← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

هنا، فإن يكون معنى التزوج أولى. والفاحشة هنا الزنا بقرينة إلزام الحد كما قال بعضهم، وعندي فاحشة هنا تعم الزنا والقذف وكل ما يمكن أن يتبعض من الحدود والمحصنات هنا الحرائر المسلمات الأبكار لا الحرائر المتزوجات؛ لأن حد الحرائر المتزوجات الرجم وهو لا يتبعض وسمى الأبكار محصنات، لأن الإحصان يكون بهن، وقد ذهب قوم إلى أن العبد المحصن. والأمة المحصنة يرجمان كالأحرار، ولفظ الآية كما قدمنا يرد ذلك؟ لأن الرجم ليس بمحدود معلم، فيتصف وإنما أراد تعالى ما يمكن فيه التصنيف، فمن قال ذلك فقد خالف الآية، وحد الحرائر المسلمات غير المتزوجات وهن الأبكار جلد مائة وتغريب عندنا. وعند الشافعي أنها تغريب، لقول رسول الله ﷺ : ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام))، فإن قلنا: إن الحد دون تغريب فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن نصف ذلك، وهو خمسون جلدة وهو قول مالك وجميع أصحابه وأحد قولي الشافعي وقول ابن عباس وغيره. وإذا قلنا: إن حد الحرة المسلمة مائة وتغريب عام، فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن ذلك وهو خمسون جلدة

стр. 562

وتغريب ستة أشهر، وهو أحد قولي الشافعي والعبد بمنزلة الأمة، فيما ذكرنا لا فرق بينهما. خلافًا لمن لا يرى على العبد حدًا أصلًا أحصن أو لم يحصن؛ لأنه يرى أن سورة النساء في الإماء خاصة، وآية النور في الأحرار خاصة، ولم يأت للعبد ذكر، ولم ير القياس بقي أن يكون على العبد حد في الزنا، وهو قول ظاهر الفساد وخلافًا لأهل الظاهر من إيجابهم على العبد في الزنا مائة جلدة كالحرة احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، ويخصصون الإناث من ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾، ونحن نرى العبد لاحقًا بالأمة، فيتخصص بذلك هو والأمة من عموم آية النور وإلحاق العبد بالأمة من هذا ونحو أو الأمة بالعبد في نحو قوله ﵊: ((من أعتق شركًا له في عبد)) مختلف في تسميته قياسًا والأصح أنه ليس بقياس وعلى حد الزنا قياس مالك عده الإماء وإطلاق العبيد.

стр. 563

- وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾: ذلك إشارة إلى نكاح الأمة، واختلف في تفسير العنت، فقيل: هو: المشقة، وقيل: هو الزنا، وقيل: الإثم، وقيل: الحد. - وقوله تعالى: ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾: ندب منه تعالى إلى الترك وعليت ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن. (٢٩) - (٣٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾: قال عكرمة: في هذه الآية نهى بعضهم عن أكل طعام بعض، ثم نسخ بقوله: ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم﴾ الآية [النور: ٦١]، وهذا الذي ذكره عكرمة إنما هو تخصيص. وأما تسميته نسخًا ففيه خلاف ولا يصح في النظر، ولأجل هذا القول قال بعض الناس: إن الهبات والصدقات من أكل الأموال بالباطل، وأنها داخلة تحت النهي، إلا أنه نسخ بالإجماع أو بالآية المتقدمة، وهو قول ابن عباس. والأظهر أن الآية لا تفهم التحريم الهبات التي يبتغي بها الأغراض الصحيحة، وإنما حرم الله تعالى مثل أكل المال بالقمار والخمر والإغرار مثل أثمان البيوع الفاسدة.

стр. 564

وانظر على هذا مسألة النهبة التي تنثر على رؤوس الصبيان، ومسألة من أتى بطعام وأتى أصحابه بطعام واجتمعوا للأكل هل لهما تعلق بهذه الآية. وقوله: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ أباح الله تعالى في هذه الآية التجارات وهي اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح ويؤخذ منه جواز طلب القوت بها. وفي هذا دليل على فساد قول من ينكر طلي الأقوات بالصناعات والتجارات من المتصوفة الجهلة؛ لأن الله تعالى حرم أكل الأموال بالباطل وأحلها بالتجارة وفي إحلاله تعالى ذلك إباحة ان يشتري الإنسان سلعة من آخر بدرهم وهي تساوي مائة. وهذا إذا كان البائع عارفًا بالقيمة، فما أحسب أن فيه خلافًا أما إن لم يكن عارفًا بالقيمة، فالمشهور إمضاء البيع لما قدمناه من دليل الآية. وهذا هو الذي يسمى بيع الغبن. وحكى ابن القصار أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث. وذكره بعضهم عن ابن وهب ومن ذلك أن يشتري الرجل ياقوتة. فالمشهور أن لا رجوع لأحدهما على صاحبه؛ لأن هذا ليس من أكل أموال الناس بالباطل، بل هو أكل الأموال بالتجارة؛ كما أباحه في قوله: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. وقد قيل:

стр. 565

إنه يرجع بذلك، وهو ظاهر ما وقع لمالك في غير كتاب. وهذا يسمى بيع الغلط، وهاتان البيعتان، بيعة الغلط وبيعة الغبن، إنما يكون القول فيهما على ما ذكرناه، إذا كانتا في بيع المكايسة. وأما بيع الاستماتة، وذلك أن يأتي الرجل بالسلعة وهو لا يعرف ما تساوي ويستمين في معرفة ذلك إلى المشتري فيشتريها منه ثم يظهر أنها تساوي أكثر ذلك، فهذا خلاف فيه أنه من أكل أموال الناس بالباطل. واختلف في اللقطة هل لملتقطها استنفاقها بعد السنة على وجه التملك أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز إلا أن يكون له وفاء. والثاني: أن ذلك لا يجو إلا أن يكون ملتقطها محتجًا، وهو قول أبي حنيفة. والثالث: أن ذلك جائز له على كل حال، وهو قول الشافعي. والرابع: أن ذلك لا يجوز على حال بل هو مكروه، وهو قول مالك وهو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ فإن أكلها بعد التعريف فعليها غرمها. وذهب داود إلى أن لا غرامة

стр. 566

عليه. والصحيح ما قدمناه؛ لأن هنا من أكل أموال الناس بالباطل. واختلف في الرجل يمر بجنان غيره أو بغنمه هل له أن يأكل من الفاكهة ويشرب من اللبن إذا لم يكن محتاجًا إليه؛ لأن المحتاج لا خلاف أن له أن يأكل. فقيل: جائز له أن يأكل ويشرب لصديق كان ذلك أو لغير صديق، وقيل: أن كان لصديق كان له أن يأكل وإن لم يكن لصديق لم يكن له ذلك. قال بعضهم: وهذا أعدل الأقوال، وأولاها بالصواب، وهو قول الليث. وقيل: أن ذلك ممنوع، لصديق كان أو لغير صديق؛ لقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. وهذا من أكل المال بالباطل، وهو قول مالك، وقال بعضهم: وهذا في ثمر الحائط دون لبن الماشية؛ لحديث ابن عمر في لبن الماشية. وقيل: بل ذلك في ثمر الحائط ولبن الماشية سواء؛ لحديث سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه به، فإن أذن له فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاث، فإن لم يجب أحد فليحلب وليشرب))، ولا يحتمل وإن كان على تلك الغنم أو الحائط

