← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قال الزجاج: لو كانت زائدة لكانت فاحشة مرفوعة. وقال بعضهم: كان في هذه الآية تقتضي الماضي والمستقبل. والصحيح في ذلك ما قاله الزجاج وغيره من أن ((كان)) إنما أريد بها هنا الماضي؛ لأن الله تعالى إنما أخبر أن الذي حرمه علينا كان في الجاهلية مستقبحًا يسمونه فاحشة ومقتًا. قال أبو عبيدة وغيره: كانت العرب تسمي الولد الذي يجيء من زوج الوالد المفتي. واختلف في الزنا هل تثبت به حرمة المصاهرة أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان، وقول أبو حنيفة: أنه تثبت. وقول الشافعي: أنه لا تثبت. ووجه إثباتها قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ فعم. قال بعض من احتج بهذا القول: أن النكاح في اللغة عبارة عن الجمع والضم وهو أظهر في الوطئ منه في العقد. فتقديره: ولا تطؤوا ما وطئ آباؤكم من النساء. فدل هذا على أن التحريم متعلق بصورة الوطئ. وأجاب عن هذا من نصر القول بأنه لا يثبت به حرمة المصاهرة، بأن قال: الصفة إذا أطلقت في الشرع ولها عرف في اللغة كالصوم والصلاة والزكاة ونحو ذلك. وعرف الشرع في لفظ النكاح: العقد. قال تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [الأحزاب:

стр. 527

٤٩]. وقال ﵊: ((لا نكاح إلا بولي)) إلى غير ذلك من الآيات والأخبار والواردة المراد بها العقد، ولهذا لو قال لامرأة: أن نكحتك فأنت طالق، فإنه يقع الطلاق بنفس العقد. وإذا صح أن المراد به في الشرع العقد وجب عليه عند الإطلاق. وقال أبو بكر الرازي: أنا أسلم أن المراد به العقد إذا أطلق إلا إذا كانت قرينة هناك تصرفه عن العقد إلى الوطئ. وفي هذا المقام قرائن دالة على أن المراد به الوطئ، ومن ذلك ما ذكره المفسرون أن الآية إنما نزلت في العرب وذلك أنها كانت تخلف آباءها في نسائهم، وإنما كانت تخلفهم في الوطئ، لأنهم ما كانوا يجدون عقدًا. ولهذا قال: ﴿إلا ما قد سلف﴾ أي فإنه معفو ولا إثم فيه، ولهذا سماه فاحشة ولهذا حرم نكاح موطوءة الأب بملك اليمين بحكم هذه الآية ولا نكاح هناك. قال: ولا يمكن ادعاء العموم في مسميات مختلفة المعاني بعضها مجاز وبعضها حقيقة. يريد أنه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا﴾ الآية على العموم في العقد والوطئ، لأنه حقيقة في العقد مجاز في الوطئ. وهذا قول أكثر الأصوليين، فأجاب عن هذا من نصر القول الآخر، بأن قال: الآية من أولها إلى آخرها إنما

стр. 528

دلت على الوطئ في العقد، ولهذا قال: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر الآية، ولم يجر للزنا فيه ذكر فكيف يحمل النكاح على ما لم يجر له في الآية ذكر. والآية إنما وردت في النكاح لا في الزنا، فلتحمل عليه، وكيف لا! وقد قال: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾، فقيد ذلك بالصلب. فذكر الله في هذا المقام حليلة الابن وتعرض لها، فكيف يعرض عن حليلة الأب ولا ذكر لها إلا في قوله : ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾، فثبت بهذا أن الآية صيغت لبيات حكم النكاح. وأما لبيان حكم الزنا فلا. ثم كلام الشرع إنما يجوز حمله على ما لو صرح به كان الكلام منتظمًا جاريًا على وجه الاستقامة، ولا شك أنه تعالى لو قال: ((ولا تزنوا بما زنى آباؤكم)) كان ذلك شنيعًا، فإن تخصيص ذلك غير لازم، فإن القائل بالتحريم بالزنا محرم على الإطلاق. وهذا الجواب غير لازم، فإن القائل بالتحريم بالزنا لا يحمل على النكاح على وطئ النسب فحسب، بل يحمله على كل وطئ بالعموم فيندرج تحته الوطئ الحلال والحرام، فلا بشاعة في ذلك. واختلف القائلون بأن وطئ الزنا محرم في اللمس والقبلة والنظرة إذا كان ذلك كله للشهوة، فجعله الحنفية مثل الجماع في التحريم قياسًا عليه، وخالفهم غيرهم فيه وفي المذهب قولان. واخلتف أيضًا في الوطئ بوجه شبهة، هل يحرم أم لا؟ كمن وقع

стр. 529

على ابنته في الليل وظنها امرأته، فالمشهور أنه وطئ بموجب الحرمة كالوطئ الصحيح الذي لا شبهة فيه. وحكى عن سحنون أنه لا يوجب حرمة فلا تحرم أم ابنته عليه. وقد أجمع الفقهاء على تحريم عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء، كان مع العقد وطئ أو لم يكن، واختلف إذا كان العقد مختلفًا في فساده الذي لم يختلف في صحته. والآية إذا حملت على العقد كانت عامة في كل عقد، إلا أنه إنما ينبغي أن تحمل على العقد الشرعي. (٢٣) - قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ الآية: هذه الآية وغيرها خصصت عموم آيات تقتضي إباحة نكاح جميع النساء، ومنها قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] الآية، وقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] الآية، لكن الله تعالى خصص مما يقتضي ذلك العموم يقتضي سبع عشرة امرأة، فلم يجز نكاحهن: سبع بالنسب، واثنان بالرضاعة، وست بالصهر، واثنتان بالدين. فأما السبع بالنسب، فالأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وهن المذكورات في هذه الآية. وأما الاثنتان

стр. 530

بالرضاعة: فالأمهات والأخوات وهما المذكورتان في هاته الآية أيضًا. وأما الست بالصهر: فأمهات امرأة الرجل والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين وهؤلاء الأربع مذكورات في هذه الآية. فأم الاثنتان المكملتان الست: فحلائل الآباء، وقد تقدم ذكرهن في الآية قبل هذه، والمحصنات من النساء وسيأتي ذكرهن في الآية بعد هذه، فهؤلاء الست بالصهر. وأما الاثنتان بالدين فلم يقع لهما ذكر في هذه الآية، وهما: المشركات حتى يؤمن وقد تقدم ذكرهن في سورة البقرة، والإيماء المشركات؛ لقوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]، وسيأتي ذكرهن في الآية بعد هذه. وقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ هل هو نص صريح أم مجمل؟ فذهب قوم من القدرية إلى أنه مجمل، لأن الأعيان تتصف بالتحريم وإنما يتصف بذلك ما يتعلق بها من الأفعال. وذلك الفعل في هذه الآية لا يدرى ما هو؟ هل النظر أو المضاجعة أو الوطئ فلا يدرى أي ذلك حرم ولولا تبيينها بغيرها لما علم المراد منها. وذهب الأكثر

