Полный текст (1 576 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلة وأنتم سكارى﴾ الآية، هذا خطاب للسكارى، وهذا هو التكليف. وعن ذلك أجوبة لأهل القول الثاني، أحدها: أن هذا خطاب مع المنتشي الذي ظهر منه بادئ النشاط والطرب ولم يزل عقله؛ فإنه قد يستحسن فيه من اللعب والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك، ولكنه عاقل.
(٤٣) - قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾:
معناه تتبينوا وتتكامل منكم نياتكم، كم يقال للغضبان حتى تعلم ما تقول، أي: يسكن غضبك فيكمل علمك وأن أصل عقله باقيًا، وهذا لأنه لا يستغل بالصلاة مثل السكران، وقد يعسر عليه تصحيح المخارج وتمام الخشوع. وضعف هذا القول أبو الحسن، بأن قال: الإجماع منعقد على أن هذا مأمور بفعل الصلاة، فكيف يكون منهيًا؟ والثاني: أن هذا الخطاب للصاحين ورد في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، وليس المراد به المنع ن الصلاة، بل المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كما يقال: لا تقرب التهجد وأنت شبعان، ومعناه: لا تشبع فيثقل عليك التهجد. واختلف في حد المسكر فقال مالك: إذا تغير عن طباعه التي هو عليها. وقال الثوري: هو اختلاط العقل وهو أن يستقرأ فإن أقام القراءة وسئل فتكلم بما يعرف لم يحد وإن لم يقم القراءة ولا غيرها حد.
وقال أبو حنيفة هو أن لا يعرف الرجل من المرأة، وقال مرة: أن لا يعرف قليلًا ولا كثيرًا. وقال الشافعي: أصل السكر ان يغلب على عقله في
стр. 597
بعض ما لم يكن يغلب قبل الشرب. قال ابن المنذر: وهو أولى بالصواب؛ لقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. وقد كان الذين خوطبوا بهذه الآية من أصحاب رسول الله ﷺ قبل نزول تحريم الخمر يقربون الصلاة قاصدين لها في حال سكرهم، عالمين بالصلاة التي لها يقصدون، وقد سموا سكارى لأن في الحديث أن بعض من قدم للصلاة خلط القراءة، فأنزل الله تعالى الآية.
واختلف في أقوال السكران وأفعاله وهو الذي معه بقية من عقله على أربعة أقوال، أحدها: أنه في حكم الصحيح الذي ليس بسكران، يلزمه ما يلزمه؛ لأنه معه بقية من عقله يدخ بها تحت التكليف. ودليلهم على ذلك توجه الخطاب إليه في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية، وما روي من أن منادي رسول الله ﷺ كان ينادي: إذا أقيمت الصلاة لا يقربن الصلاة سكران، وهو قول ابن نافع ومذهب الشافعي وأبي حنيفة. وقيل: يلزمه ما يلزم الصحيح؛ لأنه هو أدخل على نفسه السكر. وقيل: لأنه غير مستحق لاسم السكران؛ لأن السكران هو الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، قال ذلك أبو حنيفة وهو بعيد؛ لأن اسم السكر واقع عليه بدليل ما ذكرناه بالقرآن والسنة. والثاني: أنه في حكم المجنون الذي القلم عنه مرفوع في
стр. 598
الشرع، فلا يلزمه حد ولا عتق ولا طلاق ولا بيع ولا شراء ولا شيء من الأشياء، ولم يروه داخلًا تحت التكليف، وتأولوا الآية على ما قدمناه.
واحتجوا بما وري عن عثمان: ((ليس للمجنون ولا السكران طلاق))، وهو قول ابن عبد الحكم أن طلاق السكران لا يجوز. والثالث: أنه تلزمه الأفعال، ولا تلزمه الأقوال، وهذا قول الليث بن سعد، وحدة أهل هذه القول: قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾؛ لأنه يظهر من قوله: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ أن السكران لا يعلم ما يقول، فإذا لم يعلم ما يقول سقط عنه حكم القول. والرابع: أنه لا يلزمه الإقرارات والعقود وتلزمه الجنايات والطلاق والعتق والحدود، وهو مذهب مالك وعامة أصحابه، وهو أصح الأقوال؛ لما يعضده من الأدلة المذكورة في غير هذا الكتاب، وهذا كله في السكران الذي معه بقية من عقله وينشأ من هذا الخلاف في صلاة السكران هل تصح أم لا تصح وعليه الإعادة؟ وهل النهي نهي كراهة أو نهي تحريم؟ وينشأ منه أيضًا الخلاف في صلاة من ائتم به، هل تصح أم لا؟ وفي هذا أنزلت الآية. وأما من شرب الخمر ولم يسكر فغنه مخاطب بالصلاة باتفاق، وهل حكمه في ذلك حكم من صلى بنجاسة في جسده أم لا؟ فيه خلاف. وينشأ من هذا أيضًا أن يقال: هل السكر حدث أم سبب للحدث، كالخلاف في النوم والإغماء والجنون. وأما الذي لا يعرف الأرض من السماء، فلا خلاف أنه كالمجنون؛ إلا فيما ذهب وقته من الصلوات فلا يسقط عنه؛ لأنه هو الذي أدخل السكر على نفسه بخلاف المجنون والمغمى عليه.
стр. 599
(٤٣) - قوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾:
واختلف في الجنب من هو؟ فقال الجمهور: هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان من غير إنزال؛ لأن المجانبة في اللغة ترجع إلى البعد والمفارقة، وهي كناية على الوطئ، فالرجل إذا جامع ثم فارق فقد حصلت المفارقة سواء أنزل أو لم ينزل، وهو كقوله ﵊: ((الكذب مجانب للإيمان))، أي مفارق، وذهب داود وبعضا الصحابة إلى أن الجنب لا يكون إلا من إنزال، ولم يوجبوا الغسل إلا على ذلك. ودليل أهل القول الأول مع ما ذكرناه قول النبي ﷺ : ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل)).
- وقوله: ﴿إلا عابري سبيل﴾:
اختلف في عابر السبيل من هو؟ فقيل هو المسافر، قالوا: فلا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال إلا المسافر، فإنه يتيمم، وهو قول علي وابن عباس وغيرهما. وهذا قول مبني على القول بأ، الصلاة من قوله: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ المراد بها العبادة. وقيل: هو المجتاز مسافرًا كان أو غير مسافر، وهذا القول مبني على أن الصلاة فيما تقدم أريد بها موسع الصلاة. وعلى هذا يترتب الخلاف في الجنب يمر في المسجد أو يقعد فيه، فقيل: إنه يمر فيه ويقعد، وهو قول داود، قال:
стр. 600
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون وهو جنبًا في المسجد، وجعلوا القعود كالمرور. وقال بعضهم: يجلس فيه ويمر إذا توضأ، وهو قول ابن حنبل. وقال قوم: لا يجلس فيه ولا يمر وهو قول الكوفيين وأشهر قولي مالك، وروي عن ابن عباس وغيره: إن لم يجد بدًا تيمم ومر فيه ولا يقعد، وهو قول الثوري وإسحاق. وأما القول الأول فضعيف ومخالف لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى نهى عن القرب من موضع الصلاة جنبًا، ثم أباح للجنب إذا كان عابر سبيل أن يعبره فمن أباح القعود فيه فقد أجاز ما نهى الله تعالى عنه. والقول الثاني مثله في الضعف بل أضعف. وأما القول الثالث وهو أشهر قولي مالك، فصحيح وليس في الآية ما يرده؛ لأن الآية على هذا القول إنما هي في المسافر الجنب إذا حضر الصلاة كما قدمنا، فليس فيها إباحة شيء من ذلك. ويؤيد هذا القول حديث عائشة، قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد))، ثم دخل ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد فقال: ((وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب))، قالوا: فأمر النبي ﷺ بهذا صيانة للمسجد عن اجتياز الجنب. وأما القول الرابع وهو أحد قولي مالك، فمحمول على أن الآية في غير المسافر، وأن المراد بالصلاة المسجد،
стр. 601
وبعابر السبيل المجتاز فيه، وهو أحد قولي زيد بن أسلم. وأما القول الخامس في الآية فضعيف؛ إذ فيه التيمم والله تعالى لم يذكر التيمم، فالظاهر إباحة ذلك لعابر السبيل متيممًا كان أو غير متيمم، ومما يؤيد أن الصلاة المراد بها موضع الصلاة، وأن عابر السبيل هو المار في المسجد ما روى بعضهم من أن سبب الآية أن قومًا من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد، فإذا أصاب أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في المسجد، فنزلت الآية في ذلك.