стр. 567

أجير وأخبره الأجير أنه أذن له في أن يطعم أو يسقى فهل يصدقه في ذلك. روايتان عن مالك. والأظهر أن لا يصدقه في ذلك؛ لأنه بذلك متعد على مال الغير، لأن صدقه لا يعلم فيكون من أكل المال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿عن تراض﴾ علق تعالى التجارة التي تنتقل بها الأملاك بالتراضي خاصة دون التفرق بالأبدان، فيأخذ مالك بهذا الظاهر، ورأى أن تمام التجارة التراضي بالألسنة، فإذا كان ذلك انخرمت التجارة ولم يكن لأحدهما بعد خيار. وبهذه الآية استدل أصحاب مالك وأبي حنيفة في المسألة المذكورة، ونظيره من الاستدلال استدلالهم أيضًا في ذلك بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢٨٢]، وزعموا أن تلك الآيات كلها

стр. 568

تقتضي نفي الأخبار. وقد رد هذا الاستدلال مثبتو خيار المجلس وغيرهم، وزعموا أنه ضعيف. وقال الشافعي: تمام التراضي وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، وأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: قد اخترت وذلك بعد عقدة البيع. واحتج بحديث النبي ﷺ : ((البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار))، وهذا بحديث قد تأول على وجوه ليس هذا الكتاب موضع ذكرها. (٢٩) - قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾: واختلف في تأويله، فقيل: لا تتجروا في بلاد العدو فتغرروا بأنفسكم، وهذا التأويل في النهي عن التجارة إلى أرض الحرب يوافق مذهب مالك وغيره في تشديد الكراهية في التجارة إلى بلد الحرب، وإن كان قد جاء عن مالك ما يظهر منه إجازة ذلك. وقال بعضهم: المقصود بالآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضًا، وأن يقتل الرجل نفسه بقصد منه إلى ذلك وأن يحملها على غرر ما مات منه، وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين أجنب وتيمم وصلى بالقوم ولم يغتسل بالماء البارد خوفًا على نفسه منه فأقر رسول الله ﷺ احتجاجه. ومن أكره على الكفر فاختار القتل فلا خلاف فيه أنه أفضل ويخصص هذا من الآية بالإجماع. وأما من أكره على غير الكفر من فعل ما لا يحل له، فاختلف في الأفضل من

стр. 569

ذلك. فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة واختيار القتل أفضل وذهب جماعة إلى أن إتيان ما أكره عليه أفضل، وأنه لا يحل له قتل نفسه وحجتهم ظاهر هذه الآية. - وقوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه﴾ الآية: واختلف في المشار إليه بـ ((ذلك))، فقيل: هو عائد عن القتل لأنه أقرب مذكور إليه. وقيل: هو عائد على أكل المال بالباطل وقتل النفس؛ لأن النهي عنهما جاء متسقًا مسرودًا ثم الوعيد حسب النهي. وقيل: هو عائد على كل ما نهى عنه من القضايا من أول السورة إلى قوله: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ , وقيل: هو عائد على ما نهى عنه كم آخر وعيد؛ وذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ [النساء: ١٩]، لأن كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد إلا مع قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ فإنه والنواهي بعده لا وعيد معها، إلا قوله: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا﴾. (٣١) - قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية: اختلف هل التأويل في الكبائر التي وعد الله تعالى عباده باجتنابها تكفير سيئاتهم؟ فقال بعضهم: هي ما تقدم الله تعالى إلى عباده بالنهي عنه

стр. 570

من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية، وهذا قول ابن مسعود والنخعي. وقال قوم: الكبائر سبع، وري هذا عن علي وعبيد بن عمير وغيره. قال عبيد بن عمير: ليس من هذه كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء﴾ [الحج: ٣١]، و ﴿من يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ [النساء: ٩٣]، ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠]، و ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة﴾ [النور: ٢٣]، و ((الفرار من الزحف)): ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفال: ١٥] الآية. والسابعة: التقرب بعد الهجرة ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم﴾ [محمد: ٢٥] الآية. وفي البخاري عن النبي ﷺ : ((اتقوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات))، وقال قوم: هي تسع وروي هذا عن ابن عمر،

стр. 571

وزاد على ما قاله على السحر والإلحاد في المسجد الحرام. وقال قوم: هي أربع/ وروي هذا أيضًا عن ابن مسعود: الإشراك بالله، والقنوت من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. وروي عن ابن مسعود أيضًا أنها ثلاث: القنوت، والإياس، والأمن من مكر الله. وأحصى بعضهم ما جاء في القرآن والحديث من الكبائر، فكانت إحدى وثلاثين وتضمنت جميع الأقوال المتقدمة: الشرك، وقتل النفس، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وأن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، والزنا، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات، والسرقة، وشرب الخمر، والنميمة، والإضرار في الوصية، والقنوط من رحمة الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في المسجد الحرام، والذي يتسبب لوالديه، ومنعًا وهات، ووأد البنات، والنميمة، وترك التحرز من البول، والغلول، واستطالة الرجل في العرض؛ لأن النبي ﷺ قال: ((من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه))، والربا

стр. 572

من الكبائر، وسرقة الصلاة من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ قال: ((أسوأ السرقة الذي يسرق صلاته))، والسرقة من الكبائر والجور في الحكم. قال الله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ [المائدة: ٤٧]، والأمن من مكر الله والتعرف بعد الهجرة. وهذه الأقوال المتقدمة هي أقوال من ذهب في الكبائر إلى حصرها. والصواب في ذلك قول من ذهب إلى أنها لا تنحصر. قيل لابن عباس: الكبائر سبع، قال: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية أخرى عنه: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. والذين لم يروا حصرها اختلفوا في رسمها، فروي عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا: الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة. وقال قوم: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة. وروي ذلك عن ابن عباس أيضًا، وقالت الأشعرية: كل ما عصى الله تعال فيه كبيرة. وعلى قول غير الأشعرية: من الذنوب كبائر وصغائر، وعلى قول الأشعرية: الذنوب كلها كبائر؛ لأنه ما من ذنب يرتكبه أحد إلى وهو عاص لله تعالى به، فمعاصي الله تعالى كلها كبائر، وإنما يقال