стр. 531

إلى أن هذا نص لكنه ليس بنص بالوضع، ولكنه نص بالعرف؛ لأن الأسماء قسمان، وضعية وعرفية. والوضعية هي التي وضعت لشيء ما ولا تقع على غيره. والعرفية التي خصصت ببعض موضوعها أو نقلت عنه إلى سواه فصارت فيما خصصت به أو نقلت إليه أعرف وأشهر وهذه تلحق بالوضعية بعرف الاستعمال فيها. ومن لاحن العرب ومارس اللغة واطلع على عرف أهلها علم أنه لا يستراب في أن من قال: حرمت عليك الدار إنما يريد الدخول فيها خاصة أو الطعام إنما يريد الأكل خاصة أو النساء، إنما يريد الجماع. وهذا صريح عندهم مقطوع به فكيف يكون مجملًا؟ وقال قوم: هو من قبيل المحذوف؛ كقوله: ﴿واسأل القرية﴾، وهذا إن أراد به أنه مجاز فيلزم أن تسمى الأسماء العرفية مجازًا، ويدخل في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، كل من لها عليك ولادة؛ لأنها أم. وفي قوله: ﴿وبناتكم﴾ كل من لك عليها ولادة؛ لأنها بنت ولفظ الأ/هات حقيقة في الأمهات الوالدت حقيقة في المولودات مجاز في بنات البنات وبنات البنين، لكن التحريم شامل. فأما على قول من يرى اللفظ الشامل للحقيقة والمجاز عامًا فتعلقه بالآية في التحريم ظاهر. لكنه قول

стр. 532

ضعيف، ومن لم ير ذلك فوجه تعلقه بالتحريم الإجماع. والدليل على أن أسماء الأمهات ليس حقيقة في الجدات أن الصحابة لم يفهموا في ميراث الأبوين، ميراث الجدات والأجداد حتى بينه رسول الله ﷺ . واستنبط أهل الإجماع بدقيق النظر، وروى لهم الراوي أن رسول الله ﷺ أعطى الجدة السدس. واختلفوا في الجد مع الأخوة ولم يجهلوا معن الاسم. وقد اختلفوا في بنات الإنسان من الزنا، هل تحرم عليه أم لا؟ فقال أبو حنيفة: تحرم، وقال الشافعي: لا تحرم. وقال ملاك: مثل قول أبي حنيفة، وقال ابن الماجشون مثل قول الشافعي. واحتج المحرمون من الحنفية بأن قالوا: هي بعضه فحرمت عليه كابنته من نكاح. واحتج من لم يحرم بأن الله تعالى إنما حرم على الإنسان البنت المضافة إليه؛ لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾، فأضاف التحريم إلى هذا الاسم المشتق فكأنه قال: حرمت البنت لبنوتها. وهذه الصبية الحاصلة من الزنا غير مضافة إلى الزاني، فمل تدخل في آية التحريم. وإذا خرجت من آية التحريم دخلت في آية التحليل، وهي قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، وقال من حرم: الآية التي

стр. 533

تمسكوا بها عامة، فإن ولده من الزنا ولد له حقيقة وانتفاء الأحكام لا يدرأ هذه الحقيقة. التحريم مما يختلط له، ثم حرم الله تعالى بعد الأمهات والبنات والأخوات. وذكر بنات الأخوات لأن اسم الأخ لا يتناول ابن الأخ مجازًا ولا حقيقة. والكلام في أمر العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهات الرضاعة وما يحرم بسببهن كالكلام فيما تقدم، فيدخل في قوله: ﴿وأخواتكم﴾ جميع الأخوات أشقاء أو غير أشقاء، وفي قوله: ﴿وعماتكم وخالاتكم﴾ كل من ولده جدك أو جدتم وإن علو من قبل الأب كانا أو من قبل الأم. ولا يدخل في ذلك شيء من بناتهن. قال تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]. وفي قوله تعالى: ﴿وبنات الأخ وبنات الأخت﴾: كل من لأخيك عليه ولادة ولأختك عليه ولادة، ويدخل في قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ أمهاتهن وإن علون، وفي قوله: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾، الأخوات للأب والأم وللأم دون الأب وللأب دوت الأم. وعند الجمهور أن الأمر كذلك يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، كما جاء في

стр. 534

الحديث. وقال نفاة القياس: لا يحرم بالرضاع إلا الأمهات والأخوات؛ لقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾، فلو حرم غيرهن لذكره؛ ولقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾؛ فدل ذلك على إباحة الابن من الرضاع. واختلف في قدر ما يحرم من الرضاع على أربعة أقوال: فقيل: المصة الواحدة تحرم، وقيل: الثلاث، وقيل: الخمس، وقيل: العشر. والأول أصح. قال ابن القصار: الاعتبار فيه حوصلة في البطن، يريد لعموم قوله تعالى: ﴿اللاتي أرضعنكم﴾ ولم يخص، فوجب تعلق الحكم بما يقع عليه اسم الرضاعة، إلا أن يأتي ما يخص ذلك بسنة أو جماع أو دليل. وقد ضعف بعضهم التعلق بهذا العموم، لكونه جاء لغرض آخر غير النعيم، وإن كانت صيغته صيغة العموم. والشافعي يمنع الاستدلال بجنس هذا العموم.

стр. 535

واختلف في ابن الصغيرة هل يحرم أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يحرم. وقال ابن الجلاب: إن كانت صغيرة مثلها لا يوطئ لا يحرم والأول أقيس لعموم قوله تعالى: ﴿اللاتي أرضعنكم﴾. واختلف في رضاع الرجل هل يحرم أم لا؟ فقال مالك: لا يحرم؛ لقوله : ﴿أمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، ولا أرى هذا أما. وقال بعض أهل المذهب: يقع بلبنه التحريم، وقد يتأول على مالك، قال: وذكر الله تعالى الأمهات لأنه الغالب. واختلف في لبن البهائم هل يحرم أم لا؟ فالجمهور على أنه يحرم، وذهب قوم من أهل المدينة: إلى وقوع التحريم به. وحجة القول الأول: قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، والبهائم لا تكون أمهات. واختلف في لبن الفحل هل يحرم أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنه لا يحرم. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، ولم يقل: وبناتكم من الرضاعة، فلو كان للفحل لبن لحرم، والبنت من الرضاع كام حرم الأم والأخوات. والجمهور على أنه يحرم، والحجة له حديث أفلح وغيره. وقال ابن سيرين: كرهه قوم،