(٤٣) - قوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾:
اختلف في صفة الغسل التي عنى الله تعالى في هذه الآية، فقالت طائفة: يجزئ الجنب الانغماس في الماء دون إمرار اليد على الجسم، وهو قول الشافعي وابن عبد الحكم وأبي الفرج، وإحدى الروايتين عن مالك.
وقالت طائفة: لا يجزئ الغسل حتى يمر يديه على جسده كله وهذا أشهر قولي مالك، وحجة القول الأول أن كل من صب الماء فقد اغتسل؛ لقول العرب: غسلتني السماء. ولا مدخل فيه لإمرار اليد، وحج أهل القول الثاني: أن الغسل يتضمن زيادة على إيصال الماء إلى المحل، وليس ذلك إلا أمرار اليد؛ لأن أهل اللغة فرقوا بين الغمس والغسل، فيقولون: انغماس واغتسال، فدل على اختلاف حكمهما، ولقوله ﷺ لعائشة: ((وادلكي جسدك بيدك)). واختلف في الجنب يحدث هل عليه وضوء أم لا؟ فالجمهور على أن لا وضوء عليه، وذهب الشافعي في بعض أقواله إلى أن عليه الوضوء ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾، فلم يوجب غير الغسل. والحدث الأصغر يدخل في الأكبر، وكذلك لا يجنب مع
стр. 602
الغسل وضوء لظاهر الآية، وأي وضوء أعم من الغسل كما قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
(٤٣) - قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ الآية:
واختلف في سببها فقيل: سببها عدم الصحابة للماء في غزوة المريسيع حين قام النبي ﷺ على التماس العقد. وقيل: نزلت في قوم أصابتهم جراح ثم أجنبوا فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت الآية. وذكر بعضهم أن ذلك نزل لعبد الرحمن بن عوف. واختلف في المرض الذي شرط الله تعالى جواز التيمم فيه، فأخذ بعضهم بظاهر الآية، وهو داود ومن تابعه، فقال: كل من انطلق عليه اسم مريض فجائز له التيمم. وقال الشافعي في أشهر قوليه: هو المرض الذي يخاف فيه التلف باستعمال الماء.
وقد روي عن مالك مثل هذا. وقال مالك في أشهر قوليه: هو المرض الذي يخاف فيه التلف أو الزيادة أو البطء باستعمال الماء. قال القابسي: مثل أن يخاف أن تثيبه نزلة أو حمى، وقد روي عن الشافعي مثل هذا.
واختلف في السفر الذي يباح فيه التيمم، فقال الجمهور: هو الغيبة عن الحضر، كان السفر مما تقصر فيه الصلاة أو لا تقصر أخذًا بظاهر لفظ السفر في الآية؛ لأنه لم يخص سفرًا في مثله الصلاة، ويجوز فيه القصر. ورأوا أن السفر في الآية على ذلك يقع، واختلف في سفر المعصية هل يجوز فيه التيمم أم لا؟ فذهبت فرقة إلى منعه والأكثر على جوازه لعموم الآية.
стр. 603
(٤٣) - قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾:
في ((أو)) هنا تأويلان أحدهما: أنها على بابها من أن تكن لأحد الشيئين.
والثاني: أنها بمعنى ((الواو))، وعلى هذين التأويلين ينبني اختلاف العلماء في المريض الواجد للماء والحاضر العادم للماء، هل هما من أهل التيمم أم لا؟ فمن أبقى ((أو)) على بابها رآهما من أهل التيمم، وقال: إن معنى هذه الآية وإن كنتم مرضى لا تقدرون على مس الماء، أو على من يناولكم إياه، لأن المرض يتعذر معه الوصول إلى الماء أو مسه في أكثر الأحوال، فاكتفى تعالى بذكر المرض، وفهم منه المراد كما فهم من قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]، أن معناه: فاضطر.
وكذلك قوله: ﴿أو على سفر﴾ يريد غير واجد للماء، فاكتفى بذكر السفر، وفهم المراد منه لأن السفر يعدم الماء فيه في أكثر الأحوال.
ثم قال تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾ الآية، يريد بذلك الحاضر الصحيح. ولما كان الغالب في الحضر وجود الماء صرح بشرط عدمه، فقال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، ومن رأى ((أو)) في الآية بمعنى ((الواو)) ولم يرها نم أصل التيمم؛ لأنه يعيد قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾ على المرض والسفر، وكذلك يعيد قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ عليها أيضًا. قال بعض من ذهب
стр. 604
إلى هذا التأويل: هذا أولى؛ لأن ظاهر الآية إن لم يحل على ذلك توهم أن المرض والسفر حدث يوجب الوضوء كالمجيء من الغائط، وذلك لا يصح بإجماع. ورجح بعض المتأخرين هذا القول وهو قول محمد بن مسلمة من أصحاب مالك، وقوله تعالى: ﴿من العائط﴾ كناية عن الحدث الخارج من المخرجين: الريح والبول والعذرة، كذا قال بعضهم، فالوضوء على هذا فرض من البول والريح بالقرآن في قوله سبحانه: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾؛ لأن من ذهب إلى الغائط وهو المكان المطمئن من الأرض تكون منه هذه الأحداث الثلاثة. وقال محمد بن سحنون: الوضوء من البول والريح سنة، يريد أنه فرض بالسنة مما تلقته الأمة عن النبي ﷺ ولم ينزل فيه قرآن يتلى. قال بعض أصحاب مالك: هذا هو الصحيح لوجهين اثنين، أحدهما: أن العرب لم تكن تأتي الغائط للبول والريح، فالصواب حمل الآية على ما كانت العرب تقصده هناك. والثاني: أن هذين لم تسميهما العرب بالغائط، وألزموا ذلك الاسم ما سواهما. وإذا قلنا: إن الغائط ما يخرج من المخرجين فإنه ينقض الوضوء، إلا أنه عند الشافعي وأبي حنيفة كل ما يخرج منهما نادرًا؛ فلذلك لا ينتقض الوضوء عند الاستحاضة وسلس البول والمذي والحجر والدود والدم، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. ومالك أشعر بتأويل الآية على مذهبه؛ لأن الغائط إنما يقع على الحدثين المعتادين؛ لأن العرب إنما كانت تأتي الغائط
стр. 605
لذينك الحدثين. ولم تكن إذا أصابها دم أو سلس أو غير ذلك مما ذكرنا تأتي بسببه الغائط فيما عرف. وأما ما خرج من بدن الإنسان من الأنجاس من غير المخرجين كالقيء والفصد والرعاف والدمل فلا وضوء فيه عند الجمهور، كما لا وضوء في الجشاء المتغير؛ لأن ذلك ليس من الغائط في شيء، والله تعالى إنما أمر بالوضوء من الغائط. وذهب أبو حنيفة إلى أن الوضوء واجب فيما سال من ذلك وكثر، فإن لم يسل فلا وضوء فيه، وهو قول ضعيف لما قدمناه.
