم. والتوبة من الذنب واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون﴾ [النور: ٣١]، فأجمع الناس أن هذا الأمر على الوجوب، وتصح التوبة عندنا من الذنب مع البقاء على ذنب آخر خلافًا لمن منعه من المعتزلة؛ لأن النادم على ذنب وهو مصر على آخر قد لزمه اسم التوبة في كلام العرب الرجوع، فهو قد رجع عن أمر فهو تائب منه، وهو تعالى قد قال: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾ [النساء: ١٧]، وهذا قد عمل سوء ثم تاب فهو تائب من جهة، غير تائب من جهة أخرى، وهذا لا يتنافى إلا لو كان من جهة واحدة في حين واحد من شخص واحد. وما ذلك في شخص واحد إلا بمنزلته في شخصين تاب أحدهما من ذنوبه والآخر لم يتب، فهل يمنع الذي لم يتب قبول توبة التائب؟ وإذا صحت توبة العبد، فإن كانت عن الكفر قطعنا بقبولها وإذا كانت عما

стр. 513

سواه من المعاصي، فمن العلماء من يقطع بقبولها، ومنهم من لا يقطع بقبول ذلك ويظنه ظنًا، وهذا عندي هو الأصح لأن هذا لا يعرف من طريق العقل وإنما يلجأ فيه إلى السمع والظواهر التي أتت بالقبول ليست بعوض لاحتمال التأويل، وإنما هي عمومات معرضة للتأويل؛ كقوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى: ٢٥]، فكيف يصح القطع مع ذلك، والسوء في الآية يعم الكفر والمعاصي. وقوله: ﴿يجهله﴾ اختلف في معناها، فقيل: الجهالة السفاهة، قاله جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال قتادة: اجتمع أصحاب سيدنا محمد ﷺ على أن كل معصية فهي جهالة عمدًا كانت أو جهلًا. وقال به ابن عباس ومجاهد والسدي. وروي عن مجاهد والضحاك أنهما قالا: الجهالة هنا العمد، وقال عكرمة: أمور الدنيا كلها جهالة يريد

стр. 514

بها الخارجة عن طاعة الله، وقيل: بجهالة لا يعلم كنه العقوبة. واختلف في معنى قوله: ﴿من قريب﴾، فقال ابن عباس والسدي: معنى ذلك قلب المرض والموت. وقال أبو مجلز ومحمد بن قيس والضحاك وعكرمة وابن يزيد وغيرهم: معنى ذلك قبل معاينة الملائكة وأن يغلب المرء على نفسه. وروي أن الله تعالى لما خلق آدم ﵇ فرآه إبليس أجوف ثم جرى له ما جرى ولعن وأنظر، وقال: ((وعزتك لبرحت من قلبه ما دام فيه الروح))، فقال: ((وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح)). وقال إبراهيم النخعي: كان يقال التوبة مبسوطة لأحدكم ما لم يأخذ بكظمه، وروي أن النبي ﷺ قال: ((إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله))، وقيل: قوله تعالى: ﴿من قريب﴾ معناه: من قريب إلى وقت الذنب. (١٨) - قوله تعالى: ﴿حتى إذا حضر أحدكم الموت﴾ الآية: هذا كما كان فرعون حين صار في غمر الماء والغرق فلم ينفعه ما أطهر من الإيمان. واختلف الناس في هذه الآية التي ذكرنا هل هي منسوخة أم محكمة؟ فذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، قالوا: فحرم الله

стр. 515

تعالى المغفرة لمن مات كافرًا وأرجى أهل المعاصي من أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة ورأوا أن الآية الأولى تعطي أنه إذا لم تقبل توبة العاصي فلن يغفر الله له، وذهب أكثرهم إلى أن الآية لا تنفي أن يغفر للعاصي الذي لم تقبل توبته، وهو الذي لا يتوب من قريب فيضطر إلى أن يقول: إن قوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ناسخ لها، وإنما نفت هذه الآية أن يكون تائبًا فلم يتب إلا عند حضور الوفاة. وطعن بعضهم في قول من جعل الآية منسوخة بأن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ. وهذا الاعتراض ساقط لأن الآية وإن كانت خبرًا فقد تضمنت حكمًا، وإذا كانت كذلك جاز أن تنسخ وعندنا أن المرتد إذا تاب قبلت توبته. وذهب بعضهم إلى أنه لا تقبل توبته، وحجتنا على من قال ذلك قوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾ الآية [الشورى: ٢٥]، وقوله: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]. (١٩) - (٢٢) - وقله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ إلى قوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾: اختلف المتأولون في قوله: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾، فقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بمرأته من أهلها إن شاؤوا تزوجوها، وإن شاؤوا منعوها الزواج حتى الموت، فنزلت الآية.