стр. 536

ولا يرى قوم به بأسًا، ومن كرهه كان أفقه. واختلف في رضاع الكبير، حرم به قوم، ومن حجتهم: ظاهر الآية ولم يحرمه الجمهور، لما جاء عنه ﵊ من قوله: ((الرضاعة من المجاعة))، ونحو ذلك من الأحاديث. واختلف في لبن الميتة هل يحرم أم لا؟ على قولين: ومن حجة من لا يراه يحرم قوله تعالى: ﴿أرضعنكم﴾، وهذه لم ترضع. ويدخل في قوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم﴾ الأمهات وإن علون. وفي قوله: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾ كل من للربائب عليها ولادة. وفي قوله: ﴿وحلائل أبنائكم﴾، حلائل أبناء النسب، أبناء الرضاعة، وحلائل كل من لواحد منهم عليه ولادة. وهذه الآية من قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى قوله: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ تقتضي تحريم الاستمتاع، فيستوي فيه الاستمتاع بالنكاح وبملك اليمين؛ لأن الله تعالى إنما حرم النكاح لأنه طريق إلى الاستمتاع، وملك اليمين مثله؛ إلا أن تحريم الاستمتاع بمنع النكاح ولا يمنع ملك اليمين، فيمن لا تعتق منهن بالملك. وقوله: ﴿وحلائل أبنائكم﴾ لا يقتضي ذلك تحريم ما وطئه الابن بملك اليمين؛ لأن لفظ الحليلة مخصوص بالمنكوحة، لكن الإجماع اقتضى

стр. 537

إلحاقها بها. وأما قوله: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ فلا تدخلوا مع الأختين غيرهما في ذلك الحكم بالآية، بل إن كان فبالقياس، كما قال بعض أصحاب مالك: إم كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا لم يحل له أن يتزوج الأخرى فلا يجوز الجمع بينهما في النكاح قياسًا على الأختين، فيحرم على هذا الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها خلافًا لمن لا يعتد بخلافه، وهو مذهب عثمان البتي والخوارج. وأصح ما يعتمد عليه في هذا الباب الخبر الوارد بالنهي على الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها؛ إلا أن فيه نظرًا؛ لأنه زيادة على ما في النص فيختلف فيها هل هي نسخ أم لا؟ فإن كانت نسخًا فنسخ القرآن بأخبار الأحادي فاسد، وإن لم يكن نسخًا صح إلحاق ما في الخبر بما في الآية، وأيضًا فإن المجيزين للجمع بين المرأة وعمتها وخالتها تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾. ورأوا عموم الآية أولى من نص الخبر وذلك بناء منهم على أن أخبار الآحادي لا يختص بها عموم القرآن، وقد اختلف فيه الأصوليون، والصحيح جوازه. وقالت طائفة المعتمد عليه من ذلك معنى نص القرآن بتحريم الجمع بين الأختين، والمعنى في ذلك أن كل امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يحل له نكاح الأخرى، فلا يجوز الجمع بينهما؛ فلذلك لم يجز الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، فعلى هذا

стр. 538

التعليل يجوز الجمع بين ابنتي العمة والعم، وابنتي الخالة والخال، وهو قول الجمهور، خلافًا لمن منع الجمع بين كل امرأتين بينهما قربى، وعلل ذلك بما فيه من القطيعة، وهو قول الحسن بن أبي الحسن وجابر وإسحاق بن طلحة بن عبد الله وعطاء في رواية عنه وسنذكر ما يتعلق بهذه المسألة من المسائل إن شاء الله تعالى. ويدخل في قوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ آباء الآباء ومن فوقعهم من الأجداد من النسب والرضاعة. قد اختلف في أمهات المرأة بماذا يحرمن، هل بالعقد خاصة أو بالوطئ مع العقد؟ فذهب الجمهور إلى أنهن يحرمن بالعقد خاصة. وذهب علي بن أبي طالب وغيره إلى أنهن لا يحرمن إلا بالوطئ. وجاء عن ابن عباس كلا القولين. وقال زيد بن ثابت: إن طلق البنت قبل الدخول تزوج إن شاء، وإن ماتت عنده قبل الدخول لم يتزوج، فهذه ثلاثة أقوال لقوله. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾، فأطلق ولم يشترط كما فعل في الربائب. وقال بعضهم: حجة لقول علي ﵁ وأصحابه: قوله تعالى: ﴿من نسائكم اللاتي دخلتم

стр. 539

بهن﴾، شرط في هذه وفي الريبة. وهذا ضعيف لأن المجرورين إذا اختلف العامل فيها لم يكن نعتهما واحدًا. واختلف أيضًا في الربيبة بماذا تحرم؟ فالجمهور أنها لا تحرم إلا بوطئ الأم؛ لقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ فاشترط الدخول، وشذ قوم فحرموا نكاحها بالعقد، دخل بالأم أم لا؟ والنص والإجماع يردان عليهم. وليس من شرط تحريم الربيبة الدخول بأمها أن تكون في حجر المتزوج بأمها خلافًا لداود في قوله: إن لم تكن في حجره لم يحرم نكاحها. وقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه، وحجة من قال ذلك قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾، وهذا مردود؛ لأنه تعالى إنما ذكر الأغلب من هذه الأمور، إذ حالة الربيبة في الأكثر على هذا. واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿دخلتم بهن﴾. فقال ابن عباس وطاوس وابن دينار: الدخول في هذا الموضوع الجماع، فإن أطلق الرجل بعد البناء وقبل بعد البناء وقبل الوطء فإن ابنتها له حلال، وإن

стр. 540

كان قد قبل أو باشر. وقال كثير منهم مالك وعطاء وغيرهما: هو البناء عليها والتقبيل واللمس للذة ونحو ذلك، وذلك كله يحرم الابنة كما يحرمه الوطئ. - وقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾: إنما قيد تعالى تحريم حلائل الأبناء بقوله: ﴿من أصلابكم﴾ تحليلًا لحلائل الأبناء الأدعياء لا تحليلًا لحلائل الأبناء من الرضاعة، وكان عند العرب تزوج حليلة الابن الدعي كبيرًا فيذكر أن النبي ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش امرأة زيد بن ثابت الذي كان تبناه رسول الله ﷺ ، قال المشركون: تزوج امرأة ابنه، فنزلت الآية. وقد سئل مالك عن سفر الرجل بامرأة أبيه، أتراه ذا محرم؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ فأتم الآية، وقال: هؤلاء ذوو المحارم، وأجاز أن يسافر بها إلى أن يكون أبوه قد طلقها وتزوجت زوجًا فلا أحب ذلك، وكرهه، ولم يجز ابن القاسم سفره بها فارقها أو لم يفارقها. وظاهر احتجاج مالك يدل على أنه حمل قول النبي ﷺ : ((لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها)) على عمومه في جميع ذوي المحارم من النسب والصهر والرضاعة، إلا أنه كره أن يسافر بها إذا فارقها أبوه على وجه الاستحسان.