(٤٣) - وقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾:
وقرئ ﴿أو لامستم﴾ لفظ اللمس في اللغة مشترك، يقع على الجماع وعلى جس اليد والقبلة والمباشرة ونحو ذلك وعلى حسب اشتراطه اختلف العلماء في المراد بملامسة النساء في هذه الآية، فقيل: المراد بها جميع ما تقع عليه من جماع وقُبل وجس وغير ذلك، وهو قول مالك وأصحابه، وعلى هذا تكون القبل واللمس باليد وغيرهما مما سوى الجماع ناقضًا جميعه الوضوء على تقسيم في المذهب. ويجب معه التيمم للصلاة إذا عدم الماء. ويكون الجنب من أهل التيمم، وقيل: المراد بالملامسة هنا ما سوى الجماع مما ذكرنا، وعلى هذا القول يخرج الجنب من أهل التيمم، قالوا: ولا سبيل إلى التيمم. وإنما يغتسل الجنب أو يدع الصلاة حتى يجد الماء، وهو قول عمر وابن مسعود وغيرهما. وحكي عن ابن مسعود أنه رجع عن ذلك، ويحتجون أيضًا بقوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وبقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾
стр. 606
[المائدة: ٦]، وبعض من يقول: إن الملامسة هنا ما دون الجماع يوجب التيمم على الجنب بحديث عمار، وعمران بن حصين، ويكون ما سوى الجماع كما ذكرنا ناقضًا للوضوء. وقيل: المراد بملامسة النساء هنا الجماع لا غير، روي ذلك عن عمر أيضًا، وهو قول ابن عباس. وروي أن عبيد بن عمير وابن جبير وعطاء اختلفوا في الملامسة، فقال سعيد وعطاء: هي اللمس والغمز، وقال عبيد بن عمير: هي النكاح، فخرج عليهم ابن عباس وهم كذلك فسألوه وأخبروه بما قالوا، فقال: أخطأ الموليان وأصاب العربي، هي الجماع، ولكن الله تعالى يصف ويكني، وهو محفوظ عن ابن عباس من وجوه كثيرة روي عنه أنه قال: ما أبالي قبلت امرأتي أو شممت ريحانة، وإلى هذا ذهب أهل العراق وحجتهم ما وري عن عائشة من أن رسول الله ﷺ كان يقبلها ثم يخرج إلى الصلاة فلا يتوضأ، قالوا: وقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾، فالملامسة
стр. 607
من اثنين، فال يكون إلا الجماع. وعلى هذا القول يكون الجنب من أهل التيمم، ويكون ما سوى الجماع لا ينقض الوضوء، قال أبو حنيفة: إلا أن ينتشر. وقال محمد بن الحسن: لا وضوء عليه وإن انتشر، إلا أن يخرج منه مذي. وإذا قلنا بجواز التيمم للعادم الماء، فهل يجري مجراه من وجد الماء من حاضر أو مسافر ولم يقدر على مسه؛ لأنه يخالف التلف أو المرض أم لا؟ فاختلف فيه فقيل: يجوز له التيمم إلا أن خاف التلف، وهو قول الشافعي. وقال بعضهم: في الجنب يتوضأ ولا يتيمم إذا لم يقدر على مس الماء على ما روي عن عمرو بن العاص من أنه فعل ذلك في جيش ذات السلاسل، قالوا: والوضوء فوق التيمم، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الله تعالى جعل التيمم عوض الغسل من الجنابة، ولم يجعل الوضوء بدلًا منه، فليس بأرفع منه وإنما هو أرفع منه في الحدث الأصغر، حيث جعل بدلًا. وقال بقول الشافعي المتقدم عطاء، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، ودليل مالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾. إذا قلنا: إن اللمس باليد والقبل والمباشرة داخل ذلك كله تحت الملامسة، فلفظة النساء هنا عند مالك محمولة على عمومها في جميع النساء، إلا أنه يراعي مع ذلك اللذة إلا في القبلة وسوى بعض أصحابه بين اللمس والقبلة في مراعاة اللذة. وعند الشافعي محمولة في أشهر قوليه على جميع النساء، إلا أنه لم يشترط اللذة، وفرق في أحد قوليه بين ذوات المحارم، مثل الأم والبنت وبين غيرهن. واختلف أصحابه في لمس الصغيرة هل هو داخل تحت هذا العموم
стр. 608
فينتقض الوضوء أم لا؟ واختلف في انتقاض وضوء الملموس. فقال الشافعي في أحد قوليه: ينتقض. وقال أبو حنيفة: لا ينتقض. وراعى مالك اللذة في انتقاض وضوئه أخذًا بعموم الملامسة؛ لأن كل واحد من الملامسين لامس وملموس.
- قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾:
هذا يفيد وجوب طلب الماء وهي مسألة اختلف فيها، ذهب مالك إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بعد طلب الماء وإعوازه، وخالف في ذلك أبو حنيفة فلم ير الطلب واجبًا. وحجة مالك الآية المذكورة، والذين أوجبوا الطلب اختلفوا في مقداره. فقال ابن راهويه: لا يلزم المسافر الطلب إلا بين يديه وحوله. وقالت طائفة: يخرج في طلبه المرتين ونحوهما، وفي المذهب: يمشي في طلبه ثلاثة أميال. وقال الشافعي: يمشي في طلبه ما لم يخف فوات رفيق أو وقت، والأسباب التي لا يجد معها المسافر الماء إنما هي إما عدمه جملة، وإما تخوف يحول دونه، واختلف إذا لم يجد الماء إلا بثمن وهو قادر على الثمن هل هو من الواجد للماء، فلا يجوز له التيمم أم لا؟ فقال الحسن البصري: إذا وجد الماء بثمن فليس من أهل التيمم ويشتري الماء، وإن أتى على ماله كله ويبقى عديمًا أخذًا بظاهر الآية: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، قال: وهو واجد للماء،
стр. 609
وذهب مالك إلى أنه من أهل التيمم لأنه غير واجد للماء، ودين الله يسر. وقد قال تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]، قال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]، إلا أن يكن من أهل المقدرة فيشتريه ما لم يرفعوا عليه في الثمن فيتيمم حينئذ. وقالت طائفة: يشتريه ما لم يزد على القيمة الثلث فصاعدًا. وقالت طائفة: يشتريه بالدرهم والدرهمين والثلاثة ونحوها، وإذا قلنا بوجوب الطلب وأنه شرط في صحة التيمم فهل ذلك شرط في صحة التيمم لكل صلاة عند القيام إليها أو في صحته لما اتصل من الصلوات عند القيام لها، أو في صح التيمم على الإطلاق؟ وفيه خلاف بين العلماء وحجة القول الأول: ظاهر قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] الآية؛ لأن هذا يقتضي الوضوء لكل صلاة والتيمم عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، إلا أن السنة خصصت من ذلك الطهارة بالماء، وهي صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة الصلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على أصله، وإن قلنا: إنه بدل، فالبدل لا يقوي قوة المبدل منه، فلا يصح على هذا القول صلاتان بتيمم واحد، إن اتصلتا ونواه لهما، ولا صلاة بتيمم نواه لغيرها، ولا صلاة بتيمم نواه لها إذا صلى به غيرها أو تراخى عن الصلاة به. ومن فرق في هذا بين نافلة وفرض أو بين صلاتين مشتركتين أو غير مشتركتين، فقد خرج عن هذا الأصل وراعى
стр. 610
الخلاف، واختلف في الصلاة إذا لم يجد ماء ولا ترابًا كحال المكتوف والمحبوس والمهدوم عليه والغريق ومن أشبههم على أربعة أقوال، فقالت طائفة: يصلون إيماء بغير وضوء أو تيمم، كصلاة الطالبين للعقد ولا إعادة عليهم، وهو قول ابن نافع وسحنون، وحكي عن أشهب مثله. وقالت طائفة: يصلون وعليهم الإعادة، وهو قول ابن القاسم وأكثر أصحاب مالك، وهو قول الشافعي. وقالت طائفة: لا يصلون حتى يجدوا ماء أو ترابًا، فإذا وجدوا ذلك صلوا، وهو قول أبي حنيفة وأصبغ بن الفرج الحصري. وقالت طائفة: لا يصلون ولا إعادة عليهم. قال ابن خويز منداد: وهو الصحيح عن مالك فوجه قول أشهب وابن القاسم قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ٤٣]، فعم. ووجه القول بأنه لا تصح منه الصلاة قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿حتى تغتسلوا﴾، وإلى قوله: ﴿فتيمموا﴾، فمنع قرب الصلاة إلا بوضوء أو بتيمم. واختلف فيمن كان معه من الماء ما لا يكفيه لجميع أعضائه، فقال مالك: يتيمم، وللشافعي مثل ذلك، وقال الشافعي في أشهر قوليه: يغسل ما أمكنه ويتيمم لما بقي من أعضائه، وبه قال أبو حنيفة. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، ولم يجعل بينهما واسطة. واختلف إذا كان أكثر الجسد جريحًا ولم يبق إلا مثل يد أو رجل، هل يتيمم أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه يتيمم. وقال الشافعي: يغسل الصحيح منه ويتيمم للباقي، والحجة لهذا كالحجة للمسألة قبلها.