стр. 516

قال أبو أمامة سهل بن حنيف: لما توفي أبو قيس ابن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية. فنزلت في ذلك واسم ابنه محض واسم المراة على ما ذكر عكرمة: كبيشة بنت معن الأنصارية. وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة وفي قريش مباحة على التراضي، وقد خلف أبو عمرو بن أمية على امرأة أبيه بعد موته، فولدت من أبي عمرو مسافرًا وأبا معيط. ومان لها من أبيه أو العيص وغريه بنو أمية أخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما. وقال بمثل هذا القول عكرمة وأبو مجلز والحسن البصري. وقال مجاهد: كان الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه إذا لم يكن ولدها، وقال السدي: كان ولد الميت إذا سبق فألقى على امرأة أبيه ثوبه فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها. والروايات في هذا كثيرة بحسب سيرة الجاهلية، فعلى هذا القول في الآية يكون الموروث من النساء، والمعنى: لا تجعلوا النساء كالمال يورثن عن الرجال الموتى كما يروث المال. والمخاطبون أولياء الموتى. والتقدير: لا يحل لكم أن ترثوا آباءكم وأقرباءكم نكاح نسائهم. وقال بعض المتأولين: معنى الآية: لا يحل لكم عضل

стр. 517

النساء اللواتي أنتم لهن أولياء وإمساكهن دون تزويج فترثون أموالهن، وعلى هذا القول يكون الموروث المال دون النساء، وقد روي نحو هذا عن ابن عباس ... والمخاطبون بالآية على هذا التأويل أولياء النساء. واختلف المتأولون أيضًا في معنى قوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن﴾ الآية، فقال ابن عباس وغيره: هي أيضًا في نهي أولئك الأولياء الذين كانوا يرثون المرأة لأنهم كانوا يتزوجونها إذا كانت جميلة ويمسكونها حتى تموت إذا كانت ذميمة، فالمعنى: لا تحبسوهن عن نكاح كم أردن نكاحه حتى يمتن من أموالهن ما كان أعطاهن موتاكم من صدقاتهن، وقال نحوه الحسن وعكرمة. ومعنى قوله تعالى: ﴿آتيتموهن﴾ على هذا القول، أي: آتاها الرجل قبلكم. وقال ابن عباس أيضًا: هي للأزواج أن يمسك أحدهم المرأة ويسيئ عشرتها حتى تفتدي منه، فذلك لا يحل له، وقال بعضهم: نهى الزوج بعد فرقة المرأة عن عضلها عن التزويج وكان ذلك من فعل الجاهلية. وقال ابن زيد: هذا العضل المنهي عنه في الآية هو من سير الجاهلية، كان في قريش بمكة إذا لم يتوافق الزوجان طلقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه ويشهد عليها بذلك، فإذا خطبت فإن أعطته روشته وإلا عضل، ففي هذا نزلت الآية. وأقوى هذه الأقوال والذي عليه الجمهور ان المراد بالآية الأزواج وأنهم المخاطبون وبحسب ذلك تجاذب الفقهاء