стр. 541

وحمل ابن القاسم الحديث على ذي المحارم من نسب دون الصهر والرضاعة. (٢٣) - قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾: هذا اللفظ يعم الجمع بينهما بالنكاح وملك اليمين، ولا خلاف أنه لا يجوز الجمع بينهما بنكاح كما لا خلاف أيضًا في جواز الجمع بينهما بالملك دن وطئ. واختلف في جواز وطئها بملك اليمين، فذهب قوم إلى جواز ذلك، وإليه ذهب داود، واستدلوا بعموم قوله تعالى في أول السورة: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾، وقوله بعد هذا: ﴿وأحل لكم ما رواء ذلكم﴾. وتأولوا قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ أنه في النكاح. ودليلنا عليهم قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾، ومقتضاه على ما قدمنا، الاستمتاع بالوطئ والتقدير: وأن تجمعوا بين الأختين بالوطئ، فعم الوطئ بنكاح والوطئ بملك، وأن هذه مخصصة لتلك. وقال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فأما أنا في خاصة نفسي فلا أرى الجمع بينهما حسنًا. وروي نحو هذا عن ابن عباس، وساق بعضهم عن مالك في المسألة الكراهية، قال: ويستقرأ ذلك من قوله: إذا وطئ أحدكم ثم وطئ الأخرى كف عنهما

стр. 542

حتى يحرم أحدهما فلم يلزمه حدًا. وساق عن إسحاق بن راهويه التحريم، وقال: يجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطئ، ولا أدري من أين له هذا التأويل على إسحاق وعلى مالك. والمشهور في المذهب أن الجمع بينهما بوطئ الملك مثل الجمع بوطئ النكاح. وقد نص تعالى على تحريم الجمع، والمخاطب بذلك من له الإمساك والوطئ، وإذا زال النكاح زال هذا المعنى، فيأخذ من هذا الرجل إذا بانت منه زوجته جاز أن يتزوج أختها في عدتها، ولم يكن جامعًا خلافًا لأبي حنيفة في منعه ذلك. إذا ثبت هذا بقيت على حكم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾. - وقوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾: استثناء منقطع معناه: لكن ما قد سلف من ذلك ووقع وأزاله الإسلام، فإن الله يغفره ويحتمل أن يريد بقوله: ﴿إلا ما قد سلف﴾ جواز ما قد سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحًا، إلا أن الشافعي ومالك رحمهما الله قالا: إذا تزوج الكافر أختين ثم أسلم خير بينهما، سواء جمعهما في عقدة واحدة أو في عقدتين. وقال أبو

стр. 543

حنيفة: لا يبطل نكاحهما إن جمعهما في عقدة واحدة ويفارق الأخيرة إن فرق. والمعتمد عليه في هذه المسألة حديث فيروز الديلمي حين أسلم عن أختين، فقال النبي ﷺ : ((اختر أيتهما شئت))، والحديث في الترمذي وأبي داود، والدارقطني، ونحو ذلك من الأحاديث. وتأويل أبي حنيفة لهذا الحديث على أنه ابتداء نكاح واحدة منهما تأويل بعيد. وأما أخذ هذه المسألة من طريق النظر فبعيد. قال بعضهم: هي خارجة عن نظر الأئمة الثلاثة. وأما خروجها عن نظر مالك والشافعي، فمن حيث أن الصحيح من مذهبهما أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، وأما وجه خروجهما من مذهبهما أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. قال أبو الحسن: لما رأى الشافعي

стр. 544

قوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ غير نص في مقصوده أراد أن يستدل بالنص، فاستدل حديث فيروز ونحوه. وإذا وقع في الإسلام الجمع بين الأختين بالنكاح، فإن كان تزوجهما واحدة بعد واحدة، فنكاح الثانية باطل لأنه أوقع الجمع، وإن وقع نكاحهما في عقد واحد فسخ نكاحهما جميعًا. ووجه الفسخ لما فسخ من ذلك التعلق بمقتضى الآية من النهي عن الجمع. وأما مسألة من تزوج رضيعتين أرضعتهما امرأة أجنبية فهي وزان مسألة الكافر يسلم عن أختين، فتدبر ذلك. (٢٤) - قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾: اختلف في تأويله، فقال فيه ابن عباس والزهري وغيرهما: المحصنات ذات الأزواج وما ملكت الأيمان السبيا ذوات الأزواج. وروى أبو سعيد أن سبب الآية أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًا وأصابوا سبيًا من أزواج المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهن، فنزلت الآية مرخصة. وبهذا القول في الآية يحتج من يرى

стр. 545

أن السبي يهدم النكاح، سبيًا جميعًا أو متفرقين، وهو قول ابن القاسم وأشهب. وكذلك على مذهبهما إذا سبى أحدهما قبل صاحبه، ثم أتى الآخر بأمان. وأما إذا أتى أحدهما أولًا بأمان ثم سبى الثاني فلا ينهدم النكاح، وفي المسألة أربعة أقوال: أحدها: ما ذكرته ويعضده تأويل الآية كما قدمته. والثاني: أن السبي مبيح فسخ النكاح إلا أن يقدم أحدهما قبل صاحبه بأمان، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وعليه تأتي رواية عيسى عن ابن القاسم. والثالث: أن السبي لا يهدم النكاح، سبيًا جميعًا أو متفرقين، وهو قول ابن المواز. والرابع: الفرق بين أن تسبى هي قبله، أو يسبى هو قبلها أو معها فيستحي، وهو قول ابن بكير في ((الأحكام)). وقال ابن عباس أيضًا وابن مسعود وغيرهما: المحصنات ذوات الأزواج من السبيا وغيرهن، وأنهن إذا ملكن حل وطئهن. فرأوا أن بيع الأمة عامة، ولم ينظروا إلى خصوص السبب الذي وردت فيه. وجمهور العلماء على أن انتقال الملك في الأمة لا يكون طلاقًا، وقصروا الآية على سببها في سبيا أهل الحرب، وأن لا طلاق لها إلا الطلاق. وقال عمر وأبو العالية