стр. 611
واختلف قول مالك في الحاضر إذا خاف فوات الوقت إن عالج الماء، فعنه في ذلك ثلاث روايات، أحدها: أن يتيمم ويصلي ولا يعيد، وقاله الأوزاعي. وقال أيضًا: يعالجه وإن فات الوقت، وقاله أبو حنيفة، وداود. وقال أيضًا: يتيمم ويصلي ويعيد، وبه قال الشافعي، فوجه القول الأول قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا كالعادم، ثم استحب له الإعادة، ومرة رآه كالواجد للماء فلم يجز له التيمم، وظاهر قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾، قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦]، أن ذلك في جميع أنواع الصلاة من فرض أو سنة على الأعيان، كالوتر وركعتي الفجر، وسنة الكفاية كالجنائز والعيدين، على القول بأنها على الكفاية، ونوافل. وبهذا الظاهر قال مالك وأصحابه في المسافر والمريض الذي نص الله عليه في الآية. وخالف في ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة قصر عموم الصلاة على الغرض خاصة؛ لأنه أوكد من غيره من الصلوات في غير ضرورة، وإنما جاز التيمم لضرورة الحاجة إلى إقامة الفرض. وقد يحتمل قول عبد العزيز: أن تكون السنن التي على الأعيان عنده مثل الفرض، لأنها مما لا بد منها، فيكون هذا قولًا ثالثًا.
стр. 612
وقال ابن سحنون: يتيمم لكل سنة كما يتيمم للفرائض، فهذا قول رابع. وأما الصحيح المقيم على القول بأنه من أهل التيمم على حسب ما تأول عليه الآية من تأولها، فإنه يتيمم للفرض باتفاق. ويختلف في تيممه للسنن التي على الأعيان، وفي السنن التي على الكفاية. والقول الذي ذهب إليه على أنه لا يتيمم في النوافل، وهذا نزوع إلى مراعاة حال الضرورة؛ كما قال عبد العزيز. وقد اختلف في الحاضر العادم للماء إذا خاف فوات الجنازة والعيدين على القول بأنه ليس من أهل التيمم، هل يجوز أن يصلي عليها بغير وضوء أم لا؟ فالجمهور على أنه لا يجوز. وقال الشافعي: يجوز ذلك والحجة عليه أن الصلاة على الجنائز صلاة/ فلم تجز إلا كما قال الله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾. وإن خالف في تسميتها صلاة أثبت ذلك عليه بما جاء في الشرع على طريق التواتر في تسميتها صلاة. واختلف إذا وهب للعادم الماء هل عليه قبوله أم لا؟ فذهب مالك إلى أن عليه قبوله، وقاله الشافعي، وقال أيضًا: لا يلزم قبوله لما يلحقه في ذلك من المنة وليس بشيء؛ لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ وهذا واجد للماء، وإذا تيمم الرجل ثم وجد الماء قبل الشروع في الصلاة بطل تيممه، إن لم يخف فوات الوقت ولزمه استعماله، وهذب ابن أبي سلمة إلى أنه ل يلزمه استعمال الماء وله أن يصلي بذلك تيممًا.
ودليل القول الأول: قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾، وهذا للماء وإن وجده في حال التشاغل بالصلاة مضى على صلاته.
стр. 613
وذهب أبو حنيفة إلى أنه ما لم يقعد في آخر صلاته مقدار التشهد فصلته منتقضة. وقال الأوزاعي: يخرج من الصلاة ويتطهر ويضيف للركعة إن كان صلاها ركعة أخرى ويجعلها نافلة. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]، وإن وجده بعد الفراغ فلا شيء عليه أيضًا، خلافًا لطاووس؛ لأنه في حين الصلاة لم يكن واجدًا للماء. وإن نسي الماء في رحلة فيتيمم ويصلي، فعن مالك روايتان، أحداهما: أنه يعيد أبدًا. والثانية: إن الصلاة تجزيه، فإن قلنا: إنها تجزيه فلقوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا غير واجد؛ ولقوله ﵊: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))، وإذا قلنا: إنها لا تجزيه؛ فلقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد للماء، ولأنه أوجب الطلب وجواز التيمم بعد العدم وهذا لم يطلبه، فوجب أن لا يجزيه. وأما التيمم لغير صلاة مثل التيمم لمس المصحف أو لقراءة حزب ونحو ذلك، فظاهر الآية قصر ذلك على الصلاة. وذد روي عن مالك أنه أجاز ذلك في السفر. وقد روي عن غيره أنه أجاز التيمم لدخول المسجد والجلوس فيه في السفر وغير السفر، وجاء في الحديث أن النبي ﷺ تيمم
стр. 614
بالمدينة لرد السلام، كان تيممه على جدار. وقد اختلف في التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ فعند مالك وأصحابه: أنه لا يرفع الحدث وإنما يستباح به ما يستباح بالوضوء والغسل. وذهب أبو سلمة بن عبد الرحمن إلى أنه يرفع الحدث كله الأكبر والأصغر، معنى هذا أنه إذا تيمم للوضوء أم من الجنابة كان على طهارته أبدًا ولم يجب عليه الغسل ولا الوضوء، وإن وجد الماء، ما لم يحدث أو يجنب. وقال سعيد بن المسيب وبن شهاب: إنه يرفع الحدث الأصغر دون الأكبر، وعلى هذا يترتب الخلاف هل هو بدل من الوضوء والغسل أم من الوضوء خاصة أم ليس ببدل؟ والأوقات التي تؤدى فيها الصلاة بالتيمم هي أوقات الاختيار؛ لأن الله تعالى أمر بأداء الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، وأداء الصلوات هو في وقت الاختيار، فكذلك يجب أن يكون أداؤها بالتيمم في الوقت الذي تؤدى فيه بالوضوء. وقد اختلف فيمن كان على يقين من بلوغ الماء قبل ذهاب الوقت، فلم يؤخر وتيمم أوله. فقال ابن القاسم: يعيد في الوقت. وقال ابن حبيب: يعيد في الوقت وبعده، وقال
стр. 615
اللخمي: والقول الأول أحسن؛ لقوله سبحانه ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] الآية، فأمر بالصلاة بالتيمم في الوقت الذي أمر فيه الصلاة بالوضوء ولم يفرق. ومن شرطه صحة التيمم على المشهور من المذهب دخول الوقت.