стр. 573

لبعضها صغائر بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، وحجة القول الأول أن الله تعالى قد ميز بين الكبائر وما سماه سيئات بقوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ [النساء: ٣١] الآية، فأخبر أن السيئات يكفرها اجتناب الكبائر إذا كانت الذنوب كلها كبائر، فأي شيء كفر بعد اجتنابها، فإذا لا بد أن تكون ثم ذنوب تغفر باجتناب الكبائر ولا تكون تلك إلا الصغائر، فثم إذا كبائر وصغائر. وقد اختلفوا هل تغفر الصغائر باجتناب الكبائر أم لا؟ فذهب عامة الفقهاء وجماعة أهل التأويل إلى أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر قطعًا، وذهب الأشعرية إلى أنه لا ذنب يغفر باجتناب ذنب آخر قطعًا، وهذا مبني على أصله من أن الذنوب كلها كبائر، فسووا بين الذنوب كلها، وجعلوا مرتكب شيء منها في المشيئة إلا الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٢]، واحتجوا بقراءة من قرأ: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر﴾ على التوحيد يعنون الشرك. وقال الفراء: من قرأ كبائر فالمراد به كبير وأكبر الإثم الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع يراد به الواحد. قال تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يأتهم إلا نوح ﵇ وحده. وقال بعضهم: الكبائر هنا جاءت على الجمع؛ لأن المراد بها جميع أنواع الشرك التي لا تصلح معها الأعمال. قالوا: لجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على

стр. 574

الكبيرة؛ لقوله ﷺ : ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ حيث بلغت، يكتب الله تعالى له بها سخطه إلى يوم القيامة))، وحجة الفقهاء وأهل التأويل ظاهر قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، قالوا: معناه نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتناب الكبائر صغائر سيئاتكم؛ لأن الله تعالى قد وعد مجتنبها تكفير ما عداها من سيئاته، ولا يخلف الميعاد. - وقوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ الآية: للذكر مثل حظ الأنثيين هلا جعلت أنصباؤنا كأنصاب الرجال؟ وقول الرجال: إنا لنرجو أن نفضل بحسناتنا على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث. وقيل: قالت أم سلمة للنبي ﷺ : يا رسول الله فضل الرجال على النساء في الغزو والميراث، فنزلت الآية. وقيل: قال النساء: للرجال لهم نصيبان من الذنوب كما لهم نصيبان من الميراث، فنزلت الآية. وفي مقتضى ما ذكر من هذه الأسباب

стр. 575

حسد النساء للرجال فيما خصهم الله به من زيادة الميراث والغزو. وقد روي في القول الأول: أنهن تمنين ذلك فنزلت الآية نهيًا عن كل تمن بخلاف حكم شرعي. ويدخل في النهي أن ينتمي الرجال حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر، وهذا هو الحسد. واختلف في تمني الرجل من غير أن يزول حاله وهو الغبطة. هل يدخل في النهي فلا يجوز أم ليس بداخل في النهي فيجوز؟ فكرهه قوم ورأوا النهي مشتملًا عليه وأجازه آخرون؛ واحتجوا لجوازه وخروجه عن النهي بقول النبي ﷺ : ((إذا حسدت فلا تبغ))، أي لا تتمنى زوال ما بصاحبك من نعمة لتنصرف إليك. قال بعضهم: وهذا في نعم الدنيا. وأما في الأعمال الصالحات، فلذلك من الحسن؛ لقول النبي ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلاكته في الحق، ورجل آتاه الله علمًا ... )) الحديث. وأما تمني الرجل شيئًا من غير أن يقرن أمنيته بأحد فجائز أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿واسألوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]، ومما يدخل تحت المنهي عنه خطبة الرجل على خطبة أخيه؟

стр. 576

(٣٢) - وقوله تعالى: ﴿للرجال نصيب﴾ الآية: واختلف في تأويله، فقال قتادة: معناه من الميراث؛ لأن العرب كانت لا تورث النساء، وهذا قول ضعيف يرده لفظ الاكتساب، وقيل: معناه من الأجر والحسنات. (٣٢) - وقوله تعالى: ﴿واسألوا الله من فضله﴾: اختلف في تأويله، فقال ابن جبير، وليث بن أبي سليم: إن هذا في العبادات والدين وأعمال البر، وليس في فضل الدنيا. وقال الجمهور ذلك على العموم. (٣٣) - وقوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾ الآية: قوله : ﴿ولكل﴾ تقديره في قول قوم: ولكل واحد، وفي قول قوم آخرين: ولكل شيء، يعنون التركة. والمولى في كلام العرب لفظ مشترك، وأصله من ولى الشيء يليه، فسمى المعتِق مولى وسمى المعتَق مولى. ويقال: المولى الأعلى، والمولى الأسفل. ويسمى الناصر مولى، وقد قال تعالى: ﴿وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد: ١١]. ويسمى ابن العم: مولى ويسمى الجار مولى. وقد بسط المتكلمون أقوالهم في هذا الرد على الإمامية عند احتجاجهم بقوله ﵊: ((من كنت مولاه فعليَّ مولاه)). وقد اختلف في المراد به في هذه الآية، فقيل:

стр. 577

العصبة، وقيل: الورثة، وقيل: بنو العم، وقيل: هم الأقرباء، منهم الأب والأخ. قال ابن الحسن: وقول النبي ﷺ : ((ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر)) يدل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ الآية: العصبة من العصبات المولى الأعلى لا الأسفل على قول أكثر العلماء. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن المولى الأسفل يرث من الأعلى. واحتج فيه بما روي أن رجلًا أعتق عبدًا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق، فجعل رسول الله ﷺ ميراثه للغلام المعتق. قال الطحاوي: ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به. وعلى قول الطحاوي هل يلزم أن يكون المولى الأسفل داخلًا تحت

стр. 578

عموم الآية. وقول النبي ﷺ : ((فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر)) يدل على اشتراطه القرابة مع الولاية، فلا معنى لهذا القول. قال أبو الحسن: والذي يحسن من معانيه هنا أن يكون الموالي الورثة؛ لأنها تسلح على تأويل، ولكل شيء وبذلك فسره ابن عباس وغيره: ومما على تأويل ولكل شيء في موضع الصفة لشيء وعلى تأويل ولكل أحد متعلق بفعل مضمر يدل عليه ما قبله، كأنه قال: ولك أحد جعلنا ورثة يرثون مما ترك الوالدان الآية. والآية على هذا التأويل لفظ عموم يراد به الخصوص؛ لأنه ليس يخلو أن يكون له وارث بهذه الآية، وإن لم تعرف عليه. (٣٣) - وقوله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾: اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا: نسخها قوله تعالى: ﴿وألوا الأرحام بعضهم والى ببعض في كتاب الله﴾ [الأحزاب: ٦]. واختلفوا في تأويل الآية المنسوخة فقال ابن عباس وابن جبير والحسن وقتادة وغيرهم: هم الأحلاف، فإن