стр. 546

وغيرهما، وروي نحوه عن ابن عباس: المحصنات العفائف أي كل النساء حرام وألبسن اسم الإحصان إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك. وما ملكت الأيمان معناه: بنكاح أو شراء وعلى هذا تأول بعضهم قول مالك في ((الموطأ))، وهن ذوات الأزواج، وهو تأويل بعيد، وهذا القول يرجع إلى تحريم الزنا. وقال غيره: فيما ذكر الطبري عنه: المحصنات الحرائر، وما ملكت الأيمان معناه بنكاح منهن والاستثناء متصل، وإن أريد الإماء فيكون الاستثناء منقطعًا، وقال بعضهم: وحرم عليكم المحصنات إلا ما ملكت أيمانكم، يعني: الأزواج، فحرم ما فوق الأربعة، فهذه خمسة أقوال في الآية. والإحصان في القرآن أن يكون إما بالإسلام وإما بالجزية، وإما بالعفاف وإما بالتزويج، وأصله المنع وهو يكون بالوجوه الأربعة. ويروى أن رجلًا قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئًا. قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس لا يعلمها. وذكر عن

стр. 547

مجاهد أنه قال: ((لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل))، قوله: ﴿والمحصنات﴾ إلى قوله: ﴿حكيم﴾. - قوله تعالى: ﴿كتاب الله عليكم﴾: قال عبيدة السلماني وغيره: هذه إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾، وفي هذا بعد. وقيل: هذا يرجع إلى جميع المحرمات المذكورات قبل، والأظهر أنه إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله. - وقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾: اختلف في تأويله، فقال السدي: المعنى: وأحل لكم ما وراء من حرم من سائر القرابة، فهن حلال لكم تزويجهن. وقال قتادة: المعنى: وأحل لكم ما وراء ذلكم من الإماء، وقال بعضهم: لفظ الآية يعم جميع الأقوال ويجوز الجمع بين المرأة وبين امرأة أبيها، خلافًا لبعضهم في كراهة ذلك، ولابن أبي ليلى في منعه؛ لأن الله تعالى ذكر جميع المحرمات ولم يذكر منهن، من وقع الكلام فيه. ثم قال: ﴿وأحل لكم ما رواء ذلكم﴾، فالجمع بينهما مباح بظاهر القرآن؛ إلا أن يأتي في السنة ما

стр. 548

يخصصه ولم يأت ذلك. ومن لم يجز ذلك، تعلق بالمعنى الذي ذكر من تحريم الجمع بين الأختين، وأن معناه: الجمع بين كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا لم يجز له نكاح الأخرى، قال: فكذلك المرأة وامرأة أبيها، وقد انفصل من علل بذلك عن هذا الاعتراض بانفصالي، فحكى عن سفيان أنه قال: معنى ذلك عندنا أن يكونا من نسب. وقال بعض المتأخرين: إنما جاز الجمع بين المرأة وامرأة أبيها، وقد أجمعوا أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج ما ولدت امرأة أبيه. واختلفوا هل يجوز له أن يتزوج ما ولدت بعد أبيه على ثلاثة أقوال، أحدها: أن ذلك جائز، وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن ابن القاسم. والثاني: أن ذلك لا يحل، وهو قول ابن القاسم الآخر. والثالث: أن ذلك مكروه، وهو قول طاوس. والحجة لجواز ذلك قوله تعالى: ﴿واحل لكم ما وراء ذلكم﴾. - وقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾: لفظ يجمع التزوج والشراء، ومقتضاه أن يبتغي أن يصدق كل واحد بمال نفسه، وقد ظن بعضهم أن المراد بذلك أن كل واحد يبتغي أن يصدق ما يسمى مالًا. وظاهره يقتضي أكثر من العشرة، فيكون على هذا أقل

стр. 549

الصداق عشرة دراهم، وهو تأويل بعيد واستدلال ضعيف، كيف وقد قال تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذلك يقتضي إيجاب نصف المفروض قليلًا كان أو كثيرًا، قال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ يقتضي منع عتق الأمة أن يكون صداقًا لها، خلافًا لأحمد بن حنبل لدلالة الآية على كون المهر مالًا، وليس في العتق تسليم مال، وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن تستحق هي تسليم مال إليها. وجوز الشافعي جعل منفعة الحر صداقًا خلافًا لمن لم يجوزه. ولا خلاف عنده في منفعة العبد؛ لأن المنفعة عنده مال. وقد وردت في ذلك أخبار نصوص. والذي جاء في الحديث، من أن النبي ﷺ جعل عتق صفية صداقها، لا يعارض استدلالنا بالقرآن؛ لاحتمال كون ذلك مخصوصًا بالنبي ﷺ ، فإن النكاح بلا مهر كان له ﷺ جائزًا؛ وكذلك قوله: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ [النساء: ٤] الآية، يدل على أن العتق لا يكون صداقًا. وقد استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ الآية على أن الصداق إذا كان خمرًا أو حنزيرًا فسخ النكاح قبل الدخول وبعده، قال: لأن الخمر والحنزير ليسا من أموالنا، خلافًا للرواية الأخرى عن مالك أنه يفسخ قبل ولا يفسخ بعد، وخلافًا

стр. 550

لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن النكاح لا يفسخ قبل ولا بعد، ويثبت بصداق المثل. - وقوله تعالى: ﴿محصنين﴾: معناه: متعففين، غير مسافحين أي غير زناة. قال بعضهم: فيحتمل أن يريد: ((اطلبوا منافع البضع على وجه النكاح لا على وجه السفاح))، ويحتمل أن يريد بقوله: ﴿محصنين﴾ أي تزوجوهن على شرط الإحصان. - قوله تعالى: ﴿فما اسمتعتم به منهن﴾ الآية: اختلف في تأويلها، فقال ابن عباس ومجاهد غيرهما: المعنى فإذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطئ ولو مرة قد وجب إعطاء الأجر وهو المهر كله. ولفظة ((ما)) تعطي أن يسير الوطئ يجب إيتاء الأجر. وهذا التفسير يرد قول أبي حنيفة وأصحابه: أن الخلوة الصحيحة توجب المهر كله وطئ أو لم يطأ، أدته المراة أو لم تدعه؛ لأن الخلوة دون وطئ ليس باستمتاع. وظاهر الآية على هذا التفسير أن المهر لا يجب إلا بالوطئ، وهو قول مالك وجميع أصحابه. وقد اختلف فيمن دخل بالزوجة وتلذذ بها ولم يطأها هل يجب لها جميع الصداق أو نصفه؟ ومن حجة من يوجب لها جميعه ظاهر هذه الآية؛ لأن ذلك استمتاع بها فأخذ بأقل ما يقع عليه اسم الاستمتاع. واختلف أيضًا في الوطئ في الدبر هل هو كالوطئ في الفرج في استحقاق جميع الصداق أم لا؟ وكذلك اختلف في البكر إذا أذهب الرجل عذريتها بأصبعه ولم يطأها، هل هو كالوطئ في وجوب