وقال ابن شعبان: ليس ذلك بشرط، والدليل على صحة المشهور: قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية، ولا يكون القيام لها إلا بعد دخول وقتها.
- قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾: التيمم في اللغة القصد، ولذلك قال الشاعر:
تيممت العين التي عند ضارج
وقال آخر:
سل الربع أني يممت أم مالك
والصعيد اختلف فيه، فقال الخليل: وجه الأرض، وقال قتادة: الصعيد الأرض الملساء التي لا نبات عليها، وقال ابن زيد: هي الأرض المستوية، قيل: التراب، ((والطيب)): الطاهر، وقيل: الحلال، وهو قول ضعيف، وقيل: المنبت وعن مالك: أن ((الطيب)) الطاهر، وأن الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غير تراب، فأجاز التيمم بالوحل والحصى
стр. 616
والحجارة ونحو ذلك؛ إلا أنه اختلف أصحابه هل يجوز ذلك مع وجود التراب أم لا؟ مع اتفاقهم على أن البداية بالتراب أولى. وعند الشافعي أنه التراب، ومن حجته رواية من روى: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها وطهورً)). وأن الطيب هو المنبت، فلم يجز التيمم على الرمل والحجارة ولا ما عدا التراب. وعندنا قولة نحو قول الشافعي: فحصل الإجماع على إجازة التيمم بالتراب. وأما الذهب الصرف والفضة والياقوت والزمرد والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، والنجاسات، فلا يجوز التيمم عليها إجماعًا؛ لأنه لا يقع عليها اسم الصعيد إجماعًا. واختلف في المعادن فأجاز مالك التيمم بها، ومنعه الشافعي، وذكر بعضهم أن الخلاف يوجد في المذهب فيه والحجة لمالك على من خالفه في الصعيد عموم الآية.
واختلف في الملح، فأجيز في المذهب معدنية وجامدة ومنعا جميعًا، وأجيز المعدني ومنع الجامد، والحجة للجواز ما قدمناه. واختلف في التيمم بالسمك والزعفران بالجواز والمنع. والأظهر المنع؛ لأنهما ليسا في شيء من الأرض فلا يقع عليها اسم الصعيد. واختلف في التيمم بالتراب على غير وجه الأرض مثل طبق تراب يرفع إلى المريض ونحو ذلك، فذهب مالك وجمهور أصحابه إلى الجواز. وذهب بعضهم إلى المنع؛ لأن الله تعالى إنما أمر بقصد وجه الأرض وذلك عبادة، فلا يجوز غير ذلك.
стр. 617
واختلف فيما طبخ كالآجر والطوب والجص، ففيه قولان في المذهب: الجواز والمنع. وعموم الآية حجة لمن أجازه؛ لأنه إذا كان في وجه الأرض فالصعيد واقع عليه، لأنه مشاكل للأرض.
واختلف في التيمم على الجدار بالجواز، والمنع. وحجة من منع ما قدمناه من أن العبادة إنما هي قصد وجه الأرض، كما أمر الله تعالى، فلم يجز تعدي وجه الأرض.
واختلف في التيمم على النبات إذا عم وجه الأرض والعود؛ ففيه في المذهب قولان: الجواز والمنع. والأظهر المنع؛ لأنه وإن كان على وجه الأرض فليس في وجه الأرض ولا بمشاكل لها إلا على ما قال يحيى بن سعيد: ما حال بينك وبين الأرض فهو منها. وما أجيز به التيمم من هذه الأشياء، فإنما أجيز عند عدم التراب، فإن تيمم به مع الوجود، فقد قال ابن حبيب في التيمم بالثلج: يعيد أبدًا. وقال في التيمم بالحصا مع وجود التراب: يعيد في الوقت. قال بعضهم: وظاهر المذهب أن لا إعادة عليه. والحجة للقول الأول بأن لا إعادة عليه عموم لفظ الصعيد كما قدمناه.
واختلف فيمن يتيمم على أرض نجسة، فقال ابن القاسم: إذا ذهب الوقت أجزأه، وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا يجيزه تعلقًا بظاهر قوله تعالى: ﴿صعيدًا طيبًا﴾. والتراب الطيب ها هنا الظاهر والتيمم لا يكون إلى في عضوين: الوجه واليدين؛ لقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم
стр. 618
وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]، عندنا أنه مرتب في العضوين كترتيب الوضوء في أعضائه يمسح الوجه أولا ثم اليدين. وبهذا قول الجمهور، وهو ظاهر الآية. واجاز بعضهم فيه ترك الترتيب، واستدل بما وقع في حديث عمار على بعض الروايات من أنه ﵊ مسح كفيه قبل وجهه. والصواب ما قدمناه. والفرض في الوجه إيعابه بالمسح، ويتبع غضونه كما يصنع بالماء، وسيأتي تحديده في آية الوضوء إن شاء الله تعالى.
وأجاز بعضهم ترك تتبع الغضون كالجبين، وهو قول محمد بن مسلمة.
واختلف في استيعاب مسح اليدين، فقال بعضهم: يجزئ المسح وإن لم يصب بعض اليدين، وهو قول سليمان بن داود. وظاهر الآية إيعاب جميعهما حتى لا يترك منهما شيء، وإن كان بعضهم قد استدل بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ على أنه يجزئ مسح البعض في ذلك، ورأى أن ((الباء)) في هذه الآية ((كالباء)) في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة: ٦]، وأنها للتبعيض. وهذا غير صحيح، فإن ((الباء)) لا تدل على شيء من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. ولو طاف أحد ببعض البيت لم يجز بإجماع، وفي حد فرض التيمم فيهما خلاف كثير، فقيل: إلى الكوعين، وهو مذهب مالك. وقيل:
стр. 619
إلى المرفقين، وهو مذهب ابن نافع ومحمد بن الحكم. وقيل: إلى الإبط، وهو مذهب ابن شهاب ومحمد بن مسلمة، وفي غير المذهب أن يمسح الكفين فقط، وفي ذلك حديث عن عمار، وفي مصنف أبي داود أن الرسول ﷺ مسح إلى أنصاف ذراعيه. ولم يقل بهذا الحديث أحد من العلماء، فمن قال: إلى الكوعين: كان ذلك منه بناء على تعليق الحكم بأول الأسماء؛ لأن اليد هي من أطراف الأصابع إلى الإبط وأقل ما ينطلق عليه اسم اليد إلى الكوعين. وحمل التيمم على القطع في السرقة.
ويؤيده ما وقع في بعض الأحاديث من المسح إلى الكوعين. ومن قال: الإبط بناه على تعلق الحكم بآخر الاسم؛ إذ ذاك أكثر ما ينطلق عليه اسم اليد. ويؤكده ما جاء في بعض الأحاديث من أن الراوي، قال: تيممنا إلى الآباط، أو قال إلى المناكب. ومن قال: إلا المرافق، فإنه اتبع الحديث أيضًا، ورد آية التيمم إلى آية الوضوء، لما كان تستباح به الصلاة كما تستباح بالوضوء، والحكم إذا قيد في شيء وأطلق فيما بينه وبينه مشابهة، اختلف الأصوليون في بناء المطلق على المقيد بهذه المسألة. والعتق في الكفارة والظهار، وكان حملها على آية الوضوء أولى من حملها على آية القطع؛ لأن حمل شيء على ما هو جنسه أولى من حمله
стр. 620
على ما ليس من جنسه، ومالك رحمه الله تعالى، وإن رأى الفرض إلى الكوعين فإنه يرى التيمم إلى المرفقين. فقال بعض أصحابه: ذلك على أن ما زاد على الكوعين سنة. وقال بعضهم: على أنه فرض، والأول أظهر؛ لكونه يرى الإعادة في الوقت على من اقتصر على الكوعين. ومن قال بمسح الكفين رأى أن حديث عمار الذي جاء في مسح الكفين خاصة مفسر لليد المذكور في الآية. وفي المسألة قول خامس ذهب إليه ابن لبابة في ((منتخبه))، قال: وإن الجنب يتيمم إلى الكوعين بالسنة لا بالقرآن، وغير الجنب إلى المنكبين على ظاهر ما في القرآن.