стр. 579

العرب كانت تتوارث بالحلف فشدد الله تعالى ذلك بهذه الآية ثم نسخه بآية الأنفال: ﴿وأولوا الأرحام﴾ الآية. وقال ابن عباس أيضًا: هم الذين كان رسول الله ﷺ آخى بينهم، فإنهم كانوا يتوارثون بهذه الآية حتى نسخ الله ذلك بما تقدم. وروي أن أبا بكر الصديق عاقد رجلًا فورثه لما مات، وقيل: إنهم كانوا يتعاقدون فيقول الرجل: ترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، ودمي دمك فنزلت الآية مؤكدة لذلك، ثم نسخت بقوله: ﴿وألوا الأرحام﴾ الآية إلى قوله: ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، أي: إلا أن تواصوا لهم ونسخ فرضه. وقد روي هذا عن ابن عباس، والذين ذهبوا إلى انها محكمة اختلفوا في تأويلها: فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الآية محكمة على ظاهرها في الميراث وغيره، وأن الرجلين إذا لم يكن بينهما معروف فوالى أحدهما الآخر على أن يتوارثا ويتعاقدا فإن ذلك يصح ويتوارثان ويتعاقدان. قالوا: ولكل واحد منهما أن يرجع عن الموالاة. وهذا يرده قول رسول الله ﷺ : ((لا حلف في الإسلام))، معناه: لا حكم في

стр. 580

الموارثة على ما كنت تفعل الجاهلية. وأيضًا فإنهم خالفوا الآية التي يحتجون بها؛ لأن الله تعالى علق فيها استحقاق النصيب بعقد اليمين وهم لا يرون اليمين في استحقاق الميراث شيئًا، والمعلوم من مذهب أبي حنيفة أن الميراث بالمعاقدة إنما هو عند عدم ذوي الرحم والولاية. وهو بعيد عن ظاهر الآية، فإن حكم المعاقدة فيها ثابت مع وجود الموالي. وذهب أبو الحسن في الآية إلى أنها في قوم يوصى لهم، فيموت الموصى له قبل نفوذ الوصية ووجوبها، فأمر الموصي أن يؤديها إلى ورثة الموصى له. وهذا خلاف ما ذهب إليه مالك من أن الموصى له إذا مات بل الموصي فلا شيء له، وتبطل الوصية. فلم ير مالك في الآية هذا التأويل وكذلك هو بعيد عن لفظ الآية؛ لأن المعاقدة والإيمان لا دخل لهما في الوصية. وذهب سعيد بن المسيب في الآية إلى أنها من الأبناء الذين كانوا يتبنون: قال: والنصيب الذي أمر بإتيانه هو الوصية لا الميراث. وهذا القول يرجع إلى الحلف على الوصية، وقال ابن عباس: هم

стр. 581

الأحلاف، إلا أن النصيب هنا المؤازرة في الحق والنصر والوفاء بالحلف لا الميراث، ثم ذكر عنه أنه قال: كان المهاجري يرث الأنصاري دو ذوي الرحم، بالأخوة التي جعلها الله بينهم في الإسلام، فلما نزلت: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾، نسخت ذلك. ثم قرأ: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصرة والرفادة والوصلة، وقد ذهب الميراث، وهو قول حسن ويؤيده قول النبي ﷺ : ((لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة)). وقوله: ((ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ولا حلف في الإسلام))، وقد حكي عن ابن عباس أن الآية كانت عامة في الميراث والنصر والمعونة، فنسخ منها الميراث وبقي النصر والمعونة. (٣٤) - قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ الآية: اختلف في سببها، فقيل: سببها قول أم سلمة المتقدم، أي لما تمنى النساء درجة الرجال عرفن بوجه الفضيلة. وقيل: سببها أن سعد بن الربيع لطم زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فجاءت مع أبيها إلى رسول الله ﷺ ، فأمر أن تلطمه كما لطمها، فنولت هذه الآية مبيحة للرجال تأديب نسائهم، فدعاهم رسول الله ﷺ ونقض الحكم الأول، وقال: ((أردت شيئًا وما أراد الله خير)). وفي حديث آخر: ((أردت شيئًا وأراد الله غيره))،

стр. 582

وقد قيل: إن في هذا الحكم المردود نزلت: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علمًا﴾ [طه: ١١٤]. و ((قوام)): فعال بالمبالغة، وهو من القيام على الشيء ومعناه الاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد. وتعليله تعالى ذلك بالفضيلة والنفقة ويقتضي أن للرجال عليهن استيلاء وملكًا ما. قال ابن عباس: ((الرجال أمراء على النساء)). والفضيلة التي جعل الله هنا للزوج هي الغزو وكمال الدين والعقل وما أشبهه. والإنفاق: هو المهر والنفقة المستمرة على الزوجات، ومقتضى هذه الآية أن الزوج يقوم بتدبير زوجته وتأديبها ومنعها من الخروج، وأن عليها طاعته ما لم يأمر بمعصية، وجعل تعالى ذلك للزوج لأجل ما يجب عليه من النفقة لها، ففهم العلماء من هذا أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوامًا عليها وسقط عليها ما له من منعها من الخروج على الوجوه كلها. واختلف: هل لها فسخ النكاح؟ فذهب الشافعي ومالك إلى أن لها ذلك؛ لأنه إذا خرج عن كونه قوامًا عليها وحابسًا لها فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح، فكان لها الفسخ عند الإعسار بالنفقة والكسوة. وفي هذه الآية دليل على أن للرجل الحجر على زوجته في نفسها ومالها؛ لأن الله تعالى قد جعله ((قوامًا)) عليها، ولم يقل قائمًا بل قوامًا مبالغة في ذلك، وهو الناظر في الشيء الحافظ له وإذا كان هو الناظر لها الحافظ عليها لم يجز لها هي قضاء في ذي بال من مالها إلا عن رأيه. وهذه المسألة اختلف

стр. 583

فيها: فذهب قوم إلى أنه لا يجوز لها في شيء من مالها قل أو كثر قضاء، إلا بإذن زوجها. وذهب قوم إلى أنه لها القضاء في كل شيء من مالها قل أو كثر. واحتجوا بظواهر آثار. وذهب مالك إلى أنه لا يجوز للمرأة قضاء إلا في ثلثها. واحتج بما جاء عن النبي ﷺ : ((لا يجوز للمرأة قضاء في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها))، ورأى أن الثلث ليس بذي بال فأجاز تصرفها فيه، وبين بالحديث معنى الآية. وقيل: إنما اعتبر مالك الثلث في جواز فعلها؛ لأنه رأى المريض محجورًا عليه من أجل ورثته، وقد أجاز السنة له الثلث فقاسه عليه، وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن المرأة لا يجوز أن تلي القضاء، قال: لأنه تعالى يقول: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض﴾، يعني من العقل والرأي، فلم يجز أن يضمن على الرجال، وهذا هو مذهب الجمهور. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز أن تقضي فيما يجوز فيه شهادتها. وشذ الطبري فأجاز قضاءها إلى أنه يجوز أن تقضي فيما يجوز فيه شهادتها. وشذ الطبري فأجاز قضاءها في جميع الأحكام، فأما الإمامة الكبرى فلا خلاف أنه لا يجوز أن تليها، والآية أيضًا على الاستدلال المذكور تقتضي ذلك. وقوله تعالى: ﴿فالصالحات﴾ هو الصلاح في الدين، والقانتات: المطيعات لأزواجهن أو لله في أزواجهن وغير ذلك. وقيل: المصليات. والغيب: كل ما غاب عن علم الزوج. وروي أن رسول الله ﷺ قال: ((خير النساء امراة إذا نظرت إليها أسرَّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في