стр. 551

الصداق أم لا؟ وكذلك اختلف في المجبوب والحصور وما أشبه ذلك ممن لا يصل إلى الجماع هل يجب عليه الصداق إذا لم تطل مدة إقامته أم لا؟ ولم ير في ذلك كله إلا نصف الصداق وحمل هذه الآية على الوطئ. ونص قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يدل على أنه إنما لها النصف. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن الصداق إنما يجب جميعه بالدخول، خلافًا لمن يقول: يجب بالعقد وجوبًا غير مستقر، ولمن يقول: يجب بالعقد ونصفه بالطلاق قبل الدخول، ولمن يقول: يجب نصفه بالعقد ونصفه الثاني بالدخول والاستمتاع، وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ أي ما نكحتموه منهن فأتوهن مهورهن، فإن استمتع بالدخول بها أعطي المهر كله، وإن استمتع بعقد النكاح أعطى نصف المهر. والمتاع في اللغة ما انتفع به، فعلى هذا القول الاستمتاع يقع على الوطئ والعقد. وقال ابن عباس ومجاهد أيضًا وغيرهما: أن المراد بآية المتعة التي كانت مباحة في أول الإسلام. وقرأ ابن عباس وأبي، وابن جبير: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن، وقال ابن عباس لأبي لبصرة: هكذا أنزلها الله . والذين ذهبوا إلى التأويل اختلفوا في الآية هل هي

стр. 552

محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم أكثرهم الشيعة إلى أنها حكمة وأن نكاح المتعة جائز، وروي ذلك عن ابن عباس. وقال علي: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي. وذهب الجمهور إلى أن الآية منسوخة على ذلك التأويل، وأن نكاح المتعة اليوم باطل، وروي عن ابن عباس الرجوع عنه. وروي عنه أنه لما بلغه قول الشاعر: قال المحدث لما طال مجلسنا ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس في بضة رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس قام على زمزم، فقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا ابن عباس، ألا إن المتعة حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير. واختلفوا في الناسخ لها على أربعة أقوال: فذهب قوم إلى أن الناسخ لها السنة بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في تحريمها، وذهب قوم إلى أن الناسخ لها القرآن قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وروي هذا عن ابن عباس. وذهب قوم إلى أن الذي نسخها من القرآن آية الميراث؛ لأن المتعة لا ميراث فيها. وقال قوم: نسخها من القرآن قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم﴾ الآية [المؤمنون: ٥ - ٦]، قالوا: ولا زوجة مع الأجل. قال ابن مسعود: نسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث. واختلف في المتعة كيف كانت؟ قيل: أن يتزوج الرجل المرأة بشهيدين وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث بينهما

стр. 553

ويعطيها ما اتفقا عليه، فإن انقضت المدة فليس له عليها سبيل ويستبرئ رحمها؛ لأن الولد لاحق به فإن لم تحمل حلت لغيره، وفي كتاب ابن النحاس ما يوهم أن الولد كان لا يلحق في نكاح المتعة وهو خطأ. وقيل: إن نكاح المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، والفرقة تقع فيه عند انقضاء الأجل من غير طلاق، والاستبراء فيه حيضة. قال ابن عباس: واختلف إذا تزوجها بغير شرط أجل إلا أن نية الزوج أن يحبسها شهرًا ثم يطلقها هل هي متعة أم لا؟ فالجمهور على أنه لا بأس بذلك وليس متعة. وقال الأوزاعي: هي متعة ولا خير فيه، وقراءة من قرأ إلى أجل مسمى يرد هذا القول. (٢٤) - وقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم﴾ الآية: اختلف في تأويله، فقال الذاهبون إلى أن الآية المتقدمة في إيتاء مهور النساء إذا وطئن، المعنى: رفع الحرج عن التراضي بالتأخير والحظ

стр. 554

بعد ثبوت الفريضة. وقال ابو إسحاق الزجاج: المعنى: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة مهرها أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب إلا لمن دخل بها. قال أبو الحسن: استدل قوم بهذه الآية على جواز الزيادة، وذلك غلط؛ فإن الآية ما وردت في موضع الزيادة، فإنه لما قال: ﴿فآتوهن أجورهن فريضة﴾، اقتضى ذلك إعطاءها ما فرض لها أولا. - فقوله: ﴿ولا جناح عليكم﴾: يرجع إلى أن الرخصة في ترك الإيتاء بعد الأمر بالإيتاء فإن قيل: فقد قال: ﴿فيما تراضيتم به﴾، والإبراء من المهور يجور أن يقع من المرأة وذلك لا يتوقف على تراضيهما، فالجواب: أن الإبراء وإن كان على المذهب الصحيح لا يتوقف على التراضي، فالهبة موقوفة على ذلك. والإبراء وإن لم يقف على التراضي في أحد الوجهين لأصحابنا، فالمعلوم من العرف أنذلك يجري بتراضيهما. وقال الذاهبون إلى أن الآية في المتعة: المعنى أنما تراضيتم عله من زيادة في مدة المتعة أو زيادة في الأجر جائز. واختلف في المرأة تتزوج الرجل بدين عليه أو بشيء حال هل يجوز أن تراضيه على الدخول دون شيء يدفعه إليها من الصداق أم لا؟ فأجازه جماعة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾ على التأويل الأول، وكرهه مالك ومن تابعه.

стр. 555

(٢٥) - قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾: اختلف في الطول ما هو؟ فقال ابن عباس وغيره ومالك وأصحابه: الطول هنا: السعة في المال، وقال ربيعة وإبراهيم النخعي: الطول هنا الجلد والصبر لمن تزوج أمة وهواها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها، وإن كان يجد سعة من المال لنكاح حرة. ثم قوله: ﴿لمن خشي العنت منكم﴾ على هذا القول بيان في صفة عدم الجلد. وعلى القول الآخر يكون شرطًا زائدًا إلى الطول في تزوج الأمة، والمشهور عن مالك أن الحر لا يجوز له نكاح الأمة إلا مع عدم الطول وخوف العنت؛ لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾. وهذا من مالك اعتبار بدليل الخطاب، ولو لم يقل هنا بدليل الخطاب لما ألزم أن يعتبر واحد من الشرطين. والمشهور عن ابن القاسم أن ذلك جائز مع وجود الطول والأمن من العنت، وهذا على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر. ويعضد ذلك قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٣٢]، وقد روي عن مالك مثل قول ابن القاسم، وعن ابن القاسم مثل قول مالك، والعلة في المنع من ذلك إلا بشرطين عند من قال بدليل الخطاب