واختلف في المسح الذي أمر الله تعالى به كيف يكون؟ فقيل: بضربة واحدة للوجه واليدين، وروي عن مالك نحوه. وقيل: بضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين، وهو مشهور قول مالك. وقيلك بضربتين: ضربة للوجه واليدين وضربة أخرى أيضًا كذلك. وقال بعضهم: ما صنع من ذلك أجزأه؛ لأن الله تعالى أمر بالمسح، ولم يخص كذلك. وقال بعضهم: ما صنع من ذلك أجزأه؛ لأن الله تعالى أمر بالمسح، ولم يخص ضربة من ضربتين ولا وقت الضربات. ورجح ابن الجهم القول الأول، ورأى أنه ظاهر الآية، وقال: ((فتيمموا)) معناه: اقصدوا، فكان القصد مرة؛ إذ لم يذكر مرتين. وقال اللخمي: هذا أقيس؛ لظاهر القرآن، ولحديث عمار الذي قال فيه النبي ﷺ : ((إنما كان يكفيك هكذا فضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وكفيه))، والحديث في البخاري ومسلم. والذي يعتمد عليه ما ذكرته عن
стр. 621
مالك لما يعضد ذلك من الآثار المفسرة للقرآن. والذين ذهبوا إلى الترتيب اختلفوا إذا مسح اليد اليمنى أولًا وانتهى في الرجوع إلى الكوع، هل يمر الكف على الكف أم إنما يفعل ذلك بعد مسح اليدين جميعًا، والوقوف في كل واحدة منهما عند الكوع أم لا يكون شيء من ذلك ويكفي منه الانتهاء إلى الكوع، ولا يحتاج إلى مسح الكف على الكف؟ وهي ثلاثة أقوال يحتمل كل واحد منهما أن تفسر به الآية. وقال محمد بن عبد الحكم: ليس في ذلك حد، ويفعل في ذلك ما يفعل في الوضوء، وقال: لا فرق بينهما.
واختلف في المذهب في تحريك الخاتم وتخليل الأصابع على قولين، أحدهما: أنه يجب. والثاني: أنه لا يجب. وقال محمد بن عبد الحكم: ينزع الخاتم وظاهر الآية تعميم جملة اليد وكان تعميم ذا اليد، وإذا كان ذلك كذلك وجب تخليل الأصابع وتحريك الخاتم؛ لأنه إن لم يحرك ولم يخلل بقي من اليد موضع لم يمسح فلم يعد اليد بالمسح.
(٤٨) - قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية:
هذه الآية أصل في الوعد والوعيد، وهي الحاكمة ببيان ما تعارض من الآيات في ذلك. وتهذيب القول فيها أن الناس أربعة أصناف: كافر مات على كفره. فهذا مخلد في النار بإجماع، ومؤمن لم يذنب مات على إيمانه، فهذا في الجنة بإجماع، وهذا كله في هذين الصنفين بحسب ما أخبر الله تعالى عنهم، وتائب من ذنبه مات على توبته، فهذا عند أهل السنة والجمهور الفقهاء لاحق بالمؤمن المتقدم ذكره؛ إلا أن مقتضى مذهب
стр. 622
المتكلمين أنه في المشيئة. ومذنب مات قبل توبته، فهذا اختلفت فيه الفرق. فقالت المرجئة: هو في الجنة بإيمانه، ولا تضره سيئاته، وبنوا ذلك على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مخصصة في الكفار، وآيات الوعد عامة في المؤمنين تقيهم وعاصيهم. وقالت المعتزلة: إن كان صاحب كبيرة فهو في النار ولا بد. وقالت الخوارج: إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو مخلد في النار ولا إيمان له؛ لأنهم يرون كل الذنوب كبائر، وبنوا ذلك على أن جعلوا آيات الوعد كلها مخصصة في المؤمن الذي لم يذنب أو المؤمن التائب. وجعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كفارة كانوا أو مسلمين، وقال أهل السنة: آيات الوعد ظاهرة العموم، وآيات الوعيد ظاهرة العموم، ولا يمكن الجمع بينهما مع حملهما على عمومها؛ كقوله تعالى: ﴿لا يصلها إلا الأشقى (١٥) الذي كذب وتولى (١٦)﴾ [الليل: ١٥، ١٦]، وقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له تار جهنم﴾ [الجن: ٢٣]، فلا بد أن نقول: إن آيات الوعد لفظها العموم والمراد بها الخصوص في المؤمن، وفي التائب، وفيمن سبق علم الله تعالى بالعفو عنه من المذنبين، وآيات الوعيد لفظها العموم، والمراد بها الخصوص في الكفرة)، وفيمن سبق علم الله
стр. 623
تعالى بتعذيبه من المؤمنين, هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، ردت على الطائفتين: المرجئة والمعتزلة، وذلك أن قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، فظل مجمع عليه. وقوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ فيه رد لقول المعتزلة بتخليد المذنب ولو تم الكلام ها هنا عند قوله: ﴿ما دون ذلك﴾ ردًا عليهم، مبينًا أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم، بخلاف ما زعموا من أنه غفور لكل مؤمن. وقد تأولت المعتزلة الآية على مذهبها، فقالت: قوله: ﴿لمن يشاء﴾ هو التائب، وهذا تحك على الآية يرده النظر. وتأولت المرجئة الآية أيضًا على مذهبها، فقالت: قوله: ﴿لمن يشاء﴾ أن يؤمن وهذا أيضًا تأويل بعيد، كان سبب نزول هذه الآية أنه لما نزلت: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، قال أصحاب النبي ﷺ : ((والشرك يا رسول الله))، فنزلت الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. وذهب بعض أهل
стр. 624
التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر الفرقان. قال زيد بن ثابت: نزلت سورة النساء بعد سورة الفرقان بستة أشهر. والنسخ في الأخبار مستحيل. والصحيح أن التي في الفرقان مخصوصة بالكفار الذين أرادوا الدخول في الإسلام، فخافوا أن لا ينفعهم الإسلام مع ما سلف لهم في الجاهلية، وروي ذلك عن ابن عباس وغيره.
(٥٨) - (٥٩) - قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾:
اختلف في المخاطب بالآية، فقال ابن عباس وغيره: هي عامة في كل مؤتمن على شيء، وقال علي بن أبي طالب وغيره: هي خطاب لولاة المسلمين أمروا بأداء الأمانة لمن ولوا عليه، وهذا اختبار الطبري. وقال ابن عباس: الآية في الولاة، أمروا أن يعضلوا النساء في النشوز ونحوه، ويردوهن إلى أزواجهن. وقال ابن جريج وغيره: ذلك خطاب للنبي ﷺ خاصة، أمر أن يرد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن أبي طلحة حين أخذه منه. واختلف في الحربي يدخل إلينا بأمان، فيودع وديعة ثم يقتل في دار الحرب، أو يموت عندنا، أو يقتل. فقال أبو حنيفة: لا يرد ما ترك عندنا من مال أو وديعة إلى أهله، وهي غنيمة. وقال مالك: يرد ماله وودائعه إلى أهله. وقال الشافعي بقوليهما. والأظهر قول مالك لعموم قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾. واختلف أبو حنيفة
стр. 625
والشافعي في المسلم يدخل دار الحرب بأمان فيداينه الحربي دينًا، ثم يخرج الحربي مستأمنًا، فقال أبو حنيفة: لا يقضي له على المسلم بدينه، وكذلك عنده لو كان المسلم قد أدان الحربي هما سواء ولا يقضي على الحربي.