стр. 584

مالك وفي نفسها))، ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية. قوله تعالى: ﴿بما حفظ الله﴾ أي: بحفظ الله تعالى إياهن في أمورهن. وقيل: المعنى: بحفظ الله تعالى إياهن في وصية الأزواج بهن. وقيل: بحفظ الله مطلقًا. و ﴿تخافون﴾: اختلف في تأويله، فقيل: تعلمون وتتيقنون. وذهبوا في ذلك إلى أن وقوع النشوز هو الذي يوجب الوعظ واحتجوا لذلك بقول أبي محجن: ولا تدفنوني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها وقيل: الخوف هنا على بابه من التوقع. والنشوز استعلاء المرأة على زوجها واعوجاجها عليه مأخوذ من نشز الأرض. وقال بعضهم: النشوز امتناع المرأة من فراش زوجها، والخلاف له فيما يلزمها من طاعته. وقال ابن عباس: هو أن تستخف بطاعته وبحقه ولا تطيع أمره. وقال عطاء: النشوز أن تحب فراقه. وقيل: النشوز البغض والأصل من ذلك ما قدمناه، واختلف في تأويل ﴿واهجروهن﴾، فقيل: اجتنبوا جماعهن. قال ابن عباس: يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها، فتكون ((في)) هنا للوعاء على بابها. وقيل: جنبوا مضاجعتهن، قاله مجاهد. ويكون التقدير: واهجروهن في سبب المضاجع. وقيل: معناه قولوا لهن: هجرًا من القول

стр. 585

أي إغلاظًا. ويقال في ذلك: هجر وأهجر. وقيلك معناه اربطوهن في المضاجع بالهجار كما يربط البعير به وهو حبل يشد به البعير، فهي في معنى اضربوهن. وقال الطبري: وقد أشار البخاري أن هجرانهن يكون في غير بيوتهن استنانًا بالنبي ﷺ ، لما فيه من الرفق بالنساء وهو قول مخالف للآية. قال بعضهم: وقد فسر النبي ﷺ مقدار ذلك الهجران بإيلائه شهرًا من أزواجه حين أسر إلى حفصة سرًا فأفشته إلى عائشة وتظاهرتا عليه، فقيل: إنه كان أصاب جاريته مرية في بيت حفصة ويومها، وقيل: في يوم عائشة وسأل حفصة أن تكتم ذلك، فأخبرت عائشة، وقيل: إنه شرب عسلًا في بيت زينب، وذلك الهجران لا يبلغ به الإيلاء أربعة أشهر. وقوله تعالى: ﴿واضربوهن﴾: الضرب هنا يعني به الضرب غير المبرح. وقال قتادة: هو غير الشائن. وقال الحسن: هو غير مؤثر. وسئل ابن عباس عن الضرب غير المبرح، قال: بالشراك أو نحوه. وقال النبي ﵊: ((فاضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربًا غير مبرح))، وهو إشارة منه ﵊ إلى تفسير الآية. وقد اختلف في ضرب النساء الضرب غير المبرح فرأى قوم أن أفضل ما يتخلق به الرجال الصفح عنهن على ما صح في الخبر عن النبي ﷺ من

стр. 586

صبره على هجر نسائه له ولم يذكر أنه عاقبهن على ذلك. وأنكروا الأحاديث التي جاءت بإباحة ضربهن مثل قوله ﵊: ((علق صوتك حيث تراه الخادم))، وقوله: ((أخف أهلك ولا ترفع عنهم عصاك)). وقالوا: لا يجوز الاحتجاج بها لوهاء أسانيدها. وذهب آخرون إلى أن أخبار الضرب صحاح، ؟ واختلفوا في معناها فقال بعضهم: معنى ذلك أن يضرب الرجل امرأته إذا رأى منها ما يكره فيما تجب عليها طاعته فيه. واعتلوا بأن جماعة من أصحاب النبي ﷺ والتابعين كانوا يفعلون ذلك. وذكروا ان ابنة علي بن أبي طالب كانت تحت عبد الله بن أبي سفيان بن الحارثة فربما ضربها فتجيء إلى الحسن بن علي فتشتكي وقد لزق درع حرير بجسدها من الضرب فيقسم عليها لترجعن إلى بيت زوجها، وذكروا أن أسماء قالت: كنت رابعة نسوة الزبير، فكان إذا عتب على أحدنا فك عودًا من الشجب فضربها حتى يكسره عليها. قال عمارة: دخلت على أبي مجلز فدار بينه وبين امرأته كلام فرفع العصا فثبج قدر نصف أنملة أصبعه وكان محمد بن عجلان يحدث بقوله ﷺ : ((لا ترفع عصاك عن أهلك))، فكان يشتري صوتًا فيعلقه في

стр. 587

بيته لتنظر إليه امراته وأهله. وقال آخرون: بل ذلك أمر النبي ﷺ للرجال في أدب أهلهم ووعظهم إياهن وأنه لا يخلو من تفقدهن بما يكون لهن مانعًا من الفساد والخلاف لأمرهم. وذلك من قول العرب: شق فلان عصا المسلمين إذا خالف إلفتهم وفرق جماعتهم، ومن ذلك قيل: للرجل إذا أقام بالمكان واستقر فيه واجتمع إليه أمره: ((قد ألقى فلان عصاه))، فأما ضربها من غير ذنب فمحرم. قالوا: وقد حرم الله تعالى أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا. وقال بعضهم في معنى قوله ﵊: ((لا ترفع عصاك عن أهلك)) إنما ذلك حض على ترهيب أهله في ذات الله تعالى بالضرب لئلا يرتكبن موبقة باقيًا عليه عارها، إذا كان ﷺ قد جعله قيمًا على أهله. والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة السلام: ((أما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه)). أعلمها غلظته على أهله وشدته، فلو كان معناه لا تخلهم عن تأديبك بالوعظ والتذكير دون الترهيب بالضرب عند ركوبها ما لا يحل لها لم يكن لترهيبه فاطمة في أبي الجهم بما وصفه معنى؛ إذ كان الوعظ والتذكير لا يوجبان لصاحبهما ذمًا، وظاهر الآية عندي أعظم ممن رأى ضربهن؛ لأنه تعالى قد قال:

стр. 588

﴿واضربوهن﴾ ولا أقل من أن يكون ذلك مباحًا بل لو قيل: إنه أمر ندب لكان ذلك حسنًا؛ لأن في ذلك إصلاح لهن ولو خلين وهواهن لهلكن. ولم يأمر الله تعالى في شيء من كتابه بالضرب صراحًا إلا في ذلك وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهن للأزواج بمعصية أهل الكبائر، وجعل تعالى ذلك للأزواج عليهن رفقًا بالرجال، وإنما يكره في ضربهن التعدي والإسراف، وقد قال النبي ﷺ : ((لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم))، واختلف في جواز ضربها في الخدمة، والقياس يوجب إذا ضربها في المباضعة جاز في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف. ولا خلاف أنه إذا ضرب ضربًا يؤدي إلى الهلاك أنه ضامن، وحكم المؤدب والمعزر في ذلك حكم الزوج بخلاف حكم الصائل على الإنسان في ماله، فإنه يجوز دفعه وإن أدى إلى ذلك الدفع إلى هلاك الصائل. وإذا قلنا: إن للرجل أن يضرب زوجته تأديبًا لها على ما جنته فضربها ثم ادعت هي أنه ضرب اعتداء، وادعى الزوج أنه ضرب أدب، ففي المذهب قولان في ذلك، أحدهما: أنه محمول على الاعتداء حتى يثبت غير ذلك. وقيل: إنه محمول على الأدب حتى يثبت الاعتداء، وهذا القول أليق بلفظ الآية؛ لأن الله تعالى قد أباح الضرب للزوج، وإذا كان كذلك فهو مصدق على أنه أدب، وقد جعل الله تعالى العظة والهجر والضرب مراتب: يبدأ أولًا بالأضعف وهو العظة، ثم بأشد منه وهو الهجر، ثم بأشد من الهجر وهو الضرب، وإن كانت ((الواو)) لا تعطي رتبة، ولكن

стр. 589

مفهوم الغرض يعطي ذلك. وإن وقعت الطاعة عند إحدى هذه المراتب لم يتعدها إلى سائرها. (٣٥) - قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ الآية: قال إسماعيل القاضي: أما أبو حنيفة وأصحابه فما عرفوا هذه الآية، ولا تكلموا في شيء من أحكامها. وأما الشافعي فتكلم فيها بكلام السكوت أحسن منه. وذكر غيره عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في الحكمين بعض كلام. ونحن نذكر إن شاء الله تعالى ما جاء في ذلك، وقد اختلف أهل التأويل في الخوف ها هنا على حسب ما تقدم، ولا يبعث الحكمان إلا مع شدة الخوف والشقاق وإباية المرأة من الرجوع إلى طاعة زوجها. واختلف في المأمور بالبعثة للحكمين، فقال سعيد بن جبير: الحكام إذا أعضل أمرهما عليم وترافعا إليهم. وقال السدي: المخاطب الزوجان. وقال بعض المفسرين: إليهما تقديم الحكمين، وهذا مذهب مالك، والأول لربيعة وغيره. وأخطأ فيما نسب إلى مالك؛ لأن المشهور عن مالك أن الإمام هو الذي يبعث الحكمين. وأجاز أن يبعثهما الزوجان، وأجاز أيضًا أن يبعثهما من يلي أمر الزوجين، فأن حملنا الآية على هذا القول جعلنا المخاطبة بها الحكام والزوجين والولاة جميعًا. وأما

стр. 590

أن يقال: إن مذهب مالك أن المخاطب بالآية الزوجان خاصة فشيء لا تعرفه ويؤخذ من هذه الآية أن السلطان يبعث الحكمين في أمر الزوجين، وإن لم يطلبا ذلك منه خلافًا للشافعي في أحد قوليه أنه لا يبعثهما إلا السلطان برضى الزوجين ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة على ما ذكر بعضم أيضًا. وللشافعي قول آخر مثل قول مالك أن الحكمين ينفردان بالتفريق دون رضة الزوجين إذا رأيا ذلك. واختلف فيما إلى الحكمين من النظر بين الزوجين، فقيل: لا ينظران إلا فيما وكلهما الزوجان به، وصرح بتقديمهما عليه. وقال أبو الحسن: ينظر الحكمان في الإصلاح والأخذ والإعطاء؛ إلا في الفرقة، وبمثله قال أبو حنيفة على ما ذكر بعضهم. قال: لأن الله تعالى يذكر فرقة، وقالت فرقة: ينظر الحكمان في كل شيء ويحملان على الظالم ويمضيان ما رأياه من بقاء أو فراق، وهذا هو مذهب مالك وجمهور أهل العلم. واختلف في قوله تعالى: ﴿إن يريدا﴾، من المراد بذلك؟ فقيل: الزوجان، وقيل: الحكمان. وخص الله تعالى بعثهما من الأهل؛ لأنهم مظنة العلم بباطن الأمر، ومظنة الإشفاق بسب القرابة. ولم يجعلهما من جهة الزوج وحده، ولا من جهة الزوجة وحدها لما يلقى القريب

стр. 591

عند الشنآن من الحمية لمن هو من ناحيته. وإن لم يوجد من الأهل من يصلح لذلك بعث من الأجنبيين. وإن جعل ذلك للأجنبيين مع وجود الأهل، فيشبه أن يقال: ينتقص الحكم بمخالفة النص، ويشبه أن يقال: الحكم ماض بمنزلة ما لو تحاكما إليهما. إن جعل السلطان النظر بين الزوجين إلى واحد هو منهما مثل عم أو خال جاز ذلك أيضًا على مقربته مخالفة النص. ولو جعل السلطان ذلك إلى رجل واحد أجنبي منهما جاز على الأصل في الأحكام. ولو جعل السلطان ذلك إلى رجل واحد أجنبي منهما جاز على الأصل في الأحكام: أنه يجزئ في القضية رجل واحد وهو في هذا الوجه بخلاف الحكمين في الصيد، ولا يجوز أن يوقعا من الطلاق أكثر من واحدة، واختلف في الاثنين والثلاث. فقيل: يلزم الزوج ما أوقع عليه. وقيل: يلزم من ذلك طلقة. وقال عبد الملك: لأنهما لم يدخلا بما زاد على الواحدة صلاحًا بل أدخلا مضرة. واختلف إذا كان الزوجان رشيدين وحكم بينهما غير عدل، أو امرأة، أو صبيًا، أو صبية، هل ينقض الحكم أم لا؟ فقال عبد الملك: ((إنه منقوص))، وكذلك لو حكما رجلًا وهما يريان أنه من أهل المعرفة والعدالة ثم تبين غير ذلك، فإنه يختلف هل يمضي الحكم أم لا؟ وفي كتاب محمد ابن عبد الحكم ماض، ووجه القول ينقض الحكم إن من شرط الحكمين أن يكونا عدلين؛ لأن الله تعالى سماهما حكمين. واختلف المتأخرون من أشياخنا في جعل الأمينة بين الزوجين، فقالت