стр. 556

الكراهية للحر أن ينكح نكاحًا يرق فيه ولده، فعلى هذا إذا تزوج الحرة أمة من يعتق عليه ولده منها أو كان لا يولد له جاز نكاحه مع عدم الشرطين. والذين ذهبوا إلى أن الطول في الآية السعو في المال، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو أن يجد صداق الحرة ويقدر على نفقتها. وقيل: بل هو أن يجد صداقًا لها وإن عجز عن نفقتها، والأول أصح. واختلف في الحرة تكون تحت الرجل هل هي طول تمنعه من نكاح الأمة أم لا؟ على قولين: وظاهر القرآن المنع من وجود الحرة، ولذلك مالك يقول: لا يجوز نكاح الأمة على الحرة ويفسخ إن وقع ثم إنه رجع إلى أنه يجوز وتخير المرأة. والمنع من الآية أظهر؛ لأنه تعالى إنما شرط تزوج الأمة مع عدم القدرة على الحرة، فإذا تقدمت المقدرة عليها وكان متزوجها منع من نكاح الأمة. واختلف أيضًا إذا كانت تحته أمة ثم تزوج حرة هل يفسخ نكاح الأمة أم لا؟ وقال مسروق: الأمة كالميتة تضطر إليها، فإذا أغناك الله عنها فاستغن. وأنكر غيره هذا القول، وقال: من شبه الأمة بالميتة فقد غلط؛ لأن الله جعل الأمة لمتزوجها عند الإباحة حلالًا. والميتة حرام قبل الاضطرار وبعده عينها لا تنتقل عن التحريم. والمحصنات في هذا الموضع الحرائر يدل على التقسيم بينهن وبين الإماء، وقيل: معناه

стр. 557

العفائف، وهذا ضعيف؛ لأن الإماء يقعن تحته. قال بعضهم: ولأنه يلزم من قال ذلك أن يحرم على الناس أن يتزوجوا غير عفيفة. وقوله تعالى: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٣] الآية، منسوخ. وقد وصف الله تعالى المحصنات بالمؤمنات، فاختلف بسبه ذلك في الحرة الكتابية بعد القول بأن الحرة طول تمنع نكاح الأمة هل هي طول تمنع نكاح الامة أم لا؟ على قولين: فمن منع نكاح الإماء مع القدرة على نكاح الكتابية، فالمؤمنات عنده صفة غير مشترطة، وإنما جاءت لأنها مقصد النكاح، إذ الأمة مؤمنة وغاية ما في هذا ترك الأخذ بدليل الخطاب. ومن رأى أنه يتزوج الأمة وإن كان قادرًا على نكاح كتابية فصفة المؤمنات عنده مشترطة في المحصنات وغاية هذا الأخذ بدليل الخطاب. (٢٥) - وقوله تعالى: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾: هذه المخاطبة ((بالكاف)) و ((الميم)) عامة أي منكم الناكحون وفيكم المالكون؛ لأن الرجل ينكح فتاة نفسه. ومثل هذا التوسع في الكلام كثير، وقد وصف الله تعالى الفتيات، وهن الإماء بالمؤمنات. وعلى الخلاف في دليل الخطاب اختلف في جواز نكاح الإماء غير المؤمنات، فمن قال بدليل الخطاب في الآية لم يجز نكاحهن، وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وجعل المؤمنات هنا وصفًا مشترطًا. ومن

стр. 558

لم يقل بدليل خطاب الآية أجاز نكاح الإماء غير المؤمنات، وهو قول أبي حنيفة وغيره في إماء أهل الكتاب وجعلوا ذكره تعالى: ﴿المؤمنات﴾ إنما هو على الندب، واحتجوا أيضًا بالقياس على الحرائر، قالوا: لما لم يمنع قوله: ﴿المؤمنات﴾ في الحرائر من نكاح الكتابيات الإماء، وإذا قلنا بجواز نكاح الأمة للحر فله في قول مالك والزهري وأبي حنيفة وغيرهم نكاح أربع من الإماء، إذا خشي على نفسه العنت ولم يكفه أقل من أربع. وقال قتادة والشافعي وغيرهما: لا ينكح أكثر من واحدة من الإماء. قول حماد بن أبي سليمان: لا يتزوج منهن أكثر من اثنتين. وإطلاق قوله: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ يدل على صحة القول الأول والحر والعبد عند أكثر أهل المذهب في نكاح الإماء الكتابيات سواء خلافًا لأشهب في إجازته ذلك العبد. والحجة للقول الأول: أن الخطاب بالآية يعم الأحرار والعبيد، فمن فرق بينهما فعليه الدليل. (٢٥) - وقوله تعالى: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾: يريد بإذن أربابهن المالكين لهن، وقد اختلف في من تزوج أمة بغير إذن سيدها هل للسيد أن يجيزه، فيجوز النكاح أم لا؟ على قولين وهما مرويان عن مالك. والمشهور منهما أنه لا يجوز وإن أجازه، بخلاف العبد المشهور فيه أنه إذا تزوج بغير إذن سيده أن يجوز إن أجازه

стр. 559

السيد. وفي مذهب مالك قول آخر أنه لا يجوز وإن أجازه السيد. والحجة للمشهور من القولين في الأمة الآية، فلم يجز تعالى نكاحهن إلا بإذن أربابهن فمن تزوج أمة بغير إذن سيدها فنكاحه فاسد لخلوه من الشرط الصحيح الذي شرطه الله تعالى فيهن. وقوله تعالى: ﴿وآتوهن أجورهن﴾: يريد مهورهن و ﴿بالمعروف﴾: معناه بالشرع والسنة. وهذا يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة، وهو قول مالك خلافًا لغيره من أن للسيد أن يأخذ صداقها إلا قدر ما تحل به، ولسحنون نحوه. وحكي عن بعض أهل العراق أنه قال: لا بأس أن يزوج الرجل عبده أمته بغير صداق، وهذا القول مخالف لكتاب الله تعالى؛ لأنه قال: ﴿وآتوهن أجورهن﴾، فوجب أن تكون الأجور لهن حرائر كن أو إماء ولو كان السيد أن يزوج عبده أمته بغير صداق، أو كان الصداق إنما هو له، فله أن يوجبه وله أن يبطله للزم أن يزوج أمته من غير عبده أو من حر على أن لا صداق، فيصل إلى أن يهب الفرج، وهذا مما لا يجوز لأحد إذ خص به النبي ﷺ في الحرائر. - وقوله تعالى: ﴿محصنات﴾: معناه: عفيفات أو مسلمات، والعامل في هذه الحال فانكحوهن،

стр. 560

ويحتمل أن يكون العامل فيها فأتوهن، ويكون معنى: محصنات مزوجات والمسافحات الزواني المبتذلات اللواتي هن سوق للزنا، ومتخذات الأخدان هن المستترات اللواتي يصحبن واحدًا واحدًا ويزنين خفية. وهذان كانا نوعين من زنا الجاهلية، قاله ابن عباس وغيره. - وقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة﴾: اختلف فيما هو الإحصان فقال الجمهور: هو الإسلام، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة، وعلى هذا يكون حد الأمة إذا زنت قبل التزويج لحر فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة. وقالت فرقة: الإحصان في الآية التزوج إلا أن الحد الواجب على الأمة المسلمة غير المتزوجة بالسنة، وهو ما جاء في ((الموطأ)) أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة؟ إذا زنت ولم تحصن، فقال: ((إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها)). وقال الزهري: فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث. ومما يعضد قول من رأى أ، الإحصان في الآية التزوج، أن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت من قوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾، فذلك يغني عن ذكر الإسلام