стр. 518

الآية واحتج بها أكثرهم في أمر الخلع، واختلف المتأولون في الفاحشة المبينة ما هي؟ فقال قوم: هي الزنا، وقال قوم: الفاحشة المبينة ها هنا شتم العرض وأن تبذو عليه بلسانها أو تخالف أمره؛ لأن كل فاحشة وصفت في القرآن مبينة فهي في باب النطق. وكل فاحشة أتت فيه مطلقة لم تنعت بمبينة، فالمراد بها الزنا. وقال بعضهم: المراد بها الزنا والأذى والنشوز البذو باللسان وما أشبه ذلك. واختلف في قوله: ﴿إلا أن يأتين﴾ هل هذا الاستثناء متصل أو منفصل؟ وعلى هذا اختلف الفقهاء في الرجل إذا نشزت عليه امرأته أو أحدثت حدثًا من زنا أو غيره، هل له أن يضارها حتى تفتدي منه أم لا؟ فذهب مالك ومن تابعه إلى أنه ليس له ذلك، وأنه إنما له من ذلك ما كان لغير ضرر منه وطابت به نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا﴾ [النساء: ٤]، واختلف في الاستثناء على هذا القول، فقيل: هو متصل والآية تعطي جواز الإضرار حتى يأخذ ما أتاها، ولكن نسخ بالحدود وهو قول ضعيف، وإلى نحو هذا ذهب عطاء، وقيل: بل الاستثناء منفصل، والتقدير: ولكن إن أتين بفاحشة مبينة لكم أن تقبلوا منهن في الفداء ما طابت به أنفسهن. وذهب قوم من أهل العلم إلى أن الرجل إن أتت امرأته بشيء مما ذكرنا من زنا وغيره أن يضيق علها حتى تفتدي منه، وجعل الاستثناء أيضًا متصلًا، والآية محكمة.

стр. 519

وإذا قلنا أنها إذا نشزت جاز له أن يأخذ منها، فهل له أن يأخذ منها جميع ما أعطاها أم لا؟ فذهب مالك وغيره إلى أنه جائز أن يأخذ جميع ما تملك. وقال بعضهم: يجوز ولكن لا يتجاوز ما أعطاها، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لتذهبوا بعض ما آتيتموهن﴾. (١٩) - قوله تعالى: ﴿وعاشروهن المعروف﴾: أمر للجميع؛ إذ لكل أحد عشرة زوجًا كان أو وليًا، ولكن الملتمس بهذا الأمر في الأغلب الأزواج. والعشرة المخالطة والممازجة، ومنه قول طرفة: فلئن شطت نواها مرة ... لعلى عهد حبيب معتكر وقوله: ﴿بالمعروف﴾ اختلف فيه، فقيل: بالمعروف في المبيت والكلام، وقيل: إمساكهن بأداء حقوقهن التي لهن أو تسريحهن بإحسان. والآية ينبغي أن تحمل على العموم مما تقتضيه المعاشرة بالمعروف من المهر والنفقة والعدل في القسم وأن لا يعاتب ولا يعاقب على غير ذنب، ونحو ذلك. واختلف العلماء في الزوجة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها هل

стр. 520

يجب على الزوج إخدامها أم لا؟ فالجمهور على إيجاب ذلك. وذهب داود إلى أنه لا يجب أن يخدمها. ودليل الجمهور مقتضى قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، وإذا قلنا بوجوب الخدمة فما الذي يجب عليه منها؟ فقيل: لا يجب عليه لا لها أكثر من خادم واحد، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك. وقيل: وإن كانت لا يكفيها خادم واحد وحال الزوج يحتمل أخدمها مثلها، ودلل هذا القول قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾. (١٩) - وقوله تعالى: ﴿فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا﴾: فيه يبان استحباب الإمساك بالمعروف، وإن كان على خلاف هوى النفس وفيه دليل على أن الطلاق مكروه، وهو موافق لقوله ﵊: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)). (٢٠) - وقوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ الآية: اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا﴾ إلى قوله: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما. وذهب بعضهم إلى أن هذه الآية: ﴿فلا تأخذوا منه

стр. 521

شيئًا﴾ ناسخة لما في البقرة في قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا من لا يجيز أن يأخذ من المختلعة شيء قليل ولا كثير. والصحيح أن هذه الآية ليست ناسخة ولا منسوخة. وبعض الآيات تنبني على بعض، ولما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه من المرأة وأن للزوج أخذا مال منها على ذلك عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه من الزوج والمنع من أخذ ما لها مع ذلك، وقد تقدم الكلام على فقه هذه الآية في سورة البقرة. واختلف في جواز المغالاة بالمهور، فأجازه الجمهور ومنعه قوم. واحتج مجيزوه بهذه الآية، قالوا: لأن الله تعالى قد مثل بقنطار ولا يمثل تعالى إلا بمباح، وخطب عمر فقال: ألا لا تغالوا في صداق نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول: تجسمت إليك علق القربة وعرق القربة. فروي أن امرأة كلمته من وراء الناس فقالت: كيف هذا والله تعالى يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾، قال: فأطرق عمر ﵁، ثم قال: ((كل الناس أفقه منك يا عمر. ويروى أنه قال: امرأة أصابت ورجل أخطأ والله المستعان))، وترك الإنكار. وقال الذين ذهبوا إلى منع المغالاة: لا تعطي الآية جواز ذلك؛ لأن التمثيل جاء على