стр. 592

طائفة منهم: بإجازة ذلك ولم تر بعث الحكمين. قالت: لأنه أمر لم يحكم به من كان قبلنا من أئمة العدل ولكن تخرج المرأة إلى دار الأمين أو يسكن أمين معها. وقد ذكر مثل هذا ابن سحنون عن أبيه من قول مالك في النصرانية الحاضنة إذا خيف منها أن تضم إلى ناس من المسلمين، وأنكرت طائفة هذا وقالوا: القول بالحكمين مما لا يجوز الحكم بغيره؛ لأن الله تعالى حكم به، وأصحاب النبي ﷺ ، وهلم جرا، وقد بعث عمر بن الخطاب حكمين، وفعل ذلك علي ابن أبي طالب. وآية التحكيم محكمة لا خلاف في ذلك، وبذلك قال ابن لبابة. وقال ابن القطان: لا يقضي بإسكان أمينة معهما، يتعرف بها الضرر وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وأعجب من أهل بلادنا في هذه المسألة وشبيهها يقلدون مالكًا في العظائم، وإن لم يستند فيها إلى نص ويخالفونه في الدقائق، وإن استند فيها إلى نص ولم يقنعوا بخلاف مالك في هذه المألة حتى خالفوا فيها ما أمر الله تعالى به. (٤٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية: سبب النهي عن قرب الصلاة في حال السكر أن جماعة من الصحابة شربوا الخمر عند أحدهم قبل التحريم، منهم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، فحضرت الصلاة فتقدمهم علي فقرأ: ﴿قل يا أيها

стр. 593

الكافرون﴾ [الكافرون: ١]، مخلطًا فيها بأن قال: ((أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد)). وروي أن المصلي عبد الرحمن بن عوف، قود اختلفوا في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فالذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في التأويل، فقالت طائفة معنى قوله: ﴿وأنتم سكارى﴾ أي سكارى من النوم لا من الخمر، وقال عبيدة السلماني: هو الحاقن كقوله ﵊: ((لا يصلين أحدكم وهو ويدافع الأخبثين)). وقيل: ليس المراد هنا العبادة المعلومة وإنما المراد بها مواضع الصلاة وهي المساجد، والتقدير: لا تقربوا مواضع الصلاة ثم حذف؛ كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، وروي هذا عن ابن عباس أيضًا، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه. والأكثر كما قدمنا على أن المراد به الصلاة، وهو قول أبي حنيفة. ومقتضى هذا القول تنزيه المساجد عما يتوقع من السكران من فحش المنطق وتلويث المسجد، ويقاس على هذا السباب فيها والدخول بالروائح المنتنة أو بالنجسات. ومن ذلك إنشاد الشعر فيها، وقد اختلف فيه. والأظهر جوازه إلا ما كان فيه من فحش. وكذلك

стр. 594

رفع الأصوات فيها بغير ذكر الله تعالى، وقد اختلف فيه أيضًا. وقد قال عمر: من أراد أن يغلظ أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة. وكذلك النوم فيها مختلف فيه، والأظهر جوازه لما ورد من الآثار في ذلك. واختلف فيمن رأى في المسجد في ثوبه دمًا كثير هل له أن يخلعه فيه على قولين، أحدهما: أنه يجب أن يخرج ولا يخلعه فيه. والثاني: أنه يجوز له أن يخلعه ويضعه بين يديه ويغطيه، وقيل: المعنى لا يكن منكم سكر فيقع قرب الصلاة؛ إذ المرء مدعو إلى الصلاة. وهذا القول بأنها محكمة إنما يصح على القول ببطلان دليل الخطاب، إذ دليل خطاب الآية على هذا القول إباحة ما دون السكر أو السكر في غير الصلاة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا، فمنهم من قال بدليل خطابها، ورأى أن الآية نزلت قبل التحريم، فاقتضت عنده تحريم السكر في الصلاة خاصة، فرآها منسوخة بآية التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: ٩٠]، وهو مروي عن قتادة ومجاهد. ومنهم من رأى أن الآية إنما اقتضت النهي عن الصلاة في حال السكر، ثم ورد الأمر بالصلاة على كل حال، فإن كانوا لا يعقلون ما يقرأون وما يفعلون، فعليهم الإعادة، وإن كانوا يعقلون ذلك فعليهم أن يصلوا، وهذا قبل التحريم. فأم بعد التحريم، فيجب أن لا يفعلوا ذلك، أعني الشرب، فإن فعلوا فقد أساؤوا

стр. 595

الحكم في الصلاة، وأخذوا الآية التي وردت بالأمر بالصلاة على كل حال. قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦] الآية، وهذا قول ابن عباس. وفي هذه الأقوال كلها نظر. أما النسخ فيها، فلا يتحقق؛ لأنه مهما أمكن بقي التعارض بين الآيتين لم يصح نسخ. أما النسخ بتحريم الخمر، فمبني على القول بدليل الخطاب، وللناظر أن يقول: إنما حرم السكر حال الصلاة، ثم أكج التحريم فيها بأن صرح بتحريمه في الصلاة وفي غير الصلاة، فالتحريم المطلق قوى التحريم المخصوص ولم ينسخه. وأما القول بأن الأمر بالصلاة على كل حال ناسخ للنهي عن الصلاة في حال السكر فضعيف؛ لأن قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ يحتمل أن يريد: إذا قمتم غير سكارى، فلا تتعارض الآيتان. وأما القول بأن المراد بالسكر سكر الحقن أو سكر النوم فبعيد؛ لأن ذلك مجاز والحمل على الحقيقة ما أمكن أولى. ومحمل ذلك كله على النهي عن الصلاة مع اختلاف العمل. وقد قال ﵊: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة وهو ناعس فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه)). واختلف في السكران هل هو داخل في حال سكره تحت تكليف ما أم لا؟ فذهب معظم الفقهاء إلى أنه داخل تحت التكليف في بعض الأحكام. وذهب محققو الأصوليين إلى أنه ليس بداخل تحت التكليف، وأن ذلك مجاز، ومن حجة أهل القول الأول أن يقولوا:

стр. 596

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلة وأنتم سكارى﴾ الآية، هذا خطاب للسكارى، وهذا هو التكليف. وعن ذلك أجوبة لأهل القول الثاني، أحدها: أن هذا خطاب مع المنتشي الذي ظهر منه بادئ النشاط والطرب ولم يزل عقله؛ فإنه قد يستحسن فيه من اللعب والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك، ولكنه عاقل. (٤٣) - قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾: معناه تتبينوا وتتكامل منكم نياتكم، كم يقال للغضبان حتى تعلم ما تقول، أي: يسكن غضبك فيكمل علمك وأن أصل عقله باقيًا، وهذا لأنه لا يستغل بالصلاة مثل السكران، وقد يعسر عليه تصحيح المخارج وتمام الخشوع. وضعف هذا القول أبو الحسن، بأن قال: الإجماع منعقد على أن هذا مأمور بفعل الصلاة، فكيف يكون منهيًا؟ والثاني: أن هذا الخطاب للصاحين ورد في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، وليس المراد به المنع ن الصلاة، بل المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كما يقال: لا تقرب التهجد وأنت شبعان، ومعناه: لا تشبع فيثقل عليك التهجد. واختلف في حد المسكر فقال مالك: إذا تغير عن طباعه التي هو عليها. وقال الثوري: هو اختلاط العقل وهو أن يستقرأ فإن أقام القراءة وسئل فتكلم بما يعرف لم يحد وإن لم يقم القراءة ولا غيرها حد. وقال أبو حنيفة هو أن لا يعرف الرجل من المرأة، وقال مرة: أن لا يعرف قليلًا ولا كثيرًا. وقال الشافعي: أصل السكر ان يغلب على عقله في