وفي قول للشافعي: يقضي بالمال في الوجهين جميعًا، وهو ظاهر مذهب مالك، وهذا هو الأظهر؛ لأن الدين من نوع الأمانات أيضًا.
واختلف في الأسير إذا ائتمنه الحربي على شيء هل يجوز أن يخونه أم لا؟ والأظهر منع ذلك؛ لعموم الآية من هذا مسألة الذي يودعه الرجل مالًا وقد كان جحده قبل ذلك مالًا. هل لهذا الآخر أن يجحده كما جحده أم لا؟ وقد تقدمت المسألة مستوفاة.
(٥٨) - قوله تعالى: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾:
ظاهر الآية جواز حكم الحاكم بين جميع الناس لبعيد على قريب ولقريب على بعيد؛ إذ حكم بالعدل. وعندنا في حك مالحاكم لمن لا تجوز شهادته له قولان: الإجازة والمنع، وحجة القول بالجواز عموم الآية.
(٥٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ الآية:
اختلف في أولي الأمر، فقيل: هم الأمراء. وقيلك هم العلماء. وقيل: أولوا العلم بالقرآن. وقيل: أصحاب سيدنا محمد ﷺ خاصة، وقيل: هي إشارة إلى أبي بكر وعمر خاصة. وحكى بعض من قال:
стр. 626
إنهم الأمراء، إنها نزلت في أمراء رسول الله ﷺ . وكان السبب أن رسول الله ﷺ بعث سرية فيها عمار بن ياسر وأميرها خالد ابن الوليد، فقصدوا قومًا من العرب، فأتاهم نذير، فهربوا تحت الليل، وجاء منهم رجل إلى عسكر خالد فدخل إلى عمار، فقال: يا أبا اليقظان! إن قومي قد فروا وإني أسلمت فإن كان إسلامي ينفعني وإلا فررت، فقال له عمار: ينفعك، فأقم، فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد سوى الرجل المذكور، فأخذه وأخذ ماله، فجاء عمار فقال: خل عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني. فقال خالد: وأنت تجير، فاستبا وارتفعا إلى رسول الله ﷺ فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير. واستبا عند رسول الله ﷺ ، فقال خالد: يا رسل الله! أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله ﷺ : ((يا خالد لا تسب عمار، فإنه من سب عمارًا سبه الله، ومن أيغض عمارًا أبغضه الله، ومن لعن عمارًا لعنه الله))، فغضب عمار، فقام، فذهب، فتبعه خالد حتى اعتذر إليه فتراضيا، فنزلت الآية.
و((طاعة الله)): اتباع أوامره واجتناب نواهيه. و ((طاعة الرسول)): الرجوع إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته. ومعنى: ﴿فردوه إلى الله والرسول﴾، أي: إلى الكتاب والسنة.
стр. 627
(٨٦) - قوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾:
اختلف في المراد بالآية، فقيل: المراد بها تشميت العاطس، حكي ذلك عن مالك، وهو قول ضعيف ترده ألفاظ الآية. والذي ينبغي أن يظن بمالك أنه أراد قياس التشميت على رد السلام، وأن الآية في رد السلام لا في تشميت العاطس، كظاهر ما نسب إليه. وقيل: هو الذي عليه الجمهور: أن الآية في رد السلام؛ لأن التحية المقصودة بها السلام في كلام العرب، ألا ترى قول عبدة:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من غادرته غرض الردى ... إذا زاد عن سخط ديار كسلما
وإذا قلنا: إن المراد بالآية السلام، فهل قوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ عام في كل من سلم من مسلم وكافر، أو خاصة فيمن سلم على مؤمن. اختلف في ذلك على قولين، أحدهما: أن الآية خاصة في المؤمنين فلا يجوز رد السلام على غير المؤمن، وإلى هذا ذهب عطاء. وذهب الجمهور إلى أن الآية عامة وأن السلام يرد على من سلم مؤمنًا كلن أو كافرًا؛ إلا أنهم اختلفوا في كيفية الرد على الكفار، فقال قوم بظاهر الآية ولم يفرقوا في ذلك بينهم وبين المؤمنين. وقال بعضهم: يرد عليهم بأن يقال: عليك، وعن بعضهم: ((السلام عليك))، يجعله بعضهم اسمًا
стр. 628
للموت، وبعضهم يريد السآمة. وعن بعضهم: عليك السلام بكسر السين. وعن بعضهم: علاك السلام. وإذا كانت الآية خاصة بالمؤمنين، وقلنا: لا يرد السلام على الكفار، بأن لا يبدؤوا بالسلام أحرى، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمن أجاز ابتداءهم بالسلام. وإذا قلنا بالمنع، فإن سلمت عليه ناسيًا فهل تستقبله السلام أم لا؟ فيه قولان. واختلف أيضًا في أهل المعاصي هل يسلم عليهم أم يرد السلام إذا سلموا، فذهب مالك إلى أن لا يسلم عليهم.
وذهب غيره إلى إجازة السلام عليهم، ويحتج بعموم الآية وبغير ذلك.
والعلماء متفقون على أن الابتداء بالسلام سنة مندوب إليها. قال تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ [النور: ٦١]، أي بعضكم على بعض تحية من عند الله مباركة طبية، والرد فريضة؛ لقوله تعالى: ﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾، فأمر بالرد، وأمرع تعالى فيه على الوجوب. وكذلك تشميت العاطس؛ إلا أن في تشميت العاطس قولين، أحدهما: أنه واجب، والثاني: أنه مندوب إليه. ولم أر في رد السلام خلافًا. وإذا قلنا: إن رد السلام واجب، فهل ذلك على الأعيان أم على الكفاية؟ فيه قولان: فذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أنه على الكفاية، وكذلك التشميت عندهم. وذهب غيرهم إلى أنه على الأعيان، وإن كل من سمع السلام فواجب عليه أن يرده. وكذلك التشميت عندهم، وكل طائفة تتناول الآية على مذهبها. ومما يقوي مذهب مالك ومن معه ما وراه مالك عن زيد بن أسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 629
قال: ((إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم)). وروى أبو داود عن علي مثله، وأنكر أبو يوسف حديث مالك لأنه مرسل. فقال الآخرون: المرسل أولى من الرأي المجرد، وقالوا: قد يكون من السنة ما ينوب عن الفرض كغسل الجمعة عن غسل الجنابة، وغسل اليدين قبل الوضوء عن غسلهما مع الذراعين في الوضوء في قول عطاء. وكذلك رد الواحد يجزئ عن الجماعة. ومما يدل على وجوب التشميت قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة: ((فإن عطس فحمد الله فحق على كل من سمعه أن يشمته)). وتأوله من ذهب إلى أنه مندوب إليه على أن ذلك حق في حسن الأدب وكرم الأخلاق، كما قال ﵊: ((م نحق الإبل أن تحلب على الماء)). واختلف في المصلي إذ اسلم عليه هل يرد السلام أم لا؟ فذهب سعيد بن المسيب وغيره إلى أنه يرد السلام لفظًا. وقال أبو حنيفة: لا يرد السلام لفظًا ولا إشارة بعضو من الأعضاء. وقال مالك: يرد إشارة بيده أو برأسه لا لفظًا. وقال النخعي: يرده في نفسه. ومن حجة من لم يجز رده لفظًا. وقال النخعي: يرده في نفسه. ومن حجة من لم يجزه رده لفظًا أنه كلام. ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]،
стр. 630
ومن حجة من أجازه عموم قوله تعال: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾: فلم يخص صلاة من غيرها. واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: ﴿بأحسن منها أو ردوها﴾، على ثلاثة أقوال: فقال قوم: التحية أن يقول الرجل سلام عليك. فيجب على الآخر أن يقول: عليك السلام ورحمة الله. فإن قال البادئ: ((السلام عليك ورحمة الله)). قال الراد: عليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته. فإذا قال البادئ: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقد انتهى، ولم يبق للراد كيف يحيي بأحسن منها، فها هنا يقع الرد المذكور في الآية. فالمعنى على هذا القول في الآية: ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ فإن نقص المسلم من النهاية، فحيوا بأحسن منها وأن انتهى فردوا. وعلى هذا القول ينتهي السلام إلى البركة كما جاء في الحديث ولا يجوز تجاوزها. وقال بعضهم: في الآية دليل على تجاوز البركة إذا انتهى المبتدئ بالسلام إليها. وقال قوم: معنى الآية تخيير الراد فإذا قال البادئ: السلام عليك فللراد أن يقول: عليك السلام فقط. وهذا هو الرد. وله أن يقول: وعليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته. وهذا هو التحية بأحسن. وقال قوم: المراد إذا حيتتم بتحية، فإن كانت من مؤمن فحيوا بأحسن منها، وإن كانت من كافر فردوا ذلك، على ما قال رسول الله ﷺ : ((أن يقال: وعليك))، وإذا
стр. 631
قلنا: إن المراد بالآية التشميت، أو قسناه على السلام، فإن التحية حينئذ هي العطاس مع حمد الله تعالى، فإن عريت من الحمد لم يشمت العاطس على ما تقدم في حديث أنس. وذكر بعضهم أنه إجماع من العلماء، وإن كان قد جاء في حديث البراء: أمرنا رسول الله ﷺ بتشميت العاطس، فعم مع الحمد وغير الحمد، العام إذا عارضه الخاص فيه تنازع بين العلماء هل يسلك فيه مسلك البيان أو مسلك النسخ.