стр. 522

جهة المبالغة كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله ﵊: ((من بنى مسجدًا لله ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة))، فمعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة، وقد قال ﵊ لابن أبي حدود وقد جاءه يستفتيه في مهر، فسأله عن المهر، فقال: مائتين، فغضب رسول الله ﷺ وقال: ((كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل ... )) الحديث. (٢١) - وقوله تعالى: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾: يستدل به من أوجب المهر بالخلوة على ظاهر قول عمر: ((إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق)) ولا حجة فيه لكون الإفضاء مختلفًا في تفسيره، وأن الآية لم يصدق شيء من هذا المعنى، ومع أن قوله تعالى: ﴿من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يعم المخلو بها غيرها وما يوجب لها إلا نصف الصداق مهما لم يكن مسيس. وأيضًا فإن الإفضاء كأنه مأخوذ من الفضاء الذي هو السعة. والكناية عند العرب إنما تستعمل فيما

стр. 523

يستحي من التصريح بذكره، فكنى بالإفضاء عنه، والخلوة لا يستحي من ذكرها، فلا يحتاج إلى كناية، فإن قيل: فهذا محتمل. قلنا: صدقتم، ولكن الظاهر أنه الجماع، فلا يعدل عنه إلا بدليل، ومع أن قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مقدم على قول الفراء؛ إذ هو حبر الأمة وترجمان القرآن مع أنه قد نقل عن الفراء مثل قوله. ويحتمل أن يكون اشتقاق الآية من فضا، أي مختلط، وقوم فوضى أي مختلطون، وكيفما نظر معناه إن كان من الفضاء أو من قولهم: فضا فهو يدل على المجامعة، وقال الفراء: الإفضاء عبارة عن الخلوة، واختلف أيضًا في الميثاق الغليظ، فقال الحسن وابن سيرين وغيرهما: هو قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال مجاهد وابن زيد: هو عقدة النكاح، وقول الرجل: نكحت وملكت النكاح ونحوه ... فهذه التي بها تستحل الفروج. وقال عكرمة والربيع: الميثاق الغليظ يفسره قول النبي ﷺ : ((استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم

стр. 524

فروجهن بكلمة الله))، وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد. (٢٢) - (٢٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ الآية إلى قوله ﴿فما استمتعتم﴾: سبب هذه الآية أن العرب كانت منهم قبائل قد اعتادت أن يخلف الرجل منهم على امرأة أبيه على ما ذكرنا من أمر أبي عمر وابن أمية وابن الأسلت، ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه فاختة بنت الأسود بن عبد المطلب بن الأسد، وكانت امرأة أبيه ريان وكانت مليكة بنت خارجة إلى كثير من هذا، وقد كان في العرب ن تزوج وهو حاجب بن زرارة تمجس وفعل هذه الفعلة، وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية

стр. 525

يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فنزلت الآية. وقوله تعالى: ﴿ما نكح آباؤكم من النساء﴾: اختلف في تأويله، فقالت فرقة: يراد به النساء، أي لا تنكحوا النساء اللواتي نكح أباؤكم، فـ ((ما)) على هذا القول واقعة على من يعقل، وإنما جاز ذلك لأنه إنما أريد به نوع من النساء، و ((ما)) تقع على الأنواع مما يعقل. والذين ذهبوا إلى هذا القول مختلفون في قوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾، فقيل: معناه إلا ما قد سلف فدعوه. وقيل: لكن ما سلف فهو معفو عنه لمن كان واقعه، فكأنه قال: ولا تفعلوا حاشى ما قد سلف، وهذا استثناء منقطع. قال أبو الحسن: في هذه الآية دلالة ظاهرة للشافعي في أن من تزوج امرأة أبيه ثم وطئها مع العلم بالنهي والتحريم أنه زان؛ لأنه تعالى قال: ﴿كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا﴾، فذكر في نكاح امرأة الأب مثل ذلك. وقال ابن زيد: المعنى إلا ما سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء لا على وجه المناكحة، فذلك جائز لكم زواجهن في الإسلام؛ لأن ذلك الزنا كان فاحشة ومقتًا، فالاستثناء على هذا متصل. وقالت فرقة: ما نكح يراد به نكاح الآباء أي نكاحًا مثل نكاحهم أو لا تنكحوا كما نكح آباؤكم من عقودهم الفاسدة. واختلف أيضًا في تأويل الاستثناء، فقيل: معناه إلا ما تقدم منكم من تلك العقود الفاسدة، فباح لكم الإقامة عليها في الإسلام إذا كان مما يقر الإسلام عليه من جهة القرابة ويجوزه الشرع إن لو ابتدئ نكاحه في الإسلام على سنته. وقيل: المعنى إلا ما قد سلف فهو معفو عنكم. وقوله تعالى: ﴿إنه كان فاحشة﴾، قال المبرد: كان هنا زائدة،

стр. 526

قال الزجاج: لو كانت زائدة لكانت فاحشة مرفوعة. وقال بعضهم: كان في هذه الآية تقتضي الماضي والمستقبل. والصحيح في ذلك ما قاله الزجاج وغيره من أن ((كان)) إنما أريد بها هنا الماضي؛ لأن الله تعالى إنما أخبر أن الذي حرمه علينا كان في الجاهلية مستقبحًا يسمونه فاحشة ومقتًا. قال أبو عبيدة وغيره: كانت العرب تسمي الولد الذي يجيء من زوج الوالد المفتي. واختلف في الزنا هل تثبت به حرمة المصاهرة أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان، وقول أبو حنيفة: أنه تثبت. وقول الشافعي: أنه لا تثبت. ووجه إثباتها قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ فعم. قال بعض من احتج بهذا القول: أن النكاح في اللغة عبارة عن الجمع والضم وهو أظهر في الوطئ منه في العقد. فتقديره: ولا تطؤوا ما وطئ آباؤكم من النساء. فدل هذا على أن التحريم متعلق بصورة الوطئ. وأجاب عن هذا من نصر القول بأنه لا يثبت به حرمة المصاهرة، بأن قال: الصفة إذا أطلقت في الشرع ولها عرف في اللغة كالصوم والصلاة والزكاة ونحو ذلك. وعرف الشرع في لفظ النكاح: العقد. قال تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [الأحزاب:

стр. 527

٤٩]. وقال ﵊: ((لا نكاح إلا بولي)) إلى غير ذلك من الآيات والأخبار والواردة المراد بها العقد، ولهذا لو قال لامرأة: أن نكحتك فأنت طالق، فإنه يقع الطلاق بنفس العقد. وإذا صح أن المراد به في الشرع العقد وجب عليه عند الإطلاق. وقال أبو بكر الرازي: أنا أسلم أن المراد به العقد إذا أطلق إلا إذا كانت قرينة هناك تصرفه عن العقد إلى الوطئ. وفي هذا المقام قرائن دالة على أن المراد به الوطئ، ومن ذلك ما ذكره المفسرون أن الآية إنما نزلت في العرب وذلك أنها كانت تخلف آباءها في نسائهم، وإنما كانت تخلفهم في الوطئ، لأنهم ما كانوا يجدون عقدًا. ولهذا قال: ﴿إلا ما قد سلف﴾ أي فإنه معفو ولا إثم فيه، ولهذا سماه فاحشة ولهذا حرم نكاح موطوءة الأب بملك اليمين بحكم هذه الآية ولا نكاح هناك. قال: ولا يمكن ادعاء العموم في مسميات مختلفة المعاني بعضها مجاز وبعضها حقيقة. يريد أنه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا﴾ الآية على العموم في العقد والوطئ، لأنه حقيقة في العقد مجاز في الوطئ. وهذا قول أكثر الأصوليين، فأجاب عن هذا من نصر القول الآخر، بأن قال: الآية من أولها إلى آخرها إنما