стр. 597

بعض ما لم يكن يغلب قبل الشرب. قال ابن المنذر: وهو أولى بالصواب؛ لقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. وقد كان الذين خوطبوا بهذه الآية من أصحاب رسول الله ﷺ قبل نزول تحريم الخمر يقربون الصلاة قاصدين لها في حال سكرهم، عالمين بالصلاة التي لها يقصدون، وقد سموا سكارى لأن في الحديث أن بعض من قدم للصلاة خلط القراءة، فأنزل الله تعالى الآية. واختلف في أقوال السكران وأفعاله وهو الذي معه بقية من عقله على أربعة أقوال، أحدها: أنه في حكم الصحيح الذي ليس بسكران، يلزمه ما يلزمه؛ لأنه معه بقية من عقله يدخ بها تحت التكليف. ودليلهم على ذلك توجه الخطاب إليه في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية، وما روي من أن منادي رسول الله ﷺ كان ينادي: إذا أقيمت الصلاة لا يقربن الصلاة سكران، وهو قول ابن نافع ومذهب الشافعي وأبي حنيفة. وقيل: يلزمه ما يلزم الصحيح؛ لأنه هو أدخل على نفسه السكر. وقيل: لأنه غير مستحق لاسم السكران؛ لأن السكران هو الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، قال ذلك أبو حنيفة وهو بعيد؛ لأن اسم السكر واقع عليه بدليل ما ذكرناه بالقرآن والسنة. والثاني: أنه في حكم المجنون الذي القلم عنه مرفوع في

стр. 598

الشرع، فلا يلزمه حد ولا عتق ولا طلاق ولا بيع ولا شراء ولا شيء من الأشياء، ولم يروه داخلًا تحت التكليف، وتأولوا الآية على ما قدمناه. واحتجوا بما وري عن عثمان: ((ليس للمجنون ولا السكران طلاق))، وهو قول ابن عبد الحكم أن طلاق السكران لا يجوز. والثالث: أنه تلزمه الأفعال، ولا تلزمه الأقوال، وهذا قول الليث بن سعد، وحدة أهل هذه القول: قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾؛ لأنه يظهر من قوله: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ أن السكران لا يعلم ما يقول، فإذا لم يعلم ما يقول سقط عنه حكم القول. والرابع: أنه لا يلزمه الإقرارات والعقود وتلزمه الجنايات والطلاق والعتق والحدود، وهو مذهب مالك وعامة أصحابه، وهو أصح الأقوال؛ لما يعضده من الأدلة المذكورة في غير هذا الكتاب، وهذا كله في السكران الذي معه بقية من عقله وينشأ من هذا الخلاف في صلاة السكران هل تصح أم لا تصح وعليه الإعادة؟ وهل النهي نهي كراهة أو نهي تحريم؟ وينشأ منه أيضًا الخلاف في صلاة من ائتم به، هل تصح أم لا؟ وفي هذا أنزلت الآية. وأما من شرب الخمر ولم يسكر فغنه مخاطب بالصلاة باتفاق، وهل حكمه في ذلك حكم من صلى بنجاسة في جسده أم لا؟ فيه خلاف. وينشأ من هذا أيضًا أن يقال: هل السكر حدث أم سبب للحدث، كالخلاف في النوم والإغماء والجنون. وأما الذي لا يعرف الأرض من السماء، فلا خلاف أنه كالمجنون؛ إلا فيما ذهب وقته من الصلوات فلا يسقط عنه؛ لأنه هو الذي أدخل السكر على نفسه بخلاف المجنون والمغمى عليه.

стр. 599

(٤٣) - قوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾: واختلف في الجنب من هو؟ فقال الجمهور: هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان من غير إنزال؛ لأن المجانبة في اللغة ترجع إلى البعد والمفارقة، وهي كناية على الوطئ، فالرجل إذا جامع ثم فارق فقد حصلت المفارقة سواء أنزل أو لم ينزل، وهو كقوله ﵊: ((الكذب مجانب للإيمان))، أي مفارق، وذهب داود وبعضا الصحابة إلى أن الجنب لا يكون إلا من إنزال، ولم يوجبوا الغسل إلا على ذلك. ودليل أهل القول الأول مع ما ذكرناه قول النبي ﷺ : ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل)). - وقوله: ﴿إلا عابري سبيل﴾: اختلف في عابر السبيل من هو؟ فقيل هو المسافر، قالوا: فلا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال إلا المسافر، فإنه يتيمم، وهو قول علي وابن عباس وغيرهما. وهذا قول مبني على القول بأ، الصلاة من قوله: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ المراد بها العبادة. وقيل: هو المجتاز مسافرًا كان أو غير مسافر، وهذا القول مبني على أن الصلاة فيما تقدم أريد بها موسع الصلاة. وعلى هذا يترتب الخلاف في الجنب يمر في المسجد أو يقعد فيه، فقيل: إنه يمر فيه ويقعد، وهو قول داود، قال:

стр. 600

وكان أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون وهو جنبًا في المسجد، وجعلوا القعود كالمرور. وقال بعضهم: يجلس فيه ويمر إذا توضأ، وهو قول ابن حنبل. وقال قوم: لا يجلس فيه ولا يمر وهو قول الكوفيين وأشهر قولي مالك، وروي عن ابن عباس وغيره: إن لم يجد بدًا تيمم ومر فيه ولا يقعد، وهو قول الثوري وإسحاق. وأما القول الأول فضعيف ومخالف لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى نهى عن القرب من موضع الصلاة جنبًا، ثم أباح للجنب إذا كان عابر سبيل أن يعبره فمن أباح القعود فيه فقد أجاز ما نهى الله تعالى عنه. والقول الثاني مثله في الضعف بل أضعف. وأما القول الثالث وهو أشهر قولي مالك، فصحيح وليس في الآية ما يرده؛ لأن الآية على هذا القول إنما هي في المسافر الجنب إذا حضر الصلاة كما قدمنا، فليس فيها إباحة شيء من ذلك. ويؤيد هذا القول حديث عائشة، قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد))، ثم دخل ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد فقال: ((وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب))، قالوا: فأمر النبي ﷺ بهذا صيانة للمسجد عن اجتياز الجنب. وأما القول الرابع وهو أحد قولي مالك، فمحمول على أن الآية في غير المسافر، وأن المراد بالصلاة المسجد،
следующие страницы →