стр. 561

هنا، فإن يكون معنى التزوج أولى. والفاحشة هنا الزنا بقرينة إلزام الحد كما قال بعضهم، وعندي فاحشة هنا تعم الزنا والقذف وكل ما يمكن أن يتبعض من الحدود والمحصنات هنا الحرائر المسلمات الأبكار لا الحرائر المتزوجات؛ لأن حد الحرائر المتزوجات الرجم وهو لا يتبعض وسمى الأبكار محصنات، لأن الإحصان يكون بهن، وقد ذهب قوم إلى أن العبد المحصن. والأمة المحصنة يرجمان كالأحرار، ولفظ الآية كما قدمنا يرد ذلك؟ لأن الرجم ليس بمحدود معلم، فيتصف وإنما أراد تعالى ما يمكن فيه التصنيف، فمن قال ذلك فقد خالف الآية، وحد الحرائر المسلمات غير المتزوجات وهن الأبكار جلد مائة وتغريب عندنا. وعند الشافعي أنها تغريب، لقول رسول الله ﷺ : ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام))، فإن قلنا: إن الحد دون تغريب فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن نصف ذلك، وهو خمسون جلدة وهو قول مالك وجميع أصحابه وأحد قولي الشافعي وقول ابن عباس وغيره. وإذا قلنا: إن حد الحرة المسلمة مائة وتغريب عام، فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن ذلك وهو خمسون جلدة

стр. 562

وتغريب ستة أشهر، وهو أحد قولي الشافعي والعبد بمنزلة الأمة، فيما ذكرنا لا فرق بينهما. خلافًا لمن لا يرى على العبد حدًا أصلًا أحصن أو لم يحصن؛ لأنه يرى أن سورة النساء في الإماء خاصة، وآية النور في الأحرار خاصة، ولم يأت للعبد ذكر، ولم ير القياس بقي أن يكون على العبد حد في الزنا، وهو قول ظاهر الفساد وخلافًا لأهل الظاهر من إيجابهم على العبد في الزنا مائة جلدة كالحرة احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، ويخصصون الإناث من ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾، ونحن نرى العبد لاحقًا بالأمة، فيتخصص بذلك هو والأمة من عموم آية النور وإلحاق العبد بالأمة من هذا ونحو أو الأمة بالعبد في نحو قوله ﵊: ((من أعتق شركًا له في عبد)) مختلف في تسميته قياسًا والأصح أنه ليس بقياس وعلى حد الزنا قياس مالك عده الإماء وإطلاق العبيد.

стр. 563

- وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾: ذلك إشارة إلى نكاح الأمة، واختلف في تفسير العنت، فقيل: هو: المشقة، وقيل: هو الزنا، وقيل: الإثم، وقيل: الحد. - وقوله تعالى: ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾: ندب منه تعالى إلى الترك وعليت ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن. (٢٩) - (٣٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾: قال عكرمة: في هذه الآية نهى بعضهم عن أكل طعام بعض، ثم نسخ بقوله: ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم﴾ الآية [النور: ٦١]، وهذا الذي ذكره عكرمة إنما هو تخصيص. وأما تسميته نسخًا ففيه خلاف ولا يصح في النظر، ولأجل هذا القول قال بعض الناس: إن الهبات والصدقات من أكل الأموال بالباطل، وأنها داخلة تحت النهي، إلا أنه نسخ بالإجماع أو بالآية المتقدمة، وهو قول ابن عباس. والأظهر أن الآية لا تفهم التحريم الهبات التي يبتغي بها الأغراض الصحيحة، وإنما حرم الله تعالى مثل أكل المال بالقمار والخمر والإغرار مثل أثمان البيوع الفاسدة.

стр. 564

وانظر على هذا مسألة النهبة التي تنثر على رؤوس الصبيان، ومسألة من أتى بطعام وأتى أصحابه بطعام واجتمعوا للأكل هل لهما تعلق بهذه الآية. وقوله: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ أباح الله تعالى في هذه الآية التجارات وهي اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح ويؤخذ منه جواز طلب القوت بها. وفي هذا دليل على فساد قول من ينكر طلي الأقوات بالصناعات والتجارات من المتصوفة الجهلة؛ لأن الله تعالى حرم أكل الأموال بالباطل وأحلها بالتجارة وفي إحلاله تعالى ذلك إباحة ان يشتري الإنسان سلعة من آخر بدرهم وهي تساوي مائة. وهذا إذا كان البائع عارفًا بالقيمة، فما أحسب أن فيه خلافًا أما إن لم يكن عارفًا بالقيمة، فالمشهور إمضاء البيع لما قدمناه من دليل الآية. وهذا هو الذي يسمى بيع الغبن. وحكى ابن القصار أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث. وذكره بعضهم عن ابن وهب ومن ذلك أن يشتري الرجل ياقوتة. فالمشهور أن لا رجوع لأحدهما على صاحبه؛ لأن هذا ليس من أكل أموال الناس بالباطل، بل هو أكل الأموال بالتجارة؛ كما أباحه في قوله: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. وقد قيل:

стр. 565

إنه يرجع بذلك، وهو ظاهر ما وقع لمالك في غير كتاب. وهذا يسمى بيع الغلط، وهاتان البيعتان، بيعة الغلط وبيعة الغبن، إنما يكون القول فيهما على ما ذكرناه، إذا كانتا في بيع المكايسة. وأما بيع الاستماتة، وذلك أن يأتي الرجل بالسلعة وهو لا يعرف ما تساوي ويستمين في معرفة ذلك إلى المشتري فيشتريها منه ثم يظهر أنها تساوي أكثر ذلك، فهذا خلاف فيه أنه من أكل أموال الناس بالباطل. واختلف في اللقطة هل لملتقطها استنفاقها بعد السنة على وجه التملك أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز إلا أن يكون له وفاء. والثاني: أن ذلك لا يجو إلا أن يكون ملتقطها محتجًا، وهو قول أبي حنيفة. والثالث: أن ذلك جائز له على كل حال، وهو قول الشافعي. والرابع: أن ذلك لا يجوز على حال بل هو مكروه، وهو قول مالك وهو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ فإن أكلها بعد التعريف فعليها غرمها. وذهب داود إلى أن لا غرامة
следующие страницы →