وقد اختلف فيما يقرن إلى العطاس وحينئذ يكون تحية أو مقيسًا على التحية، فقالت طائفة: يقول: ((الحمد لله)) على ما جاء في حديث أبي هريرة. وقالت طائفة: يقول: ((الحمد لله رب العالمين)). وقالت طائفة: ((الحمد لله على كل حال)). وذكره ابن عمر عن رسول الله ﷺ .
وقال الطبري: الصواب أن العاطس مخير في هذه المحامد، وذكر عن أم سلمة أن رجلًا عطس عند النبي ﷺ فحمد الله تعالى، فقال له:
стр. 632
((يرحمك الله))، ثم عطس الثانية، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فقال ﷺ : ((ارتفع هذا على هذا سبع عشرة درجة)).
واختلفوا أيضًا في كيفية رد المشمت، فقالت طائفة: يرحمك الله، ويخصه بالدعاء على ما جاء في حديث أبي هريرة، وعلى ما جاء أيضًا من أن الله تعالى قال لآدم ﵇ حين عطس لما فرغ الله تعالى من خلقه، قال له: يرحمك الله ربك. وقالت طائفة: يعم بالتشميت العاطس وغيره. وكان الحسن يقول: الحمد لله يرحمكم الله. وقالت طائفة: يقول: يرحمنا الله وإياكم. وتشميت المشمت تحية أيضًا، فينبغي أن يكون لها رد.
واختلفوا أيضًا في هذا الرد كيف يكون؟ فقالت طائفة: يقول: ((يهديكم الله ويصلح بالكم))، على حديث أبي هريرة الواقع في البخاري. وكان الشعبي يقول: يهديكم الله. وأنكرت طائفة أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. واحتارت يغفر الله لنا ولكم. وقال مالك والشافعي: إن شاء قال: يهديكم الله ويصلح بالكم، وإن شاء قال: يغفر الله
стр. 633
لكم، لا بأس بذلك. وقال الطبري: لا وجه لمن أنكر يهديكم الله ويصلح بالكم، لأن الإخبار بذلك عن النبي ﷺ أثبت من غيرها. واحتج الطحاوي لقول مالك بقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ الآية. فقال: إذا قال جوابًا لقوله: ((يرحمكم الله))، ((يغفر الله لكم)). فقد رد مثل ما حياه الله به.
وإذا قال: ((يهديكم الله ويصلح بالكم))، فقد حياه بأحسن مما حياه؛ لأن المغفرة إنما هي من الذنوب، والرحمة ترك العقاب عليها. ومن جعلت له الهداية وكان مهديًا، كان بعيدًا عن الذنوب. ومن أصلح باله وهو حاله فحاله فوق حال المغفرة، فكان ذلك أولى.
(٩٠) - (٩١) - قوله تعالى: ﴿إلا أن يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وما كان لمؤمن﴾:
معنى جملة الآية: خذوا الكافرين واقتلولهم حيث وجدتهوهم إلا من دخل منهم في عداد من بينكم وبينهم ميثاق والتزم شهادتكم كرهط هلال بن عويمر الأسلمي، وشداد بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، أو من جاءكم وقد كره قتالكم وقتال قومه، وهذا بفضل الله ودفعه عنكم؛ إذ لو شاء لسلطه عليكم فلقاتلوكم ولم يتاركوكم، فإن
стр. 634
اعتزلوكم أي إذا وقع هذا فلم يقاتلوكم فلا سبيل لكم عليهم، وهذا كله الذي في سورة الممتحنة في قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم كم دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ [الممتحنة: ٨]، منسوخ بما في سورة براءة، قاله ابن زيد وغيره. وقال أبو الحسن: قال أبو عبيدة: ((يصلون)) يتنسبون. والانتساب يكون بالحلق وبالرحم والولاء، فجائز أن يدخل هؤلاء في عهد من انتسبوا إليه على حسب ما كان بين رسول الله ﷺ وبين قريش من المواعدة، فدخلت خزاعة في عهد النبي ﷺ ، ودخلت كنانة في عهد قريش ثم نسخت العهود ببراءة؛ فالمنسوخ ذلك العهد فمتى دعت الإمام حاجة إلى مهادنة الكفار من غير جزية يؤدونها، فكل من انتسب إلى المعاهدين على مقتضى هذه الآية صار منهم، واشتمل الأمان عليهم.
ثم إنه تعالى نبه بقوله: ﴿ستجدون﴾ إلى آخر الآية (٩١) على قوم آخرين مخادعين يريدون الإقامة مع أهليهم في مواضعهم، فيقولن: نحن معكم على دينكم خديعة منهم. واختلف في المشار إليهم بذلك من العرب، فقيل: أسد وغطفان لأنها كانت بهذه الصفة. وقيل: نعيم ابن مسعود الأشجعي، كان ينقل بين النبي وبين الكفار الأخبار. وقال قوم: كانوا يجيشون من مكة إلى النبي ﷺ رياء يظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، فقصهم الله تعالى وأخبر أنهم على غير صفة من تقدم.
стр. 635
- وقوله تعالى: ﴿إلى الفتنة﴾:
معناه إلى الاختبار، حكي أنهم كانوا يرجعون إلى قومهم، فيقال لأحدهم: قل: ربي الخنفساء وربي العود وربي العقرب ونحوه، فيقولها.
ومعنى: ﴿أركسوا فيها﴾ أرجعوا إلى ضلالة أي أهلكوا في الاختبار بما أوقعوا من الكفر، فحض تعالى بهذه الآية على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين السلم.
(٩٢) - (٩٤) - قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا﴾ إلى قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل اله فتبينوا﴾:
اختلف في تأويل قوله: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا﴾، فقيل: معناه: ما كان في إذن الله وأمره لمؤمن أن يقتل مؤمنًا. وقيل: معناه: ما كان ذلك له في عهد الله تعالى. وقيل: معناه ما كان
следующие страницы →