стр. 528

دلت على الوطئ في العقد، ولهذا قال: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر الآية، ولم يجر للزنا فيه ذكر فكيف يحمل النكاح على ما لم يجر له في الآية ذكر. والآية إنما وردت في النكاح لا في الزنا، فلتحمل عليه، وكيف لا! وقد قال: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾، فقيد ذلك بالصلب. فذكر الله في هذا المقام حليلة الابن وتعرض لها، فكيف يعرض عن حليلة الأب ولا ذكر لها إلا في قوله : ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾، فثبت بهذا أن الآية صيغت لبيات حكم النكاح. وأما لبيان حكم الزنا فلا. ثم كلام الشرع إنما يجوز حمله على ما لو صرح به كان الكلام منتظمًا جاريًا على وجه الاستقامة، ولا شك أنه تعالى لو قال: ((ولا تزنوا بما زنى آباؤكم)) كان ذلك شنيعًا، فإن تخصيص ذلك غير لازم، فإن القائل بالتحريم بالزنا محرم على الإطلاق. وهذا الجواب غير لازم، فإن القائل بالتحريم بالزنا لا يحمل على النكاح على وطئ النسب فحسب، بل يحمله على كل وطئ بالعموم فيندرج تحته الوطئ الحلال والحرام، فلا بشاعة في ذلك. واختلف القائلون بأن وطئ الزنا محرم في اللمس والقبلة والنظرة إذا كان ذلك كله للشهوة، فجعله الحنفية مثل الجماع في التحريم قياسًا عليه، وخالفهم غيرهم فيه وفي المذهب قولان. واخلتف أيضًا في الوطئ بوجه شبهة، هل يحرم أم لا؟ كمن وقع

стр. 529

على ابنته في الليل وظنها امرأته، فالمشهور أنه وطئ بموجب الحرمة كالوطئ الصحيح الذي لا شبهة فيه. وحكى عن سحنون أنه لا يوجب حرمة فلا تحرم أم ابنته عليه. وقد أجمع الفقهاء على تحريم عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء، كان مع العقد وطئ أو لم يكن، واختلف إذا كان العقد مختلفًا في فساده الذي لم يختلف في صحته. والآية إذا حملت على العقد كانت عامة في كل عقد، إلا أنه إنما ينبغي أن تحمل على العقد الشرعي. (٢٣) - قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ الآية: هذه الآية وغيرها خصصت عموم آيات تقتضي إباحة نكاح جميع النساء، ومنها قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] الآية، وقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] الآية، لكن الله تعالى خصص مما يقتضي ذلك العموم يقتضي سبع عشرة امرأة، فلم يجز نكاحهن: سبع بالنسب، واثنان بالرضاعة، وست بالصهر، واثنتان بالدين. فأما السبع بالنسب، فالأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وهن المذكورات في هذه الآية. وأما الاثنتان

стр. 530

بالرضاعة: فالأمهات والأخوات وهما المذكورتان في هاته الآية أيضًا. وأما الست بالصهر: فأمهات امرأة الرجل والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين وهؤلاء الأربع مذكورات في هذه الآية. فأم الاثنتان المكملتان الست: فحلائل الآباء، وقد تقدم ذكرهن في الآية قبل هذه، والمحصنات من النساء وسيأتي ذكرهن في الآية بعد هذه، فهؤلاء الست بالصهر. وأما الاثنتان بالدين فلم يقع لهما ذكر في هذه الآية، وهما: المشركات حتى يؤمن وقد تقدم ذكرهن في سورة البقرة، والإيماء المشركات؛ لقوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]، وسيأتي ذكرهن في الآية بعد هذه. وقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ هل هو نص صريح أم مجمل؟ فذهب قوم من القدرية إلى أنه مجمل، لأن الأعيان تتصف بالتحريم وإنما يتصف بذلك ما يتعلق بها من الأفعال. وذلك الفعل في هذه الآية لا يدرى ما هو؟ هل النظر أو المضاجعة أو الوطئ فلا يدرى أي ذلك حرم ولولا تبيينها بغيرها لما علم المراد منها. وذهب الأكثر
следующие страницы →